الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 3100-3139

وإن قالَ أنتِ طالقٌ إن طِرْتِ أو صَعِدْتِ السماءَ أو قَلَبْتِ الْحَجَرَ ذَهَبًا.
ونحوَه من المستحيلِ لم تَطْلُقْ، وتَطْلُقُ في عكسِه فورًا وهو النَّفْيُ في المستحيلِ مثل لأقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ أو لأَصْعَدَنَّ السماءَ ونحوَهما، وأنتِ طالقٌ اليومَ إذا جاءَ غدٌ لَغْوٌ، وإذا قال: أنتِ طالقٌ في هذا الشهرِ أو اليومَ.
طَلُقَتْ في الحالِ، وإن قال: في غدٍ أو السبتِ أو رمضانَ.
طَلُقَتْ في أَوَّلِه، وإن قالَ: أَرَدْتُ آخِرَ الكلِّ.
دُيِّن وقُبِلَ، وأن قال أنتِ طالقٌ إلى شهرٍ.
طَلُقَتْ عندَ انقضائِه إلا أن يَنْوِيَ في الحالِ فيَقَعَ، وطالقٌ إلى سنةٍ.
تَطْلُقُ باثْنَيْ عشرَ شَهْرًا، وإن عَرَّفَها باللامِ.
طَلُقَتْ بانسلاخِ ذي الْحِجَّةِ.
(بابُ تعليقِ الطلاقِ بالشروطِ) لا يَصِحُّ إلا من زوجٍ طالب: إن طلَّق الرجل المرأة طلقة واحدة، ثم تزوجت بعده برجل آخر ثم طلقها فتزوجت بالأول الذي فارقها، هل يملك الزوج الأول الثنتين الباقية أو يملك من جديد؟ الشيخ: يعني: تزوُّجها برجل آخر، هل يهدم الطلاق السابق أو لا، هذا معناه؟ الطالب: إي.
الشيخ: لا يهدم الطلاق السابق إلا إذا كان نكاح الثاني شرطًا لحِلِّها للأول فيهدمه، فهمتم السؤال والجواب يا جماعة؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا؟ لا حول ولا قوة إلا بالله؛ رجل طلق زوجته مرة، ثم تزوجت برجل آخر، ثم طلقها أو مات عنها وعادت للأول، فهل تعود على طلاق ثلاث أو على ما بقي من طلاقها اثنتين؟ على ما بقي من طلاقها؛ لأن الزوج الثاني لا يهدم طلاق الأول إلا إذا كان شرطًا لحلها للأول، ولا يكون شرطًا لحلها للأول إلا إذا كان الأول طلقها ثلاثًا.
وعلى هذا فإذا طلق الرجل زوجته مرتين ثم تزوجت بآخر ثم طلقها وعادت للأول، كم بقي عليه؟ واحدة.
وإذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت آخر ثم طلقها وعادت للأول، كم يملك؟ ثلاثًا.

فإذا قال قائل: إذا كان الزوج الثاني يهدم الثلاث، فليهدم الثنتين والواحدة؟ قلنا: لا، هذا قياس مع الفارق؛ لأنه بالثلاث نكاحها الزوج الثاني شرط لحلها الأول، فإذا طلقها عادت إلى الأول كأنه الآن تزوجها؛ لأنها بالأول كانت حرامًا عليه حتى تزوجت الثاني، فلما كان زواج الثاني شرطًا لحلها بالأول وأن هذه المرأة انقلبت حلالًا للأول بعد أن كانت حرامًا عليه، صار الثاني يهدم الطلقات الأولى.
أما إذا كان الطلقة مرة أو مرتين، فهل نكاحها الثاني شرط لحلها للأول؟ لا، ولذلك لم يؤثِّر شيئًا، انتبهوا لهذا.
على أن المرأة إذا تزوجت بعد طلاقها، فإن كان هذا النكاح شرطًا لإحلالها للأول فإنها ترجع للأول بأيش؟ بثلاث، وإن لم يكن شرطًا فإنها ترجع إلى الأول بما بقي من طلاقها، هذه هي القاعدة.

طالب: إن كان طلق الرجل صغيرة؟ الشيخ: طلق صغيرة؟ الطالب: نعم.
الشيخ: نعم، كم عمرها؟ الطالب: صغيرة لم تحض.
الشيخ: كم عمرها؟ الطالب: عشر سنوات، ثم بعد شهر حاضت، فكيف تكون عدتها بالحيض أو بأربعة أشهر وعشر؟ الشيخ: إذا لم تتم العدة بالأشهر ترجع إلى الحيض.
الطالب: من جديد؟ الشيخ: إي، من جديد.

طالب: اشتراط هذا الشرط أنها ترجع للزوج الأول ألا يعتبر محللًا.
الشيخ: لا، كيف محلل؟ الطالب: (... ). الشيخ: أبدًا، تزوجها الزوج الثاني على أنها راغبة، لكنها ما (... ) له، ألقى الله في قلوبهما الكراهية للآخر، هذا محلل؟ أجب.
الطالب: لا.
الشيخ: أو مات عنها، المحلل الذي ينوي أو يشترط على أنه متى أحلها للأول طلقها.

طالب: الصغيرة إذا طلقت وحاضت في حال العدة، هل لها.. ؟ الشيخ: تستأنف العدة بارك الله فيك.
الطالب: هل لها ترجع له (... )؟ الشيخ: كيف ترجع؟ الطالب: هل مثلًا أن يراجعها (... )؟ الشيخ: له أن يراجعها ما دامت في العدة سواء بالأشهر أو بالحيض، أفهمت.
الطالب: (... ). الشيخ: أفهمت؛ قل: لا ولَّا نعم؟ الطالب: نعم.
الشيخ: الحمد لله (... ).


طالب: قال المصنف رحمه الله: ويقع بلفظِ: كلَّ الطلاق أو أكثرَه أو عددَ الحصى، والريح، ونحو ذلك ثلاثٌ ولو نوَى واحدةً، وإن طلَّق عُضْوًا أو جُزْءًا مُشاعًا أو مُعيَّنًا أو مُبهَمًا أو قال: نصف طلقةٍ، أو جُزءًا من طلقةٍ طلقت، وعكسُه الرُّوحُ والسنُّ والشَّعرُ والظِّفرُ ونحوُه، وإذا قال لمدخول بها: أنت طالقٌ وكَرَّره وقع العددُ، إلا أن ينويَ تأكيدًا يصحُّ أو إفهامًا، وإن كرَّره بِبَلْ أو بثُمَّ أو بالفاءِ أو قال: بعدَها أو قَبلَها أو معها طلقةٌ وقع اثنْتانِ، وإن لم يَدخلْ بها بانتْ بالأُولَى ولم يلزَمْه ما بعدَها، والمعلَّق كالمُنَجَّزِ في هذا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق أن الطلاق الذي يملكه الإنسان فيه الرجعة هو اثنتان، وبعد الثالثة لا رجوع؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ أي: الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]. وسبق لنا أن القول الراجح أن طلاق الثلاث واحدة، سواء وقع بكلمة واحدة أو بكلمات، أو في مجلس أو مجالس، ما لم يراجع أو يعقد عقدًا جديدًا، بأن تكون انتهت العدة ثم عقد عليها.
ويقول المؤلف رحمه الله بناء على أن الطلاق الثلاث يقع بلفظه، يقول: (ويقع بلفظِ: كلَّ الطلاق)، أنت طالق كلَّ الطلاق يقع ثلاثًا، أنت طالق أكثرَ الطلاق، كم أكثر الطلاق؟ ثلاث (أو أكثره)، أنت طالق (عددَ الحصى) كم يقع؟ طلبة: ثلاثة.
الشيخ: لأن الحصى، ثلاث ولَّا أكثر؟ أكثر.
(عدد الريح)؛ كم عدد الريح؟ طالب: أربعة.
الشيخ: إن أراد أنواعه فأربعة، وإن أراد أفراده فلا تفصيل.
(أو نحو ذلك) كعدد النجوم، كعدد الخبز، كعدد شعر رأسك، وما أشبه ذلك، يقع (ثلاثٌ) فاعل (يقع).
(ولو نوى واحدة)، كيف (ولو نوى واحدة)؟ أليس النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (1)؟ فالجواب نعم ولَّا بلى؟

طلبة: بلى.
الشيخ: بلى، لكن النية إذا كانت تخالف صريح اللفظ فلا عِبْرَة بها؛ ولهذا لو قال: والله لا آكل الخبز ثم أَكَلَه، وقال: نويت والله لا آكل الخبز والله لا ألبس الثوب، ينفع ولَّا ما ينفع؟ ما ينفع.
هذا صرَّح، قال: عدد الحصى، عدد الريح، كل الطلاق؛ فالنية إذا خالفت صريح اللفظ لا عبرة بها، ولهذا قال: (ولو نوى واحدة).
ونحن نقول والحمد لله: يقع واحدةً ولو نوى ثلاثًا، عكس كلام المؤلف تمامًا، القول الراجح أنه لا يقع بهذه الألفاظ إلا واحدة ولو نوى ثلاثًا؛ لأنه لو صرَّح بالثلاث صارت واحدة.
(فإن طلَّق عُضْوًا أو جُزْءًا مُشاعًا أو مُعيَّنًا أو مُبهَمًا أو قال: نصفَ طلقة، أو جزءًا من طلقة طلقت).
هذا هنا هل يتبعض الطلاق أو محل الطلاق أو لا يتبعض؟ أفادنا المؤلف بهذه الصور أنه لا يتبعض الطلاق، لا في ذاته ولا في محله.
إذا طلَّق عضوًا من أعضائها بأن قال: أصبعك طالق، تطلق هي أو أصبعها فقط؟ هي، لو قال: أريد أن أُبِين الأصبع وتبقى هي، يجوز أو لا؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: يعني: لو كان أحمق، قال: أريد أن أسوي عملية وأفصل هذا الأصبع الذي أوقعت عليه الطلاق علشان تبقى المرأة، يجوز أو لا يجوز؟ لا يجوز، ولا تستغربوا هذا، يقع من الحمقى مثل هذا أو أشد، هذا عضو من أعضائها.
(أو جزءًا مشاعًا أو معينًا أو مبهمًا).
الجزء المُشاع بأن قال: نصفك طالق، كم تطلق؟ تكون كالمبعض بعضها يومًا طالق ويومًا غير طالق، ولَّا كلها تطلق؟ كلها تطلق.
إذا قال: جزء من ألف جزء منك طالق، تطلق كلها؟ طلبة: نعم.
الشيخ: بارك الله فيكم.
(أو جُزْءًا مُشاعًا)، هذا المشاع.
(أو مُعَيَّنًا) بأن قال: نصفك طالق؟ طالب: تطلق.
الشيخ: تطلق أو لا؟ لا؛ قلنا: نصف طالق هذا المشاع.
(معينًا) بأن قال: يدك هذا الجزء منك طالق، ما قال: نصفك أو ربعك؛ هذا الجزء طالق، أيش نقول؟ تطلق كلها.
يقول: (أو مبهمًا بأن قال: بعضُك طالق) تطلق كلها.

إذن لا يتبعض الطلاق في أيش؟ في محله، ما يتبعض، متى وقع الطلاق على جزء من بدن المرأة مشاع أو معين أو مبهم وقع الطلاق.
ولا يتبعض أيضًا في ذاته، إذا قال: أنت طالق (نصف طلقة)، كم تطلق؟ واحدة فقط.
إذا قال: أنت طالق نصف طلقة ونصف طلقة ونصف طلقة، تقعُ ثلاثًا؟ طالب: واحدة.
الشيخ: ثلاثة يا أخي.
طالب: واحدة.
الشيخ: أنا أقولها حقيقة، ما هو امتحانًا، تطلق ثلاثًا، إذا قال: أنت طالق نصف طلقة، وكمَّل قال: ونصف طلقة طلقة ثانية، ونصف طلقة طلقة ثالثة، ما نقول: طلقت طلقة ونصف.
كذلك أيضًا إذا قال: أنت طالق جزءًا من طلقة، كم تطلق؟ واحدة، بعضًا من طلقة؟ واحدة.
(وعكسُه) يعني: لا تطلق (الروح والسن والظفر ونحوه).
عكسه الروح؛ إذا قال: روحك طالق، ما تطلُق، تطلق الروح ولا يطلق البدن، هكذا، لكن هذا غريب يعني؛ الجسم بلا روح ما الفائدة منه؟ لا شيء؛ ولهذا إذا كنا نقول: إذا قال: نصفك طالق تطلق كلها، فإذا قال: روحك طالق طلقت كلها بلا شك، من يريد امرأة جيفة ما فيها روح؟ أحد يريدها؟ لا أحد؛ ولذلك هذا لا شك أنه قول ضعيف؛ والصواب أنه إذا قال: روحك طالق فإنها تطلق؛ لأنه لا أحد يختار جسمًا بلا روح.
كذلك إذا قال: سِنُّكِ طالق؛ يقول: (وعكسه السن)؛ إذا قال: سِنُّكِ طالق، لا تطلق، وهل تخلع السن لأن السن طلق أو لا؟ لا تخلعه؛ لماذا لا تطلق إذا قال: سنك طالق؟ قالوا: لأن السن في حكم المنفصل.
إذا قال: شعرُكِ طالق.
لا تطلق؛ لأن الشعر في حكم المنفصل.
إذا قال: ظفرك طالق.
لا تطلق؛ لأنه في حكم المنفصل.
إذا قال: لسانك طالق.
تطلق؟ طالب: تطلق.
الشيخ: ليش؟ لأنه جزء متصل.
إذا قال: خاتَمُك طالق؟ لا تطلق، نعم.
قال: (وعكسه السِّنُّ والشعر والظفر ونحوه، وإذا قال لمدخول بها: أنت طالقٌ وكَرَّره وقع العددُ).
(لمدخول بها) أي: موطوءة، ومثلُها مَنْ خلا بها، إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، يقول المؤلف: (وقع العدد)، كم العدد؟

طلبة: أربعة.
الشيخ: لكن الذي يقع ثلاثة؛ إذن قوله: (وكرره) أي: ثلاثًا؛ لأن ما زاد عن الثلاث لا فائدة منه.
إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، يقول المؤلف: (وقع العدد)؛ لأن المرأة المطلقة إذا كان مدخولًا بها لزمتها أيش؟ العدة، والعدة هنا عدة رجعية، والرجعية يلحقها طلاقها.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: لا يلحقه إلا الطلقة الأولى فقط، والثانية والثالثة لا تلحقه؛ لأن الطلقة الثانية والثالثة ليست للعدة، وقد قال الله تعالى: ﴿طَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، العدة متى ابتدأت؟ من الطلقة الأولى، الثانية ليس لها عدة، الثالثة ليس لها عدة.
لو قال: أنت طالق اليوم، وغدًا أنت طالق، وبعد غد أنت طالق، فالطلقتان الأُخْريان ليستا للعدة، ومعنى قولنا: ليستا للعدة، أنها لا تستأنف العدة بهما، فإذا قُدِّر أنه قال: أنت طالق اليوم، واليوم الثامن عشر، وقال: أنت طالق يوم ثمانية وعشرين، وقال: أنت طالق يوم ثمانية من الشهر الثاني، هل تبتدئ العدة من جديد من الشهر الثاني؟ لا، إذا كانت لا تبتدئ العدة من جديد فإن هذا الطلاق يكون طلاقًا لغير العدة، وقد قال الله تعالى: ﴿طَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
شيخ الإسلام رحمه الله يقول: لا يَتَكَرَّر الطلاق بتكرر لفظه أبدًا، لو تكرر ألف مرة، إلا إذا أيش؟ إذا راجعها؛ لأنه إذا راجعها ثم طلقها ابتدأت العدة من جديد، أو تزوجها بأن انقضت العدة ثم تزوجها ثانية وطلقها فتقع.
المهم أن قول المؤلف: (وَقَعَ العددُ) نقول: هذا المذهب، وهو الذي عليه جمهور العلماء، والقول الثاني هو الراجح أنه لا يلحقُهُ إلا الطلاق الأول فقط.

يقول: (إلا أن ينويَ توكيدًا يصحُّ أو إفهامًا) (إلا إذا نوى توكيدًا يصح) والتوكيد الذي يصح هو الذي يكون بلفظ الأول وبدون فصل وبدون عطف، وإن شئت أَدْخِل العاطف مع الفصل، هذا الذي يكون توكيدًا يصح؛ مثلُ أن يقول: أنت طالق، أنت طالق، هكذا اللفظ، قلنا: عليك طلقتان، قال: أردت بالثانية توكيدَ الأولى، ماذا تقولون؟ يصح؛ لأن هذا توكيد مُتَّصِل غير معطوف وبلفظ الأول، فإذا قال: أردت التوكيد، قلنا: ليس عليك إلا واحدة.
قال: أنت طالق، ثم أنت طالق؟ يصح التوكيد ولّا ما يصح؟ طلبة: ما يصح.
الشيخ: لماذا؟ لأن العطف يقتضي المغايرة، فكيف يقول: إنه يريد التوكيد وهو بالعطف.
قال: أنت طالق، ثم أنت طالق، ثم أنت طالق، وقال: أردت بالثالثة توكيد الثانية، كم يقع؟ طالب: ثلاثة.
طالب آخر: اثنين.
الشيخ: يا إخواني.
طالب: واحدة.
الشيخ: واحدة، بقي لا يقع شيء؛ لأنه واحد قال: يقع واحدة، وواحد قال: يقع ثلاث، مجدي قال: يقع ثنتين، وبقي من يقول: لا يقع شيئًا.
اسمع، أنت طالق، ثم أنت طالق، ثم أنت طالق، وقال: أردت بالثالثة توكيد الثانية؟ يَصِحُّ، وتطلق مرتين؛ لأن الثالثة بلفظ الثانية، ثم أنت طالق، ثم أنت طالق، التوكيد يصح، أليس كذلك؟ اللفظ واحد، والكلام متصل.
طالب: لكن العطف؟ الشيخ: العطف، جاءتا بحرف العطف بالثانية والثالثة؛ ولهذا لو قال: أردت بالثالثة توكيد الأولى، قلنا: لا يصح؛ لأنه أتى بحرف العطف؛ ولأنه فُصِلَ بينهما، لكن إذا قال: أردت بالثالثة توكيد الثانية قُبل.
أو قال: أنا أردت إفهام المرأة، بأن قال: أنت طالق، قالت: وأيش تقول؟ قال: أنت طالق، قالت: وأيش تقول؟ قال: أنت طالق، كَرَّرَها كم؟ طلبة: ثلاثًا.

الشيخ: لكن يريد أيش؟ يريد إفهامَهَا، ليس عليه شيء إلا واحدة فقط؛ فلو قالت: إنه كررها ثلاثة مرات فقد بَانَت منه، وقال: إنما أردت الإفهام؛ لأنك أنت تستفهمين؛ تقولين: ما تقول؟ فقلت: أنت طالق؛ فإذا أراد بالتكرار التوكيد الذي يصح، والثاني الإفهام.
إذا قال: أنت طالق، ثم قال: ائت بالغداء، جاءت بالغداء وتغدى، ثم قال: أنت طالق، وقال: أردت بالثانية توكيد الأولى؟ الطلبة: ما يصح.
الشيخ: لماذا؟ لوجود الفصل بينهما فلا يقع إلا واحدة.
قال: أنت طالق ثم أخذته سَعْلة، يعني كحة، وجعل يكح، استمر إلى نصف ساعة، ثم قال: أنت طالق، وقال: أردت التوكيد؟ الطلبة: يصح.
الشيخ: لماذا؟ لأن الفصل هنا لعذر، ما يستطيع يتكلم.
المهم أنه إذا كَرَّرَ الطلاق وقع العدد، وهذا إذا كَرَّر الجملة – انتبه لها – أما إذا كَرَّر جزء الجملة بأن قال: أنت طالق، طالق، طالق، فيقعُ واحدةً إلا أن ينويَ أكثر، هذا المذهب، وهذه يغلط فيها حتى بعض طلبة العلم؛ يظنون أن قوله: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وقوله: أنت طالق طالق طالق سواء، وليس كذلك، إذا كرر الجملة برمتها وقع العدد، إذا كرر الخبرَ وحده فكم؟ واحدة ما لم ينوِ أكثر؛ لأنه إذا نوى أكثر صار المعنى: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، لكن إذا قال: ما نَوَيْتُ لا واحدة ولا أكثر؟ قلنا: هي واحدة، انتبه لهذا.
وإذا قال: أنت طالق أنت أنت؟ كم يقع؟ واحدة.
إذا كرَّر الخبر فهي واحدة ما لم ينوِ أكثر، وإن كرر المبتدأ فليس بشيء.
وإن كَرَّرَ الجملة كلها؟ طالب: ثلاث.
الشيخ: لا، ما هي ثلاث.
طالب: واحدة.
طالب آخر: توكيد.
طالب آخر: يقع العدد.
الشيخ: يقع العدد، يا إخوان، قد يكون مرتين، يقع العدد (إِلَّا أن ينويَ توكيدًا يصحُّ أو إفهامًا).
(وإن كرَّره بِبَلْ أو ثُمَّ أو بالفاءِ وقع اثنْتانِ).

إذا كرره ببل وقع اثنتان، ولو قال: نويت التوكيد، فإذا قال: أنت طالق، بل أنت طالق، كم يقع؟ اثنتان، فإذا قال: أردت التوكيد، قلنا: لا يصح لوجود العطف، والعطف يقتضي المغايرة.
(أو بِثُمَّ)، قال: أنت طالق، ثم أنت طالق، (يقع اثنتان) كما قال المؤلف، وعلى القول الراجح سمعتم أنه لو كرره ألف مرة بأي صيغة فهو واحدة.
(أو بثم أو بالفاء) بأن قال: أنت طالق فأنت طالق، وقع اثنتان.
(أو قال: أنت طالق بعدها طلقة، أو أنت طالق قبلها طلقة، أو أنت طالق معها طلقة) يقعُ اثنتان.
الفقهاء رحمهم الله يَذْكُرون هذه الأمثلة، وإن كانت بعضها قليل الوقوع أو معدوم الوقوع، تمرينًا للطالب من وجه، وترسيخًا للقواعد من وجه آخر.
(وإن لم يَدخلْ بها) المؤلف يقول بالأول: (وإذا قال لمدخول بها)، (إن لم يَدخلْ بها) يعني: ولم يخل بها، يجب أن يضاف: ولم يخل بها (بانت بالأولى ولم يلزمه ما بعدها).
(بانت بالأولى) وأيش معنى (بانت)؟ يعني: طلقت طلاقًا بائنًا؛ مثال ذلك: رجل تزوج امرأة وعقد عليها، وكلمها في التليفون، وقامت تتحدث معه وأغضبته، فقال لها في التلفون: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق بغضب يدرك ما يقول، كم تطلق؟ طلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة؟ ! طالب: تبين منه.
الشيخ: يا إخواني، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق عدد الحصى والنجوم والشمس والقمر والبهائم والأنعام؟ كم؟ طلبة: واحدة.
الشيخ: ليش؟ طالب: (... ). الشيخ: لأنه لما قال: أنت طالق خلاص، انتهت منه، بانت، عليها عِدَّة ولّا ما عليها؟ ما عليها عدة، وهذا هو السبب أنها تَبِين بالأولى ولا يلزمه ما بعدها، هذا هو السبب؛ لأنها تبين بالأولى بلا عدة، ولا يمكن أن يلحقها الطلاق إلا إذا كانت في عدة.
ولهذا قال: (وإن لم يدخل بها بانت بالأولى ولم يلزمه ما بعدها)، عندي أنا: (ولم يلزمه وما بعدها) نسخكم كذا؟ الطلبة: (... ). الشيخ: (ولم يلزمه ما بعدها).
طالب: (... ).

الشيخ: لا، غلط (ولم يلزمه ما بعدها).
الطالب: (... ). الشيخ: امسحها.
(ولم يلزمه ما بعدها، والمُعلَّق كالمُنجَّز في هذا).
(المعلَّق)؟ ! هل الطلاق جسم يعلق؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: لكنه يُعَلَّق بأدوات الشرط، مثل يقول: إذا طلعت الشمس فأنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، كم يقع في المدخول بها؟ طالب: واحدة.
الشيخ: كم يقع في المدخول بها؟ ثلاث.
طالب: العدد.
الشيخ: العدد، وإذا قال لغير المدخول بها؟ واحدة.
فالمنجَّز أن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق الآن، أو يقول: إذا طلعت الشمس فأنت طالق، على حد سواء.
طالب: إذا راجعها ليلقي عليها طلاقًا آخر، فهل يقع؟ الشيخ: أيش اللي يقع؟ الطلاق؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، يقع.
الطالب: (... ) يا شيخ.
الشيخ: لكن (... ) ينبني على مسألة إذا راجع للإضرار، فإذا راجع للإضرار فبعض العلماء يقول: ما تصح الرجعة، وهو ظاهر القرآن؛ بناء على هذا نقول: الرجعة هذه غير صحيحة.


طالب: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَنْ لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله.. الشيخ: هذه الصيغة يا أخي هل سمعت أحدًا من الصحابة أو التابعين يقول: والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؟ الطالب: (... ) شيخ الإسلام أنه يبدأ بها.
الشيخ: يبدأ بهذه؟ الطالب: (... ). الشيخ: بس، هل الصحابة يفعلون هذا؟ هل أحد قال: إنه فيه نبي بعده من المسلمين؟ طالب: (... ). الشيخ: لا، ندري، ما أحد قال: إنه فيه نبي بعده من المسلمين، من قال: فيه نبي بعده ما صار مسلمًا، أعد الصلاة على الرسول.
طالب: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم أما بعد.
الشيخ: (ثم أما بعد) هل وجدت أحدًا قال: ثم أما بعد؟ ! أو قال: أما بعد؟ أعد.
الطالب: باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، أما بعد: فصل في الاستثناء في الطلاق

ويصحُّ منه استثناءُ النِّصفِ فأقلَّ من عددِ الطَّلاقِ والمُطلَّقاتِ، فإذا قال: أنتِ طالقٌ طَلقتينِ إلا واحدةً، وقعت واحدةٌ، وإن قال: ثلاثًا إلا واحدةً فطلقتانِ، وإن استثنى بقلبِه من عدد المُطلَّقاتِ صحَّ الاستثناء دون عدد الطَّلقاتِ، وإن قال: أربعكُنَّ إلا فلانةً طوالقٌ صحَّ الاستثناءُ، ولا يصحُّ استثناءٌ لم يَتصلْ عادةً، فلو انفصلَ و (... )، وشرطُه النيَّةُ قبلَ كمالِ ما استثنى منه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا الفصل مهم جدًّا، وهو الاستثناء في الطلاق أو المطلقات.
يقول المؤلف رحمه الله: (ويصحُّ استثناءُ النِّصفِ فأقلَّ من عددِ الطلقات والمُطلَّقاتِ).
يعني: إذا ذكر عددًا في الطلاق أو المطلقات واستثنى فلا بأس، لكن بشرط أن يكون أقل من النصف، فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا إلى واحدة، صح الاستثناء؟ طالب: (... ). الشيخ: كم تطلق؟ طالب: (... ). الشيخ: أنت طالق ثلاثًا إلَّا واحدة، كم؟ طالب: طلقتان.
الشيخ: طلقتين، إذا قال: طلقتين إلا واحدة؟ طالب: طلقة واحدة.
الشيخ: واحدة.
إذا قال: ثلاثًا إلا اثنتين؟ طالب: ما يصح.
الشيخ: لا يصح، تطلق كم؟ تطلق ثلاثًا، إذا قال: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين تطلق ثلاثًا؛ لأن الاستثناء هنا غير صحيح، شرط الاستثناء أن يكون من النصف فأقل.
عندي له عشرة دراهم إلا ستة، كم يلزمه؟ طالب: (... ). الشيخ: توافقونه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنه استثنى أكثر من النصف.
عشرة إلا خمسة؟ خمسة؛ لأنه استثنى النصف.
عشرة إلا أربعة؟ ستة.
(المطلقات): إذا قال لزوجاته: أنتن الأربع طوالق إلا فلانة، يصح ولّا ما يصح؟ يصح؛ لأنه استثنى واحدة من أربع.
أنتن الأربع طوالق إلا فلانة وفلانة؟ يصح؛ لأنه استثنى النصف.
أنتن الأربع طوالق إلا فلانة وفلانة وفلانة؟ لا يصح، يطلق الأربعة.
ولهذا قال -انتبه لكلام المؤلف-: (يصحُّ استثناءُ النِّصفِ فأقلَّ)، (النصف) ثلاثة من ستة، (أقل) اثنان من ستة.

(من عدد الطلقات والمطلقات).
(فإذا قال: أنتِ طالقٌ طَلقتينِ إلا واحدةً، وقعت واحدةٌ، وإن قال: ثلاثًا إلا واحدةً فطلقتانِ).
أظن واضحًا الآن كلامنا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: (وإن استثنى بقلبِه من عدد المُطلَّقاتِ صَحَّ دُون عدد الطَّلقاتِ).
(إذا استثنى بقلبه) دون نطقه (من عدد المطلقات صح)، (دون عدد الطلقات).
فإذا قال: نسائي طوالق، ونوى بقلبه: إلا فلانة؛ يصح أو لا يصح؟ يصح؛ لأن النية تخصص العام.
(دون عدد الطلقات)، لو قال: أنت طالق ثلاثًا ونوى بقلبه: إلا واحدة، لم ينفعه ذلك، تطلق ثلاثًا.
على القول الراجح، إذا قال: أنت طالق ثلاثًا؟ واحدة.
لو قال: إلا واحدة، لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة؟ واحدة؛ لأن الراجح أن الطلاق الثلاث واحدة سواء استثنى أم لم يستثن.
(وإن قال أربعكن إلا فلانةً طوالق، صح الاستثناء).
(أربعكن)، أربعتكن ما تصح؛ لأن العدد يؤنث مع المذكر ويذكر مع المؤنث.
إذن (أربعكن) بدون تاء (إلا فلانة طوالق) يصح؛ لأنه استثنى أقل من النصف.
الخلاصة الآن: أن الاستثناء من عدد الطلقات أو المطلقات صحيح بشرط أن يكون من النصف فأقل، له شروط أخرى أيضًا.
الشرط الثاني للاستثناء: أن يتصل عادة؛ يكون المستثنى متصلًا بالمستثنى منه، فلو انفصل بحيث يمكن الكلام فإنه لا يصح.
مثال ذلك قال: نسائي الأربع طوالق، ثم التفت إلى صاحبه وقال: ويش الأخبار اليوم؟ ثم قال: إلا فلانة، يصح؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لماذا؟ لأنه لم يتصل.
أو قال: نسائي الأربع طوالق، ثم سكت سكوتًا يمكنه أن يتكلم فيه، ثم قال: إلا فلانة، لا يصح؛ لأنه فصله بفاصل يمكنه أن يتكلم فيه.
ولو قال: نسائي الأربع طوالق، ثم أخذه عطاس وجعل يعاطس، بقي في العطاس خمس دقائق، ثم قال: إلا فلانة.
طلبة: يصح.
الشيخ: يا إخواني، خمس دقائق؟ الطلبة: (... ). الشيخ: لأنه ما يمكن أن يتكلم، ولهذا قال المؤلف: (وأمكن الكلام دونه)، هذا لا يمكن يتكلم.

ولو قال: نسائي الأربع طوالق، ثم جاءه ما يفزعه وهرب على وجهه، ولما ذهب عنه الفزع قال: إلا فلانة؟ طالب: يصح.
الشيخ: فالظاهر أنه يصح؛ لأن هذا جاءه ما يشغل قلبه، وربما لا يمكن أن يتكلم؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: 74].
إذن الانفصال حَدُّه أن يمكن الكلام بين المستثنى والمستثنى منه، فإن لم يمكن لم يصح.
لو قال: نسائي الأربع اللاتي أتعبنني وأحزنني وجعلن حياتي جحيمًا وألبسنني ثوب الذل والعار وأرقتني فلم أنم ليلًا أو نهارًا، إلا فلانة، ما تقولون؟ طالب: يصح.
الشيخ: يصح، ليش؟ لأن الكلام متصل، وهذه أوصاف يُبَيِّن السبب في أنه طلَّق الأربعة طلقة واحدة؛ لأن كل الناس يعتبون عليه؛ ليش طلقت أربع نساء؟ لكن إذا جاء بهذه الأوصاف ربما يُعْذَر.
الشرط الثالث: (النيَّةُ قبلَ كمالِ ما استثنى منه).
يعني أن ينوي المستثني الاستثناء قبل أن يُكمِّل المستثنى منه؛ فلو قال: نسائي الأربع طوالق، وقبل أن يكمل طوالق نوى أن يستثنى إلا فلانة، صحَّ أو لا؟ صح، ولو أنه أتمها ثم ندم، وفي الحال قال: إلا فلانة، لا يصح.
هذه شروط الاستثناء: أولًا: أن ينويه قبل تمام المستثنى منه.
الثاني: أن يصل المستثنى بالمستثنى منه.
الثالث: أن يكون المستثنى النصف فأقل، وإن شئت فقل: ألا يزيد على النصف، أخصر: ألا يزيد على النصف.
هذه ثلاثة شروط، وكلُّها محل خلاف، فمن العلماء من قال: يجوز استثناء أكثر من النصف، يجوز، صحيح أنه خلاف الفصاحة لكنه جائز، فإذا قال: نسائي الأربع طوالق إلا فلانة وفلانة وفلانة، فهذا كقوله: امرأتي فلانة طالق، هذا معناه، لكن الكلام غير فصيح؛ لأنه لا يحتاج أن يقول: نسائي الأربع طوالق وهو لا يريد إلا واحدة، إذا شاء يقول: أيش؟ فلانة طالق.
عنده أربع نساء، يسمون فاطمة، عائشة، خديجة، زينب.

قال: نسائي الأربع طوالق إلا فاطمة، أجيبوا.
طلبة: صح.
الشيخ: صح، إلا فاطمة وعائشة؟ طالب: صح.
الشيخ: إلا فاطمة وخديجة؟ طالب: صح.
طلبة: (... ). الشيخ: حسبتها الأول وأنا ما ذكرتها.
إلا فاطمة وعائشة وخديجة؟ الطلبة: (... ). الشيخ: على القول الراجح يصح، لكنه خلاف الأولى.
نقول: من باق الآن؟ باق زينب، بدل ما تقول: إلا فاطمة وعائشة وخديجة، قل: زينب طالقة، وانتهينا، لكن نقول: ما دام استثنى فإنه يصح.
ثانيًا: يقول: يُشترط أن يكون متصلًا، والصحيح أنه لا يشترط أن يكون متصلًا، الدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطب الناس يوم فتح مكة، وذكر أشياء كثيرة مما حرمها الله عز وجل، وقال: «لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ»، وذكر أشياء، ثم قال العباس: يا رسول الله: إلا الإذخر، فقال: «إِلَّا الْإِذْخِرَ» (2)، وهذا الاستثناء صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح، مع أنه فُصِل بكلام طويل، والرسول صلى الله عليه وسلم لم ينوه، وإنما نواه بعد أن ذكَّره العباس.
أتعلمون ماذا أجاب به القائلون بأنه لا بد من الاتصال والنية؟ قالوا: إن هذا نَسْخٌ.
شوف كيف الإنسان إذا كان له رَأْيٌ كيف يحاول أن يلوي أعناق النصوص إلى رأيه؟ الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إِلَّا الْإِذْخِرَ»، و (إِلَّا) مستثنى، ولا يمكن أن يكون جملة واحدة برأسه، لا بد أن يكون مبنيًّا على أيش؟ على كلام سبق، والكلام السابق: «لَا يُعْضَدُ شَوْكُها، وَلَا يُحَشُّ حَشِيشُهَا» (2)، لكن نقول: إنه يصح الاستثناء ما دام الإنسان في كلامه المتصل، سواء كان متصلًا بالاستثناء أو لا.
النية؟ الصحيح أنه لا يُشتَرط النية، وأن الإنسان لو نوى بعد أن أتم المستثنى منه ثم نوى واستثنى فلا بأس، الدليل؟ حديث العباس اللي معنا.

دليل آخر أن سليمان: والله لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَركًا لِحَاجَتِهِ وَقَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (3)، وإذا كان لم يحنث معناه أن الاستثناء صحيح.
المهم أن الصواب أنه متى استثنى فإنه يصح الاستثناء، فلو سمع رجل شخصًا يقول: نسائي الأربع طوالق؛ فلانة وفلانة وفلانة وفلانة، وله صاحب له إلى جنبه قال له: قل: إلا أُمَّ فلان أم عيالك امرأة طيبة حبيبة تحفظ السر وتعين المرء، قال: الله يذكرك بالخير، إلا فلانة، ما تقولون؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: على المذهب؟ الطلبة: لا يصح.
الشيخ: والصحيح أنه يصح.
يقال: الإنسان لو نواه من الأول، وأنه تَأَنَّى في الأمور، وبنى أموره على التروَّي لكان أحسن، لكن أحيانًا يُذَكَّر الإنسان فيذكر (... ).


باب الطلاق في الماضي والمستقبل

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: بابُ الطلاقِ في المَاضِي والمُسْتَقْبَل إذا قال: أنتِ طالقٌ أمسِ أو قبلَ أن أنكِحَكِ، ولم ينوِ وقوعَه في الحالِ لم يقعْ، وإن أراد بطلاقٍ سبق منه أو من زيدٍ وأمكنَ قُبِلَ، فإن مات أو جُنَّ أو خرس قبل بيانِ مُرادِه لم تَطْلُقْ.
وإن قال: طالقٌ ثلاثًا قبلَ قدومِ زيدٍ بشهرٍ، فَقَدِمَ قبلَ مُضِيِّهِ لم تطلُقْ، وبعدَ شهرٍ وجُزءٍ تطلُقُ فيه يَقعُ، فإن خالعَها بعد اليمينِ بيومٍ وقدم بعد شهر ويومين صحَّ الخلع وبطل الطلاق، وعكسها بعد شهر وساعة.
وإن قال: طالقٌ قبل موتي، طَلقَتْ في الحالِ، وعكسُه معَه أو بعدَه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الطلاق في الماضي والمستقبل).

اعلم أن العلماء رحمهم الله بناء على أن مؤلفاتهم للتعليم والتمرين يذكرون مسائل قد لا تقع، وإن وقعت فهي نادرة، حتى إنهم ذكروا لو مات عن عشرين جدة، عشرين جدة (... )؟ وكذلك لو أوصى بأشياء خيالية، يذكرون هذا تمرينًا للطالب.
هنا يقول: (باب الطلاق في الماضي والمستقبل).
الطلاق في الماضي هو ما سبق لفظَ الطلاق، ولو كان قبله بدقيقة، والمستقبل ما كان معه أو بعده، ولو بدقيقة.
فإذا قال لزوجته: أنت طالق الساعة التاسعة وثمان عشرة دقيقة، والآن نحن في التاسعة وتسع عشرة دقيقة، تطلق أو لا تطلق؟ يعني: قبله بدقيقة واحدة، فإنها لا تطلق؛ لأن الطلاق إنشاء، والإنشاء لا بد أن يكون مُقارِنًا للفظ أو متأخرًا عنه؛ لأنه إنشاء ليس إخبارًا.
أما إذا قال: أنت طالق أمس، يخبر عن طلاق وقع منه بالأمس، فإنها تطلق: بالقول الثاني هذا ولَّا بالطلاق الأول؟ بالطلاق الأول؛ لأن الثاني صار خبرًا وليس إنشاء.
إذا قال: أنت طالق أمس، ونوى وقوعه الآن، فالمؤلف يقول رحمه الله: (إذا قال: أنت طالق أمس ولم ينو وقوعه في الحال لم يقع)، وظاهر كلامه أنه إذا نوى وقوعه في الحال يقع، وَيُلْغَى قوله: (أمس).
إذن إذا قال: أنت طالق أمس، فإن نوى الإخبار عن طلاق وقع منه أمس يقع الطلاق باللفظ هذا أو بالطلاق السابق؟ بالطلاق السابق، وهذه واضحة.
إذا قال: أنت طالق أمس، ويريد الآن، يقول المؤلف: إنه يقع، إذا نوى وقوعه الآن يقع.
إذا نوى أنت طالق أمس، ونوى وقوعه أمس، فإنه لا يقع؛ لأنه لا يمكن أن يقع الشيء قبل أن يوجد سببه.
مفهوم الكلام ولَّا غير مفهوم؟ قل: نعم ولَّا لا، المسألة ما فيها إشكال.
مفهوم ولّا غير مفهوم؟ طالب: مفهوم.
الشيخ: معك زوجة؟ الطالب: لا.
الشيخ: إذا كان معك زوجة، وقلت لها: أنت طالق أمس تريد أن تخبرها أنك طلقتها أمس، تطلق ولَّا ما تطلق، أسألك؟ الطالب: (... ). الشيخ: لا تخف، ما هي طالق، ما دام ما عندك زوجة، ما فيه طلاق.
الطالب: تطلق.

الشيخ: تطلق؟ تطلق بهذا اللفظ ولَّا بالطلاق اللي مضى أمس؟ الطالب: بالذي مضى.
الشيخ: بالذي مضى، واضح الآن ولّا غير واضح.
إذا قال: أنت طالق أمس، ونوى وقوعه الآن، تطلق ولَّا ما تطلق؟ يقول المؤلف: إنها تطلق.
إذا قال: أنت طالق أمس، ولم ينو وقوعه الآن، فإنها لا تطلق؛ لأن الطلاق إنشاء، والإنشاء لا بد أن يكون في الحاضر أو المستقبل.
أعود مرةً ثانية: إذا قال: أنت طالق أمس، ونوى الإخبار عن طلاق وقع منه بالأمس، فالطلاق يقع بأيش؟ بالطلاق الماضي.
إذا قال: أنت طالق أمس، ولم ينو وقوعه الآن، فإنه لا يقع؛ التعليل لأنه إنشاء، والإنشاء لا يمكن أن يكون في ماض.
إذا قال: أنت طالق أمس، ونوى الآن، يقول المؤلف: إنه يقع، والصحيح أنه لا يقع؛ لأن اللفظ لا يحتمل، كيف يقول: أنت طالق أمس، ونقول: إن هذه بمعنى أنت طالق الآن؟ ما يصير هذا.
ولهذا اشترطوا في التأويل في الحلف أن يكون اللفظ ممكنًا لقبوله، وعليه فنقول: في هذه الحال لا يقع على القول الراجح للتناقض بين ما أراد وبين اللفظ، اللفظ يقول: أمس، وهو يريد اليوم، ما يمكن أمس اليوم.
إذا قال لزوجته: أنت طالق قبل أن أنكحك، يقع ولَّا ما يقع؟ ما يقع، لكن ينبغي أن نجعل لها الخيار بين أن تبقى معه أو لا تبقى؛ لأن الذي يقول: أنت طالق قبل أن أنكحك مجنون، والمجنون لزوجته الخيار إذا جُنَّ، كيف طالق قبل أن أنكحك؟ نعم لو قال: أنت طالق قبل أن أنكحك؛ يعني غير مُقَيَّدة باليدين أو الرجلين صار المعنى صحيحًا، أما طالق من نكاح قبل أن ينكحها، فهذا كما قلت لكم في الأول: لا يمكن أن يقع أبدًا إلا من مجنون، والمجنون له حال أخرى؛ يعني: إنسان عاقل يقول لزوجته: أنت طالق قبل أن أتزوجك؟ ما يمكن هذا، لكن الفقهاء رحمهم الله يمثِّلون بالأشياء من باب التمرين.

يقول: (إذا قال: أنتِ طالقٌ أمس أو قبلَ أن أنكحَكِ، ولم ينوِ وقوعَه في الحالِ لم يقعْ) ومفهومه: إن نوى وقوعه في الحال وقع، والصحيح أنه لا يقع.
(وإن أراد بطلاقٍ سَبَقَ منه أو سبق من زيدٍ وأمكنَ قُبِلَ).
إذا قال: أنت طالق أمس، وأراد أنها طالق بطلاق (سبق منه) بالأمس، يُقْبَل ولَّا لا؟ يُقْبَل، أو سبق (من زيد) يقبل، لكن بشرط أن يكون ممكنًا، والإمكان بأن يكون قد سبق له نكاحها أو سبق لزيد نكاحها، فإذا قال: أنت طالق، وقال: أردتُّ من زيد، وزيد ما تزوجها، لم يقبل، وهذا واضح.
(وأمكن قُبِلَ، فإن ماتَ) يعني: مات مَن قال: أنت طالق أمس أو قبل أن أنكحك.
(فإن ماتَ أو جُنَّ أو خَرِسَ قبلَ بيانِ مُرادِه لم تَطْلُقْ) اعتبارًا بظاهر اللفظ؛ لأنه طلاق في الماضي، والطلاق في الماضي لا يقع.
(وإن قال: أنت طالق ثلاثًا قبلَ قدومِ زيد بشهر، وقدِمَ قبل مُضِيِّه، لم تطلق).
إذا قال: أنت طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر، وقدم زيد يوم ثمانية وعشرين من كلامه، تطلق أو لا؟ طلبة: لا تطلق.
الشيخ: يا جماعة، ما تطلق؟ ! الطلبة: نعم.
الشيخ: ليه؟ الطلبة: (... ). الشيخ: إي؛ لأنه تبين الآن أن طلاقه قبل قدومه بيومين، يعني تبين أن طلاقه قبل إيقاعه بيومين، فيكون من باب الطلاق في الماضي، والطلاق في الماضي لا يقع.
وقال المؤلف رحمه الله: (ثلاثًا) لأنه سيبني على هذا شيئًا، وإلَّا ما حاجة ثلاثًا أو واحدة كله واحد، لكن سيبني عليه ما بعده.
يقول: (وقدمَ قبل مُضِيِّه، لم تطلق، وبعد شهر وجزء تطلق فيه يقع).
إذا قال مثلًا: الآن الساعة التاسعة من يوم عشرة أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر، فقدم زيد في اليوم العاشر من الشهر الثاني الساعة تسع إلا دقيقة، تطلق ولَّا ما تطلق؟ طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا يا أخي، كيف ما تطلق؟ طالب: (... ). الشيخ: لا، (وبعد شهر وجزء تطلق فيه يقع).
طلبة: (... ). الشيخ: يقع.
طالب: (وجزء).
الشيخ: (وجزء) هذا جزء.
طالب: هذا قبل.

الشيخ: قبل؟ أنا قلت: تسع إلا، إذن نقول: تسع ودقيقة، يقع؟ طلبة: يقع.
الشيخ: يقع، تمام؛ لأنه تبين الآن أنه طلقها في وقت يصح فيه الطلاق.
يقول رحمه الله: (فإن خالعَها) هذا الذي ترتب عليه (إن خالعَها بعد اليمين بيوم وقدم بعد شهر ويومين صحَّ الخلع وبطل الطلاق) وعكسه بعكسه، هو الآن قال: أنت طالق ثلاثًا، وإنما قال: ثلاثًا؛ لأنها تبين بالثلاث، قبل قدوم زيد بشهر، في اليوم الثاني خالعها، يصح الخلع ولَّا لا؟ يصح؛ لأنه لم يتبين أنها طلقت إلى الآن، خالعها في اليوم الثاني.
قدم زيد بعد شهر ويومين، يصح الخلع ولا يصح الطلاق؛ لماذا؟ لأنه تَبَيَّن أن الطلاق وقع بعد المخالعة؛ لأنه خالعها بعد اليمين بيوم، وزيد قدم بعد اليمين بيومين.
طالب: قبل يا شيخ.
الشيخ: واضح.
(فإن خالعَها بعد اليمينِ بيومٍ، وقدمَ بعد شهرٍ ويومينِ صحَّ الخُلْعُ وبَطَلَ الطلاقُ)، تخمر برؤوسكم ولَّا لا؟ طلبة: (... ). الشيخ: قال: يوم السبت، أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر، طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر، هذا يوم السبت، في يوم الأحد خالعها، الخلع الآن ما ندري هو يصح ولَّا ما يصح حتى الآن.
قدم زيد يوم الاثنين؛ يعني بعد اليمين بكم؟ بيومين، متى يصادف وقوع الطلاق؟ وقوع الطلاق يصادف يوم الاثنين قبل قدوم زيد بشهر، لكن الخلع سبق؛ حيث خالعها يوم الأحد؛ إذن يصادف وقوع الطلاق عليها وهي بائن بالخلع، وإذا كانت بائنًا هل يقع عليها الطلاق أو لا يقع؟ لا يقع؛ ولهذا يقول رحمه الله: (صحَّ الخلع وبطل الطلاق)، تخمرت المسألة ولَّا تحتاج إلى عجن آخر؟

إذا قال: أنت طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر، ثم خالعها في اليوم التالي -والله ما أدري تعرفون المخالعة ولَّا لا؟ تعرفون المخالعة؟ المخالعة معناها: أن تشتري نفسها منه، تعطيه فلوسًا ويطلقها- قَدِمَ بعد شهر ويومين، متى يكون الطلاق؟ يكون بعد الخلع؛ لأنه خالعها هو بعد اليمين بيوم، وزيد قَدِمَ بعد شهر ويومين، يكون الطلاق وقع بعد الخلع، فوقع على امرأة مخلوعة، والطلاق على امرأة مخلوعة لا يقع، ما يصح؛ إذن يصح الخلع ولا يصح الطلاق.
(عكسُها بعد شهرٍ وساعةٍ).
كيف بعد شهر وساعة؟ يعني: مثلًا يوم السبت قال: أنت طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر، في يوم الأحد خالعها، زيد قدم بعد قول: أنت طالق بساعة واحدة؟ يصح الطلاق ولا يصح الخلع؛ ليش؟ لأنه تبين أن الخلع وقع على امرأة بائن، وهذا هو السر في أنه قال: (إذا قال: أنت طالق ثلاثًا)، لأجل أن يقع الخلع على امرأة بائن، والخلع على امرأة بائن لا يصح.
الآن فهمتم المسألة الأولى؛ إذا قال: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر، وخالعها في اليوم الثاني، وقدم زيد بعد الشهر بثلاثة أيام أو بيومين، كله واحد، ما الذي يصح؟ يصح الخلع دون الطلاق؛ لأن الطلاق صادفها وهي قد بانت بالخلع فلا يقع، لكن خالعها بعد اليمين بيوم، وقَدِمَ زيد بعد شهر وساعة، ويش اللي يصح؟ الطلاق، ولا يصح الخلع؛ لأن الخلع صادفها وهي بائن بالطلاق الثلاث، والخلع لا يقع على المطلقة طلاقًا بائنًا؛ ولهذا قال: (عكسها بعد شهر وساعة).
(وإن قال: أنتِ طالق قبل موتي، طلقت في الحال) (أنت طالق قبل موتي) تطلق حالًا، ليش؟ لأن هذا قبل الموت، الذي قبل الموت سواء قبل الموت بعشرين سنة أو بمئة سنة أو بدقيقة، هذا واحد، يصدق عليه أنه قبل موته.
وأيضًا هل الموت معلوم؟ لا، ما هو معلوم، وإذا لم يكن معلومًا تطلق في الحال؛ (قبل موتي، طَلُقَتْ في الحالِ).

(وعكسُه معَه أو بعدَه) (عكسه معه)، قال: أنت طالق مع خروج روحي، مع موتي، تطلق ولَّا لا؟ ما تطلق، ليش؟ لأنها بانت بالموت، قال: أنت طالق بعد موتي بيوم، بعد موتي، تطلق ولَّا ما تطلق؟ طالب: ما تطلق.
الشيخ: ما تطلق، ليش؟ لأنها بانت بالموت فكيف تطلق؟ وهذه مسألة هل يمكن أحد يقولها؟ طالب: نعم.
الشيخ: يمكن يقولها؟ يمكن يقول: أنت طالق بعد موتي؟ طالب: (... ). الشيخ: عجيب، يقول: أنت طالق بعد موتي! هذا مجنون.
طالب: بعض الناس يقولون هذا اللفظ.
الشيخ: أنا ما سمعت إلا كلام الفقهاء فقط، أنتم سمعتم بهذا؟ طالب: لا.
الشيخ: يوجد في بلادكم؟ طالب: أعجب من هذا.
الشيخ: أعجب من هذا، أعطنا أعجب من هذا.
الطالب: (... ) يقولون أعجب من هذا.
الشيخ: يقول: أنت طالق قبل قيام الساعة.
على كل حال إذا قال: أنت طالق بعد موتي فلا تطلق، ليش؟ لأنه بموته بانت منه، بالموت، والطلاق لا يقع على امرأة بائن، كذلك مع موتي؛ لأنه مجرد ما تخرج الروح تنفسخ الزوجية؛ تنتهي.
العلماء رحمهم الله -كما قلت لكم- يذكرون أشياء للتمرين فقط، وقد يكون وقوعها قليلًا، وقد يكون نادرًا جدًّا، وقد لا تقع.
طالب: شيخ، هل الخلع فسخ أو طلاق؟ الشيخ: الخلع؟ الطالب: إي.
الشيخ: هل تعرف الكلام هذا زين؟ الطالب: إي يا شيخ أعرفه.
الشيخ: طيب، ما المقصود من الخلع؟ الطالب: الخلع يعني المرأة (... ). الشيخ: تطلق؟ الطالب: إي.
الشيخ: زين، إذن يكون طلاقًا ولَّا فسخًا؟ الطالب: هذا هو سؤالي يا شيخ؟ الشيخ: إي، هو فسخ، وليس بطلاق.
الطالب: يا شيخ لو (... ).

الشيخ: لأن الله قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] هذه ثنتان، ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 229، 230]، لو جعلنا الخلع طلاقًا لكان قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الرابعة ولَّا الثالثة؟ طالب: الرابعة.
طالب آخر: الثالثة.
الشيخ: الثالثة ولَّا الرابعة؟ طالب: الثالثة يا شيخ.
الشيخ: لا، سمعت الآية: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ هذه فراق ثالث، ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الرابعة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾، يكون قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ هي الرابعة، وهذا بالإجماع ليس هو الرابعة، ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني: الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾، فتكون ﴿طَلَّقَهَا﴾ هي الثالثة بالإجماع، وهذا يعني أن طلاق الفداء فسخ، وليس بطلاق.
هذا الذي قلت لك هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنه، وأن كل فراق بعوض فليس بطلاق.
بعض العلماء يرى أنه إن وقع بلفظ الطلاق فهو طلاق، وبلفظ الفسخ فهو فسخ؛ فإذا قال مثلًا: طلقت زوجتي على عوض قدره ألف ريال صار طلاقًا، وإذا قال: فسختها أو خالعتها صار فسخًا، لكن القول الأول أصح.

بقي أن يقال: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قال لثابت بن قيس: «خُذِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (4)، قلنا: أولًا: هذه اللفظة شاذة، أكثر الرواة لم يذكروها، وهي قوله: «طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً».
وثانيًا: على فرض أنه قالها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالمراد فارقْها.
فالقول الراجح أن الخلع فسخ بكل حال لا يُحْسَب من الطلاق، فإذا طلقها مرتين ثم خالعها، فهل يجوز أن يتزوجها بعقد؟ لو قلنا: إن الخلع طلاق ما جاز، وإذا قلنا: ليس بطلاق جاز، وهذا هو القول الراجح (... ).


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل

وإن قال: أنت طالقٌ إن طِرْتِ أو صَعِدْتِ إلى السماء أو قلبتِ الحجرَ ذهبًا ونحوه من المستحيل لم تطلق، وتطلقُ في عكسِه فورًا، وهو النفيُ في المستحيلِ، مثل: لأقتلنَّ الميتَ أو لأصعدَنَّ السماءَ ونحوهما، وأنتِ طالقٌ اليومَ إذا جاء غدٌ لغوٌ.
وإذا قال: أنتِ طالقٌ في هذا الشهرِ أو اليومِ طلقتْ في الحالِ، وإن قال: في غدٍ أو السبت أو رمضانَ طلقتْ في أولِه، وإن قال: أردتُ آخِرَ الكُلِّ دُيِّنَ وقُبِلَ، وأنتِ طَالِقٌ إلى شهر، طلقتْ عند انقضائِه، إلا أن ينويَ في الحال فيقع، وطالق إلى سنة تطلق باثنَيْ عَشَرَ شهرًا، فإن عَرَّفَها باللامِ طلقتْ بانسلاخِ ذي الحجَّةِ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل) إلى آخره.
وقبل ذلك ننظر فيما سبق مناقشة.
إذا طلَّقها في الماضي هل يقع الطلاق أو لا؟ طالب: إذا أراد به إخبارًا عن طلاق وقع فهذا يقع، وإلا فعلى رأي المصنف أنه إذا نوى في الحال فإنه يقع وإلا فلا يقع، والصحيح في الاثنين فلا يقع.
الشيخ: بارك الله فيك.

إذا طلق في الماضي بأن قال: أنت طالق أمس، فإن كان إخبارًا عن طلاق وقع منه بالأمس فهي طالق، وهذا إقرار وليس بإنشاء، إذا نوى أنت طالق أمس يعني الآن فهو على كلام المؤلف تطلق، والصحيح أنها لا تطلق للتناقض.
وإذا قال: أنت طالق أمس، ونوى أنها طالق أمس، فإنها لا تطلق حتى على رأي المؤلف؛ لأن الطلاق في الماضي لا يقع.
وإذا قال لزوجته: أنت طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر، وقدم زيد بعد خمسة عشر يومًا؟ طالب: لا يقع.
الشيخ: أنت طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر، وقدم بعد خمسة عشر يومًا؟ الطالب: لا يقع.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه قدم قبل ذلك.
الشيخ: لأنه صادف أن الطلاق قبل قدومه بشهر، فيكون هنا طلاقًا في الماضي فلا يقع.


ثم ذكر المؤلف في هذا الفصل مسائل أخرى تختلف عما سبق.
قال: (أنت طالقٌ إن طِرْتِ)، تطلق ولَّا ما تطلق؟ ما تطلق أبدًا؛ لماذا؟ لأنها لا يمكن أن تطير.
لكن لو نوى (إن طرت) يعني: إن ركبت الطائرة وطرت فيها؟ طالب: يقع.
الشيخ: يقع، لكن في عهد المؤلف ومن سَبَقَه لا يوجد هذا، فلذلك قالوا: إنه إذا قال: أنت طالق إن طرت، فهذا تعليق على مستحل، والمستحيل قد عُلِمَ عدمُه، وإذا كان قد علم عدمه فإن المعلَّق به معدوم.
أو قال: (أنت طالق إن صعدت السماء)، نفس الشيء لا تطلق؛ لأنها لا يمكن أن تصعد إلى السماء.
وهذه المسألة غير الأولى، الأولى: (إن طرت) ولو قريبًا من الأرض، لو مقدار متر، تطير مثلًا من المسجد الجامع إلى موقف السيارات، لكنها قريبة من الأرض، لا يقع.
(إن صعدت السماء) يعني: إلى أعلى، لا يقع الطلاق؛ لأن هذا شيء مستحيل، والمعلق على المستحيل مستحيل.
(أو قلبتِ الحجرَ ذهبًا) قلبًا حقيقيًّا، ما هو وهميًّا، هذا أيضًا لا يقع الطلاق؛ لماذا؟ لأنه مستحيل.
قال: (ونحوه من المستحيل لم تطلقْ)، لو قال: أنت طالق إن رددت أمس وجعلتِ يوم الأحد يوم السبت؟ مستحيل؟ طالب: نعم.
الشيخ: مستحيل؛ إذن لا يقع الطلاق.

يقول: (وتطلق في عكسِه فورًا) أي: عكس هذا، مثل أن يقول: إن لم تطيري فأنت طالق، تطلق أو لا تطلق؟ طالب: على طول.
الشيخ: على طول ليش؟ لأنه محال أن تطير، والنفي المحال معناه الوجود، فإذا قال: أنت طالق إن لم تطيري؟ نقول: تطلق على طول، لو قالت: اصبر يا رجَّال، لا، انتظر ربما أطير؛ تقول هي؛ لأنها ما ودها يفارقها، تقبل ولَّا لا؟ لا تقبل؛ لأنه لا يمكن.
ولهذا قال: (تطلُق في عكسه فورًا، وهو النفي في المستحيل).
ثم ضرب مثلًا فقال: (كقوله: أنت طالق لأقتلُنَّ الميتَ)، هل يمكن أن يقتل الميت؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه قد مات فتطلق في الحال؛ لأننا نعلم أنه لن يقتل الميت.
فإن قال: أردت بالميت من سيموت؟ طالب: تطلق.
الشيخ: لا، تطلق إن قتله، وإلا فلا تطلق؛ يعني: إذا قال: أردت الميت من سيموت، قلنا: الآن علَّقه على غير مستحيل، أما على المستحيل فلا تطلق.
يقول أيضًا: (أو لأصعدن السماء)، أيضًا يريد النفي، نقول: تطلق في الحال؛ لأنه لا يمكن أن يصعد السماء.
والخلاصة أن ما عُلِّق على وجود المستحيل لا يقع، كذا ولَّا لا؟ لماذا؟ الطلبة: مستحيل.
الشيخ: لأن المعلَّق على المستحيل مستحيل، وما عُلِّقَ على نفي المستحيل يقع في الحال ولا فيه انتظار؛ لأن نفي المستحيل محقق.
(وأنت طالق اليوم إذا جاءَ غدٌ) (اليوم) الأحد، (إذا جاء غد) يعني: الاثنين، هل يمكن أن يأتي الاثنين يوم الأحد؟ لا يمكن.
المؤلف يقول: إن هذا (لغو)؛ لأنه لا يمكن أن يأتي الغد في اليوم، ولا يمكن أن يرجع اليوم إلى أمس، كل هذا من المستحيل.
(وإذا قال: أنتِ طالقٌ في هذا الشهرِ أو اليومِ طلقتْ في الحالِ).
(قال: أنت طالق في هذا الشهر) شهر ربيع، متى تطلق؟ الآن؛ لأن اليوم من الشهر، فتطلق فيه.
كذلك أيضًا إذا قال: أنت طالق في هذا اليوم تطلق في الحال.
(فإن قال: أردت آخره) سواء الشهر أو اليوم، يقول المؤلف إنه (دُيِّنَ وقُبِلَ).

(دُيِّنَ) يعني: يُرْجَع في ذلك إلى دينه، فإن كان صاحب دين ولا يمكن أن يكذب في قوله: أردت آخره، فإننا نقبله، وإن لم يكن ذلك فإننا لا نقبله حكمًا.
وهكذا كل شيء نقول فيه: يُدَيَّنُ، فهو إذا كان صاحب دِين قبلناه، وإن لم يكن صاحب دين حكمنا عليه بالظاهر.
(وإن قال: في غدٍ أو السبت أو في رمضانَ طلقتْ في أوله، وإن قال: أردتُ آخِرَ الكُلِّ دُيِّنَ وقُبِلَ).
لماذا يُدَيَّن ويُقْبَل؟ لأن كلامه يحتمل ما قال، فإذا كان يحتمل ما قال وهو رجل صاحب دين، نأخذ بقوله.
(وأنتِ طالق إلى شهرٍ) ظاهر اللفظ أنه وقت الطلاق أنها تطلق إلى شهر، وبعد الشهر لا تطلق.
لكن يقول المؤلف رحمه الله: (طلُقَتْ عند انقضائِه)، فيكون هذا التوقيت توقيتًا لإيقاعه أو إن شئت قل: لوقوعه، لا لبقاء حكمه.
انتبه، إذا قال: أنت طالق إلى شهر، فظاهر العبارة أن الطلاق مُوَقَّت من الآن إلى تمام الشهر، لكن هذا لا يمكن؛ إذ إن الطلاق ما فيه التوقيت، فلما تعذَّر توقيت انتهائه أخذنا بتوقيت ابتدائه، ونقول: بعد شهر تطلق، وقبل الشهر لا تطلق.
الآن أنت طالق إلى شهر، ما هو ظاهر اللفظ؟ أن الموقَّت هو نهاية الطلاق، لكن لا يمكن أن توقت نهاية الطلاق؛ لأن الطلاق ما يوقت، ما يقول الرجل لزوجته: أنت طالق لمدة شهر، هذا لا يمكن، فلما تعذَّر هذا جعلنا هذا التوقيت لابتدائه، أي: لابتداء الطلاق، فنقول: أنت طالق إلى شهر، يعني: إذا تم الشهر طلقتِ، وذكر في الشرح أنه روي عن ابن عباس رضي الله عنه وأبي ذر.
قال: (إلا أن ينويَ في الحال فيقعُ).
إن نوى أنت طالق إلى شهر في الحال (فيقع)؛ لأنه نوى شيئًا ممكنًا، وفيه أيضًا التشديد عليه، فيُقْبَل قوله.
(وأنت طالقٌ إلى سنةٍ تطلقُ باثنَيْ عَشَرَ شهرًا، فإن عَرَّفَها باللامِ طلُقتْ بانسلاخِ ذي الحجَّةِ).
هذا يستفيد منه العارف بالنحو، إذا قال: أنت طالق إلى سنة، تطلق إذا تم له سنة، اثني عشر شهرًا، هلاليًّا أو شمسيًّا؟ هلاليًّا.

أنت طالق إلى السنة؟ يقول المؤلف: (طلقت بانسلاخ ذي الحجة)؛ لأن إلى السنة (أل) هنا للعهد، العهد أي العهد؟ الحضوري؛ فمثلًا إذا قال في رمضان لزوجته: أنت طالق إلى سنة، متى تطلق؟ في رمضان الثاني.
إذا قال: أنت طالق إلى السنة، طلقت إذا انسلخ ذو الحجة، يعني: بعد ثلاثة أشهر، والفرق ظاهر؛ لأن سنة مُنَكَّر، والسنة معرف و (أل) فيه للعهد الحضوري، فيحمل على ذلك.


باب تعليق الطلاق بالشروط

ثم قال المؤلف: (باب تعليق الطلاق بالشروط).
أولًا: تعليق الطلاق بالشروط هل هو معتبر أو لاغ؟ يقول بعض العلماء: إنه لاغ، وأن الطلاق المعلق بالشرط واقع في الحال، وعللوا ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (5)، ولم يأت الطلاق معلقًا لا في القرآن ولا في السنة، وعلى هذا فإذا عَلَّقَه وقع في الحال وأُلْغِي الشرط، ويكون الشرط هو الفاسد دون الطلاق.
ولو قال قائل بعكس ذلك؛ لأنه لا يقع أبدًا بناء على الاستدلال بالحديث: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، لو قال أحد بهذا لكان له وجه.
والفرق بين القول الثاني هذا والقول الذي أشرنا إليه أن القول الأول يُلغِي الشرط فقط، وهذا يلغي الجملة كلها، وكلاهما يستدل بحديث: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (5). لكن أكثر العلماء يرون أن تعليق الطلاق بالشروط صحيح؛ لعموم الحديث: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (6)، وهذا وإن كان فيه شيء من الضعف لكنه فيما يظهر مجمع على معناه في الجملة، وهذا القول هو قول الجمهور، وهو الصحيح؛ أن تعليق الطلاق بالشروط صحيح ثابت؛ لأن الطلاق في الحقيقة إخراج الزوج ملكه للمرأة، وإذا كان إخراجًا لملكه في المرأة وجب أن يكون مقيدًا بما التزم به، وهو الشرط.

فتعليق الطلاق بالشروط القول الراجح قول الجمهور أنه معتبر، ولكن هل له أن ينقضه قبل وقوع الشرط أو لا؟ أيضًا الجمهور على أنه لا يملك ذلك، واختار شيخ الإسلام رحمه الله أنه يملك ذلك؛ مثاله: قال لزوجته: إن ذهبتِ إلى بيت أهلك فأنت طالق، يريد الطلاق لا يريد اليمين، ثم بدا له أن يتنازل عن هذا، فهل له أن يتنازل ويأذن لها بالذهاب إلى أهل بيتها مطلقًا أو لا؟ الجمهور يقولون: ما يمكن يتنازل؛ لأنه أخرج الطلاق مِنْ فيه على هذا الشرط فلزم، كما لو كان الطلاق مُنَجَّزًا، وشيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن هذا حق له، فإذا أسقطه فلا حرج؛ لأن الإنسان قد يبدو له أن ذهاب امرأته إلى أهلها يفسدها عليه فيقول لها: إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق، ثم يتراجع ويُسقِط هذا.
ولكن إذا علَّقه على شرط بناء على سبب تَبَيَّن عدمه، فهل يُعْتَبَر الشرط أو يلغو؟ يلغو؛ مثال ذلك: إذا قال لزوجته: إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق ظنًّا منه أن أهلها قد رَكَّبوا دشًّا وأنهم عاكفون عليه، فخشي على امرأته، فقال: إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق، ثم تَبَيَّن أن أهلها لم يركبوا ذلك، فهل تطلُق إذا ذهبت إليهم؟ طلبة: (... ). الشيخ: فاهمون السؤال الآن؟ السؤال: إذا علق الطلاق بشرط بناء على سبب تبين عدمه فإن الطلاق لا يقع؛ المثال: رجل قال لزوجته: إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق بناء على أن عندهم دشًّا، فخشي أن تفتتن به كما (... ) به، ثم تبين أنه ليس عندهم شيء، فذهبت إلى أهلها، هل تطلق؟ الطلبة: (... ). الشيخ: ما تطلق، هو قال: إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق، وذهبت، لا تطلق، ليش؟ لأنه إنما قال ذلك بناء على؟ طالب: على السبب هذا.
الشيخ: نعم، على سبب، وهو أن عندهم الدش، فإذا تبين عدمه فلا حرج أن تذهب، ولا شيء عليه في ذلك.
الآن نرجع إلى كلام المؤلف، يقول رحمه الله: (لا يصح إلا من زوج).

فإن علَّق الطلاق قبل أن يتزوج فإنه لا يقع الطلاق؛ مثال ذلك: إنسان قال لامرأة: إن ذهبتِ إلى المكان الفلاني فأنت طالق، ثم تزوجها بعد ذلك وذهبت إلى المكان، تطلق أو لا تطلق؟ طالب: قبل الزواج؟ الشيخ: إي، هو قال: قبل الزواج، قبل الزواج قال: إن ذهبت إلى المكان الفلاني فأنت طالق، ثم أراد الله تعالى وتزوجها وذهبت إلى المكان، تطلق؟ طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا تطلق؟ طالب: تطلق.
طالب آخر: لا تطلق يا شيخ.
الشيخ: تطلق؟ طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا تطلق؟ ليش؟ لأنه لا يملك إيقاع الطلاق عليها قبل ذلك؛ حيث إنها غير زوجة، فلا تطلق.
ما هو الدليل على أن الطلاق لا يكون إلا على زوجة؟ الدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أيش؟ ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] بعد النكاح، قبل النكاح لا يمكن، هذه واحدة.
إلا من زوجٍ فإذا عَلَّقَه بشرْطٍ لم تَطْلُقْ قَبْلَه، ولو قالَ: عَجَّلْتُه وإن قال: سَبَقَ لسانِي بالشرْطِ ولم أُرِدْهُ.
وَقَعَ في الحالِ، وإن قالَ: أنتِ طالقٌ, وقالَ: أَرَدْتُ إن قُمْتِ.
لم يُقْبَلْ حُكْمًا.

وأدواتُ الشرْطِ إن وإذا ومتى وأيّ ومَن وكُلَّمَا - وهي وَحْدَها للتَّكرارِ - وكلُّها ومَهْمَا بلا (لم) أو نِيَّةِ فورٍ أو قرينةٍ للتَّراخِي، ومعَ (لم) للفَوْرِ، إلا (إن) مع عَدَمِ نِيَّةِ فَوْرٍ أو قَرينةٍ، فإذا قالَ: إن قُمْتِ أو إذا أو متى أو أيَّ وَقتٍ أو مَن قَامَتْ أو كُلَّمَا قُمْتِ فأنتِ طالِقٌ.
فمتى وُجِدَ طَلُقَتْ، وإن تَكرَّرَ الشرْطُ لم يَتَكَرَّر الْحِنْثُ إلا في (كُلَّمَا)، وإن لم أُطَلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ ولم يَنْوِ وَقْتًا ولم تَقُمْ قرينةٌ بفَوْرٍ ولم يُطَلِّقْها طَلُقَتْ في آخِرِ حياةِ أَوَّلِهما مَوْتًا، ومتى لم، أوإذا لم، أو أيَّ وقتٍ لم أُطَلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ، ومَضَى زمنٌ يُمْكِنُ إيقاعُه فيه ولم يَفعلْ طَلُقَتْ، وكُلَّمَا لم أُطَلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ، ومَضَى ما يُمْكِنُ إيقاعُ ثلاثٍ مُرَتَّبَةٍ فيه طُلِّقَت الْمَدخولُ بها ثَلاثًا وتَبِينُ غيرُها بالأُولى، وكُلَّمَا لم أُطَلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ، ومَضَى ما يُمْكِنُ إيقاعُ ثلاثٍ مُرَتَّبَةٍ فيه طُلِّقَت الْمَدخولُ بها ثَلاثًا وتَبِينُ غيرُها بالأُولى، وإن قُمْتِ فقَعَدْتِ أو ثم قَعَدْتِ أو قَعَدْتِ إذا قُمْتِ أو إن قَعَدْتِ إن قُمْتِ فأنتِ طالقٌ لم تَطْلُقْ حتى تَقُومَ ثم تَقْعُدَ، وبالواوِ تَطْلُقُ بوُجودِهما ولو غيرَ مُرَتَّبَيْنِ، وبأو بوجودِ أحدِهما.
(فصلٌ) إذا قالَ: إن حِضْتِ فأنتِ طالق.
طَلُقَتْ بأَوَّلِ حَيْضٍ مُتَيَقَّنٍ، وإذا حِضْتِ حَيْضَةً.
تَطْلُقْ بأَوَّلِ الطهْرِ من حَيضةٍ كاملةٍ، وفيما إذا حِضْتِ نِصفَ حَيضةٍ.
تَطْلُقْ في نِصفِ عادَتِها.
(فصلٌ)

إذا عَلَّقَه بالْحَمْلِ فوَلَدَتْ لأَقَلَّ من سِتَّةِ أَشْهُرٍ طَلُقَتْ منذُ حَلَفَ، وإن قال: إن لم تَكُونِي حاملًا فأنتِ طالقٌ.
حَرُمَ وَطْؤُها قبلَ استبرائِها بحَيْضَةٍ في البائنِ، وهي عَكْسُ الأُولى في الأحكامِ، وإن عَلَّقَ طلقةً إن كانتْ حاملًا بذَكَرٍ وطَلقتينِ بأُنثى فوَلَدَتْهُما طَلُقَتْ ثلاثًا، وإن كان مَكانَه إن كان حَمْلُكِ أو ما في بطْنِكِ لم تَطْلُقْ بهما.
(فصلٌ) إذا عَلَّقَ طَلقةً على الوِلادةِ بذَكَرٍ وطَلقتينِ بأُنثى فوَلَدَت ذَكَرًا ثم أُنْثَى حَيًّا أو مَيِّتًا طَلُقَتْ بالأَوَّلِ وبانَتْ بالثاني ولم تَطْلُقْ به، وإن أُشْكِلَ كيفيَّةُ وَضْعِهما فوَاحدةٌ.
(فصلٌ) إذا عَلَّقَه على الطلاقِ ثم عَلَّقَه على القِيامِ أو عَلَّقَه على القِيامِ ثم على وُقوعِ الطلاقِ, فقَامَتْ طَلُقَتْ طَلقتينِ فيهما، وإن عَلَّقَه على قِيامِها ثم على طَلاقِه لها فقَامَتْ فوَاحدةٌ، وإن قالَ: كُلَّما طَلَّقْتُكِ أو كُلَّمَا وَقَعَ عليك طَلاقِي فأنتِ طالقٌ.
فوَجَدَا طَلُقَتْ بالأُولَى طَلقتينِ, وفي الثانيةِ ثلاثًا.
(فصلٌ) إذا قالَ: إذا حَلَفْتُ بطَلاقِكِ فأنتِ طالقٌ.
ثم قال: أنتِ طالقٌ إن قُمْتِ: طَلُقَتْ في الحالِ، لا إن عَلَّقَه بطُلوعِ الشمسِ ونحوِه؛ لأنه شَرْطٌ لا حَلِفٌ، وإن حَلَفْتُ بطَلاقِكِ فأنتِ طالقٌ, أو إن كَلَّمْتُك فأنتِ طالقٌ.
وأَعادَه مَرَّةً أخرى طَلُقَتْ واحدةً، ومَرَّتَيْنِ فثِنْتَانِ، وثلاثًا فثَلاثٌ.
(فصلٌ) إذا قال: إن كَلَّمْتُكِ فأنتِ طالقٌ فتَحَقَّقِي، أو قالَ: تَنَحِّي أو اسْكُتِي.
طَلُقَتْ، وإن بَدَأْتُكِ بكلامٍ فأنتِ طالقٌ فقالتْ: إن بَدَأْتُكَ به فعَبْدِي حُرٌّ.
انْحَلَّتْ يَمينُه ما لم يَنْوِ عَدَمَ البَداءَةِ في مَجْلِسٍ آخَرَ.
(فصلٌ)

إذا قال: إن خَرَجْتِ بغيرِ إذْنِي أو إلا بإذْنِي أو حتى آذَنَ لك أو إن خَرَجْتِ إلى غيرِ الْحَمَّامِ بغيرِ إذني فأنتِ طالقٌ.
فخَرَجَتْ مَرَّةً بإذنِه, ثم خَرَجَتْ بغيرِ إذنِه أو أَذِنَ لها, ولم تَعْلَمْ أو خَرَجَتْ تُريدَ الْحَمَّامَ وغيرَه, أو عَدَلَتْ منه إلى غيرِه طَلُقَتْ في الكلِّ، لا إن أَذِنَ فيه كُلَّمَا شاءَتْ أو قالَ: إلا بإِذْنِ زيدٍ.
فمَاتَ زيدٌ ثم خَرَجَتْ.
(فصلٌ) إذا عَلَّقَه بِمَشيئتِها بإن أو غيرِها من الحروفِ لم تَطْلُقْ حتى تَشاءَ ولو تراخى، فإنْ قالتْ: قد شِئْتُ إن شِئْتَ.
فشَاءَ لم تَطْلُقْ، وإن قالَ: إن شِئْتِ وشاءَ أبوك أو زيدٌ.
لم يَقَعْ حتى يَشاءَا معًا وإن شاءَ أحدُهما فلا، وأنتِ طالقٌ وعَبْدِي حُرٌّ إن شاءَ اللهُ.
وَقَعَا، وإن دَخَلْتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ إن شاءَ اللهُ.
طَلُقَتْ إن دَخَلَتْ، وأنتِ طالقٌ لرِضَا زيدٍ أو لِمَشيئتِه.
طَلُقَتْ في الحالِ، فإنْ قالَ: أَرَدْتُ الشرطَ.
قُبِلَ حُكْمًا وأنتِ طالقٌ إن رَأيتِ الهلالَ.
فإنْ نَوَى رُؤيتَها لم تَطْلُقْ حتى تَراهُ أو طَلُقَتْ بعدَ الغُروبِ برُؤيةِ غيرِها.
(فصلٌ) وإن حَلَفَ لا يَدخُلُ دارًا أو لا يَخْرُجُ منها فأَدْخَلَ أو أَخرجَ بعضَ جَسَدِه أو دَخَلَ طاقَ البابِ، أو لا يَلْبَسُ ثَوْبًا من غَزْلِها فلَبِسَ ثوبًا فيه منه، أو لا يَشرَبُ ماءَ هذا الإناءِ فشَرِبَ بعضَه لم يَحْنَثْ، وإن فَعَلَ المحلوفَ عليه ناسيًا أو جاهلًا حَنِثَ في طَلاقٍ وعَتاقٍ فقطْ، وإن فَعَلَ بعضَه لم يَحْنَثْ إلا أن يَنْوِيَهُ، وإن حَلَفَ ليَفْعَلَنَّهُ لم يَبَرَّ إلا بفِعْلِه كلِّه.
الشيخ:.. وذهبت إلى المكان، تطلق؟ طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا تطلق.
طالب: تطلق.
طالب آخر: لا تطلق يا شيخ.
الشيخ: تطلق؟ طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا تطلق؟ ليش؟ لأنه لا يملك إيقاع الطلاق عليها قبل ذلك؛ حيث إنها غير زوجة، فلا تطلق.

ما هو الدليل على أن الطلاق لا يكون إلا على زوجة؟ الدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أيش؟ ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49]، بعد النكاح، قبل النكاح لا يمكن، هذه واحدة.
ثانيًا: أن الطلاق يعني إطلاق قَيْد موجود، والمرأة قبل أن يتزوجها مُطْلَقة ما فيه قيد حتى يوقَع الطلاق عليها.
وعلى هذا فلو كان للإنسان زوجة معه ثم ثارت عليه وقالت: يا فلان، سمعت أنك تريد أن تتزوج فلانة -تعرفون المرأة ما تحب أن زوجها يتزوج عليها- قال: أبدًا ما عندي نية ولا شيء، قالت: (... )، أنا ما أسمح إلا أنك تقول لي الآن: إن تزوجتها فهي طالق، فقال لها: إن تزوجتُها فهي طالق، وتزوَّجَها.
تطلق ولّا لا؟ طلبة: ما تطلق.
الشيخ: ما تطلق، ليش؟ لأن هذا التعليق قبل أن يتزوج بها، مع أنها معيَّنة، فحصل بذلك إرضاء الزوجة، أي الزوجات؟ الأولى التي هي غضبت وثارت، فيقول: الحمد لله، اطمئني، إن تزوجتُها فهي طالق.
فتزوجها فإنها لا تطلق.
لكن لو ثارت الأولى عليه لما قال: إنها ما تطلق، قالت: ما يمكن، أنت (... )، هل يلزمه أن يطلقها؟ لا يلزمه؛ لأن الأصل أن الزوجة الأولى لا تملك منعه من التزوج، فلا تجبره على ذلك، ولا حق لها أيضًا أن تطلب الطلاق إن لم يطلق الزوجة الجديدة، والله أعلم.
طالب: الشارح هنا قال: وإن قال: أنت طالق ثلاثًا على سائر المذاهب وقعت الثلاث.
الشيخ: إي؛ لأن القول بأنه ما يقع إلا واحدة ما هو مذهب، كل المذاهب الأربعة يقولون: إن الطلاق الثلاث يقع ثلاثًا، إذا قال الرجل لزوجته: أنتِ طالق ثلاثًا كم يقع الطلاق؟ ثلاث، على كل المذاهب، مذهب أحمد، الشافعي، مالك، أبي حنيفة، أما شيخ الإسلام رحمه الله لا يعتبر قولُه مذهبًا؛ لأن المذاهب إنما هي للأئمة.

ولهذا أنا أستغرب من بعض الطلاب الآن، كل مصنف فهو إمام، حتى لو كان من المقلِّدين الذين لا يعرفون الاستدلال يسميه إمامًا، فالتبست علينا الأئمة الآن، يقول: قال الإمام النووي، قال الإمام ابن تيمية، قال الإمام ابن رجب، قال الإمام فلان، مع أنه ليس لهم مذاهب، لكن مثل هؤلاء يُسَمَّوْن الْحُفَّاظ، قال الحافظ ابن رجب، قال الحافظ النووي، قال.. كذا.
إذن الطلاق الثلاث على المذاهب الأربعة كلها يقع ثلاثًا، الطلاق في الحيض على المذاهب الأربعة يقع، كل المذاهب الأربعة، الطلاق في طُهْر جامَع فيه يقع على المذاهب الأربعة، الطلاق المعلَّق على شرط ولو قُصِدَ به اليمين يقع على المذاهب الأربعة.
وأقول لكم هذا لأجل ألَّا نتساهل في الأخذ بقول مَن يقول: إن الطلاق في الحيض لا يقع، والطلاق في طهر جامَع فيه لا يقع، والطلاق الثلاث واحدة، لا نتساهل؛ لأننا بتساهلنا الآن صار الناس يخوضون خَوْضًا عظيمًا في هذا.
واحد جاءني يسأل قبل يوم أو يومين، يقول: إنه طلَّق زوجته تسعًا وتسعين، يعني على الأسماء الحسنى، قال: أنت طالق تسعًا وتسعين مرة، جاء يسأل، باقي واحدة وتكون مئة، فالحاصل أن الناس بدؤوا يتساهلون الآن، أيضًا بدؤوا يتساهلون في الطلاق في الحيض، لا يبالون، وأحيانًا يتحيَّلُون، إذا كانت هذه آخر طلقة جاء يركض يدَّعِي أنه طلَّق في حيض، لأجل ألَّا تَبِينَ منه ولا تحرُم عليه، وربما يذكر طلاقًا له عشر سنين، يقول: إنه طلقها في حيض، علشان ما يُحْسَب عليه ويراجع، مع أني أعتقد أنه في ذلك الوقت لو أنها تزوجت بعد انقضاء عدتها لم يمنع من ذلك هو نفسه.

فأقول يا إخواني: هذه المسائل يجب أن نبلغ العوام، إن المسألة ما هي مُسَلَّمَة، يعني حتى لو كنا نعتقد نظريًّا أن الطلاق الثلاث واحدة فقد يكون من باب التربية أن نمنع الزوج من الرجوع، كما فعل عمر رضي الله عنه، عمر رضي الله عنه يرى أن الطلاق الثلاث واحدة، هو نفسه يرى هذا، كما هو في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر، لكنه قال رضي الله عنه: أرى الناس قد تعجَّلُوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم (1)، وهذا اجتهاد منه، من أجل أن الإنسان إذا عرف أنه إذا طلق ثلاثًا مُنِعَ من الرجوع فإنه لا يُطَلِّق.
فالمسألة -يعني كون الطلاق الثلاث واحدة- هذا هو الحق لا شك فيه، لكن إذا رأينا من الناحية التربوية حتى لا يقع الناس في هذا الطلاق المحرَّم أن نمنع من الرجوع فلنا ذلك، كما فعل عمر رضي الله عنه.
فيجب على طالب العلم أن يعلم أن المقصود في الشريعة الإسلامية من أولها إلى آخرها هو إصلاح الخلق، فحيث وُجِدَ الإصلاح فثَمَّ الشريعة، إلا ما نُهِيَ عنه بخصوصه فنعلم أنه لا صلاح فيه.
فإذا رأينا مثلًا أن مَن طَلَّق في الحيض ألزمناه بطلاقه وإن كنا نرى أنه لا يقع فلا بأس، حتى لا يتسرع الناس في الطلاق في الحيض، وهذه تحتاج إلى نظر عميق وسياسة شرعية، والرسول عليه الصلاة والسلام يراعي السياسة الشرعية، لما أراد أن يبني الكعبة على قواعد إبراهيم بعد أن فتح مكة خاف أن يكون هناك مفسدة من حُدَثَاءِ العهد بالإسلام، فامتنع من ذلك، مع أنه يرى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن إعادتها إلى قواعد إبراهيم هو الأَوْلَى، لكن تركه خوفًا من مفسدة.
(2)

فهذه المسائل تحتاج إلى عمق، وتحتاج أن الإنسان ينظر في المصالح، الآن مثلًا يرى بعض علمائنا الأجلاء أن كشف المرأة وجهها لا بأس به بناء على اجتهاداته، والناس ملتزمون في أن تغطي النساء وجوهها، ماشيين على هذا، هل من الحكمة أن ينشر هذا الرأي؟ لا، ليس من الحكمة، ما دام الناس ملتزمين على أمر لا تراه أنت حرامًا ليس لك أن تنشر شيئًا يخالفه، أنت بنفسك ترى أن الأفضل تغطية الوجه، فلماذا تنشر وتجادل وتجمع أدلة مُلَفَّقَة غير صحيحة تدل على أن تغطية الوجه ليس بواجب، هل الناس تركوا واجبًا إذا غطت النساء وجوهها؟ لا، ما تركوا واجبًا، بل فعلوا ما هو الأفضل في حقهم عندك أنت، فكيف تفتح لهم باب التساهل.
ومثل هذه المسائل كثيرة، إذا رأى مثلًا الناس ملتزمين بجريان الربا بين الأوراق النقدية، تعرفون الأوراق النقدية؟ الفلوس، بعض الناس يقولون: ما فيه ربا، أبدل دولارًا بعملة سعودية بتفاضل وتأخيرِ قبضٍ وكل شيء، ما فيها شيء، يرى هذا، نحن لا نُنْكِر عليه رأيه النظري، لكن هل من الأوفق أن ينشره بين الناس حتى يتساهلوا في أمر التزموا به؟ لأنه لو نُشِر هذا المذهب لرفعت البنوك راياتها إلى الثريا؛ لأن عمل البنوك الآن على هذا الرأي عمل شرعي صحيح؛ لأنهم يقولون: أصلًا ما فيه ربا في الأوراق، فلنا أن نتعامل بتفاضل وبتأخيرِ قبضٍ وبكل شيء.
لكن هذا القول لا شك أنه قول خطأ، خطأ من الناحية التربوية، ومن الناحية النظرية، حتى لو قلنا: إنه صواب، فلا يسوغ لنا أن نفتي الناس بخلافه، أي بأنه يجوز التفاضل والتأخير.
فالمهم يا إخواني أنتم إن شاء الله طلبة علم ومقبلون على خير، انتبهوا لهذه النقطة، وهي تربية الناس على الأصلح حتى يتبين.

جابر بن عبد الله رضي الله عنه حَضَرَهُ قوم، فقام وصَلَّى بإزاره وأعلى بدنه مكشوف، ورداؤه معلَّق في الْمِشْجَب، ما هو بعيد، وأيهما أفضل؛ أن يصلي بردائه أو بعدمه؟ الأول بلا شك، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (3)، وهو يعلم هذا، ولذلك لما صلى بإزاره أنكر عليه واحد، قال: كيف تفعل هذا؟ قال: فعلت هذا ليراه أحمق مثلك.
(4) كيف تنكر عَلَيَّ شيئًا لا بأس به؟ فترك الأفضل هنا من أجل إزالة الوهم، هذه السياسة الشرعية، فانتبهوا لهذا، وأوصيكم بها، الأمور النظرية قد لا يكون من المصلحة إفشاؤها بين الناس، إلا إذا ارتكبوا محرَّمًا فهذا لا بد من بيان الحق.


طالب: لم تطلُقْ قبلَه، ولو قال: عَجَّلْتُه، وإن قال: سَبَقَ لساني بالشرطِ ولم أُرِدْه، وقعَ في الحالِ، وإن قال: أنتِ طالقٌ، وقال: أردتُ إن قمتِ لم يُقبَلْ حُكْمًا.
وأدواتُ الشرطِ: إنْ، وإذا، ومتى، وأيُّ، ومَنْ، وكُلَّما، وهي وحدَها للتكرارِ، وكلُّها (ومهما) بِلا (لَمْ) أو نِيَّة فَوْر أو قرينته للتَّراخي، ومع (لَمْ) للفورِ، إلا (إِنْ) مع عَدَمِ نيَّةِ فورٍ أو قرينة، فإذا قال: إن قمتِ، أو: إذا، أو: متى، أو: أي وقت، أو: مَنْ قامَتْ، أو: كلَّما قُمتِ فأنتِ طالقٌ، فمتى وُجِدَ طلُقتْ، وإن تكرَّر الشرطُ لم يتكرَّر الحِنْثُ إلا في (كلَّما).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن تعليق الطلاق بالشروط جائز، وأنه مُعْتَبَر على قول جمهور العلماء، وذلك لأن الإنسان لا يكلَّف إلا ما نطق به.
وسبق لنا أن مِن شَرْطه أن يكون من زوج، فلو قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق، ثم تزوجها، لم تطلق؛ لأنه حين قال ذلك ليس زوجًا لها، وإن قال: كل امرأة أتزوَّجها فهي طالق، فتزوَّج، يقع الطلاق أو لا؟ لا يقع إلا من زوج.

وقول المؤلف رحمه الله: (إلا مِن زوج) فُهِمَ منه أنه لا يقع من غير الزوج، فلو قال شخص لزوجته: أنتِ طالق، وكان عنده صاحبه، فقال صاحبه: إن خَرَجَتْ من البيت، يصحُّ الشرط أو لا يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: كَمَّل صاحبه، قال: إن خَرَجَتْ من البيت.
طالب: (... ). الشيخ: لا ينفعه، يقع الطلاق في الحال، إلا إذا قال: إن خَرَجَتْ من البيت، فإنه إذا قال: إن خَرَجَتْ من البيت، على القول الراجح صح، على القول الراجح أنه يصح الاستثناء وإن لم يَنْوِه إلا بعد تمام الكلام.
ولو قال آخر لامرأة زيد: أنت طالق، فقال زيد: إن خَرَجَتْ من البيت، يعني الآن الشرط من الزوج، والطلاق من آخَر، يقع أو لا يقع؟ لا يقع، سواء كان الطلاق من آخر والشرط من الزوج، أو الطلاق من الزوج والشرط من الآخر، لكن الطلاق من الزوج والشرط من الآخر يقع الطلاق بدون شرط.
هل يجوز للأب أن يطلِّق زوجة ابنه؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لو أن زوجة ابنه تؤذيه، وقال لابنه: طَلِّق زوجتك، هذه آذَتْنَا أتعبتنا، قال: لا، ما أطلقها، فطلقها الأب، وقال الأب محتجًّا: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (5)، فأنت وزوجك لأبيك، يصح أو لا يصح؟ الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، الطلاق للزوج، لو أمره أبوه أن يطلِّق هل يلزمه أن يطلق؟ لا يلزمه.
وأورد سائل على الإمام أحمد رحمه الله قصة عمر مع ابنه، حيث إن أباه أمره أن يطلِّق امرأته، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يطيع أباه (6)، فقال الإمام أحمد: وهل أبوك مثل عمر؟ وهذا جواب سديد؛ لأن عمر لا يمكن أن يأمر ابنه أن يطلِّق زوجته إلا لسبب شرعي، لكن غير عمر قد يكون لسبب شخصي وهوى، فلا يلزم الولد أن يطيع أباه في طلاق زوجته.
قال: (فإذا علَّقه بشرطٍ لم تطلُقْ قبلَه ولو قال: عَجَّلْتُه).
(إذا عَلَّقَه) أي: الطلاق، (بشرط لم تطلق قبله ولو قال: عجَّلته).

مثال ذلك: رجل قال لزوجته: إذا غابت الشمس فأنتِ طالق، وهو في الصباح، كأنه تباطأ على غروب الشمس، باقٍ على غروب الشمس عشر ساعات، وهو لا يحب أن تبقى زوجته ولا خمس دقائق، فقال: عَجَّلتُه، يعني الطلاق المعلَّق، فإنها لا تطلُق، لماذا؟ لأن الطلاق صَدَر منه على وجه التعليق فلا يمكن أن يكون مُنَجَّزًا.
لكن لو أراد أن يطلِّق طلاقًا جديدًا غير الأول يصح أو لا يصح؟ يصح، وحينئذ إذا غابت الشمس والطلاق رجعي تطلُق، فتكون طلقت مرتين؛ مرة بالطلاق الْمُعَجَّل، ومرة بالطلاق المعلَّق.
لو علَّقَه على شرط، ثم بَدَا له ألَّا يطلق، وقال: هَوَّنْت، ألغيت الشرط، وهذا يقع كثيرًا، يغضب الإنسان على زوجته ويقول: إن دخلتِ بيتَ أهلك فأنت طالق، ثم يندم ويريد أن يتخلَّص من هذا، فهل له أن يتخلَّص؟ طلبة: نعم.
الشيخ: اسمع يا رجل، قال لزوجته: إن دخلتِ بيت أهلك فأنت طالق، ثم ندم وأحب أن تدخل بيت أهلها، فهل له أن يتراجع أو لا؟ طالب: في هذا تفصيل.
الشيخ: ما هو التفصيل؟ الطالب: فيه قول (... ). الشيخ: ما يُدْعَى بتفصيل هذا، هذا قل: فيه خلاف.
الطالب: خلاف نعم.
الشيخ: إي، هو فيه خلاف، نعم، أكثر العلماء يقولون: إنه ما يمكن يرجع؛ لأنه أوقع الطلاق على صفة معينة فَلَزِمَه، ويرى شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا حرج عليه أن يرجع ويقول: قد أبطلتُ الشرط، يعني: أبطلت الطلاق المعلَّق بالشرط.
وقول المؤلف رحمه الله: (لم تطلُقْ قبلَه ولو قال: عَجَّلْتُه، وإن قال: سَبَقَ لساني بالشرطِ ولم أُرِدْه)، نقبل منه أو لا نقبل؟ طالب: لا نقبل.
طالب آخر: نقبل.
الشيخ: نقبل؛ لأنه أقرَّ على نفسه بما هو أضرّ، قال: إن لساني سبق بالشرط وأنا ما أردته، يعني أنه غَلِطَ سبقة لسان، نقول: الآن أقررت على نفسك بما هو أغلظ، فنلزمك بما أقررت به، ويقع في الحال.

مثال ذلك: رجل قال لزوجته: أنتِ طالق إن دخلتِ الدار، ثم قال: إن كلمة (إن دخلتِ الدار) سبق لساني بها وأنا ما أردتها، ماذا نقول له؟ نقول: الآن طلقت، ما يحتاج أن تدخل الدار أو ما تدخل.
تعليل ذلك أنه أقرَّ على نفسه أيش؟ بما هو أغلظ فقُبِلَ منه.
(وإن قال: سَبَقَ لساني بالشرطِ ولم أُردْه طلقت في الحالِ، وإن قال: أنتِ طالقٌ) لزوجته، (وقال: أردتُ: إن قمتِ، لم يُقبلْ حُكْمًا).
هذا عكس المسألة الأولى، الأولى أبطل الشرط الموجود، والثانية ادَّعَى شرطًا محذوفًا، قال لزوجته: أنتِ طالق، قالت: الحمد لله، خلاص انتهى ما بيني وبينك، قال: لا، أردتُ إن قمتِ، يُقْبَل أو لا يُقْبَل؟ طلبة: لا يُقْبَل.
الشيخ: لا، إن قلنا: لا يُقْبَل، غلط، إن قلنا: يُقْبَل، غلط، نقول: هذا يُدَيَّن فيما بينه وبين الله.
طالب: يرجع إلى النية.
الشيخ: هو يقول، الآن يدعي، يقول: إنه أراد هذا، يعني أراد أنه إن قامت، أراد الشرط، يقول المؤلف: (لم يُقْبَل حكمًا)، يعني بمعنى أنهما إذا ترافَعَا إلى الحاكم فإن الحاكم لا يقبل منه، لماذا؟ أخذًا بظاهر كلامه، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» (7)، والذي سُمِعَ من هذا الرجل الطلاق الْمُنَجَّز غير معلَّق، فلا يُقْبَل.
لكن لو أن المرأة قد وَثِقَت من زوجها وعلمت أنه صادق، أنه أراد بقوله: أنتِ طالق، إن قمتِ، فلها أن تصدقه، بل يجب عليها أن تصدقه إذا كان ثقة في نفسه، ولا حاجة أن يذهبوا إلى القاضي.
فمعنى (لم يُقْبَل حُكْمًا) يعني: لو ترافَعَا إلى القاضي، وهو الحاكم، لم يقبل القاضي ذلك اعتمادًا على ظاهر كلامه، والقاضي إنما يقضي بنحو ما يسمع.

جارٍ التحميل