الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 3620-3659

يقول المؤلف: (وفي الجائفة ثلث الدية) الجائفة (هي التي تصل إلى باطن الجوف).
يعني مثلًا إنسان جرح شخصًا مع بطنه حتى وصلت إلى باطن الجوف؛ يعني شق الجلد والقميص فعليه ثلث الدية، ترى هذا إن بقي المجني عليه، أما إن مات فدية كاملة.
وفي كسر الذراع والعضد والفخذ والساق بعيران، لكن بشرط أن يجبر مستقيمًا، إنسان جنى على شخص فكسر ذراعه فعليه بعيران، بشرط أن يجبر مُستقيمًا، فإن جبر معوجًا فعليه الحكومة، ففيه حكومة، وسيأتي ذكرها إن شاء الله فيما بعد.
طالب: الساعد فيه عظمان لو كسر يعني أحدهما.
الشيخ: الذراع يعني؟ الطالب: نعم، الذراع فيه عظمان؟ الشيخ: إي نعم، إذا كسر واحدة فعليه واحدة فقط.
الطالب: بعير؟ الشيخ: والعضد إذا كسره فعليه بعيران، والفخذ عليه بعيران، والساق كذلك عليه بعيران، إذا كسره بشرط أن يجبر مستقيمًا.
في كسر الضلع والترقوة بعير، الضلع معروف والترقوة معروفة أيضًا، هي العظم الناتئ في أعلى الصدر، إذا كسرها حتى جبرت ففيها بعير، وفي كل ضلع بعير، وكل هذه أدلتها وآثارها موجودة في المنتقى وغيره، فتراجعوه.
طالب: الضلع (... ). الشيخ: لا، كل واحد له بعير، يعني لو كسر ثلاثة أضلاع عليه ثلاثة من الإبل.
(الشجاج وكسر العظام) الشجة جرح الوجه والرأس خاصة، وأما في غير الوجه والرأس فيُسمى جرحًا، ويُسمَّى شجًّا (ففي الموضحة خمس من الإبل، وفي ما دونها حكومة، وفي الهاشمة عشْر، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي كل من المأمومة والدامغة ثلث الدية).
الموضِحة هي التي تُوضِح العظم فيها خمس من الإبل، وفيما دونها حكومة، ويش اللي دون الموضِحة؟ جرح لم يصل إلى عظم، يجب فيه حكومة، ولها مراتب الشجات عند العرب، مراتب عشر، كل المراتب الخمس التي قبل الموضحة ليس فيها إلا حكومة، الحكومة سيأتي في آخر البحث معناها.

(في الهاشمة عشْر) الهاشمة هي التي يكون فيها قيدان: تُوضِح العظم وتهشمه، فإن هشمته بلا إيضاح ففيها حكومة؛ يعني قد يضربه بحجر وينهشم العظم، لكنه لم يوضحه؛ ففيه حكومة.
طالب: كيف؟ الشيخ: تبرزه، يعني يتبين العظم.
طالب: (... ). الشيخ: هي المسألة ما حد إن شاء الله ماسك (... ) يكسرك، وواحد يفتحه بالسكين، لكن أكثر ما يكون يرميه بحجر مثلًا، يضرب بحجر ويصيبه، وما أشبه ذلك، المهم أنه لا بد أن تكون الهاشمة سبقها إيضاح، فإن كانت هاشمة ولم تُوضح فإن فيها حكومة.
(في الْمُنَقِّلة) وهي ما جمعت ثلاثة أوصاف: الإيضاح، والهشم، والنقل، وإن كان النقل بالحقيقة، النقل ما يمكن إلا بعد هشْم.
إذن ما جَمَع الوصفين؛ وهما الإيضاح والنقل توضح العظم وتنقله؛ بمعنى أنه ينقص العظم، وينتقل عن مكانه، وهي أعظم من الأولى ولَّا لا؟ أعظم، ولهذا جاءت الشريعة فيها بأن فيها خمسة عشر من الإبل.
(وفي كل من المأمومة والدامغة ثلث الدية) المأمومة فيها ثلث الدية، جاء ذلك في حديث عمرو بن حزم (3) وغيره أيضًا، لكن الدامغة قاسوها على المأمومة، بل هي أولى؛ لأن المأمومة تصل إلى أم الدماغ، والدامغة تفري الجِلدة؛ فهي أبلغ، قالوا: إن فيها ثلث الدية، ولكن بعض أهل العلم قال: يجب فيها ثلث الدية وحكومة؛ لأن ثلث الدية ثبت بأي شيء؟ بالمأمومة.
والزائد على المأمومة لم يرد الشرع بتقديره، فيكون فيه حكومة، فيُضمَّن ثلث الدية، ويُقدَّر بما زاد على المأمومة حكومة، والغالب أن الجرح إذا وصل إلى هذه الحال الغالب الموت، لكن ربما يريد الله له البقاء فيُعالَج حتى يبرأ فنقول: فيها حكومة مع الثلث.
طيب لو فُرض أن الرجل الذي وصل الجرح إلى دماغه اختل عقله، ويش يجب؟ طلبة: الدية.

الشيخ: تجب الدية كاملة؛ لأنه سبق أن سراية الجناية مضمونة ولَّا لا؟ مضمونة، سراية الجناية مضمونة، فيجب فيها الدية كاملة.
طيب لو كانت عمدًا، الرجل شُفِي، وهو متعمد الذي أمَّه في رأسه، متعمد لهذه الجناية، فبرئ الرجل، لكنه اختل عقله، هل يُقتص من الجاني ولَّا ما يقتص؟ طالب: ما يقتص.
الشيخ: ليش ما يقتص؟ طالب: يقتص موضحة يا شيخ.
الشيخ: مر علينا أنه يُقتص موضحة، وله أرش الزائد، كذا ولَّا لا؟ نيجي للعقل يُقتص منه ولَّا لا؟ طالب: لا.
الشيخ: ويش السبب؟ طالب: ما يمكن.
الشيخ: إي، ما يمكن القصاص؛ يعني بعض الناس يمكن تضربه ضربًا عظيمًا، ولا (... )، وبعضهم يمكن أقل شيء؟ طالب: (... ). الشيخ: إي نعم.
المهم أن الحقيقة أن الحواس والمنافع ما يمكن الاقتصاص منها؛ ولهذا العلماء ما ذكروا فيها قصاصًا؛ لأن القصاص منها مُتعذِّر، قد يجري الإنسان أو يقتص بالجناية التي أخلت بعقل الأول ولا (... ) الثاني بعقله، وعلى هذا فنقول: يُقتص منه مُوضِحة، ويؤخذ أرش الزائد، وبالنسبة للعقل يجب عليه دية كاملة.
(والحكومة واجبة في كل قطْع، أو كسر، أو جرْح لا قصاص فيه، وهي -أي الحكومة- أن يُقوَّم المجني عليه كأنه عبد سليم، ثم يُقوَّم وقد برئ من الجناية، فما نقص من القيمة فله مثل نسبته من الدية إلا أن تكون في موضع له مُقدَّر فلا يُبلغ بها الْمُقدَّر) هذه الحكومة، الحكومة: أن تُقدِّر أن هذا المجني عليه عبد سليم، ثم تُقدِّره مرة ثانية وقد برئ من الجناية، فما بين القيمتين تأخذ مثل نسبته من الدية، فإذا قُدِّر أن هذا المجني عليه وهو سليم، لو كان عبدًا لكان يساوي خمس مئة، ولكنه بعد الجناية والبُرْء يساوي أربع مئة، ما نسبة المئة إلى خمس مئة؟ خُمْس، إذن يجب له في هذه الجناية خُمْس الدية عشرون بعيرًا، وعلى هذا فقِسْ.
طالب: مثل الأرش.
الشيخ: إي، مثل الأرش، الحكومة أرش في الحقيقة.

(إلا إذا كانت الحكومة في موضع له مُقدَّر؛ فإنه لا يُبلغ بها المقدَّر) مثلًا: الجرْح في رأسه، لكنه لم يصل إلى حد الموضِحة، أفهمتم؟ الموضحة فيها مُقدَّر ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: كم؟ طالب: خمس.
الشيخ: خمس من الإبل.
رجل جرحه جرحًا دون الموضحة، لكن الجرح كان عظيمًا واسعًا، وبرئ الجرح إلا أن الرأس تأثر بهذا الجرح، تأثر يعني صار فيه نوع من التشويه، قدَّرنا هذه الجناية لما قدرناها، فإذا هو عبد سليم يساوي خمس مئة، وبهذه الجناية يساوي أربع مئة، النسبة؟ طالب: الْخُمس.
الشيخ: الخمس؛ أي عشرون بعيرًا، عشرون بعيرًا زادت على خمسة من الإبل ما نبلغ بها المقدر؛ يعني ما يجوز نعطيه ولا خمسة من الإبل، بل نعطيه؟ طلبة: أربعة ونصف.
الشيخ: لا، يعني أقل من الخمس أقل ولو بيسير، لماذا؟ قالوا: لأن الشرع إذا قدَّر شيئًا في جرح، فإن ما دونه لا يبلغ هذا التقدير؛ لأنك لو أعطيته أكثر مما قدر الشرع في شيء دون الشرع لكان هذا طعنًا في حِكمة الشريعة، مثلما لو أن إنسانًا قَبَّل امرأة وخلا بها واستمتع بها في كل شيء إلا في الزنا، ثم إن الحاكم قدَّر عليه مئتي جلدة، يجوز ولَّا لا؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: ما يجوز.
طيب مئة جلدة؟ ما يجوز؛ لأن الشرع قدر مئة الجلدة في الزنا الذي هو إتيان الفاحشة، وهذا لم يصل إلى حد الزنا، فإذا قدرت عليه أكثر مما قدر الشارع بالزنا فهذا يُعتبر طعنًا في الشريعة، والمهم أن كل شيء مُقدَّر ما دونه لا يُبلغ به؛ لأنه طعن في الشريعة.
طالب: اللحية، هل فيها حكومة (... )؟ الشيخ: لا، على المذهب ما فيها حكومة، فيها الدية كاملة.
الطالب: لا (... ) حكومة.
طالب آخر: على القول.. الشيخ: على القول بأنه حكومة إي نعم.
الطالب: (... ).


الشيخ: (فإن لم تنقصه بعد البرء قُوِّم حال الجناية) فافرض أن الجرح حصل، لكنه لما برئ ما صار له أثر، ولو أننا قوَّمناه وأردنا الحكومة ما صار له شيء، ما صار له قيمة، فماذا نصنع؟ نقول: خلاص روح، يُقوَّم حال الجناية، والدم يسيل منه، ومعلوم أنه لا بد أن ينقص ما دام الدم يسيل منه على الأقل أننا نقدر أن فيه خطرًا، فإن لم ينقص فلا شيء فيها، بل قال العلماء: أو زادته حُسنًا فلا شيء فيها، إي نعم ربما تزيده حسنًا.
طالب: (... ). الشيخ: افرض أنه قطع أصبعًا زائدًا، جنى عليه وله ستة أصابع، وقطع واحدًا من أصابعه، هذا يزيده حُسنًا ولَّا لا؟ إي نعم، فهذا لا شيء عليه، لكن يقولون: يُعزر الجاني بطلب من المجني عليه (... )


باب العاقلة وما تحمله

عقل البعير، وسموا (عاقلة)؛ لأنه جرت العادة عندهم أن الدية، وهي من الإبل كما فهمتم، يأتي بها أولياء القاتل إلى أهل المقتول، ويعقلونها بعُقُلها عند بيوتهم؛ ولذلك سموا عاقلة من العَقْل، وهم -يعني العاقلة- العصبة من النسب والولاء سواء كانوا وارثين أم غير وارثين، المهم أنهم عصبة.
وعلى هذا فيخرج أصحاب الفروض، ليسوا من العاقلة كالزوج مثلًا، وكالأخ من الأم، ويخرج أيضًا ذوو الأرحام كأبي الأم فإنهم ليسوا من العاقلة؛ فالعاقلة هم العصبة فقط، وإنما اختصت بذلك لأن العصبة هم الذين يُقوُّون الإنسان ويشدون أزره، وقد مر عليكم في الفرائض أنه مأخوذ العصبة من العَصْب، وهو الشد؛ لأنهم يشدون أزره ويقوونه، وأما ذوو الأرحام، ومن أدلى بأم كالإخوة من الأم فإنهم ليسوا كذلك؛ ولهذا الإنسان دائمًا يعتزي بمن؟ بعصبته، وليس يعتزي بذوي أرحامه، ولا بإخوته من أمه.
وقولنا: (من النسب) يعتزي بمعنى إذا أراد أن يدعو لنصرته إنما ينتصر بهؤلاء.
وأما قولنا: (والولاء) فنعم؛ لأن العصبة قد يكونون من الولاء مثل: كالسيد سيد العتيق، ولكنكم تعرفون أن عصوبة الولاء بعد عصوبة النسب.

(ويحملون عن القاتل الدية بشروط أولًا: ألا تكون جنايته عمدًا محضًا) (يحملون عن القاتل الدية) كلمة (الدية) معناه أنهم يحملون جميع الدية؛ فالقاتل إذن لا يحمل شيئًا، وإنما الدية كلها على العصبة.
وقال بعض العلماء: بل القاتل يحمل كما يحمل غيره.
وقال آخرون: بل يحمل إذا عُدمت العاقلة، ولكن المشهور من المذهب هو ما ذكرنا أنه على العاقلة، فإن لم توجد عاقلة فعلى بيت المال، فإن لم يُوجد بيت مال يحمل سقطت الدية، فهي تجب على العاقلة أصلًا لا تَحمُّلًا؛ يعني ليست تحملًا عن القاتل بحيث يكون الأصل هو، ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في المرأتين المقتتلتين من هذيل أن دية المقتولة على عاقلة القاتلة (4) على العاقلة، ولم يُحمِّل العاقلة شيئًا، ولم يستفصل هل هي قادرة أو غير قادرة، فلما لم يستفصل عُلِم أن العاقلة تحمل جميع الدية.
يقول: (بشروط) (ألا تكون عمدًا محضًا) وكلمة: (عمدًا) يخرج بها الخطأ، و (محضًا) يخرج بها شبه العمد، فعليه دية الخطأ وشبه العمد على العاقلة، ودية العمد على القاتل.
وقد تقدم لنا الحكمة في أنها في الخطأ وشِبه العمد على العاقلة، وفي العمد على القاتل تعرف؟ طالب: أن هناك من هو محل الرأفة والرحمة، وهنا لا (... ) وشبهه، والخطأ محل الرأفة.
الشيخ: إي نعم، وشبه العمد محل الرأفة فتُحُمِّل عنه.
وفي العمد؟ الطالب: ليس محلًّا.. الشيخ: هذا واحد.
ثانيًا؟ طالب: قد يتساهل بعض الناس إلى أن تتحمل العاقلة الدية فيتساهل (... ). الشيخ: هذا طيب أيضًا أنه قد يؤدي إلى تساهل في قتل العمد.
طالب: (... ). الشيخ: أن الدية فداء عن نفسه في مسألة العمد؛ لأن الأصل، ويش الأصل؟ القصاص الأصل النفس بالنفس، فإذا تحمل الدية فإنه فدى نفسه فتكون الدية عليه لا على عاقلته.

(الشرط الثاني: ألا تكون الدية جارية مجرى الأموال، فإن كانت الدية جارية مجرى الأموال فإنها على القاتل نفسه ولو عمدًا) مثل دية العبد، فإن دية العبد -كما سبق- قيمته بالغة ما بلغت؛ لأنه أُجري مجرى الأموال، وعلى هذا فإن العاقلة لا تحمل قيمة العبد كما أنه لو أتلف بعيرًا مثلًا فإن العاقلة لا تتحمله، فكذلك إذا أتلف عبدًا فإن العاقلة لا تتحمله؛ لأن دية العبد بمنزلة قيمة البهيمة؛ فالعبد إذن جارٍ مجرى الأموال فلا يُمكن أن تضمنها العاقلة كما أنها لا تضمن ما أتلفه من الأموال الأخرى.
(الشرط الثالث: أن يكون العاقل حُرًّا مُكلفًا ذكرًا غنيًّا موافقًا للجاني في الدِّين) (أن يكون العاقل حُرًّا) فالعبد لا يُحمَّل من الدية شيئًا، لماذا؟ لأنه لا يملك؛ فهو إذن مُعدِم حتى لو أن سيده أعطاه مالًا أو ملَّكه مالًا، وقلنا بأنه يملكه فإنه لا يجب عليه؛ لأن العبد ليس أهلًا للمساواة والنصرة.
كذلك (مُكلَّفًا) أي بالغًا عاقلًا؛ وعلى هذا فالصغير لا يؤخذ من ماله للدية؛ لأنه ليس أهلًا للنصرة، وأصل تحمل العاقلة -كما قلنا قبل قليل- النصرة والمساعدة والموالاة والصغير ليس من أهلها، وكذلك أيضًا المجنون من باب أولى؛ لأنه لا عقل له، ولا يعرف المناصرة، ولا أحد أيضًا يفكر أنه ينتصر بمجنون؛ فالصغير والمجنون ليس عليهما دية.
هل نقول يشترط الرشد ولَّا ما يشترط؟ طالب: لا يشترط.

الشيخ: يعني لو كان بالغًا عاقلًا، لكنه ما يحسن التصرف في المال؟ ليس بشرط ما دام بالغًا عاقلًا فإنه وإن كان لا يحسن التصرف في المال ومحجور عليه من أجل السفه؛ فإنه يؤخذ من ماله، لا بد أن يكون ذَكرًا، الأنثى ما عليها، ويش ما عليها؟ دية، ما يلزمها شيء؛ لأنها كما قلنا فيما سبق وهذه مبنية على العلة في التحمل، المرأة ليست من أهل النصرة؛ ولهذا لم يُوجب الله عليها الجهاد حتى في سبيل الله، ما يجب عليها الجهاد في سبيل الله إلا في حالات ضرورية، فليست من أهل الجهاد كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ» (5). فإذن لو كان هذا الرجل له أخ شقيق وأخت شقيقة، كلاهما غني، نأخذ من أخيه الشقيق، ولا نأخذ من أخته الشقيقة؛ لأنها ليست أهلًا للتحمُّل، لا بد أن يكون غنيًّا، فإن كان فقيرًا فليس عليه شيء؛ يعني بمعنى أننا لا نقول: إن هذا الفقير يُكتب عليه حصته من الدية، وإذا أغناه الله سدَّد، لا نقول هكذا؛ لأنه إذا كان هذا الرجل ليس عنده شيء فإن الله لا يُكلِّف نفسًا إلا وسعها، وليس هذا شيء استدانه هو حتى نقول: يُكتب عليه حتى يُوسر، بل هذا شيء للنصرة، ومن ليس معه سلاح كيف ينصر غيره؟ ولا بد أن يكون (موافقًا للجاني في الدِّين) فلا يَعقل كافر عن مسلم، ولا مسلم عن كافر.
إذن لو قُدِّر أن الذي وقع منه الخطأ لا يصلي مثلًا فإن أقاربه المسلمين لا يعقلون عنه، ما يدفعون الدية عنه، لماذا؟ لأنه مخالف لهم في الدين، هو كافر مرتد، والعياذ بالله، وهم مسلمون؛ وهذا لأن أكبر مفارقة بين بني الإنسان هي مفارقة الدين، قد قال الله تعالى لنوح عليه الصلاة والسلام في ابنه الذي خرج من صلبه وهو بضعة منه، قال الله له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: 46]؛ لأنه ليس بمسلم.
فإذن إذا قُدِّر أن الذي وجبت عليه الدية إنسان لا يصلي، وطلب من أبيه وعمه وأخيه أن يقوموا عنه بالدية قلنا: لا.

طيب يتحملها بيت المال؟ لا يتحملها؛ لأن المرتد ليس له حق في بيت المال.
على من تكون؟ تكون عليه هو؛ لأن الرجل هذا ليس أهلًا للنصرة، الذي لا يصلي أهل لأن يُعدم، هذا الواجب، الواجب إعدامه إلا أن يتوب ويُصلي، وكذلك أيضًا من استهزأ بالدين، أو سخر بالرسول عليه الصلاة والسلام، أو زعم أن رسالته ليست عامة، أو زعم أن دِين اليهود والنصارى صحيح، وأنهم على حق، وأنهم يساوون المسلمين في الدين، وكل هذا أيضًا موجود الآن في بعض أوساط الجهال، يظنون أن الأديان السماوية كلها صحيحة حتى ملة اليهود والنصارى يقولون: إنها صحيحة، وهم إخواننا في الدين، وربما يعبرون عن ذلك، ويقولون: أي فرق بين دين التوراة والإنجيل والقرآن ما دام كلها من الله؟ ولا يعرفون أن التوراة والإنجيل قد نُسِخ العمل بهما، وأصبحتا غير معمول بهما، وأن الشرع الآن هو الإسلام: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85].
هذه الشروط الثلاثة لتحمُّل العاقلة.
الآن دائمًا يعرف في المساجد صكوك، يطلب بها المساعدة، فهل لنا أن نعطيه من الزكاة ولَّا لا؟ ما نعطيه من الزكاة؛ لأنه أولًا: هو غير مدين، الدَّيْن على من؟ على العاقلة، هو ليس بمدِين، بل دينه على عاقلته، نقول: رُح خذ مِن عاقلتك، إذا قال: والله العاقلة فقراء.
نقول: إذن ما يجب عليهم شيء، فهم غير مدينين.
على من يكون؟ على بيت المال، إذا قال: بدي مال، روحت للملي، وقال: روح وراك، ما عندنا لك شيء، ويش نقول؟

نقول: ما عليه شيء؛ لهذا ما يصح أن يعطوا من الزكاة على كل تقدير؛ يعني ما يصح أن نعطي هؤلاء الذين يتسولون بهذه الصكوك، ما نعطيهم على كل تقدير ما نعطيهم من الزكاة، إنما نعطيهم صدقة، يمكن الإنسان يعطيهم صدقة؛ لأن الصدقة تحل حتى للغني، لكن من الزكاة ما يجوز؛ لأن قلنا لكم الآن: التقييدات واضحة: أولًا: ليس هذا القاتل بمدين صح ولَّا لا؟ الدَّيْن على من؟ على العاقلة، العاقلة قال: فقراء، قلنا: ما عليهم شيء، ما هم مدينون حتى نقضي عنهم، على بيت المال، بيت المال أبى، إذن ما نتحمل إحنا من زكاتنا؛ لأن أصناف الزكاة معلومة من الشرع، ولا يمكن أننا نصرفها في غيرها، أما مسألة الصدقة فالصدقة أوسع، ويجوز أن تعطيه صدقة مساعدة بشرط أن تعرف، أو أن يغلب على ظنك أن الدية لم تُقضَ بعد؛ لأن منهم من يجعل هذه الصكوك وسائل للاستجداء حتى بعد أن قضوا الديات.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، للاستجداء، يعني طلب المال حتى بعد أن قضوا الدية، فأنت إذا غلب على ظنك صدق هذا الرجل، ثم أيضًا فيه شيء آخر أنك تعلم أن الرجل مستقيم ليس متهورًا؛ لأن هؤلاء المتهورين أرى ألا يساعدوا أبدًا لا بشيء من الدية ولا غيرها (... ) عليهم بقدر الغنى، وبقدر القُرْب، يجتهد الحاكم، الحاكم هو اللي يُوزِّعها، ما هي بعلى ما يبغون؛ لأنهم قد يبخلون مثلًا، لكن الحاكم يُوزِّعها بحسب القرب، فإذا قُدِّر أن اثنين كلاهما في الغنى واحد، لكن أحدهما أقرب، يُجعل على هذا أكثر من الثاني، وإذا كان أحدهما أبعد، لكنه أغنى يُزاد بحسب غناه؛ فالمسألة تختلف بحسب القرب وبحسب الغنى.
طالب: ما فيه تحديد شرعي؟ الشيخ: لا، ما فيه تحديد شرعي لا، يُرجع فيها لاجتهاد القاضي.
طالب: (... ). طالب آخر: قد يقال: الواقعة اللي وقعت للمرأتين من هذيل، فحكم الرسول على العاقلة أنها امرأة، وإذا كان رجل غني قد له وجه أن يلزم.
الشيخ: ويش الفرق؟ الطالب: (... ) امرأة ضعيفة.

الشيخ: ولو كانت امرأة، كان يلزم على الرسول بأي شيء من الدية، ولم يستفصل الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك، ما استفصل في هذا الشيء.
طالب: (... ). الشيخ: أقول: إذا قلنا بهذا، فقد يكون له وجه، مع أن حبسه في هذه الحال غير وجيه؛ لأنه إن كان غنيًّا هو بيدفع ولا يحتاج إلى حبس، وإن كان فقيرًا فلا وجه لحبسه، ما يجوز يحبس.
طالب: (... ) العاقلة (... ). الشيخ: ولا تزر وازرة وزر أخرى، لا، نجيب العاقلة نحبسها، نقول: يلَّا سلِّم وإلا حبسناك، العاقل الغني نقول: سلِّم وإلا حبسناك.

باب القسامة

القسامة، تعريفها: القسامة مأخوذة من القَسَم، وهو اليمين، وهي كانت معروفة حتى في الجاهلية، وأقرها الإسلام، كما سنذكر إن شاء الله، وأما تعريفها فهي أيْمَان مُكرَّرة في دعوى قتل معصوم، وهذه الأيْمان قد تكون من المدَّعِي، وقد تكون من المدَّعَى عليه كما سيتبين في شرحها.
إذن القسامة في دعوى قتل ليست في دعوى مال أو جناية دون القتل، ولكنها في دعوى قتل معصوم، وأصلها ما ثبت به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة عبد الرحمن بن سهل الذي قتله من؟ قتله اليهود في خيبر، خرج إليهم، ثم وُجِد مقتولًا يتشحط في دمه، فحكم النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك بالقسامة، وقال لأوليائه: «تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ -يَعْنِي مِنَ الْيَهُودِ- بِأَنَّهُ قَتَلَهُ فَتَأْخُذُونَ بِرُمَّتِهِمْ».
والرمة هي الحبل الذي يُقاد به القاتل ليُقتل، ولكنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نحلف ونحن لم نرَ ولم نشهد؟ ما يمكن نحلف.
فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «يَحْلِفُ الْيَهُودُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَبْرَؤُونَ بِذَلِكَ» فقالوا: نحن لا نرضى بأيمان اليهود.
لأنه معلوم القاتل بيحلف.
فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده بمئة بعير (6). وداه من عنده من بيت المال بمئة بعير.

وأصل ذلك القسامة أنه يوجد قتيل عند قوم أعداء، ولم يُعلم من القاتل، ما يُعلم من القاتل، حينئذٍ نقول لأولياء القتيل: عيِّنوا واحدًا من هذه القبيلة التي هي عدوة لكم، واحلفوا أنه هو القاتل وكم تحلفون؟ تحلفون خمسين يمينًا، واللي يحلف الخمسين هم الورثة، فإذا كان الورثة أخوين شقيقين فعلى كل واحد منهما خمس وعشرون يمينًا، وإذا كانوا ثلاثة فعلى كل واحد كم؟ اقسم خمسين على ثلاثة؟ سبعة عشر وثلث، لكن لا بد أن يُكمل الكسر.
على كل حال الذي يُقسم الورثة، ومن كان في نصيبه كسْر جُبر؛ لأن الأيمان ما تتبعض.
(يحلفون على واحد أنه القاتل، ويأخذونه ويقتلونه إن شاؤوا أو يأخذون الدية أو يعفو) إذا قالوا: ما نحلف، يحلف المدعى عليهم، كم؟ خمسين يمينًا فيبرؤون، يقولون: والله ما قتلنا هذا الرجل.
فإذا لم يحلفوا فإنه يجب على الولي ولي الأمر أن يدفع ديته من بيت المال؛ لأنه ما يمكن أن تذهب الدية هدرًا.
طالب: بالنسبة لحلف المدعى عليه؛ يعني بيحلف الإنسان عن نفسه أنه ما قتله؟ الشيخ: لا، المدَّعى عليه، هما بيقولون: فلان القاتل.
الطالب: لا، هما قالوا: ما نعين شخصًا.
الشيخ: إذا ما عينوا شخصًا فإنه ما يصير قسامة ولا دعوى؛ يعني بمعنى أنه لا تُسمع الدعوى، لا بد أن تكون على معين، يحلفون عليه، ثم إذا لم يحلفوا عليه يحلف هو، فإن لم يرضوا بيمينه وداه من بيت المال، وإن نكل قُضي عليه بالنكول.
طالب: يحلف هو خمسين يمينًا؟ الشيخ: يحلف هو خمسين يمينًا، وهنا في الحقيقة القسامة الآن تجدون أن فيها مخالفة للدعاوِي العامة من ثلاثة وجوه، القسامة الآن تصورتوها ولَّا لا؟ فيها مخالفة للدعاوِي العامة من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن اليمين فيها كان من جانب المدَّعِي، والدعاوِي العامة من جانب المدَّعَى عليه، وعلى المدعي البينة.

الوجه الثاني: أن فيها أيمانًا من المدعين مع أنهم لم يشهدوا، ما رأوا بأعينهم أن فلانًا قاتل فلان، ومع ذلك أبحنا لهم، ويش أبحنا لهم؟ اليمين، وهذا مشكل، كيف نُجيز اليمين لرجل ما رأى؟ الوجه الثالث: أن العادة في الأيْمان أن تكون يمينًا واحدًا، وهنا كُرِّرت الأيمان خمسين يمينًا.
ومن ثم من أجل هذه المخالفات الثلاث أنكرها بعض أهل العلم من الخلَف والسلف، وممن أنكرها عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وقال: ما يمكن أنه يُقضى بالقسامة؛ لأنها مخالفة لهذه الأمور الثلاثة، ولكنه لا شك أن قول عمر بن عبد العزيز، ومن هو أفضل منه، ومن هو دون منه إذا خالف الشرع فإنه ليس بشيء، ولا يُعتبر شيئًا؛ لأن حديث القسامة ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة طرق، فلا يمكن إلغاؤه لمجرد أن فلانًا خالفه.
إذن هي ثابتة، ولكننا يمكن أن نبين أن القسامة جارية على الأصول ولو مع هذه المخالفات؛ فالأول: قلنا: إن اليمين من جانب المدعي، والعادة أنه من جانب المدَّعَى عليه.
نقول: حقيقةً من تأمل الشرع وجد أن اليمين ليست في جانب المدَّعِي، بل اليمين فيمن ترجَّح جانبه سواء كان من جهة المدعي أو من جهة المدَّعى عليه، أفهمتم؟ مثلًا أنا ادعيت على هذا الرجل بأن القلم اللي في يده لي، وهو يقول: لا، لي أنا، من الراجح أنه له؟ المدَّعَى عليه؛ لذلك كانت اليمين في جانبه، لكن لو أتيت بشاهد يشهد أن القلم لي، ما عندي إلا ها الشاهد فقط، أنا الآن أحلف وآخذ القلم، فصارت اليمين في جانبي، لماذا؟ لأنه ترجح جانبي بأي شيء؟ بالشاهد هذا، ولكن هذا الشاهد لم يكن بينة تامة حتى لا أحتاج أنا إلى اليمين.
في القسامة جانب المدعي راجح، ويش رجَّحه؟ طالب: المقتول.
طالب آخر: القتيل.

الشيخ: يرجحه أن الرجل قُتل بين ظهراني جماعة بيننا وبينهم عداوة، معروف مثلًا أن ها القبيلة هذه عدوة لهذه القبيلة، وهو أيضًا بين أظهرهم، مين اللي بيجي يقتله، ويش اللي يغلب على الظن؟ أن القاتل هؤلاء القبيلة، وعلى هذا فيكون جانب المدعي هنا راجحًا، والذي يرجحه (... )، وهي هذه العداوة.
مر علينا أظن رجلان أحدهما ليس عليه غترة، والثاني خلفه أصلع يقول: يا فلان، أعطني غترتك، أيهم مدعي؟ الأصلع إي نعم، الأصلع هو المدعي.
طالب: (... ). الشيخ: لا، ما هو (... )، نجدي، الأصلع هو المدعي، لكن مع ذلك القرينة تدل على أيش؟ على صحة دعواه ولَّا لا؟ لأن هذا لابس للشماغ، وبيده شماغ، منين جاءه الشماغ الثاني إلا لولا أنه آخذه من هذا الأصلع اللي (... ) شماغي؟ من الذي يحلف في هذه الحال؟ الأصلع هو اللي يحلف، يقول: والله هذا الشماغ اللي بيده لي، فإذا حلف أخذناه وأعطيناه إياه.
طالب: (... )؟ الشيخ: أي لون؟ الطالب: (... ). الشيخ: قلنا: عندنا قرينة ظاهرة تشهد بصدق هذا الرجل؛ لأنه من المعروف عند أهل نجد، الاحتمال (... )؛ لأن عندنا ظاهر، حتى أليس الشهود اللي بنحكم بشهادتهم ألا يجوز أن يكونوا كاذبين أو مخطئين؟ طلبة: بلى.
الشيخ: مسألة التجويز العقلي في هذه الأمور لا تأتي به؛ لأن التجويز العقلي لو أردنا أن نعترض بكل ما يفرضه العقل ما أمكننا ولا نعمل ولا بالشريعة أيضًا، حتى بالشريعة ما يمكننا؛ لأننا نقول مثلًا، الراوي قد يكون مخطئًا أو ناسيًا، فالتجويز العقلي في هذه الأمور أمرٌ غير وارد، لا شك أنه من الجائز عقلًا أن يكون مع هذا الرجل شماغان، وهذا ليس معه شيء، هذا من الجائز عقلًا، لكن حسب الظاهر أن الصواب مع مَنْ؟ الصواب مع الأصلع؛ لأنه ما جرت العادة بأن واحدًا من أهل نجد يمشي في السوق أصلع، ما جرت العادة هذه أبدًا.

فعلى هذا نقول: اليمين هنا في جانب المدعي؛ لأن جانبه أقوى، وبهذا عرفنا أن الشريعة تُقرِّر بأن اليمين ليس في جانب المدَّعَى عليه دائمًا، بل هو في جانب مَنْ؟ في جانب أقوى المدعيين حُجَّة، ولو بالقرائن الظاهرة؛ فالقسامة إذن ماشية على الأصل ولَّا مخالفة للأصل؟ ماشية على الأصل.
نيجي نقول: الشيء الثاني مما تخالف فيه الأصول: تكرار الأيمان، ليش تكرر الأيمان؟ أليس اليمين الواحد يكفي والإنسان اللي بيهتك حرمة اليمين لا فرْق عنده بين هتْك الأيمان الكثيرة، وهتك اليمين الواحد؟ فنقول: نعم، هذا هو الأصل، أن الإنسان اللي بيتجرأ على اليمين الغموس بيتجرأ على يمين واحد وعلى أيمان متعددة، لكن المقام خطير جدًّا، أليس كذلك؟ ويش المقام؟ المقام أنك إذا حلفت نبغي نهدر دم إنسان معصوم، وهذا أمر ليس بالهين، ولهذا «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء» (7). الحين نقول: نظرًا لأهمية الدعوى صار لا بد من التكرار، والإنسان إذا حلف مرة واحدة صحيح ينتهك حرمة اليمين إذا كان كاذبًا، لكن ربما إذا شاف أنه إذا حلف خمسين مرة يمكن إذا حلف عشر مرات بيتندم، يخشى من العقوبة مثلًا فيرجع، ولا يحلف خمسين يمينًا، وهذا أمر مُسلَّم؛ يعني الإنسان قد تأخذه العزة بالإثم في مرة واحدة، لكن في مرات عندما تتكرر يمكن يرجع، يخاف ويهاب، ولا شك أن المؤمن سوف يهاب إذا تكرر منه هذه الأيمان، فعلى هذا نقول: كررت الأيمان في القسامة؛ لأن الأمر خطير جدًّا؛ فلذلك لا بد من أن تتضاعف الأيمان (... )


ثلاثين، فهذا لا يمكن الجواب عليه، السبب؟ لأن هذا أمر توقيفي، كما أن عدد الصلاة مثلًا أربع، خمس ما نقدر نقول: ليش صارت الظهر أربع ركعات، وليش صارت العصر أربع ركعات؟ طالب: (... )؟

الشيخ: لا، حتى لو أقرها الشرع؛ يعني ما يمكن أن نبني الحكم الشرعي على أن هذا هو المعروف في الجاهلية؛ لأن هذا يسيء (... ) لكن الكلام على أن هذا أمر أقره الشرع، فصار شرعًا، فلماذا لم يُعدِّل الشرع مثلًا هذا الأمر إلى أربعين أو سبعين أو سبعة؟ أما المسألة الثالثة: وهي كيف يحلف هؤلاء؟ أو كيف يُمكَّن هؤلاء من اليمين مع أنهم لم يروا ولم يشهدوا؟ فنقول: هذا أيضًا موافق للأصول، فإنه يجوز للإنسان أن يحلف على ما يكون غلبة ظن عنده، وقد أقر النبي عليه الصلاة والسلام الأعرابي الذي قال: والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا (8). مع أننا نعلم أن هذا الرجل ما ذهب إلى لبيوت كلها واستقصاها حتى يعرف أنه لا يوجد أحد أفقر منه، وأقره النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم على الشيء يدل على أنه حق.
وربما نقول أيضًا: إن قصة إبراهيم مع زوجته سارة، حيث أقسم أنه لا يوجد أحد على وجه الأرض يؤمن بالله (9)، قد نقول: إنه من هذا النوع، إن لم يعارض بأنه قد أوحي إليه بذلك فالله أعلم، لكن الدليل عندنا الواضح هي قصة هذا الرجل الذي حلف بأنه ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا.

فهؤلاء القوم لهم أن يحلفوا بناءً على أي شيء؟ بناءً على الظاهر، الذي يكون به غلبة الظن؛ ولهذا أهم شروط القسامة اللَّوْث، واللوث على المشهور من المذهب العداوة الظاهرة، هذا اللوث، العداوة الظاهرة؛ لأن العداوات -كما تعرفون- عداوة ظاهرة بينة وعداوة باطنة، العداوة الظاهرة هي التي تكون بين القبائل، يحارب بعضها بعضًا، ويعادي بعضها بعضًا ظاهرة، مثلًا نقول: هذه القبيلة عدوة لهذه القبيلة، لكن عداوة باطنة بين شخصين فقط، هي تكون عداوة ظاهرة ولَّا؟ بين شخصين ما تكون عداوة ظاهرة، يعني ربما يكون واحد جالس إلى جنب شخص وهو عدو له في الباطن، فالعداوة الباطنة من أجل أنها ليست قرينة ظاهرة لا عبرة بها، مثال ذلك: رجل قتل في بلد وادَّعى أولياؤه أن فلانًا قاتلُه، لماذا؟ قال: لأن فلانًا عدو له ما يكفي هذا في القسامة؛ لأن هذه العداوة باطنة، نعم، إن هدده بالقتل فسيأتي بعد قليل.
وقيل: إن اللَّوْث كل ما يغلب على الظن وقوع القتل به فهو لوْث، سواء كانت عداوة ظاهرة أم غير ذلك؛ ولهذا صور كثيرة، منها: لو شهد اثنان على شخص بالقتل وهما لا تُقبل شهادتهما لعداوة أو غيرها فإنه في هذه الحال يغلب على الظن أنه قاتل، لكن ما نجعل هذا حُجَّة شرعية؛ لأن هذه البينة لا تُقبل شرعًا.
كذلك أيضًا لو وُجِد شخص يتشحط بدمه، ووجدنا إنسانًا مدبرًا، وفي يده سكين فيها دم، ملطخة بالدم، هذا يغلب على الظن أنه قاتله، ما في المكان أحد، وهذا الآن يتشحط في دمه، وهذا الرجل معه السكين فيها دم، هذا يغلب على الظن أنه القاتل، وربما قد يصل إلى اليقين، لكن مع ذلك على المذهب ما تجب القسامة في هذا.

كذلك أيضًا لو أن شخصًا كان يهدد آخر بالقتل، يهدده بالقتل، ثم قُتِل، وكان يترجح عندنا أنه يُنفذ ما هدده به، فهذا أيضًا على القول الثاني لوْث تُجرى به القسامة، أما المذهب فلا يرون اللوث إلا العداوة الظاهرة فقط، والأخير أصح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأننا نعلم أن العداوة الظاهرة إنما كانت لوثًا تُجرى به القسامة، لماذا؟ لأنه يغلب على الظن صِدْق وقوع الأمر وصِدْق الدعوى، فإذا كانت هذه هي العلة، فمتى وُجِدت هذه العلة في أي صورة من الصور فإنه يجب أن يثبت الحكم؛ لأن القاعدة العامة أن الحكم يدور مع علته، وهذا القول هو الصحيح؛ أن اللَّوْث كل قرينة يغلب على الظن وقوع القتل بها سواء كانت عداوة ظاهرة أم غيرها، وهو اختيار شيخ الإسلام.
أما كيفية الإقسام بها؛ فالإقسام بها -كما سمعتم في أول الدرس- أولًا: تُعرض الأيمان على من؟ على المدعين فيحلفونها، ولكن هل الواجب أن يحلف خمسون رجلًا، أو الواجب أن تكون الأيمان خمسين يمينًا؟ اختلف فيها أهل العلم، فمنهم من يرى أن الواجب أن يحلف خمسون رجلًا، ومن العلماء من يرى أن الواجب أن يُقسَم خمسون يمينًا، وبينهما فرق، ومن الذي يقسم خمسين اليمين على هذا الرأي الأخير؟ الذي يقسمها هم الورثة، كل بحسب ميراثه، فمن يرث النصف مثلًا عليه خمس وعشرون يمينًا، ومن يرث العُشْر مثلًا عليه خمسة أيْمان، ومن كان في أيمانه كسر فإنه يُجبر الكسر، واضح؟ فإذا قُدِّر أن الرجل قُتل عن خمسة أولاد؟ كم يحلف كل واحد؟ عشرة أيمان، وإذا كان عن خمسة أولاد وخمس بنات؟ البنات ما يقسمن؛ لأن القسم يكون بالذكور فقط، أما النساء ما يحلفن.

على القول الأول الذين يقولون بوجوب خمسين رجلًا، يحلف خمسون رجلًا تُوزَّع الأيمان على الأقرب فالأقرب، يُبدأ بالورثة فإن استكملوا الأيمان فذاك، وإن لم يستكملوها أخذ بالأقرب فالأقرب، فإذا كان له عشرة أولاد على هذا الرأي كم يحلفون؟ عشرة أيمان، ثم يُنظر مثلًا إلى إخوته، له عشرة إخوة، نقول: أقسموا عشرة أيمان، له عشرون بني أخ يقسمون عشرين يمينًا، له عشرة أعمام يقسمون عشرة أيمان، فعلى هذا تُوزَّع الأيمان على حسب الأقرب فالأقرب.
وهذا هو ظاهر حديث عبد الرحمن بن سهل، فإن عبد الله بن سهل -كما سبق لنا أمس- قُتل في خيبر، وأخوه عبد الرحمن وابني عمه قال لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: «يَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا» (10). فظاهره أنه لا بد من خمسين رجلًا، وهذا أيضًا أحوط؛ لأننا إذا أخذنا بخمسين رجلًا، أتينا بخمسين يمينًا ولَّا لا؟ وإذا أخذنا بالورثة، واعتبرنا الأيمان دون الرجال فإننا لن نأخذ بالرجال، وما كان يمكن أن يُؤخذ به في الحالين فهو أوْلى لا سيما وأن ظاهر الحديث يؤيده.
بدأنا بأيْمان المدعين، المدَّعون أبوا أن يحلفوا، إذن تتوجه الأيْمان إلى المدَّعَى عليهم، إذا حلف بعضٌ ونكل بعض، بعض حلف وبعضٌ نكل، قال: ما أحلف، فهل تثبُت القسامة في حق الباقين، أو لا تثبت؟ يرى بعض العلماء أنها تثبت، ولكن القصاص ما يمكن يثبت؛ السبب: لأن هؤلاء الذين امتنعوا سوف يسقط نصيبهم، والذين حلفوا سوف لا يكون لهم إلا نصيبهم من الإرث، فإذا قدرنا أن أولاده خمسة، وامتنع اثنان وحلف ثلاثة، هل نقول: إنه يُقتص منه ثلاثة أخماس؟ يقتل ثلاثة أخماس ويبقى خمساه؟ طلبة: لا.

الشيخ: ما يمكن، إذن تتعين الدية، فيُجعل لهؤلاء ثلاثة أخماس الدية للذين حلفوا، وأولئك ليس لهم شيء، فإذا امتنع بعض من يتوجب عليهم اليمين سقط القصاص بلا شك، وتجب الدية على رأي بعض أهل العلم، وبعض العلماء يقول: ما يجب شيء؛ لأن النصاب لم يكمل، ولا يمكن أن تتبعض القضية.
يتوجه الأيْمان الآن إلى المدعَى عليهم، المدعى عليهم إذا حلفوا وقالوا: والله ما قتلنا ولا اتهمنا أحدًا مثلًا، ولا نعلم عنه يبرؤون ولَّا لا؟ يبرؤون.
إذا نكلوا عن اليمين، وقالوا: ما نحلف، فهل يُقضى عليهم بالنكول ويجب القصاص ولَّا تجب الدية؟ تجب الدية، الصحيح أنها تجب الدية دون القصاص؛ لأن القصاص لم تتم شروطه، لم يثبت الآن، ولكن الدية مال، والمال يُقضى فيه بالنكول، فيتحول الأمر إلى وجوب الدية.
في هذه الحال إذا لم يرضَ أولياء المقتول بأيمان هؤلاء، فما الحكم؟ يكون في بيت.. هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
إلى المدعى عليهم فلهم ثلاث حالات: تارة يرفض المدعون قبول أيمانهم، وتارة يحلفون، وتارة ينكلون عن الحلف، أليس كذلك؟ إذا لم يقبلوا بأيمانهم؛ إذا لم يقبل المدعون بأيمانهم وجب دفع ديته من بيت المال، إذا رضوا ونكل هؤلاء فإنه يُقْضَى عليهم بالدية، إذا رضوا وحلف هؤلاء برئوا ولا شيء، حتى ولا في بيت المال ما يجد، ثم نأتي إلى.. طالب: شيخ، لو الذي نكل عن الحلف ليسوا من الورثة مثل.. ؟ الشيخ: على القول بأنه يجب نفس الشيء الحكم واحد، إلا أني ما أدري عن هذا القول؛ هل إنهم إذا نكلوا يرون ما يجب شيء أو يرون تجب الدية كاملة؛ لأن الورثة قد حلفوا وهم مستحقو الدية، هذا ما أدري، ويش ترون فيها؟ طالب: شيخ، إذا حلف المسلمون المدعون (... )؟ الشيخ: لا، ما يُقْضَى؛ لأنها في منزلة البينة.
طالب: قول القائل هل ذكر حديث (... )؟

الشيخ: إي، يعني معناه أنه ما وقع بالفعل؛ لأن ما هو بمعناه أنه ما ثبت حكمًا؛ يعني يحصل موانع؛ إما -مثلًا- مثل قضية اليهود هؤلاء ما قاد الرسول؛ لأن ما تمت الشروط، فإن المدعين لم يقبلوا أيمانهم، هذا إذا صح الحديث -الأثر- الذي ذُكِرَ، هذا إذا صح فإنه يُحْمَل على أنه لم يقد بها بالفعل، أما الحكم فثابت.
طالب: يقال: إن هذا (... ). الشيخ: إي نعم، بالأيمان مجرد (... ) ما يكفي لكن بالأيمان.
طالب: هل يُشْتَرط أن يكون المدعى عليهم مسلمون؛ لأن اليهود هؤلاء المدعى عليهم لم يرض المسلمون (... ) أيمان؛ لأنهم يهود، لو قلنا (... ) هل نقول: يُجْبَرون على.. ؟ الشيخ: لا، ما يجبرون على الرضا بأيمانهم؛ لأن بعض المسلمين يحلف على الكذب، ممكن يحلف على الكذب.
الطالب: (... ) بأنهم يهود (... ). الشيخ: إي نعم، هم يقبلون لأنهم يهود، لكن أيضًا ربما لا يقبل؛ لأن هذا يتجرأ على المعصية، قد يقول: إن اللي قتل ما يهمه ما يحدث.
طالب: لو خَلَّف المقتول بنات فمات؟ الشيخ: إذا كان الورثة -على القول بأن الذي يحلف الورثة فقط- إذا كانوا إناثًا فإنه يحلف المدعى عليه يمينًا واحدة ويبرأ؛ لأن ما تتم القسامة لا بد أن يكون فيها ذكور.
طالب: (... )؟ الشيخ: لا، الرسول قال: يقسمون على رجل منهم عينه ما يمكن (... ) اليهود كلهم (... ). طالب: شيخ، القول الذي يقول: الذي يقسم خمسين رجلًا (1)، (... ) موت الأقرب فالأقرب، لو نكل الأقرب ما يؤخذ الذي بعده؟ الشيخ: ما يؤخذ؛ لأن اللي بعده ما عليه الحق مع وجود الأقرب.


﴿كتاب الحدود﴾

مدخل

الحدود تعريفها؛ الحد في اللغة: المنع، وأما في الشرع فإنه يختلف في الحقيقة؛ قد تكون محارم الله تسمى حدودًا، وقد تكون موجباته حدودًا، لكنه هنا المراد به العقوبة؛ عقوبة مقدرة شرعًا في فعل معصية، هذه الحدود: عقوبات مقدرة شرعًا في فعل معصية.
والحدود ثابتة في الزنا، وفي السرقة، وفي القذف، في قطع الطريق، ويش بعد؟ طالب: (... ). الشيخ: لا، ما هو حد.
طالب: الخمر.
الشيخ: الخمر ليس بحد على الصحيح، هذه أربعة، وبعض الناس -بعض الكتاب المتأخرين- يلحق بها القصاص، ولكنه ليس بصحيح؛ لأن القصاص ليس بحد؛ إذ إنه راجع إلى من؟ إلى الورثة؛ إن شاؤوا اقتصوا، وإن شاؤوا عفوا مجانًا أو إلى الدية، لكن الحدود يجب إقامتها، ما لأحد بها اختيار.
طالب: المرتد.
الشيخ: والمرتد أيضًا ليس حدًّا؛ لأن المرتد لو رجع إلى الإسلام ما أقيم عليه الحد، بل إنه يُطْلَب منه الرجوع؛ يستتاب ثلاثة أيام، فإذا رجع فلا يُقْتَل.
طالب: اللواط؟ الشيخ: اللواط داخل في الزنا أو أعظم منه.
الطالب: حتى لو تابوا؟ الشيخ: إذا تابوا قبل القدرة، أما بعد القدرة فإنه ما ينفع، أما المرتد فيستتاب يقال له: تب، معنا في قبضتنا، فإذا تاب لم يحد.
الحدود تعريفها هذا لغة وشرعًا فهمناه.
أما حكمها فإن إقامتها واجبة؛ إقامة الحدود واجبة، ولا تجوز الشفاعة فيها بعد وصولها إلى السلطة.

الدليل على وجوبها أمر الله تبارك وتعالى ورسوله؛ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] وهكذا، أوامر صريحة واضحة، بل قال الله تعالى في الزاني والزانية: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2]، ما يجوز للإنسان هنا أن يحكِّم العاطفة، بل يُحَكِّم العقل، لا هنا ولا في غير هذا المحل، يجب علينا أن نُحَكِّم العقل دون العاطفة في هذه الأمور، فالإقامة -إقامة الحدود- واجبة على القريب وعلى البعيد، وعلى الشريف والوضيع، والذكر والأنثى، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (2)، أقسم عليه الصلاة والسلام -وهو الصادق البار بدون قسم- أن فاطمة بنته سيدة نساء العالمين في الجنة لو أنها سرقت لقطع يدها عليه الصلاة والسلام، فهو واجب.
ولا يجوز لولاة الأمور التهاون به ولا تمويعه -أيضًا- بالتحقيقات الباردة التي تفتح باب الأعذار وباب الرجوع، وما أشبه ذلك، كما هو متبع في بعض الدول الآن.
ولا يجوز -أيضًا- أن تستبدل حدود الله بأي شيء من العقوبات لا بأغلظ؛ لأنه ظلم، ولا بأنقص؛ لأنه إبطال لحكم الشرع، فنقول: أما إقامة الحد فيشترط فيها شروط عامة وخاصة، الشروط العامة في كل حد وهي:

أولًا: التكليف؛ بأن يكون بالغًا عاقلًا، فمن دون البلوغ لا حد عليه، ولكنه يعزر بما يردعه وأمثاله عن فعل هذه المعصية؛ فلو سرق شخص مراهق له أربع عشرة سنة فإننا لا نقطع يده، لماذا؟ لأنه ليس بمكلف، وقد جاء في الحديث: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» وذكر منهم الصغير حتى يكبر (3)، فإذا لم يكن مكلفًا لا يجرى عليه الحد، ولكن ما يترك أيضًا؛ لأننا لو تركناه لصار ذلك سجية له وطبيعة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «اضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (4)، فإذا ضُرِبُوا لترك الواجب فليُضْرَبوا أيضًا لفعل المحرم، ولكن ليس على سبيل الحد.
كذلك المجنون لا يُقَام عليه الحد، ولكن هل يعزر؟ لا يعزر؛ لأنه ما يفيده التعزير، مجنون، نعم يسجن؛ يعني معناه يمنع شره بأي وسيلة؛ إما أن يسجن، أو يلزم أهله بإنسان ملازم له يمنعه من العدوان، وأما أن يؤدب، فإنك وإن أدبته الآن ما ينتفع؛ مسلوب العقل، نسأل الله السلامة.
كذلك أيضًا يشترط الالتزام، ويش معنى الالتزام؟ أن يكون الإنسان ملتزمًا لأحكام الإسلام، والملتزم لأحكام الإسلام نوعان؛ المسلم، والذمي، أما المعاهد والمستأمن والحربي ما هو ملتزم، فإذا سرق مسلم وجب قطع يده، وإذا سرق ذمي أقيم عليه الحد فيما هو من شريعته؛ إذا كانت تقطع اليد في شريعتهم قطعنا يده، وإلا فلا.
نأتي للزنا لأنه ثابت أنه في شريعتهم كالشريعة الإسلامية، لو زنى ذمي فإنه يُرْجَم إن كان محصنًا، وإذا كان غير محصن يجلد مئة جلدة ويغرب سنة.
المعاهد والحربي والمستأمن تلحقهم هذه الأحكام ولَّا لا؟ لا، ما تلحقهم؛ لأنهم غير ملتزمين.
طالب: (... ) شريعتهم؟ الشيخ: إذا لم يعلم لهذا حكم في شريعتهم الظاهر أنه لا بأس من إقامته حسب مقتضى الشريعة الإسلامية.
طالب: شرب الخمر؟ الشيخ: شرب الخمر عندهم مباح فلا نقيم عليه الحد، لكننا نمنعه من إعلانه، نعزره إن أعلنه.
الثالث: العلم بالتحريم والحال.

العلم بالتحريم؛ إذا كان غير عالم بالتحريم فإنه لا يُقَام عليه الحد؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] فقال الله: «قَدْ فَعَلْتُ» (5). ولكن هل يُقْبَل منه الجهل بالتحريم ولَّا ما يقبل؟ نقول: إن كان قد عاش في الإسلام فإنه لا يقبل؛ لأن كل واحد من المسلمين يعرف أن السرقة محرمة، ويعرف أن الزنا محرم -مثلًَا- وإن لم يكن عاش في الإسلام وإنما هو حديث عهد به فإنه يقبل منه الجهل بالتحريم.
كذلك الجهل بالحال يمنع من إقامة الحد؛ فلو زنى شخص بامرأة يظنها زوجته فإنه لا يقام عليه الحد، ولو سرق مالًا يظنه ماله فإنه لا يقام عليه الحد؛ لأنه جاهل بالحال.
وهذا هل يُصَدَّق إذا ادعى الجهل بالحال ولَّا ما يصدق؟ يُصَدَّق؛ لأننا ما نعرف عما في قلبه.
الجهل بالعقوبة هل هو مانع من إقامة الحد ولَّا لا؟ الطلبة: لا.
الشيخ: لو قال: إنه زنى لكن ما دري أنه بيرجم، لو دري أنه بيرجم ما فعل، ويش نقول له؟ نقول: ما دام علمت أنه محرم ليش تجرأ عليه؟ أما كونك تعلم أن الحد هو الرجم أو غير الرجم ما هو شرط؛ لأنك الآن انتهكت حرمات الله، والمقصود بالحدود الردع عن محارم الله، واضح؟ طالب: نعم.
الشيخ: فإذن العلم بالعقوبة شرط ولَّا لا؟ الطلبة: ليس بشرط.
الشيخ: ليس بشرط، إنما الشرط أن يكون عالمًا بالتحريم وبالحال؛ بأن يعرف أنه ارتكب محرمًا، أما إذا كان لا يدري فإنه لا شيء عليه (... ). الرابع الاختيار.
طالب: الجهل (... ) قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما (... ) الذي شرب الخمر، فقال استدل بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93].
طالب آخر: (... ). الشيخ: نعم.
الطالب: هذا جاهل (... ).

الشيخ: هذا ربما أن عمر رضي الله عنه جلده؛ لأن تأويله للآية ليس بصحيح، الرجل عارف أنه حرام، عارف أن الخمر حرام؛ الصحابي، لكنه ظن أن قوله: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: 93] أنه إذا اتقى الإنسان فإنه يجوز أن يشرب كل شيء ويأكل كل شيء، مع العلم بأن الإنسان اللي يشرب الخمر هل يقال: إنه متقٍّ؟ ! الطلبة: (... ). الشيخ: الرابع الاختيار؛ بمعنى أن يفعل الإنسان هذا المحرم اللي فيه الحد مختارًا بدون إكراه، فإن أكره فلا حد عليه؛ وذلك لأن الإكراه فوق طاقة الإنسان وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. وكذلك أباح الله للمرء أن يقول كلمة الكفر وهو مكره عليها إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، فلو أكره على السرقة إنسان قال: يلَّا روح ها الساعة، روح جيب لي من دكان فلان خمسين جنيهًا، يا ابن الحلال حرام، قال: ما فيه تجيبه ولا (... )، وراح الرجل وكسر الباب وأخذ، ويش يكون هذا؟ طالب: مكره.
الشيخ: مكره، عليه حد ولَّا لا؟ طالب: لا حد.. الشيخ: ليس عليه حد، كذلك لو أكرهت المرأة على الزنا، يُقام عليها الحد ولَّا لا؟ لا؛ لأنها مكرهة.
لو أُكره الرجل على الزنا؟ الطلبة: لا يقام عليه الحد.
الشيخ: لا يقام عليه الحد؛ لأنه مكره.
طالب: يقال: لا يتصور إكراهه.
الشيخ: إي نعم، بعض العلماء يقول: ما يتصور إكراه الرجل على الزنا؛ لأن جماع الرجل لا بد أن يكون انتشار، ولا انتشار مع الإكراه، ولكن هذا ليس بصحيح؛ فإن الإنسان إذا أكره على هذا الأمر قد تحصل منه الشهوة وينتشر، وأما أنه ما يمكن فهذا ليس بصحيح؛ قد يكون الرجل قوي الشهوة والمكره عليه امرأة جميلة شابة كل إنسان يجعل في مكان مع امرأة جميلة ويلزم بذلك فإنه لا بد أن يحصل منه شيء، فالصواب أن الإكراه على الزنا من رجل أو امرأة ليس فيه حد، والله أعلم.
(... )

تقدم لنا شروط إقامة الحد؛ وهي: التكليف، والالتزام، والعلم بالتحريم وبالحال، والرابع الاختيار، هذه الشروط العامة شروط عامة لا يمكن إقامة الحد إلا بوجودها.
وتقدم لنا أن من تخلف منه شرط من هذه الشروط فإنه قد يخلفه التعزير كل (... )، لو كان غير مكلف -كالصغير مثلًا- وأتى ما يوجب الحد فإنه يعزر، ما يترك هكذا، وأما المجنون فإنه لا يعزر؛ لأنه لا يستفيد من هذا التعزير شيئًا.
الالتزام معناه أن يكون مسلمًا أو ذميًّا، هذا ملتزم؛ أن يكون مسلمًا أو ذميًّا؛ ولهذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحد على اليهوديين اللذين زنيا؛ رجل وامرأة (6). أما العلم بالتحريم وبالحال، الجاهل لا يمكن أن يقام عليه الحد، ولا يعزر أيضًا؛ لأنه معذور عذرًا تامًّا.
ولكن فإنه إذا ادعى الجهل بالتحريم هل يقبل منه ذلك أو لا يقبل؟ إذا كان قد عاش في الإسلام فإنه لا يقبل؛ لأن أحدًا لا يجهل أن الزنا محرم، أو أن السرقة محرمة، أو أن شرب الخمر محرم، ما أحد يجهل هذا وهو مسلم عاش في الإسلام، أما إذا كان حديث عهد بإسلام فإنه يقبل منه دعوى الجهل ويرتفع عنه الحد.
هل يشترط أن يكون عالمًا بالعقوبة؟ الطلبة: لا.
الشيخ: لا يشترط؛ فلو زنى محصن وحكمنا عليه بالرجم وقال: انتظروا، أنا ما علمت أن الحد هو الرجم، لو علمت أن الحد هو الرجم ما فعلت هذا، نقول له: إن ذلك ليس بشرط؛ لأنك إذا قلت: إنه لو علمت بالحد ما فعلت؛ فإنك تركت هذا لا خوفًا من الله، ولكن خوفًا من العقوبة، ونحن نريد أن يكون تركك لهذا الشيء خوفًا من الله سبحانه وتعالى.
أما الاختيار فقد ذكرنا أن من أُكره على فعل الجريمة التي فيها الحد فإنه لا يُقام عليه الحد، ولكن هل يقام الحد على من أكرهه؟ يعني: واحد أكره إنسانًا على سرقة فسرق، هل يُقام الحد على المُكرِه؟ طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه ليس بسارق.

أكره امرأةً على الزنا -مثلًا- هل يُقام على هذا الزاني حدان؛ حد لزناه، وحد لإكراه المرأة؟ لا، ولكنه يعزر بما يردعه عن هذا العمل.
كيفية إقامة الحد؛ إقامة الحد وردت الآثار بكيفيته: أما السارق فإنه سيأتي أنه يُقطع من مفصل الكف، ثم بعد ذلك يُحسم بزيت يُغلى ثم يُغمس فيه طرف اليد؛ لأجل تنسد أفواه العروق فلا ينزف الدم.
وأما الرجم فإن كيفيته أن يُقام الإنسان بين الناس يوقف ويجمع حصى ليس بالكبير ولا بالصغير ثم يُرجم به حتى يموت.
وأما في الجلد فإنه يقام يضرب الرجل قائمًا، وتضرب المرأة جالسة، يضرب الرجل قائمًا بسوط ليس بجديد ولا بخَلِق؛ لأن الجديد يضره، والخَلَق لا يؤثر فيه، فيكون شيئًا متوسطًا.
والمهم أنه إذا لم يوجد جديد أو خَلَقٌ أو ما أشبه ذلك أو تعسر ضبطه فإننا نقول: يُضرب بسوط لا يؤثر عليه؛ لا يجرح الجلد ولا يورمه، ولا يكسر العظم.
وقدَّره بعضهم بالإصبع، وطبعًا قصدهم بذلك الأصبع المتوسط، قال: إنه يكون طول ذراع.
وهذا أيضًا غير صحيح، بل يكون الطول على حسب ما يرى المؤدب أو المقيم للحد.
هل يُربط على شيء ولَّا ما يربط؟ يعني: يُثَبَّت على جدار أو على عمود أو على خشبة حين الضرب؟ لا.
هل يمد على الأرض؟ لا، العلماء يقولون: إنه يُضرب قائمًا.
كيف يضرب؛ مع موضع واحد أو يُفَرَّق عليه الضرب؟ طالب: يُفَرَّق.
الشيخ: يُفَرَّق عليه الضرب؛ لأجل أن ينال الألم جميع جسده من وجه، ولأنه أخف عليه؛ إذ لو كانت الضربات كلها على موضع واحد تأثر هذا الموضع، فتفريق الضرب أسهل وأعم، فيفرق على بدنه.
واستدل علماؤنا لهذا بأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه ليس في ديننا مَدٌّ ولا تجريد (7). معنى (مد ولا تجريد) يعني: ما يُمد الإنسان عند الضرب ولا يُجرد من ثيابه.

ولكن كما أنه لا يجرد أيضًا كذلك أيضًا لا يُلبَّس أكثر من اللباس العادي، بل يكون عليه -كما قال أهل العلم- قميص أو قميصان، أما أنه يملأ جلده من الثياب علشان ما يحس بالضرب، هذا ما يجوز، وليس بشيء.
كذلك أيضًا في صفة الضرب ما يجوز أنه يضربه ضربًا مستطيلًا بمعنى كأنه ينظف ثوبه من الوسخ، بل يكون الضرب واقعًا على الجسم مباشرة؛ لأن بعض الناس إذا كان يضرب يسلت العصا أو السوط سلكًا معنى ذلك أنه ما يتأثر، والمقصود بهذه العقوبة أن يذوق الألم، وأن يُردَع بمثل هذا.
هل يرفع يده؟ نقول: نعم، إذا توقف الألم على رفع اليد فإنه يرفعها.
وأما قول من قال: إنه لا يرفع يده بل يجعل في إبطه مصحفًا؛ لأجل أنه ما يرفع إيده لو يرفع إيده -مثلًا- سقط المصحف، هذا ليس بصحيح؛ لأن اللي بيضربه ما رفع إيده (... ) هكذا، ما فيها شيء، لا وكس ولا شطط، لا يبالغ في ضربه بحيث يؤثر عليه ويشق جلده أو يورم الجلد، ولا يكون خفيفًا بحيث لا يتأثر به؛ لأن هذا لو كانت الحدود على هذا الوجه لكانت إلى الهزء أقرب منها إلى الجد، وشريعة الله تبارك وتعالى تنزه عن مثل هذا اللعب.
بالنسبة للمرأة؛ المرأة تُضرب جالسة، وتُربط عليها ثيابها؛ لئلا تنكشف، وهذا لا بأس به؛ يعني: قول لا بأس به؛ لأنه بين الغلو والجفاء.
ولقد شاهدنا من قبل أنهم يعزرون، ما فيه حدود في الواقع لكن يعزرون الرجل بالمد على الأرض، ويأتون برطائب من رطائب النخل الرويانة من الماء ويضربونه بها، حتى إن بعضهم يغشى عليه، ورأيناهم أيضًا بالنسبة للمرأة يجعلونها في عِدل -ولا أدري تعرفون العِدل ولَّا لا؟ - يجعلونها في عِدل، العدل تعرفونه؟ كيس من الصوف مثل كيس الخيش لكنه أكبر، يجعلونها في العدل ويحزمون عليه؛ يربطون عليه، لا ما هو خياط.
طالب: (... ).

الشيخ: إي، المهم أنهم يفعلون به هكذا، ثم يجيبونه ويضربونه مع أي (... ) -والعياذ بالله- إحنا شاهدناهم، هذا أيضًا حرام، ما فيه شك؛ يعني هي المرأة (... ) والضرب بيقع على أي شيء من أعضائها، ثم إنها بتنغمس أيضًا ينحجب نَفَسُها.
فالمهم أن الحدود ليس يُقْصَد بها الإتلاف، يُقْصَد بها التأديب، فما نقص عن ذلك فهو خطأ، وما زاد على ذلك فهو خطأ أيضًا.
طالب: (... )؟ الشيخ: لا، هذا ورد في شارب الخمر أن منهم من ضربه (... )؛ لأنه تعزير ولا هو بحد معين (... )، ثم الجريد، لاحظوا -يا جماعة- الجريد يختلف؛ يعني أعلى العسيب يكون مثل السوط، لكن أسفل العسيب لا (... )، صعب جدًّا وثقيل.
أما من يقيم الحد؛ هل كل إنسان رأى شخصًا على جريمة توجب الحد يقيمه؟ لا؛ لأنه لو كان كذلك لكان فيه من الفوضى والتلاعب ما يفسد الخلق، ولكن الذي يقيمه والمسؤول عنه هو الإمام أو نائب الإمام، وعندنا في إقامة الحد أمران: الأمر الأول: في إثباته، وهذا يرجع إلى القضاة.
والأمر الثاني: في تنفيذه، وهذا يرجع إلى الأمراء ونوابهم، فالجهة المسؤولة عن التنفيذ في عرفنا الآن ما هي؟ وزارة الداخلية هي المسؤولة أو من تُنِيبُه في البلدان، وبالنسبة لإثباته وزارة العدل أو من تُنِيبُه في البلدان فهي المسؤولة عن ذلك، فالذي يتولى إثباته والحكم به القضاة، والذي يتولى تنفيذه الأمراء، ولا يجوز لأحد سواهم أن يقيمه، إلا أنه اسْتُثني من ذلك السيد مع مملوكه فإن له أن يقيمه عليه.
وهل يختص ذلك بالجلد فقط أو بالجلد وغيره؟ الصحيح أنه عام بالجلد وغيره؛ لأن منع إقامة الحد بغير الجلد خوف الزيادة والعدوان، والسيد مأمون بالنسبة إلى رقيقه؛ لأنه لا يمكن أن يعتدي عليه بأكثر مما يجب.
فلو سرق العبد -مثلًا- وتم وجوب القطع في حقه فإنه يجوز للسيد -على القول الراجح- أن يقطع يده، وقد روي ذلك عن عائشة -وغيرها من الصحابة- أنها قطعت يد عبد لها سرق (8)، فالصحيح أنه عام.

أما المشهور من المذهب فإنه يقيمه -أي: السيد- في الجلد خاصة، وأما ما يوجب القطع فإنه إلى الإمام أو نائبه.
حكم إقامة الحدود، هذه ما هي بعندكم لكنها تلحق.
ذكرنا دليلها أظن، ذكرنا الأدلة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] في الزنا، والرسول عليه الصلاة والسلام غضب حينما شفع أسامة في قضية المخزومية (2)، إذن أنتم عندكم موجودة في الأول؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: الحمد لله.
طالب: شيخ، بالنسبة إلى الجلد ما يمسك إلى شيء ولا يسند إلى شيء؟ الشيخ: لا، ما يسند إلى شيء.
طالب: (... ) تحرك (... )؟ الشيخ: يُمسِك، إذا كان يُخشى من التحرك يُمسِك.
طالب: (... )؟ الشيخ: المحظور الربط؛ لأن الربط أيضًا إذا رُبِط يمكن لو بيتحرك ما يقدر هو، لا بد يجعل له متنفس؛ لأنه تعرف الإنسان إذا تحرك تخفف عليه ألم الضرب.

باب حد الزنا

حد الزنا؛ أولًا: تعريف الزنا.
الزنا: فعل الفاحشة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، هذا هو الزنا، فقولنا: (فعل الفاحشة) خرج به فعل الرجل بامرأته فإنه لا يُسَمَّى فاحشة؛ لأنه معروف وليس بمنكر.
وقولنا: (في قُبُلٍ أو دُبُرٍ) يشمل حتى الزنا بالبهيمة فإنه فاحشة في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، لكن مسألة الحد هل يجب عليه أو ما يجب بيأتينا إن شاء الله قريبًا.
أما حد الزنا (... ) العقوبة عليه فهو إما رجم، وإما جلد مئة وتغريب عام، وإما جلد خمسين بلا تغريب، ولا فيه غير ذلك للزنا؛ يعني: ما فيه حد رابع للزنا.
حد الزنا؛ أي: عقوبته المقدرة من قبل الشرع؛ إما رجم، وإما جلد مئة وتغريب عام، وإما جلد خمسين بلا تغريب، خدوا بالكم فيه قسم رابع؟ طالب: لا.
الشيخ: لا، ما فيه قسم رابع؛ يعني بمعنى أنه ما فيه -مثلًا- قطع يد، ولا قطع رجل، ولا قطع عروق، إنما فيه هذه الأمور الثلاثة.

فالأول وهو الرجم للمحصن؛ وهو الحر البالغ العاقل الذي تم جماعه على هذا الوصف في نكاح صحيح، (الحر) خرج به العبد، العبد ليس بمحصَن.
وقولنا: (البالغ) خرج به الصغير، و (العاقل) المجنون، (الذي تم جماعه على هذا الوصف) ويش معنى (على هذا الوصف)؟ يعني أنه حر بالغ عاقل تم جماعه في هذا الوصف في نكاح صحيح، (في نكاح صحيح) احترازًا مما لو كان نكاح غير صحيح، أو تم جماعه بزنا سابق، مثلًا.
وقولنا: (في نكاح صحيح) يشمل ما إذا كانت الزوجة معه حين الزنا أو كان قد فارقها بموت أو طلاق، المهم أن الرجل قد جامع زوجته في نكاح صحيح فإنه يكون محصنًا، هذا عقوبته الرجم.
نشوف الآن الدليل، الدليل على ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام وفعله وفعل خلفائه الراشدين وإجماع الأمة؛ عليه إجماع علماء الأمة.
أما قول الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك فإنه ما ثبت في الصحيح عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ» (9)، فقال: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ»، وسيأتي -إن شاء الله- أن قوله: «جَلْدُ مِئَةٍ» نُسِخَ فيما بعد.
حينئذٍ هذا من قول الرسول عليه الصلاة والسلام.
كذلك أيضًا فعله؛ فإنه رجم بالزنا خمسة: رجم اليهودي واليهودية (6)، ورجم ماعزًا، ورجم الغامدية (10)، ورجم زوجة الرجل الذي زنى بها عسيفه (11) أي: أجيره، خمس قضايا كلها في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام تم فيها الرجم.

ولنا أن نستدل لذلك أيضًا بالقرآن؛ فإنه ثبت في الصحيحين عن عمر رضي الله عنه أنه خطب الناس وبَيَّن أن الرجم ثابت في كتاب الله قال: إنه قرأناها ووعيناها، ورجم النبي صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، وإني أخشى إن طال بالناس زمان أن يقولوا: إنا لا نجد الرجم في كتاب الله، وإن الرجم فريضة في كتاب الله على من زنى إذا أحصن أو قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف (12)، فهنا صرح رضي الله عنه بأن الرجم كان موجودًا في كتاب الله.
حينئذٍ يكون دليله من القرآن المنسوخ لفظه، ومن السنة قولًا وفعلًا، ومن عمل الخلفاء الراشدين، ومن إجماع الأمة؛ ولهذا ما يمكن إنكار هذا الحد أبدًا.
فإذا قال قائل ما هي الآية التي نُسخت؟ نقول: الآية التي نُسخت ما نعرف لفظها الآن؛ لأنه ليس بموجود في القرآن؛ في المصحف.
فإذا قال: أليس يُرْوَى أن لفظها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله، والله عزيز حكيم) (13)؟ قلنا: هذا لا يصح أن يكون هذا المنسوخ، لماذا؟ لأن عمر رضي الله عنه ذكر أن الرجم يكون على من؟ على مَن زنى إذا أحصن، ما قال: إذا كان شيخًا، والآية هنا تعلق الرجم بالشيخوخة، وعلى هذا فمن زنى وهو محصن شاب بمقتضى هذه الآية؟ الطلبة: لا يرجم.
الشيخ: لا يرجم، وإذا زنى وهو شيخ غير محصن فإنه يُرْجَم وليس هذا هو الحكم، فدلَّ ذلك على أن اللفظ هذا غير محفوظ، وأن الصواب أن اللفظ الذي نُسِخَ ليس بمعروف لدينا، فتعليق الحكم بالشيخوخة هذا أمر لا يصح؛ لأن الشيخوخة تختص بمن كان شيخًا ولو كان بكرًا، ويخرج بها من كان شابًّا وهو ثيب، وهذا خلاف الحكم الذي ذكره عمر رضي الله عنه.
إذا قيل ما الحكمة في أنه يُرْجَم بالحجارة ولا يُقْتَل بالسيف والقتل بالسيف أهون؟ قلنا: لأنه لما كان بدنه أصيب باللذة المحرمة -جميع البدن- فإنه ينبغي لهذا البدن الذي تلذذ بهذه اللذة المحرمة أن يناله من العقوبة بقدره، وهذا من محاسن الشرع.

ولا يرد على هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (14)؛ لأننا نقول: المراد بإحسان القتلة التمشي فيها على المشهور، والرجم تمشٍّ على المشهور ولَّا لا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: الرجم تمشٍّ على المشهور.
إذن يجب الرجم وجوبًا إذا تمت الشروط.
والإحصان هو أن يكون الإنسان حرًّا بالغًا عاقلًا تم جماعه في هذا الوصف في نكاح صحيح.
طالب: (... ) نكاح قبل (... )؟ الشيخ: إي، ما يكون محصنًا.
طالب: أو مجنون؟ الشيخ: أو وهو مجنون -مثلًا- ثم عقل؛ لأنه إذا كان مجنونًا ما يمكن يُقام عليه الحد من الأصل.
طالب: (... )؟ الشيخ: إي، المرأة تجلد، نعم.
طالب: (... )؟ الشيخ: إي، فاعترفت فرجمها.
طالب: بالنسبة لتعريف الزنى يدخل فيه اللواط؟ الشيخ: بيجينا إن شاء الله.
طالب: بالنسبة للرجم هل (... ) الأشخاص اللي يزنون ما يُشْتَرط أنه يوضع حصى بسيارة (... ) وتمسك على الشخص (... )؟ الشيخ: لا، ما يصلح (... ). طالب: (... )؟ الشيخ: لا، ما يصلح.
طالب: (... )؟ الشيخ: لا.
طالب: (... )؟ الشيخ: يدفن بالشاحنات قصدك؟ طالب: لا (... ). الشيخ: لا.
طالب: (... )؟ الشيخ: لأنه (... ). طالب: إذا علم الناس فعله الفاحشة أو علم (... ) هل نقول: نعمل (... ) -مثلًا- أو يتحقق من علمه (... )؟ الشيخ: أولًا يجب عليه إذا تحقق أو غلب على ظنه يجب عليه، لكن لا يقول: إن هذه زانية -مثلًا- أو هذا زانٍ.
طالب: (... )؟ الشيخ: إي، ما يخالف، يخبر ولاة الأمور (... ) هذا البيت ترى فيه شبهة، حطوا بالكم عليه، ولا يقول: إنه زانٍ أو زانية؛ لأنه إذا قال هكذا إذا ما جاب أربعة شهود يجلد هو ثمانين جلدة، إي نعم، مسألة خطيرة هذه (... ). الثاني، ويش هو الثاني؟ جلد مئة وتغريب عام للحر غير المحصن، العبد خرج بكلمة (الحر).
البالغ العاقل الحر غير المحصن؛ يعني لو هو صغير أو مجنون؟ الطلبة: (... ).

الشيخ: لكن لاحظوا الشروط السابقة، الشروط الأربعة السابقة هذه شروط عامة لا بد أن توجد في كل حد؛ ولهذا يجب أن نعرف أن شروط الزنا -مثلًا- اللي بتجينا ثلاثة مضافة إلى الشروط العامة أربعة.
طالب: الحر.
الشيخ: كيف؟ الطالب: الحر البالغ العاقل هذه ثلاثة (... ). الشيخ: وقالوا: إنه لا يُغرَّب؛ لأن ذلك غير مذكور في القرآن، ولا شك أن استدلالهم ضعيف؛ فهو لم يُذْكَر في القرآن لكن ذُكِر في السنة، وما ذُكِر في السنة فهو كالمذكور في القرآن من حيث العمل به؛ ولهذا لما لعن ابن مسعود رضي الله عنه النامصة والمتنمصة جاءت امرأة وقالت: إنك تقول: إن الله لعن النامصة والمتنمصة، وإني قرأت القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما وجدت ذلك، فقال لها رضي الله عنه: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النامصة والمتنمصة.. إلى آخره، وإن الله يقول: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7] (15)، إذن فإقرار الله للرسول هو في الحقيقة يعتبر من فعل الله سبحانه وتعالى؛ لأنه مرَّ علينا أن الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3، 4]، وأن الوحي من الله يقسم كما تقسم السنة، فكما أن السنة قول الرسول وفعله وإقراره فوحي الله قوله وإقراره لرسوله عليه الصلاة والسلام.
أقول: الحر غير المحصن يجلد مئة جلدة بالقرآن والسنة، أو لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: ويغرب سنة بدلالة السنة.
والحكمة من تغريبه هو إبعاده عن المكان الذي أوقع فيه الفاحشة، وهذا الإبعاد سوف يكون إلى بلد غريب فيه، والغريب -كما تعرفون- أديب في الغالب ما يحاول أن يتناول هذه الفاحشة، وبهذا نعرف أنه يجب أن يُلَاحظ أن يكون تغريبه إلى بلاد لا ينتشر فيها الفساد، أما أن نغربه من بلد لا يكون فيه الزنى إلا استتارًا إلى بلد يكون فيه الزنى جهارًا، يجوز ولَّا لا؟ الطلبة: لا.

الشيخ: ما يجوز؛ لأن معنى ذلك أنا أعناه، لكننا نغربه إلى بلد يكون الزنا فيه محظورًا، إذا كان الزنا فيه محظورًا حينئذٍ نغربه؛ للبعد عن مكان الفاحشة، ولأن الغريب لا يمكن أن يتجرأ على شيء، ثم إنه مع بعده وغرابته ربما يفتح الله عليه فيتوب بهذه المدة الطويلة؛ اثنا عشر شهرًا.
أما الثالث فهو للرقيق بنص القرآن بالنسبة للأمة؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] يعني بذلك الإماء.
وقاس العلماء عليه العبد؛ قاسوا على النقص في الأمة قاسوا عليها العبد، وأخرجوه من عموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة﴾ [النور: 2]، وهذا -كما مر عليكم في الأصول- تخصيص بالقياس، وعليه فيكون الرقيق يجلد خمسين جلدة.
وإذا كان قد تزوج يُرْجم نصف رجم؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما يمكن يتنصف، إذن فليس عليه إلا الجلد منصفًا.
طيب والتغريب، التغريب يقول: لا يُغَرَّب؛ لأن تغريبه إضرار بسيده؛ لأنه يفوت به مصلحة السيد في هذه المدة.
وقيل: إنه يُغَرَّب نصف سنة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25].
وأجيب عن ذلك بأن التغريب ليس بعذاب، وَرُدَّ هذا بأن التغريب عذاب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ» (16)، وعلى هذا فيكون التنصيف ممكنًا؛ تنصيف التغريب.
أما الرد على قولهم: إنه من حق السيد فنقول: أيضًا وإذا جُلد أمام الناس خمسين جلدة فسوف ينقص ذلك في العبد ولَّا لا؟ ولَّا ما يضره؟ الطلبة: ينقص.
الشيخ: ما يضره؟ ينقص بلا شك؛ بدل ما كان يُسوى عشرة آلاف ريال ما يسوى إلا خمسة آلاف أو ما أشبه، وهذا ضرر بالسيد، فهل نقول: إنه لا يُجْلَد؛ لأن الجلد يحط من قيمته (... ) السيد؟ نقول هذا ولَّا لا؟

طالب: لا، ما نقول.
الشيخ: ويش معنى ذاك؟ ماذا يجاب بها؟ (... ) إن تعليلكم عدم التغريب بأن ذلك يفوت مصلحة السيد نحن نعارضكم أيضًا فنقول: وجلده أمام الناس ينافي مصلحة السيد، بل هو ضرر عليه؛ ولهذا القول الراجح عندي أنه يغرب نصف سنة، وعلى سيده مراعاته عن الهروب لا يهرب.
ثم إن السيد يمكنه أن ينتفع به وهو في بلاد الغربة، أليس كذلك؟ يمكن يكتب إلى أحد من أصدقائه هناك ويقول: إن العبد يغرب إلى بلدكم وأنتم احفظوه شغلوه عندكم، وحينئذٍ يزول الإشكال.
فالصحيح عندنا أنه يُنَصَّف حتى التغريب، وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، واختاره كثير من أهل العلم؛ لأن ما يمكن تنصيفه -وقد قال الله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ - يجب أن ينصف؛ امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25].
يبقى النظر الآن في التغريب سواء في العبد أو في الحر، إذا كان امرأة ماذا يكون الأمر؛ تُغَرَّب؟ طالب: ما تُغَرَّب.
الشيخ: الحديث حديث عبادة؛ «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» (9) «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ» رجل بامرأة، «جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» فهل تغرب ولَّا لا؟ نقول: إذا كان معها محرم فإنها تُغَرَّب، يمكن يكون لها محرم في البلد الذي تُغَرَّب إليه ولَّا ما يمكن؟ الطلبة: يمكن.

الشيخ: يذهب بها محرمها من هنا إلى البلد المغربة إليه، على أن الفقهاء أيضًا يقولون: إن المغربة يجوز أن تُغَرَّب بدون محرم، لو فرضنا ما معها محرم تُغَرَّب بدون محرم، لكننا لا نوافقهم على هذا الرأي؛ لأنه مخالف لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» (17)، ولأنه أدعى إلى فسادها في الحقيقة؛ لأنها إذا ذهبت إلى بلاد الغربة وليس معها محرم فربما تفسد أكثر؛ تحتاج إلى فلوس وإلى نفقة وإلى غير ذلك فيكون ذلك أشد فسادًا وتعرضًا للفساد؛ لهذا نرى أن المرأة تُغَرَّب بشرط أن يكون لها محرم يسافر بها ويبقى معها، إذا لم يوجد هذا فإنها تبقى في البيت، ولكنه لا يُتصل بها بمعنى أنها تحبس في بيتها مثلما سيأتينا -إن شاء الله- في المحاربين أنه إذا تعذر نفيهم فإنهم يحبسون ولا يقربهم أحد، هذه مثلها؛ تكون في بيتها محبوسة إلى مدة سنة، ويكفيها ذلك درءًا للمفسدة وبعدًا عنها.
طالب: ما يُجْبَر المحرم في السفر معها؟ الشيخ: لا، ما يُجْبَر عليه؛ لا في هذا، ولا فيما إذا كان عليها فريضة الحج ما يُجْبَر.
طالب: حد السفر للتغريب؟ الشيخ: (... ). الطالب: (... )؟ الشيخ: حده أنه يسافر؛ بمعنى أنه يُعْرَف أنه غريب في البلد حتى لو كان قريبًا، مثلًا من بُرَيدة إلى عنيزة هذا تغريب؛ لأنه يشعر أنه في غربة.
تقولون: المنطقة واحدة وهي القصيم؟ نقول: طيب، إذا كانت المملكة واحدة -وهي القصيم- لازم تسافرون لمصر -مثلًا- ولَّا للعراق، هذا ما يصير؛ لأنه يشعر الآن أنه غريب، أي واحد يروح من عنيزة لبُرَيدة، ومن بُرَيدة لعنيزة يشعر أنه غريب.
طالب: شيخ، الاتصال بالأقارب؟ الشيخ: ما فيه مانع الاتصال بالأقارب؛ لأنه ما هو بيحبس، بس يُغرب عن مكان الفاحشة.
طالب: السجن للمرأة؟

الشيخ: السجن هي تسجن الآن؟ هو الغالب أنه ما يمكن يثبت الزنا في الحقيقة إلا بالإقرار؛ لأن من شرط ثبوته بالشهادة أن يشهد الشاهد بأنه رأى ذكر الرجل في فرج المرأة، من اللي يشوف هذا؟ ! طالب: الحَبَل يبين.
الشيخ: الحَبَل، يمكن تدعي الشبهة، أما المذهب فالحَبَل ليس ببينة؛ لو تيجي امرأة كل سنة تجيب لنا ولدًا، (... ) ليس ببينة، هذا كلام الفقهاء.
طالب: فيه شبهة؟ الشيخ: يمكن أنها مكرهة، سبحان الله! (... )، لكن الصحيح ما ذكره عمر رضي الله عنه -حديث صحيح صريح في الصحيحين-: أو كان الحَبَل أو الاعتراف (18)، الحَبَل بينة ما فيه شك، منين جاء ذلك؟ فإذا أمسكناها وقلنا: يلَّا يجب عليك الرجم أو الجلد، إذا ادعت شبهة (... ) ننظر عاد: هل صحيح هذا ولَّا لا؟ هل هو فيه احتمال ولو احتمالًا بعيدًا فإنها تُقبل ويُدرأ عنها الحد، أما إذا كان أن القرينة تدل على فعلها الفاحشة فهذا ما تُقْبل.
طالب: جلد الرقيق ما يكون للسيد؟ الشيخ: لا، الأصل أنه للإمام لكن يجوز للسيد، ولَّا الأصل أنه للإمام.
طالب: أجرة المَحْرم؟ الشيخ: أجرة المَحْرم إن تبرع فذاك، وإن لم يتبرع فهي على بيت المال، كما أن أجرة تغريبها أيضًا على بيت المال؛ لأن هذا من الحدود الشرعية، كما أن العصا -مثلًا- يُشترى من بيت المال، وأجرة الجالدين على بيت المال، وهكذا.
طالب: (... )؟ الشيخ: إلى بلده؟ الطالب: إي.
الشيخ: إي، يمنع حتى في (... ). الطالب: لحاجة (... )؟ الشيخ: لا، ما يمكن، لحاجة يوكل ويجاب.
لكن هل يجوز أن يمكَّن من استصحاب زوجته ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، يمكَّن، بل يمكن هذا (... )، ما نقول: (... ) بنحرمك من زوجتك.
(... )

ذكرنا أدلة التغريب والجلد مئة، وذكرنا أدلة التنصيف بالنسبة للمملوك، وأنه نص القرآن فيما إذا كانت أمة، وبالقياس فيما إذا كان عبدًا، وذكرنا أن الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث عبادة قال: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ» (9)، لكن آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم أنه رجم بدون جلد؛ كما في قصة ماعز والغامدية (10)، وكذلك قصة اليهوديين (6)، كل من رجم فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه لم يجلده، وعلى هذا فيكون خبر عبادة منسوخًا، ويُشْتَرط لوجوب الحد ثلاثة شروط: أولًا: إيلاج الحشفة الأصلية كلها، هناك حشفة غير أصلية؟ نعم وهي حشفة الخنثى المُشْكِل الذي لم يتميز أذكر هو أم أنثى؟ فإن هذا العضو منه لا يُدْرَى هل هو ذكر أو لحمة زائدة؟ لأنه لم يتبين أنه ذكر أو أنثى، فإذا أولج خنثى مُشْكِلٌ في فرج أصلي -مثلًا- فإنه ليس بزانٍ لا يجب عليه الحد؛ لأن ذلك ليس بزنا؛ إذ إننا لم نتيقن أن هذا الفرج فرج حقيقي؛ إذ قد يكون لحمة زائدة والفرج الحقيقي هو فرج الأنثى الذي في هذا الخنثى المشكل.
وقولنا: (كلها) احترازًا من البعض، وقولنا: (في فرج أصلي) يشمل كلمة (فرج) القُبُلَ والدُّبُر؛ لأنه فرج، وقولنا: (أصلي) احترازًا من فرج الخنثى المُشْكِل؛ فلو أولج ذكرٌ ذكرَه في فرج خنثى مُشْكِلٍ لم يجب الحد؛ لأنه جائز أن يكون هذا الفرج فتحة ليست بأصلية، فلا يثبت لها حكم الفرج.
وقولنا: (من آدمي) احترازًا من غير الآدمي؛ فإن الإنسان لو أولج ذكره في فرج بهيمة لم يكن عليه حد الزنا، ولكن عليه التعزير.
وأما ما ورد في السنن في حديث: «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وُاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ» (19) فإن هذا الحديث ضعيف؛ يعني: لا يقوى على قتله، ثم إنه من حيث المعنى كيف يكون الزاني بالبهيمة أشد من الزاني بالمرأة؟ ! والصواب ما مشى عليه فقهاء الحنابلة أنه يعزر، وأن البهيمة تُقْتَل ولَّا تُذْبَح؟

جارٍ التحميل