الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 3420-3459

(أو في نكاح فاسد أو باطل) الفرق بين الفاسد والباطل في النكاح أن ما أجمع العلماء على فساده فهو باطل، وما اختلفوا فيه فهو فاسد إلا لمن يعتقد صحته.
نضرب لهذا مثلًا؛ المعتدة نكاحها باطل لإجماع العلماء على تحريمه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235] المعتدة، رجل طلق زوجته وهي الآن في العدة، فجاء آخر فتزوجها، نقول: هذا النكاح أيش هو؟ طلبة: باطل.
الشيخ: باطل؛ لإجماع العلماء عليه.
مثال الفاسد: رجل تزوج امرأة رضعت من أمه ثلاث رضعات، النكاح فاسد لماذا؟ لأن من العلماء من يرى أن الثلاث رضعات محرمة فيكون هذا الرجل تزوج أخته من الرضاعة.
ومن العلماء من يقول: لا يحرم إلا خمس رضعات، فيكون هذا الرجل تزوج امرأة أجنبية منه.
إذن فالنكاح هنا فاسد، فإذا جامعها الرجل وهو يعتقد أن الثلاث محرمة، قلنا: يجب عليك المفارقة وعليها العدة.
أما إذا كان ممن يعتقد صحتها ويقول: لا يحرم من الرضاع إلا خمس فالنكاح بحقه صحيح.
مثال آخر: تزوج امرأة بدون شهود، يرى بعض العلماء أن النكاح صحيح، ويرى آخرون أن النكاح غير صحيح.
فالنكاح إذن فاسد، فمن اعتقد صحة النكاح فهو صحيح في حقه؛ يعني: لو قال: أنا لا أرى وجوب الإشهاد، نقول: النكاح في حقك صحيح، ومن رأى وجوب الإشهاد وتزوج عنادًا، فالنكاح في حقه فاسد.
هذا هو الفرق في النكاح بين الفاسد والباطل، ولا فرق بين الباطل والفاسد في بقية الأبواب، فيقال: يبطل البيع بكذا أو يفسد البيع بكذا إلا في الإحرام، فالفاسد هو الذي جامع فيه قبل التحلل الأول والباطل هو ارتد فيه -والعياذ بالله-.
مثاله: رجل في مزدلفة بعد الدفع من عرفة جامع زوجته، فالحج فاسد يلزمه المضي فيه والقضاء من العام القادم.
رجل آخر في ليلة مزدلفة ارتد -والعياذ بالله- بسبِّ الله أو رسوله، فالحج باطل، ونقول: الحج بطل، ولا تتمه؛ لأنك مرتد، والردة تبطل الحج.

إذن التفريق بين الفاسد والباطل في موضعين فقط؛ في الحج وفي النكاح.
قال: (أو في نكاح فاسد) مَثِّلُوا.
في نكاح فاسد كالنكاح بلا شهود أو باطل كنكاح المعتدة.
(أو ملك يمين) يعني: لا يجب على من وُطِئَت بملك يمين أن تُحِدَّ؛ لأنها ليست زوجة، وإنما هي سُرِّيَة؛ فلو جامع السيد أمته ثم مات، فهل عليها إحداد؟ فالجواب: لا؛ لأنه وطئها بنكاح أو بملك يمين.
السيد جامع أمته المملوكة ثم مات عنها، هل يجب عليها الإحداد أو لا يجب؟ طلبة: لا يجب.
الشيخ: لا يجب، ليش؟ لأنها معتدة بملك اليمين، بعد أن مات سيدها تعتد، لكن هي موطوءة بملك اليمين؛ فلا إحداد عليها وهذا صحيح.
ثم قال: (والإحداد اجتناب ما يدعو إلى جماعها ويُرَغِّبَ في النظر إليها).
هذا ضابطه اجتناب ما يدعو إلى جماعها مثل التزين؛ فالرجل مثلًا إذا دخل بيته ووجد زوجته متجملة بالحلي واللباس.. و(الإحدادُ) اجتنابُ ما يَدْعُو إلى جِمَاعِها ويُرَغِّبُ في النظَرِ إليها من الزينةِ والطِّيبِ والتحسينِ والْحِنَّاءِ وما صُبِغَ للزينةِ, وحُلِيٍّ وكُحْلٍ أَسودَ، لا تُوتِيا ونحوِها ولا نِقابٍ، وأبيضَ ولو كان حَسَنًا.
(فصل) وتَجِبُ عِدَّةُ الوَفاةِ في الْمَنْزِلِ حيث وَجَبَتْ، فإن تَحَوَّلَتْ خَوْفًا أو قَهْرًا أو بِحَقٍّ انتَقَلَتْ حيثُ شاءتْ، ولها الْخُروجُ لحاجَتِها نَهارًا لا ليلًا، وإن تَرَكَت الإحدادَ أَثِمَتْ, وتَمَّتْ عِدَّتُها بِمُضِيِّ زَمانِها.
(بابُ الاستبراءِ) مَن مَلَكَ أَمَةً يُوطَأُ مِثْلُها مِن صغيرٍ وذَكَرٍ وضِدِّهما حَرُمَ عليه وَطْؤُها ومُقَدِّمَاتُه قبلَ استبرائِها، واستبراءُ الحاملِ بوَضْعِها، ومَن تَحيضُ بحَيْضَةٍ، والآيِسَةِ والصغيرةِ بِمُضِيِّ شهرٍ.

ثم قال: (والإحداد: اجتناب ما يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر إليها) هذا ضابطه، (اجتناب ما يدعو إلى جماعها) مثل التزين، الرجل -مثلًا- إذا دخل بيته ووجد زوجته متجملة بالحلي واللباس الحسن فهذا يدعوه إلى جماعها، فلا يجوز أن تتزين أو تتجمل بهذا التجمل، (ويرغب في النظر إليها) كذلك فإن المرأة إذا أتت إلى زوجها بثياب جميلة حسنة وعلى يديها الحلي فإنه يرغب النظر إليها، وذلك فيما يأتي.
قال رحمه الله: (إلى جماعها ويرغب في النظر إليها؛ من الزينة، والطيب، والتحسين، والحناء، وما صُبِغ للزينة، وحُلِيٍّ، وكُحْلٍ أسود) هذا هو الإحداد؛ أن تدع ما يأتي: أولًا: جميع ثياب الزينة فلا تتزين، وعلامة ذلك أن يقال: إذا رُئِيَت المرأة قال: هذه المرأة متجملة، كأنما تريد أن تذهب إلى دعوة، أما الثياب العادية التي جرت العادة بأن النساء يلبسنها في البيت ولا يهتممن بها فهذا فلا بأس به.
كذلك أيضًا الطيب هذا من الإحداد؛ أن تتجنب المحادة جميع أنواع الطيب؛ مثل البخور، دهن العود، الورد، وغير ذلك، كل أنواع الطيب، إلا إذا طهرت من الحيض فلا بأس أن تطيب بالعود -يعني البخور- من أجل إزالة الرائحة الكريهة التي أبقاها الحيض.
الطيب يشمل ما ظهر لونه وما لم يظهر، فالعمدة إذن على أيش؟ على الرائحة.
وهنا سؤال: هل الشامبو والصابون الممسك يدخل في هذا أو لا يدخل؟ فالجواب: لا يدخل؛ لأن الشامبو لا يتخذ للتطيب، إنما هو لنكهته ورائحته، وكذلك يقال في الصابون الممسك، وهذا الذي قلناه هنا نقوله أيضًا في الإحرام؛ فالإحرام لا يمنع من استعمال الصابون الممسك، ويسمى عند الناس أيش؟ طالب: معطر.
الشيخ: لا، غير؟ طالب: لوكس.
الشيخ: لوكس، إي نعم.
طالب: لوكس نوع واحد من الأنواع.
الشيخ: على كل حال هو وما شابهه لا يضر.
هذا ما تتجنبه؛ الثياب الجميلة.
الثاني: (الطيب) بجميع أنواعه، ويُسْتَثْنى أيش؟ البخور إذا طهرت من الحيض لإزالة رائحة الحيض.

الثالث: (التحسين) التحسين يشمل ما يحسن به الوجه؛ مثل المكياج، أو تحمر به الشفاة، أو تكحل به العيون، أو تخضب به الأطراف؛ كالحناء، المهم كل تحسين فإنها ممنوعة منه.
الرابع يقول المؤلف رحمه الله: (ما صُبِغَ للزينة) هذا داخل فيما سبق؛ ثياب الزينة.
الرابع: (الحلي) بجميع أنواعه، سواء كان حُلِي أذن، أو حُلِي رقبة، أو حُلِي صدر، أو حُلِي يد، أو حُلِي رجل، المهم الحلي بجميع أنواعه تُمْنَع منه.
الخواتم تُمْنَع أو لا تُمْنَع؟ طالب: تُمْنَع.
الشيخ: تُمْنَع؛ لأنه حلي.
الساعة تُمْنَع؛ لأن المرأة تتحلى بها، وعليه فنقول: إذا احتاجت إلى الساعة تجعلها في الجيب، لا تجعلها في اليد.
الكحل الأسود داخل في التحسين؛ من جنس المكياج وتحمير الشفاه وما أشبهه، هو أيضًا ممنوع؛ لأنه داخل في التحسين.
التوت قال: (لا تُوتِيًّا) وهو معدن معروف تُكْحَل به العين عن الرمد وغير الرمد، هذا لا بأس به، لماذا؟ لأنه ليس له لون، فما فيه إلا الاستشفاء فقط.
القطرات بأنوعها التي تقطر بالعين جائزة أو غير جائزة؟ جائزة، حتى لو فُرِضَ أنها وسَّعت العين وأزالت حمرة العين لا بأس؛ لأن هذا لا يحصل به التحسين الذي يحصل بالكحل.
التقطير في الأذن جائز.
وقوله: (لا تُوتِيًّا ونحوها) يعني: مما لا يظهر له لون؛ كالصبر، الصبر هذا معروف أنه تُدَاوَى به العين، لكن بمقياس معلوم، وهنا يجب التحرز من زيادته؛ لأنه إذا زاد ربما يعمي العين.
(ولا نقاب) يعني: لا تُمْنَع من النقاب، بخلاف المحرمة فإنها تمنع من النقاب.
وقد ذكر بعض العلماء رحمهم الله أن المحادة تمتنع من النقاب كما تمتنع المحرمة، وهذا غلط؛ لأنه لا قياس في العبادات، وعلى هذا فيجوز للمرأة المحادة أن تنتقب.
البرقع مثل النقاب أو لا؟ ليس مثله؛ لأن البرقع يُعْتَبر من التجمل؛ لأنه أجمل من النقاب، النقاب هو الغطاء نفسه ينقب للعين فقط، لكن البرقع يزخرف ويحسَّن ويوشى بالتلوين، فهو من باب الجمال.

قال: (وأبيض) يعني: ولا يلزمها اجتناب الأبيض، فللمحادة أن تلبس الأبيض، وفي هذا القول نظر؛ لأن الأبيض في عرفنا زينة ولَّا غير زينة؟ يُعْتَبر زينة، فلا يجوز لبسه.
لعله في عرف المؤلف رحمه الله ومن قبله لا يعتبرونه زينة فأباحوه، لكننا نسلك الخطوط والضوابط دون المسائل الفردية، فنقول: كل شيء فيه تجميل أو جمال فإن على المحادة أن تتجنبه.
إذا قال قائل: ما هي الحكمة من ذلك؟ الحكمة إظهار حقوق الزوج، وأنها لا ترغب الأزواج، وتبتعد عن كل شيء يدعو إلى خطبتها، هذا هو الحكمة، وكانوا في الجاهلية يفعلون أشياء منكرة عظيمة؛ إذا مات الميت جعلوا المرأة في حفش بيتها -يعني: في خيمة صغيرة سيئة في وسط البيت- ومنعوها من الماء إلا للشرب، ومنعوها من الطيب، حتى إنها تنتن من رائحة القذر ورائحة الحيض، حتى إنها لو تمسحت بعصفور مات العصفور من شدة النتن والرائحة، تبقى سنة كاملة، وإذا انتهت المدة خرجت من هذا الحفش ثم أعطوها بعرة -بعرة: بعيرة، أتعرفون البعرة؟ أكثركم يعرفها، وبعضكم يقول: لا أعرفها، لكن هي روث البعير الذي يخرج من دبره- أعطوها بعرة فرمت بها هكذا، إشارة إلى أن كل ما مر عليها لا يساوى رميها بهذه البعرة، الدين الإسلامي -والحمد لله- ينهى عن هذا العمل ويحرِّمه، لكنه يمنع من التجمل والتعرض للخُطَّاب.
يقول المؤلف في أول الفصل: (مدة العدة) إذا قدَّرنا أن المرأة لم تعلم بموت زوجها إلا بعد مضي خمسة أشهر، فهل تقضي الإحداد أو لا تقضي؟ لا تقضي؛ لأن الإحداد تبع العدة.
ولو قدَّرنا أن المرأة حامل فوضعت بعد موت زوجها بأسبوع -مثلًا- هل يلزمها أن تكمل الإحداد أربعة أشهر وعشرة أيام؟ لا؛ لأن الإحداد تابع للعدة.
ولو مات زوجها قبل أن يخلو بها هل عليها الإحداد؟ طالب: نعم.
طالب آخر: ليس عليها.
الشيخ: عقد على امرأة ومات قبل أن يدخل بها وقبل أن يخلو بها، عليها الإحداد أو لا؟ طلبة: عليها.
طالب: ليس عليها.

الشيخ: أليس عليها العدة يا جماعة؟ طلبة: عليها العدة.
الشيخ: طيب، الإحداد يتبع العدة، عليها الإحداد.
طالب: ليس عليها عدة.
الشيخ: عليها عدة، كيف؟ طالب: ليس عليها عدة.
الشيخ: مصمم؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لقد نسيت، الموت لا يُشْتَرط له خلوة ولا وطئ ولا شيء، مجرد العقد تجب العدة، ذكرت؟ طالب: ذكرت.
الشيخ: إذا كان كذلك فيلزمها الإحداد؛ لأن الإحداد تابع للعدة.
قال المؤلف رحمه الله: (وأبيض، ولو كان حسنًا) (لو) هذه إشارة خلاف، والصواب أن الأبيض إذا كان يُعَدُّ من ثياب الجمال فإنه لا يجوز للمحادة.

طالب: (... ) استعمال المكياج ما حكمه؟ الشيخ: المكياج إذا قال الأطباء: إنه لا يضر فلا بأس به، إلا لمن تُمْنَع من التجمل كالمحادة، لكن ذُكِرَ لي أنه يؤثر على البشرة بعد زمن بعيد، فإذا ثبت هذا صار حرامًا.
طالب: جزاك الله خيرًا، الشامبو والصابون من جمال رائحته قد يدعو إلى جماع المرأة؟ الشيخ: واللهِ يمكن إذا كان شابًّا، ما أدري، يقول: الشامبو والصابون إذا كان له رائحة قد يدعو إلى الجماع، فأقول: إذا كان شابًّا يمكن، والشاب كل شيء يدعو للجماع ما فيه.
لكن على كل حال هل يُعَدُّ هذا طيبًا؟ لا يُعَدُّ طيبًا، فالطيب ما عدَّه الناس طيبًا، وهذا لا يعد طيبًا، والأصل الحل أو التحريم؟ الحل، إذن لا يمكن أن نحرم شيئًا الأصل فيه الحل إلا بدليل، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: 116]. طالب: لو خرجت امرأة مسلمة بهذه الرائحة وهي تُشَم منها وفُتِنَ الناس بها؟

الشيخ: إي، هذا لا يجوز، يعني -مثلًا- لو ادهنت بالشامبو أو غسلت بالصابون وظهرت الرائحة؛ بحيث لا تمر من عند الرجال إلا يشمون رائحتها، فهنا نمنعها؛ لأجل الفتنة؛ ولذلك ربما نمنعها من إظهار الخاتم، بل قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: 31]، قال العلماء: المرأة يكون عليها خلخال في الساق -زي السوار في اليد- فإذا مشت وضربت برجلها سمعت في الحال، فهذا حرام؛ لأنه فتنة.

طالب: شيخ -بارك الله فيك- هل نمنع المرأة أن تخرج من بيتها في الإحداد؟ الشيخ: إي نعم، سيأتينا في الفصل اللي بعده اللي ذكره المؤلف.

طالب: إذا كان النقاب للزينة يا شيخ؟ الشيخ: للزينة يُمْنَع؛ يعني لو فُرِضَ أنه جاء وقت من الأوقات وصار النقاب يُعْتَبر من الزينة منعناه؛ لأن عندنا قواعد عامة.
النقاب هل تقولون: إنه حرام أو غير حرام؟ نقول: الأصل أنه غير حرام؛ لأنه يُسْتَعمل في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ بدليل أنه قال في المحرمة: «لَا تَنْتَقِبْ» (1)، لكن في وقتنا الحاضر لا ينبغي أن يُفْتَى بجوازه، نمسك؛ لأن النساء توسعن في ذلك، صارت المرأة تنتقب أول ما تنتقب تظهر العين أو نصفها، ثم تظهر العين كلها، ثم العين والجفن، ثم العين والحاجب، ثم العين وبعض الجبهة، ثم اللثام يعني هكذا، توسعن.
والشيء المباح إذا خِيفَ أن يقع الناس في محرم يُمْنَع وإن كان في الأصل مباحًا، إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه منع ما هو أشد من هذا؛ لمَّا كثر الطلاق الثلاث في عهده -والطلاق الثلاث بفم واحد محرم؛ لأنه استعجال لمنع الإنسان نفسه مما أحل الله له- رأى أن يمضيه عليهم، وأن يمنع الرجل من مراجعة زوجته مع أن له الحق في المراجعة.

مثال ذلك قال رجل لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، هذا حرام في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعهد أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، كان هذا الطلاق واحدة، لكن كثر الطلاق فرأى عمر بسياسته الحكيمة أن يمنع الزوج من المراجعة، قال لك: أنت اللي ضيقت على نفسك، ومنعه من المراجعة، فتبعه الناس في هذا وقالوا: إن الرجل إذا طلَّق زوجته ثلاثًا بفم واحد حرمت عليه.
والصواب أن نقول: لا نقول: حرمت عليه، بل نقول: مُنِعَ من مراجعتها؛ لأن المنع هنا سياسة، انتبهوا لهذه النقطة

المفيدة، عمر رضي الله عنه لم يمنع الرجل من الرجوع إلى زوجته إذا طلقها ثلاثًا لأنها تحرم عليه، لكن منعه لئلا يعتاد الناس هذا العمل، أرجو الانتباه؛ ولهذا قال: أرى الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم (2). الآن في عهدنا كثر الطلاق في الحيض، وكثر الطلاق في طهر جامع فيه، كثر كثرة عظيمة، لماذا؟ لأن الناس أفتوا بأن الطلاق في الحيض لا يقع، فياليتنا نقول: الطلاق في الحيض واقع؛ لأنك أنت الذي اخترته لنفسك فيقع، وإن كان في الأصل لا يقع فإننا نوقعه.
هذا إذا قلنا بعدم وقوع الطلاق في الحيض، ولكن القول بهذا يعتبر شاذًّا بالنسبة لأقوال العلماء لا بالنسبة للدليل، لكن بالنسبة لأقوال العلماء أكثر الأمة من أئمة وتابعين يقولون: إن الطلاق في الحيض واقع.

ولقد رأيت كلامًا للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في مجلة الجامعة الإسلامية يقول بوقوعه في الحيض، ويعلل ذلك بأن الذين يطلقون في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يُسْأَلُون هل طلقوا في الحيض أم لا؟ بل يمضى عليهم الطلاق، لكنه في النهاية أخيرًا صار يُفْتِي بعدم الوقوع، لكن هذه الفتوى أتدرون ماذا حصل منها؟ حصل منها التلاعب وكثر الطلاق في الحيض ولم يتقوا الله عز وجل، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2]، وهذا لم يتق الله، فلا ينبغي أن نجعل له مخرجًا؛ لأنه هو الذي ضيق على نفسه.
صار الناس الآن يتلاعبون؛ يأتي الإنسان قد طلَّق زوجته قبل عشرين سنة في حيض، ثم طلقها الثانية، ثم طلقها الثالثة، إذا طلقها الثالثة ماذا يكون؟ تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره، فيأتي إذا ضاق به الأمر يقول: أنا طلقتها الثالثة، لكن الأولى في حيض، علشان إيه؟ علشان يقول: ما مضى إلا طلقتان، فأريد الرجوع، مثل هذا نفتيه -وأخبركم عن نفسي- نفتيه بأن الطلاق الأول الواقع في الحيض واقع ويحسب عليه، لماذا؟ لأن الرجل التزمه، وأنا أعتقد أنه لو انتهت عدتها في ذلك الوقت ثم تزوجها رجل آخر لم يأت الزوج ويقول: أنت تزوجت امرأتي، أبدًا، ولا يعرف الناس القول بأن الطلاق في الحيض لا يقع، فصار تلاعب من الناس، الآن يأتيك المحضر الذي يؤخذ على الزوج فيقال: هل طلقتها بعد الدخول أو قبل؟ قال: بعد الدخول، طلقتها في حيض أو طهر؟ قال: في طهر، جامعتها فيه أم لم تجامع؟ قال: جامعت، وهلم جرًّا، سلسلة من الاستفهامات التي أجزم جزمًا أنها لم تكن في عهد الصحابة، وأن الأصل في الطلاق أنه واقع صحيح، لا حاجة أن نسأل.

أرأيتم لو جاء إنسان وقال: مات ميت عن أمه وأبيه وأخيه، هل نقول: هل الأب كافر ولَّا مسلم؟ لأنه إذا كان كافرًا صار التعصيب لأخيه، وإذا كان مسلمًا سقط الأخ، هل نحن نسأل هذا السؤال؟ أبدًا، والأصل عدم وجود المانع، فلا حاجة أن نسأل المطلقين هذه الأسئلة التي لا نهاية لها والتي لا أصل لها، وإنما تفتح باب الحيل على المطلقين؛ لذلك لو تبنى المفتون الآن الذين يفتون بعدم وقوع الطلاق في الحيض، لو تبنوا الإلزام به أخذًا بسياسة عمر رضي الله عنه، أو تبنوا أن الطلاق الثلاث واقع أخذًا بسياسة عمر؛ لأنه كثر فيهم.
الآن الواحد يدخل إلى بيته يريد فنجان شاي يقول للزوجة: أعطينا شاي، الغاز خالص ما فيه غاز، منين الشاي؟ أجيبوا يا جماعة؟ طلبة: ما فيه شاي.
الشيخ: ما فيه شاي، أبطأت المرأة (... ) وين الشاي؟ قالت: واللهِ الغاز ما فيه شيء، ما فيه غاز، بعدما ولعت النار طفي، قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق يا بنت فلان بنت فلان (... )، نقول: واللهِ بردٌ وسلامٌ، روح أنت طلقت في غضب ما عليك شيء، أو نقول: أنت طلقت ثلاثًا (... ) واحدة، ما يصير هذا، لا تلاعب بالطلاق، تلاعب بالحدود.
كنت أراجع شرح ابن رجب رحمه الله على حديث قال: «لَا تَغْضَبْ» (3) فرأيته يشدد في أن الطلاق يقع في الغضب ويقول: لا بد أن يقع في الغضب، ولا نسأل شديد ما شديد، خلافًا لشيخه ابن القيم رحمه الله ولشيخ شيخه ابن تيمية رحمه الله فإنهما يريان أن الغضب إذا كان الإنسان لا يملك نفسه معه لا يقع به الطلاق؛ لأنه كالمكره، لكن هو لا، سدَّ الباب نهائيًّا، ولعله يريد سد الذرائع.

فالمهم -يا إخواننا- هذه المسائل يجب على طالب العلم ألَّّا ينظر إلى العلم نظرة خبرية فقط أو علمية فقط، يجب أن ينظر إليه نظرة علم وتربية، إذا كان الإفتاء بهذا القول يفسد الناس وإن كان يعتقده صحيحًا فله أن يمنع، أليس النبي صلى الله عليه وسلم يعتقد أن هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم هو الصحيح؟ طلبة: بلى.
الشيخ: ومع ذلك امتنع منه خوفًا من الفتنة (4)، هذه المسائل تخفى على كثير من طلبة العلم ولا يبالون، وهذا غلط.
وما أحسن ما قال ابن مسعود: كيف بكم إذا كثر القراء وقلَّ الفقهاء؟ (5)، القراء من عندهم علم، الفقهاء من عندهم حكمة، إذا كثر القراء لكن ما فيه حكمة صار ضرر عظيم، بل إننا رأينا الآن في وقتنا هذا من يفتي بأقوال شاذة بعيدة عن الصواب؛ تسهيلًا على الناس، وهذا غلط، الواجب حمل الناس على ما تقتضيه الأدلة، وإن شق عليهم في أول مرة فسيكون في النهاية سهلًا، هذه في الواقع نصيحة ينبغي لطالب العلم أن يجعلها على باله وألَّا يهمل النظر للمستقبل.
يجيء إنسان مطلق الثالثة وواقع الآن في الفخ -كما يقولون- ثم يجيء يستفتي: واللهِ أنا طلقت زوجتي منذ عشرين سنة في حيض، يريد منا أن نقول؟ طلبة: لا يقع.
الشيخ: لا طلاق، وبعد خمس سنوات طلقتها في طهر جامعتها فيه، يريد أن نقول؟ طلبة: لا طلاق.
الشيخ: لا طلاق، وهذه المرة غضبت غضبًا شديدًا وطلقتها، يريد منا أن نقول: لا طلاق، معناه كل الطلقات راحت، هذا ما هو صحيح أبدًا، وأنا ألزم من طلق في حيض بعد انتهاء العدة ألزمه بوقوع الطلاق، وأقول: أرأيت لو أن أحدًا تزوجها بعد انقضاء عدتها أتخاصمه وتقول: هذه زوجتي؟ ما تقول هذا، أما لما ضاقت بك الحيل تجيء (... ) تقول: واللهِ طلقت بحيض، ما هو صحيح.

أحد علماء نجد البارزين -وأظنه عبد الله بابطين رحمه الله- قال: إن الناس إذا طلقوا ثلاثًا وضاقت بهم الحيلة، جاء الزوج وقال: واللهِ هذا النكاح تزوجتها بشاهدين أحدهما يشرب الدخان، علشان أيش؟ علشان إنسان ما هو بعدل، فيكون النكاح فاسدًا، والطلاق في النكاح الفاسد ما يقع، هكذا يريد، فيقول: الآن صاروا يتحيلون بطريق آخر: طلقتها في حيض، طلقتها في طهر جامعتها فيه، طلقتها في غضب شديد، فصار العامي الذي لا يعرف كوعه من كرسوعه في هذه المسألة فقيهًا كفقه شيخ الإسلام ابن تيمية، كله من أجل الهوى.
ولا أدري هل تعرفون الكوع من الكرسوع؟ طالب: نعم.
الشيخ: تعرفه؟ طالب: نعم.
الشيخ: أخشى أن تقول: هل يلزمها العدة؟ ! من يعرف الكوع من الكرسوع، تعرفه؟ اللي يعرفه من قبل لا يقول: عرفته، لكن الذي لم يعرفه حتى الآن يجب أن يعرفه؛ لأن هذا مثل شائع: فلان لا يعرف كوعه من كرسوعه.
ما أدري عبد الله القاضي يعرفه ولَّا لا؟ نسيته طيب الناسي كغير العالم.
يالا يا عدنان تعرفه؟ طالب: ما أعرفه.
الشيخ: ما تعرفه؟ تعريفه؟ طالب: (... ). الشيخ: تظن، أعطنا الظن، ويجي وراه العلم، وين؟ طالب: (... ). الشيخ: إي ما عرفته، هذا المرفق.
طالب: لا، هذا يا شيخ.
الشيخ: وين؟ طالب: اللي عند الساعة.
الشيخ: عند الساعدة دي.
طيب، كم عند الساعة ويش لون؟ يعني اليد هذا، الآن هذه يدك، هذا؟ طالب: الكوع.
الشيخ: هذا الكوع، أين الكرسوع؟ طالب: هذا.
الشيخ: هذا؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: تمام، الرسغ ما بينهما، وفي هذا يقول:

وَعَظْمٌ يَلِي الْإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي لِخِنْصَرِهِ الْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ مَا وَسَطَ

وَعَظْمٌ يَلِي إبْهَامَ رِجْلٍ مُلَقَّبٌ بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنْ الْغَلَطِ

أعرفت هذا يا يحيى الكوع من الكرسوع، أين هو؟ طالب: (... ).

الشيخ: إي نعم، طرف الذراع مما يلي الإبهام، الكرسوع طرفه مما يلي الخنصر، الرسغ ما بينهما الوسط؛ ولهذا تجدون في الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يضع يده إذا قام في الصلاة على الرسغ هذا (6). طالب: البوع يا شيخ؟ الشيخ: البوع: العظم الذي يلي إبهام الرجل، وهو غير الكعب الذي يلي الإبهام.

.................................. بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنْ الْغَلَطِ

طالب: شيخنا -حفظكم الله- ما حكم استعمال الكحل للرجال هل يعتبر سنة؟ الشيخ: يسأل عن استعمال الكحل للرجال؛ أما الشاب فلا نرى أن يكتحل إطلاقًا؛ وذلك لما يحصل به من الفتنة ولما يُسَاء به الظن، فلا يجوز للشاب أن يكتحل، والعلة ظاهرة: لأنه يُسَاء به الظن وتحصل به الفتنة، أما بالنسبة للشيخ الكبير فلا بأس، لكن ليس بسنة، وأما الاكتحال بالصبر وشبهه مما لا يحصل به لون فهذا لا بأس به للرجال؛ الشباب والكبار.
طالب: الشاب الأمرد ولَّا الشاب العادي؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: يعني الأمرد ولَّا الكبير فوق البلوغ؛ يعني الشاب الكبير، ثلاثينات.
الشيخ: هذا ما هو شاب، كم عمرك أنت؟ الطالب: سبعة وعشرين.
الشيخ: إذن تريد أن تكون شابًّا؟ ! الطالب: عنفوان الشاب يا شيخ.
الشيخ: المهم أن مرادنا بذلك الأمرد؛ لأنه هو الفتنة.
الطالب: وغيره ممكن يستعمله؟ الشيخ: أما الشاب اللي تعتبره أنت شابًّا -وهو كهل- فهذا لا بأس به (... ) إن شاء الله.

طالب: (... )

الشيخ: العدسات اللاصقة إذا لم يكن على العين ضرر؛ يعني: قرر الأطباء ما فيه ضرر ولم تخرج العين عن مشابهة أعين البشر لا بأس بها، أحيانًا تكون المرأة في سواد عينها شيء من البياض أو الشهبة أو ما أشبه ذلك، فتضع اللاصقة البنية تتجمل بها، هذه مثل الكحل؛ لأنها تزول ما فيها تغيير لخلق الله، لكن يُشْتَرط أن يقرر الأطباء أنها لا تضرر العين، أما تلك المرأة التي إذا لبست ثوبًا أخضر جاءت لاصقة خضراء، أحمر لاصقة حمراء، أو تأتي بلواصق تجعل عينها كعين القط، أتعرف القط؟ طالب: أعرفه.
الشيخ: ما هو؟ طالب: القطوة.
الشيخ: القطوة، وتعرف بالهِرِّ، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الهرة: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ» (7)، وتعرف لغةً بالبس، البس؛ يعني: الهرة، إي نعم.

طالب: شيخنا -الله يحفظك- متى يبدأ الإحداد؟ وهل لو علمت المرأة بعد موت الزوج بشهر هل ينقص من المدة؟ الشيخ: سبحان الله! أين أنت؟ هذا شرحناه بالأمس.
الطالب: بالأمس (... ). الشيخ: شوف العبرة بالعدة من وقت الفراق بموت أو حياة، فلو طلَّق الرجل زوجته وهي لم تعلم وحاضت بعد طلاقه ثلاث حيض انقضت العدة.
الطالب: والإحداد؟ الشيخ: وكذلك الإحداد تَبَعُ العدة، لو مات زوجها الغائب ولم تعلم إلا بعد مضي خمسة أشهر فلا عدة ولا إحداد؛ لأن الإحداد تابع للعدة.
الطالب: لو علمت بعد شهر؟ الشيخ: بقي لها ثلاثة أشهر وعشرة أيام.
طالب: طيب، آخر اليوم بغياب الشمس؟ الشيخ: إي نعم، معناه أنه يكمل اليوم.

طالب: تركيب الأظافر؟ الشيخ: تركيب الأظافر؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: ويش لون؟ يعني -مثلًا- ظفر انجشع وحطت بداله؟ الطالب: لا يا شيخ، الآن تباع الأظافر هذه (... ). الشيخ: سبحان الله! أهكذا وُجِد؟ ! أهكذا وُجِد؟ ! طلبة: إي نعم.
طالب: بلاستيك يا شيخ.

الشيخ: هذا خلاف الفطرة، إذا كان الظفر الأصلي مأمور الإنسان بتقليمه كيف يضاف إليه شيء آخر؟ ! أرى أن هذا غير جائز وأنه يجب التشديد فيه، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الظُّفُرُ مُدَى الْحَبَشَةِ» (8) محذرًا من إطالة الأظفار، ولكن تأكدْ لي أن هذا صحيح أو لا.
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؟ طالب: يركب تركيبًا -يا شيخ- ما هو الظفر الحقيقي.
الشيخ: إي، خابر، فهمت، يعني مثل الوصل؛ مثل وصل شعر الرأس، اللهم عافنا.


طالب: فصل

وتجب عدة الوفاة في المنزل حيث وجبت، فإن تحولت خوفًا، أو قهرًا، أو بحقٍّ؛ انتقلت حيث شاءت، ولها الخروج لحاجتها نهارًا لا ليلًا، وإن تركت الإحداد أثمت، وتمت عدتها بمضي زمانها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن المرأة المحادة تتجنب أشياء؟ طالب: الطيب.
الشيخ: الطيب بجميع أنواعه، سواء كان ملونًا أو غير ملون، وسواء كان بخورًا أو دهنًا، هذه واحدة.
الثانية؟ طالب: الزينة، الملابس الزينة.
الشيخ: الملابس الجميلة.
ثالثًا؟ طالب: الحلي بجميع أنواعه.
الشيخ: الحلي بجميع أنواعه، نعم.
طالب: الحناء.
الشيخ: لا، هات عبارة عامة أعم من الحناء، التحسين بالحناء، والكحل، والمكياج، وما أشبهها، (... )؟ طالب: الملابس البيضاء.
الشيخ: لا، ذكرناها، الملابس الجميلة عامة.
طالب: النقاب.
الشيخ: النقاب لا.
طالب: البرقع.
الشيخ: لا، هذا داخل في الثياب.
طالب: ما يدعو إلى جماعها.
الشيخ: لا، هذا للاحتياط عمومًا، هذه أربعة أشياء تتجنبها المحادة.
الخامس: الخروج، من البيت وقد ذكره في الفصل التالي.

(فصل: وتجب عدة الوفاة في المنزل حيث وجبت) يعني: حيث وجبت العدة؛ يعني أن المرأة إذا وجبت عليها عدة الوفاة وهي في منزل وجب أن تعتد في نفس المنزل؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]، فتبقى في المنزل الذي مات زوجها وهي فيه ساكنة، أما إذا كان وجودها في البيت أو في المكان حين مات زوجها لعارض فإنها تعود على مسكنها الأصلي.
مثاله: امرأة ذهبت تزور جيرانها، ثم أتاها خبر موت زوجها، هل تبقى عند جيرانها أو ترجع إلى منزلها الأصلي؟ طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، ترجع إلى منزلها الأصلي؛ لأن وجودها الآن عارض.
كذلك لو فُرِضَ أن امرأةً مع زوجها تمرضه في المستشفى، ومات الزوج وهي في المستشفى، هل نقول: تبقى في المستشفى؛ لأن زوجها مات وهي فيه، أو ترجع إلى مسكنها الأصلي؟ ترجع إلى مسكنها الأصلي.
فإن مات زوجها ولها مسكنان فلها أن تعتد في أيهما شاءت؛ إما الشمالي أو الجنوبي.
فإن مات زوجها وهي في زيارة لأهلها لمدة شهر أو شهرين -مثلًا- ثم مات الزوج أثناء المدة، فهل ترجع إلى مسكنها الأصلي أو تبقى عند أهلها؟ أجيبوا يا جماعة.
طالب: ترجع الى مسكنها.. الشيخ: الأول، ترجع إلى منزلها الأول؛ لأن وجودها عند أهلها عارض وليس هو الأصل.
فإن مات زوجها وهي في البر قد سافرت معه، فهل تبقى في البلد الذي كانت فيه أو ترجع إلى بلده الأصلي؟ قال العلماء: إن كانت لم تتجاوز مسافة القصر عادت إلى منزلها الأصلي، وإن تجاوزت القصر خيرت بين أن تبقى في البلد الذي سافرت إليه، أو ترجع إلى بلدها الأصلي.

(فإن تحولت خوفًا) (تحولت) أي: تحولت عن منزلها الذي مات زوجها وهي فيه، (خوفًا) خوفًا على أيش؟ خوفًا على نفسها، أو على مالها، أو على عقلها؛ بأن لم يكن معها أحد في البيت فخافت إن بقيت في البيت أن تستوحش، أو خافت من اللصوص، أو خافت من الفجرة، فلها أن تنتقل عنه.
إذن كلمة (خوفًا) مقيدة ولَّا غير مقيدة؟ طالب: غير مقيدة.
الشيخ: غير مقيدة، سواء خوفًا على عرضها، أو على عقلها، أو على مالها، فإنها تتحول.
قال المؤلف رحمه الله: (انتقلت حيث شاءت) انتقلت من مكانها الأصلي إلى أي مكان شاءت.
وقال بعض أهل العلم: يجب أن تنتقل إلى أقرب مكان لمنزلها الأول، ولكن الصواب ما قاله المؤلف؛ أنها تنتقل حيث شاءت؛ لأنه لما سقط عنها البقاء في هذا المنزل لتعذر البقاء فيه صارت حرة تنتقل حيث شاءت.
يقول: (تحولت خوفًا، أو قهرًا) يعني: أُجْبِرَت على أن تخرج فلها أن تعتد حيث شاءت.
(أو بحقٍّ) بأن كان البيت مستأجرًا، فتمت مدة الإجارة وهي في الإحداد، وقال لها صاحب البيت: اخرجي، فهنا تحولت بحق أو بغير حق؟ طلبة: بحق.
الشيخ: بحق، تنتقل حيث شاءت؛ لأنه سقط عنها الوجوب؛ لتعذر بقائها في المكان.
ثم قال: (ولها الخروج لحاجتها نهارًا لا ليلًا) (لها) الضمير يعود على المرأة المحادة، (الخروج) يعني: من المنزل، (لحاجتها نهارًا لا ليلًا) ووجه التفريق بين الليل والنهار أن النهار آمن من الليل؛ لأن الليل إذا خرجت فيه المرأة وحدها فعليها خطر، لكن النهار الناس يمشون في الأسواق والخوف عليها ضعيف؛ فلذلك أبيح لها أن تخرج للحاجة.
والحاجة لها أمثلة: منها: أن تخرج لتشتري حوائج البيت من الخبز واللحم وما أشبه ذلك فلها أن تخرج.
أن تخرج لرعي غنمها إذا كان لها غنم وليس لها راع، فتخرج ترعى الغنم في النهار وترجع في الليل.
ومنها: أن تكون مدرسة فتخرج للتدريس في النهار.
ومنها: أن تكون دارسة فتخرج للدراسة في النهار لا في الليل.

أما الليل فلا تخرج من المنزل إلا للضرورة، والضرورة معناها أن بقاءها في المنزل يكون فيه ضرر عليها.
مثال الضرورة: أن تكثر الأمطار وتخاف أن يسقط عليها البيت، ها الضرورة.
ومن الضرورة: أن يتسور عليها اللص فتهرب.
ومن الضرورة: أن تشتعل النار في جانب البيت فتخرج.
فصار خروج المرأة المحادة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ألَّا يكون ضرورة ولا حاجة، فالخروج حرام.
الثاني: أن يكون حاجة لا ضرورة، فهو جائزٌ في النهار ممنوعٌ في الليل.
الثالث: أن يكون للضرورة، فهذا جائز في الليل والنهار.
فإن قال قائل: هل من الحاجة أن تخرج لتزور أباها المريض؟ فالجواب: نعم، هذه حاجة؛ حاجة من جهة الأب، ومن جهتها هي.
أما هي فستكون قلقة؛ حيث لم تر بعينها حال أبيها، وأما أبوها فإن قلب الوالد يَحِنُّ إلى الولد، فنقول: لا بأس أن تخرج لتعود أباها إذا مرض، أو أمها، أو أحدًا من أقاربها.
لكن متى في النهار ولَّا في الليل في النهار؟ طلبة: في النهار.
الشيخ: في النهار، هل من الحاجة إذا خرج أهلها إلى البر للنزهة أن تخرج معهم؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليس من الحاجة، حتى لو قالوا: يا فلانة، اخرجي معنا، فليس من الحاجة.
هل من الحاجة إذا ضاق صدرها أن تخرج إلى جارتها في البيت؟ الجواب: نعم، من الحاجة؛ لأن أزمة ضيق الصدر قد تطور إلى مرض نفسي، فإذا ضاق صدرها وخرجت إلى جارتها لتستأنس معها في النهار خاصةً فلا بأس.
المهم أنه يجوز لها أن تخرج لحاجتها نهارًا، وللضرورة ليلًا.
قال: (وإن تركت الإحداد أثمت، وتمت عدتها بمضي زمانها) يعني: لو أن المرأة التي تُوفِّي عنها زوجها صارت تلبس الثياب الجميلة وتتطيب وتتحلى وتتزين وتخرج من البيت، وانتهت أربعة أشهر وعشرة أيام تنتهي العدة أو لا؟ تنتهي، فليس الإحداد شرطًا لتمام العدة، ولكن تكون آثمة؛ لأنها تركت الواجب عليها، وترك الواجب يستحق الإثم.
إذن لو سألك سائل: هل الإحداد شرط في إنقضاء العدة؟

فالجواب: لا، فلو لم تحد وانتهت المدة خرجت من العدة، ولكنها آثمة.


باب الاستبراء

ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الاستبراء) الاستبراء: طلب البراءة، والمراد: طلب ببراءة الرحم من الحمل، هذا هو الاستبراء.
قال: (من ملك أمة يُوطَأُ مثلها من صغير) (مِن صغير) بيان للمالك، (من صغيرٍ وذَكَرٍ وضِدِّهِمَا) ضد الصغير: الكبير، وضد الذكر: الأنثى، (حَرُمَ عليه وطؤها ومقدماته قبل استبرائها).
(من ملك أمة يُوطَأُ مثلها) وهي التي تَمَّ لها تسع سنين، (حَرُمَ عليه وطؤها ومقدماته) سواء كان المالك صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، لكن الأنثى لا تطأ، وسواء ملكها أيضًا من صغير أو من كبير أو من ذكر أو من أنثى فإنه يجب عليه استبراؤها، سيأتي ذكر الاستبراء.
إذن (من صغير وكبير) يصح أن نفسرها بالمالك وبالمملوك منه؛ أي: بالبائع والمشتري منه.
مثال ذلك: رجل اشترى يُوطَأُ مثلها من صغير يجب عليه أن يستبرأها؛ أعني: المشتري يستبرؤها، ليش؟ خوفًا من أن يكون في بطنها ولد.
فإذا قال قائل: إذا ملكها من صغير هل يمكن الصغير أن يطأها؟ يعني: ولد صغير له سبع سنوات عنده أمة ورثها من أبيه -مثلًا- وباعها هذا الصغير؛ باعها وليه، فهل يجب على المشتري الاستبراء؟ يرى المؤلف أن الاستبراء واجب؛ لأنه ملكها؛ تجدد ملكه عليها.
والقول الثاني أنه لا يجب الاستبراء في هذه الحال؛ لأن الاستبراء طلب براءة الرحم من الولد، وهنا لا يمكن أن تلد، حتى لو وطئها هذا الصغير ما ولدت منه.
لو قال قائل: الصغير لا يمكن أن تحمل منه، لكن أَلَا يمكن أن يكون أحد زنى بها؟ فالجواب: بلى، لكن الأصل عدم ذلك.
كذلك لو ملك أمة من امرأة -إنسان اشترى جارية من امرأة- فإنه يجب استبراؤها مع أن المرأة هل يمكن أن تجامع الجارية؟ لا يمكن أن تجامعها، حتى لو حصل سحاق ما يمكن أن تحمل من ذلك.

والقول الثاني أنه إذا ملكها من امرأة لم يجب عليه استبراؤها؛ لأن الاستبراء إنما هو لطلب براءة الرحم، وهنا لا حاجة إليه.
لو ملكها رجل، لكن الرجل قال له: إنه لم يجامعها، أو قال: إنه استبرأها بحيضة قبل البيع، فهل يستبرؤها المشتري أو لا؟ إذا كان البائع غير ثقة فإنه يجب على المشتري استبراؤها؛ لأنه لا يثق من قول البائع، وأما إذا كان البائع ثقة يخاف الله عز وجل وقال للمشتري: إنه استبرأها، أو قال للمشتري: إنه لم يجامعها فالمذهب يجب استبراؤها.
والقول الثاني: لا يجب، وهو الراجح؛ لأن المقصود من الاستبراء أيش؟ العلم ببراءة الرحم، وهنا نعلم أنه ليس بها حمل؛ لأن الرجل الذي باعها أخبر بأنه استبرأها أو أخبر بأنه لم يجامعها، ونحن نثق بقوله، فلا استبراء.
يقول رحمه الله: (حرم عليه وطؤها ومقدماته) أما وطؤها فلا إشكال، وأما مقدماته فلسد الذريعة؛ سدًّا للذريعة، أتعرفون مقدمات الوطء؟ كالتقبيل، والغمز، والضم، وما أشبه ذلك، قالوا: يحرم عليه مقدمات الجماع؛ سدًّا للذريعة؛ لأنه ربما لا يملك نفسه، إذا قويت شهوته لا يملك أن يجامع.
ولكن الصواب أن مقدمات الجماع لا تحرم؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6]، وهذا مالك لليمين، وهذا يمين مالكه، لكن يمنع من الجماع خوفًا من أن يكون في بطنها حمل، فالصواب أن مقدماته لا تحرم.
نعم، لو فُرِضَ أن الرجل ضعيف العزيمة ويخشى على نفسه خشية محققة لو أنه أتى بمقدمات الجماع أن يجامعها، فحينئذٍ نمنعه، ويكون لكل مسألة حكمها.
فإن قال قائل: كيف لا تحرم مقدماته مع تحريم الوطء؟ نقول: هذا الحائض يحرم وطؤها ولا يحرم مقدمات الجماع، هذه الصائمة يحرم وطؤها ولا تحرم مقدمات الجماع؛ كالتقبيل، وما أشبه ذلك.

(ومقدماته قبل استبرائها) واستبراء الحامل بوضعها؛ يعني: بوضع الحمل، ومن تحيض بحيضة، والآيسة والصغيرة بمضي شهر، فإذن الاستبراء ثلاثة أقسام: استبراؤها بوضع الحمل؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة أوطاس: «لَا تُوطَأُ ذَاتُ حَمْلٍ حَتَّى تَضَعَ» (9). الحائض استبراؤها بحيضة؛ لأن الحامل عادة لا تحيض.
التي لا تحيض لصغر أو إياس تستبرأ بشهر؛ لأن الله تعالى جعل الشهر بدل الحيضة في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4].
فهذه أحوال الاستبراء، ثلاث فقط؛ الحامل بوضع الحمل، الآيسة أو الصغيرة بشهر، التي تحيض بحيضة، والله أعلم.

طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تُوطَأُ ذَاتُ حَمْلٍ حَتَّى تَضَعَ»، هل هذا الحديث يدل على أن الحامل لا توطأ؟ الشيخ: لا، الحامل من الغير؛ لأن هؤلاء النساء مسبيات قد حملن من أزواجهن، فقال: لا توطأ حتى تضع، وأما زوجة الإنسان فله أن يطأها إلا أن يضرها، إن ضرها فلا يجوز، وأما بدون ضرر فهي زوجته.
طالب: شيخ، إذا وُجِدَ مع المحتدة محرم هل لها أن تخرج في الليل؟ الشيخ: لا تخرج إلا لضرورة.
طالب: (... ) ضوابط الحاجة؟ الشيخ: الحاجة: ما دون الضرورة؛ يعني -مثلًا- الكماليات هذه حاجة.
طالب: بارك الله فيك، ذكرنا أنه إذا مات زوجها ولها مسكنان فلها أن تعتد في أيهما شاءت (... ) مرة هنا أو مرة.. ؟ الشيخ: لا بأس (... ) -مثلًا- أسبوع وهذا أسبوع، أو هذا في الليل وهذا في النهار.
طالب: يا شيخ، (... ) بيتها -مثلًا- في وسط المدينة، ومعروف في وقتنا الحاضر أن المدينة في الليل يكون السكان أكثر من النهار، فهل لها أن تخرج في الليل؟ الشيخ: ما تخرج إلا للضرورة.

طالب: شيخنا -الله يحفظك- بالنسبة لتزيين الأسنان أو تركيب الأسنان، الآن يركبون الأسنان ويزينونها، فهل هذا يحرم أيضًا على (... )؟ الشيخ: الظاهر أنه يحرم حتى تنتهي العدة، كل شيء فيه تجميل هو حرام إلى أن تنتهي العدة.
طالب: هل يتعبر متعدد المساكن مساكن الأبناء؟ الشيخ: لا، إذا صار لها مسكن مع زوجها ولها أبناء لهم مساكن، ما تخرج لأبنائها، تبقى في بيت الزوج.
طالب: وطء الحامل هل يؤثر في اختلاط النشأة؟ الشيخ: لا، ما يؤثر، الحامل -إن شاء الله عز وجل- على حسب ما أراده سبحانه وتعالى ولا يؤثر، لكن قال الإمام أحمد: إن وطء الحامل يزيد الحمل نموًّا ويزيد في سمعه وبصره، وقد جاء في الحديث: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُسْقِي مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» (10). طالب: المعتدة (... ) أجبرها والديها بالانتقال إليهما، فما الحكم في هذا؟ الشيخ: لا يجوز، يقول: إن المرأة المعتدة إذا أجبرها أبوها أو أمها على أن تسكن مع أبيها أو أمها، فنقول: لا يجوز لهما إجبارها، وإذا أجبراها لم يلزمها أن توافق، لكن إذا أكرهاها فحينئذٍ لا ذنب عليها.
طالب: المحتدة إذا كان في عرفكم بلباس معين؛ يعني نوع من اللباس، هل تلتزم بلباس معين؟ الشيخ: لا، المعتدة لا تعتد بلباس معين، خلافًا لما كان الناس يعتادونه فيما سبق، يقولون: إن المرأة المعتدة من الوفاة لا بد أن تلبس ثوبًا أسود أو أخضر، وهذا لا أصل له، تلبس ما شاءت من الثياب إلا ثياب الزينة.
طالب: جزاكم الله خيرًا، المعتدة إذا كانت في بلاد الغربة -يعني ما فيها أهلها- هل تعتد.. ؟ الشيخ: ساكنة ولا طارئ؟ الطالب: ساكنة.
الشيخ: إي نعم، تبقى في مكانها حتى تنتهي العدة، ما لم تخف على نفسها.
طالب: حكم استعمال الحناء للمعتدة؟ الشيخ: من الوفاة؟ الطالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: هل الحناء تحسين أو لا؟ الطالب: للضرورة يا شيخ.

الشيخ: هل الحناء تحسين أو لا؟ ما أسألك عن الضرورة وعدم الضرورة.
الطالب: نعم، تحسين.
الشيخ: إذن ما يجوز.
طالب: للعلاج يا شيخ؟ الشيخ: إذا كان للعلاج فهذا لا بأس به، على أني في شك من هذا؛ لأن امرأة أتت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقالت: إن ابنتها مات عنها زوجها وإنها تشتكي عينها، أفنكحلها؟ قال: «لَا» (11)، فقياس هذا على كحل العين للعلاج أقرب من الإباحة، ولكن لكل حالة حكمها؛ قد تكون هناك ضرورة بينة والعلاج بالحناء أيضًا ناجع، فهنا نجيزه؛ مثل لو كانت يدها -مثلًا- تتقشر، الجلد يتقشر والحناء تخفف، فهذا قد نجيزه.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- إذا كان ليس يوجد فيه إلا إخوة الزوج وتخشى من دخولهم عليها، هل يحق لها الخروج من المنزل؟ الشيخ: تخشى من دخولهم عليها؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ولو دخلوا، إذا كان ما فيه خلوة والإخوان هؤلاء أناس ثقات ما عليها شيء، تبقى في بيتها.
طالب: أحسن الله إليك، بالأمس أخذنا من الحاجات التي تبيح للمرأة المعتدة أن تخرج من بيتها لضيق صدرها، فتذهب عند جارتها، لو قال قائل: كيف تجيزون ذلك ومظن المضرة؛ يعني ربما يحصل لها مرض؛ يعني ضيق الصدر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمح لهذه المرأة تكحل عيون ابنتها (11)؟ الشيخ: الفرق بينهما ظاهر؛ هذا إحداد في المكان، وذاك إحداد في الحال، والتجمل متصل بالبدن، أما هذا فهو ظرف منفصل.


(كتابُ الرَّضَاعِ) يَحْرُمُ من الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ، والْمُحَرِّمُ خمسُ رَضاعاتٍ في الْحَوْلَيْنِ،

مدخل

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿كتاب الرضاع﴾ الرضاع: مص الثدي لاستخراج اللبن منه.
هذا في اللغة.
أما في الشرع فالرضاع أعم من هذا؛ يشمل مص الثدي، وكذلك إسقاء الراضع من إناء أو نحوه، فهو إيصال اللبن إلى الطفل، سواء عن طريق الثدي أو عن طريق الأنبوب، أو عن طريق الإناء العادي، المهم أن نقول: الرضاع هو وصول اللبن إلى الطفل بأي وسيلة.
وهذا من النوادر؛ أن يكون المعنى الشرعي أعم من المعنى اللغوي؛ لأن العادة أن المعنى اللغوي أعم من المعنى الشرعي، لكن يأتي أحيانًا أن يكون المعنى الشرعي أوسع من المعنى اللغوي، الإيمان -مثلًا- في اللغة: التصديق، لكن في الشرع يشمل التصديق والقول والعمل.
الرضاع في اللغة: مص الثدي، لكن في الشرع أعم من هذا؛ وهو وصول اللبن إلى معدة الطفل بأي سبب من الأسباب.
قال المؤلف: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) هذه الجملة هي لفظ الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهي إذن مسألة بدليلها؛ «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (12) يعني: أن ما حرمه النسب يحرمه الرضاع.
فلننظر بالحد والعد؛ بالعد اقرأ الآية الكريمة في سورة النساء: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: 23]، كم هذه؟ طلبة: سبع.
الشيخ: سبع، ثم قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23] انتقل إلى جنس آخر، فيحرم على الإنسان من الرضاع ما يحرم من النسب؛ يحرم عليه أمه من الرضاع، بنته من الرضاع، أخته من الرضاع، عمته من الرضاع، خالته من الرضاع، بنت أخته من الرضاع، بنت أخيه من الرضاع، كما في الآية تمامًا.

«يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» وعلى هذا لا تتعب نفسك، إذا سألك سائل عن مسألة فيها رضاع، فانظر هل العلاقة بين الراضع ومن أرضعته هل هي الأمومة، البنوة، الأخوة، العمومة؛ الخؤولة؟ انظر؛ لأن الحديث محكمٌ والآية محكمةٌ.
فالمحرمات من النسب سبع، يحرم نظيرهن من الرضاع.
هذا بالنسبة للعد إذا عددناه: الأم، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخت، وبنت الأخ.
هذا العد.
أما الحد، فنقول لدينا ثلاثة: أم مرضعة، وصاحب لبن، وراضع، كم هؤلاء؟ ثلاثة؛ أم مرضعة، والثاني صاحب اللبن؛ وهو زوجها أو سيدها، والثالث راضع، كل واحد من الثلاثة له أصول، وفروع، وحواشٍ.
فالمرضعة لها أصول وفروع وحواش، من أصول المرضعة؟ آباؤها وأمهاتها وإن علوا، من فروعها؟ أبناؤها وبناتها وإن نزلوا، من حواشيها؟ إخوانها وأعمامها وأخوالها.
صاحب اللبن كذلك له أصول، وفروع، وحواشٍ، أليس كذلك؟ من هو صاحب اللبن؟ الزوج أو السيد.
فلنفرضها في الزوج؛ لأن السيد غير موجود أو قليل، صاحب اللبن له آباء وأمهات هؤلاء نسميهم أصولًا، له أبناء وبنات؛ فروعًا له، إخوة وأعمام وأخوال؛ حواشٍ.
بقي الراضع له أصول، وفروع، وحواشٍ.
فما هو المؤثر فيه الرضاع؟ الرضاع لا يؤثر في حواشي وأصول الراضع، لا أثر للرضاع بالنسبة لأصول الراضع وحواشيه، وإنما الذي يتعلق به حكم الرضاع الراضع وفروعه فقط.
بالنسبة للمرضعة يتعلق بأصولها وفروعها وحواشيها.
بالنسبة لصاحب اللبن يتعلق بأصوله وفروعه وحواشيه.
هذا تقسيم حاصر ويسهِّل على الإنسان أن يعرف تأثير الرضاع، ما يفكر كثيرًا؛ لأنه يخرج من تأثير الرضاع من؟ من يخرج؟ أصول الراضع وحواشي الراضع، هؤلاء لا علاقة لهم بالرضاع إطلاقًا، يؤثر الرضاع في الراضع ومن؟ وفروعه.
أضرب لهذا مثلًا: زيدٌ رضع من هند، ولها زوج اسمه خالدٌ، عندنا ثلاثة الآن: زيدٌ رضع من هند، ولها زوج اسمه خالدٌ، هؤلاء ثلاثة، أليس كذلك؟

أمهات هند هل يؤثر فيهن الرضاع أو لا يؤثر؟ طلبة: يؤثر الشيخ: انتبهوا، يؤثر؟ طلبة: يؤثر.
الشيخ: تمام.
بنات هند يؤثر فيهن الرضاع؟ طلبة: يؤثر.
الشيخ: يؤثر؟ طلبة: يؤثر.
الشيخ: طيب، أخوات هند؟ طلبة: يؤثر الشيخ: يؤثر؟ طلبة: يؤثر.
الشيخ: عماتها خالاتها كذلك.
نأتي إلى صاحب اللبن وهو خالد، فننظر هل يؤثر الرضاع في أمهات خالد؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يؤثر؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأنهن؟ طلبة: أصوله.
الشيخ: أصوله.
هل يؤثر في بناته؟ نعم؛ لأنهن فروعه.
هل يؤثر في إخوانه؟ نعم؛ لأنهم حواشيه.
بقينا الراضع الذي هو زيد، هل يؤثر الرضاع في ذريته؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم.
هل يؤثر في إخوانه؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا يؤثر؛ ولذلك يجوز لأخي الراضع أن يتزوج من أرضعت أخاه أو لا يجوز؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز لأخي الراضع أن يتزوج من أرضعت أخاه، لماذا؟ لأن الرضاع لا يؤثر في حواشي الراضع.
يجوز لأبي الراضع أن يتزوج من أرضعت ابنه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: أبوه يجوز؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأن الرضاع لا يؤثر في أصول الراضع.
هل يجوز لابن الراضع أن يتزوج أخت الراضع من المرأة التي أرضعته؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأنها من فروع الراضع، وفروع الراضع يؤثر فيهم الرضاع.
اضبطوا هذا علشان بمجرد ما ترد عليك المسألة تحلها على طول، وإلا فمشكلة الرضاع مشكلة عظيمة.
هذا الرضيع رضع من امرأة اسمها هند مع ابنتها عائشة، لكن هند لها بنات من قبل، هل يكن أخوات له؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأنهن من فروع المرضعة التي هي هند.
هل يكون أخًا للبنات اللاتي بعده؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنهن من فروع المرضعة.
اضبط هذه الضوابط يتبين لك الأمر بوضوح وبدون تعب في التفكير.
رجل رضع من امرأة لها ابن اسمه علي، ولعلي بنت، هل يجوز للراضع أن يتزوج بنت علي؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأنها من فروع المرضعة، والرضاع يؤثر بالنسبة للمرضعة في أصولها وفروعها وحواشيها.

رجل رضع من امرأة زيد، وكان لزيد امرأة أخرى لها بنات، هل يجوز أن يتزوجهن؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، ليش؟ لأنهن من فروع صاحب اللبن.
أرجو -إن شاء الله- أن الأمر واضح الآن.
إن رجعنا إلى العد فنقول: المحرمات بالرضاع سبع كالمحرمات بالنسب، اقرأ الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: 23] نظيرهن من الرضاع تمامًا حرام، انظر أيها أسهل لك؛ الحد أو العد، لكن الحد يحصر لك الجهات التي يؤثر فيها الرضاع أو لا يؤثر.

[شروط الرضاع المحرِّم]

قال: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) (النسب) يعني: القرابة.
(والمحرِّم خمس رضعاتٍ) بدأ المؤلف بشروط الرضاع المحرِّم، الرضاع المحرِّم خمس رضعات، ودليل ذلك ما رواه مسلم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهي فيما يُقْرَأ من القرآن (13)، هذا الحديث صحيح، وفي مسلم، وعلى هذا فما دون الخمس لا يؤثر.
ولكن يبقى النظر ما هي الخمس؟ أهي خمس مصات، أو خمسة أنفاس، أو خمس وجبات؟ انتبهوا حتى تعرفوا الخلاف، بعضهم قال: خمس مصات، وعلى هذا يمكن أن يثبت الرضاع في خلال ثلاث دقائق؛ لأنه إذا مص ثم بلع، ثم مص ثم بلع، ثم مص ثم بلع -خمس مرات- ثبت الرضاع.
وبعضهم يقول: بل خمسة أنفاس، وعلى هذا فإذا مص ثم بلع، ومص وبلع، ومص وبلع في نفس واحد، ثم أطلق الثدي، ثم عاد، تكون الثانية هي الثانية، فقط ثانية.
وبعضهم يقول: خمس رضعات؛ أي: خمس وجبات، كما يقال: خمس أكلات، وعلى هذا فلا بد من زمن يقطع اتصال الثانية بالأولى.
مثال ذلك: أرضعته أول النهار الساعة الثامنة، ثم الساعة التاسعة، ثم العاشرة، ثم الحادية عشرة، ثم الثانية عشرة، ثم الواحدة، كم هذه؟ خمس رضعات.

فلو أرضعته في مكان واحد، وامتص الثدي، ثم أطلقه يتنفس، ثم عاد ورضع، ثم أطلقه ليتنفس، ثم عاد، خمس مرات ولكنها في جلسة واحدة، فهل يؤثر على هذا القول الأخير أو لا يؤثر؟ لا يؤثر.
فإذا قال لنا قائل: أيهما أرجح؛ المصات، أو الأنفاس، أو الوجبات؟ قلنا: الأصل عدم التأثير، ولا نتيقن التأثير إلا بخمس وجبات؛ لأن الأصل أنه لا يؤثر، فنأخذ بالاحتياط، والاحتياط ألَّا يؤثر إلا خمس وجبات، لا خمس مصات، ولا خمسة أنفاس، وهذا اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله، وهو ظاهر اختيار صاحب زاد المعاد ابن القيم، وهو الأحوط.
كيف الأحوط؟ نعم، الأحوط.
إذا قال قائل: لماذا لا نجعل الأقل هو الأحوط؟ قلنا: مشكل؛ إذا احتطنا من جهة أهملنا من جهة أخرى، مثلًا هذه طفلة رضعت خمس مصات، هل الأحوط أن نجعل المصات هي المحرمة أو الوجبات؟ قل: نجعل المصات إذا احتطنا، وقلنا: إن بنت المرضعة تكون أختًا للراضع، فيحرم عليه نكاحها، أتانا أمر آخر ضد هذا الاحتياط؛ وهي أننا إذا قلنا: إنها أخته لزم من ذلك أن يخلو بها، ويسافر بها، وتكشف وجهها له، والاحتياط ألَّا تفعل، وهي لا تفعل هذا إلا إذا قلنا: إن الرضاع غير مؤثر؛ لذلك لا تحتاط من جهة إلا أهملت من جهة أخرى، فنرجع إلى الأصل، ما هو الأصل؟ عدم التأثير؛ ولهذا كان اختيار شيخنا رحمه الله ومن قبله ابن القيم كان هو المتمشي على القواعد والأصول.
إذن يُشْتَرط لكون الرضاع محرِّمًا أن يكون خمس رضعات.
وقالت الظاهرية: لا يُشْتَرط، ولا ثلاث أنفاس ولا شيء، مطلق الرضاع ولو كان نقطة يحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23] ولم يذكر عددًا.
فيُقَال: نعم، القرآن ليس فيه ذكر العدد، ولكن السنة فيها ذكر العدد، والسنة تبين القرآن وتفسره.

قال بعض العلماء: المحرِّم ثلاث رضعات، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ، وَلَا الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ» (14)، قالوا: فمنطوق الحديث أن الثنتين لا تؤثر، مفهومه: أن ما زاد مؤثر.
ولكن الجواب عن هذا أن يقال: دلالة تأثير الثلاث بالمفهوم، ودلالة أنه لا يؤثر إلا الخمس بالمنطوق، ودلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم.
ويتبين بشرح المثال، إذا قلنا: لا تحرِّم المصة ولا المصتان، صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح، حتى إذا قلنا بخمس رضعات فالثنتان لا تؤثر.
إذا قلنا: الثلاث تؤثر، بقي عندنا معارضة بحديث الخمس؛ أنه لا يحرِّم إلا خمس رضعات، وحينئذٍ لا يمكن العمل إلا بحديث عائشة أنه لا بد من خمس رضعات (13). وهذا هو الصواب.
قال المؤلف: (في الحولين) هذا شرط آخر؛ يعني: أن تكون الرضعات الخمس كلها في الحولين من ولادة الطفل، فإذا ولد في واحد محرم عام عشرين، متى ينتهي وقت الرضاع؟ واحد محرم عام اثنين وعشرين، فما دام في الحولين فالرضاع مؤثر، وإذا انته الحولان فالرضاع غير مؤثر.
الدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]، فقالوا: تمام الرضاعة في حولين، وما زاد فهو خارج.
وظاهر كلام المؤلف: أن الرضاع في الحولين مؤثر، سواء فُطِمَ الصبي أم لم يفطم، حتى لو فُرِضَ أنه فُطِم في سنة، وفي السنة الثانية كان يأكل الخبز والجبن وكل شيء ورضع، فالرضاع مؤثر ولَّا غير مؤثر؟ طلبة: مؤثر.
الشيخ: مؤثر، ولو كان لا يتغذى باللبن، لو كان يتغذى بالخبز والتمر والرز فإنه ما دام في الحولين فرضاعه مؤثر.

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن العبرة بالفطام، فما كان قبل الفطام فهو مؤثر ولو بعد الحولين، وما كان بعد الفطام فليس بمؤثر ولو في الحولين، واستدل رحمه الله بالأثر والنظر.
أما الأثر فالحديث المعروف: «لَا رِضَاعَ إِلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» (15)، ما قال: وكان قبل الحولين.
هذا الأثر.
النظر: لأنه إذا كان يتغذى بغير اللبن -يعني بالطعام المعروف- فأي فرق بين من في الحولين ومن بعد الحولين؟ كل منهما -أي: من الطفلين- لا يحتاج إلى اللبن.
لو رضع أربع مرات إلى صباح ثلاثين من ذي الحجة من السنة الثانية، لما هلَّ محرم عام اثنين وعشرين رضع الخامسة، هل يؤثر أو لا يؤثر على قول من يرى أن العبرة بالحولين؟ لا يؤثر، سبحان الله! أي فرق بين هذا وبين قبل ساعة؟ ! الطفل محتاج للبن.
ثم أي فرق بين طفل فطم للحول الأول، وصار يأكل الطعام وآخر يأكل الطعام في السنة الثالثة؟ ! لا فرق.
فالقول الراجح أن العبرة بالفطام، سواء كان قبل الحولين أو بعد الحولين لو فُرِض أن هذا الطفل نموه ضعيف، وصار يتغذى باللبن حتى تم له ثلاث سنوات، في السنة الثالثة رضاعه مؤثر أو غير مؤثر؟ مؤثر على القول الراجح، وأما على قول من قال: العبرة بالحولين فرضاعه غير مؤثر.
والسَّعُوطُ والوَجورُ ولَبَنُ الْمَيْتَةِ والموطوءةِ بشُبْهَةٍ أو بعَقْدٍ فاسدٍ أو باطلٍ أو زِنًا مُحَرَّمٌ، وعكسُه البهيمةُ وغيرُ حُبْلَى ولا مَوطوءةٍ.
فمَتَى أَرضَعَت امرأةٌ طفلاً صارَ وَلَدَها في النكاحِ والنظَرِ والْخَلوةِ والْمَحْرَمِيَّةِ، الشيخ: في السنة الثالثة رضاعه مؤثِّر أو غير مؤثِّر؟ طلبة: مؤثر.

الشيخ: مؤثِّر على القول الراجح، وأما على قول من قال: العبرة بالحولين، فرضاعه غير مؤثر، ولو فرضنا أن طفلًا فُطِم لأول سنة، وصار يأكل الطعام، وأرضعناه في السنة الثانية، فهل الرضاع محرِّم أو غير محرِّم؟ على القول بأنه الحولين مؤثرٌ، وعلى القول الذي رجحناه غير مؤثر.
المهم يشترط في الرضاع المحرِّم أن يكون في وقت معين؛ إما في الحولين على ما مشى عليه المؤلف، وإما قبل الفطام على القول الراجح، فيضبط هذا، هذا قول.
القول الثاني: يقول الرضاع محرِّم ولو كان الإنسان له ستون سنة، حتى لو كان الراضع أكبر من المرضعة، يمكن يكون الراضع أكبر من المرضعة؟ يمكن، نعم.
هذا شيخ كبير له ستون سنة، رضع من امرأة شابة لها عشرون سنة خمس مرات، لا بل مرة واحدة؛ يكون ولدًا لها، نعم هو يقول لها: يا أمي، وهي تقول: يا بني، وهذا رأي الظاهرية.
الظاهرية لا يرون سنًّا ولا عددًا، متى حصل الرضاع فهو ولد، يقولون: ما نشترط حولين ولا فطام ولا شيئا، متى رضع فهو ولد، ولا نشترط عددًا، لو رضع ولو مرة واحدة، ولو نقطة واحدة فهو ولد، شوف سبحان الله، غريب، إيش دليلهم؟ أولًا: الإطلاق ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُم﴾ [النساء: 23].

الثاني: قصة سالم مولى حذيفة، كان حذيفة قد تبناه قبل أن يبطل التبني؛ يعني اتخذه ابنًا له وصار كأبنائهم تمامًا، يدخل البيت وزوجة حذيفة لا تحتجب عنه كأنه ابن تمامًا، لما أبطل الله التبني صار هذا –سالم- صار أجنبيًّا منها، من المرأة، فجاءت تشتكي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتقول: إن سالمًا كان حذيفة قد تبناه، يدخل علينا ويخرج، ونكلمه، كل شيء، والآن بطل التبني ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: 4] قال لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» (1)، وهو كبير يقضي الحوائج «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ»، قالوا: وهذا رضاع كبير، وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مؤثِّر، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وعلى هذا فإذا كانت امرأة أحبت أن تكشف لهذا الرجل، قالت: تعالى يا ولد، أنا أرغب أن أفتش لك، وأن تخلو بي وأن أسافر معك، يلَّا ارضع، نعم، يبقى إشكال، يقول: كيف أرضع من ثديها وأنا لست مَحْرمًا لها؟ مشكلة، لو جعل يرضع من الثدي وله عشرون سنة تحصل فتنة لا شك، نقول: الحمد لله فيه مخرج، كل يوم تصلح له دلة حليب من ثديها خمسة أيام (... ) ولدًا لها، أليس كذلك؟ بل على كلام الظاهرية رحمهم الله مرة واحدة تكفي، هذا القول كما ترون فيه شبهة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» وهو كبير يقضي حاجاتهم، ولكن نقول: هذا الحديث يعارض المنطوق؛ لأن هذا حكم في قضية معينة، يعارض المنطوق، «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا أَنْبَتَ الْعَظْمَ أَوْ مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ وَكاَنَ قَبْلَ الْفِطَامِ» (2) يعارضه، فيقال: هذا الحكم خاص فيمن حصل لها مثل هذه الحادثة، وبهذا تجتمع الأدلة، وهو أن يقال: هذا الحكم -قصة سالم- خاص بمن تحصل له هذه القضية، بقينا عاد، منعتوا الحكم، هل هو مجرد الحاجة أو لا بد أن تكون حاجة مماثلة لقصة سالم؟

يرى بعض العلماء أنها مطلق حاجة، وأن المرأة متى احتاجت إلى أن ترضع هذا الإنسان وهو كبير أرضعته، وصار ابنًا لها، ولكننا إذا أردنا أن نحقق قلنا: ليس مطلق الحاجة، بل الحاجة الموازية لقصة سالم.
الحاجة الموازية لقصة سالم هل هي ممكنة الآن ولّا غير ممكنة؟ طلبة: غير ممكنة.
الشيخ: غير ممكنة؛ لأن التبني أبطل، لا يمكن أن يكون هذا الرجل الكبير ابنًا لصاحب اللبن، فقد انتفى الحكم، انتفت الحالة فينتفي الحكم، ويدل لهذا التوجيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، قالوا: يا رسول الله أرأيت الحمو –الحمو: هو قريب الزوج كأخيه مثلًا، يدخل على بيت أخيه- قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (3)، والحمو هل هو في حاجة إلى أن يدخل بيت أخيه ويخلو بزوجة أخيه أو لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، هو بحاجة إذا كان البيت واحدا، فهو بحاجة رجل يدخل ويخرج، ولم يقل عليه الصلاة والسلام الحمو ترضعه زوجة أخيه، مع أن الحاجة ذكرت له، فدل هذا على أن مطلق الحاجة لا يبيح الرضاع المؤثر، والخلاصة الآن بعد انتهاء التبني نقول: لا يجوز إرضاع الكبير ولا يؤثر إرضاع الكبير، بل لا بد إما أن يكون في الحولين، وإما أن يكون قبل الفطام وهو الراجح.
باب الرضاع في الحقيقة مهم جدا اضبطوا مسائله وقواعده؛ لأنه مهم.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين، أما بعد.
فهذا بحث مختصر عن كلمة (يبسط) قال ابن فارس: بَسَطَ: الْبَاء وَالسِّين وَالطَّاء أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ امْتِدَادُ الشَّيْءِ فِي عَرْضٍ أَوْ غَيْرِ عَرْضٍ، فَالْبِسَاطُ مَا يُبْسَطُ.
وَالْبَسَاطُ الْأَرْضُ، وَهِيَ الْبَسِيطَةُ، يُقَالُ: مَكَانٌ بَسِيطٌ وَبَسَاطٌ، وقَالَ: البَسْطَة في كل شيء السعة.
انتهى

وقال صاحب القاموس: بَسَطَه: نَشَرَه، كبَسَّطَه فانْبَسَطَ وتَبَسَّطَ.
والباسط هو الله تعالى، ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى: 12]؛ يوسعه.
والبسيط: المنبسط بلسانه، وقد بَسُط ككرم، وثالث بحور العروض.
الشيخ: وثالث.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ثالث بحور العروض؛ يعني العروض من جملة بحورها البسيط، يقول: البيت هذا من البسيط، البيت هذا من الطويل مثلًا.
الطالب: وذكر في المعجم الوسيط أن بسطة الشَّيْء بمعنى: نشره، وَبمعنى: جعله بسيطًا لَا تعقيد فِيهِ، وأشار إلى أنها محدثة.
الشيخ: هذه (... ) بسيط ما فيه تعقيد؛ يعني: سهل، لكن أشار إلى أنها محدثة؛ يعني: ليست عربية أصيلة.
طالب: شيخ جزاك الله خيرًا، ذكرت في مادة الحديث، في حديث البراء بن عازب أن من ضحى بعناق وهي دون الستة أشهر يجزئه (4)، وهو قول شيخ الإسلام.
وذكرتم في الرضاعة حديث سالم، كيف خصصت (... ) بجواز ذلك ولم (... )؟ الشيخ: نفس الشيء، إحنا قلنا أيضا في حديث البراء: إن معنى الحديث على القول الراجح لن تجزئ عن أحد بعدك؛ أي: بعد حالك؛ يعني لا تجزئ إلا لمن كان مثلك ذبح -جاهلًا- قبل الصلاة، ولم يكن عنده دراهم، وعندهم عناق صغيرة فيضحي بها إذا شاء، نفس الشيء.
طالب: (... ). الشيخ: ونحن ما خصصنا سالمًا بعينه، خصصناه بحاله، وقلنا: إذا وقع حال كحال سالم فالحكم واحد، لكنه لن يقع الآن؛ لأن التبني أبطل.
طالب: في بعض بلاد الكفار يكثر التبني، فلو فرضنا أن عائلة أسلمت، فماذا يحصل بالنسبة لابنهم لو كان عندهم ابن من التبني؟ الشيخ: إي نعم، يلغى هذا، إذا كان الكفار يجيزون التبني وأسلموا يلغى هذا التبني، ويبقى الرجل أجنبيًّا منهم، ويسمى بغير أسمائهم، وينتهي الموضوع.
طالب: يا شيخ حفظك الله، إذا تعدت امرأة على طفل وأرضعته بغير إذن أهله، فهل يأخذ أحكام الرضاعة؟

الشيخ: إذا تمت الشروط نعم؛ لا يشترط إذن الزوج ولا رضا أهل الطفل، بل متى رضع إن تمت الشروط فهو ابنها.
طالب: أحسن الله إليك، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا لِلصَّلَاةِ صَدَقَةٌ» (5). الشيخ: هذه في النوع.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، اللقيط، هل لصاحب البيت يجعل امرأته ترضع اللقيط؟ الشيخ: إي نعم، إذا كان في زمن الرضاع لا بأس ترضعه، ويكون ابنًا لها وأخًا لأولادها وأولاد زوجها.
الطالب: إذا كان كبيرًا.
الشيخ: كيف كبير؟ الطالب: إذا كبر ولم يرضعوه.
الشيخ: لا، ما يجوز، لا بد من الشروط، لا بد أن يكون في الحولين أو قبل الفطام، على الخلاف الذي سمعت.
طالب: هل المرأة تأثم إذا ما استأذنت زوجها في الرضاع؟ الشيخ: لا، لا تأثم إلا إذا كان قد قال لها: لا ترضعي أحدًا إلا بإذني؛ لأنها حرة تفعل ما شاءت.


طالب: (... ) الموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد أو باطل، أو بزنا مُحَرِّم، وعكسه البهيمة، وغير حبلى، ولا موطوءة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المؤلف: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ما هو الدليل؟ طالب: الدليل هو حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: وهو؟ طالب: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (6). الشيخ: ما المُحَرَّمات من النسب؟ طالب: الأخوات من النسب.
الشيخ: عشر.
طالب: البنات.
الشيخ: لا، بس قل لي: عشر.
طالب: أعرفهم يا.. الشيخ: لا تعدهم، حتى نعرف العدد أولًا ثم المعدود.
طالب: سبع.
الشيخ: سبع ولّا عشر؟ الطالب: سبع.
الشيخ: سبع، قلها؟ الطالب: البنات.
الشيخ: نعم.
الطالب: أولًا الأمهات، ثم البنات.
الشيخ: الأمهات.
الطالب: البنات.
الشيخ: والبنات.
الطالب: الأخوات.
الشيخ: الأخوات.
الطالب: العمات.
الشيخ: العمات.
الطالب: الخالات.
الشيخ: الخالات.
الطالب: بنات الأخ.

الشيخ: بنات الأخ.
الطالب: بنات الأخت.
الشيخ: بنات الأخت، تمام، هؤلاء سبع يحرم نظيرهن من الرضاع؛ الأم من الرضاع، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت.
ذكرنا أن هناك ثلاثة أشياء؛ راضع ومرضع وصاحب لبن، كيف انتشار التحريم؟ طالب: بالنسبة للمرضعة ينتشر في أصولها وفروعها والحواشي.
الشيخ: نعم بالنسبة للمرضعة ينتشر التحريم إلى أصولها وفروعها وحواشيها.
الطالب: وكذلك صاحب اللبن ينتشر في فروعه وأصوله وحواشيه.
الشيخ: وكذلك صاحب اللبن ينتشر التحريم إلى أصوله وفروعه وحواشيه.
الطالب: أما الراضع فلا ينتشر إلا في فروعه.
الشيخ: أما الراضع فلا ينتشر إلا في فروعه.
هل يجوز لأخي الراضع أن يتزوج من أرضعت أخاه؟ طالب: (... ). الشيخ: أحسنت، يجوز؛ لأنه لا ينتشر في حواشي الراضع.
هل يجوز لأبي الراضع أن يتزوج بنت من أرضعت ابنه؟ طالب: نعم؛ لأن التحريم لا ينتشر في أصول الراضع.
الشيخ: نعم؛ لأن التحريم لا ينتشر في أصول الراضع.
هل يجوز لابن الراضع أن يتزوج أخت أبيه؟ طالب: ابن الراضع؟ الشيخ: إي نعم، يجوز؟ وهي عمته، لعلك ما تصورتها، أو ما عرفت الضابط تمامًا، قل أنت؟ طالب: (... ). الشيخ: يجوز ولّا لا يجوز؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأنه من فروع الراضع، وفروع الراضع ينتشر إليهم التحريم، هذه القاعدة ذكرتها لكم أمس وقررتها، وقلت إنها تريحكم؛ لأن مسائل الرضاع فيها إشكال كثير، تشكل حتى عند بعض العلماء، لكن إذا عرفت الضوابط سهل عليك الأمر، والضوابط حصرناها بالأمس، واليوم الحمد لله الذين أجابوا أجابوا بالصواب.
يشترط في تحريم الرضاع عدد معين، فما هو؟ طالب: خمس رضعات.
الشيخ: خمس رضعات، ما الدليل؟ طالب: الدليل قول عائشة، نزل في القرآن عشر رضعات ثم نسخت بخمس.
الشيخ: نعم حديث عائشة أنه كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات، فنسخن بخمس رضعات معلومات (7)، وهذا نص في الموضوع.
ما هو زمن الإرضاع المحرِّم؟

طالب: في الحولين.
الشيخ: في الحولين.
الطالب: في الحولين.
الشيخ: يعني: معناه أنه ما دام في الحولين فالرضاع محرِّم وما بعدهما لا أثر له.
الطالب: هذا قول، القول الثاني: ما لم يفطم.
الشيخ: القول الثاني: ما لم يفطم، أيهما أقرب للصواب؟ طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني أقرب، فإذا فطم وصار أكثر غذائه الطعام؛ التمر والحب، فإنه لا أثر للرضاع، إذ لا فرق بينه وبين الكبير.
هل رضاع الكبير مؤثر؟ طالب: لا.
الشيخ: لا يؤثر، ماذا تقول في حديث سالم مولى حذيفة؟ طالب: (... ). الشيخ: خاص بمن كان مثل حاله، ومثل حاله الآن لا يمكن، تمام بارك الله فيك.
وقيل: إن رضاع الكبير مؤثر، وهو قول الظاهرية، لكنه قول باطل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لنسائه: «انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» (8)؛ يعني الرضاعة المؤثرة هي التي يزول بها الجوع، فـ (من) هنا في قوله: «مِنَ الْمَجَاعَةِ» بدلية؛ أي: الرضاعة المؤثرة هي ما يزول به المجاعة، وهذا يعني أنه قبل الفطام، ولما حذر من الدخول على النساء، قالوا: أرأيت الحمو؟ قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (3)، ولو كان رضاع الكبير جائزًا لقال: الحمو ترضعه زوجة أخيه، وينتهي الإشكال، ولأننا لو قلنا بهذا لكان فيه مفسدة عظيمة، كان المرأة تجيب لزوجها كل يوم دلة حليب من ثديها، وإذا صار اليوم الخامس وشرب الدلة قال: السلام عليكِ، ليش؟ طالب: صار ابنها.
طالب آخر: ابنها من الرضاع.
الشيخ: لأنه صار ولدًا لها، وهذا مشكلة، فالقول بهذا ضعيف أثرًا ونظرًا، ولا يصح.


قال: (وَالسَّعُوطُ، وَالْوَجُورُ، وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ، وَالمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ، أَوْ زِنًا مُحَرِّمٌ).

(محرِّمٌ) هذا خبر المبتدأ في قوله: (والسَّعوط) وما عطف عليه؛ يعني: السعوط وما عطف عليه محرِّم، (السعوط) يجوز فتح السين وضمها، وكذلك الوجور، لكن يختلف المعنى، بالضم الفعل، وبالفتح ما يسعط به، أو يوجر به، مثل السَّحور والسُّحور، السُّحور الفعل، والسَّحور ما يؤكل، ومثل الوَضوء والوُضوء، الوَضوء الماء، والوُضوء الفعل، والطَّهور والطُّهور، الطَّهور الماء، والطُّهور الفعل، وهلم جرا.
أما السَّعوط: فهو ما يكون في الأنف، وأما الوَجورُ: فهو ما يكون في الفم، الفرق واضح ولّا غير واضح؟ طالب: الفرق واضح.
الشيخ: السعوط في الأنف، الآن في المرضى في المستشفى يضعون أنبوبة في الأنف وتغذي الرجل، الوجور في الفم؛ يعني في أحد شقي الفم؛ إما اليمين وإما اليسار، أيضًا يوجر المريض بمعنى أنه يسقى من فمه.
السعوط كيف؟ يؤتى باللبن من المرأة ويحقن الصبي مع أنفه، والوجور يحقن من فمه.
(ولبن الميتة) محرِّم، ما دمنا نقول إن الرضاع لا بد أن يكون خمس رضعات، كيف يكون من المرأة الميتة؟ يكون إذا كانت المرأة الميتة أرضعته قبل ذلك أربع مرات، ويش باقي؟ طلبة: رضعة واحدة.
الشيخ: رضعة واحدة، لما ماتت وإذا ثديها مملوء لبنًا فسلط الصبي عليه فمصه وشربه، نقول: هذا محرِّم كما لو كانت حَيَّة، بقي أن يقال: المشكل؛ هل هذا الحليب طاهر ولّا نجس؟ طالب: طاهر.
الشيخ: الجواب، هل هذه الميتة طاهرة أو نجسة؟ طلبة: طاهرة.
الشيخ: طاهرة، إذن حليبها طاهر، وقال بعض أهل العلم: إن لبن الميتة ليس بمحرِّم؛ لأن هذا شيء نادر، والله عز وجل يقول: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23]، والميتة ترضِع ولّا ما ترضِع؟ طلبة: (... ).

الشيخ: ويش ها الجواب هذا؟ ! يا الله، يمشي ها الجواب؟ لا ترضع يا جماعة، ميتة، لا عندها إرادة ولا قدرة فهي لا ترضع، ولهذا ذهب بعض العلماء -وهو أقرب إلى الصواب- إلى أن لبن الميتة ليس بمحرِّم؛ لأن الله قال: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23]، وهذا يدل على فعل الواقع من المرضعة، لبن الميتة.
(والموطوءة بِشُبْهَةٍ) الموطوءة بشبهة؛ إما شبهة عقد، وإما شبهة اعتقاد.
شبهة العقد: أن يتزوجها بعقد ليس بصحيح لكنه يظنه صحيحًا، كما لو تزوجها بولي هو أخوها من الأم، ظن أن الأخ من الأم ولي، وليس بولي، لما تزوجها الرجل دخل عليها وجامعها، هذا الوطء شبهة؟ طالب: شبهة.
الشيخ: شبهة، عقد ولا اعتقاد؟ الطالب: عقد.
الشيخ: عقد؛ لأنه ظن أن العقد صحيح.
شبهة الاعتقاد: رجل دخل بيته ووجد على فراشه امرأة تشبه زوجته تمامًا، وكان فيه إشفاق للجماع فجامعها على طول بدون أن يتأنى ويتروى؛ لأن ظاهر الحال أنها، أجيبوا يا جماعة؟ طالب: امرأته.
الشيخ: أنها زوجته، امرأة على الفراش متجملة، وهي مشابهة لزوجته، فيظنها هي أو فيظنها إياها، فجامعها، هذا شبهة أيش؟ طلبة: اعتقاد.
الشيخ: شبهة اعتقاد، المهم أن الأول والثاني -الأول اللي عقد عليها بولد أخيها من أمها، والثاني الذي جامعها يظنها زوجته- إذا حملت وأتت بولد وأرضعت بهذا اللبن، فهل لبنها محرِّم أو غير محرِّم؟ الجواب: محرّم لا شك؛ لأن الرجل الذي جامع في الصورة الأولى والثانية يعتقد أنها زوجته، وأن هذا الجماع في محله، فيكون ما ترتب عليه حلالًا، فلبن الموطوءة بشبهة كلبن المتزوجة بنكاح لا شبهة فيه.
(أَوْ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ) الموطوءة بعقد فاسد لبنها كالموطوءة بعقد صحيح، الموطوءة بعقد فاسد هو أن يتزوج الإنسان امرأة بنكاح فيه خلاف، لم يجمع العلماء على بطلانه، فيطؤها فتحمل وتأتي بولد، ويكون فيها لبن فترضع به، فنقول: إن لبنها كلبن الموطوءة بعقد صحيح.

(أو زنا) الموطوءة بزنا (مُحَرِّمٌ)، كيف موطوءة بزنا؟ يمكن.. (... ). يكون محرمًا، بمعنى أن تكون هي أمًّا له، أو لا؟ الجواب: نعم تكون أمه؛ لأنها أرضعته بلبنها، وإذا كان ولدها من بطنها يكون ولدًا لها، فولدها من لبنها يكون ولدًا لها.
ثم قال: (وَعَكْسُهُ الْبَهِيمَةُ، وَغَيْرُ حُبْلَى، وَلاَ مَوْطُوءَةٍ).
طالب: شيخ بارك الله فيك، ما صحة الزيادة في حديث: «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ فِي الْحَوْلَيْنِ» (9). الشيخ: لا ضعيف هذا، في الحولين، أو بناء على الغالب، إن صح فهو بناء على الغالب.
طالب: شيخ أثابكم الله، إذا كان الإنسان في مجتمع جرى العمل عندهم على أن الرضعة الواحدة تُحَرّم فهل يجوز.. الشيخ: الرضعة الواحدة تحرّم؟ الطالب: إي نعم، الرضعة الواحدة تحرم.
الشيخ: يمشي على ما عليه العلماء، يمشي على ما عليه علماؤه.
طالب: شيخ عفا الله عنك، إذا كانت المرأة زنت ولها زوج، فهل يكون زوجها أبًا لولدها من الرضاع؟ الشيخ: أب له من الرضاع، كيف أب له من الرضاع؟ طالب: يعني إذا أرضعت ولد.. الشيخ: إذا كان اللبن لغير الزوج كيف يكون أبًا له من الرضاع، اللبن لغيره، لكن القول الراجح أن المرأة إذا زنت -والعياذ بالله- وحملت فالولد لزوجها؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» (10)، ولهذا نبهنا الإخوان قبل كام يوم قلنا: ينبغي للإنسان إذا زنت زوجته أن يجامعها فورًا؛ لئلا يقع في قلبه شك، حتى يكون الولد له، وينتهى الموضوع، والقول بأن الزانية إذا زنت يجب على زوجها أن يتجنبها مُدَّةَ العِدَّة قول ضعيف.
طالب: شيخنا، لو أبقاها معه يا شيخ –امرأته- إذا زنت أبقاها معه، ما يكون ديوثًا؟ الشيخ: لا، الديوث الذي يقرها على الفاحشة، وهذا ما أقرها ولا رضي، لكن الديوث -والعياذ بالله، مثل ما يفعل بعض الناس- يقود على امرأته، نسأل الله العافية.

جارٍ التحميل