الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 3060-3099

وجوابُنا على هذا أن نقول: المراجعة اصطلاحًا لا تكون إلا بعد عدة، والمراجعة شرعًا تكون لهذا المعنى ولغيره.
ويدل لذلك قول الله تبارك وتعالى في المرأة تُطلَّق الطلقة الثالثة، قال: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: 230]، الضمير يعود على من ﴿عَلَيْهِمَا﴾؟ على الزوجة والزوج الأول، وهنا قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ مع أن هذا ليس مراجعة، وإنما هو ابتداء نكاح، فسمَّى الله سبحانه وتعالى رجوعها إلى الزوج بعقد، سماه تراجعًا، فيكون حديث ابن عمر «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» ليس المراد به المراجعة الاصطلاحية وهي التي تكون بعد طلاق، بل المراد المراجعة اللغوية وهي أن ترجع إلى زوجها ولا تُحْسَب الطلقة.
قال: (وتُسَنُّ رَجعتُها).
يعني: إذا طلقها في حيض أو طهر وطئ فيه وقع الطلاق، لكن يُسَنُّ أن يراجعها.
لماذا يسن أن يراجعها؟ من أجل أن يطلقها أيش؟ في طُهْرٍ لم يجامِع فيه.
شيخ الإسلام رحمه الله ذكر هنا معنًى دقيقًا، قال: إنه لو حُسِبَت الطلقة في الحيض لكان أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر بالمراجعة أمرًا بتكثير الطلاق؛ لأنه إذا راجعها وحَسَبنا الطلقة الأولى واحدة، فسيطلِّق طلقة ثانية فيزيد العدد، والشرع يحب أن ينقص عدد الطلاق لا أن يزيد؛ ولهذا حرم ما زاد على الواحدة، وهذا معنى لطيف جدًّا، يعني: كأنه يقول: إذا كان الطلاق الأول واقعًا فكون الرسول يأمره أن يراجعها يعني أن يراجع ثم يطلق فيزداد عليه عددُ الطلاق، والشرع لا يحب من المرء أن يتكرر طلاق زوجته.
على القول الراجح هل نقول: تُسَنُّ رجعتُها؟ على القول بأن الطلاق لا يقع؟ لا، لا نقول: تُسَنُّ رجعتها، نقول: هي زوجة لم تنفك عن زوجها حتى نقول: راجع، نقول: هي الآن زوجته، والله أعلم.
طالب: (... ). الشيخ: هه؟ الطالب: (... ).

الشيخ: لا.
طالب: إذا طلق الرجل زوجته وهي حائض، ثم ذهب في اليوم الثاني يستفتي أنه طلق زوجته أمس وهي حائض، فهل نقول له: راجعها أو تحسب عليك طلقة أو كفر عن يمينك؟ الشيخ: لا أبدًا، نقول: لا تُحْسَب طلقة وليس عليه يمين، هل فيه يمين؟ هل حلف على شيء؟ ! ما فيه يمين.
الطالب: يعني: لا تُحْسَب عليه (... )؟ الشيخ: أبدًا، كأنه لم يقع، كأن هذا اللفظ الذي صدر منه لم يقع.
طالب: بعض الناس يطلق امرأته طلقتين، ثم يطلقها الثالثة على عوض، وهو لا يدري الفرق بين الخلع أو الطلاق، يحسب أن هذا طلاق (... )، ثم يأتي يستفتي، فهل (... )؟ الشيخ: يعني طلق مرتين، مرة ثم راجع ثم مرة، ثم الثالثة خالع؟ الطالب: نعم، ولكنه لا ينوي الخلع، يعني هو في اعتقاده أن هذا الطلاق، ولكن (... ). الشيخ: الطلاق على عوض إن كان بلفظ الفسخ أو الفداء أو نحوهما فهو فسخ لا ينقُص به عدد الطلاق ولا يحسب عليه، فله أن يتزوجها بعقد، وإن كان بلفظ الطلاق فقال شيخ الإسلام رحمه الله: إنه فسخ أيضًا ولا عبرة باللفظ؛ لأنه خُلْع، المرأة فارقته بعوض، وقال جمهور العلماء: بل هو طلاق إن وقع بلفظ الطلاق، ويؤيد هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لثابت بن قيس: «خُذِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (12)، والأصل في اللفظ النبوي أن يُحْمَل على الحقيقة الشرعية، والحقيقة الشرعية أنه طلاق، وهذا أرجح، كلام شيخ الإسلام من حيث المعنى أرجح: أن كل فراق كان بعوض فهو فسخ لا طلاق ولو وقع بلفظ الطلاق، لكن ماذا نقول بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً»؟ إذا حملناه على المعنى اللغوي، وهو أن «طَلِّقْهَا» يعني: فارقها، فهو مشكل؛ لأن المعروف أن الحقيقة الشرعية تحمل عليها الألفاظ الشرعية، وبناء على ذلك نقول: إذا وقع الخلع بلفظ الطلاق بانت منه بينونة كبرى، لا تحل له إلا بعد زوج.
طالب: إن طلق زوجته أكثر من ثلاث؟ الشيخ: كم؟ الطالب: خمسة.

الشيخ: خمسة، نقول: ثنتان لك وثلاثة لنا! القول الراجح أن الإنسان إذا قال: أنت طالق ثلاثًا أو اثنتين أو أربعًا أو عشرًا أو عدد النجوم أو عدد المخلوقات، أنه طلقة واحدة؛ هذا هو الراجح كما يدل عليه حديث ابن عباس الذي في صحيح مسلم (3). طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، كيف نجيب على رواية ابن عمر في صحيح مسلم؟ الشيخ: وهو؟ الطالب: وهو لما سئل: هل حسبت عليك؟ (... ) على أنه حسبت عليه.
الشيخ: ما هو ظاهر، ما هو بصريح، لا، بل قد يقال: هذا ظاهره عدم الوقوع؛ لأنه جعل هذا من الحماقة، والحماقة شيء لا يُقَرُّ.

طالب: شيخ -بارك الله فيكم- على القول بأن الخلع بلفظ الطلاق هو طلاق.
الشيخ: على أيش؟ الطالب: أن الخلع بلفظ لو قال: أنت طالق وأخذ العوض، فهل له رجعتها؟ الشيخ: أنه خُلع ولَّا أنه طلاق؟ الطالب: على القول بأنه طلاق، على القول بأن الخلع بلفظ الطلاق طلاق، فهل له مراجعتها كزوجة طلَّقها؟ الشيخ: لا، كل طلاق على عوض فلا رجعة فيه إلا بعد عقد، فإن كانت الثالثة فبعد زوج.
الطالب: أحسن الله إليكم، هذا قد يورد علينا، يعني حينما نقول بأنه طلاق، قد يقول لنا القائل: فإذن أعطوه كل أحكام الطلاق، ولا دليل على إخراج أحكام الطلاق عنها.
الشيخ: وأيش (... ) الحديث؟ الحديث هذا هو الفاصل، لولا الحديث لكان كلام الشيخ واضحًا؛ لأنها افتدت نفسها واشترت نفسها منه، وهذا هو الذي يجعلنا نقول: إنه ليس له رجعة؛ لأن المرأة اشترت نفسها، لكن لو قال: أنا أرد عليكم ما أخذت فأقيلوني، كما يقال البائع إذا طلب من المشتري أن يقيله ويَرُدُّ عليه الثمن؛ فلو قال الزوج هكذا، قال: أنا أعطيكم ما أخذت منكم فأقيلوني؟ نقول: الطلاق ما فيه إقالة ولا إمضاء؛ الطلاق ماض.
لكن هذا الذي تريد أن تعطينا اجعله مهرًا وتزوجها.
طالب: بالنسبة للقول بأن الطلاق في الحيض قلنا: إنه يقع.
الشيخ: عند جمهور العلماء، الطلاق في الحيض يقع عند جمهور العلماء.

الطالب: على القول أنه لا يقع على الصحيح، أليس هذا مبنيًّا على قاعدة أن النهي يبطل الفساد؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: ليش ما (... )؟ الشيخ: الأئمة رحمهم الله استدلوا بقوله: «فَلْيُرَاجِعْهَا» (7)، وقالوا: لا مراجعة إلا بعد وقوع الطلاق، واستدلوا برواية البخاري أيضًا: فَحُسِبَتْ من طلاقها (13). يعني: هم لهم دليل ويجعلون هذا خارجًا.
الطالب: عن القاعدة؟ الشيخ: عن القاعدة، لكن الصحيح أنه موافق للقاعدة وأنه لا يقع، إلا أنه كما قلت لكم من قبل: لو جاءنا متلاعب قد طلَّق من زمان في حيض، ثم طلق ثانية في طهر جامع فيه، ثم طلق الثالثة، ولمَّا ضاق عليه الأمر جاء يفتش فيما مضى، ما يُقْبَل هذا.
طالب: شيخ لو قال لها: حبلك على غاربك.
يقع الطلاق؟ الشيخ: بنيته؛ يقع الطلاق بنيته.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- على حسب القاعدة: المثبت يقدم على النافي، ففي الحديث: فحسبت من طلاقها، هذا مثبِت، واللفظ الثاني: (لم يرها شيئًا) ناف، فلماذا ما قدمنا المثبت على النافي؟ الشيخ: ما نقدم؛ لأن (لم يرها) مرفوع، و (حُسِبَت) من الحاسب؟ لو قال: حسبها النبي صلى الله عليه وسلم من طلاقها، كان زال الإشكال.
الطالب: (... )؟ الشيخ: لا، ما بالمجهول، ما يدرى، فيكون هذا على تقدير أنه مرفوع حكمًا وأن القائل: (فحُسِبَت) هو ابن عمر؛ لأن ما ندري هل هو ابن عمر اللي قاله أو من بعده؟ لكن على فرض أنه ابن عمر وأنه مرفوع حكمًا، فالمرفوع صريحٌ مقدَّم.
طالب: قول المؤلف رحمه الله تعالى: (فبدعة يقع، وتسن)، أقول: لو كانت هذه الطلقة الثانية، فكيف تسن مراجعتها؟ الشيخ: ما يمكن يراجع، لا.
الطالب: مع أنه يرى (... ). الشيخ: لا، هو قصده إذا كانت تحل مراجعته، أما بعد الثالثة ما يمكن يراجع.


طالب: (... ) رَجعتُها، ولا سُنَّةَ ولا بِدْعةَ لصغيرةٍ وآيسةٍ وغيرِ مدخُولٍ بها، ومن بان حَمْلُها).

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق لنا أنه لا يجوز الطلاق في الحيض، لماذا؟ لأنه خلاف أمر الله، فقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، وإذا طلق في الحيض فإن بقية الحيضة لا تحسب من العدة، فيكون طلق لغير العدة.
وكذلك أيضًا إذا طلق في طهر جامع فيه فقد خالف أمر الله، طلق لغير العدة، لماذا؟ لأنه إذا جامعها في طُهْرٍ ففيه احتمال أن تكون عَلِقَت منه بولد، فتكون حاملًا، وعدة الحامل إلى وضع الحمل، ويحتمل ألا تكون علقت بولد فتكون عدتها بأيش؟ بالحيض.
إذن هو طلق لغير عدة معلومة، فيكون طلاقه باطلًا.
المؤلف يقول: إنه (بدعةٌ يقعُ)، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، لكن أكثر العلماء والأئمة يقولون: إنه يقع، ولذلك لو أن الإنسان سلك مسلك عمر بن الخطاب في هذه المسألة وأنه إذا طلق الإنسان في حيض أو في طهر جامع فيه وكَثُر هذا من الناس، لو أنه سلك إلزامهم به كما ألزمهم عمر بالطلاق الثلاث (3) لكان هذا خيرًا، حتى وإن كان يعتقد أن الدليل يدل على أن الطلاق في الحيض لا يقع أو في طهر جامع فيه لا يقع، لكن إذا رأى إلزام الناس به من باب السياسة فليس عليه حرج؛ لأن هذه سنة مَنْ؟ سنة عمر.
الآن بدؤوا -أي الناس- ينقبون عن طلاقات سابقة لها سنوات، فيقول: إنه طلقها في حيض، طلقها في طهر جامع فيه، مع أننا نعلم أنه لو انتهت العدة في الطلقة التي طلقها وهي حائض وتزوجت بآخر لم يبال بهذا؛ لأنه يعتقد أنها طلقت، ففتح الباب للناس حتى يقعوا في المحرم أمر يحتاج إلى نظر.

ولهذا أنا أعتقد أن القول الراجح أن الطلاق في الحيض لا يقع، والطلاق في طهر جامع فيه لا يقع؛ لأنه خلاف ما أمر الله به ورسوله، وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ (14)، لكن أرى أنه إذا دعت الحاجة إلى إلزام الناس بالطلاق إذا طلقوا في الحيض أو في الطهر الذي جامعوا فيه، أرى أن هذا هو السياسة الشرعية؛ لأن الشرع جاء ليصلح الخلق، لا لتلاعب الخلق.
ولنا في هذا أسوة، من أسوتنا في ذلك؟ عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنْ يَكُنْ فِيكُمْ مُحَدَّثُونَ فَعُمَرُ» (15)، أي مُلْهَمُونَ للصواب فعمر بن الخطاب؛ ولهذا يقال: إن عمر بن الخطاب الْمُوَفَّق للصواب، جميع اجتهاداته تكون غالبًا صوابًا، لا سيما في هذه المسألة الكبيرة التي بدأ الناس يتلاعبون، وإذا ضاقت عليهم الحيل قال: أنا طلقت في حيض.
دائمًا يعالجوننا في الاستفتاء، إذا قال: طلقت في حيض، قلت: راجعها، قال: هل تحسب عليَّ؟ راجعها يا رجّال.
هل تحسب علي؟ علشان أيش؟ يتوفر لديه ثلاث طلقات.
نقول: يا أخي راجع الآن، وعد نفسك أنك لن تعود للطلاق، والحمد لله طلقة واحدة إذا حسبت عليك ما هي مشكلة.
لكن لا، يريدون أن يقال لهم: هذه لا تُحْسَب عليكم، من أجل أن يكون عندهم النصاب كاملًا.
فعلى كل حال نحن نرى أن الطلاق في الحيض لا يقع، وفي طهر جامع فيه لا يقع، لكن نرى أنه من السياسة إذا تتايع الناس في هذا وصاروا لا يبالون، أن نلزمهم به ونقول: أنت رضيت لنفسك أن تطلق بالحيض فلنلزمك بما رضيت لنفسك.

ثم قال: (وتسنُّ رَجعتُها) رجعة من؟ رجعة مَنْ طلقها في حيض أو في طهر جامع فيه؛ والدليل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «مُرْهُ» أي: مر عبد الله بن عمر «فَلْيُرَاجِعْهَا» (7)، هذا هو الدليل، والراجح أن الرجعة هنا واجبة، بل على قولنا: ليست رجعة حقيقة، وإنما هي إبقاء لها على نكاحها الأول، فالصواب أن الرجعة -حتى وإن قلنا بوقوع الطلاق- أن الرجعة واجبة؛ لأنه لا يُرْفَع المحرم إلا بواجب.


ثم قال: (ولا سُنَّةَ ولا بِدْعةَ لصغيرةٍ وآيسةٍ وغيرِ مدخُولٍ بها، ومن بان حَمْلُها).
هذه أربع نساء ليس لطلاقهن سُنَّة ولا بدعة.
قوله: (ولا سُنَّةَ ولا بِدْعةَ)، يعني: لا يوصف الطلاق بسنة ولا بدعة في هؤلاء الأربع النساء، وظاهر كلامه رحمه الله أنه لا سُنَّة ولا بدعة في عددٍ ولا وقت، وأن الإنسان لو طلَّق واحدة من هؤلاء الأربع مرتين أو ثلاثًا فإنه لا يوصف بأنه سنة ولا بدعة.
(لا سنة ولا بدعة) في أيش؟ في عدد ولا زمن، أو ولا وقت، المعنى واحد.
فيؤخذ من كلامه أنه لو طلق واحدة من هؤلاء الأربع ثلاثًا أو ثنتين، فهذا لا يوصف بأنه سنة ولا بدعة، ولو طلق واحدة من هؤلاء الأربع واحدة لا توصف بأنها سنة، وهذا غير صحيح.
الصواب أن هؤلاء الأربع طلاقهن أكثر من واحدة بدعة، يوصف بأنه بدعة؛ لأنه خلاف السنة، السنة الطلاق واحدة ولّا أكثر؟ واحدة، فإذا طلق واحدة من هؤلاء الأربع مرتين – قصدي ثنتين – أو ثلاثًا، فلا شك أنه مبتدع.
لكن بالنسبة لغير المدخول بها سيأتي الكلام فيها.
قوله: (لصغيرة)، المراد بالصغيرة هنا من لم يأتها الحيض، حتى لو بلغت عشرين سنة وهي لم يأتها الحيض فإنها تعتبر أيش؟ صغيرة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4]، وهذا مطلق، ما دامت لم يأتها الحيض بعد فهي صغيرة.

لا سُنَّة في طلاقها لا بعدد ولا زمن؛ أما الزمن فنعم ليس هناك سنة ولا بدعة؛ لأنه لا يتصور في حقها سنة ولا بدعة، كيف ذلك؟ الصغيرة عدتها بالأشهر، كم عدتها بالأشهر؟ ثلاثة شهور، وهذا يقتضي أن تطلق في أي زمن طلق؛ لأنه من حين ما يقول: هي طالق، أيش؟ تبتدئ بالعدة، فيكون قد طلَّق للعدة.
لكن يطلق مرتين أو ثلاثًا، فهذا بدعة لا شك، خلافًا لظاهر كلام المؤلف رحمه الله.
إذن ما المراد بالصغيرة؟ مَنْ لم يأتها الحيض.
لو قلت: المراد بالصغيرة مَنْ لم تبلغ، خطأ ولَّا صواب؟ طالب: صواب.
طالب آخر: خطأ.
الشيخ: خطأ، صواب.
قولوا: لا خطأ ولا صواب (... )، لا سنة ولا بدعة.
لا خطأ ولا صواب؟ طالب: خطأ.
الشيخ: خطأ.
نحن نقول: الصغيرة من لم يأتها الحيض، لو بلغت خمسة عشر سنة، عشرين سنة، وهي إلى الآن لم يبتد بها الحيض، فهي صغيرة.
إذن ليست الصغيرة هنا من لم تبلغ، الصغيرة هنا من لم يأتها الحيض، بعض النساء يتقدم حيضها تبدأ تحيض من عشر سنوات، وبعض النساء إلى عشرين سنة ما تحيض، ونحن هنا لا نقيد بالسن، نقيد بالحال: ما دامت لم تحض فهي داخلة في قول المؤلف: (لصغيرةٍ).
(وآيسة)، من الآيسة؟ هي التي لا ترجو الحيض؛ يعني: انقطع عنها، ولا ترجو رجوعه؛ هذه الآيسة.
كم سِنُّها؟ على كلام المؤلف الذي مضى في باب الحيض خمسون سنة؛ لأن الحيض بعد الخمسين ليس بشيء، لكن الصواب أنها لا تتقيد بسن، بل متى لم ترج رجوع الحيض فهي أيش؟ آيسة، واللفظ والاشتقاق يدل عليه؛ آيسة.
وعلى هذا فمن استؤصل رحمها ولها عشرون سنة؟ طلبة: آيسة.
الشيخ: آيسة؟ ! الطلبة: نعم.
الشيخ: يا إخواني، شابة لها عشرون سنة؟ ما تقول؟ طالب: آيسة.
الشيخ: آيسة، متفقون على هذا؟ وأيش تقول؟ طالب: نعم.
الشيخ: إي، إذن الآيسة لا تتقيد بسن، قد تَيْأَس ولها عشرون سنة.
إذا استؤصل رحم المرأة ما يمكن أن تحيض.
وعلى هذا فنقول: الآيسة من لا ترجو الحيض.

إما لكبرها أو لاستئصال رحمها أو لغير ذلك من الأسباب، لكن الغالب أن المرأة إذا تجاوزت الخمسين سنة الغالب أن حيضها يتقلص؛ لأنها تَجِفُّ من الدم ويتقلص حيضها، هذا الغالب، لكنه ليس يقينًا.
(وغيرِ مدخُولٍ بها)، أيضًا التي لم يدخل بها ليس لطلاقها سنة ولا بدعة؛ لماذا؟ لأنه ليس لها عدة، والله عز وجل يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1].
التي لم يدخل بها ولم يخلُ بها ليس عليها عدة، فليطلقها ولو كانت حائضًا.
وغيرِ مدخولٍ بها ومَن بانَ حَمْلُها.
و(صريحُه) لفظُ الطلاقِ وما تَصَرَّفَ منه غيرُ أمْرٍ ومُضارِعٍ، ومُطَلِّقَةٌ اسمُ فاعلٍ فيَقَعُ به وإن لم يَنْوِه جادٌّ أو هازِلٌ، فإن نَوَى بطالِقٍ من وَثاقٍ أو في نِكاحٍ سابِقٍ منه أو من غيرِه أو أرادَ طاهرًا فغَلِطَ لم يُقْبَلْ حُكْمًا، ولو سُئِلَ: أَطَلَّقْتَ امرأتَك؟ فقالَ: نعم وَقَعَ، أو ألك امرأةٌ؟ فقالَ: لا وأَرادَ الكَذِبَ فلا.
(فصلٌ) وكناياتُه الظاهرةُ، نحوَ: أنتِ خَلِيَّةٌ وبَرِيَّةٌ وبائِنٌ وبَتَّةٌ وبَتْلَةٌ وأنتِ حُرَّةٌ وأنت الْحَرَجُ، والخفِيَّةُ نحوَ اخْرُجِي واذْهَبِي وذُوقِي وتَجَرَّعِي واعْتَدِّي واسْتَبرِئي واعْتَزِلِي ولستِ لي بامرأةٍ والْحَقِي بأَهْلِكِ وما أَشْبَهَه، ويَقَعُ مع النِّيَّةِ بالظاهرة ثلاثٌ وإن نَوَى واحدةً، وبالخفِيَّةِ ما نَوَاه.
(فصلٌ)

وإن قالَ: أنتِ عليَّ حرامٌ أو كظَهْرِ أُمِّي فهو ظِهارٌ ولو نَوَى به الطلاقَ، وكذلك ما أَحَلَّ اللهُ عليَّ حَرامٌ، أعني به الطلاقَ.
طَلُقَتْ ثلاثًا، وإن قالَ: أَعْنِي به طَلاقًا فواحدةٌ، وإن قالَ: كالْمَيْتَةِ والدمِ والخنزيرِ وَقَعَ ما نَواه من طلاقٍ وظِهارٍ ويَمينٍ، وإن لم يَنْوِ شيئًا فظِهارٌ، وإن قالَ: أَمْرُك بيَدِك مَلَكَت ثلاثًا ولو نَوَى واحدةً، ويُتَرَاخَى ما لم يَطَأْ أو يُطَلِّقْ أو يَفْسَخْ، ويَخْتَصُّ اختاري نفسَك بواحدةٍ وبالمجْلِسِ الْمُتَّصِلِ ما لم يَزِدْها فيهما، فإن رُدَّت أو وَطِئَ أو طَلَّقَ أو فَسَخَ بَطَلَ خيارُها.
(بابُ ما يَخْتَلِفُ به عددُ الطلاقِ) يَمْلِكُ مَن كلُّه أو بعضُه حُرٌّ ثلاثًا والعبدُ اثنتينِ يَمْلِكُ مَن كلُّه أو بعضُه حُرٌّ ثلاثًا والعبدُ اثنتينِ حُرَّةً كانتْ زَوْجَتَاهُما أو أَمَةً، فإذا قالَ: أنتِ الطلاقُ أو طالِقٌ أو علَيَّ أو يَلْزَمُنِي وَقَعَ ثلاثا بِنِيَّتِها، وإلا فواحدةٌ، لكن الغالب أن المرأة إذا تجاوزت الخمسين سنة أن حيضها يتقلص؛ لأنها تجف من الدم ويتقلص حيضها، هذا الغالب، لكنه ليس يقينًا.
(وغيرِ مدخُولٍ بها) أيضًا التي لم يدخل بها ليس لطلاقها سنة ولا بدعة.
لماذا؟ لأنه ليس لها عدة، والله عز وجل يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، التي لم يدخل بها ولم يخل بها ليس عليها عدة، فليطلقها ولو كانت حائضًا.
أو في طهر جامعها فيه؟ طالب: لا.
الشيخ: ليش؟ غير مدخول بها.
إذن نقول: فليطلقها وهي حائض ولا بأس.
فإذا قال قائل: كيف نجيب عن قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾؟ أجيبوا.
طلبة: ليس لها عدة.
الشيخ: ليس لها عدة، والله يقول: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.

ظاهر كلام المؤلف أنه لا سنة ولا بدعة في عدد ولا زمن، غير المدخول بها لا يتصور العدد فيها؛ لأنه إذا قال: أنت طالق بانت منه، فإذا قال: أنت طالق الثانية فقد طلَّق من ليست له زوجة، ما هي زوجته الآن، لكن لو قال: أنت طالق ثلاثًا، هذا يمكن؛ لأن (ثلاثًا) وصف للجملة السابقة؛ يعني: أنت طالق طلاقًا ثلاثًا، لكن كما تعلمون أننا نرى أن الطلاق الثلاث المجموع واحدة.
(ومن بان حملها) من بان حملها أيضًا لا سنة ولا بدعة في طلاقها، لماذا؟ لأنه من حين أن يطلق فقد طلق للعدة؛ لأن الحامل عدتها بأيش؟ بوضع الحمل، وهي الآن حامل، فإذا طلقها فقد طلقها للعدة فلا سنة ولا بدعة في طلاقها.
لكن كما قلت لكم وأكرر: إن بدعة العدد في هؤلاء ثابتة، وأنه لا يجوز أن يطلق واحدة من هؤلاء أكثر من واحدة، لو طلق ثنتين حرام، لو طلق ثلاثة حرام.
إذن من هن اللاتي لا سنة ولا بدعة في طلاقهن؟ نقول: كم؟ أربعة، وهنَّ: الصغيرة، والآيسة، وغير المدخول بها، ومن بان حملها.
وعرفتم تعليل ذلك ودليله.
قال: (وصريحُه) أي: صريح الطلاق.
هناك صريح وهناك كناية، فما هو الصريح وما هو الكناية؟ يعني ما هو الضابط؟ الضابط في الصريح: ما لا يحتمل غيرَ معناه.
والكناية: ما يحتمل معناه وغيره.
ومع ذلك قولنا: ما لا يحتمل غير معناه؛ يعني: في الظاهر الغالب، وإلا قد يحتمل معنى آخر، لكنه عند الإطلاق لا ينصرف إلا إلى هذا المعنى.
(لفظُ الطلاقِ) إذا قال لزوجته: أنت طالق، هذا صريح.
قال: (وما تصرَّف منه) إذا قال: طلقتك، هذا متصرف من الطلاق؛ لأن الفعل أصله المصدر، كما هو الراجح.
إذا قال: أنت مطلقة، صريح؟ صريح.

يقول: (غيرَ أمرٍ ومضارعٍ، ومُطَلِّقةٍ اسمَ فاعل) (غير أَمْرٍ) هل مراده بالأمر أن تؤمر بالتطليق أو أن تؤمر بالانطلاق؟ الأول، الأمر أن يقول: طلقي.
هذا لا يقع به الطلاق، السبب لأنه أمرٌ لها بالطلاق، وليس إيقاعًا للطلاق عليها.
أما لو قال: اطلقي، فإنها تطلق؛ لأن هذا أمرٌ لها بالمفارقة، اطلُقِي بمعنى: انفصلي عني.
فيكون المراد بقوله: (غير أمر) أي: أمرٍ بالتطليق، لا بالانطلاق.
انتبهوا لهذا، مع أن كلام المؤلف موهم.
كيف الأمر بالتطليق؟ مثل أن يقول: طلقي، أمرها أن تطلِّق.
لكن (اطْلُقِي) أمر بالانطلاق فهو طلاق.
(مضارع)، أيضًا (مضارع) نقول فيها ما نقول في الأمر؛ إن قال: أنت تُطَلِّقِين، يقع الطلاق ولَّا لا؟ لا يقع، أنت تطلِّقين خبر بأنها ستطلق، والطلاق بيد الزوج.
أما إذا قال: أنت تطلُقين؟ طالب: يقع.
الشيخ: نعم يقع، لكن تعرفون أن المضارع يصلح للحال والاستقبال، فإن أراد بقوله: أنت تطلقين المستقبلَ فهنا لا تطلق إلا إذا وقع الطلاق منه مرة أخرى، وأما إذا أراد به الحال: أنت تطلُقين فإنها تطلق؛ لأن المضارع يصح للحال والاستقبال؛ فإن نوى به الاستقبال لم تطلق، وإن نوى به الحال طلقت.
(ومطلِّقة اسمَ فاعل) إذا قال: أنت مُطلِّقة طلقت.
طلبة: (... ). الشيخ: أنت مطلقة، يقول المؤلف: (مطلقة اسم فاعل)، هذا في الاستثناء؛ يعني أنه إذا قال: أنت مُطلِّقة لم تطلق.
أما إذا كانت (مطلَّقة) اسم مفعول فإنها تطلق.
إذن صريح الطلاق: لفظ الطلاق وما تصرف منه غير ما استثناه المؤلف رحمه الله.
طيب، وكنايته.
قال: (فيقعُ به وإن لم ينوِه؛ جادٌّ أو هازلٌ) (يقع الطلاق به) أي: باللفظ الصريح، (وإن لم ينوه)؛ لأن هذا وُضِعَ للفراق فيقع به الطلاق، سواء نوى أو لم ينوِ.

وقوله: (وإن لم يَنْوِه) هذه إشارة خلاف؛ فإن بعض أهل العلم يقول: إذا لم ينوِ الطلاق فلا طلاق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (1)، وبيان ذلك أن القائل: أنت طالق؛ إما أن ينوي الطلاق فيقع ولا إشكال فيه، وإما ألَّا ينوي الطلاق بل ينوي أنت طالق؛ يعني: غير مربطة، فهذا لا يقع به الطلاق، وإما ألَّا ينوي هذا ولا هذا، فهذا موضع خلاف؛ فمن العلماء من قال: تطلق، أخذًا بظاهر اللفظ، ومنهم من قال: لا تطلق.
لكن قولوا لي: إذا قال هذا في حال الغضب، ويش يدل عليه؟ طلبة: (... ). الشيخ: قرينة على أنه أراد الطلاق.
وقوله: (جادٌّ أو هازلٌ) يعني: سواء ذكر هذا على سبيل الجِد أو على سبيل الهزل، فلو كان يمازح زوجته من باب التدلل عليها والتدلع -كما يقولون- قال: واللهِ أنا ما أحبك، روحي أنت طالق، يمزح عليها، تطلق أو لا تطلق؟ تطلق، يقول المؤلف: (جادٌّ أو هازلٌ).
أما الجاد واضح، الأصل الجِد، لكن الهزل يقع به الطلاق، مع أنه لو باع عليه هازلًا لم يصح البيع، لو باع عليه هازلًا؛ مثل إنسان عنده سيارة فخمة، جاءه إنسان متوسط الحال وقال: بعْ عليَّ السيارة، قال: تبغيها تشتريها؟ قال: نعم، قال: بعتها عليه بمئتين ألف، قال: قبلت، هذا مزح ولَّا جِد؟ مزح، أولًا لأن السيارة لا تساوي مئتين ألف، والثاني أن هذا فقير ليس من أهلها، لكن مع ذلك يقولون: لا ينعقد البيع.
والطلاق مع أنه مكروه وينبغي أن يتوقاه الإنسان بكل ما يستطيع، يقولون: إنه يقع من الهازل المازح، لماذا؟ لا بد أن يكون هناك سبب، وإلا لا شك أن الهازل لم يرد الطلاق، كما أن الهازل في البيع لم يرد البيع؟

يقولون: إن في ذلك حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ» (2)، وفي رواية: «وَالْعِتْقُ» (3)، فإذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحًا وصحيحًا فلا مجال في العدول عنه، وهذا هو الذي عليه عامة المسلمين وعامة العلماء.
وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا كان هزلًا فإنه لا يقع، وقال: إذا كانت العقود الخطيرة لا تقع بالهزل فهذا من باب أولى، وضَعَّف الحديث: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ»، وإلا لو صح الحديث فلا عدول لأحد عنه، لكنه ضعف الحديث وقال: إن الهزل ليس بشيء ولا مرادًا، واللهُ سبحانه وتعالى لا يمكن أن يُلْزم العباد بما لم يريدوه.
أما الذين قالوا بصحة الحديث -وهم عامة الأمة- فقالوا: إنه يقع، وقالوا: إن كونه هازلًا أو جادًّا هذا راجع إلى نيته، وأما السبب الذي جعله الشرع سببًا للفراق فقد وقع منه، ونحن نعمل بالأسباب الظاهرة وليس علينا من الباطنة شيء.
فهو يقول: أنا أردت الطلاق، ما أقول: ما أردته، أنا أردت الطلاق لكني أمزح.
نقول: كونك تمزح أو لا تمزح هذا إلى نفسك، والطلاق واقع.
طالب: الغير مدخول بها -يا شيخ- لو طلقها وعقد عليها عقدًا جديدًا تحسب عليه الطلقة السابقة؟ الشيخ: سؤاله يقول: لو طلق غير المدخول بها ثم تزوجها، فهل تحسب عليه الطلقة الأولى؟ الجواب: نعم تحسب عليه، بنص القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49]، ما فيها إشكال.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- العلامات المذكورة في بلوغ الرجل (... ) المرأة؟ الشيخ: إي نعم، وتزيد بالحيض.
الطالب: الأثر عن عائشة رضي الله عنها بأن المرأة إذا بلغت تسع سنين فهي امرأة (4)؟

الشيخ: نعم، يعني فهي قابلة أن تكون امرأة؛ أي: أن تحيض.
طالب: الراجح في طلاق المازح يقع أو لا؟ الشيخ: الراجح أن طلاق المازح يقع؛ لأن هذا أمر إلى الله ما هو إليك، أنت الآن نويت الطلاق لكنك تمزح، ما علينا من مزحك، ولأنه لو فُتِح هذا الباب لكان كل واحد يقول: إني أمزح.
طالب: أحسن الله إليك -يا شيخ- (... ) المزح كيف كذب؟ فهل يمكن لابنه أن.. ؟ الشيخ: لا، ما هو بأثر كذب، ما هو بكذب.
المزح نعم بعضه يكون تورية، وبعضه يكون غير تورية، قول الرسول صلى الله عليه وسلم يمازح الصبي: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ » (5) هذا ما فيه تورية ولا شيء، صريح، وهو يمزح عليه.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة للأمر بالطلاق؛ يعني إذا قال: اطلقي، تطلق؛ لأنه أمر بالانطلاق.
الشيخ: نعم.
الطالب: هذه العبارة تنقل إلى صريح الطلاق أم تنقل إلى الكناية؟ الشيخ: لا، صريح الطلاق، كل ما كان مشتقًّا من هذه المادة (طاء، لام، قاف) فهو صريح.
طالب: إذا عرض بها؟ الشيخ: عرض؟ الطالب: نعم.
الشيخ: مثل؟ الطالب: مثل لو قال: أنت لا تصلحين إلا أن تذهبي إلى أهلك؟ الشيخ: ما هو طلاق؛ لأنه ما صرح، ما قال: اذهبي إلى أهلك، يقول: ما تصلحين إلا أن تذهبي، هذا من باب التهديد والوعيد.


الطالب: (... ) أو من غيره، أو أراد طاهرًا فغلط لم يُقبل حُكمًا، ولو سُئل: أطلقتَ امرأتَك؟ فقال: نعم، وَقَع، أو: أَلَكَ امرأةٌ؟ فقال: لا، وأراد الكذبَ، فلا.
الشيخ: يقول المؤلف رحمه الله: إن الطلاق له صريح وكناية، صريحه: لفظ الطلاق وما تصرف منه، واستثنى من ذلك أشياء.

يقول رحمه الله: (فإن نوى بطالقٍ مِنْ وَثَاقٍ) يعني: نوى بقوله: أنت طالق طالقًا من وَثَاق؛ يعني: من ربط.
فهل يُقْبَل أو لا؟ نقول: لا يُقْبَل حكمًا؛ يعني: لو ترافعت المرأة وزوجها إلى القاضي لم يُقْبَل كلامه؛ لأن القاضي إنما يحكم بالظاهر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» (6). فهذا رجل آذته زوجته؛ تقول: طلقني، طلقني، قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، كم دولي؟ خمسة، ثم قال: أردت أنت طالق من وَثَاق؛ يعني: ما قيدت بالحبل، هل يقبل أو لا؟ نقول: أما إن صدقته فلا طلاق؛ لأن لفظه يحتمل ذلك، وأما إن رافعته إلى القاضي وقال: نعم، أنا قلت خمس مرات: أنت طالق لكني أردت طالقًا من وثاق، فالقاضي يحكم بأنها طالق، ويفرق بينها وبين الزوج، وتحل للأزواج من بعده.
تحل ظاهرًا وباطنًا ولَّا ظاهرًا؟ ظاهرًا إذا كان صادقًا في قوله: إنه نوى الطالق من وثاق.
فإن قال قائل: ماذا تقولون؛ هل الأولى للمرأة أن تحاكمه لتطلق أو أن تصدقه فلا تطلق؟ في هذا تفصيل؛ إذا كان الزوج ممن يتقي الله وعلمنا أنه صادق بقوله: إنه أراد طالقًا من وثاق، فيحرم عليه أن تحاكمه؛ لأنها الآن تعتقد أنه لم يطلقها وأنه صادق، فلا يحل لها أن تحاكمه، وأما إذا كان الرجل لا يخاف الله وهو رجل متهاون، فيجب عليها أن تحاكمه، فإن ترددت في ذلك فالأولى ألَّا تحاكمه؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
فعرفنا الآن أنه إذا أراد طالقًا من وثاق فإنه لا يُقْبل حكمًا.
ويتولد من هذا سؤال: هل الأولى أن تحاكمه أو لا؟

فيه تفصيل؛ إن كان رجلًا ورعًا يخاف الله ويغلب على ظنها صدقه حَرُمَ أن تحاكمه، وإن كان بالعكس رجلًا لا يبالي ولا يهمه فيجب عليه أن تحاكمه، ولا يجوز أن تقبل قوله، وإن شكَّت في ذلك فلم يغلب على ظنها أنه صادق ولا أنه كاذب فما الحكم؟ الأولى ألَّا تحاكمه؛ لأن الأصل بقاء النكاح، ولأنها لو حاكمته ثم فُرِّق بينهما وهو صادق فيما ادعاه لكانت حلت لغيره مع أنها مع زوج.
فالمسألة خطيرة.
كذلك لو قال: إنها طالق في نكاح سابق منه أو من غيره، قال: نعم، أنا قلت: أنت طالق أردت الخبر لا الإنشاء، انتبه، ولأن هناك فرقًا بين أنت طالق خبرًا أو أنت طالق إنشاء، قال: أنت طالق أردتُ الخبر؛ يعني: طالقة من الزوج اللي قبلي، إن كانت لم تتزوج نقبل كلامه؟ طلبة: لا.
الشيخ: إخواني؟ طالب: لم (... ). طالب آخر: (... ). طالب آخر: ما فيه زوج.
الشيخ: نعم، ليش واحد ولَّا اثنان أجابوا وبإلحاح؟ ! الآن إذا قال: أردت أنت طالق من زوج قبلي وهي لم تتزوج، هل يمكن أن نقبل قوله؟ طلبة: لا يمكن.
الشيخ: لا يمكن.
طيب، هي لم تتزوج لكنه هو نفسه قد تزوجها من قبل ثم طلقها، وقال: أردت الإخبار عن طلاقي السابق، ولم أرد إنشاء الطلاق الآن، هل يُقبل أو لا؟ نقول: حكمًا لا يُقبل؛ لأن الأصل الإنشاء، لكن فيما بينه وبين الله إذا صدقته المرأة فإنه يُقبل.
وحينئذٍ نقول: هل تصدِّق المرأة أو لا؟ على التفصيل السابق.
كذلك أيضًا لو قال: أردت طاهرًا فغلطتُ، قال: أنت طالق، ثم قال: أردت أنت طاهر، لكن سبق لسانه.
هل يقبل أو لا؟ أما حكمًا فلا يُقبل؛ لأنه قال: أنت طالق، وأما فيما بينه وبين الله فيُقبل.
وحينئذٍ نقول: هل الأولى للمرأة أن تحاكمه حتى تطلق أو ألَّا تحاكمه؟ على التفصيل السابق.

لو قال: (أنت طا) بس، تطلق أو لا؟ ما تطلق، وإنما مثلت بهذا لأن بعض الذين ابتلوا بالوسواس -نسأل الله لنا ولهم السلامة- يسأل يقول: أردت أن أطلق زوجتي فقلت: (أنت طا) هل يقع الطلاق؟ ماذا تقولون؟ طلبة: لا يقع.
الشيخ: لا يقع الطلاق، على أنه سبق أن الموسوس لا يقع طلاقه أبدًا، حتى لو قال: أنت طالق.
إذن (لم يُقبل حُكمًا) كلما رأيتم في كلام الفقهاء: لم يُقبل حكمًا؛ أي: أما باطنًا فيُدَيَّن ويوكل إلى دينه.
ثم قال: (ولو سُئل: أطلقتَ امرأتَك؟ قال: نعم، وَقَع) لأن معنى (نعم): طلقتها، (نعم) هي عبارة عن إعادة الجملة التي وقع بها السؤال.
(أطلقتَ امرأتَك؟ قال: نعم) تطلق، كما سُئل أنس -مرَّ علينا أمس- أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنعليه؟ قال: نعم (7)؛ يعني: يصلي بنعليه.
فإذا قيل: أطلقت امرأتك؟ قال: نعم، وقع الطلاق.
ولو سُئِل: ألك امرأة؟ قال: لا، ما لي امرأة، فهذا فيه تفصيل؛ إن أراد الطلاق وقع، وإن أراد أن يكذب على الرجل فإنه لا يقع؛ لأنه إذا قال: لك امرأة؟ قال: لا، يكذب عليه.
هذا خبر كاذب ما يقع به طلاق.
وينبغي أن تُخَرَّج المسألة التي قبلها على هذه؛ بمعنى أنه إذا سئل: أطلقت امرأتك؟ قال: نعم، أراد الكذب، ينبغي أن تخرج المسألة الأولى على هذه، فيقال: إذا أراد الكذب حتى في قوله: نعم، جوابًا لمن قال: أطلقت امرأتك؛ فإنه لا يقع.


ثم قال: (فصل: وكناياتُه الظاهرةُ).
(كناياته) الضمير يعود على الطلاق، وهذا هو القسم الثاني من الألفاظ التي يقع بها الطلاق، والقسم الأول ما هو؟ الصريح.
وقلنا فيما سبق: الصريح ما لا يحتمل إلا معنى الطلاق، والكناية هو الذي يحتمل معنى الطلاق وغيره، فهو ليس صريحًا في الطلاق.
والكنايات ذكروا أنها قسمان: ظاهرة وخفية، ولا دليل على هذا التقسيم، كما سنبينه إن شاء الله.

لكن الكنايات يقال: الكنايات نوعان: كنايات بَيِّنَة قريبة من معنى الطلاق، وكنايات بعيدة.
وحكمها واحد، لكن هم يفرقون بينهما رحمهم الله.
(وكناياتُه الظاهرةُ نحو: أنتِ خليَّةٌ، وبَرِيَّةٌ، وبائنٌ، وبَتَّةٌ، وبَتْلَةٌ، وأنتِ حرةٌ، وأنت الحَرَجُ) هذه كلها كنايات ظاهرة.
(أنت خلية) يعني: ما (... ). (برية) يعني: من حقوق الزوج.
(بائن) يعني: منفصلة.
(بَتَّة) يعني: مقطوعة.
(بَتْلَة) أيضًا مقطوعة.
(أنت حرة) يعني: لا كلام لأحد عليك؛ لا زوج ولا غيره.
(وأنت الحرج) يعني: أنت عندي حرج، والحرج الحرام.
هذه ظاهرة، لماذا كانت ظاهرة؟ يقولون: لأن هذه وُضِعت للفراق المؤبد فكانت ظاهرة.
والخفية نحو: اخرجي، منين؟ من ها البيت، أو من الحجرة، أو من الغرفة، أو من السيارة؛ يعني بعيدة من معنى الطلاق، اخرجي، يلَّا يا مَرَة اخرجي، نقول: طلاق هذا هم يرون أنه كناية طلاق؛ (اخرُجِي).
(اذهَبِي، ذُوقِي، تَجَرَّعِي، اعتَدِّي) (اعتدي) هي أقرب هذه الكلمات لمعنى الطلاق؛ لأنه لا عدة إلا بطلاق.
(اسْتَبْرِئِي) كذلك من الكنايات الخفية، وهي أقرب إلى الطلاق من (اخرُجِي، واذهَبِي، وذُوقِي، وتَجَرَّعِي).
(واعْتَزِلِي) اعتزلي أيش؟ طالب: اعتزليني.
الشيخ: قد يكون اعتزلي عني، فيكون طلاقًا، وقد يكون اعتزلي عن المكان هذا.
(لست لي بامرأة) هذه كناية؛ لأنه يحتمل أنه أراد الطلاق، ويحتمل لست لي بامرأة مطاوعة؛ كما لو أمرها بشيء وعصت، قال: واللهِ أنت ما أنت امرأة لي؛ يعني: لو كنت امرأة لأطعتِ.
(الحَقِي بأهلِك) يعني: روحي لأهلك، الحقي بهم، يحتمل الطلاق، ويحتمل أنه أراد أن تصاحب أهلها.
(وما أشبهه).
إذن الكنايات ما سوى الصريحة، وتنقسم إلى قسمين: ظاهرة وخفية، فما وُضِع للبينونة فهو كناية ظاهرة، وما لا فهو كناية خفية.
ولكن هل يقع الطلاق؟

يقول المؤلف رحمه الله: (ولا يقع بكنايةٍ ولو ظاهرةً طلاقٌ إلا بنيَّةٍ) الحمد لله، هذه نعمة، كل الألفاظ هذه لا يقع فيها الطلاق، (إلا بينة) يعني بأن ينوي بقوله: (أنت خلية) يعني: مطلقة، ينوي (اخرجي) يعني: من بيتي فلست لي بامرأة.
(إلا بنية مقارنة للفظ) النية -انتبه- إما أن تسبق اللفظ بزمن بعيد، وإما أن تكون بعده، وإما أن تكون مقارِنة أو قبله بيسير.
إن كانت سابقة؛ مثل أن نوى أن يطلقها أمس، واليوم قال لها: اخرجي، لكنه غاب عن ذهنه النية، أتطلق أم لا؟ لا، لا بد أن تكون مقارنة أو قريبة.
طيب، بعد أن قال: اذهبي أو اخرجي أو اعتزلي أو ما أشبه ذلك، نوى الطلاق، يقع أو لا يقع؟ طالب: لا يقع.
طالب آخر: لو كانت بعيدة.
الشيخ: يا إخواني، بعد أن قال: اذهبي، وهو يريد أن تذهب لأهلها للزيارة -مثلًا- نوى الطلاق، يقع ولَّا ما يقع؟ ما يقع؛ لأنه حين تلفَّظ بها لم ينو الطلاق، والمؤلف يقول: (إلا بنية مقارنة للفظ)، فلا يقع الطلاق.
لو نوى أن يطلق بدون لفظ، يقع الطلاق أو لا؟ لا يقع.
لو حدَّث نفسه دون لفظٍ أنها طالق، وقال بنفسه: زوجته طالق، تطلق؟ لا.
إذن النية تارة تتقدم كثيرًا، وتارة تتقدم بزمن يسير، وتارة تقارن، وتارة تتأخر.
كم الأقسام؟ أربعة، إذا تقدمت كثيرًا لا يقع الطلاق، إذا تأخرت ولو يسيرًا لا يقع الطلاق، إذا تقدمت يسيرًا أو قارنت اللفظ يقع الطلاق.
قال المؤلف: (إلا حال خُصومةٍ أو غَضَبٍ) فاستثنى من هذا، ويأتي -إن شاء الله- غدًا.
طالب: (... ). الشيخ: قد يراد بالغد؟ طالب: يوم القيامة.
الشيخ: لا! يوم القيامة ما فيه تدريس، قد يراد بالغد المستقبل وإن بَعُد، غدًا ما فيه درس؛ لأنه يوم الخميس، لكن -إن شاء الله- يوم السبت.
طالب: لو الإنسان قال لزوجته: الحقي بأهلك، ثم بعد فترة نوى الطلاق مثلًا، ما.. ؟ الشيخ: ما يصير شيء.
الطالب: ما يصير؟

الشيخ: لا، ما يصير، أنت سمعت الآن: لا بد أن تكون النية مقارنة للفظ.
عرفت أن النية لا بد أن تكون مقارنة للفظ أو قبله بيسير، أما لو تأخرت فلا يغني شيئًا.
يقول المؤلف: (إلا نيَّةٍ مقارنةٍ للَّفْظِ، إلا حالَ خُصومةٍ أو غَضَبٍ أو جوابِ سؤالِها) هذه ثلاثة أحوال يقع بها الطلاق بالكناية بلا نية.
(إلا حالَ خصومةٍ) يعني: خصومة مع من؟ مع زوجته؛ تخاصم وإياها، قال: يلَّا روحي لأهلك، يقع الطلاق وإن لم ينوه؛ لأن لدينا قرينة تدل على أنه أراد فراقها.
(أو حال الغضب) غضب؛ يعني: لو بدون خصومة، أمرها أن تفعل شيئًا فلم تفعل فغضب، ما فيه خصومة الآن، لكن فيه غضب، قال: يلَّا روحي لأهلك، انقلعي، يقع الطلاق؟ يقع وإن لم ينوه.
(أو جواب سؤالها) يعني قالت: طلقتني، قال: يلَّا انقلعي، روحي لأهلك، هذا جواب سؤالها الطلاق، يقع الطلاق؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: لماذا وقع في الأحوال الثلاث؟ لأنها قرائن تدل على إرادة الطلاق؛ ولهذا قال: (فلو لم يُرِدْه) أي: لو لم يرد الطلاق في هذه الحال، (أو أراد غيرَه لم يُقبلْ حُكمًا)، لو قال: أنا ما أردت الطلاق، أو قال: أردت غيره؛ بأن قال: أردت بقولي: (يلَّا روحي لأهلك) أردت أن ينطفئ غضبي وأن ينطفئ غضبها ولم أرد الطلاق، يقول: (لم يُقبل حكمًا) ويش معنى (لم يُقبل حكمًا)؟ يعني: إن رافعته إلى الحاكم طلق عليه، وبينه وبينها لا يقع الطلاق.
وسبق أن قلنا: هل الأولى أن تحاكم أو لا؟ فيه تفصيل ارجعوا إليه.
لكني أقول: الصحيح أن الكناية لا يقع بها الطلاق إلا بنية حتى في هذه الأحوال؛ لأن الإنسان قد يقول: اخرجي أو ما أشبه ذلك غضبًا وليس في نيته الطلاق إطلاقًا، بس يريد أن تنصرف عن وجهه حتى ينطفئ غضبهما.

وقد تُلِح عليه تقول: طلقني، طلقني، فيقول: طالق، وهو ما يريد الطلاق، يريد طالق منين؟ من وثاق، أو طالق إن طلقتك؛ لأنه أحيانًا يقول: طالق إن طلقتُك، فيقيده بالشرط.
فعلى كل حال الصحيح أنه لا يقع إلا بنية.
نعم لو قال: أنا في هذه الحال ما أشعر؛ لا نويت الطلاق ولا نويت غير الطلاق، بس أردت التخلص من الغضب أو من المخاصمة معها، حينئذٍ نقول: لا يقع؛ لأنه لا بد من نية.
ثم قال: (ويقعُ مع النيةِ بالظاهرةِ ثلاثٌ وإن نوى واحدةً، وبالخفيَّةِ ما نواه).
هذا الفرق الآن بين الكناية الظاهرة والخفية، إذا قال: أنت خلية ونوى الطلاق، كم يقع؟ طالب: ثلاثًا.
الشيخ: أنت خلية ونوى الطلاق، يقع ثلاثًا؛ لأن الكنايات الظاهرة إذا وقع بها الطلاق صار بائنًا؛ تطلق ثلاثًا.
(أنت الحرج) نوى الطلاق، يقع ثلاثًا؟ طالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟ لأنها كناية ظاهرة.
إذا قال: اعتزلي؟ طالب: يقع ما نواه.
طالب آخر: واحدة.
الشيخ: يقع ما نواه، لا، يقول: (بالخفية ما نواه)، يقع ما نواه؛ إن نوى ثلاثًا فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة.
ولكن لاحظوا أن القول الراجح أنه لا طلاق ثلاث بأي لفظ كان، إلا إذا طلق ثم راجع، ثم طلق ثم راجع.
فلو قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أردت الثلاث، لم تطلق إلا واحدة فقط.
هذا القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام رحمه الله وشيخنا عبد الرحمن السعدي، وهو ظاهر واضح، حديث ابن عباس: كان الطلاق الثلاث واحدة إلى سنتين من خلافة عمر (8)، فالطلاق لا يتكرر بتكرار صيغته، يتكرر بتكرار وقوعه، فإذا قال: أنت طالق ثم راجع، كم هذه؟ طالب: واحدة.
الشيخ: أنت طالق ثم راجع، ثنتان.
أنت طالق، ثلاثة، الآن بانت منه.
وأما أنت طالق ثلاثًا، أو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فهي واحدة.

الكنايات الظاهرة كم يقع فيها على هذا القول الراجح؟ واحدة؛ يعني: ما يمكن أن يقع الثلاث إلا بثلاث مرات، قال الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229]، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: 230]، و ﴿مَرَّتَانِ﴾ لم يقل الله عز وجل: الطلاق لفظان، قال: ﴿مَرَّتَانِ﴾ لا بد من مرة بعد مرة؛ بأن يطلقها ثم يعيدها إلى نكاحه ثم يطلقها، والله الموفق.
طالب: (... ) أن يطلق الرجل امرأته وقبل أن (... ) راجعها.
الشيخ: وقبل؟ الطالب: وبعد أن راجعها.
الشيخ: وقبل.
الطالب: إذا طلق امرأته في طهر لم يجامعها فيه وليست حائضًا، ثم راجعها بقصد المراجعة حقيقة.. ؟ الشيخ: في طهر لم يجامعها فيه وليست حائضًا؟ ! الطالب: إي، هي ليست حائضًا.
الشيخ: غلط هذا التعبير.
الطالب: يعني: لم تكن حائضًا.
الشيخ: أنت قلت: في طهر لم يجامع فيه، يحتاج تقول: وليست حائضًا؟ ما يحتاج.
الطالب: يعني: طلقها لعدتها، ثم راجعها في هذه العدة، ولم تحض عنده بعدما راجعها، وكذلك لم يجامعها في ذلك الطهر الذي طلقها فيه، فهل إذا طلقها مرة أخرى يقع؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: ويكون طلاقًا لعدته؟ الشيخ: نعم؛ لأنه إذا راجعها ثم طلقها استأنفت العدة.
المهم على كل حال، القول الراجح الذي نعتقده صحيحًا -إن شاء الله- هو أن الطلاق الثلاث لا يقع بفعل العبد، إلا إذا طلق ثم راجع، ثم طلق ثم راجع.
طالب: المرأة المطلقة، إذا قال زوجها: راجعتك، هل يُشْتَرط رضا المرأة؟ الشيخ: حضرت البارحة معنا؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: أنا أرى أنك ما حضرت.
الطالب: لا، حضرت يا شيخ.
الشيخ: ما حضرت، لو حضرت لحضر قلبك، ولو حضر قلبك لكان من القواعد التي قرأناها: من لا يعتبر رضاه لا يعتبر علمه، ومَثَّل الشيخ رحمه الله بالرجعية، صرتَ حاضرًا ولَّا غير حاضر؟ الطالب: حاضر.
الشيخ: أعوذ بالله! حاضر جسمًا لا حاضر.. الطالب: تذكرت يا شيخ.
الشيخ: إي، نسيت يعني؟ والآن.

الطالب: تذكرت.
الشيخ: أنه؟ الطالب: أنه لا يعتبر رضاها.
الشيخ: لا يعتبر رضاها، صحيح، لكن يجب على الزوج ألَّا يراجعها مضارة؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231]، وقال: ﴿بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228]؛ يعني: إن أرادوا إبقاء، أحيانًا لا يريد الإصلاح، يريد المضارة، فالصحيح في هذه الحال أنه يحرم عليه الرجعة.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بالنسبة للمسألة السابقة في قوله: إنه لو قيل له: أطلقتها امرأتك؟ قال: نعم، قلنا: ينبغي أن تلحق هذه المسألة بالتي تليها؛ وهي لو قيل له: ألك امرأة؟ فقال: لا، وأراد الكذب، ما تبين لي رغم أنه الجملة الأولى قلنا: إذا كان الجواب بنعم أو بلا، قلنا: هي في معنى حكاية الكلام يعني.. الشيخ: خبر.
الطالب: خبر نعم، ثم في السؤال الثاني ليس فيها لفظ الطلاق صريح، ألك امرأة؟ مع ذلك ألحقناها بها؟ الشيخ: لا، نحن قلنا: نلحق الأولى بالثانية؛ بمعنى أنه إذا أراد الكذب عليه فلا تطلق، لو الرجل تحدث قال: إنه طلق امرأته يريد الخبر الكذب، ما تطلق.
الطالب: لكن -يا شيخ- كونه أراد الكذب والصدق، هذا في نيته، ما ندري عنه (... )؟ الشيخ: لكن الكلام على هل يقع أو لم يقع؟ أما هل يقبل حكمًا أو لا؟ هذه مسألة ثانية، حتى لو قيل له: ألك امرأة؟ قال: لا، وأراد الكذب، لو أن المرأة حاكمته حُكِم عليه بأنها تطلق، الحكم غير مسألة الوقوع.
(... )


الطالب: فصل: وإن قال: أنتِ عليَّ حرامٌ أو كظهرِ أمِّي فهو ظِهارٌ، ولو نَوَى به الطَّلاقَ، وكذا ما أحلَّ اللهُ عليَّ حرامٌ، وإن قال: ما أحلَّ الله عليَّ حرامٌ -أعني: به الطلاقَ- طَلُقَتْ ثلاثًا، وإن قال: أعني به طلاقًا فواحدةٌ، وإن قال: كالميتةِ والدمِ والخنزيرِ وقعَ ما نواهُ من طلاقٍ وظِهَارٍ ويمينٍ، وإن لم يَنْوِ شيئًا فَظِهارٌ، وإن قال: حلفتُ بالطلاقِ وكذبَ لزمَه حُكمًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما شرط وقوع الطلاق بالكناية؟ طالب: الكناية (... ). الشيخ: الكناية يقع بها الطلاق فما شرط وقوع الطلاق بها؟ طالب: النية مقارنة.
الشيخ: شرطها النية؛ يعني: لا يقع بالكناية إلا بالنية؛ أي: نية الطلاق.
وهل يفرق فيما يقع الطلاق بالكناية بين الخفية والظاهرة؟ الطالب: نعم.
الشيخ: كيف التفريق؟ الطالب: من حيث كيفية الوقوع، الظاهرة قالوا بأنه يقع ثلاثًا، أما الخفية فقالوا: يحسب ما نواه.
الشيخ: يقع ما نواه، تمام، هذا الفرق؛ الكنايات الظاهرة يقع بها ثلاثًا، والخفية يقع بها ما نواه.
ما الذي لا يُشترط له النية في الكناية؟ متى تكون الكناية لا يُشترط لها النية؟ طالب: في حال خصومة أو غضب أو جواب سؤالها.
الشيخ: حال خصومة مع من؟ الطالب: مع زوجته.
الشيخ: مع زوجته، غضب؟ الطالب: أو جواب سؤالها.
الشيخ: غضب عليها أو جواب سؤالها.
مثال الأخير؟ طالب: تقول له: طلقني، يقول: اذهبي إلى أهلك.
الشيخ: إي، تمام، أن تقول: طلقني، فيقول: اذهبي إلى أهلك، فالمذهب يرون أنه يقع الطلاق، والصواب أنه لا يقع إلا بالنية، كل الكنايات لا يقع بها الطلاق إلا بنية؛ لأنها ألفاظ لم توضع للطلاق، وإذا لم توضع للطلاق فالأصل عدم وقوع الطلاق إلا بنية، فإذا نوى وقع الطلاق.

إذا قال قائل: كيف تقول: إذا نوى وقع الطلاق؟ نقول: نعم، إذا نوى يقع الطلاق؛ لأن اللفظ يحتمل.
أما لو كان اللفظ لا يحتمله؛ مثل أن تقول: طلقني، قال: واللهِ أنت طويلة، يقع الطلاق ولَّا ما يقع؟ طلبة: لا يقع.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: لا يحتمل.
الشيخ: ما يحتمل اللفظ الطلاق، ما يحتمل المعنى.
على كل حال، القول الراجح في مسائل الكناية أنه لا يقع إلا بنية، لكن القرائن قد تعين النية.
وبماذا يقع بالكناية؟ كم عدد يقع بالكناية؟ طالب: بالكناية؟ الشيخ: إي نعم.
إذا وقع الطلاق بالكناية فكم عددًا يكون؛ واحدة ولَّا عشرة؟ الطالب: واحدة.
الشيخ: واحدة، مطلقًا؟ طالب: على المذهب لو كانت كناية ظاهرة أنها تقع ثلاثًا.
الشيخ: نعم، أحسنت.
الطالب: ولو كانت خفية على ما نواه.
الشيخ: تمام.
الطالب: أما الراجح أنها تقع واحدة فقط.
الشيخ: في الجميع.
طيب، المذهب يقولون: الكناية الظاهرة يقع بها الثلاث والخفية يقع ما نواه.
والصواب أنه لا يقع الثلاث حتى لو نوى الثلاث؛ لأننا صححنا أن الطلاق الثلاث ولو بلفظ صريح لا يكون إلا واحدة، وذكرنا دليل ذلك فيما سبق.
ثم قال: (فصل: وإن قال: أنتِ عليَّ حرامٌ أو كظهرِ أمِّي فهو ظِهارٌ).
نبدأ بالمسألة الأولى: إذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام فهو ظهار، حكمه أنه لا يقربها حتى يكفر كفارة ظهار، كفارة الظهار: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يجد؟ طالب: فإطعام ستين مسكينًا.
الشيخ: إطعام ستين مسكينًا.
هذا إذا قال: أنت عليَّ حرام.
وظاهر كلام المؤلف أن هذا الحكم ثابت بكل حال، ولكن القول الراجح في هذه المسألة أنه إذا أراد الخبر فإننا نقول له: كذبت، ولا عليه شيء، إذا أراد الخبر قال: أنت علي حرام، فهل هو صادق فيما قال؟ أجيبوا الطلبة: لا.

الشيخ: لا، هي حلال، مثلما لو قال: هذه الخبزة حرام عليَّ، يريد الخبر ما يريد الإنشاء، نقول: كذبت.
ولهذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرجل إذا قال: أنت عليَّ حرام، فليس بشيء (9). وهذا مراده إذا أراد بقوله: أنت عليَّ حرام، إذا أراد الخبر.
إذا أراد تحريمها -يعني: الامتناع منها- فالمشهور من المذهب -كما قال المؤلف- أنه يكون ظهارًا، والصواب أنه ليس بظهار وإنما هو يمين، الصواب أنه يمين، فإذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام، قلنا: هذا يمين؛ يعني: حكمه حكم اليمين؛ لأنه داخل في عموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 1، 2]، الزوجة مما أحل الله له ولا لا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب، حرَّمها، إذا حرمها نقول: قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، ولهذا إذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام، نقول: هذا يمين؛ يعني: في حكم اليمين، لا يلزمه ظهار، ولا يلزمه طلاق، وإنما يلزمه اليمين؛ أي أن يكفر كفارة يمين وتنحل.
على ما مشى عليه المؤلف إذا قال لزوجته: أنت عليَّ حرام؟ طلبة: ظهار.
الشيخ: ظهار، والفرق بين الظهار واليمين واضح؛ الظهار يحرم أن يقربها حتى يكفر، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: 3]، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4]، وإذا قلنا بأنها يمين أطعم عشرة مساكين وانتهت القضية، وهذا هو الصحيح.

كذلك أيضًا إذا جرى هذا اللفظ مجرى اليمين؛ بأن قال: إن فعلتُ كذا فزوجتي حرام عليَّ، قصده منع نفسه من فعله، إن فعلت كذا فزوجتي حرام عليَّ، قصده بذلك منع نفسه منه، فهذا يمين أيضًا؛، إن فعل فعليه كفارة يمين، وإن لم يفعل فلا شيء عليه؛ لأنه أجراه هنا مجرى اليمين.
أما إذا قال: أنت عليَّ كظهر أمي، فهذا ظهار لا إشكال فيه، فلا يقربها حتى يكفر، والكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.
شديدة، ووجه ذلك أنه شَبَّه أحل النساء له بأحرم النساء عليه، وهذا عين المحادة لله عز وجل؛ ولهذا كانت كفارته غليظة.
قوله: أنت عليَّ كظهر أمي أشد من قوله: أنت عليَّ حرام، أليس كذلك؟ ولذلك صار قوله: أنت عليَّ كظهر أمي ظهارًا، وأنت عليَّ حرام صار حكمه حكم اليمين.
فبينهما فرق عظيم.
هل نقول: ما لم يجره مجرى اليمين؛ بأن قال: إن فعلت كذا فزوجتي عليَّ كظهر أمي؟ الجواب: نعم، على القول الراجح أنه قد يُجرى مجرى اليمين، فيقول مثلًا: إن فعلت كذا فزوجتي عليَّ كظهر أمي، أو يخاطبها فيقول: إن فعلتُ كذا فأنت عليَّ كظهر أمي، يريد بذلك اليمين؛ أي: منع نفسه، ما أراد أن يحرم زوجته ويجعلها كظهر أمه، لكن أراد أن يمنع نفسه، فالصواب أيضًا أنه يكون يمينًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (1)، هكذا؟ أيش قلتُ؟ طالب: قلنا: إنه إذا وقع قوله: أنت علي كظهر أمي مثل اليمين أنه لا يقع إن نواه؛ لأن الأعمال بالنيات.
الشيخ: مثل؟ الطالب: إذا قال: إذا فعلت كذا فأنت عليَّ كظهر أمي.
الشيخ: يريد بهذا؟ الطالب: اليمين.
الشيخ: إي نعم، تمام.

يقول رحمه الله: (فهو ظِهارٌ، ولو نَوَى به الطَّلاقَ) وهذا صحيح فيما إذا قال: أنت عليَّ كظهر أمي فإنه يكون ظهارًا ولو نوى به الطلاق؛ لأننا لو قلنا في هذه الحال: لو نوى به الطلاق صار طلاقًا لم يكن بين هذا الظهار وبين ظهار أهل الجاهلية فرق؛ لأن أهل الجاهلية الظهار عندهم تحريم مؤبد، إذا قال الإنسان لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، حرمت عليه تحريمًا مؤبدًا وجعلوه طلاقًا بائنًا، فلو قال قائل لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، وقال: أردت به الطلاق فإننا لا نقبل منه ولو نوى الطلاق.
وبناء على ذلك لو ماتت بعد هذا هل يرثها أو لا؟ طلبة: يرث.
طلبة آخرون: لا يرث.
الشيخ: يرث، لا يرث.
ما فيه التفصيل علشان يكون وسطًا بينكم؟ ! هذا رجل -يا إخوان- قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، ونوى به الطلاق، كلام المؤلف يقول: إنه ظهار ولو نوى الطلاق، فأقول لكم الآن: لو أنه بعد يومين مات، ترثه أو لا؟ طلبة: ترثه.
الشيخ: ترثه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأنها لم تطلق، ولو ماتت هي ورثها أيضًا؛ لأنها لم تطلق.
على القول بأنه طلاق -وهو ضعيف جدًّا- إذا كان هذا الطلاق بائنًا فإنها لا ترث منه ولا يرث منها.
إذا قال: أنت عليَّ كظهر بنتي، ظهار ولَّا غير ظهار؟ ظهار، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] بناءً على الأغلب، فإذا قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر ابنتي، فهو ظهار، ونقول: ما هي ابنتك.
إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أختك؟ طلبة: (... ). الشيخ: ننظر هل أختها حرام عليه؟ لا، ما هي حرام عليه، أخت زوجته ليست حرامًا عليه.
طالب: ممنوع الجمع.
الشيخ: نعم، الحرام الجمع؛ ولهذا لو ماتت الزوجة حلَّت أختها.
إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كأمك، ظهار ولَّا غير ظهار؟ الطلبة: ظهار.
الشيخ: أمك؟ الطلبة: ظهار.
طالب: أمها حرام عليه.
الشيخ: هل أمها الآن حرام عليه ولَّا الحرام الجمع؟ طلبة: حرام عليه.

الشيخ: حرام عليه، تمام.
على كل حال، فهمنا الآن أنه إذا شَبَّه زوجته بمن تحرم عليه تحريمًا مؤبدًا فهو ظهار.
(وكذا ما أحلَّ اللهُ عليَّ حرامٌ) إذا قال: ما أحل الله عليَّ حرام فهو مظاهر، مع أن كلمة: (ما أحل الله) (ما) اسم شرط عام يحتمل أنه أراد الزوجة أو أراد غير الزوجة، والله أحل لنا الطعام والشراب واللباس والنكاح، فإذا قال: ما أحل الله عليَّ حرام فهو ظهار.
لماذا كان ظهارًا؟ لدخول الزوجة في العموم؛ عموم ما أحل الله عليَّ حرام، لأن نقول: من جملة ما أحل الله لك الزوجة، فيكون ظهارًا.
الآن بالنسبة للزوجة صار ظهارًا، بالنسبة للطعام يمين، بالنسبة للشراب؟ الطلبة: يمين.
الشيخ: بالنسبة للباس؟ الطلبة: يمين.
الشيخ: طيب، إذن تبعض الحكم، صارت هذه الكلمة لشيء يمينًا ولشيء ظهارًا، ما هو القول الذي رجحناه في هذا؟ أنه يمين، وعلى هذا فنقول: إذا قال: ما أحل الله عليَّ حرام فهو يمين، حتى لو نوى الزوجة، بل لو واجهها وقال: أنت عليَّ حرام، يريد إنشاء التحريم، فهو يمين؛ يعني: في حكم اليمين.
لعلكم فهمتم الفرق بين قولنا: يمين، وفي حكم اليمين؛ لأن أنت طالق -مثلًا- أو أنت حرام تارة يُجرى مجرى اليمين؛ وذلك فيما إذا جعله بمنزلة اليمين، مثلًا: إن فعلت كذا فأنت طالق، إن فعلت كذا فأنت حرام، هذا أيش هو؟ يمين؛ يعني: أجري مجرى اليمين.
أما إذا قلنا: يمين أنت عليَّ حرام ما فيه تعليق ولا شيء، فهذا على ما مشى عليه المؤلف ظهار، وعلى القول الراجح يمين.
(وإن قال: ما أحلَّ الله عليَّ حرامٌ -أعني: به الطلاقَ- طَلُقَتْ ثلاثًا، وإن قال: أعني به طلاقًا فواحدةٌ).
وصل كلامه بالتفسير؛ فسر كلامه (قال: ما أحلَّ الله عليَّ حرامٌ؛ أعني: به الطلاقَ) تطلق ثلاثًا، لماذا؟ لأن (أل) للعموم وليست للجنس، مع أنه يحتمل أن تكون للجنس، لكن يقولون: الأصل في (أل) أنها للعموم، فإذا قال: الطلاق؛ يعني: كله، والطلاق كله هو الطلاق الثلاث.

الآن وصل كلامه بالتفسير (ما أحلَّ الله عليَّ حرامٌ؛ أعني: به الطلاقَ) تطلق ثلاثًا؟ وجه ذلك أن (أل) للعموم، وعموم الطلاق هو الثلاث.
على القول الراجح كم تطلق؟ طلبة: واحدة فقط.
الشيخ: واحدة، بارك الله فيكم.
(وإن قال: أعني به طلاقًا فواحدةٌ) ليش؟ لأن (طلاقًا) ليس فيها ما يفيد العموم، (طلاق) مصدرٌ مطلقٌ، والمطلق يصدق بواحدة، فإذا قال: (أعني به طلاقًا) طلقت واحدة.
والصحيح في هذه المسألة أنها تطلق طلقة واحدة ولو قال: أعني به الطلاق؛ لأن الطلاق الثلاث لا يقع إلا إذا كانت كل واحدة مستقلة عن الأخرى.
(وإن قال) يعني: لزوجته، (كالميتة) يعني: أنت كالميتة (والدم والخنزير وقعَ ما نواهُ من طلاقٍ وظِهَارٍ ويمينٍ، وإن لم يَنْوِ شيئًا فَظِهارٌ).
هذه تختلف عما سبق؛ ما سبق قال: أنت عليَّ حرام، أو قال: ما أحل الله علي حرام، هنا قال: أنت كالميتة والدم، نقول: يقع ما نواه من طلاقٍ وظهارٍ ويمينٍ.
كيف ذلك؟ (كالميتة) الميتة حرام على الإنسان، لكن تحريمها عارضٌ، ويحتمل أن معنى قوله: (كالميتة) يعني: في كراهتي لكِ لا في التحريم؛ لأن كل إنسان يكره الميتة.
(الخنزير) والقائل هنا مسلم، أما لو قاله نصراني فالخنزير عنده أشهى اللحم، إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كالخنزير؛ يعني: من أحبه حبًّا كثيرًا؛ لأن النصراني يحب لحم الخنزير، لكن كلامنا مع من؟ مع المسلم، قال: أنت علي كالخنزير، هل المراد التحريم؟ يحتمل، أو المراد الكراهة؟ يحتمل؛ ولهذا قال: (وقع ما نواه من طلاقٍ وظهارٍ ويمينٍ).
لكن هل يمكن أن يقول الإنسان لزوجته هذا الكلام أو ما يمكن؟ يمكن يا إخواني، مع المغضبة كل شيء يكون، يمكن يقول: أنت كالميتة، كالخنزير، كالذيب، كل ما شاء مما لا يؤكل؛ لأن الإنسان عند الغضب لا يدري ما يقول، أحيانًا يصل الغضب إلى درجة لا يدري الإنسان أهو في السماء أو في الأرض، وربما سقط بعضهم مغشيًّا عليه، والله أعلم.

طالب: أحسن الله إليكم، إذا ظاهر ثم طلق، هل عليه كفارة الظهار؟ الشيخ: إذا ظاهر ثم طلق، هل سيعود؟ الطالب: لا.
الشيخ: طلق، والله يقول: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: 3]، والمطلِّق ما عليه.
طالب: أحسن الله إليكم، إذا فسر -يا شيخ- ما أحل الله علي؛ أعني به الطلاق، نقول: تطلق (... )؟ الشيخ: على كلام المؤلف ثلاث مرات.
الطالب: (... ) على القول الراجح.
الشيخ: نعم، تكون يمينًا.

طالب: عفا الله عنك، إذا قال: أنت عليَّ كابنتك من غيره، ماذا يكون؟ الشيخ: هل تحرم عليه ابنتها؟ الطالب: إذا كان قبل الدخول.. الشيخ: إذن -بارك الله فيك- إن قال ذلك قبل الدخول فإنه ليس بظهار، وإن قال بعده فهو ظهار، والفرق أنه قبل الدخول يحرم عليه الجمع بينه وبينها، وأما بعد الدخول فإن ابنتها تكون محرمة عليه تحريمًا مؤبدًا.


الطالب: (... ) المتَّصلِ ما لم يَزِدْها فيهما، فإن رَدَّتْ أو وَطِئَ أو طَلَّقَ أو فسخَ بَطَلَ اختيارها.
الشيخ: (... ) ولَّا (خيارها)؟ الطالب: (اختيارها) يا شيخ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن القول الراجح فيما إذا حرَّم الرجل زوجته فهو يمين، ما الذي يرجحه؟ الدليل؟ طالب: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم: 1].
الشيخ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
الطالب: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2].
الشيخ: نعم، هذا هو الصحيح؛ لأن تحريم المرأة داخل في هذا العموم، ولا دليل على تخصيصه.
إذا قال: ما أحل الله عليَّ حرام، أعني به الطلاق، أو أعني به طلاقًا؟ طالب: لو قال: أعني به الطلاق طلقت ثلاثًا.
الشيخ: إذا قال: أعني به الطلاق طلقت ثلاثًا، وجهه؟ الطالب: لأن (أل) تفيد الاستغراق.

الشيخ: لأن (أل) تفيد الاستغراق، وإن قال: أعني به طلاقًا فواحدة؛ لأنه يصدق عليها أنها طلاق.
ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟ طالب: أنها واحدة.
الشيخ: أنها تطلق واحدة ولو قال: أعني به الطلاق؛ لأن طلاق الثلاث واحدة.
إذا قال لزوجته: أنت كالميتة، فماذا يقع؟ طالب: يقع ما نواه من ظهار أو يمين أو طلاق.
الشيخ: وإن لم ينو شيئًا؟ الطالب: فهو يمين، إلا إذا قصد كالميتة في كراهتها (... ). الشيخ: لا، هو ما قصد شيئًا، أطلق؛ أنت كالميتة.
الطالب: المؤلف يقول: (إن لم ينو شيئًا فظهار).
الشيخ: المؤلف يقول: (إن لم ينو شيئًا فظهار) نعم، ولكن سبق لنا أننا قلنا: الصحيح أنه ليس بظهار إلا إذا صرح بالظهار، وأنه يُجعل كاليمين، ما لم ينو أنها كالميتة في كراهته لها وعدم التئامه معها، فعلى ما نوى.
قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال: حلفتُ بالطلاقِ وكذبَ لزمَه حُكمًا) هذا مبتدأ درس اليوم.
طالب: (وإن قال: كالميتةِ) ما كملناه.
الشيخ: لا، كملناه.
طالب: وقفنا على (كالميتةِ والدمِ والخنزيرِ).
الشيخ: قلنا: (وقع ما نواه).
طلبة: (... ). الشيخ: لا، شرحناه.
طلبة: (... ). الشيخ: طيب، يكون إعادة على قول من قال: إننا شرحناه، ويكون بيانًا على قول من قال: لم نشرحه، مع أن المثبت مقدم على النافي.
يقول المؤلف في هذه الكلمات قال: (كالميتةِ والدمِ والخنزيرِ وقعَ ما نواهُ من طلاقٍ وظِهَارٍ ويمينٍ).
إذا كان طلاقًا فُرِّق بينهما، إذا كان ظهارًا تبقى معه لكن لا يأتيها حتى يُكَفِّر، إذا كان يمينًا فإنه يُكَفِّر كفارة يمين.
فصار الآن الأمر دائرًا بين أن يفارقها أو يُكَفِّر كفارة ظهار أو يكفر كفارة يمين؛ إن قلنا: إنه طلاق فارق، وإن قلنا: إنه ظهار لا يقربها حتى يُكَفِّر كفارة ظهار، وإن قلنا: يمين فهي يمين؛ إذا شاء قاربها ثم كَفَّر، وإن شاء كَفَّر ثم قاربها؛ لأن اليمين لا تحرم الشيء.

قال: (وإن لم يَنْوِ شيئًا فَظِهارٌ) إن قال لزوجته: أنت كالميتة ولا نوى شيئًا يُحَمْل على أنه ظهار؛ لأنه نص في التحريم، وهم يرون -أعني: الأصحاب رحمهم الله- أن تحريم المرأة ظهار، وقد عرفتم الصواب فيما سبق، وأن تحريم المرأة يمين إلا أن يكون بلفظ الظهار.
(وإن قال: حلفتُ بالطلاقِ وكذبَ لزمَه حُكمًا) قوله: (وكذب) يعني: وقد كذب، (لزمه حكمًا) إذا قيل: (لزمه حكمًا) صار لا يلزمه باطنًا فيما بينه وبين الله، لكن لو حاكمته الزوجة لزمه.
مثال ذلك: قال له شخص: تفضل معنا، ادخل لتتغدى أو تتعشى، قال: أنا حالف بالطلاق ألَّا أدخل، وهو كاذب ما حلف، هذه الكلمة أمسكتها الزوجة، وقالت: إنك حلفت بالطلاق؛ فإن حاكمته إلى القاضي أُلْزِم بالطلاق، وإن لم تحاكمه فلا شيء عليه.
وهل الأولى أن تحاكمه أو أن تتركه؟ فيه تفصيل؛ إن علمت من زوجها أنه رجل ورع صادق حَرُمَ عليها أن تحاكمه؛ لأنها لو حاكمته لأدى إلى التفريق بينهما، وإن علمت أنه رجل لا يبالي ولا يهتم بهذه الأمور، وليس أكبر همه إلا أن تعود زوجته إليه، فهذا يجب عليها أن تحاكمه.
فإن ترددت فما الأولى؟ الأولى ألَّا تحاكم.
(لزمَه حُكمًا) ويش معنى (حكمًا)؟ يعني: إذا حاكمته، أما إذا لم تحاكمه فإنه يُدَيَّن فيما بينه وبين الله.
(وإن قال: أمرُك بيدِك مَلَكَتْ ًثلاثا ولو نوى واحدةً) هذا نوع من التوكيد، إذا قالت له زوجته: طلقني، طلقني، فكني منك، فقال لها: أمرك بيدك، الآن صار الأمر بيد من؟ الأمر بيدها؛ تطلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثة.
أما على القول الراجح فإنه لا فرق بين أن تطلق واحدة أو ثنتين أو ثلاثة، فلو قالت مثلًا: طلقت نفسي طلقة، فهي طلقة، طلقت نفسي طلقتين، فهما طلقتان، طلقت نفسي ثلاثًا، فهي ثلاث.

وهذا من الفروق بين أن يقول لزوجته: أمرك بيدك، وبين أن يقول: وكلتك في طلاق نفسك؛ إذا قال: وكلتك لم تملك إلا واحدة، وإذا قال: أمرك بيدك، فـ (أمر) هنا بمعنى شأن، وهو مفرد مضاف فيعم كل شؤونها، ومن شؤونها أن تطلق ثلاثًا.
فهذا وجه الفرق.
إذا وكلها في طلاقها لم تملك إلا واحدة ما لم يعطها أكثر، وإذا قال: أمرُك بيدِك فإن (أمر) مفرد مضاف يعم، وهو بمعنى الشأن، فيكون جميع شأنها بيدها؛ إن شاءت طلقت واحدة أو اثنتين أو ثلاثة.
وعلى القول الراجح واحدة، حتى لو صرحت بالطلاق الثلاث فهي واحدة.
قال: (ولو نوى هو واحدةً) لو نوى واحدة فإنها تملك الثلاث، أما إذا قال: أمرك بيدك في طلقة واحدة، فلا تملك إلا واحدة.
قال: (ولو تراخى) يعني: حتى لو تراخى -أي تأخر- بأن قال لها: أمرك بيدك اليوم، وبعده بيوم أو يومين قالت: إني اخترت نفسي وطلقت نفسي، إذن لا يُشترط الفورية في قبولها، فلو تأخر فلا حرج.
قال: (ما لم يطأْ أو يُطَلِّقْ أو يفسخْ) هذه ثلاثة أشياء تبطل قوله لزوجته: (أمرك بيدك).
يقول: (ما لم يطأ)؛ لأن وطأه إياها؛ يعني: أنها لا تملك نفسها الآن؛ لأنه لو جعل لها ملك نفسها لتربص وانتظر حتى ينظر ما تفعل، فلما جامعها علمنا أنه عدل عن قوله الأول.
(أو يُطَلِّق) كذلك إذا طلق علمنا أنه فسخ قوله لها: أمرك بيدك؛ لأنه لو كان قد بقي لانتظر حتى ينظر ماذا تفعل أتطلق أم لا تطلق؟ (أو يفسخ) صراحة؛ يعني: يقول لها: إني قلت لك: أمرك بيدك، وإني الآن عادل عن ذلك وفاسخ هذا، فينفسخ.
فصار الأمر في الحقيقة بيدها وبيد الزوج؛ إذا لم يوجد ما يدل على أنه عزلها فالأمر بيد من؟ بيدها، وإن وُجِد ما يدل على أنه عزلها انفسخت وكالته.
(ويختص اختاري نفسك بواحدة وبالمجلس المتصل، ما لم يزدها فيهما).

هناك فرق بين أمرك بيدك واختاري نفسك، إذا قال: اختاري نفسك فإنه لا بد أن ترد في نفس المجلس ولا تملك أكثر من واحدة، إلا إذا قال: اختاري نفسك اليوم أو غدًا، فيمتد الاختيار، أو قال: اختاري نفسك ولو بثلاث، فلها أن تختار بثلاث.
وحينئذٍ يُفَرَّق بين قوله: اختاري نفسك وبين قوله: أمرك بيدك، أمرك بيدك أوسع، لا تقتصر على واحدة ولا على المجلس، بل متى شاءت فعلت، وأما اختاري نفسك فإنه يختص بواحدة وبالمجلس المتصل.
وقوله: (ما لم يَزِدْها) أي: يزد امرأته، (فيهما) الضمير في قوله: (فيهما) يعود على قوله: (واحدة) وعلى قوله: (في المجلس المتصل)، فإن زادها على واحدة فعلى ما زاد، وإن زادها في المجلس بأن قال: اختاري نفسك اليوم أو غدًا أو متى شئت فعلى ما قال.
(فإن رَدَّتْ أو وَطِئَ أو طَلَّقَ أو فسخَ بَطَلَ خيارُها) عندي أنا: (بطل خيارها).
طالب: إي نعم.
الشيخ: هذه النسخة الصحيحة.
(إن ردت) يعني: لما قال لها: اختاري نفسك، قالت: لا أختار، فحينئذٍ يبطل اختيارها، لماذا؟ لأنها ردت، كالوكيل إذا وُكِّل ثم لم يقبل الوكالة.
(أو وَطِئَ أو طَلَّقَ أو فسخَ)، نقول في (وَطِئَ وطَلَّقَ وفسخَ) ما قلنا في المسألة التي قبلها؛ لأن وطأه وتطليقه وفسخه يدل على أنه عدل عن توكيلها.


باب ما يختلف به عدد الطلاق

ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب ما يَختلفُ به عددُ الطَّلاق).
كان الناس في الجاهلية يطلق الإنسان ما شاء، وكان في ذلك ضرر كبير على النساء؛ لأن الواحد منهم يطلق المرأة، فإذا شارفت على انقضاء العدة راجعها، إذا راجعها صارت زوجة، فإذا صارت زوجة طلقها ثانية، إذا طلقها استأنفت العدة، فإذا شارفت العدة الثانية راجعها، ثم طلقها فاستأنفت العدة، فإذا شارفت العدة الثالثة راجعها ثم طلقها فاستأنفت العدة.
كم من عدة الآن؟ أربعة وخمس وست، تبقى المسكينة لا مزوجة ولا مطلقة، فجعل الله سبحانه وتعالى الأمر راجعًا إلى ثلاثة.

وما أكثر ما يرجع إلى الثلاث في الشريعة الإسلامية، الاستئذان كم؟ ثلاث، والكلام إعادته ثلاث، وكذلك العادات تثبت بالثلاث، فالرجوع إلى الثلاث في مواطن كثيرة في الشريعة الإسلامية.
جعل الله سبحانه وتعالى للزوج الخيار في ثلاث تطليقات فقط.
يقول المؤلف: (يَملكُ مَنْ كلُّه حرٌّ ثلاثًا)، عندكم هكذا؟ طلبة: (أو بعضه).
الشيخ: أنا ما هي عندي، (يَملكُ مَنْ كلُّه أو بعضُه حرٌّ ثلاثًا).
طالب: لا يا شيخ، أنا (من كله حر أو بعضه).
الشيخ: نعم، (من كله حر)؟ الطالب: (أو بعضه).
طالب آخر: نسختي -يا شيخ- (... ). الشيخ: ما يخالف.
(يَملكُ مَنْ كلُّه أو بعضُه حرٌّ ثلاثًا) يعني: ثلاث تطليقات، فيطلق ثم يراجع، ويطلق ثم يراجع، ويطلق ثم لا يراجع.
هذا إذا كان حرًّا أو بعضه حرًّا.
أما إذا كان حرًّا فالأمر واضح؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني أيش؟ الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]. هذا إذا كان كله حرًّا.
إذا كان بعضه حرًّا وبعضه رقيقًا؛ يعني: نصفه حر ونصفه رقيق، هل نقول: إننا نعطيه بقدره أو نكمل له العدد؟ يقول المؤلف: إنه يكمل له العدد؛ لأن الطلاق لا يتبعض، فإما ثنتان وإما ثلاثة.
قال: (والعبدُ اثنتينِ) يعني: ويملك العبد تطليقتين؛ وذلك لأن الرقيق على النصف من الحر؛ عدة المرأة الأمة نصف عدة الحرة، جلد الزاني في الإماء والعبيد نصف جلد الأحرار، وهلم جرًّا.
وقوله: (العبد اثنتين) قياسًا على بقية الأحكام التي تتنصف.
لكن لو قال قائل: لماذا لم يُجعل العبد واحدة ونصفًا، إذا كان الحر ثلاثًا فالعبد واحدة ونصف؟ لا يمكن يتبعض.
طيب، لماذا لم يُجعل واحدة احتياطًا؟

نقول: في هذا هضم لحق العبد؛ ولهذا كان القول الآخر في هذه المسألة أن العبد له ثلاثة؛ لعموم الأدلة، فيملك الحر ثلاثًا ويملك العبد ثلاثًا.
قال: (حُرَّةً كانتْ زوجتاهُما أو أَمَةً) (حُرَّةً كانتْ زوجتاهُما)، زوجتا من؟ الحر والعبد، (أو أمة).
لننظر؛ أولًا كون زوجة الحر حرة واضحة، هل يمكن أن تكون زوجة الحر أمة؟ يمكن، لكن بشروط، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25]، فيجوز للحر أن يتزوج أمة إذا خاف المشقة بترك النكاح ولم يجد مهرًا للحرة يتزوج أمة.
هل يمكن للعبد أن يتزوج حرة؟ نعم، يمكن، يجوز أن يتزوج حرة بدون شروط، كالحر تمامًا.
إذن يمكن أن يكون الزوج حرًّا والزوجة أمة، أو الزوج رقيقًا والزوجة حرة؛ ولهذا قال: (حرةً كانت زوجتاهما أو أمة)، إذن فاعتبار العدد بحسب الأزواج ولَّا بحسب الزوجات؟ بحسب الأزواج.
(فإذا قال: أنتِ الطَّلاقُ، أو طلاق، أو عليَّ الطلاق، أو يَلزمُني الطلاق، وقع ثلاثٌ بنيِّتِها وإلا فواحدةٌ).
شوف قال لزوجته: (أنت الطلاق)، ويش معنى (أنت الطلاق)؟ معنى (أنت الطلاق) أنت الطالق، لكنه عبر بالمصدر عن اسم الفاعل مبالغة، والتعبير بالمصدر عن اسم الفاعل أو اسم المفعول موجود في اللغة العربية؛ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (10) بمعنى مردود.
إذن إذا قال لزوجته: أنت الطلاق، معناه أيش؟ أنت الطالق؛ لأن هذا مصدر أريد به اسم الفاعل.
(أنت طلاق) بمعنى: أنت طالق.
(عليَّ الطلاق) يعني بمعنى: يلزمني؛ لأن (على) تفيد الوجوب.
(يلزمني الطلاق) أيضًا تفيد الوجوب.
لكن هذا إذا أراد الإنشاء في قوله: (عليَّ الطلاق، يلزمني الطلاق) إذا أراد الإنشاء، أما إذا أراد الخبر؛ بمعنى أن عليه أن يطلق يلزمه أن يطلق، فهذا لا يقع به الطلاق.

يقول: (وقع ثلاث بنيتها وإلا فواحدة) شوف (أنت الطلاق) كم يقع؟ طالب: ثلاثًا.
الشيخ: لا، يقع واحدة ما لم ينو الثلاث؛ ولهذا قال: (وقع ثلاث بنيتها وإلا فواحدة).
وحينئذٍ نقول: ماذا أردت بقولك: أنت الطلاق؟ إذا قال: أردت الثلاث وقع ثلاثًا، وإذا قال: أردت واحدة وقع واحدة، إذا قال: لم أرد شيئًا إلا الطلاق يقع واحدة، فيقع واحدة في مسألتين: المسألة الأولى إذا نوى الواحدة، والمسألة الثانية إذا أطلق.
إذا قال قائل: الثلاث والواحدة متباينات، فكيف يقع في كلمة واحدة إما ثلاث وإما واحدة؟ نقول: لأن (أل) هنا صالحة للجنس وصالحة للاستغراق، إذا جعلناها للاستغراق يقع ثلاثًا، وإذا جعلناها للجنس فأقل ما يقع عليه الجنس واحدة.
أما كلمة (طلاق)، إذا قال: (أنت طلاق) فكم يقع؟ المؤلف يقول: يقع واحدة ما لم ينوِ أكثر، فإن نوى أكثر وقع؛ وذلك لأن كلمة (طلاق) مصدر بمعنى طالق، وهو إذا نوى بـ (طالق) ثلاثًا وقع الثلاث.
والقول الراجح في هذه المسائل الأربع، ويش يقع؟ طالب: واحدة فقط.
الشيخ: ولو نوى ثلاثًا؟ طلبة: ولو نوى ثلاثًا.
الشيخ: ولو نوى ثلاثًا.
طالب: إن طلق الرجل المرأة طلقة واحدة، ثم تزوجت بعده بزوج آخر، ثم طلقها، فتزوجت بالأول مرة ثانية، هل يملك الزوج الأول الثنتين الباقية أو (... )؟ الشيخ: يعني تزوُّج هذا الرجل الآخر هل يهدم الطلاق السابق أو لا، هذا معناه؟ الطالب: إي.
الشيخ: طيب، لا يهدم الطلاق السابق إلا إذا كان نكاح الثاني شرطًا لحلها للأول فيهدمه، فهمتم السؤال والجواب يا جماعة.
طلبة: لا.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله!

ويَقَعُ بلَفْظِ كلِّ الطلاقِ أو أَكثرِه أو عددِ الْحَصَى أو الريحِ أو نحوِ ذلك ثلاثا ولو نَوَى واحدةً، وإن طَلَّقَ عُضوًا أو جُزْءًا مَشاعًا أو مُعَيَّنًا أو مُبْهَمًا أو قالَ: نصْفَ طَلْقَةٍ أو جُزءًا من طَلْقَةٍ طَلُقَتْ، وعكْسُه الروحُ والسنُّ والشَّعَرُ والظُّفْرُ ونحوُه، وإذا قالَ لِمَدخولٍ بها: أنتِ طالقٌ وكَرَّرَه وَقَعَ العددُ إلا أن يَنْوِيَ تأكيدًا يَصِحُّ أو إفهامًا، وإن كَرَّرَه ببل أو بثم أو بالفاءِ، أو قال بعدها، أو قبلها أو معها طلقة وقع اثنتان.
وإن لم يَدخلْ بها بانَتْ بالأُولَى، ولم يلزمه ما بعدها.
والْمُعَلَّقُ كالْمُنْجَزِ في هذا.
(فصلٌ) ويَصِحُّ منه استثناءُ النصفِ فأَقَلَّ من عددِ الطلاقِ والْمُطَلَّقَاتِ، فإذا قال: أنت طالق طلقتين إلا واحدة وقعت واحدة، وإن قال: ثلاثا إلا واحدة فطلقتان.
وإن اسْتَثْنَى بقَلْبِه من عَددِ الْمُطَلَّقَاتِ صَحَّ دونَ عَددِ الطَّلَقاتِ، وإن قالَ: أَرْبَعُكنَّ إلا فُلانةَ طَوالِقُ صَحَّ الاستثناءُ ولا يَصِحُّ استثناءٌ لم يَتَّصِلْ عادةً، فلو انْفَصَلَ وأَمْكَنَ الكلامُ دونَه بَطَلَ، وشَرْطُه النيَّةُ قبلَ تمام ما اسْتَثْنَى منه.
(بابُ الطلاقِ في الماضي والمستقبَلِ) إذا قالَ: أنت طالقٌ أَمْسِ أو قبلَ أن أَنْكِحَكِ ولم يَنْوِ وُقوعَه في الحالِ لم يَقَعْ، وإن أرادَ بطَلاقٍ سَبَقَ منه أو من زَيدٍ وأَمْكَنَ قبلُ، فإنْ ماتَ أو جُنَّ أو خَرِسَ قبلَ بيانِ مُرادِه لم تَطْلُقْ، وإن قال: أنت طالقٌ ثلاثًا قبلَ قُدومِ زيدٍ بشهرٍ فقَدِمَ قبلَ مُضِيِّه لم تَطْلُقْ، وبعدَ شَهْرٍ وجزءٍ تَطْلُقُ فيه يَقَعُ، فإن خالَعَها بعدَ اليمينِ بيومٍ وقَدِمَ بعدَ شهرٍ ويومينِ صَحَّ الْخُلْعُ وبَطَلَ الطلاقُ، وعكسُهما بعدَ شهرٍ وساعةٍ، وإن قالَ: طالقٌ قبلَ مَوْتي طَلُقَتْ في الحالِ، وعكسُه معَه أو بعدَه.
(فصلٌ)

جارٍ التحميل