الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 3580-3619

على كل حال هذا الذي قاله شيخ الإسلام ابن تيمية هو قول جيد، وهو مذهب مالك، قولٌ جيدٌ؛ لأن هذا الفعل مخلٌّ بأي شيء؟ بالأمن، ولا يمكن التخلص منه، إنسان -مثلًا- نائم يجيء واحد يقتله، أو إنسان في المسجد، أو إنسان في السوق يشتري حاجة، هذا ما يمكن التخلص منه، إلا إذا كان كل واحد (... )، وهذا شيء غير ممكن؛ لذلك هذا القول قوي جدًّا من حيث النظر، ولا يمتنع أن تكون عمومات الكتاب والسنة مخصصة بما تقتضيه المصلحة، ما يمتنع هذا.
ثم إن له شاهدًا من فعل الصحابي الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فإنه قتل عبد الرحمن بن ملجم بدون أن يأخذ إذن الباقين، فدلَّ هذا على أن قتل الغيلة ليس فيه تخيير بين العفو والقصاص.
طالب: (... )؟ الشيخ: لا، ما هو بكافر.
الطالب: أليس مجوسيًّا؟ الشيخ: لا، المجوسي الذي قتل عمر رضي الله عنه، أما هذا عبد الرحمن بن ملجم يُعتبر من الخوارج، وهو يتقرب بها إلى الله عز وجل، ابن ملجم قتل عليًّا تقربًا إلى الله، إي نعم.
الآن فهمنا -يا جماعة- أن قولنا: يجوز العفو عن القصاص إلى الدية متفق عليه ولَّا لا؟ متفق عليه بين العلماء ولَّا غير متفق؟ غير متفق عليه، يُستثنى منه على مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية من قُتِلَ غيلة.
وبهذا حكم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بابطين، وأظنه معروفًا لديكم، له حاشية على الروض المربع، يُكتب بعدها: بابطين.
هذا الرجل كان قاضيًا في عنيزة قديمًا، وحصل أن امرأة اغتالت طفلة عليها ذهب، دخلَّتها في بيتها -والعياذ بالله- وقتلتها وأخذت الذهب، ثم دفنتها في جانب البيت، فطلب أهلها وفتشوا حتى عثروا عليها، فأمر بقتلها ولم يستأذن من أحدٍ من الورثة؛ لأن القتل هذا غيلة.
من هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
هل يجوز المصالحة عن القصاص بأكثر من الدية أو لا يجوز؟ طالب: (... ).

الشيخ: يعني بمعنى هل يجوز أن نصالح القاتل بأكثر من الدية ولَّا ما يجوز؟ ولا ليس لنا إلا القصاص أو الدية؟ هذه المسألة أيضًا فيها خلاف بين العلماء؛ يعني مثلًا القاتل، لما قلنا: نريد أن نقتلك، قال: اصبر أنا بأعطيكم، الدية مثلًا مئة ألف أو مئة وعشرين ألفًا، أنا بأعطيكم مليونًا، هل يجوز لنا أن نأخذ المليون ونعفو عنه؟ ولا نقول: ما لنا إلا الدية أو القصاص؟ هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء؛ منهم من يقول: إنه لا بأس أن الإنسان يأخذ أكثر من الدية مُصالحةً، ومنهم من يرى أنه لا يجوز أن يأخذ أكثر؛ لأن الشرع جعل للنفس قيمة لا يجوز تعديها، فأخْذ أكثر منها تعدٍّ لحدود الله، فنقول لأولياء المقتول: إما اقتلوا وإلا خذوا الدية، أما أن تأخذوا أكثر لا يحل لكم؛ لأن الشرع عيَّن البدل والمبدل منه؛ المبدل منه القصاص والبدل هو الدية.
وقال بعض العلماء: إنه يجوز أن نصالح بأكثر، واستدلوا بقصة هدبة بن خشرم، حينما أمر معاوية رضي الله عنه بقتله، فدفع الحسن وجماعة دفعوا سبع ديات، ولا يُقتل، ولكن أولياء المقتول صمموا أن يُقتل، قالوا: فهذا فعل فعله الصحابة، وما فعله الصحابة فهو حجة إذا لم يُوجد ما يمنعه.
أما الذين قالوا: إنه لا يجوز، فاستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» (1). وذكر الدية أو القصاص، وهذا يدل على أنه لا خيار له فيما سوى ذلك، ولا شك أن الاحتياط ألا يأخذ الإنسان أكثر من الدية إذا كان يريد العفو، ولا يحب أن يقتص فنقول: خذ الدية، ولا تقتص.

وقوله: أو (مجانًا) ويش معنى مجانًا؟ يعني بدون شيء، يعفو عن القصاص بدون شيء، وهو أفضل منين؟ من القصاص، ومن العفو إلى الدية أيضًا؛ ولكن إلا أن تكون المصلحة في القصاص، فإذا كانت المصلحة في القصاص فالقصاص أفضل حتى من العفو مجانًا، وبهذا نعرف خطأ من يطلق أن العفو أفضل، الله تعالى يقول: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237]، فذكر أنه ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وليس هو من التقوى، ولكنه أقرب له؛ لأنه قد لا يكون من التقوى.
ثم إن العفو الذي في القرآن مُقيَّد بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]، فإذا كان في العفو إصلاح كان العفو أفضل، وإن لم يكن فيه إصلاح فعدم العفو أفضل، فهذا الرجل مثلًا إذا قُدِّر أن الجاني رجل شرير مُعتدٍ على الناس، إذا عفونا عن القصاص عنه في هذا الرجل ذهب وقتل آخر، فهنا لا شك أن العفو خطأ، وأنه ليس فيه أجر؛ لأن الله إنما قيد الأجر بما إذا كان في العفو إصلاح، أما إذا كان في العفو إفساد فإن الله لا يحب المفسدين، وكيف نقول: إن الأفضل أن تعفو مطلقًا.
ومن ثم نرى أن من الخطأ ما يتصرف فيه بعض الناس اليوم في مسألة الحوادث بمجرد ما يحصل الحادث تجده يذهب إلى القاضي، ويقول: أنا متنازل عن حق المدعوس، أو الذي حصل عليه الحادث، وهذا أيضًا من الخطأ، ومن العاطفة المنحرفة.
صحيح أن العطف على الناس زين، لكن العطف يجب أن يكون مقرونًا بالعقل، العطف أو الرأفة التي ليست مقرونة بالعقل لا خير فيها؛ ولهذا قال الله تعالى في الزاني والزانية: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] فليس العفو دائمًا أفضل، وليس الحنان دائمًا أفضل، وليس العطف على الناس دائمًا أفضل، يحتاج الناس أن نتوقف ونشوف ويش أسباب الحادث؟ قد يكون هذا الرجل سكران، هل أن السكران من الأفضل أن نعفو عنه؟ طلبة: لا.

الشيخ: أبدًا، ليس من الأفضل أن نعفو عنه؛ لأننا إذا عفونا عنه ما يهمه بعد ذلك، ثم في الوقت الحاضر أيضًا قد نقول: إنه مطلقًا ليس العفو أفضل؛ لأننا إذا عفونا تجرأ الناس وصاروا دائمًا في استهتار ولا يهمهم، لكن إذا عُوقِبوا بأخذ ما يجب عليهم من الدية، فهذا لا شك أنه خير.
على كل حال الآن نقول: العفو مجانًا أفضل إلا أن تكون المصلحة في القصاص، فيكون القصاص أفضل، ويكون الاقتصاص على كيفية الجناية على القول الراجح، الاقتصاص من الجاني يكون على كيفية الجناية على القول الراجح، ويرجِّحه دليل من القرآن والسنة والنظر الصحيح، مثلًا إذا قتل الجاني بخشبة فإننا نقتله بخشبة، ما نقتله بالسيف؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126]، ثم إن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] لا شك أن تمام المقاصة أن يفعل به كما فعل.
هذه من القرآن، ثلاثة أدلة، وربما تكون أكثر.
من السنة: ثبت في الصحيحين: أن رجلًا يهوديًّا رضَّ رأس جارية من الأنصار بين حجرين حتى ماتت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُرضَّ رأسه بين حجرين (2)، كما فعل، وهذا تطبيق للقرآن، وهو دليل من السنة واضح.
أما النظر الصحيح فلأن تمام العدل أن يُفعل بالجاني كما فعل، فإذا قَتل قِتلة شنيعة قُتل قِتلة شنيعة، وإذا قتل قتلة غير شنيعة قتل قَتلة أو قِتلة غير شنيعة، فهذا ما يقتضيه الكتاب والسنة والنظر الصحيح.

وقال بعض العلماء -وهو المذهب-: إن الجاني لا يقتل إلا بالسيف، وإن قتل بغيره، لماذا؟ استدلوا بحديث رواه ابن ماجه (3)، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ»، واستدلوا أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (4). ولا شك أن طلب ما يريح المقتول من إحسان القتلة، وأن قتله بالسيف أريح له من قتله بالخشبة، واضح يا جماعة؟ جوابنا على هذا أن نقول: أما الحديث فضعيف، وهو من أفراد ابن ماجه، والغالب -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- أن ما انفرد به ابن ماجه فإنه ضعيف، وهذا من أفراده الضعيف.
ثانيًا: أن نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ»، فبماذا يكون إحسان القتلة؟ إحسان القتلة في الحقيقة بموافقة الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] فليس إحسان القتلة أن تطلب ما هو أريح «وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» (4). الآن لو قال قائل مثلًا: قد يُوجد أشياء أريح للحيوان من الذبح بالسكين، هل نتبع ذلك؟ لا، فعليه نقول: إحسان القِتلة معناه موافقته للشرع، ولا ريب أن ما وافق الشرع فهو حسن.
إذا ما القول الراجح في القصاص؟ أن يفعل بالجاني كما فعل.
لو سقى المقتول سُمًّا؟ طالب: (... ). الشيخ: يُسقى سُمًّا حتى يموت، لو أسقاه خمرًا حتى مات؟ ما يُسقى خمرًا؛ لأن الخمر محرم لذاته، لكن القتل بالخشبة وما أشبه ذلك مُحرِّم للعدوان؛ فلهذا استثنى أهل العلم من قولهم: إنه يُفعل به كما فعل، ما إذا كان الفعل محرمًا لذاته، لا لأنه عدوان فإنه يكون محرمًا؛ لأنه ليس لنا أن نسقيه الخمر، الخمر حرام، إحنا نمنع من شرب الخمر، لكن السم نفعل به؛ لأنه يَقتل؛ فهو محرم للعدوان فيه.

فعلى هذا نقول: يستثنى من ذلك ما إذا كان الفعل محرمًا لذاته، ومثَّلوا أيضًا بمثال بالنسبة إلى كونكم طلبة لا بأس أن نذكره، قالوا: لو أنه قتله بالتلوط به والعياذ بالله، فهل نقول: يجيب واحد يلوط به؟ لا، ولكن نقتله حينئذٍ بطريق آخر.
على كل حال يستثنى من هذه المسألة ما إذا كان الفعل محرَّم النوع؛ يعني لذاته لا لأنه عدوان فحينئذٍ لا يقال فيه ذلك لأجل الامتناع، أو لأجل منْع الشرع؟ طالب: التحريق إذا حرقه.
الشيخ: إي نعم، يدخل فيه، لو حرقه لحُرق.
الطالب: يحرق.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (... ) دال على التحريق.
الشيخ: التحريق تعذيب بالنار: «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ» (5) أما هذا قصاص، لكن عندما أنه بعذب واحد ما أعذبه بالنار، ما دام يمكن نعذبه، بالضرب، أو بالحبس، أو بأخذ المال ما نعذبه بالنار.
طالب: (... ) بالسقي لو سقاه خمرًا (... )؟ الشيخ: ربما ينظر في هذا، يمكن نقول: أيضًا نسقيه ما هو بسم، نسقيه شيئًا، نملأ بطنه؛ لأن الخمر في الغالب ما يموت إلا كان بيسقيه، يملأ بطنه مرة حتى ينشط إحنا ربما نسقيه مثلًا ماء.
طالب: لبن.
الشيخ: لا، لبن لا! نسقيه ماءً حتى إنه ينفخ البطن ويموت.
طالب: (... )؟ الشيخ: لا، بس في (... ) الظاهر يسرع الموت فيه؛ لأنه أشد فعلًا من الخمر.
يقول: عندي استثناء، يقول: إلا أن يرضى المستحقون بدونها، أو يكون الفعل محرمًا لذاته.
طالب: (... )؟ الشيخ: لا، هو ما هو محرمًا لذاته، مُحرَّم لضرره، ولذلك لو فرض في بعض الأمراض ما يشفى إلا بإدخال سم على الأدوية، فيدخل السم فيها، ويبرأ منها، هو ما هو محرم لذاته محرم لضرره، كما أن القتل أيضًا محرم لضرره، لو واحد طلب (... )

الآن صارت إلا أن يرضى المستحقون بدونه، من المستحقون؟ الورثة، إذا قالوا: إحنا نعرف أنه يجوز لنا أن نقتل هذا الرجل بمثل ما قتل به الميت، لكننا لا نريد ذلك مثل لو كان الرجل ألقاه من شارع، فإنهم قالوا: ما نريد هذا، نريد أن يقتل بالسيف.
نقول: لكم هذا، لكم ذلك؛ لأن الحق لكم.
فإذا قال قائل: أليس للميت حق أيضًا؛ لأن اللي تألم من هو؟ الميت.
نقول: لكن الشارع لم يلتفت إلى ذلك بدليل أنه أباح للأولياء وشرع لهم العفو، فإذا كان لهم أصل الحق فلهم أيضًا صفة الحق؛ يعني إذا كان لهم أصل القتل إن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا لم يقتلوه، فكذلك أيضًا وصف القتل، لكن ما رأيكم لو أن الإمام رأى أن يُنفِّذ القصاص على حسب ما فعل الجاني، ولو رضي الأولياء بدونه يجوز ولَّا لا؟ لو قال: (... )، لكن أنا أريد أني أنكل بهذا الرجل مَنْ بعده؛ فله الحق في هذا لا سيما على اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يرى أن قتل الغيلة ليس فيه تخيير.
طالب: لو رضي الذين لهم الحق أن يخدر، ثم يقتل؟ الشيخ: ما فيه مانع؛ لأنه حق لهم، ما دام أنه أصله حق لهم فلهم (... ). طالب: (... ) يعني المستحقين للقتل (... )؟ الشيخ: لا، (... ). الطالب: (... ). الشيخ: لا أبدًا، ما لهم حق (... ).

باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس

القصاص فيما دون النفس، لا يثبت القصاص فيما دون النفس إلا حيث ثبت فيها، إذن الشروط الخمسة للقصاص؛ لأن إحنا قلنا: لا يثبت.
الكلام هنا على شروط الثبوت ولَّا شروط الاستيفاء؟ طلبة: الثبوت.
الشيخ: الثبوت، إذن لا بد من الشروط الخمسة السابقة، شروط ثبوت القصاص، ما يمكن يثبت القصاص فيما دون النفس إلا إذا كان يثبت في النفس، فلو قطع حُرٌّ يد عبد تُقطع يده ولَّا لا؟ على القول بأن الحر لا يُقتل بالعبد ما تُقطع يده، لو قطع والد يد ولده، فعلى القول بأن الوالد لا يُقتل بالولد لا تُقطع.

لو قطع مسلم يد كافر؛ لم تقطع يده، ولكن هو نوعان: أحدهما: في الطرف كالعين والأذن، الطرف يعني العضو المستقل يسمى طرفًا مثل العين والأذن، وكذلك اليد، أظن أو لا؟ والرجل، واللسان، والأنف، وما أشبه ذلك، المهم العضو المستقل يسمى طرفًا، ويشترط له شروط أولًا: إمكان الاستيفاء بلا حيف، يُشترط له؛ لثبوت القصاص ولَّا لاستيفائه؟ طلبة: لاستيفائه.
الشيخ: لاستيفائه؛ لأن شروط الثبوت أجملناها في قولنا: لا يثبت القصاص إلا حيث ثبت في النفس، إمكان الاستيفاء بلا حيف، تقديره يعني أو ضابطه (بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه) (أن يكون القطع من مفصل) والمفاصل معروفة كالمرفق، ومفصل الكف، أو يكون له حد ينتهي إليه، ومثَّلوا له بمثال واحد؛ وهو مارِن الأنف، ومارن الأنف ما لان منه، اللين من الأنف؛ لأن الأنف له قصبة وله مارن، المارن ما لان منه، هذا ما هو مفصل ولَّا لا؟ هذا ليس بمفصل.
ويقولون: إن بعض الناس لعب على صبي، وقال: إن أنفك سيسقط، كيف؟ سيسقط، قال: نعم، المسه وشوفه يتهزهز ولَّا لا؟ فمسه، مس المارن، وبدأ يهزه، وقال: الآن معناه بيسقط الآن؛ لأنه لين، غضروف، وله حد ينتهي إليه.
فإذا قُدِّر أن رجلًا اعتدى على شخص وقطع أنفه من المارن، الآن يمكن القصاص بلا حيف ولَّا ما يمكن؟ يمكن؛ لأن له حدًّا ينتهي إليه، من مفصل كالمرفق مثلًا له حد ينتهي إليه، واضح؟ طيب إذا لم يكن له حد ينتهي إليه، وليس من مفصل؛ فمعناه أنه لا يمكن القصاص، مثاله: لو قطع يده من نصف الذراع، يجوز القصاص ولَّا لا؟ ما يجوز القصاص؛ لأننا حددنا إمكان الاستيفاء بهذا الحد، أن يكون من مفصل، أو له حد ينتهي إليه، وهذا ليس من مفصِل، وليس له حد ينتهي إليه؛ لأننا ذكرنا أن الذي له حد ينتهي إليه هو مثال واحد فقط، وهو مارن الأنف.
طالب: شحمة الأذن.

الشيخ: شحمة الأذن ما أظن، ما لها حد، وأنا شوف الأذن ما لها حد، إنما نشوف الموضوع أصل هذا الشرط، والصحيح أنه يشترط إمكان الاستيفاء بلا حيف مطلقًا، ولا نقيده بما إذا كان من مفصل أو له حد ينتهي إليه، والآن بسبب تقدم الطب يمكن أن نستوفي بلا حيف من أي مكان ولَّا لا؟ يمكن من أي مكان، ثم سيأتينا -إن شاء الله- دليل على هذا أيضًا من كلام الفقهاء.
على هذا لو كان المعتدي رجلًا فقيهًا، وقال: أنا الآن إن قطعت من مفصل الكف قُطعت يده، وإن قطعت من مفصل المرفق قطعت يده، أبقطعه من نصف العضد أكثر إصابة وأقل بلاءً؛ ما يصبح القصاص، يمكن ولَّا ما يمكن؟ يمكن إذا صار فقيه، يقول: بدلًا ما أني أقتص من الكف أو من المرفق، أرتفع شوي ولا يصير عليَّ القصاص، وأنا مستعد لدفع الدية، واضح؟ فهذا القول -في الحقيقة- فيه أيضًا فتح باب لشر القول بأنه لا بد أن يكون من مفصل، أو له حد ينتهي إليه، هذا في الحقيقة فيه بلاء.
فالصواب في هذه المسألة أن نُبقي العبارة على إطلاقها بدون أن نقيدها بالمفصل، أو بالحد الذي ينتهي إليه فنقول: إمكان الاستيفاء بلا حيف، وهذا يمكن أن يكون بدقة في الوقت الحاضر، ثم نقول: إنه سيأتينا -إن شاء الله- في الجراح، إنه إذا جنى بأعظم من الموضِحة اقتص الموضِحة، وله أرش الزائد، فمثل هذا يمكن أن نقول: لما تعذر الاستيفاء من محل القطع نستوفي من المفصل، ونأخذ أرشًا للزائد ولَّا لا؟ وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، فنقول: القول الراجح في هذه المسألة: أنه إذا أمكن الاقتصاص من موضع القطع قُطِع، وإن لم يمكن قُطع من أدنى مفصل إليه، وله أرش الزائد، وحينئذٍ لا يمكن لأي متحيل أن يحتال، واضح يا جماعة؟

صار المسألة الآن: المذهب أنه ما يمكن الاستيفاء إلا إذا كان من مفصِل أو له حد ينتهي إليه؛ لأنه يقول: هذا هو الذي يمكن فيه الاستيفاء، والصواب خلاف ذلك، وأن الاستيفاء يمكن من أي مكان لا سيما في الوقت الحاضر، وتقدم الطب، ولكن هل على هذا القول يكون الاستيفاء بالمساحة أو بالنسبة؟ طالب: (... ). الشيخ: بالمساحة أو بالنسبة؟ أو ما تدرون (... )؟ واحد مثلًا قطع يد المجني عليه من نصف الذراع، لكن ذراعه طويلة، المقطوع ذراعه طويلة، والجاني ذراعه قصيرة، إذا قلنا بالمساحة، وأخذنا، قِسنا نصف ذراع المجني عليه، يمكن يستهلك ثلاثة أرباع ذراع الجاني أو لا؟ إذن يكون بالنسبة، نقول: نقطع نصف ذراع الجاني كما قطع نصف ذراع المجني عليه، كما أن العكس كذلك أيضًا، قد يكون ذراع المجني عليه قصيرًا، فإذا قدرنا بالمساحة وهي نصف ذراع، يمكن تبلغ ربع الذراع بالنسبة للجاني، نقول: المعتبر ويش المعتبر؟ النسبة دون المساحة، والحاصل أن القول الراجح في هذه المسألة أنه إن أمكن القصاص من موضع القطع فُعل، وإن لم يمكن؟ أُخِذ من أدنى مفصل وللمجني عليه أرش الزائد.
ما هو الدليل على هذا الأمر أنه يُقتص من الأطراف؟ قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: 45].
فإذا قال قائل: هذا في التوراة؛ لأن الله يقول: ﴿كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ أي في التوراة؟

قلنا: ولكن الشرع أقره؛ بدليل قصة الرُّبَيِّع بنت النضر التي كسرت سن جارية من الأنصار، فعرضوا عليهم الدية، فأبوا إلا أن يكون القصاص، فقال أنس بن النضر: والله لا تُكسر ثنية الربيع، ثم إن الله تعالى هدى المرأة وأولياءها إلى أن يعفو، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ».
والمهم أن الرسول قال له لما قال: والله لا تكسر ثنية الرُّبَيِّع، قال: «يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللَّهِ القِصَاصُ» (6). فدل هذا على أن الشريعة الإسلامية أقرَّت هذه الآية.
ما رأيكم لو أن الجاني أعور، وقلع العين الصحيحة المماثلة لعينه الصحيحة، يُقتص منه ولَّا لا؟ مثال ذلك: رجل مثلًا ليس له إلا العين اليسرى فقط، فجاء إلى إنسان له عينان فقلع عينه اليسرى، هل تُقلع العين اليسرى ولَّا لا؟ طلبة: (... ). الشيخ: نشوف الآن، نطبقه على هذا، إذا استوفينا، هل يكون فيه حيف؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يكون فيه حيف؛ لأنا إذا اقتصصنا من الجاني أفقدنا بصره، أليس كذلك؟ وهو لم يُفقد البصر، وعلى هذا فإنه لا يُقتص منه، ولكن العلماء اختلفوا في هذا، وترى هذا هو القول الصحيح والمسألة خلافية، المسألة فيها خلاف، لكن هذا القول الراجح، ولكن على هذا القول، هل يلزم الجاني نصف الدية ولَّا يلزمه دية كاملة؟ طالب: دية كاملة.
الشيخ: نعم، المذهب أنه بيلزمه دية كاملة؛ لأنها عِوض عن بصره، والبصر منفعة ليس في البدن سواها؛ ففيها دية كاملة، وقال بعض العلماء: ليس له إلا نصف الدية؛ لأنها عين، وما قلع من المجني عليه إلا عينًا واحدة، لم يُذهِب إلا نصف بصره، وأظن أننا ذكرناها فيما بعد، ويأتي فيها التحقيق إن شاء الله، المهم أنه في هذا الحال لا قصاص، لماذا لا قصاص؟ لأن فيه حيفًا.
(الثاني: المماثلة في الاسم والموضع) (في الاسم) معناه ما تؤخذ يد برجل، شو السبب؟ طلبة: لاختلاف..

الشيخ: لاختلاف الاسم.
(والموضع) ما تؤخذ يمنى بيسرى؛ لاختلاف الموضع، كاليد اليمنى باليد اليمنى فلا تُقطع الرجل بها ولَّا اليد اليسرى أو لا؟ اليد اليمنى لو قطع اليد اليمنى قُطعت يد الجاني اليمنى، تُقطع بها الرِّجل؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ للاختلاف في الاسم، لا، هنا ما يقطع الرِّجل اليمنى، قطع اليد اليمنى، وأنا بقطع بها رجله اليمنى ما يصلح؟ لاختلاف الاسم.
طيب نبغي نقطع يده اليسرى؟ لاختلاف الموضع.
رجل جانٍ، ما له إلا اليد اليمنى فقط، لكن ها اليد اليمنى شيطانية، قطع يد رجل يمنى له يدان، تُقطع يده اليمنى ولا ما تقطع؟ طلبة: (... ). الشيخ: رجل أقطع ما له إلا يد يمنى، لكنها شريرة تقطع الأيدي، فذهب هذا الجاني، وقطع يد رجل يُمنى له يدان، تُقطع يد الجاني ولَّا لا؟ طلبة: لا.
الطالب: فيه حيف.
الشيخ: الظاهر أنكم مثل ابن جني هذا اليوم! طالب: فيه قولان.
الشيخ: كيف فيه قولان؟ لا، تُقطع اليد، تقطع يده اليمنى، لماذا؟ لأن اليد اليمنى لا تقوم مقام اليدين، بخلاف العين فيما سبق فإنها تقوم مقام عينين، الإنسان يبصر بعين واحدة يبصر إبصارًا كاملًا، بعض الناس يكون بالعين الواحدة أقوى من صاحب العينين، لكن اليد الواحدة يقول العوام: اليد الواحدة ما تصفق، ما فيه شك أنه إذا قُطعت يده اليسرى أنه ما يمكن يعمل بيده اليمنى عمل اليدين ما يعمل عمل اليدين بهاح ولذلك قال العلماء: إن الأقطع تقطع يده أو رجله بخلاف ما سبقت الإشارة إليه في مسألة العين.
ما رأيكم الخِنصر بالبنصر من يدٍ واحدة؟ خِنصر ببنصر من يد واحدة، بيجوز ولَّا لا؟ طلبة: (... ). الشيخ: الاختلاف في الاسم والموضع ولَّا لا؟ الاسم والموضع إي نعم (... ) ألا يكون طرف الجاني أكمل من طرف المجني عليه، فإن كان أكمل فإنه لا يُؤخذ به، لو كان أكمل ما يؤخذ به، مثال هذا: قَطَعَ يدًا شلَّاء، والقاطع يدُهُ سليمة، هل تُقطع باليد الشلاء؟ طالب: لا.

الشيخ: ما تقُطع باليد الشلاء، لماذا؟ لأن طرف الجاني أكمل من طرف المجني عليه.
قلع عينًا قائمة وعينه -أي القالع- سليمة، تقلع عينه ولَّا لا؟ طلبة: (... ). الشيخ: ما تقلع؟ طالب: قائمة.
الشيخ: قلع عينًا قائمة وعينه -أي القالع- صحيحة؟ طلبة: (... ). الشيخ: معنى القائمة التي صورتها باقية وهي لا تُبصِر، صورتها قائمة على اسمها قائمة، لكنها لا تُبصر؛ فالصورة صحيحة، لكن العمل أو المنفعة اللي في العين ما هي موجودة، هل تُقلع عين الجاني بها ولَّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه يُشترط ألَّا يكون طرف الجاني أكمل.
طيب قلع عينًا قائمة ونظيرتها منه قائمة؟ طلبة: تُقلع.
الشيخ: تقلع، لاستوائهما وتماثلهما.
طيب قلع أذن أصم وهو يسمع؟ طلبة: ما تقلع.
الشيخ: ما تقلع؟ لا، تقلع؛ لأن السمع ليس بالأذن، أليس كذلك؟ السمع من داخل، ولهذا لو قُلعت الأذن، هل يبقى السمع ولَّا ما يبقى؟ يبقى السمع؛ فالسمع ليس له دخل في الأذن، هذه الأذن -بإذن الله- لتكيف دخول الصوت على الداخل فقط، هذه منفعتها، وهذه المنفعة حاصلة سواء كانت شلاء أو غير الشلاء.
طيب ما هي الأذن الشلاء؟ هي التي لا تتحرك؟ أيش تقولون؟ طلبة: (... ). الشيخ: التي لا تتحرك؟ طلبة: (... ). الشيخ: إن قلتم نعم، قلنا: من يحرك أذنه؟ طالب: فيه واحد يحرك.. الشيخ: كيف؟ الطالب: في واحد يحركها.
الشيخ: مين اللي يقول؟ الطالب: أنا يا شيخ.
الشيخ: حركها أنت.
الطالب: لا، فيه واحد يقول: (... ). الشيخ: عجيب، معلوم بيده يمكن! طلبة: لا (... ). الشيخ: على كل حال، هذه ما ندري عنها.
طلبة: (... ). الشيخ: على كل حال إذن الحكم الشرعي أنه إذا قلع أذن أصم، فإن أُذُنه تُقلع، لماذا؟ لأن الصمم ما يُفقَد بفقد الأذن، ولا يبقى أيضًا ببقائها، بخلاف البصر في العين يبقى ببقائها ويُفقد بفقدها.
طيب قلع أنف أشم وأنفه سليم، يُقلع ولَّا لا؟ طلبة: يقطع.
الشيخ: يُقطع ولَّا ما يقطع؟ طلبة: يقطع.

طالب: ويش هو أشم؟ الشيخ: الأشم اللي ما يشم الروائح، ما تقولون؟ طلبة: يقطع.
الشيخ: يقطع، ليش؟ لأن الشم ليس في نفس الأنف، بل في قوة داخلية، فتبين الآن يا جماعة أن الأذن الشلاء والأنف الأشل حكمهما حكم الصحيح السليم؛ لأن منفعتهما باقية حتى مع الشلل.
ألَّا يكون طرف الجاني أكمل من طرف المجني عليه.
هل يمكن أن نستثني هاتين الصورتين ولَّا لا؟ ألَّا يكون طرف الجاني أكمل من طرف المجني عليه إلا في الأذن والأنف.
فتُقطع السليمة من هاتين بالشلاء منهما.
هذه ثلاثة شروط، فيه سؤال: لو أن القطع وجب على حامل، وخِيف من قطع يدها أن تُسقِط الولد، هل تُقطَع يدها ولَّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: من أين تُؤخذ؟ طلبة: (... ). الشيخ: نقول: هذا استيفاء بحيف، وبعضهم يقول: لا؛ لأن إمكان الاستيفاء بلا حيف بالنسبة لنوع الجناية، أما هنا فالأمن من الحيف لأمر خارجي، وكتبوا بدل من هذا قالوا: ولا يجوز الاستيفاء مع خشية الحيف على الغير.
وعلى كل حال الخلاف قريب من اللفظ، المهم أنه إذا كان الاستيفاء يمكن أن يتعدى إلى الغير كالحامل فإنها لا يقتص منها.
طالب: ينتظر يا شيخ؟ الشيخ: إي، ينتظر كما قلنا فيما لو كان القصاص في النفس، الثاني في الجراح، الثاني منين؟ من نوعي القصاص فيما دون النفس.
الثاني في الجراح: فيقتص لكل جرح ينتهي إلى عظم.
الجراح، الضابط فيه كل جرح ينتهي إلى عظم فإنه يُقتص منه، مثل أيش؟ مثل جرح الرأس، وجرح العضد، والساق، والفخذ، والقدم، والخد، وما أشبه ذلك؛ لأن كل هذه تنتهي إلى عظم.
كذلك أيضًا الصدر يمكن ينتهي إلى عظم ولَّا لا؟ والظهر، لكن البطن ينتهي إلى عظم ولَّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: ما ينتهي إلى عظم، إذن كل جرح ينتهي إلى عظم فإنه يُقتص منه، هذا الضابط، والله تبارك وتعالى يقول في القرآن: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45].

أما إذا كان الجرح لا ينتهي إلى عظم فإنه لا يُقتص منه، لماذا؟ يقول العلماء لأنه لا يمكن فيه المماثلة.
المماثلة مُتعذِّرة، هنا ينتهي إلى عظم، اجرحه (... ) العظم، اللي هو الجاني، لكن إذا كان لا ينتهي إلى عظم إلى أين؟ فيقولون: إنه لا يجوز الاقتصاص، مثلًا جرحه في فخذه، الفخذ، تعرفون أن فيه مثلًا أعصابًا كثيرة ولحم، لكن ما وصل إلى العظم يُقتص منه ولَّا ما يُقتص؟ ما يقتص منه؛ لأنه لم يصل إلى العظم، وكل جرح لا يصل إلى العظام فإنه لا قِصاص فيه؛ وذلك لتعذر إمكان المقاصة أو لتعذر المقاصة.
ولكن كما سبق وأن أشرنا إليه في وقتنا هذا وبمناسبة تقدم الطب نرى أنه تُمكن المقاصة في كل جرح؛ لأنهم يضبطونه ويعرفون أنسجة ها الجسم، ويعرفون كيف يصل، وكيف لا يصل، فالذي نرى أنه الآن يمكن المقاصة في كل جرح.
وعلى كل حال القاعدة الأساسية عندنا هي أنه لا بد أن يمكن القصاص، قد نكون في بلد ما فيه أطباء، ولا يعرفون يقتصون من جرح لا ينتهي إلى عظم فنقول هنا: لا قِصاص، وقد نكون في بلد ترقى فيه الطب يمكن أن يقتصوا من أي جرح يكون، وحينئذٍ نقول: يجب القصاص إلا أنه يُستثنى من هذا مسألة إلا أن يكون أعظم من الموضِحة فله أن يقتص موضِحة وله أرش الزائد.
الموضِحة هي جرح الوجه والرأس، الجرْح في الوجه والرأس موضِحة، له عشر مراتب عند العرب، لكن ما لنا ولها، ما ذكرناها، إنما الموضِحة هي التي تُوضِح العظم؛ يعني مثلًا واحد جرح إنسانًا حتى تبين العظم، تسمى هذه مُوضِحة، ويش اللي أعظم منها؟ أعظم منها الهاشمة، والمنَقِّلة، والمأمومة، والدامغة، هذه الأربع أعظم منها، فهمتم الآن؟ طالب: نعم.
الشيخ: لا، ما فهمتم، عدهن عليَّ أنت فاهم، ويش اللي أعظم منها؟ طالب: الهاشمة والموغلة.. الشيخ: لا، الهاشمة، والمنقِّلة، والمأمومة، والدامغة، نشوف، الموضِحة ويش قلنا؟ طلبة: تُوضح العظم.

الشيخ: توضح العظم، الهاشمة تُوضح العظم وتهشمه، لكن ينهشم العظم وهو باقٍ في مكانه، أما اللي بعدها؟ طالب: المنقِّلة.
الشيخ: المنقِّلة تُوضِح العظم وتُهشِّمه، وتنقل العظم؛ يعني ينتقل العظم عن مكانه، أما المأمومة فإنها التي تصل إلى أم الدماغ؛ يعني يجرحه حتى يتبين المخ، هذه مأمومة، الدامغة هي التي تفري جلدة المخ، تفري الجلد، الغالب أنه ما يعيش، لكن إذا عاش هذه تسمى دامغة، حطوا بالكم يا جماعة.
إذا كان الجرح أعظم من الموضِحة يُقتص الموضِحة، وله أرش الزائد، نحتاج الآن إلى أن نعرف الأرش؛ الأرش: اعلم أن في الموضِحة خمسًا من الإبل، وفي الهاشمة عشرًا من الإبل، وفي المنقلة خمسة عشر بعيرًا، وفي المأمومة والدامغة ثلث الدية.
إذن إذا كان الجرح هاشمة، وأراد المجروح أن يقتص من الجارح فله أن يقتص موضِحة، ويُعطَى خمسًا من الإبل، إذا كانت منقلة يُعطَى عشرًا من الإبل، إذا كانت مأمومة يُعطى ثمانية وعشرين بعيرًا وثلث بعير؛ لأنه هو الفرْق بين الموضِحة وبين المأمومة؛ لأنا ذكرنا أن في المأمومة كم؟ ثلث الدية وفي الدامغة أيضًا ثلث الدية.
(إلا أن يكون أعظم من الموضِحة) (فله أن يقتص موضحة وله أرش الزائد) (له أرش الزائد) يعني الفرق بين دية الموضِحة، ودية ما هو أعظم منها، من هذه النقطة يتبين لنا رجحان شيء بحثنا فيه بالأمس، ويش هو؟ طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، إذا قطعه من فوق المفصل فالمذهب لا يمكن القصاص، لكن نقول: قياس قولكم فيما فوق الموضِحة أن نقول: يُقتص من المفصل، وله أرْش الزائد على أننا قلنا: إذا أمكن القصاص من محل القطع -فيما سبق أمس- فهو الواجب، فإن لم يمكن اقتُص من المفصل وله أرش الزائد.
طالب: شيخ (... ) مثل الرأس والوجه يعني إما خمس أو عشر (... )؟ الشيخ: نعم، في الحكومة، بيجينا إن شاء الله أن كل جراح ليس فيه مقدر من الشرع ففيه حكومة.

طالب: كيف يكون إذا تقطع اليد من نصف الذراع، نقصه من المفصل الأدنى ونعطيه زيادة الأرش، أو نأخذ منه هذه الدية؟ الشيخ: لا، نعطيه.
الطالب: كيف نعطيه وهو (... )؟ الشيخ: نعطي المجني عليه.
طالب: (... ). الشيخ: والصحيح أن فيه القصاص، نقتص أولًا من مكان القطع إذا أمكن، وهذا قلنا: إنه في الوقت الحاضر يمكن، لكن إذا قال الأطباء: ما يمكن القصاص، نقول: يقتص من المفصل من هنا من المفصل، وله أرش الزائد؛ يعني يُثمِّن الباقي، ويُعطَى مثل نسبته من الدية يُقوِّم هذا المجني عليه كأنه عبد، ليس به كف، وبه نصف ذراع، ثُمَّ قُطِع نصف الذراع، فكم تنقص من قيمته؟ إذا قال: تنقص مثلًا كذا وكذا ننظر نسبتها للقيمة، ثم نأخذ مثل تلك النسبة من الدية.
طالب: في الموضِحة، إذا كانت أعظم من الموضحة أو دامغة، كيف نعمل؟ الشيخ: نقتص الموضحة من الجاني، ونعطي المجني عليه نسبة ما بين الموضحة، وهذا الجرح، فإذا كان الجاني جنى على هذا الرجل حتى صارت الجناية هاشمة، قلنا: نقتص من الجاني الجارح أيش؟ موضحة، ونأخذ منه خمسة من الإبل نعطيها للمجني عليه تكميلًا، مفهوم الآن يا جماعة؟ فيه (سراية الجناية) و (سراية القود) السراية معناه أن الجرح يتضاعف حتى يؤدي إلى ما هو أعظم منه، قد يؤدي إلى الموت، فيقول المؤلف أو الكاتب: (سراية الجناية مضمونة في النفس فما دونها إلا أن يُقتص من الجاني قبل بُرئها، والراجح ولا يستثنى شيء) (سراية الجناية مضمونة في النفس) يعني سواء سرت إلى النفس أو ما دونها، فلو قطع من رجل أصبعًا، قطع الجاني أصبعًا من شخص، ثم إن هذا الجرح سرى، وجعل يمشي في اليد حتى تساقط الكف كله، هل يضمن الجاني الإصبع الذي قطع أولًا أو الكف كله؟ يضمن الكف كله، لماذا؟

لأن هذه الجناية غير مأذون فيها، عدوان محض، والمعتدي يجب عليه ضمان عدوانه وما ترتب عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (7). فكما أن الظلم في الأموال يسري إلى كل ما ترتب عليه، كذلك هنا يسري الضمان إلى كل ما ترتب على هذا العدوان، واضح؟ إذن نقول: لماذا كانت مضمونة؟ لأنها نتيجة عمل عدواني، والعمل العدواني مضمون، وكذلك ما ترتب عليه لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ»، فما ترتب على العدوان فإنه عدوان، إلا أنه يُستثنى من هذا على المذهب مسألة واحدة: إذا اقتص من الجاني قبل البُرء فإنها السراية لا تضمن، كيف ذلك؟ مثلًا قبل أن يبرأ الجرح طَالَب المجني عليه بأن يقتص من الجاني، الجاني قطع أصبعه، مفهوم؟ هذه جناية، فقال المقطوع أصبعه: لا بد أن تقتصوا من الجاني وطَالَب بهذا، فعلًا اقتصصنا من الجاني، المجني عليه جرحه سرى إلى الكف كلها، وسقطت كل كفه، فهل نعود إلى الجاني ونقطع كفه ولَّا لا؟ ما نفعل؛ لأنه لما اقتص قبل البُرء فقد رضِي بأي شيء؟ بأن يكون القصاص بمقتضى الجناية، لا بمقتضى السراية، إذا اقتص قبل البرء فقد رضي كأنه أسقط حقه، يُقال: أنت الآن اقتصصت على وجه -أصلًا مُحرَّم أنه يقتص قبل البُرء، يجب الانتظار، لكن قد يطالب، يقول: ما أنا بقادر أنتظر حتى يبرأ جرحي، أبغي الآن أن أقتص منه ما دام المسألة في حرتها، فإذا اقتص منه، ثم سرى بعد القصاص فإنه لا يُضمن.

استدلوا لذلك بأثر ونظر؛ الأثر: أن رجلًا طعن رجلًا في ركبته بقرن -قرن معروف قرن بهيمة- فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يستقيد منه، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن ينتظر، ولكنه لم يفعل، فاقتص منه، ثم إن المجني عليه صار أعرج، فأراد من النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتص فقال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَبْطَلَ عَرَجَكَ» (8). يعني معناه أن السراية لم تُضمن؛ لأنه اقتص منه قبل البرء، لكن هذا الحديث ضعيف ما تقوم به حجة.
واستدلوا بالنظر، وهو الذي أشرنا إليه قبل قليل، وهو أن المجني عليه لما طالَب أن يقتص قبل البُرء كأنما رضي أن يكون القصاص بمعنى ما كانت عليه الجناية الآن، وأسقط الأثر؛ فلهذا لا تضمن.
لكن عندنا الراجح لا يستثنى شيء؛ لأن الحديث ضعيف، وأما التعليل فنقول: ما دام العلة في ضمان السراية كونها عدوانًا فإن طلب هذا القصاص لا يعني أنه أسقط ما يترتب عليه، بل يعني أنه أراد أن يشفي نفسه قبل أن تبرد المصيبة فقط، نعم، لو قيل له: أنت تُسقط السراية؟ فقال: نعم، أُسقط السراية.
لو رضي بهذا صريحًا، قلنا: لا شيء له، أما مجرد أن يُطالب بالمبادرة فهذا لا يدل على إسقاط.
سراية القَوَد غير مضمونة، ويش معنى سراية القود؟ سراية القود يعني القصاص غير مضمونة؛ بمعنى أنك لو اقتصصت من الجاني، وسرى ذلك إلى ما هو أعظم فإنه لا يُضمن، مثاله؟ طالب: (... ). الشيخ: مثل رجل قطع إصبع إنسان، ثم قطعنا إصبع الجاني، ثم إن الجاني مات بهذا القطع يضمن ولَّا ما يضمن؟ لا يضمن، لماذا؟ لأن هذا القصاص بحق ولَّا بغير حق؟ بحق، فهو مأذون فيه شرعًا.
ومن القواعد المقررة فقهًا: ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، كما أن عكسها ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون، على هذا نقول: سراية القوَد غير مضمونة، لماذا؟ لأنها بحق؛ لأن القود بحق، فهو مأذون فيه، وما ترتب على المأذون فليس بمضمون إلا أن يستقيد في حال لا يجوز الاستيفاء فيها.

معلوم إذا استقاد في حال لا يجوز الاستيفاء فيها صار ذلك عدوانًا فيُضمن ما ترتب عليه، مثال ذلك: قيل: إن هذا الجاني مريض، لا يحتمل أن يُقتص منه الآن، وأنه إن اقتُص منه صار خطرًا عليه، فلَزَّم المجني عليه أن يُقتص منه فاقتُص منه في هذه الحال، ففيه ضمان ولَّا لا؟ فيه ضمان، لماذا؟ لأنه في هذه الحال ما يجوز أن يُقتصَّ منه.
طالب: (... ) المجني عليه.
الشيخ: قصدي إذا فعل، لو فرضًا أنا ما مكناه، لكن هو ذهب واقتص لنفسه فإنه يضمن، كذلك مثلًا لو فرض أنه يقول الفقهاء: إنه إذا كان في شدة حر فالقصاص خطر، ولعل هذا في زمنهم؛ حيث لا يمكن توقف الدم، أما الآن فالأمر بالعكس، ولكن القاعدة هو إذا استقاد في حال لا يجوز الاستيفاء فيها؛ فإن سراية القود مضمونة، والعلة؟ طالب: (... ). الشيخ: إذا صار بحق ما يُضمن.
طالب: لأن الاستيفاء غير مأذون فيه.
الشيخ: لأن الاستيفاء في هذه الحالة غير مأذون فيه، فيكون عدوانًا، وما ترتب على العدوان فإنه مضمون.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، معناه يمتنع عن القصاص، يسقط القصاص، وتجب الدية، الديات أولًا.. طالب: شيخ، لو أن المجني عليه مات من (... ) يقتل؟ الشيخ: إي نعم، يُقتل.
الطالب: (... ). الشيخ: إي، يُقتل قتلًا.
الطالب: خطأ ما هو بفعل (... ). الشيخ: لكن هو ما سبق لنا أنه إذا جرحه فإنه يكون عمدًا، وطبعًا إذا قطع شيئًا بيصير يجرحه بكل حال، إذا قطع عضوًا فإنه بيجرحه بكل حال.
طالب: (... ) أن الديات الموضحة والهاشمة ثابتة بالنص.
الشيخ: إي، ثابتة بالنص، وسيأتي إن شاء الله الآن ذكره.

﴿كتاب الديات﴾

مدخل

أولًا: الديات جمع دِية، وهي المال المدفوع لمجني عليه أو وليه.
طالب: اللي يقتاد ليس المجني عليه (... ) الحاكم؟ الشيخ: لا، الذي يتولى القصاص في النفس من له الحق، وفي الطرف قال الفقهاء: لا يتولاه إلا الحاكم؛ لأنه إذا تولاه المجني عليه لا يُؤمن أن يحيف، ولَّا لا؟ يمكن يقول له: اقطع من الكف (... ) يجيب السكين من ورا، هو ما يُؤمن؛ لأنه موغر على هذا الجاني، أما في النفس فهو مهما كان الموت هو الغاية، فهم يقولون: في النفس: يُستوفى من أولياء المقتول، اللي يستوفيه أولياء المقتول، أما في الطرف فإن الذي يتولاه الحاكم.
والمسألة -إن شاء الله- فيها نظر؛ لأن حقيقة أن استيفاء الحاكم لا يُذهب ما في قلب المجني عليه، ما يشفي صدره إلا إذا فعل هو.
طيب فيه مسألة نبحث فيها الآن، وهي هل يجوز أن نبنج الجاني عندما نريد أن نقتص ولَّا ما يجوز؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: إي، ما يجوز.
طالب: إذا رضي؟ الشيخ: إلا إذا رضي لا بأس؛ لأنه إذا رضي من له الحق فلا حرج، لكن لو قال: لا، أنا ما بدكم تبنجونه؛ لأنه إذا بنجناه ما (... ) الألم، فإنه ما يريد أن يبنج.
أولًا: الدية ويش قلنا؟ الديات جمع دية؛ وهي المال المدفوع إلى مجني عليه، أو وليه بسبب الجناية، إلى مجني عليه إن كان حيًّا أو إلى وليه إذا كان مات.
طالب: بالنسبة لتخدير (... )، هل الغاية هي القطع ولَّا الغاية هي الألم؟ الشيخ: الغاية أن يُقتص منه.
الطالب: (... ) الألم بإمكانهم يحصل له بطريقة أخرى بغير قطع؟ الشيخ: كيف؟ أن يُقتص منه، هو فعل بالمجني عليه أمرين؛ قطع العضو وآلمه، إحنا نقطعه ونؤلمه.
تلزم الدية كل من أتلف إنسانًا بمباشرة أو سبب غير مأذون فيهما، هذا ضابط عام، كل من أتلف إنسانًا وطبعًا معصومًا؛ لأن غير المعصوم هدر، كل من أتلف إنسانًا -ولو قيدته لكان أحسن علشان ما يغم عليكم- كل من أتلف إنسانًا معصومًا بمباشرة أو سبب غير مأذون فيهما.

قولنا: (كل من أتلف)، لا فرْق بين أن يكون المتلِف بالغًا أو صغيرًا، عاقلًا أو مجنونًا، مريدًا أو غير مريد، يعني عامدًا أو مخطئًا.
وقولنا: (بمباشرة).
المباشرة أن يأخذ الآلة فيقتله، هذه المباشرة، أو سبب، يكون ما أراد القتل، ولا تسبَّب، ما باشر، لكن فعل ما يموت به، مثل: حفر خندقًا في طريق الناس، فجاء رجل فسقط به فمات، يضمنه ولَّا لا؟ يضمنه، ومثله أيضًا البلَّاعة في السوق وغيره، أو وضع عتبة في السوق؛ فإنه إذا عثر بها إنسان ومات فعليه الضمان، أو انكسر فعليه الضمان؛ لأن العَتب ما يجوز إخراجه على الشارع إلا إذا كان الشارع غير مسلوك فلا حرج، أو كانت العتبة لا تؤذي مثل لو كان إن الجدار سميك، وحط العتبة على حافة الجدار بمعنى أنها ما تعدت إلى السوق، فهذه ما تؤذي.
طالب: أو شارع وسيع؟ الشيخ: على كل حال عند أهل العلم لا يجوز مطلقًا سواء كان واسعًا أو غير واسع، حتى إن بعض العلماء يقول: ما يجوز تزيد في شباعة الحائط، تعرفون الشباعة؟ التلييس، ما يجوز تزود التلييس؛ لأنك تضيق الشارع، أما الآن -أعوذ بالله- بعض الناس يحط سلمًا في السوق يكون خمس ست درجات، هذا حرام، ولا يجوز أيضا للمسؤولين في البلديات أن يمكنوا هذا، يقال له: إذا كان بيتك رفيعًا عاليًا فاجعل الدرج هذا داخل البيت كما يوجد بعض الناس رأيناهم -جزاهم الله خيرًا- يجعلون الدرج في داخل البيت حتى لا يضعوا شيئًا في مكان لا يحل لهم.

وقولنا: أو سبب غير مأذون فيهما، أما إذا أُذِن فيهما، فهل يلزمه الضمان؟ ما يلزمه، فلو أن إنسانًا قتل شخصًا قصاصًا يضمنه ولَّا لا؟ ما يضمنه مثلًا إنسان قتل شخصًا وهو طبيب يعالجه، طبيب ماهر ما جنت يده ولا شيء، يضمن ولَّا ما يضمن؟ ما يضمن، أما إذا كان غير ماهر، وإنما يتطبب بالناس، أو كان ماهرًا، لكن لم يصف الدواء للمريض وصفًا يسلم به من الموت؛ فإنه يضمن، مثلما يقال: واحد أعطى بدويًّا حبوبًا -تُذكر هذه عند الناس ما أدري هي صحيحة ولَّا لا- وقال له مثلًا: أنت الآن مريض، خُذْ بين كل ست ساعات حبة، فالبدوي يقول: ما دام هذه باخدها من ست ساعات، تبقى ثلاثة أيام أبغي آخذهم جميعًا الآن أسرع للشفاء، يقول: أكلهن جميعًا فمات، هل هنا يضمن الطبيب ولَّا ما يضمن؟ طلبة: لا يضمن.
طالب: إن كان فهمه يا شيخ.
الشيخ: إن كان هو فهمه ما يضمن، لكن إن كان ما فهمه فإنه يضمن.
طالب: واضحة يا شيخ.
الشيخ: لا، ما هي واضحة، هي واضحة عند واحد والثاني، لكن عند بدوي ما يعرف، ولهذا فهِم هذا البدوي، هل هو أكلها ليموت؟ أبدًا أكلها لأجل يتعجل الشفاء، فمثل هذا يجب أن يُفهَّم؛ ولذلك من الخطأ العظيم الحقيقة الآن، ومع الأسف الشديد أنه ليس هناك أحد من المسؤولين يتنبَّه لضرر الناس، تجد وصفة الطبيب ويش فيه؟ باللغة الإنجليزية.
هل الآن شعبنا نصفهم يعرفون اللغة الإنجليزية؟ ولا ربعهم، ولا عشيرهم، واللي يعرف منها بعض الحروف لا يعرف الكلام المركب، ولا المصطلحات العلمية؛ لهذا أنا أعتبر أن المسؤولين في وزارة الصحة مقصرون جدًّا، وأنه يجب ألا تُعطَى الأوصاف هذه، أو التذكرات اللي فيها الأوصاف إلا بلغة يفهمها الإنسان.

الله تبارك وتعالى عالج المرضى بلسانهم، كل وصفة يجعلها الله تعالى بلسان هذا المعالَج ولَّا لا؟ لأن الله يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4] فأهل الجاهلية، وأهل الشرك مرضى ولَّا لا؟ دواؤهم بأي شيء؟ بالوحي، وصف الدواء بالكتب المنزلة، الكتب المنزلة بأي لغة؟ بلغة القوم المرسل إليهم، إذن كيف نحن نجعل هذه الوصفات بلسان غير عربي ولا مبين، ونسلمها لرجل عربي؟ هذا خطأ عظيم؛ ولذلك نرى أنه لو يترتب خطأ من اللي أُعطِي الوصفة بناءً على هذا، فإن الدكتور يضمن، وهذا -في الحقيقة مع الأسف الشديد- أنه مركب نقص في المسلمين وفي العرب حتى التذاكر الآن بالطائرات يعطونها باللغة الإنجليزية؛ يعني التذكرة اللي في جيبك الآن ما تدري هي لك ولَّا لغيرك! صحيح، هذا من التقليد اللي يدل على ضعف ونقص، لماذا لا نقول: يجب أن يكون كل شيء باللغة العربية ما دمنا عربًا، كل شيء يقدم لنا للعامة يجب أن يكون باللغة العربية؟ ولكن -مع الأسف- مركب النقص مرض أشد من مرض السرطان ما يزول أبدًا إلا إذا مات من أصيبوا به، ونشأ الجيل نشأً جديدًا.
طالب: بالنسبة لموضوع العتبات، إذا كان أهل البلد (... ) على ها الشيء وكل بيت يضع له (... )؟ الشيخ: إذا كانوا متعارفين على هذا يُنظر هل تضر الناس ولَّا ما تضر؟ هل تضرهم أو ما تضرهم؟ إذا كان تضرهم يجب أن تُمنع، وإذا كان ما تضر فلا بأس (... ). قال: ففي العمْد، وكذلك أيضًا السبب غير مأذون فيه لو كان للإنسان بئر في بيته، وجاء إنسان مثلًا للبيت وسقط فيها؛ فإنه لا ضمان عليه.
قال: (ففي العمد تجب في مال الجاني حالة)، وقد عرفتم أنه بالعمد يجب القصاص ويش بعد؟ أو الدية، إذا حصل القصاص فالأمر واضح، ما فيه دية، إذا اختار أولياء المقتول الدية فإن الدية تجب على مَن؟ على الجاني حالَّة غير مؤجلة.

في مال الجاني؛ لأنها عوض نفسه، فلا تجب على العاقلة، وحالَّة؛ لأن جنايته لا تحتمل الرأفة؛ حيث إنه كان متعديًا، فلا تحتمل الرأفة أن تُؤجل عليه، فتجب في مال الجاني حالة، وقد سبق لكم أيضًا أنها تكون مُغلَّظة ولَّا مخففة؟ مغلظة.
أما إذا كانت في شِبه العمد وفي الخطأ فإنها تجب على عاقلته مؤجلة بثلاث سنين، أما وجوبها على العاقلة فهي في قصة المرأتين اللتين اقتتلتا من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدية على عاقلتها، وورَّثها ولد المقتولة ومن معه قضى بالدية على عاقلتها (9). وهذا نص صريح في أن شبه العمد يجب على العاقلة.
الخطأ من باب أولى؛ لأن الخطأ لم يقصد الفاعل فيه الجناية، وشبه العمد قصد فيه الجناية ولَّا لا؟ قصد، لكن بغير ما يقتل، فإذا كان شبه العمد تجب على العاقلة بنص الحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالخطأ من باب أولى، وأما تأجيله بثلاث سنوات، فهذا مروي عن عمر رضي الله عنه؛ أنه أجله على العاقلة ثلاث سنوات (10)، لكن هل هذا التأجيل قضية عين أو هو رأي؟ يعني فرق بين الرأي الذي يعتبر قولًا، أو بين الحكم في قضية معينة قد يكون لها أسباب وموجبات لا توجد في كل قضية، الفقهاء رحمهم الله يرون أنها رأي وليس حكمًا في قضية، وشيخ الإسلام يرى أنه حكم في قضية له أسبابه وموجباته، وأن القاضي إذا رأى ألَّا تؤجل فله ذلك، والحديث الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام -كما سمعتم- ليس فيه تأجيل، بل هو مطلق، وليس فيه تأجيل، والوارد عن عمر ما دام محتملًا لأن يكون حكمًا في قضية أو رأيًا رآه فإننا لسنا مُلزَمين بالأخذ به، لا نُلزم بالأخذ به نظرًا إلى الاحتمال، وأيضًا معنا، ويش معنا ظاهر؟ ظاهر الحديث حيث لم يُؤجِّله الرسول عليه الصلاة والسلام على العاقلة.

على هذا الرأي نقول: إن التأجيل بثلاث سنوات ليس بلازم، وإنما يُرجع في ذلك إلى أي شيء؟ إلى اجتهاد الحاكم اللي بيحكم بالدية، فإن رأى من المصلحة التأجيل كما لو كان العاقلة فقراء أو أحوالهم لا تتحمل أن يُسلِّموا من أول سنة فله أن يُؤجِّل بل فعليه أن يؤجل وإلا فلا يؤجل؛ لأن الأصل أن هذا الحق ثابت حالًّا ولَّا مؤجلًا؟ حالًّا.
الخلاصة يا جماعة، الآن دية العمد على مَنْ؟ على الجاني حالًّا، عليه؛ لأنها عِوض نفسه، حالَّة؛ لأن جنايته لا تحتمل الرأفة، أما شبه العمد والخطأ فعلى العاقلة، الدليل على ذلك: ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة المرأتين من هُذَيل فإنه قضى بالدية على العاقلة، فإذا كان هذا في شبه العمد فالخطأ من باب أوْلى؛ ولأن المخطئ أو المتعمد شبه عمد محل للرأفة؛ لأنه ما قصد الجناية التي تُوصل إلى القتل، فكان محلًّا للرأفة، الكفارة في شبه العمد والخطأ على مَنْ؟ طالب: على العاقلة.
الشيخ: لا، الكفارة على الجاني؛ لأنها فداء نفسه، كما قال الله عز وجل: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 92] واللي بيؤزر العاقلة ولَّا هو؟ هو.
طالب: تحديد العاقلة؟ الشيخ: العاقلة بيجينا إن شاء الله.
وهي -أي الدية- مئة بعير، أو مئتا بقرة، أو ألفا شاة، أو ألف مثقال ذهبًا، أو اثنا عشر ألف درهم فضة، والخيار لمن تلزمه كم دول؟ خمسة أنواع: الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، أنواعها خمسة، من الإبل مئة بعير، كم توزع عليهم مئة بعير؟ طالب: إذا كان عمدًا.
الشيخ: إذا كان عمدًا أو شبه عمد على أربعة أصناف، وإذا كان خطأ فعلى خمسة أصناف، مئتا بقرة ثنية أو مُسنَّة، ألفا شاة ثنية، أو جذعة إذا كان من الضأن، ألف مثقال ذهبًا معروفة، وتعرفون أن الدينار الإسلامي زنته مثقال من الذهب؛ ولهذا في حديث عمرو بن حزم: «وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ» (11).

اثنا عشر ألف درهم فضة، والدرهم الإسلامي كم زنته؟ سبعة أعشار مثقال، نحن إذا أردنا أن نحوِّل الفضة الآن إلى الدراهم السعودية (... ) نقول: كل مئتين بستة وخمسين ريال، كل ألفين خمس مئة وستين، اضرب خمس مئة وستين في ستة.
طلبة: (... ). الشيخ: لا تختلفوا؛ لأن هذه ما تحتاج إلى اختلاف.
طالب: ثلاثة آلاف وثلاث مئة وستون.
الشيخ: بالاتفاق، ثلاثة آلاف وثلاث مئة وستين، هذه الدية باعتبار الدراهم السعودية، لكن الآن نجد أنها مئة ألف، وأنها كانت أربعين ألفًا، وكانت قبل ذلك دون هذا، فما هو السبب أننا عدلنا إلى ذلك؟ السبب لأن الناس يمشون على القول الراجح، وهي أنها الإبل فقط؛ ولذلك القول الصحيح أن الدية مئة من الإبل، وأن ما ورد من الآثار عن بعض الصحابة في البقر والشياه والمثاقيل والدراهم إنما هو تقويم؛ يعني أنهم جعلوا ذلك؛ لأنه يُقابل مئة بعير، لكن أخذوا من أهل البقر بقرًا، ومن أهل الغنم غنمًا، ومن أهل الدنانير دنانير ذهب، ومن أهل الدراهم فضة، أخذوا ذلك تسهيلًا عليهم بدل ما نلزم صاحب البقر أن يبيع البقر، ويروح يشتري إبلًا، نقول: أعطنا بقرًا، وكذلك بالعكس.
إذن على هذا الرأي يقولون: إن الأصل هو الإبل، ويدل لذلك أن جميع الديات التي دون النفس تُقدر بالإبل؛ الموضحة خمس من الإبل، وهكذا كما سيأتينا إن شاء الله كلها مُقدَّرة بالإبل؛ فدل ذلك على أن الأصل هو الإبل.
إذن على أي شيء نحمل ما ورد عن الصحابة؟ نحمله على أنه تقويم؛ أنهم قوَّموا مئة بعير مثلًا بمئتي بقرة وبألفي شاة، لكن من عنده بقر أخذوا منه بقرًا، ومن عنده غنم أخذوا منه شياهًا، وهكذا.
طالب: بس من الواقع يعني (... )؟ الشيخ: الواقع أن القيمة تختلف، لكنهم يقولون: إن مراعاة القيمة كل سنة صعب، هو كل ما اختلفت القيمة اختلافًا بينًا رفعوا من الدية أو نقصوا، فمثلًا صحيح الآن أنا سمعت أن الإبل لو قُدِّرت الآن كانت تبلغ أكثر من مئة ألف.
طلبة: مليون.

الشيخ: لا، ما تبلغ مليونًا، يعني خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، هذه يقولون: لو قوَّمناها الآن لكانت تسوى أكثر من مئة ألف.
طالب: يمكن مئتي ألف على الأقل.
الشيخ: يمكن مئتي ألف على الأقل، وليتهم يجعلونها مئتي ألف الآن، هم الواجب عليهم أنه كلما تغير السعر؛ لأن تغير السعر هذه السنة تغيرًا بالغًا؛ يعني تُباع البعير بسبعة عشر ألفًا وخمسة عشر ألفًا بدل ما كان.. طالب: (... ) ستين ألفًا.
الشيخ: لا، دعنا من الشيء الخارج عن العادة، بِيعت إلى مئة ألف، أنا حدثني إنسان يقول: راح بإبل أربع إلى الرياض، ولما وقف جاه واحد من الناس الأثرياء، وقال: بعهن عليَّ، قال: (... ) الثنتين من مئة ألف، وها الثنتين من ثمانين ألفًا، فأنا مشيت معك، وإلا ترى إن نزلت ما راح أبيع (... ) قال: يلَّا، شغل (... ) وامشِ، شرى منه أربع بكم؟ ثلاث مئة وستين ألفًا.
فعلى كل حال يجب أن يلاحظ هذا الأمر خصوصًا وأن الناس الآن تهاونوا في مسألة القتل، والعياذ بالله، في الحوادث وغيرها، نسمع عن بعض المجانين يقول: أنا ما يهمني إذا دعست واحدًا؛ لأن الدية موجودة بالدرج، أعوذ بالله! ! هذا يجب أنه يغلظ عليهم، كل ما كان أغلظ فهو أولى في الوقت الحاضر.
والراجح أنها الإبل فقط، وهذا القول هو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصحيح، الصحيح أنها من الإبل.

باب مقادير ديات النفس

(وتُغلظ في قتل العمد وشبهه، فتجب أرباعًا من بنات المخاض، وبنات اللبون والحقاق والجذعات) يعني من كل صنف خمس وعشرون، وتخفف في الخطأ فتجب أخماسًا ثمانون من هذه الأربعة، وعشرون من بني مخاض.

هذه الدية يقول: (دية الحر المسلم) الحر ضده من؟ العبد.
(المسلم) ضده الكافر.
إذن دية الحر المسلم على المذهب خمسة أنواع: إبل، وبقر، وغنم، وذهب، وفضة، وعلى القول الراجح إبل فقط، ثم الإبل فيها هذه الأصناف الأربعة في شبه العمد والعمد، والخمسة في الخطأ.
(والأنثى نصفه) دية الأنثى نصف، وكل هذا موجود في حديث عمرو بن حزم.
(الأنثى نصفه) على هذا تكون خمسين بعيرًا ومئة بقرة إلى آخره إذا قلنا بأن الدية أنواع.
يقول العلماء: إلا فيما دون ثلث الدية فإنهما سواء، مثلًا الأصابع في العشرة دية كاملة، في كل واحد عشر من الإبل، فمثلًا في إصبع المرأة الواحدة عشر.
طالب: (... ). الشيخ: لا، ما دون الثلث هما سواء، في الإصبع الواحدة عشر، وفي الاثنين عشرون، وفي الثلاثة ثلاثون، وفي الأربعة؟ عشرون إي نعم.
يقول بعض السلف: عظمت مصيبتها فقلَّت ديتها.
إذا قُطع منها ثلاثة فلها ثلاثون، وإن قُطع أربعة فلها عشرون، ما رأيكم واحد قال: إذن ما دام لما قطعت ثلاثة عليَّ ثلاثون أبغي أقطع الرابع لأجل يصير عليَّ عشرين، إذا فعل هذا نقطع أصبعه المقابل للرابع، ليش؟ لأنه قطعه عمدًا، ونقول: عليك ثلاثون؛ فالحيلة إذن ما تنفع ولَّا لا؟ يعني لو جه إنسان فقيه دارس في الفقه، ويقول: إن المرأة دية الأربع أصابع عشرون بعيرًا، ودية الثلاثة ثلاثون بعيرًا، فإذا قُدِّر أني قطعت خطأ ثلاثة أصابع فعليَّ ثلاثون بعيرًا، إذن أقطع الرابع لتكون الدية عشرين، قلنا: هذا لا يمكن؛ لأن قطع الرابع عمدًا عدوان فيه القصاص، ودية الثلاثة الباقية ثلاثون بعيرًا، إذن الأنثى نصف ليت أني كتبت في ثلث الدية فأقل.
طالب: (... ). الشيخ: موجود؟ طالب: (... ). الشيخ: ذكر كلام، بس خلاص اتركوه، نعم صح، إي نعم موجودة صحيح.
طالب: موجود أن المرأة (... ). الشيخ: إي نعم، نفس الشيء مثل الرجل.
طالب: (... ). الشيخ: خمس بعير، حط بدل خمس وعشرين اثني عشر ونص.
طالب: (... ).

الشيخ: إي نعم، بالتقويم اثنا عشر واضح، وهذا بالتقويم.
قال المؤلف: (والكتابيون على النصف من ذلك) (الكتابيون) يعني اليهود والنصارى (على النصف من ذلك) أي من دية الحر المسلم، تكون الدية في ذكورهم خمسين بعيرًا، وفي إناثهم خمسًا وعشرين بعيرًا.
(والمجوسيون ونحوهم ممن عدا الكتابيين) كل من عدا الكتابيين (ثمان مئة درهم إسلامي ونساؤهم على النصف) (ثمان مئة درهم إسلامي) تقابل مئتين وأربعة وعشرين ريالًا.
(ونساؤهم على النصف) كم يصير؟ مئة واثني عشر، مئة ريال واثني عشر ريالًا، ولا قيمة سخلة، ولكنهم شر الدواب عند الله، لا يوجد أحد أخبث عند الله من الكافر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 6] شر الخلائق كلها عند الله الكفار، ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: 55] يعني حقيقة أن البهائم خير منهم عند الله، وعند المسلمين أيضًا، لكن لولا أنهم ذوو عهد أيضًا لكان ما يُضمنون أبدًا بأي دية، يعني لو كانوا حربيين ما ضُمنوا، والكلام هنا على المعاهَد والمستأمِن والذمي.
(ثمان مئة درهم) قلنا: إنها تبلغ مئتين وأربعة وعشرين، كيف ذلك؟ لأن كل مئتي درهم حسب التحرير من أجل نصاب الفضة، تحرينا من أجل النصاب كل مئتي درهم يبلغ ستة وخمسين ريالًا، فعلى هذا ثمان مئة اضرب ستة وخمسين في أربعة، كم يبلغ؟ مئتين وأربعة وعشرين (ونساؤهم على النصف) مئة واثنا عشر (ودية القني).. هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
مُسلمًا أو غير مسلم.
ديته قيمته؛ لأن القِن يجري مجرى الأموال؛ ولهذا يُباع ويُشترى، فعلى هذا تكون قيمته هي ديته.

لو فُرض أنه سيكون أكثر من دية المسلم، لو كانت قيمته أكثر من دية المسلم تكون ولَّا لا؟ لو فُرض هذا العبد يساوي ما هو مئة بعير، يساوي ألف بعير تكون ديته، ولو فرض أنه لا يساوي إلا عشرة دراهم تكون ديته، وعلى هذا فيكون القن ديته قيمته.
ولاحظوا النظام الكافر الفاجر الآن يرون أن الإنسان، ولو كان حُرًّا ديته قيمته، يقولون: ما يمكن نساوي بين إنسان مهندس في عالم الذر وإنسان كناس في البلدية مثلًا، هذاك رجل له قيمته، فيجب أن تكون ديته أعلى، وأما الآخر فليس له تلك القيمة، فيجب أن تكون ديته أنزل، فجعلوا الأحرار جعلوهم عبيدًا، دياتهم قيمتهم.
ولا شك أن هذا حكم ظالم جائر باطل؛ لأنه يخالف حكم الله ورسوله، ولا فرق في هذا بين أن تكون هذه الدية في النفس كلها أو في الأعضاء؛ لأنه يوجد الآن بعد يُفرِّقون بين ديات الأعضاء، فمثلًا جاءت السنة بأن الأصابع سواء الإبهام والخنصر سواء، وأيهم أعظم نفعًا؟ طالب: الإبهام.
الشيخ: الإبهام ولَّا الخنصر؟ طلبة: الإبهام.
الشيخ: أكيد ولَّا فيه إشكال؟ بس أيهم أعظم نفعًا؟ ما أنا بقول: هل به نفع؟ طلبة: الإبهام.
الشيخ: الإبهام يقابل الأربعة في الحقيقة، ولهذا جُعل إمامًا معهم في الصف، وحده، هذا يقابل كل الأربعة؛ ولذلك عند القبض لو ما يجده يقبض معهم يقابلهم سقط اللي بيدك، لكن الخنصر ويش عمله؟ بسيط عمله بالنسبة للإبهام، وهما سواء، أما الأنظمة البالية الزائغة فيقول: لا، ما يمكن يستوي الإبهام والخنصر، إذا جعلت الخنصر له خمس من الإبل مثلًا أو عشر من الإبل فاجعل هذا له ثلاثين من الإبل أو أربعين ما يمكن يصرن سواء.

كذلك الأسنان في الشرع ديتها سواء، الضرس والسن واحد، هم يقولون: لا يمكن يكون الضرس والسن واحدًا، لا بد الدية على قدر، شو على قدره؟ على قدر المنفعة، ولكن هذا كله حكم باطل، والإنسان الذي يقدمه على حكم الله ورسوله يكون كافرًا الذي يجعله نظامًا يقدمه على حكم الله ورسوله يكون قد رضي بحكم غير حكم الله، وجعله هو شريعته ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85].
والحاصل أن الإسلام لا يفرق في الدية بين الإنسان الذي له قيمته في المجتمع وبين الإنسان الذي ليس له قيمة حتى الطفل الذي ما بعد تم له يوم واحد هو والشاب الذي له ثلاثون سنة بمنزلة واحدة.
طالب: يا شيخ، كيف يجاب عن (... )؟ الشيخ: يُجاب عن تعيُّن هذا بأن هذا توقيف من الشرع.
الطالب: يعني الحكمة ليست معلومة.
الشيخ: لا، ما هي مادية، هي المسألة ما هي بمادية محضة، وإنما هي شيء من الشرع موقَّت؛ ولهذا لو قلنا بأنها مادية وحدها كان نقول: الديات في كل مكان، وحتى في الأنفس تكون بحسب القيمة، ولكن الله فضل الإنسان الحر، ما جعله بمنزلة البهيمة يُباع ويُشترى، ولا يقصد به المال أيضًا، الإنسان لا يُقصد به المال حتى يُقوَّم به.
قال: (ودية القن قيمته، ودية الجنين عُشْر دية أمه) (الجنين) الحمل في البطن ديته عشر دية أمه، من أي الأصناف كان سواء من المسلمين أو من الذميين أو من غيرهم.
(عُشْر دية أمه) فإذا كان من حرة مسلمة فديته خمس من الإبل، والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ديته غرة؛ وهي عبد أو وليدة، ومعلوم أن العبد أو الوليدة تختلف قيمهما في كل زمان ومكان بحسبه، فإذا قُدِّر أن الغُرَّة اللي هي عبد أو وليدة تساوي عُشْر الدية، خمسًا من الإبل، فالأمر ظاهر، لكن لو قُدِّر أن الغُرَّة تساوي أكثر من خمسة من الإبل، فهل نأخذ بها أو بخمس من الإبل؟

المذهب يؤخذ بخمس من الإبل، وجعلوا الغرة هذه مربوطة بهذه القيمة، ولكني حتى الآن ما وجدت لهم دليلًا، إنما لا شك أن الأولى الأخذ بما دل عليه النص ما لم يُوجد دليل يمنع الأخذ بظاهره، وأنا راجعت ما عندي من الكتب ولا وجدت فيه دليلًا ولا تعليلًا، صحيح أنه قول جمهور أهل العلم أنه عُشر دية أمه، لكن أنه يُعدل عن الغرة، هذا ما وجدت فيه دليلًا، فيه آثار أن الغرة هي الفرس، وإذا جعلناها فرسًا فالمسألة تهون، لكن إذا جعلناها عبدًا أو وليدة، ويقولون: إن عبد أو وليدة إنه تفسير من الراوي، ولكن حتى لو كان تفسيرًا، فالصحابي لا شك أنه أعلم بمقاصد الرسول عليه الصلاة والسلام ممن بعده.
على كل حال، أنا كتبت لكم هذا بحسب المشهور من المذهب؛ أن الواجب في الأجنة عُشْر دية الأم سواء كان ذلك من المسلمين أو غيرهم، الجنين إذا كان من أمة، فما ديته؟ عُشْر القيمة، عُشْر قيمتها، بأن يقال: هي امرأة تُساوي مثلًا عشرين ألفًا، تكون دية جنينها ألفين، تكون ألفين، وبعضهم يرى أن دية جنين الأمة مقدار ما نقص من قيمتها بأن تُقَوَّم وهي حامل، ثم تُقوَّم خالية من الحمل، فما بينهما فهي دية الجنين، قالوا: هذا هو القياس الصحيح؛ لأن البهيمة إذا أسقط أحد حملها وجب عليه ما بين القيمتين؛ يعني مثلًا إنسان جنى على شاة فأسقط حملها، كيف يضمنه؟ تُقوَّم الشاة حاملًا، وتُقوَّم غير حامل، فما بين القيمتين فهو قيمة الحمل، قالوا: فالقياس إذن يقتضي أن تكون دية جنين الأمة ما بين قيمتها حاملًا وغير حامل.
(وديات الأعضاء بحسبها، ففي ما في الإنسان منه واحد الدية كاملة كالأنف) اللي في الإنسان منه واحد فيه الدية كاملة، ولكن قبل أن نشرع بالأعضاء نحب أن نذكر قاعدتين مهمتين؛ القاعدة الأولى: كل عضو أشل فليس فيه دية، بل حكومة، إلا الأنف والأذن، هذه واحدة.

الثانية: كل من جنى على عضو فأذهبَ منفعته فعليه دية ذلك العضو إلا الأنف والأذن -قصدنا أشله- كل من اعتدى على عضو فأشله فعليه ديته، إلا الأنف والأذن، حطوا بالكم من القاعدتين؛ القاعدة الأولى: كل عضو أشل فليس له دية بل حكومة، إلا الأنف والأذن.
وكل من جنى على عضو فأشله فعليه ديته إلا الأنف والأذن.

باب ديات الأعضاء ومنافعها

نرجع الآن إلى مقدار ديات الأعضاء، ما في الإنسان منه واحد ففيه الدية مثل الأنف، فيه مثال آخر؟ اللسان، والذَّكَر، والرأس، لكن أظن إذا راح الرأس راح الإنسان، يكون قتْل نفس كاملة.
ذكرنا الأنف واللسان والذَّكَر.
طالب: العين إذا كان ليس له إلا واحدة.
الشيخ: لا، ثانيًا يقول: (وفيما فيه اثنان نصف الدية كالعين).
يقول: يستثنى من ذلك في الحاشية عين الأعور، ففيها دية كاملة؛ لأن قلعها يؤدي إلى فوات حاسة البصر.
فيه غير العين، فيه اثنان؟ الأذن، واليدان، والرجلان، والثندؤتان والشفتان.
طالب: الحاجبان.
الشيخ: لا، حاجبيه ما هي من الأعضاء.
طالب: الخصيتان.
الشيخ: إي نعم، صحيح، والخصيتان.
الذَّكَر وأشياء ما حاجة.. واضحة.
في ما فيه ثلاثة ثُلث الدية، كالمِنخر، فهما منخران، والحاجز بينهما، يعني مارن الأنف يشتمل على منخرين وحاجز، إن قطع منخرًا فعليه ثلث الدية، والمنخران ثلثان، فإن قطع الحاجز معهما فعليه دية كاملة.
هل يمكن يقطع الحاجز بينهما دونهما؟ الظاهر ما يستقيم إذا قطع الحاجز بينهما ما يستقيم، فهنا لا شك انه يجب عليه الدية كاملة؛ لأنه بالضرورة ما يستقيم إلا على حاجز، فإذا قطعه بيتدلل ولا يستفاد منه، إن أمكن أن يبقيا بدون حاجز، مثل لو أُجري له عملية مع أن العملية بعد الجناية ما تعتبر شيئًا، إن أمكن فيمكن أن نقول: إذا أتلف الحاجز بينهما فقط فعليه ثُلث الدية.

(فيما فيه أربعة رُبع الدية) كالجفن للعين فيه أربعة أجفان، أعلى وأسفل لكل عين، الجميع أربعة، أربعة أجفان للعينين.
هل يوجد غير ذلك فيما في الإنسان منه أربعة؟ طالب: القوائم يا شيخ.
الشيخ: لا، القوائم ثنتان، يدانِ ورجلان، الظاهر ما أستحضر أنا شيئًا غيره.
(فيما فيه عشرة عُشْر الدية كالأصبع) الأصابع عشرة، في اليدين عشرة، وفي الرجلين عشرة، ففي أصابع اليدين الدية، وفي أصابع الرجلين الدية، وفي كل واحد عُشْر الدية.
في الإصبعين؟ خُمس الدية، وفي ثلاثة خُمْس عُشْر، وهكذا، وتتساوى المرأة.
طالب: إذا قطع أصابع اليدين والرجلين.
الشيخ: إي نعم، عليه ديتان.
الطالب: ديتان.
الشيخ: إي نعم، عليه ديتان، ولذلك يمكن الإنسان يضمن وهو حي بعشر ديات.
طالب: الأنف مثلًا (... )، ما يتعدى إلى الأنف.
الشيخ: نفس الأنف، الأنف قصبة ومارن.
الطالب: (... ) دية كاملة؟ الشيخ: هو الآن إذا قص المنخرين والحاجز يجب عليه دية كاملة.
الطالب: (... ). الشيخ: لا، ما يتعدى للأنف.
الطالب: يشوه.
الشيخ: التشويه صحيح يُشوِّه، لكن لا بد من هذه، كل الجنايات بتشوه، أي عضو يُفقد من الإنسان بيكون تشويهًا إلا ما يمكن ستره، لا بد يكون تشويه، حتى اليد مثلًا لو قُطع أصبع من الأصابع اليد تكون متشوهة.
طالب: (... ) ست أصابع (... ) يقطع واحد.
الشيخ: الزائد هذا فيه حكومة؛ لأنه ما هو بأصل.
يقول: (وتتساوى المرأة والرجل فيما يُوجِب أقل من ثُلث الدية، ففي ثلاثة أصابع منها ثلاثون بعيرًا، وفي أربعة عشرون بعيرًا) هي المسألة مذكورة اللي ذكرناها قبل.
(وديات الحواس والمنافع بحسبها؛ ففي السمع الدية كاملة) واحد جنى على شخص، فأذهب سمعه يجب عليه دية كاملة، لكن لو قال الجاني: إن سمعه لم يذهب، وادعى المجني عليه أن سمعه ذهب، وبدأ كل ما كلمناه يقول: ها ويش تقول (... )؟ فما رأيك ويش نسوي الآن؟ لأن السمع ما هو بشيء ظاهر بحيث نعرف أنه موجود ولَّا غير موجود.
طالب: الطبيب.

الشيخ: الطبيب ما يدري، ما يُفرِّق، لكن يقولون: إنه يُغتفل، ويُصاح به، يعني يُؤتى من قفاه ويصيحون: إن التفت فمعناه أنه يُسمع.
طالب: (... ). الشيخ: (من جنى على عضو فأشلَّه ففيه دية ذلك العضو إلا الأنف والأذن، ومن أتلف عضوًا أشل ففيه حكومة إلا الأنف والأذن) فيكون الأنف والأذن مخالفًا لغيره في هاتين المسألتين.
طالب: بالنسبة لثبوت هذه الأشياء (... ) في حديث عمرو بن حزم.
الشيخ: لا، في حديث عمرو بن حزم وغيره؛ يعني ليست كلها موجودة في حديث عمرو بن حزم، فالأصابع ما هي في حديث عمرو بن حزم، والأسنان.. الطالب: (... ). الشيخ: لا، حديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن ليست فيه، لكن في اللسان، وفي الصُّلب، وفي الذَّكَر، وفي البيضتين، هذا موجود في حديث عمرو بن حزم؛ ولهذا يجب عليكم أن تراجعوا، أنا ذكرنا في المقدمة أنه يراجع على هذا المنتقى ونيل الأوطار، تراجعون هذا لأجل تعرفون الأدلة؛ لأنه ربما يُطلب منكم أدلة على هذه الأشياء، وهي موجودة في الكتاب هذا، أكثرها موجود فيه.
طالب: حجية (... ). الشيخ: الصحيح أنه محتجون به، صححه الإمام أحمد وأخذ به، وعامة العلماء أخذوا بأحكامه ومنه: «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» (1). الطالب: فيه قول بإرساله إنه مرسَل.
الشيخ: إي نعم، هو مرسل، لكن المرسَل تعرف أنه إذا اشتهر وعُمِل به صار صحيحًا إي نعم.
قال: (وديات الحواس والمنافع بحسبها؛ ففي السمع الدية كاملة)؛ لأنه لا يوجد له نظير في الجسم (وفي البصر الدية كاملة) يعني لو جنى على عينيه فأذهب بصرهما وهما باقيتان، فعليه دية كاملة، وكذلك في الأُذنين كما سبق، وإذا اختلف الجاني والمجني عليه في ذهاب هذه الحاسة فإنه يُختبر بأن يصاح به غافلًا، ويُنظر إذا تأثر عُلِم أنه يسمع.

في البصر أيضًا ربما يدعي أن بصره قد ذهب، أليس كذلك؟ ويقول الجاني: لم يذهب، فبمن نأخذ بقوله؟ هذا أيضًا يُختبر بحيث يُسلَّط عليه فجأة نور قوي، أو يُشار باليد إلى العين إذا أُشِير إليه إن أغمض عينيه، فمعنى ذلك أنه يُبصِر، وإذا لم يُغْمِض فإنه لا يُبصر مع أن الإشارة في الحقيقة قد يُحِس بها بدون رؤية؛ ولذلك أحيانًا لو يرد عليك شيء من فوق لو ما أبصرته تجد أن العين تغمض، لكن النور القوي هو الذي يبين.
على كل حال هذا يرجع إلى الأطباء، وكيف يختبرون السمع، وكيف يختبرون البصر؟ (في شلل اليد ديتها) هذا إذهاب منفعة ولَّا حاسة؟ إذهاب منفعة؛ لأن نفع اليد العمل باليد ما يُسمى حاسة، لكن إحساسها يعني بها اللمس يُسمَّى حاسة.
على هذا نقول: (في شلل اليد ديتها) دية اليد، وهي: نصف الدية كذلك في شلل بعض الأصابع مثلًا لو ضرب أصبعه حتى شُلَّ صار ما يتحرك، فعليه دية الأصبع، لو جنى على أنفه حتى شُلَّ؟ طلبة: ديته كاملة.
الشيخ: ديته كاملة؟ ويش قلنا بالقاعدة توًّا؟ قررنا ويش قلنا؟ طالب: حكومة.
الشيخ: إلا؟ طالب: إلا الأنف والأذن.
الشيخ: الأنف إذن ما فيه دية.
طالب: حكومة.
الشيخ: فيه حكومة نعم، كذلك لو جنى على أُذنه فذهب سمعُه فعليه الدية كاملة من أجل ذهاب السمع، لكن لو أشل الأذن بحيث ما تحس باللمس فإنه ليس عليه إلا حكومة بأن صورتها باقية ولم تتأثر.
(وفي إتلاف الشعور على وجه لا تعود حكومة إلا شعر الرأس، واللحية، والحاجبين، وأهداب العينين؛ ففي الواحد الدية) أولًا: الشعور أكثر أهل العلم على أن فيها حُكومة مطلقة سواء هذه الشعور الأربع أو غيرها، ولكن المشهور عند الحنابلة أنهم يقولون: الشعور فيها حكومة إذا جنى عليه حتى ذهب شعره ففيه حكومة.
(إلا شعر الرأس، واللحية، والحاجبين، وأهداب العينين) ويش بقي عندنا من الشعور؟ طالب: الرأس.
الشيخ: لا، الرأس فيه دية.
طالب: الإبط.

الشيخ: الإبط، والعانة، والشارب، والصدر، والساق، والفخذ، وما أشبه ذلك، هذه يقولون، إن فيها حكومةً، والحكومة سيأتي -إن شاء الله- معناها.
أما هذه الأربعة؛ شعر الرأس لو جنى على رأسه حتى صار لا ينبت شعره فإن عليه -على المذهب- ديةً كاملة، وجمهور أهل العلم على أن عليه حكومة؛ لأن الشعر ما فيه إلا مجرد جمال، وليس فيه منفعة كبيرة كغيره من المنافع، كذلك اللحية إذا جنى عليها حتى ما تنبت، فعليه دية كاملة.
طيب لو كان الإنسان يحلق لحيته؟ جنى على إنسان يحلق لحيته، ما عمره خلَّاها أبدًا، وصارت ما تنبت أبدًا، أو ذاك يعطيه جزاء؟ طالب: يعطيه الدية كاملة يا شيخ.
الشيخ: هذه المسألة عندي محل إشكال، إنسان لا يريد بقاء لحيته، وهو يحلقها منذ كانت تنبت، ثم جاء إنسان وجنى عليه حتى صار محل الشعر غير قابل للإنبات، المذهب يجب فيه دية كاملة؛ لأن اللحية جمال، واللحية أيضًا من الفطرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (2). فإذا أتلفها فقد جنى عليه جناية كبيرة حتى إن وجهه سيكون إذا كبر كوجه العجوز، فيقولون: إن عليه دية كاملة، ولكنه إذا كان هذا الرجل لا يريد لحيته، وهو نفسه يحب أن يُقضى عليها بكل وسيلة، فهل نقول: إن هذا الرجل يرى أن الجمال في عدم لحيته، فليس له شيء أو لا؟ هذا مما يؤيد القول بأن في اللحية حكومة، وليس في اللحية دية، ولو أننا أخذنا بهذا القول عقوبةً لمن كان يحلقها لكان له وجه، فنقول: يرى بعض أهل العلم أن اللحية فيها الحكومة، وإحنا الآن بنقدر أنك عبد ذو لحية، وعبد لا لحية له، أيهم أرغب عند الناس؟ طالب: ذو اللحية.

الشيخ: لا، اللي ما له لحية أرغب عند الناس؛ لأن الشاب عند الناس أحسن من الشيخ، فنقول لهذا الرجل: ليس لك شيء الآن، ما دام المسألة تعود للحكومة، فإننا عندما نقومك عبدًا لا لحية له وعبدًا له لحية، فالناس عادةً يرغبون من لا لحية له؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [الإنسان: 19]، والإنسان يرغب أنه إذا كان له عبد ليس له لحية أرغب إليه مما إذا كان له لحية، وعليه فليس على من جنى عليك شيء؛ لأنك أنت ترغب هذا الشيء، فإذا قال: ربما إذا كبرت أني أرغب اللحية؟ طالب: قد يهديه الله.
الشيخ: ربما يهديه الله، فنقول: الحمد لله، العِبرة بوقت الجناية وأنت وقت الجناية لم تخسر شيئًا.
الحاجبان وين الحاجبان؟ الشعر النابت فوق العين، وأهداب العينين، هذه أيضًا أكثر العلماء يرون أن فيها حكومة، وفقهاؤنا يرون أن فيها ديةً؛ لأنها جمال ثابت، وإذا زالت من الإنسان يكون مُشوَّهًا؛ فهي بمنزلة المنافع، فيجب فيها دية كاملة، لكن أهداب العينين أربعة ولَّا لا؟ لو مثلًا لو أتلف أهداب الجفن الأعلى من إحدى العينين يجب عليه ربع الدية، وإن أتلف الجميع وجب عليه دية كاملة، وفي الحاجبين إن أتلف شعر حاجب واحد فنصف الدية، سبق لنا أن في الأجفان الدية، والجفن إذا أتلفه تلفت الأهداب، فهل يجب عليه ديتان؟ ما رأيكم؟ أو ما فهمتم السؤال؟ سبق أن في الأجفان الأربعة الدية، وفي الأهداب الأربعة الدية، فإذا أتلف أجفانًا بأهدابها، فهل عليه ديتان؟ لأنه أتلف أجفانًا وشعورًا ولَّا دية واحدة؟ طلبة: دية واحدة.

الشيخ: نعم، دية واحدة؛ لأن الشعر يتبع مثل ما لو أنه، لو قطع الأصابع لكان عليه دية كاملة، ولو قطع يدًا بأصابعها ويش عليه؟ قصدي لو قطع الأصابع كلها دية كاملة، ولو قطع اليدين جميعًا بأصابعها دية كاملة، فإذن يفرق بين الشيء الاستقلالي والشيء التابع، كما لو أن الإنسان لو قتل شخصًا فعليه دية كاملة، ولو نظرنا إلى أعضائه لكان فيه يدان، وفيه رجلان، وفيه عينان، وأنف، ولسان إلى آخره، هل يجب عليه لكل عضو دية؟ لا؛ لأنه لما أتلف الجسد صار الباقي تابعًا له.
طالب: (... ). الشيخ: لا، الحلْق ما يجب فيه شيء، ما يجب عليه شيء، يُعزَّر فقط؛ لأنه إذا حلقه نبت، وإذا حلقه بعد لمصلحة فاعله، لو فرضنا واحد بيحلق رأسه، وجاء إنسان وسوى (... )، نضمنه، ولا نقول: أعطه قروش؛ لأنك بتحلق أنت؟ طالب: (... ) حلق لحيته.
الشيخ: إي نعم، إذا حلق لحيته يُعزر فقط، ما دام اللي بينبت يُعزر؛ لأنه بيرجع، وكل الكلام اللي طرف الشعور هذه ذكرنا أنه على وجه لا تعود، أما إذا كان يمكن عودها فإنه ينتظر، لكن لو فُرض أننا انتظرنا عودها ومات الرجل قبل أن يتبين؛ فالأصل العود ولا عدم العود؟ طلبة: عدم العود.
طلبة آخرون: العَوْد.
الشيخ: الأصل العود إي نعم، الأصل العود، لو فرضنا هذا الرجل جنى عليه حتى أذهب أهداب عينيه؛ فالأصل أنها تعود.
طيب في الأسنان، لو قلع سِنَّه يُنتظر حتى يعود ولَّا لا؟ فيه تفصيل، إذا كان قد نبتت أسنانه ثانية فلا يُنتظر؛ لأنه ما يمكن يعود، لكن لو كانت السنون الأولى، هذا يمكن أن تعود يُنتظر إي نعم، مع أني سمعت من بعض الناس نبت له أسنان مرة ثالثة، إي نعم، هذا مؤكد، أعرفه شخص انقلعت أضراسه للمرة الثانية فنبتت.
طلبة: (... ). الشيخ: لا، نبتت متأكد.
طالب: كرامة.
الشيخ: لا، ما هي بكرامة، يمكن هذا يصير.

باب الشجاج وكسر العظام

جارٍ التحميل