الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 3660-3699

طالب: تُقْتَل.
الشيخ: والفرق بين القتل والذبح أنا إذا قلنا: تُذْبَح فمعناه أنها تحل، وإذا قلنا: تقتل فإنها لا تحل؛ تكون ميتة، ويرجع صاحبها على الفاعل بها بالضمان إذا كان غير صاحبها، أما إذا كان صاحبها فإنها تتلف عليه، وإنما أُمر بقتل البهيمة لسببين: السبب الأول -ذكره الفقهاء، وهو قد يكون بعيدًا من الناحية الطبيعية-: أنها ربما تلد إنسانًا مشوهًا، وهذا من حيث النظرية العلمية بعيد، أما من حيث قدرة الله فليس ببعيد.
والأمر الثاني: أنها تُعيَّر به إذا بقيت فيقال: هذه؟ طالب: زوجة فلان.
الشيخ: لا، ما هي بزوجة فلان.
طالب: موطوءة.
الشيخ: يقال: موطوءة فلان، أما زوجته ما يصلح؛ فلذلك كان من الحكمة إعدامها.
وقولنا: (في فرج أصلي من آدمي) يشمل اللواط؛ لأنه إيلاج حشفة أصلية في فرج أصلي من آدمي، وهذا هو المشهور من المذهب: أن حد اللوطي كحد الزاني؛ إن كان محصنًا يُرْجَم حتى يموت، إن كان حرًّا غير محصن يجلد مئة جلدة ويغرب سنة، إن كان رقيقًا فهو نصف الجلد ونصف التغريب، على القول الصحيح كما ورد.
وقال بعض أهل العلم: إن عليه التعزير؛ لأن اللواط ليس كالزنا، ليس فيه ضياع أنساب كما في الزنا، فلا يجب عليه الحد، وإنما يعزر عن هذا الفعل.
وقال آخرون: إنه لا تعزير عليه ولا حد عليه، قالوا: لأنه يُكتفى برادع الطبيعة عن رادع التأديب؛ لأن هذا ما أحد يشتهيه، فالإنسان إذا شرب خمرًا ماذا يُصْنَع به؟ يعزر بالعقوبة أو يحد، على خلاف فيه ويأتي.
لكن لو أكل عذرة عليه حد الخمر ولَّا لا؟ طالب: لا.

الشيخ: لا؛ لأن العذرة تكرهها النفس، ففي النفس رادع عنها، فيقولون -بالقياس الغبي لا الجلي- يقولون: إن هذا أيضًا -التلوط بالذكر- في النفس رادع عنه، فيكتفى بالرادع النفسي الطبيعي عن الرادع التأديبي، ولا يعزر، ولا يقال له شيء، وهذا لا شك أن هذا القول من أسخف الأقوال؛ لأننا لو أخذنا به فأصبح الناس كلهم من قوم لوط ما نقول لهم شيئًا، مع أن لوطًا عليه الصلاة والسلام أنكر عليهم غاية الإنكار وقال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80]، ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: 54]، ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُون﴾ [الشعراء: 165، 166]. والقول الرابع في هذه المسألة -وهو الصحيح الذي أجمع عليه الصحابة- أنه يُقْتل بكل حال حتى وإن لم يكن محصنًا؛ الفاعل والمفعول به إلا أن يكون مكرهًا يقتلان جميعًا إذا كانا بالغين عاقلين، سواء كانا حرين أو رقيقين، متزوجين أو غير متزوجين، الحد هو القتل بكل حال، وذكره شيخ الإسلام وغيره إجماع الصحابة رضي الله عنهم، لكنهم اختلفوا كيف يُقتل؟ فقال بعض العلماء: إنه يحرَّق بالنار، وقد روي تحريقهم عن أبي بكر (20) وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وعبد الله بن الزبير، وأظن عبد الملك بن هشام أو هشام بن عبد الملك (21)، كلهم روي عنهم تحريقهم، وهذا وجه لقتلهم.
الوجه الثاني يقولون: يُلْقَى من أعلى شاهق في البلد ويتبع الحجارة، وهذا رأي ابن عباس رضي الله عنه.
والقول الثالث: أنهم يرجمون رجمًا بالحجارة.
وهذان القولان يرميان إلى كيفية العقوبة التي أهلك الله بها قوم لوط، هل إن الله سبحانه وتعالى رفع قراهم ثم قلبها وأتبعها بالحجارة -كما هو مشهور- أو أن الله تعالى رماها بالحجارة حتى تهدمت فكان عاليها سافلها؟

فاللي يقولون بالأول (... ) يقولون: يُلقى من شاهق ويُتبع بالحجارة؛ بناء على أن العقوبة التي عوقب بها قوم لوط هي رفع القرى ثم إتباعها بالحجارة.
واللي يقولون: إنه يُرْجَم رجمًا؛ بناء على أن عقوبة قوم لوط كانت بالحجارة؛ رُجِمَت بلادهم حتى كان أسفلها أعلاها، على كل حال..، بل كان ﴿عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: 82] هذا اللي في القرآن، ما هو بالأسفل الأعلى، العالي هو السافل.
فالحاصل أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على قتله، وهذا هو القول الصواب؛ وذلك لأن هذا الفرج لا يحل بحال، أبدًا، وفرج المرأة المزني بها قد يحل ويش (... )؟ بالنكاح الصحيح.
ثم إن هذا أيضًا لا يمكن التحرز منه، فهو كقتل الغيلة الذي يجب فيه القود بكل حال على ما سبق، هذا ما يمكن التحرز منه، هل يمكن -مثلًا- ناس شباب يمشي بعضهم إلى بعض يمكن تقول: تعال ليش تمشي معه، أنت تريد أن تفجر به؟ لكن لو تشوف رجل مع امرأة يمكن إذا كان محل تهمة أن توقفه، تقول: تعالَ، ما هذه المرأة؟ فلما كان هذا لا يمكن التحرز منه بسبب اختلاط الذكران بعضهم مع بعض صار لا يمكن التخلص منه إلا بعقوبة رادعة شديدة تقضي على هذه الجرثومة الفاسدة في المجتمع.
وأيضًا مفسدة اللواط أعظم من مفسدة الزنا؛ لأن الزنا وإن كان فيه اختلاط الأنساب واشتباه الأولاد لكن يبقى الرجل رجلًا ولَّا لا؟ لكن اللواط -والعياذ بالله- ما يبقى الرجال رجالًا، يبقى الرجال نساء، ويلحق الرجال من الذل والعار والهوان -والعياذ بالله- ما لا يدرك؛ يعني: من الذي يمكن أن يقابل الناس بوجه طلق وهو يعهد من نفسه أنه كان محل خبثهم؟ ! هذا عار في وجهه إلى أن يموت.
ثم الأُمة تنقلب كلها نساء ما تهتم لا بجهاد ولا بدين ولا بعلم، ففيه من المفاسد العظيمة ما هو جدير بأن يكون هذا القول أصح الأقوال.

وعلى هذا فنقول: إذا رأى ولي الأمر أن يحرقهم ورأى أن هذا أنكى فله ذلك، وإمامه في هذا من؟ أبو بكر الصديق رضي الله عنه، والتعذيب بالنار الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام أن يكون لمجرد التعذيب، وأما العقوبة التي تقتضيها هذا فإنها جائزة؛ ولهذا لم يوبخ الله النبي الذي أحرق قرى النمل على الإحراق، وإنما وبخه على أنه زاد؛ لأن الله قال له: «فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً» (22)؛ لأنه أحرق كل قرى النمل، قرصته نملة واحدة فأحرق الجميع، فقال الله له: «هَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً» بأن أحرقت نملة واحدة، فهل هذا دليل على أنه يجوز إذا جُعل الإحراق عقوبة أن يحرق؟ وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ماذا فعل بالغلاة فيه؟ أحرقهم بالنار، واعتراض ابن عباس عليه ثم رجوعه إلى رأي ابن عباس قد يكون إنه رضي الله عنه لم يتأنَ ويتأمل ولَّا هو رجع (23)؛ لأنه قال: ما أسقط ابن أم الفضل على الهنات (24). فالحاصل أن القول الصحيح في هذه المسألة أنه يجب قتل اللوطي متى كان بالغًا عاقلًا، وطبعًا عالمًا بالتحريم؛ لأن هذه الشروط لا بد منها.
قال: (من آدمي حي) لا بد أن يكون الزنا من آدمي حي، طيب فيه آدمي غير حي؟ إي نعم، ميت؛ ولهذا قيل: وقيل: أو ميت، المذهب لو زنى بامرأة ميتة ما يقام عليه الحد، ليش؟ قال: لأن هذا ما يحصل فيه اشتباه الأنساب؛ لأنه ما هو ممكن تحمل، وأيضًا ما هناك داعٍ للنفوس إليه، ما أحد -نسأل الله العافية- تدعوه نفسه إلى يطأ امرأة ميتة.
طالب: المفروض يصدر عقاب أكثر.
الشيخ: إي نعم؛ ولهذا ذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى قول آخر غير المشهور من المذهب إلى أنه يُقام عليه حدان؛ يُحَد مرتين، قال: لأن الجناية هنا أعظم وأقبح من الجناية على الحي؛ لأن الحي في الحقيقة قد يكون معه اختيار يدافع، أو أن هذه مسكينة ما عندها ما تدافع به.

ثم هذا من أقبح الأمور أيضًا أن يزني إنسان بامرأة ميتة، لكنه ليس غريبًا أن الإنسان -والعياذ بالله- إذا تعلق بامرأة ولو بعد الموت قد يتعلق بها.
ويقال: إن يزيد -أظن ابن معاوية- كان له أو هو يزيد اللي بعده÷ن كان عنده جارية حسناء وكان يحبها، وكان يداعبها مرة فتفتح فمها فيلقي فيه حب رمان، وأنه ألقى فيها مرة حبة رمان، فشرقت فماتت، فتأوه على ذلك وأبقاها عنده في بيته ينظر إليها ويقبلها كلما دخل حتى أنتنت وتفسخت، حينئذٍ ما استطاع أن يبقيها، هكذا يقولون: وأنا لا أستبعد أن ما يقال في بني أمية من الأمور التي تخالف المعقول أنه من دسائس من؟ الطلبة: الرافضة.
الشيخ: الرافضة؛ لأن الرافضة أكذب الناس في نقل الحديث وأشد الناس تهاونًا في التقول على الغير، فلا يبعد أن هذا مما تقولوه على بني أمية، ولا شك أن في خلفاء بني أمية أناس فسقة وأهل فجور، وكذلك في أمرائهم.
المهم أني أقول: إن الميت قد يشتهيه بعض الناس، وإن كانت النفوس عامة لا تشتهيه.
طالب: بالنسبة (... ) قتله بغير ما ورد عن الصحابة؟ الشيخ: إذا رأى الإمام فيه مصلحة، فيجوز، ما دام الصحابة اختلفوا في هذا فالمسألة محل اجتهاد، والمقصود ردع الناس عن هذا الفعل الخبيث (... ). طالب: ما حكمه؟ الشيخ: يعني: يُجْلَد مئتي جلدة.
الطالب: الجلد؟ الشيخ: الجلد، إي، أما الرجم ما هو ممكن؛ لأن إذا رجم مرة ما يعود حيًّا.
الطالب: ما هو بجلد ورجم؟ الشيخ: لا، ما هو بجلد ورجم.
طالب: (... )؟ الشيخ: السحاق يعني؟ الطالب: لو رجل تلوط بامرأة؟ الشيخ: تلوط بها؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما يسمى لواطًا.
الطالب: المهم، ليس مع القُبُل؟

الشيخ: إي، حتى مع الدبر ما يسمى لواطًا، اللواط إتيان الذكر الذكر؛ ولهذا قال لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ [الشعراء: 165، 166]، وإتيان المرأة من دبرها؛ إن كانت زوجته فهو محرم، وإن كانت غير زوجته فهو زنا.
طالب: إتيان المرأة المرأة (... ) تعزر (... )؟ الشيخ: تعزر، إي نعم، تعزر تعزيرًا؟ يُشْتَرط الشرط الثاني انتفاء الشبهة، والشبهة محل شبهة الحقيقة، الشبهة ما هي؟ الشبهة هي الأمر التي يكون الفاعل شاكًّا في فعله هل هو من قسم المباح أو من قسم المحرم؟ هذه الشبهة في الحقيقة؛ يعني: اشتبه عليه الأمر، فلا بد من انتفاء الشبهة.
مثال ذلك -الشبهة- رجل ما نعرف أنه يعلم أن هذا الفعل محرم نخشى أن يكون لا يدري؛ بحيث يكون إنسانًا غبيًّا فغُرِّر به ففعل هذه الفاحشة، هذه شبهة لا شك أنه ما نقيم عليه الحد.
كذلك أيضًا إنسان تزوج امرأة بعقد يظنه صحيح وهو باطل، مثلًا تزوج امرأة في عدتها، ونكاح المرأة في عدتها -كما مر- باطل ولَّا صحيح؟ طالب: باطل.
الشيخ: باطل، فهو لا يدري أنه باطل، فتزوجها ودخل بها وجامعها، هذا زنا في حكم الشرع، لكن لا يقام على هذا الحد؛ لأنه شبهة؛ إذ ظن أن هذا العقد صحيح وأنه يملك به بضع المرأة.
كذلك جامع امرأة يظنها زوجته فهذا شبهة أيضًا إذا علمنا إن هذا (... ) يمسك امرأة في السوق ويقول: جامعها، يظنها زوجته، فهذه ليست بشبهة، لكن قد تكون امرأة مثلًا (... ) في أيام الحج، وجاء إلى امرأة في الخيمة فظن أنها زوجته وهي نائمة -مثلًا- فأتاها، فحينئذٍ نقول: إن هذه شبهة لا يُجْلَد عليها.
الخادمة عند الإنسان إذا جامعها شبهة ولَّا لا؟ طالب: لا.

الشيخ: نعم، الصحيح بلا شك أنها ليست بشبهة، والغريب أن بعض أهل العلم يقول: إن الأجيرة إذا زنا بها المستأجر فإنه شبهة؛ لأنه يحتمل أنه يفهم أن الأجرة تشمل المنافع كلها فهو شبهة، ولكن هذا ليس بشبهة في الواقع، والرجل الذي كان عسيفًا عند أحد الصحابة رضي الله عنهم وزنى بامرأته (11)، لو قلنا: إن مثل هذه الأمور شبهة، لكن هذا قد يشتبه عليه أيضًا؛ قد يظن أن هذه المرأة لما كانت زوجها مالكًا لمنافعه أنها سيدة عليه تقول ما تريد.
المهم أن مثل هذه الشبهة؛ لأني قلت لكم: إن الشبهة شبهة؛ ولذلك تهاون بعض أهل العلم رحمهم الله في تعداد الأمور التي يعدونها من الشبه، حتى صار بإمكان الإنسان أن يستأجر امرأة لخدمة البيت ثم يزني بها ويقول: إن هذا شبهة، وهذا لا يمكن أن يقره دين ولا عقل، فالشبهة الحقيقية هي التي يكون المرء فيها قد اشتبه عليه فعل المباح بالفعل المحظور، سواء من ناحية الحكم أو من ناحية المحل؛ يعني المرأة.. ثالثًا: ثبوت الزنا؛ أن يثبت الزنا من الفاعل والمفعول به، وطرق ثبوته ثلاثة: الإقرار، أو البينة، أو الحمل.
أولًا: الإقرار، والإقرار هو الاعتراف، واعتراف المرء بالشيء شهادة على نفسه به، وشهادة المرء على نفسه مقبولة ولَّا لا؟ الطلبة: مقبولة.
الشيخ: ويش الدليل؟ ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]، فأثبت الله شهادة المرء على نفسه، فشهادة المرء على نفسه إقرار يثبت به الُمقَر به، ولكن هل الإقرار هنا كالإقرار في غيره؛ بمعنى أنه يحصل بواحدة أو لا بد من تكراره؟ اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافًا متساويًا؛ بمعنى أن كل واحد من القولين عليه طائفة كبيرة من الناس؛ فمن العلماء من يقول: إن الإقرار هنا كغيره؛ بمعنى أن الإنسان إذا أقر به إقرارًا صحيحًا حُكِمَ عليه به.
ومنهم من يقول: بل لا بد من التكرار أربع مرات.

ولكلٍّ حجة فيما ذهب إليه؛ أما الأول فقالوا: إن الحجة لنا أولًا: قول الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]، ومعلوم أن الشاهد لا يُشْتَرط منه تكرار الشهادة، لو جئت تشهد لإنسان هل نحتاج نقول: اشهد، فإذا شهدت قلنا: اشهد ثانية، اشهد ثالثة، اشهد رابعة، اشهد خامسة؟ لا، فالآية الكريمة تدل على أنه إذا ثبتت الشهادة مرة واحدة ثبت الحكم.
الدليل الثاني من السنة قصة العسيف -وأظنكم قد مرت عليكم- قال النبي عليه الصلاة والسلام لِأُنَيْسٍ: «اغْدُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (11)، ولم يقل: إن اعترفت أربع مرات أو ثلاث أو اثنتين، والإطلاق يحصل بواحدة، فهذا الحديث يدل على أنه لا يُشْتَرط التكرار.
أيضًا من المعنى لأن التكرار لا فائدة منه في الواقع؛ إذ إن الحكم يثبت أو أن الفعل يثبت بواحدة، الإنسان إذا قال: أنا -مثلًا- عندي لفلان مئة درهم، فما معنى التكرار؟ يقول: عندي مئة درهم، عندي مئة درهم، الحكم ثبت بواحدة، صحيح أنه كلما تكرر صار أثبت، لكنه -مطلق الثبوت- حاصل بالواحدة.
وأما الذين قالوا: إنه لا بد من الإقرار به أربع مرات، قالوا: لأن الله سبحانه وتعالى جعل شهادة الزنا أربعة شهود، ومعلوم أن الشهود إذا شهد واحد، وجاء الثاني وشهد، وجاء الثالث وشهد، وجاء الرابع وشهد، فهذا تكرارُ شهادةٍ في الواقع، فكما أن شهادة الغير يُشْتَرط فيها التكرار باعتبار تعدد المحل الشاهد؛ يعني: لأنه يلزم من تعدد الشهداء إذا كانوا أربعة أن تتعدد الشهادة، كذلك الشهادة على النفس -وهي الإقرار- لا بد أن تتعدد.

وقالوا: وأما السنة فإن حديث ماعز صريح في ذلك؛ فإن ماعزًا جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأقر عنده بالزنا فأعرض عنه، ثم أتاه فأعرض عنه، ثم أتاه فأعرض عنه، ثم أتاه الرابعة فأمر به فرُجِم (10)، وقد ذكر بعض الرواة في سياق حديثه: فلما شهد على نفسه أربع مرات أمر به فرُجِمَ (25)، قال: فإن قوله: لما شهد على نفسه أربعة مرات قرينة ظاهرة في إرادة التكرار، وأن كل إقرارة منه تعتبر شهادة رجل واحد، فلا بد من التعدد.
وأيضًا احتياطًا للحدود والأخلاق أيضًا؛ لأن الزاني -والعياذ بالله- ليس أنه إذا طُهِّر بالحد فهو بالنسبة للآخرة يُطهر، لكن بالنسبة للسمعة هل يطهر منه؟ قد لا يطهر عند الناس؛ لو جلد يبقى في قلوب الناس شيء من الحزازة على هذا الرجل؛ فلذلك من أجل الاحتياط لا بد أن تتكرر.
الذين قالوا بالقول الأول يحتاجون إلى الرد على قول هؤلاء، فكيف نرد على الوجه الأول من استدلالهم بأن الشهادة لا بد فيها من أربعة رجال فكذلك الإقرار لا بد فيه من أربع مرات؟ الجواب على هذا قالوا: إنه هناك فرق بين من يُشْهَد عليه ومن يشهد على نفسه؛ الشاهد على نفسه غير مُتَّهم، والمشهود عليه يَتَّهِم الشهود؛ فلذلك لا بد من تكرارها، وأنتم تقولون: إن شهادة المال لا بد فيها من رجلين شاهدين، والإقرار به يكفي واحدة، فلم يبنَ الإقرار على الشهادة؛ إذ إن الإنسان ما يمكن يتهم على نفسه باختلاف الشهداء، فهذا هو الفرق بين الإقرار وبين الشهادة.
وأما قصة ماعز فإن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما ردده لأجل شبهة قامت عنده؛ ولهذا في آخر الأمر قال له: «أَبِكَ جُنُونٌ» (25).

وهذا يحتمل أنه أراد عليه الصلاة والسلام «أَبِكَ جُنُونٌ» لأني رددتك ثلاث مرات، فكيف تأتيني الرابعة؟ ما يفعل هذا مع الرسول عليه الصلاة والسلام الذي يعني ما يقول ويفعل إلا إنسان في عقله خلل، كيف الرسول يرددك ثلاث مرات ثم تيجي الرابعة؟ ! يقول: «أَبِكَ جُنُونٌ» ليس معناه الشك في صحة إقراره، ولكن «أَبِكَ جُنُونٌ» للشك في تصرفه في كونه يأتي في المرة الرابعة والرسول صلى الله عليه وسلم يردده ثلاث مرات؛ ولهذا مثل أنت تقول للشخص: أنا -مثلًا- لا أريد كذا، ثم يجيك مرة ثانية وثالثة ورابعة، ويش تقول له؟ تقول: أنت مجنون، أنت أقول لك: ما عنديش وتيجي؟ ! (... ) نعم.
ويحتمل أن قوله: «أَبِكَ جُنُونٌ» يعني معناه: أقررت على نفسك بدون عقل، فيكون شبهة في صحة الإقرار، فيكون الرسول عليه الصلاة والسلام ردده للتثبت من إقراره.
وعندي أننا لو سلكنا مسلكًا وسطًا في الموضوع لأجل نجمع بين الأدلة، وقلنا: إنه إذا كان هناك قرائن قوية -ولا سيما إن كان مشهورًا- فإنه يُكْتَفى بالإقرار واحدة؛ لأن قصة العسيف تدل على هذا، فقصة العسيف تعرفون أنها اشتهرت بين الناس؛ فإن أباه افتداه بمئة شاة ووليدة (11). هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
«أَخْبِرْهُ بِأَنَّ عَلَى ابْنِهِ الْجَلْدَ وَالتَّغْرِيبَ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ» (1)، فهذا يدل على أن المسألة اشتهرت، وحينئذٍ لا حاجة إلى تكرار الإقرار أو ترداده؛ لأن المسألة الآن فيها قرائن تؤيد الصحة، أما إذا كان الأمر بالعكس وهي ما اشتهرت المسألة فإن الأولى التكرار لعله يرجع فيحصل الستر؛ لأن الستر مطلوب فيما لم ينكشف، أما إذا انكشف الأمر فإنه لا شك أن ثبوت الحكم يحصل بواحدة؛ لأن الإنسان إذا شهد على نفسه واحدة فقد تم الإقرار، هذا القول الذي أراه؛ أنه يفرَّق بين ما إذا اشتهر الأمر وإذا لم يشتهر.

أيضًا -يعني كمان هذا هو ظاهر الجمع بين الأدلة- فإنه إذا اشتهر الأمر، ثم جاء وأقر عندنا ولم نعمل بإقراره، ماذا يكون عند الناس في المجتمع هذا الحكم؟ يتهاونون بالزنا، يقولون: هذا رجل مشهور وذهب وأقرَّ عند القاضي ولم يُحَدّ، معناه أن المسألة بسيطة وليست بذات الأهمية، فيحصل بهذا مفسدة.
فالصواب في هذه المسألة هو أن الأمر -تكرار الإقرار وعدمه- يرجع إلى أي شيء؟ إلى القرائن والاشتهار، متى اشتهر فإنه لا وجه للتكرار.
بقينا البَيِّنَة، لا بد أن يكونوا رجالًا.
طالب: ويش راح ترداد الْمُقِرّ؟ الشيخ: إي نعم، إذا لم يشتهر؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ولا يثبت الحد إلا بتكرار أربع مرات.
البينة لا بد أن يكونوا رجالًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 13]، وأربعة عدد لمذكر ولَّا لمؤنث؟ طلبة: لمذكر.
الشيخ: لا، (أربعة) بالتاء لمذكر ولّا لمؤنث؟ طلبة: مذكر.
الشيخ: ما فيها التأنيث؟ طلبة: بلى، تخالف.
الشيخ: يعني من ثلاثة إلى تسعة يكون مخالفًا، نعم.
وأيضًا (شهداء) جمع (شهيد) وليس جمع (شهيدة)، فعلى هذا لا بد من أربعة رجال ثقات، ولا بد أيضًا أن يشهدوا بصريح الزنا، مثلما أن الإقرار أيضًا لا بد أن يكون بصريح الزنا، وشهادتهم بالصريح أن يقولوا جميعًا بشهادتهم: رأينا ذَكَرَ هذا الرجل بفرج هذه المرأة، ويحتاج أن يقولوا: كالْمِيل في المكحلة، ولَّا ما هو لازم؟ ما هو لازم، إن قالوا ذلك فهو من باب التأكيد.
طبعًا هذه المسألة يصعب جدًّا أن تحدث، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إنه لم يثبت الزنا في الشريعة الإسلامية عن طريق الشهادة، وهو في القرن الثامن، يعني ثمانية قرون مضت وشيخ الإسلام يقول ها الكلام فيها.
فالظاهر أيضًا أن ما بعده كذلك، لكن ما رأيكم هل التصوير الآن ما يمكن يتسلَّط على هذا؟ ما أظن أنه يتسلط؛ لأنه اللي ما تسلط عليه العين ما تسلط عليه الآلة، ولَّا كيف؟ ما أظن هذا.

طالب: الآلة لا نقطع بها.
الشيخ: إن كان بيحطها بين فخوذه –الآلة- ويصور يمكن.
طالب: (... ). الشيخ: إي، لكن يشاهد الذَّكَر في الفرج.
طالب: (... ). الشيخ: الفخوذ بتكون متلاصقة.
طالب: (... ). الشيخ: ما أظنه.
طالب: (... ). الشيخ: لا ما أظنه، ولهذا الظاهر -والله أعلم- أن هذا ما يثبت بطريق البينة.
فإذا قال قائل: إذا كان لا يمكن ثبوته في الشرع كيف يذكره الله، ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [النور: 13]؟ قلنا: لأن الله قال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا﴾ يعني: حين لم يأتوا، ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، وهذا يدل على أن الأمر إما ممتنِع أو شبه ممتنع، والله تبارك وتعالى قد يقول الشيء من باب التعجيز، يعني هذا ما يمكن.
لو جاء أربعة يشهدون بهذه الشهادة هل للحاكم –القاضي- أن يُفَرِّقهم ويستنتج شهادتهم إم صحيحة ولَّا لا؟ ولَّا ما يفرِّقهم؟ أنا عندي أن هذا محل ارتياب، والعلماء يقولون: إنه إذا ارتاب في الشهود فلا بأس أن يفرِّقهم، ويش معنى يفرقهم؟ يخلِّي كل واحد يجيبه على حِدَة ويقول: تعال، ويش رأيت الأمر؟ يمكن يقول: أنا مثلًا رأيت كذا، ويجيء الثاني ويشهد على وجه مخالف، حينئذ يكون أحدهما كَذَّب الآخر.
أما الطريق الثالث لثبوت الزنا -والعياذ بالله- فهو الحمل، والدليل على أنه طريق لإثبات الزنا حديث عمر رضي الله عنه، قال: إذا قامت البينة أو كان الْحَبَل أو الاعتراف، الْحَبَل يعني الحمل، ومن سُنَّة الله سبحانه وتعالى أنه لا يمكن حمل بدون جماع، هذا في الغالب، وإن كان قد يوجَد لكن الأصل أنه ما يوجد إلا بجماع، ولهذا فهو طريق للثبوت.

إلا أن المرأة إذا ادَّعَت الشبهة يُرْفَع عنها الحد، مثل لو قالت: إنها تَحَمَّلت بماء الرجل، وهذا ممكن، فإنها لا تُحَدُّ، أو قالت: إنها أُكْرِهَت على هذا الشيء، فإنها لا تُحَدّ، وإلا فالأصل وجوب الحد.
(... ) صلى الله عليه وسلم، وبَيَّنَ أن الحمل مما يثبت به الحد، ولكننا مع ذلك نقول: إذا ادَّعَت المرأة شبهة فإنه لا يُقَام عليها الحد؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولما يُرْوَى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» (2)، فعندنا الآن تعليل ودليل، الأصل براءة الذمة وعدم الجناية، والثاني الحديث وإن كان فيه مقال: «ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ».
فعلى هذا نقول: إذا ادَّعَت شبهة فإنها تُقْبَل ولا يقام عليها الحد، مثل أن تدعي أنها أُجْبِرَت على هذا الشيء، أُجْبِرَت على أن يزني بها رجل -والعياذ بالله- وحصل الحمل، ففي هذه الحال نقول: ليس عليها حد؛ لأن هذا أمر ممكن.
وأما إذا سكتت ما نفت، يعني ما ادَّعَت أنها مُكْرَهَة ولا ادَّعَت أنها طائعة، فإن الحمل بَيِّنَة؛ إذ إننا نعلم أن الله سبحانه وتعالى لا يخلق حملًا إلا من جماع، إلا أن يكون ذلك آية فتُثْبَت كما في قضية مريم.
طالب: التلقين (... ). الشيخ: التلقين، ما إخالك سرقت، فليس هذا من باب التلقين، وإنما هو من باب أنني لا أظن أنك تسرق، نظرًا إلى أن هذا الرجل عند النبي عليه الصلاة والسلام ما يظن فيه هذا الشيء، فيخشى أن يكون هذا قال: إنه سرق، وهو ليس بسارق.
وكذلك أيضًا في مسألة القول بأنه إذا رجع عن الإقرار فإنه يُقْبَل رجوعه، والصحيح في هذا أنه لا يُقْبَل رجوعه، واستدلالهم بقضية ماعز؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا أَقَرَّ الزاني على نفسه بالزنا ورجع فإنه يُقْبَل حتى لو ثَبَّتَ ذلك عند القاضي واشتهر بين الناس، وما بقي إلا أن يقام عليه الحد، يقولون: إذا رجع فإنه يُقْبَل.

وفي الحقيقة أننا لو اعتبرنا هذا القول لكان فيه من المفاسد شيء كثير؛ لأن كثيرًا من الناس يفعل الشيء ثم يُقِرّ به ويُثْبِت هذا الأمر ثم يُنْكِر، فالصواب أنه لا ينتفي عنه الحد برجوعه.
والاستدلال بقصة ماعز ليس بدليل؛ لأن ماعزًا لم يرجع، لكنه حاول أن يتوب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ» (3). أما رجل يقول: إنه رجع، أبدًا ما حصل مني هذا الشيء، بينهما فرق، بين اللي يقول: ما حصل مني هذا الشيء، وبين اللي يقول: حصل مني ولكن أنا أريد أن أحاول التوبة، ولَّا لا؟ الفرق بينهما أن الأول نفى، والثاني أَثْبَتَ، ولكنه وعد بإزالة هذا الشيء عن نفسه بالتوبة.
فقصة ماعز ليست من باب الرجوع، بل هي في الحقيقة من باب الإقرار، ولكن الرسول يقول: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ»، والمنكِر للشيء بعد إقراره بوقوعه هل هو تائب منه؟ ليس بتائب بالحقيقة، بل إنه يريد أن ينكر هذا الشيء، والتائب مُعْتَرِف بالذنب نادم عليه عازم على ألَّا يعود.
وكذلك أيضًا في موضوع السرقة وغيرها، لكن السرقة لا يُقْبَل الرجوع بالنسبة للمال، هو عند من يقول: إنه يجوز الرجوع، لا يُقْبَل رجوعه بالنسبة للمال، ولكن يُقْبَل رجوعه بالنسبة للحد، فإذا جاء السارق وقال: نعم، أنا سرقت هذا من هذا المكان، وفتحت الباب، ودخلت ووجدت الصندوق، وفتحت الصندوق أو كسرته ثم سرقت، وسرقت كذا وكذا من الدراهم، وثبت ذلك عند القاضي وقال: اقطعوا يده، حَكَمَ بذلك، فقال: الآن رجعت عن إقراري، أبدًا ما سرقت ولا زَيَّنْت شيئًا.
على رأي الفقهاء رحمهم الله يقولون: إن الإقرار يرتفع برجوعه، إلا بالنسبة لحق الآدمي وهو المال، فإنه لا يُقْبَل رجوعه، وهذا لا شك أنه فيه من التلاعب ما فيه، والصواب عدم ذلك، ويأتي عاد موضوع السرقة إن شاء الله.
طالب: بالنسبة للتوبة (... )؟

الشيخ: إي نعم، إذا تاب لا يقام عليه الحد، بل إن الصواب في مسألة الْمُقِرّ أنه إذا جاء تائبًا يريد الخلاص فإنه يرتفع عنه الحد ويُعْفَى عنه، يعني يُخَيَّر الإمام أو الحاكم بين أن يقيم عليه الحد وبين ألَّا يقيم إذا جاء تائبًا.
طالب: ماعز جاء تائبًا والرسول أقام عليه الحد.
الشيخ: لا، ماعز بيطالب بإقامة الحد عليه ما جاء تائبًا.
الطالب: ما هو بتائب؟ الشيخ: لا؛ لأنه ما جاء تائبًا، جاء يطالب بإقامة الحد عليه، ثم إنه إذا كان تائبًا الصحيح في هذه المسألة أن الإمام يُخَيَّر بين أن يقيمه عليه، وبين أن يقول: اعمل من الصالحات كذا وكذا، كما في قصة الرجل الذي جاء وقال: يا رسول الله، إني أصبتُ حَدًّا فأَقِمْه علَيّ، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ »، قال: نعم، قال: «إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ» (4) فالإمام مخيَّر فيمن جاء تائبًا، وأما إذا لم يأتِ تائبًا ولكنه قبضته السلطة ثم أَقَرَّ واعترف هذا ليس بتائب.
طالب: الرسول ما أرشده يا شيخ إلى التوبة.
الشيخ: نعم؟ طالب: ماعز ما أرشده إلى التوبة.
الشيخ: ما أرشده إلى التوبة.
طالب: الغامدية يا شيخ، الرسول قال: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً.. » (5) الشيخ: إي نعم.
الطالب: وأقام عليها الحد.
الشيخ: إي؛ لأنها مُصِرَّة على إقامة الحد، حتى إنها طالبت بأن يقيم عليها الحد وهي حامل، وأَجَّلَهَا حتى تضع الولد، ثم حتى تفطمه، ثم أتت به إلى الرسول وفي يده كسرة خبز يأكلها.
طالب: (... )؟ الشيخ: كيف التقدير؟ الطالب: الحد بتقدير من.. الشيخ: إحنا قلنا: إن الإمام يُخَيَّر بين أن يقيمه وألَّا يقيمه، هذا هو الراجح في المسألة إذا جاء تائبًا، ولكن الفاعل إذا أصرَّ على أن يُطَهَّر فالظاهر أنه ينبغي أن يوافَق على هذا الشيء.
الطالب: إذا تاب مثلًا (... ) ماعز أراد أن يُطَهِّر نفسه.

الشيخ: إي، لكن ماعزًا أراد أن الرسول يقيم عليه الحد، ولهذا أَقَرَّ ثم أعرض عنه، أقر ثم أعرض عنه، أقر ثم أعرض عنه، وفي الرابعة شاف أنه مصمم أقام عليه الحد.


باب حد القذف

حد القذف، أولًا: تعريف القذف.
القذف في اللغة: الرمي، وفي الشرع: هو أن يرمي شخصًا بزنا أو لواط، فيقول: يا زاني، أو: أنت زانٍ أو: يا لوطي، أو: أنت لوطي، أو ما أشبه ذلك، هذا هو القذف.
وهو من كبائر الذنوب بالنسبة لمن كان مُحْصَنًا؛ لِمَا ثبت في الحديث الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» (6) وذكر منهن قذف الْمُحْصَنَات الغافلات المؤمنات، ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 4، 5]. يقول: القذف له صريح وكناية؛ صريح القذف ما لا يحتمل سواه، كل لفظ لا يحتمل سوى القذف فهو صريح، مثل أيش؟ مثل الزنا واللواط، وأظن الفاحشة أيضًا، إذا قال: أنت تفعل الفاحشة، فإنه يُعْتَبَر صريحًا.
أما الكناية فهي ما يحتمل القذف بالزنا وغيره، ومَثَّل الفقهاء له بأمثلة، منها قولهم: يا قحبة، كلمة (قحبة) يقولون: إنها من الكناية، عند الناس الآن الظاهر أنها صريحة، أو قريبة من الصريح؛ لأنهم ما يعرفون معناها الأصلي، معناها الأصلي: العجوز، ما تقول لامرأة كبيرة في السن: يا قحبة!

على كل حال عندنا قريبة من الصريح؛ يعني ما أحد يعرف أن معنى قحبة في اللغة العربية بمعنى المرأة الكبيرة الْمُسِنَّة، لكن كذلك أيضًا يقولون: لو قال الرجل للمرأة: أنت فضحتِ زوجك، يقولون: إن هذا كناية عن الزنا، يعني كأنه قال: أنت زانية، مع أن (فضحتِ زوجك) عندنا وفي عرفنا بعيدة جدًّا من إرادة القذف، ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: الغالب أنه يقول: فضحت زوجك، يعني: بالكلام في الزوج، وليس معناه: أنك تمارسين فعل الفاحشة بالنسبة له.
على كل حال هذه المسائل معروفة في كتب الفقه، وبإمكانكم ترجعون إليها، ولكن القاعدة الضابط في هذا الشيء أن نقول: ما لا يحتمل إلا الزنا واللواط فهو صريح، وأما ما يحتمله وغيرَه فهو كناية، وأما ما لا يحتمله مطلقًا فهذا ليس بشيء، ولا يمكن أن يُحْمَل على أنه قذف.
ويش الفرق بين الصريح وبين الكناية من جهة الحكم؟ الصريح هو الذي يكون قذفًا بمجرد النطق به، والكناية لا يكون قذفًا إلا بقرينة.
مثل القرينة: أن يكون هناك مشادَّة بين هذين الرجلين، كل واحد منهم يتكلم في الآخر، فقال هذا القول الذي يحتمل هذا وغيرَه.
مثلًا عندنا كلمة مُخَنَّث، ويش تعني؟ قريبًا من الصريح، فهذه إذا قيلت في مقام المشادَّة والغضب يُحْكَم لها بحكم الصريح، وفي غير هذه الحال لا يُحْكَم لها بحكم الصريح؛ لأن المخنَّث معناه الرجل الذي فيه خصائص المرأة الْخُلُقِيَّة ليست الخِلْقية، يوجد بعض الناس رجل لكن طبائعه طبائع أنثى، يسمَّى هذا مخنثًا، يعني ليس ذكرًا ولا أنثى، من جهة الْخِلْقَة هو ذَكَر، من جهة التَّخَلُّق هو امرأة.
وأنا أذكر أنه بعض الأحيان يجيء أناس حتى في كلامهم، تجد أن كلامه كلام امرأة، حتى في كلامه ومِشْيَته وهيئته تقول: امرأة، لكنه حقيقةً خلقةً هو رجل، هذا معنى المخنث في اللغة العربية، ولكن إذا جاءت في مقام المشادة والغضب نحكم لها بأنها صريحة.

هذا الفرق بين الصريح وبين الكناية؛ أن الصريح يكون قذفًا بمجرد النطق به، وأما الكناية فلا بد لها من قرينة.
حد القذف، يعني العقوبة التي قدَّرها الشارع إما ثمانون جلدة، وإما أربعون جلدة، وإما تعزير، يعني القاذف يُحَدّ بثمانين جلدة، أو بأربعين، أو يُعَزَّر.
أما الأول فيقول: فالأول قَذْف المحصَن؛ وهو الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامِع مثلُه، (الحر) احترازًا من العبد، وإنما لم يكن العبد محصَنًا؛ لأن العبد لا يلحقه من العار بالزنا مثل ما يلحق الحر، ولهذا يُذْكَر أن هند بنت عتبة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم -إن صح الحديث- وهو يبايع النساء، قالت: أَوَتَزْنِي الحرة؟ يعني كأن الزنا عند الحرائر أمر مستحيل، لكنه بالنسبة للإماء كثير، فلا يلحق المرأةَ التي ليست بحرة، أو الرجل الذي ليس بِحُرّ، لا يلحقه من العار بالزنا مثل ما يلحق الحر، فلذلك لا يكون محصَنًا.
المسلم ضده الكافر، الكافر ليس محصَنًا، ولا كرامة له، فإذا قَذَفَ رجل مسلم كافرًا فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأنه ليس بمحصَن.
العاقل ضد المجنون؛ لأن المجنون حقيقةً لا يمكن أن يكون محصَنًا، لو أن أحدًا وصفه بأنه يزني يلحقه بذلك عار؟ لا؛ لأنه مجنون، فلا يُلَطِّخُه ولا يُدَنِّسه.
العفيف معناه المشهور بالعفة والبُعد عن هذه الفاحشة، وضده مَن كان متَّهَمًا بها، فإن هذا ليس بمحصَن، والسبب في ذلك لأنه ليس تدنيس هذا الإنسان المستحق للتدنيس بسبب أنه مُتَّهَمٌ به كالإنسان العفيف، أيهم أشد وقعًا، العفيف أشد وقعًا، فلهذا نقول: ليس بمحصَن، فصارت الشروط أربعة.

الشرط الخامس: الذي يجامِع مثلُه، أما الصغير فإنه ليس بمحصَن، مَن الذي يجامِع مثلُه؟ يقولون: بالنسبة للرجل مَن تَمَّ له عشر سنين، بالنسبة للمرأة مَن تم لها تسع سنين؛ لأن مثل هذا يمكن أن يجامع مثلُه، أما مَن قبل ذلك فيزعمون أنه لا يجامِع، وأنه لو جامَع فإنه لا يتلذَّذ به تلذُّذ الإنسان الكبير، والله أعلم هذه ترجع إلى دراسة هذه الأمور من الناحية الطبية، لكن إحنا نتكلم على كلام أهل الفقه، فإذا وُجِدَ مثلًا شيء يخالف هذا الكلام من الناحية الطبية فالمعتمَد الواقع.
طالب: شيخ، يشترط البلوغ؟ الشيخ: ما هو شرط، البلوغ ليس بشرط، ولهذا قلنا: الذي يجامِع مثلُه وإن كان غير بالغ.
إذا كان القاذِف حرًّا، هذا شرط لأي شيء؟ للإحصان ولَّا شرط لجلد الثمانين؟ طلبة: لجلد الثمانين.
الشيخ: لجلد الثمانين، الإحصان شروطه خمسة فقط: الحرية والإسلام والعقل والعفة وبلوغ سنٍّ يجامِع فيه مثلُه، أما وجوب الثمانين فهو إذا كان القاذف حرًّا.
أما الأول، وهو اشتراط الإحصان، فهو ظاهر في الآية الكريمة، ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، ﴿اجْلِدُوهُمْ﴾ أي: الرامون المحصنات، ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾.
أما اشتراط كون القاذف حرًّا فيُجْلَد ثمانين جلدة فهو بالقياس، قالوا: لأن الرقيق إذا زنى ويش يجب عليه من الحد؟ النصف، ولَّا لا؟ قالوا: فكذا يَتَنَصَّف حد القذف في حقه كما يتنصف حد الزنا، ويش الدليل إذن؟ طالب: (... ) نصف ما على.. الشيخ: الحر، قياسًا على ما إذا زنى.

ومن العلماء من يقول: إن هذا القياس ليس بصحيح، وإنه يجب على قاذف المحصَن ولو كان عبدًا يجب عليه ثمانون جلدة، واستدلوا بعموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾، وكلمة (الذين) اسم موصول من صِيَغ العموم، فيشمل كل مَن رمى المحصنات، ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ﴾.
أما القياس فيقولون: إن هذا قياس مع الفارق؛ لأن وجوب الحد على الزاني لتطهيره، ووجوب الحد على القاذف لتطهير المقذوف، أليس كذلك؟ لماذا جَلَدْنَا هذا القاذف؟ حماية لعِرْض المقذوف، وعرض المقذوف يتدنس، سواء كان القاذف حُرًّا أو عبدًا، بخلاف الزنا، فالزنا بالنسبة للأحرار ليس كالزنا بالنسبة للأرِقَّاء، أما المقذوف ما ذنبه إذا كان القاذف رقيقًا؟ هو سوف يلحقه العار سواء كان القاذف رقيقًا أو حرًّا.
ولذلك الصحيح في هذه المسألة أننا لا نشترط لوجوب الثمانين أن يكون القاذف حرًّا، وعليه فالثاني قذْفُ المحصَن إذا كان القاذف رقيقًا يُلْغَى على هذا القول، الثاني ويش هو الثاني؟ أربعون جلدة، قَذْفُ المحصَن إذا كان القاذف رقيقًا، بناء على أيش؟ بناء على قياس حد القذف على حد الزنا، حد الزنا بنص القرآن أنه النصف.
ولكننا نقول: هذا القياس ليس بصحيح، وعلى هذا فيسقط القسم الثاني الذي هو أربعون جلدة، ويكون حد القذف ثمانين جلدة، أو التعزير فقط، على القول الراجح.
الثالث: قذف غير المحصَن، ويش هو الثالث؟ التعزير، قذف غير المحصَن، والتعزير سيأتينا إن شاء الله أنه التأديب، وأنه يختلف بحسب الحال، قد يحتاج إلى جَلْد، أو إلى حبس، أو إلى توبيخ، أو إلى خصم من راتبه، أو غير ذلك، يأتينا إن شاء الله فيما بعد.
إذا قذف شخصًا غَيْرَ معيَّن، بأن قال: واحد من هذا البيت زانٍ، ويش يصير؟ يصير تعزير، يُعَزَّر؛ لأنه ما عَيَّن أحدًا يلحقه العيب والعار.

إذا قذف أهلَ بلد عامة قال: كل أهل ها البلد زُنَاة، ويش الحكم؟ يُعَزَّر؛ لأن حقيقة الأمر ما يلحقهم العار مهما كان.
كذلك لو قذف جماعةً بوصف، وقال مثلًا: كل اللي يعملون كذا وكذا كلهم زُنَاة، أو كلهم -والعياذ بالله- لوطية، فإنه يُعَزَّر؛ لأنه لم يقذف شخصًا معينًا، والعار لا يلحق مثل هؤلاء، حتى لو قال ها الكلام ما أحد يسومهم بعيب.
طالب: يا شيخ بالنسبة (... ). الشيخ: ما (... )؛ لأن الزاني ما هو لأنه انتهك عرض هذا، قد يكون هذا باختياره، قد يكون الْمَزْنِيّ به باختياره أو الْمَلُوط به، ومع ذلك يجب الحد.
طالب: والتطهير.. الشيخ: إي، التطهير موجود، لكن حماية عِرض الناس؛ لأن القذف لحماية عِرض المقذوف، هذا هو الأصل، ولهذا خصوصًا على المذهب إذا سمح ولم يطالِب المقذوفُ فإنه لا حد عليه، أما الزنا فهو واجب بكل حال؛ لحق الله.
المهم الآن اللي تبيَّن لنا من هذا، ولاحظوا أن في الحقيقة إننا ما وَسَّعْنَا المباحث هنا، لأنهم يقولون لنا: إن أصول الدين ما يحتاج توسعون عليهم في الفقه؛ لأن أهم شيء عندهم الأصول.
(... ) منها مثلًا -وهو مهم جدًّا- إذا قذف الإنسان نبيًّا ما نقول: حده حد القذف ثمانون جلدة، إذا قذف نبيًّا فإنه يكفُر كفرًا مُخْرِجًا عن الملة، ويطالَب بأي شيء؟ يطالب بالرجوع إلى الإسلام.
وهل تُقْبَل توبته أو لا تُقْبَل؟ يقول شيخ الإسلام رحمه الله: إنها تُقْبَل، ولكنه يجب قتله؛ لأنه (... ) تُقْبَل فلا يُحْكَم بكفره؛ إذ الكفر حق لله، لكن القذف حق لمن؟ للنبي، والنبي لم يُسْقِط هذا الحق، وعلى هذا فكل مَن سَبَّ نبيًّا بقذف أو غيره فإنه يكفُر، ثم يطالَب بالرجوع إلى الإسلام، فإذا رجع قُتِلَ حَدًّا.
وقوله رحمه الله هو الصحيح، كذلك أيضًا مَن قذف أم نبي فإنه يكفُر؛ لأنه يلزم من ذلك أن يكون هذا النبي محتمل أن يكون ولد زنا -والعياذ بالله- وهذا كفر.

كذلك أيضًا مَن قذف زوجة من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يكفُر، أما مَن قذف عائشة فلا شك أنه يكفر، من قذف عائشة بما بَرَّأَها الله منه فلا شك في كفره، لماذا؟ لأنه تكذيب للقرآن، لكن مَن قذف عائشة بغير ما بَرَّأَهَا الله منه، أو قذف غيرها من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، فالصواب بلا شك ما اختاره شيخ الإسلام؛ أنه يكفُر، وأنه يكون غير مسلم؛ لأن هذا من أبلغ الإيذاء للرسول عليه الصلاة والسلام، إذا كان زوجاته ما يجوز للمسلم يتزوجهن من بعده غيرةً للرسول عليه الصلاة والسلام، فكيف -والعياذ بالله- بمن يقول: إنهن بغايا، فلذلك الصحيح ما اختاره شيخ الإسلام.
فعليه نقول: مَن قَذَفَ نبيًّا أن أُمَّهُ، أو زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر، ولا تنسحب عليه هذه الأحكام بالجلد، وإنما يقال: ارجع إلى الإسلام من جديد.
طالب: (... ). الشيخ: فإنه يُعَزَّر ولا يقام عليه الحد.
طالب: (... ). الشيخ: هو يُعَزَّر على هذا، ولكن لا يُحَدّ؛ لأنه يوجد مثل بعض الناس دائمًا على لسانه، خصوصًا الجدعان الصغار يقولون: يا ولد الزنا -والعياذ بالله- هذه كثيرة في ألسنتهم، هذه يُعَزَّر مَن يستحق التعزير ممن يفهم ويرتدع بالتأديب.
(... ) لا، حد القذف ما (... ) إلا بالزنا أو اللواط، أما غيره فيُعَزَّر، لو قال مثلًا: يا (... ) مثلًا، يا غشاش، يا يهودي، يا نصراني، ما.. بس إن رمى بِمِلَّة غير الإسلام فإنه يبوء بها أحدهم، إما أن يكون ذاك المقذوف يهوديًّا أو نصرانيًّا، وإلا يكون هذا، فعليه أن يتوب توبة نصوحًا.

باب القطع في السرقة

أولًا: حد السرقة، تعريف السرقة، حد السرقة إلى آخره.
أولًا: السرقة لفظها يدل على السرعة، ومنه قولهم: سارَقَهُ النظرَ، أي: نظر إليه بسرعة واختفاء.
وهي في اللغة أَخْذ المال بِخُفْيَة، وأما في الاصطلاح فإنها: أَخْذ مالٍ على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه.

فالفرق إذن بين اللغة وبين الاصطلاح أن اللغة أعم، فمَن سَرَقَ شيئًا ولو من غير مالك أو نائب مالك فهو سارق في اللغة، أما في الاصطلاح فليس بسارق، فلو علمت مثلًا أن هذا الذي بيد هذا الشخص ليس ملكًا له، وليس له عليه ولاية، فسَرَقْتَه، فذلك ليس بسرقة في الاصطلاح، وهو في اللغة سرقة.
ولهذا يقول العوام: السارق مِن السارق كالوارث من أبيه؛ لأنه سَرَقَ من غير مالك ولا نائبه، ولكن كلامهم هذا ليس بصحيح، إنما هو حقيقةً ما يجب عليه القطع؛ لأنه لا ينطبق عليه أنه سرقة في الاصطلاح.
إذن السرقة في الاصطلاح أَخْذ المال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه.
فقولنا: (أَخْذ المال) خرج به ما ليس بمال، فليس بسرقة، مثل ما لو سَرَقَ كلبًا، الكلب ليس بمال، أو سرق خمرًا، فالخمر ليس بمال، فلا يُعْتَبَر ذلك سرقة وإن كان له قيمة، لو فرضنا أنه سرق خمرًا وهو في بلاد غير المسلمين، يُعْتَبَر عندهم له قيمة، ولكنه شرعًا ليس بمال فلا يسمى ذلك سرقة، لو سرق حُرًّا صبيًّا من أهله يُعْتَبَر سرقة؟ لا؛ لأنه ليس بمال.
قولنا: (أَخْذ المال) يخرج به أيضًا ما لو أكله، إنسان دخل على بيت مُحْرَز، وفيه مثلًا تمر، وأكله حتى شبع، وخرج مالئًا بطنه، يعتبر سارقًا؟ ما يعتبر سارقًا، ولهذا بس ما وُدُّنَا نفتح يدًا للسُّرَّاق، ولَّا (... ) مثلًا إذا صار المسروق إن خرج به جاء نصابًا، وإن أكل بعضه خرج بالبعض نقص عن النصاب، يأكل البعض ويخرج بالباقي.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، (... ) دينارًا، لو أكل دينارًا وخرج به الظاهر أنه يجب عليه القطع؛ لأن حقيقة الأمر هذا ما ينتفع به الجسم بخلاف الأول، وأيضًا هذا لا يسمى إتلافًا، الأول إذا أكله تلف، وهذا لا يتلف.
طالب: (... ). الشيخ: قولنا: (على وجه الاختفاء)، لو أخذه لا على وجه الاختفاء بأن أخذه عَنْوَةً جهرًا فهذا ليس بسرقة، ويسمى غصبًا.

كذلك لو أخذه على وجه اللعب والاستهزاء، مثلًا يسخر، يضحك عليه وأخذه منه، فإنه لا يعتبر سارقًا؛ لأنه وإن أخذه على وجه ليس بعنوة وليس بقهر، إلا أنه مازِح وليس بجادّ.
وقولنا: (من مالك) احترازًا مما لو أخذه من غير مالكه أو نائبه فإنه لا يعتبر سارقًا، ووجه ذلك أن أَخْذَه من غير مالك أو نائبه أَخْذٌ من غير حِرْز؛ إذ إن المال لا يكون مُحْرَزًا إلا إذا كان عند من هو له، أو مَن يقوم مقامه، فإذا كان عند غيره فكأنه أخذه من غير حرزه.
أما حد السرقة فهي قطع اليد اليمنى من مَفْصِل الكف، ثم قطع الرجل اليسرى من مفصل العَقِب، وبعد ذلك إما حبسٌ حتى يتوب، وإما قطع اليد اليسرى، ثم الرجل اليمنى، كما سبق، على خلاف في ذلك.
قطعُ اليد اليمنى من مفصل الكف؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، لو نظرت إلى ظاهر الآية الكريمة لقلت: إنه يجب قطع الأيدي الأربع، ولَّا لا؟ طالب: نعم.
طالب آخر: (... ). الشيخ: لا، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، (أَيْد) جمع مضافة إلى اثنين، ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: كم يصير؟ طلبة: أربعة.
الشيخ: أربع أيادٍ، ولكننا نقول: ليس كذلك، بالنص والإجماع، وإنما جُمِعَت الأيدي هنا؛ لأنها أُضِيفَت إلى متعدِّد، والمضاف إلى متعدِّد الأفصح فيه الجمع، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4]، مع أنه ما لهم إلا قلبان فقط، ويجوز لكن في غير القرآن أن تقول: فاقطعوا يَدَيْهِمَا، ويجوز أيضًا: يَدَهُمَا، بالإفراد، ولكن الأفصح هو الجمع، والله أعلم.


(... ) هذا مبتدأ؟ طالب: نعم.

الشيخ: طيب، هذا الأول من مراتب قطع اليد في السرقة دَلَّ عليه قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، والأمر للوجوب، وقوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية عامة، كلمة (يد)، فيقتضي أن يكون ذلك راجعًا إلى تعيين الإمام، ولكنه قد جاء فيه قراءة أخرى: (فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا)، وعلى هذا فتكون القراءة الثانية مُفَسِّرَة لهذه القراءة، ويكون المقصود باليد اليد اليمنى، ولأن ذلك أيضًا هو الموافق للجناية؛ إذ إن الغالب أن الأخذ والإعطاء يكون باليمين، فكانت هي موضع العقوبة دون اليسار.
ثالثًا: ولأن هذا أَنْكَى وأبلغ في تأديب هذا السارق أن يسرق مرة ثانية، وفي تحذير غيره أيضًا من السرقة.
وقولنا: (من مفصل الكف) (... )؛ لأن اليد إذا أُطْلِقَت فإنما يراد بها الكف، بدليل أنها في الوضوء قُيِّدَت بقوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6].
(... ) ذلك من نفس الْمَفْصِل، فلا يجوز مما فوقه ولا مما دونه، ولكن كيف يكون القطع ما دام على هذا الوصف؟ قالوا: إنه يجب أن تُمْسَك يده ويشدها رجل قوي حتى يتبين المفصل ثم تُقْطَع بالسكين؛ لأن السكين أبلغ في التحديد.
وعلى كل حال العلماء في هذه المسائل يتكلمون عما يعرفونه، فإذا وُجِدَ طريقة غير هذه الطريقة في الطب كالعملية مثلًا، قد تكون العملية أهون من هذا، فإنه يُتَّبَع.
وهنا سؤال: هل يحوز عند القطع أن يُبَنَّج أو لا يجوز؟ نقول: بل يجوز؛ لأن المقصود هو قطع اليد، ويحصل مع البنج وعدمه، وأما إذا كان قطعها قصاصًا فإنه لا يجوز أن يُبَنَّج، وذلك لأن الجاني في باب القصاص أَذَاقَ المجني عليه الألم وفَقْدَ العضو، فلا يمكن أن نقتصر نحن على أحد الأمرين وهو قطع العضو، أما في باب الحد فالمقصود هو القطع، ويحصل ذلك ولو بالتبنيج.
لو قال قائل: إذن يجوز أن يُبَنَّج الإنسان عند الجلد في الزنا والقذف؟

فيقال: يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز؛ لأنه ليس المقصود هناك مجرَّد أن يُضْرَب بالسوط، المقصود أن يذوق الألم، بخلاف هذه، فهذه لأجل إزالة هذا العضو الذي حصلت منه الجناية بالسرقة فيُزَال بالقطع.
طالب: (... ). الشيخ: لأن الله قال: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فقط، وهذا حصل القطع.
طالب: لماذا لا نقيد المرافق مثلما قيدنا الرقبة (... )؟ الشيخ: كيف؟ ما نقيدها؛ لأنه إذا لم تقيد في باب التيمم في آية الوضوء مع أنهما من جنس واحد، وهما التيمم والطهارة، فهذا أبعد وأبعد من باب أولى، وهذا بالاتفاق أنه ما فيه تقييد، هذا باتفاق أهل العلم؛ لأن السبب والحكم مختلف، هنا السبب والحكم مختلف، بينما أنه في باب التيمم السبب واحد وهو الحدث، ومع ذلك لم تُقَيَّد به؛ لأنه ما دام الشرع جعل الحكم مختلفًا فإنه لا يمكن أن يُلْحَق أحدهما بالآخر.
طالب: (... ) عدم التقييد؟ الشيخ: أيهم؟ الطالب: التيمم والقطع.
الشيخ: إي نعم؛ لورود الحديث، ثم إن الحكم أيضًا على هذه قاعدة معروف في أصول الفقه، إذا كان الحكم مختلفًا فإنه لا يمكن أن يقيَّد المطلَق بالمقيَّد؛ لأن الحكم أصلًا لا يتفق، يجوز أن يكون منه، كما خالف الحكم ذلك الحكم المقيَّد في أصله فيخالفه أيضًا في وصفه.
طالب: (... )؟ الشيخ: الثانية؟ جاءت باسم الفاعل، يعني: الذي يسرق، لو قال: السَّرَّاق، بعد، لكان قد يُقَال: إن فيه صيغة مبالغة.
طالب: بالنسبة للبنج ما يقال: إنه كان معروف هذا وما أخذوا منه؟ الشيخ: لا، ما هو معروف البنج، البنج قليل جدًّا في ذاك الوقت.
الطالب: البنج العادي ربما يُسْقَى شيئًا فيغيب.
الشيخ: ما كان معروفًا هذا.
الطالب: بالنسبة يا شيخ في قطع رجل عروة بن الزبير أنهم عرضوا عليه أن يسقوه مخدِّرًا.
الشيخ: إي، يمكن، عروة بن الزبير في التابعين؛ لأنه بعد الفتوحات يمكن انتشر هذا.
طالب: والخمر؟

الشيخ: لا، غير، لكنه بعد الفتوحات حصل هذا؛ لأنهم دخلوا في الفرس والروم وحصل بينهم شيء.
العلماء يقولون: إنها أيضًا إذا قُطِعَت يجب أن تُحْسَم، وكيفية الْحَسْم أنه يُغْلَى زيت على النار ثم يُوضَع فيه طرف الذراع لأجل أن تنسد أفواه العروق فلا ينزف الدم.
هذه ما أدري هل يوجد الآن في الطب شيء يمكن أن يُعْتَاض عنه؟ إذا وُجِدَ شيء يعتاض عنه فلا حاجة إليه؛ لأن هذا لا شك أنه يؤثر على اليد؛ في أنها ربما تنسلخ وتتأثر، لكن على كل حال إذا وُجِدَ في الطب ما يقوم مقامه فهو كافٍ.
قال: (ثم قطع الرجل اليسرى من مفصل العقب)، وهذا أيضًا جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا عاد تقطع الرِّجْل اليسرى من مفصل العقب، لاحظوا أن العقب الآن لا بد أن يبقى، فيُقطع القدم فقط، وأما العقب فإنه يبقى؛ لأننا لو قطعنا العقب لأدَّى ذلك إلى قصور الرِّجْل عن الأخرى، وحينئذ يصعب عليه المشي، أو ربما تتأثر الرجل الأخرى أيضًا إذا كان الْحِمل عليها كلها.
فلهذا قال العلماء: إنه يُقْطَع من مفصل العقب، ويبقى العقب مع الساق.
وهذا أيضًا جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ويرى بعض العلماء أن الحديث ليس بثابت، وأنه لا يجب على السارق إلا قطع اليد اليمنى فقط، وإذا عاد فإنه يُعَزَّر، إما بحبس أو غيره مما يكف شره.
لكن الإمام أحمد رحمه الله أخذ بهذا لورود السنة به، ولأن لذلك نظيرًا وهو المحاربون، فإن المحاربين تُقْطَع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وما دام ورد فيه عقوبة فإن الحديث هذا يتقوى بذلك.
بعد هذا إما حبس حتى يتوب، يعني على المذهب إذا سرق في الثالثة فلا قَطْعَ، وإنما يُحْبَس حتى يتوب، وبماذا نعرف توبته؟ طالب: بالاستقامة.

الشيخ: إي نعم، بالاستقامة، يعني حقيقة الأمر كونه يمتنع عن السرقة ما هو بدليل على أنه تاب؛ لأنه ما دام محبوسًا ما هو بسارق، لكن يُعْرَف ذلك باستقامة حاله وتَنَدُّمه على ما مضى، فإذا عُلِم أخرجناه، لكن إن عاد نعيد حبسه.
وقال بعض أهل العلم: بل تُقْطَع اليد اليسرى ثم الرِّجل اليمنى كما سبق، يقولون: إذا سرق أربع مرات قطعنا أَرْبَعتَه، هذا أيضًا ورد فيه حديث لكنه ضعيف جدًّا، ولهذا لم يأخذ به الإمام أحمد رحمه الله.
ويقول بعض الناس: إنه سمع قارئًا في المسجد يقرأ، وقال: إنه إذا سرق يُفْعَل به كذا، قال: طيب إذا قطعنا أيديه نعرف وين بيسرق هو؟ لأنك تقطع اليد اليمنى، ثم الرِّجل اليسرى، وبعد ذلك اليد اليسرى، ثم الرِّجل اليمنى، إذا قطعنا اليدين ورجع، قال: ويش لون بيسرق هذا؟ صحيح يعني العامي عنده انتباه سريع، لكن ربما يسرق بغير اليد، عنده رِجل الآن يمكن يسرق برجله، ولَّا لا؟ طالب: لا.
الشيخ: إلَّا يمكن يجره يا أخي، أو كذلك بإبطه، أو إذا كان في كيس يأخذه بأسنانه ويمشي، قد يكون حُلِيّ من الذهب ويأخذه بالأسنان، المهم يعني وقوع هذا أمر لا يمكن التكذيب به أبدًا.
وحكى لي رجل ثقة ولا بأس أن نتكلم فيها أن رجلًا في العراق قَدِمَ أحد الخبراء البريطانيين إلى العراق، وإذا في يده ساعة قبل أن تظهر الساعات هذه، في يده ساعة، فجاء السارق فسرقها، سرق الساعة من يده، فالخبير الحقيقة تَعَجَّب قال: ويش لون تؤخذ ساعتي، من يدي تؤخذ؟ هذا ما يمكن، أعلن عنها في الصحف بأن الذي يأتي بها له كذا وكذا دينار، هو يقول: ما هي هَمَّتْنِي الساعة، لكن يهمني كيف سرقها من يدي.

فلما أعلنوا عنها جاء هذا السارق وقال: أنا الذي سرقتها، قال له: كيف سرقتها؟ قال: مِلَزِّم نعَلِّمك؟ قال: نعم، قال: أعطني القلم أعلِّمك، لما رد إيده يبغي يعطيه القلم ولَّا القلم ما هو موجود، وإذا هو قد سرق القلم، قال: سبحان الله! المهم طَلَّع له هذا القلم وطلع له ها الساعة، وقال: لازم تعلمني، قال: هذا ما أعلمك؛ لأن هذه مهنتنا ما يمكن نعلِّم بها أحدًا، أعوذ بالله.
فالحاصل أن السارق له عدة طرق في السرقات ما يكاد يصدق بها الإنسان.
على كل حال هذه المسألة اللي هي الثاني والثالث والرابع موضع خلاف بين أهل العلم، لكن مذهب الإمام أحمد أقربها إلى الصواب، وهو أنه تُقْطَع اليد اليمنى أولًا، ثم الرِّجل اليسرى، وهذا لولا أنه ورد في المحارِبِينَ لقلنا: إن الواجب أن نقتصر على ما دَلَّ عليه القرآن.
طالب: يقال: ثبتت بالحديث ولا الآية؟ الشيخ: لا، ثبتت في الحديث.
فالأول لِمَن سرق أول مرة، والثانية لمن سرق الثانية بعد قطعه، وقولنا: بعد قطعه، يعني: لو سرق أولًا ثم سرق ثانية، فإننا لا نقول: تُقْطَع يده اليمنى للسرقة الأولى، والرِّجْل اليسرى للسرقة الثانية، بل نقول: الآن اجتمع موجِبان للحد فتداخلَا، كما لو زنى مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا فإنه لا يُقَامُ عليه الحد إلا مرة واحدة.
والثالث لمن سرق بعد ذلك على القول الأول، أو لِمَن سرق الثالثة، والثالث ما هو الثالث؟ اللي هو قَطْع اليد اليسرى لمن سرق بعد ذلك على القول الأول، كيف؟ الظاهر أنها عندي غلط.
الأول لمن سرق أول مرة، والثانية لمن سرق ثانية بعد قطعه، والثالث لمن سرق بعد ذلك على القول الأول، ويش القول الأول؟ ما فيه قول أول.
طالب: القول الثاني.
الشيخ: القول الثاني، هذا الصواب، على القول الثاني.
(... ) في الأوليين، ثم لمن سرق الرابعة بعد قطعه في الثلاث، الثالث وهو الحبس حتى يتوب لمن سرق بعد ذلك على القول الأول، إي نعم، على القول الأول، إذن نُغَيِّره.

أو لمن سرق الثالثة فقط بعد قطعه في الأُولَيَيْن على القول الثاني.
ثم لمن سرق الرابعة بعد قطعه في الثلاث، هنا نُلْحِق (على القول الثاني)، بعد قوله: في الثلاث، اكتبوا: على القول الثاني.
طالب: (... ). الشيخ: لا، ما حاجة.
على القول الثاني، فالأول لمن سرق أول مرة، والثاني لمن سرق ثانية بعد قطعه، والثالث لمن سرق بعد ذلك على القول الأول، أو لمن سرق الثالثة بعد قطعه بالأُولَيَيْنِ.
طالب: (... )؟ الشيخ: بالأوليين اللي هي قطع اليد اليمنى ثم الرِّجْل اليسرى، ثم لمن سرق الرابعة بعد قطعه في الثلاث على القول الثاني، (على القول الثاني) هذه واردة بعد قولنا: أو لمن سرق.
فصار الخلاصة الآن: يختلف القولان في أي شيء؟ في السرقة الثالثة؛ على القول الأول ما فيه قطع، بعد الثانية ما فيه قطع، ما فيه إلا حبس حتى يتوب، وهذا هو المذهب، وعلى القول الثاني: فيه بعد ذلك قطع اليد اليسرى، ثم الرِّجْل اليمنى على هذا القول.
شروط إقامة الحد؛ حد السرقة: أولًا: أن تكون السرقة من حِرْز، وهو ما جرت العادة بحفظ المال فيه، وهذا أهم الشروط، ولا بد أن نعرف السرقة يا جماعة، وهي أَخْذ المال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائبه، لا بد أن نرجع إلى حد السرقة، إذن إذا أخذه لا على وجه الاختفاء بأن أخذه قهرًا فليس عليه قطع ولو بلغ ما بلغ من المال، وذلك لأن القهر كما مر يمكن التحرُّز منه والمدافعة، بخلاف مَن أخذه على وجه الاختفاء، لا بد أن يكون مِن حِرْز، والْحِرْز ما جرت العادة بحفظ المال فيه.
وهل هو مُعْتَبَر بالشرع؟ لا، ولهذا قلنا: يختلف بحسب الأموال والبلدان والسلطان؛ لأنه لم يحدده الشرع، وإنما اشْتُرِطَ فيه ذلك، اشْتُرِطَ أن تكون السرقة من حِرْز؛ لأن غير الْمُحْرَز مهمَل، والتفريط من مالكه، والسارق له نوع عذر بأنه يسرق، لذلك لا يقام عليه الحد، حيث إن صاحبه هو الذي فَرَّط.

وقولنا: يختلف بحسب الأموال، معلوم أنه يختلف بحسب الأموال، حِرْز الذهب والنقود أين يكون؟ في الأحواش ظاهرًا؟ لا، ولكنه وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة.
قد يكون مثلًا حِرْز هذا النوع من المال في الأغلاق الوثيقة في الدواليب مثلًا أو الصناديق الحديدية، أو ما أشبه ذلك في وقت، وقد يكون حِرْزُه أن يوضع فوق الرَّفِّ في نفس الحجرة في وقت آخر، ولَّا لا؟ بحسب أي شيء؟ بحسب قوة السلطان، إذا كان السلطان قويًّا يمكن لو تضع الذهب على عتب المخازن ما أحد يُقَلِّب شيئًا، إذا كان ضعيفًا، يعني فقد يكون الإنسان ما يُحْرِز ماله إلا إذا صار يقظًا حتى في الليل، فالمهم أن قوة السلطان لها دور كبير في حِرْز الأموال.
كذلك أيضًا حِرْز المواشي في الصناديق؟ لا، بالطبع ما يمكن تُحْرَز في الصناديق ولا في الْحُجَر اللي يُغْلَق عليها، إنما تكون عادة في الأحواش، وكذلك في الْبَرِّ في المراعي حِرْزُها في الحظيرة ليلًا، وحِرْزُها في النهار في المرعى، بشرط أن يكون الراعي الذي معها يحافظ عليها ويحرسها، أما إذا كان مُهْمِلًا أيضًا مثل هذا الرجل يوجِّه الغنم ولكنه لا يهتم بها، ولا يلاحقها، ولا ينظر إليها، فهذا يعتبر غير حِرْز.
عند النزاع نرجع إلى مَن؟ إلى العرف وأهل الخبرة في هذا الشيء، فإذا قالوا: هذا مُحْرِز لماله، قلنا: إذن هو في حِرْز.
يختلف أيضًا باختلاف البلدان، كيف باختلاف البلدان؟ هل المدن مثل القرى؟ أيهم أَحْرَز؟ الغالب أن المدن أَحْرَز؛ لأن المدن فيها قوة أمن، وفيها كثافة سكان، فهي أَحْرَز، لكن القرى ولا سيما القرى النائية على خطر كثيرًا.
كذلك أيضًا تختلف باختلاف السلطان، والمراد بالسلطان هنا ليست السلطة العليا في الدولة، السلطان ولو في مكان محدود، ولهذا تختلف الآن البلدان أمنًا وخوفًا بحسب الأمير المباشر فيها.

قد يكون مثلًا بعض الأمراء في المناطق قويًّا جدًّا ما تجد يوجد في المنطقة سرقات مثلًا أو اعتداءات، ويكون الأمير في منطقة أخرى ضعيفًا فتكثر السرقات، حتى لو كان السلطان العام قويًّا أو ضعيفًا، وأمثلة هذا موجودة في الواقع، وأن المنطقة تكون آمنة أو خائفة بحسب أميرها، ولو الأمير الخاص.
إذن ما نرجع الآن في الْحِرْز إلى شيء من الشرع؛ لأن الشرع جعله لنا على سبيل الإطلاق، وذلك لأن هذا الأمر يختلف باختلاف الأموال والبلدان والسلطان، فلهذا لم يحدده الشرع.
ثانيًا: أن يكون المسروق مالًا مُحْتَرَمًا من مالكه أو مَن يقوم مقامه، أن يكون المسروق مالًا مُحْتَرَمًا، وما هو المال الْمُحْتَرَم؟ هو المال الحلال، أما المال الحرام فليس بمحترَم، لو سرق الإنسان ما ليس بمال فإنه لا تُقْطَع يده، سرق طفلًا حُرًّا فإن يده لا تُقْطَع؛ لأن هذا الطفل الْحُرّ ليس بمال، ولو سرق طفلًا رقيقًا قُطِعَت يده؛ لأن الطفل الرقيق مال.
وهنا قد يتساءل بعض الناس يقول: هل الْحُرّ أكمل وأفضل أو الرقيق؟ طلبة: الحر.
الشيخ: الحر أكمل وأفضل، لماذا تقطعون بسرقة الرقيق ولا تقطعون بسرقة الْحُرّ؟ طالب: لأنه ليس مالًا.
الشيخ: نعم؛ لأن الْحُرَّ ليس بمال، بخلاف الرقيق، فإن الرقيق مال فأُجْرِيَ مجرى الأموال فقُطِعَ به، أما الْحُرّ فإننا نُنَزِّهُه أن نُلْحِقَه بالبهيمة وبالمتاع، فلهذا لا يجب قطعه، ولكن قد يجب ما هو أعظم من القطع؛ لأن مثل هذا الأمر ليس فيه حد شرعي فيكون فيه التعزير، والتعزير راجع إلى اجتهاد الإمام، فقد يرى الإمام مثلًا أن هذا الرجل يُقْتَل، هذا المختطِف، وقد يرى أن يُؤَدَّب بالحبس الدائم.
المهم على كل حال هذه مسألة التعزير ترجع إلى اجتهاد الإمام ورأيه، إذا رأى ما يحفظ أَمْن الناس ولو بقتل هؤلاء المفسدين فإنه لا بأس به.
(مالًا مُحْتَرَمًا)، (محترمًا) احترازًا مما ليس بمحترَم، ويش مثل؟ طالب: الخمر.

الشيخ: الخمر ليس بمال، لكن قالوا: مثل أواني الذهب وأواني الفضة، هذه مال؛ لأن الذهب والفضة مال لكنه ليس بمحترَم، ولذلك لا ضمان على مَن كسره وأفسده، لكن مَن أتلفه عليه الضمان، يضمنه على أنه ذهب وفضة، لا على أنه إناء من ذهبٍ أو فضة، فهنا الإناء ليس بمحترَم؛ لأنه يجب إزالته، كذلك أيضًا لو فرضنا إنسانًا صنع له شيئًا من الحديد على شكل صليب مثلًا، الحديد مال ولَّا غير مال؟ طالب: مال.
الشيخ: لكن الصليب غير محترَم، فلو سرقه سارقه سارِق قلنا: إن يده لا تُقْطَع؛ لأنه غير محترَم.
إذن لا قَطْع فيه، ما رأيكم بالخمر؟ قلنا: إنه ليس بمال أصلًا؛ لأنه لا يُمْلَك ولا يُبَاع ولا يُوهَب ولا يُورَث فليس بمال.
ما رأيكم بالآلات التي تُسْتَعْمَل للمُحَرَّم، مثل آلة الشيشة؟ آلة الشيشة الآن هي جوهر، بمعنى أنها ذات قيمة في حد ذاتها، لكنها مُحْتَرَمة ولا غير مُحْتَرَمة؟ غير محترمة.
سرقتها جائزة ولَّا غير جائزة؟ طالب: جائزة.
طالب آخر: اللي بيكسر جائز الشيخ: اللي بيكسر جائز، واللي بيشرب بها؟ ! طبعًا ما تجوز طالب: (... ). الشيخ: المهم.. هذه وردت علينا سؤالًا، قال: سؤال: سرقة هذه الأشياء تجوز ولا ما تجوز؟ نقول: إذا سرقها ليكسرها فهو جائز؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» (7) وقد يكون من غير الممكن أن يغيره بيده أمام صاحبه، لكن يتحيَّن الفرصة فيأخذه ويكسره في بيته، أما الدخان وغيره فهذا ليس بمال، ومع الأسف أن الناس الآن يتبايعونه ويعتقدون أنه مال، يقول: بِعْ عَلَيَّ هذا واشتره، وأظنه يباع ويشترى الآن كراتين ويُوَرَّد.
طالب: ولهم محالّ.
الشيخ: إي لهم في كل مَحَلّ مَحَلّ، الله يهدينا وإياهم.
هذا ليس بمال، لو جاء إنسان وأتلفه عن آخره فإنه ليس بمال، وكانوا قبل سنوات يحرقونه على أبواب المساجد، ولكن.. تَكَاثَرَتِ الظِّبَاءُ عَلَى خِرَاشٍ

فَمَا يَدْرِي خِرَاشٌ مَا يَصِيدُ

كثرت البلاوي وضعفت القوى أمامها، فلهذا انتشر هذا الأمر على الرغم من أنه مكتوب يقولون: في كل علبة من العلب موصوف بأنه مُضِرّ.
والأمس واحد وَرَّاني في أحد الجرائد يقول: إنها جريدة الرياض، أنا ما شوفتها، لكن يقول: جريدة الرياض، كاتبين صورة الشيشة لكنه يقول: إنها على الكهرباء، وواحد آخذ برقبتها يَمْتَصُّها في نفس الصحيفة، مع العلم بأنه ممنوع، حسب ما نسمع أنه ممنوع أن تُنْشَر الدعاية لهذا الشيء، لكنه يقول: هذه جريدة الرياض، أنا ما شوفتها، هو يقول: هذه جريدة الرياض، وأنها موجودة أيضًا في الجزيرة، فتأمل هذه التناقضات، كيف يُكْتَب أنه ضار ثم يُعْلَن عنه في الصحف لأجل يشجع الناس عليها.
طالب: (... ). الشيخ: إذا كان مالًا غير محترَم فإنه لا يجب فيه القطع، لكن هنا إذا كان مالًا غير محترَم، هل يجوز للإنسان أن يسرقه ليكسره؟ نقول: نعم، لكن المشكلة الآن بتيجي كيف يرده إلى صاحبه، إذا كان مالًا غير محترَم كيف يرده؟ طلبة: (... ). الشيخ: نعم، يمكن يرده مكسرًا، آنية من الذهب، الذهب ينفع لو كان مكسَّرًا، فإذا أمكن أنه يعمل هذا العمل ويرده إلى صاحبه بغير أن يحصل فتنة فلا بأس، أما إذا كان ما يمكن إلا بحصول فتنة فهذا لا يجوز؛ لأن هنا الفتن أعظم مفسدة من المفاسد الخاصة؛ إذ إن الفتن مهما كانت فإن الشرع يحاربها محاربةً تامة، وكثير من المسائل التي حُرِّمَت في البيع كلها ترجع إلى خوف انتشار العداوة والبغضاء بين المسلمين.
طالب: (... ) للسارق أو للمسروق منه؟ الشيخ: للسارق؟ الطالب: لنفس السارق أو المسروق منه (... )؟

الشيخ: إي نعم، الاعتبار ما هو باعتقاد السارق، الاعتبار بالواقع، فإذا جاء من بلاد كما ذكرت ليس فيها أمن، وظن أن هذه البلاد مثل بلاده فإنه لا عبرة بظنه؛ لأنه يعرف، كلنا يعرف أن السرقة محرَّمة، ما له عذر فيها أبدًا، كما لو قَدِمَ، الآن مع الأسف الشديد أن كثيرًا من بلاد المسلمين ما تطبق قطع اليد في السرقة، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: لو قَدِمَ من بلد ما يقطعون اليد بالسرقة وظن أنه في هذا البلد اللي سرق منه ما تُقْطَع اليد، هل يكون هذا مانعًا من تنفيذ الحد؟ ما يكون مانعًا.
يقول: كيف يجوز أن نحرس هذه البنوك بالجنود؟ ما رأيكم في هذا؟ أنا رأيي أنه يجب أن تُحْرَس.
طالب: عامة.
الشيخ: لا، ما هي عامة؛ لأنه كيف نحفظ أموال الناس إلا بهذا، ما دام الأمر هذا واقعًا.
طالب: (... )، كيف نحرس مالًا نحاربه؟ الشيخ: لا، ما حاربناه، ما حرسناه حال حربه، حرسنا مال فلان ومال فلان.
الطالب: أقول يا شيخ: ما هو البنك (... ). الشيخ: إحنا في الحقيقة دخلنا في موضوع آخر، حقيقة الأمر ما لهم فيها شيء، ما لهم غير الحقيقة، ولهذا يقولون: إنه حتى المحلات اللي إحنا نظن أنها ليس فيها شيء، يقولون: هي فيها شيء، لكنها بعض الشر أهون من بعض، يقولون: إن بعض المحلات فيها شيء، حتى اللي يسمونه دار المال الإسلامي يقول: تودع أموالك في البنوك في سويسرا وغيرها ويصير فيها ربا، فمعنى ذلك إن ما إحنا بسالمين من هذا الشيء.

ثم إنها ما دام الأمر بالنسبة للبنوك أنا كنت أقول: إنه ما يجوز وضع الأموال فيها أبدًا، لكن تبيَّن لنا أن لها طرقًا أخرى غير الربا، وكانت أَشْكَلَت عَلَيَّ المسألة وبحثتُ بعد في كتاب الشيخ الحميد في هذا الموضوع؛ لأني سمعت أنه أفتى بجواز إدخال الأموال فيها، وكنت أرى تحريمها، وكتبت له في الموضوع، وجاءنا كتاب منه، وقال: إن أموالها ليست خالصة للربا فقط، غير مُتَمَحِّضَة في الربا، لها مصادر أخرى غير الربا، وعلى هذا تكون من الأشياء الْمُشْتَبِهَة، والشيء المشتبه ما يحرُم على الإنسان أنه يضع ماله فيه.
إحنا نقول: هذا صحيح أنه بعدما كتبنا هذا تَبَيَّن لنا الأمر فيه، ثم إن الحاجة الآن ماسَّة إلى هذا، الآن حسب كلام الناس -وهو الظاهر والله أعلم- أن الإنسان لو أبقى ماله في بيته لكان عليه خطر، خصوصًا مع ضعف الأمن بعض الشيء فإنه يحصل في هذا خطر عليه، هو يقول: أنا مضطر إلى أن أُودِعَ البنكَ هذا، ومع أننا لا نوافق على تسميته إيداعًا، السبب؟ لأن الوديعة ما يتصرف فيها المودِع، والدراهم اللي توضَع في البنك يتصرف فيها، إذن فهو قرض.
(... ) غمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، والمراد باليد هنا إلى الكفّ، فلا تشمل الذراع وغيرها.
(... ) مالًا محترمًا، فقلنا: إنه يخرج بالمال ما ليس بمال، وبالمحترَم ما ليس بمحترَم.
من مالكه أو مَن يقوم مقامه، يعني: لا بد أن يكون الأخذ من المالك أو ممن يقوم مقام المالك، والذي يقوم مقام المالك كما مر علينا في البيع أربعة، وهم: الولي والوكيل والوصي والناظر، فلا بد أن يأخذه من مالكه أو مَن يقوم مقامه، فإن أخذه من غاصبه فإنه لا يُقْطَع؛ لأنه في هذه الحال ليس بِيَد مَن هو محترَم في حقه.
لو أخذه من مستأجِر يُقْطَع ولَّا لا؟ يُقْطَع؛ لأن المستأجر قائم مقام المالك، فإن المال بيده بإذن مالكه، ثم إن المستأجِر أيضًا مالك للمنفعة، وكذلك لو أخذه من مستعير، والمستعير مالك لأيش؟

طالب: للمنفعة.
الشيخ: للمنفعة؟ لا، المستعير، واحد أعارني مثلًا شيئًا أنتفع به، المستعير ويش يكون؟ هو مالك للمنفعة ولَّا لا؟ طالب: مالك للمنفعة.
الشيخ: لا، ليس مالكًا للمنفعة، لكنه مالك للانتفاع، وقد مَرَّ علينا في نفس الموضوع هذا، وقلنا لكم: فرق بين مالك المنفعة ومالك الانتفاع؛ فمالك الانتفاع ينتفع ولا يتصرف في المنفعة، فالمستعير لا يُعِيرُ مثلًا ولا يؤجر العين المستعارة، ولكنه ينتفع بها بالمعروف.
المستأجر مالك للمنفعة، ولهذا له أن يُعِيرَ، وله أن يؤجر، هذا الفرق.
الشرط الثالث أن يبلغ وقتَ إخراجه من الحرز نصابًا، (أن يبلغ) الضمير يعود على المسروق، أن يبلغ المسروق نصابًا وقت إخراجه من الحِرز، لا وهو في الحرز، بل وقت إخراجه من الحِرْز، لا وهو فيه، ولا ما بعده، الْمُعْتَبَر وقت الإخراج، فلو كان في الْحِرْز يبلغ نصابًا، لكن أخرجه وهو لا يبلغ ولو بالتحيُّل فإنه لا قطع عليه.
مثل هذا الثوب، تبلغ قيمته نصابًا وهو في حرزه، فشقه السارق، ثم خرج به ثم خاطه، وقت إخراجه من الْحِرْز وهو لا يساوي نصابًا، يقولون: إنه لا يُقْطَع به؛ لأنه أتلفه في حِرْز مالكه، أو نَقَصَه في حرز مالكه، فكان النقص حينئذ على المالك، فلا يُقْطَع؛ لأنه لا يبلغ نصابًا.
كذلك لو كان فيه شاة تساوي قيمتها نصابًا، فذبحها وأخرجها، ونقصت عن النصاب وقت الذبح، فإنه ليس عليه قطع؛ لأنه وقت إخراجه لم يبلغ النصاب، وقد حصل التلف في حِرْز مالكه، ولهذا لو فرضنا أنه أتلف هذا الشيء إتلافًا بأن أحرق الثوب في مكانه، يُعْتَبَر سارقًا ولَّا غير سارق؟ غير سارق.
فهم يقولون الآن: هذا الفرق الذي حصل، أتلفه في مكان مالكه، فصار عليه ضمان، ثم خرج بالثوب ناقصًا فليس عليه قطع.

ولا شك أن هذا احتراز بالغ في عدم إقامة الحدود، أو في الحقيقة دَرْء الحدود بالشبهات، وإلا فكيف يتصور إنسان ماهر في السرقة يقول: أخشى أن أخرج به وهو يبلغ النصاب، أنا أريد الآن أن أشق الثوب حتى لا يبلغ النصاب وأخرج به، لا شك أن هذا حيلة، إلا أن الفقهاء يقولون رحمهم الله: لأنه وقت إتلافه الذي حصل به النقص كان في حِرْز المالك، فكما أنه لو أتلف المال في نفس الْحِرْز لم يُعَدّ سارقًا ولم يجب عليه، فهذا مثله.
ما هو النصاب؟ النصاب في كل موضع بحسبه، هنا ثلاثة دراهم.
طالب: هو أتلف (... ) مرتين، كل مرة يأخذ جزءًا؟ الشيخ: ما أدري، إذا قسم ما أدري، تحتاج إلى تأمل في الموضوع أو مراجعة؛ لأنه في الحقيقة كل سرقة مستقلة عن الأخرى هذه، لكن المسروق شيء واحد، فهل نعتبر الفصل هنا مُمَيِّزًا لكل سرقة عن الأخرى، أو نقول: إن هذا المسروق واحد والسارق واحد فتُضَمّ كل واحدة للأخرى، ظاهر كلامهم أن كل سرقة معتَبَرَة بنفسها.
وهذا إذا لم يكن حيلة لا شك فيه، يعني لو أن أحدًا جاء وأخذ من هذا المال قليلًا وليس من نيته أن يأخذ باقيه، فهذا لا شك أنه ما نضم هذه إلى هذه، أما إذا كان حيلة فهذه محل النظر، إذا كان حيلة؛ لأنه أخذ بعض المال ومِن نِيَّتِه أن يأخذ باقيه.
قد يكون أيضًا عجزًا ليس حيلة، قد يكون عجزًا عن حمله مثلًا، فحمل بعضه الآن وهو في نيته أن يرجع ويسرق باقيه، وهي تحتاج إلى نظر، لكن الأقرب عندي الآن أنه إذا كان من عزيمته ونيته أن يرجع ليسرق باقيه فهو كما لو سرقه مرة واحدة، أما إذا كان ليس من نيته ذلك، ولكنه بعد أن أخذ رجع وسرق ثانية بقية المال فإنه ليس عليه قطع.
طالب: إذا بلغ النصاب (... )؟ الشيخ: إي، لا ما يُضَمّ كل واحدة للأخرى، لو سرق من هذا نصف نصاب، ومن الآخر نصف نصاب ما يعتبر شيئًا.
طالب: (... ).

الشيخ: النصاب ثلاثة دراهم، أو رُبُع دينار، أو ما يساوي أحدَهما، أما رُبُع دينار فقد ثبت به الحديث صريحًا؛ حديث عائشة وابن عمر وغيرهما، أنه لا تُقْطَع إلَّا في رُبُع دينار فصاعدًا، والدينار زِنَتُه مثقال من الذهب، ويساوي تقريبًا نصف جنيه سعودي، فعلى هذا يكون رُبُع الدينار ثُمُن جنيه سعودي تقريبًا، فما نقص عن ذلك فليس فيه قطع، وأما ثلاثة الدراهم فهل هي أصل أو تقويم؟ المذهب أنها أصل، وعلى هذا فإذا سرق ما يساوي ثلاثة دراهم فقد سرق نصابًا، ثلاثة دراهم كم تقدِّرُونها؟ طالب: سعودي؟ الشيخ: سعودي.
طالب: خمسين ريالًا.
الشيخ: خمسين ريالًا؟ ويش لون؟ مئتا درهم ستة وخمسون ريالًا، يزيد قليلًا.
طلبة: (... ). الشيخ: قلنا الآن: ست وخمسون نسبتها إلى المئتين، كم نسبة ست وخمسين إلى مئتين؟ طالب: (... ). الشيخ: هي أكثر من الرُّبُع بست من الخمسين، ريال إلا رُبُع زِيدُوا ستة بالخمسين، سبعة عشر قرشًا هذا نصاب السرقة، يعني لو سرق ما يساوي سبعة عشر قرشًا قُطِعَت يده، بناء على أن ثلاثة الدراهم أصل، وهو المذهب.
أما مَن قال: إن الأصل ربع الدينار، وأنه ثلاثة الدراهم، لأن الدينار في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم صَرْفُه اثنا عشر درهمًا، ولهذا عندكم في الديات مَرَّ علينا ألف مثقال ذهب أو اثنا عشر ألف درهم فضة، فكان صرف الدراهم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم الدينار باثني عشر درهمًا، وهذا هو الذي جعل بعض الرواة يذكرون ثلاثة الدراهم، وإلا فالأصل الدينار، وهذا في الحقيقة أحوط أن نجعل الأصل هو الدينار؛ لأنه أَنْفَى للشبهة.
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأصل هو الدنانير، اللي هو ربع الدينار، فيُعْتَبَر بالدنانير لا بالدراهم.

نأتي إلى ربع الدينار، عشرون دينارًا أحد عشر جنيهًا وثلاثة أسباع، يعني أحد عشر ونصفًا تقريبًا، فيكون ربع الدينار ثُمُن جنيه سعودي ويزيد قليلًا، ثُمُن الجنيه أظنه، الآن كم يساوي الجنيه؟ طالب: أربع مئة.
الشيخ: أربع مئة يساوي؟ لا، ما أظن يساوي أربع مئة، الظاهر نقص.
طالب: ثلاث مئة.
الشيخ: نخليه إلى ثلاث مئة، ثلاث مئة، مئة وخمسين، خمسة وسبعين، سبعة وثلاثين ونصف تقريبًا، ما يساوي سبعة وثلاثين ونصف ريال تقريبًا يُقْطَع به السارق وجوبًا، يعني ما يساوي سبعًا وثلاثين ريالًا يُقْطَعُ به السارق، ولَّا لا؟ لأن إحنا قلنا: إن ربع الدينار يساوي ثُمُن جنيه سعودي تقريبًا، والمسألة تقريبية، اللي منكم جيد في الحساب إن شاء الله يحرِّر لنا.
فإذا كان يساوي ثُمُن الجنيه، وقلنا: إن الجنيه ثلاث مئة، يكون رُبُع الثلاث مئة خمسًا وسبعين، ثُمُنُها سبع وثلاثون ونصف.
على كل حال إذا سرق هذا فإنه يُقْطَع وجوبًا، ولا يجوز أن يتهاون ولاة الأمور في هذا الأمر؛ لأن تأخير إقامة الحدود أو التهاون بها أو المماطلة هذا خلاف الشرع، النبي عليه الصلاة والسلام لما ذُكِرَ له قصة العَسِيب قال: «اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (1)، ولا تُطَوَّل المسألة بتحقيقات وتطويل حتى إنك تموت، وعلى الأقل يموت حماس الناس لها؛ إذ إن هذا لا شك أنه خلاف الشرع، وأنه لا يجوز المماطلة، بل متى ثبت الْجُرْم وجب تنفيذ العقوبة فورًا.
طالب: شيخ، بالنسبة للحديث الذي يقول: «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ؛ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» (2).

جارٍ التحميل