الطالب: (... ). الشيخ: لا لا، هذا ما هو على كل حال، قد يقول قائل: لا يمكن أمة بلا نكاح.
طالب: (... ) اشترط لنا القدرة المالية، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾ [النور: 32].
الشيخ: إي نعم، ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾، إذا كان استعفافُه يتوقف على النكاح الثاني فنَعَم؛ (... ) قال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 33].
طالب: لعل الآية ألا يتزوج؟
الشيخ: إي، ما فيه شك؛ ولهذ قال: «فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» (2).
طالب: قول الله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: 3]؛ (... ) أن المرأة إذا كانت عفيفة وتزوَّجها زانٍ يُطْلَق عليها أنها زانية؟
الشيخ: ماذا تريد بإيراد الآية؟
الطالب: أشكل عليَّ؟
الشيخ: أشكل عليك أيش؟
الطالب: المرأة إذا كانت عفيفة وتزوجت زانيًا فهل يُطْلَق عليها أنها زانية؟
الشيخ: يعني أنت تريد أن تقول: ﴿يَنْكِحُ﴾ بمعنى يطأ؟
الطالب: لا لا، أريد المعنى.
الشيخ: المعنى أن الله يقول: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: 3]؛ لأن الزاني يحرم أن يُزوَّج بعفيفة، عرفت؟ فإذا كان حرامًا وتزوجته المرأة، فإما أن تكون قانعة بالحكم الشرعي، فحينئذ تكون زانية؛ لأنها مكَّنت رجلًا يحرم عليه نكاحُها من أن يطأها، فتكون أيش؟ زانية؛ لأن العقد غير صحيح، يعني عقد الزاني على امرأة عفيفة غير صحيح، فإذا مكَّنته من نفسها وهي تعلم أن العقد غير صحيح، صارت أيش؟ أحد يجيب بارك الله فيكم، تروح تسرح وين؟ أنت فهمت الآن؟
امرأة غير زانية، عفيفة عقد عليها زانٍ، هل يجوز أن يُزوَّج الزاني قبل التوبة؟
طالب: لا.
الشيخ: لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3]، يعني حرم أن يتزوج الزاني بامرأة عفيفة، عرفت؟ فإذا تزوجَتْ هذا الزاني وهى تعتقد أن العقد حرام فجامعها، أيش تكون؟
طالب: زانية.
الشيخ: تكون زانية، فإن قالت: لا أرضى بهذا الحكم، وحكمي أن ذلك مباح، صارت مشركة، وإن لم تسجد للصنم، لكن مشركة بأنها حكمت بغير حكم الله عز وجل، هذا أحسن ما قيل في معنى الآية (... ).
يكون للإنسان من العلوم ما لا يحصل لغيره، بحيث لو أن الإنسان فكر لوجد أن هذا لا يمكن أن يقوم به بشر، فهذا ربما يكون من الكرامات، ولهذا ذكر لنا المشائخ هنا أن ما آتاه الله شيخ الإسلام ابن تيمية من العلوم النقلية والعقلية يعتبر من الكرامات؛ لأنه خارج عن العادة.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله عن شيخه ابن تيمية في كتاب مدارج السالكين من الفراسة أشياء عجيبة، حتى نحن لن نبلغ أن نصدق بها، لكنها عنده ثابتة، فإذا أوتى الإنسان مثل هذه الأمور ما يخرج عن العادة عُدَّ من الكرامة.
طالب: الفراسة.
الشيخ: إي نعم، الفراسة نعم؛ لأنها فراسة المؤمن.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى: ويُسَن نكاحُ واحدة دَيِّنةٍ أجنبية بكرٍ ولودٍ بلا أُمٍّ، وله نظرُ ما يظهر غالبًا مرارًا بلا خلوة، ويحرم التصريحُ بخطبة المعتدةِ من وفاة والْمُبانةِ دون التعريض، ويباحان لمن أبانها بدون الثلاث كرجعية.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين.
سبق لنا أن النكاح يكون واجبًا في بعض الأحيان؟
طالب: النكاح يكون واجبًا إذا خشي على نفسه الوقوع في الزنى بشرط الاستطاعة.
الشيخ: هذه ما نحتاجها (بشرط الاستطاعة)؛ لأن كل واجب لا بد فيه من الاستطاعة.
إذن يكون واجبًا إذا خاف الزنى بتركه، والأصل فيه أيش؟
طالب: الديمومة.
الشيخ: لا غير الديمومة هذه لا شك، لكن الأصل أنه سُنة ولَّا حرام؟
طالب: الأصل أنه سُنة.
الشيخ: تمام، ويجب إذا خاف الزنى بتركه طيب.
ثم ذكر المؤلف مَن الذي يستحب نكاحها، فقال: (ويُسَن نكاح واحدة)، وسبق الكلامُ عليه وذِكْرُ الصواب في ذلك، وأن الأفضل؟
طالب: التعدد.
الشيخ: التعدد بشروط.
قال: (دَيِّنة)، دينة أي: ذات دين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ؛ لِمَالِهَا، وَحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» (4).
قد يقول بعض الناس: أتزوج امرأة غير دَيِّنة لعل الله أن يهديها على يدي.
ونحن لم نُكلَّف -يعني ردًّا على قوله أن نقول له-: نحن لا نكلَّف بالمستقبل، المستقبل لا ندري عنه، فربما تتزوجها تريد أن يهديها الله على يدك، ولكنها هي تُحَوِّلك إلى ما هي عليه فتشقى على يديها.
وكذلك بالعكس، بعض الناس يخطب منهم الرجل ليس ذا دِين، لكن يقولون: لعل الله يهديه.
وأقبح من ذلك أن يُعرَف بعدم الصلاة، فيقول: لعل الله يهديه.
فنقول: نحن لا نُكلَّف بالمستقبل، فالمستقبل علمه عند الله، نحن نُكلَّف بماذا؟ بما بين أيدينا بالواقع بالحاضر.
فنقول: ولعل هذا الرجل الذى ظننت أنه يستقيم، لعله يُعَوِّج ابنتكم ويضلها؛ لأن الرجل له سيطرة على المرأة، وكم من امرأة ملتزمة تزوجت شخصًا تظن أنه دَيِّن فيتبين أنه ليس بدَيِّن، فتتعب معه التعب العظيم، وربما يكون دَيِّنًا ظاهرًا لكنه فاسق باطنًا فتتعب معه التعب العظيم.
ونحن دائمًا يُشكَى إلينا هذا الأمر من النساء حتى تود أن تفر بدينها من هذا الرجل ولو بكل ما تملك من المال؛ ولهذا يجب التحرز في هذه المسائل، لا من قِبَل الرجل يتزوج المرأة، ولا من قِبَل المرأة تتزوج الرجل.
إذن الدليل على اختيار الدَّيِّنة؟
طلبة: قول الرسول صلى الله عليه وسلم..
الشيخ: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ».
طلبة: «تَرِبَتْ يَدَاكَ» (4).
الشيخ: نعم، (أجنبية) أجنبية يعنى: ليس بينه وبينها قرابة، ويعللون ذلك بعلة ننظر هل هي عليلة أم مستقيمة؟ يقولون: إنه إذا تزوج أجنبية منه صار أَنْجَبَ للولد، أي صار الولد نجيبًا؛ لأنه يتخلق بأخلاق آبائه وأخلاق أخواله، فيأخذ من هؤلاء وهؤلاء، وأما إذا تزوج قريبة منه فإنه لن يتجدد له نجابة، ولكن في هذا نظرًا، يعني استحباب أن تكون أجنبية فيه نظر، وما رأيكم بنجابة الحسن بن على بن أبى طالب؟
طالب: لا شك فيها.
الشيخ: لا شك فيها، وقد تزوج علي بن أبى طالب بنت ابن عمه، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك كثير من القرابات يتزوج بعضهم من بعض ويظهر الولد نجيبًا، صحيح أن هناك علة قد تكون لها وجهة، وهي أنه قد يحدث بين هذا الرجل وزوجِه ما يحدث من المشاكل والمنازعات، ويؤدي ذلك إلى قطيعة الرحم، كما يوجد هذا كثيرًا ولا سيما في البادية.
يعني لو عُلِّل فقيل: أجنبية؛ لئلا يحصل بينهما شقاق ونزاع يؤدي إلى أيش؟
طلبة: قطيعة الرحم.
الشيخ: قطيعة الرحم، لو عُلِّل بهذه العلة لكان ذلك له وجه، ومع ذلك فإننا لا نَجْسُر على أن نقول: يُستحب أن يتزوج أجنبية لئلا يكون كذلك؛ لأن لدينا قاعدة أسسها رسول الله عليه وعلى آله وسلم هي القاعدة: «اظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» (4).
فإذا كانت بنت عمك دَيِّنة صاحبة خلق قلَّ أن يوجد في امراة أجنبية، فهل نقول: اعدل عنها إلى هذا؟ لا، فلهذا ينبغي أن نختار من النساء ما اختاره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وَدُود، وَلُود، ذاتُ دِين.
يقول: (أجنبية بِكْر)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله: «هَلَّا بِكْرًا» يعني: هلَّا تزوجت بكرًا «تُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا» (5). وهذا صحيح؛ أن البكر أولى من الثيب، أولًا: لأنه كما أشار إليه الرسول عليه الصلاة والسلام، وثانيًا: أنها قد تكون تعلقت بزوجها الأول تعلقًا كثيرًا فتكون علاقتها معك دون ما تتوقع.
الثالث: (بلا أم) وما أدراك ما الأم!
طالب: (ولود).
الشيخ: (ولود)؟ نعم (ولود)، أنا أستعجب (بلا أم) هذه لأنها غريبة!
(ولود) يعني كثيرة الولادة، ولا تناقض بين قوله: (بكر) وقوله: (ولود)؛ لأنه قد يقول القائل: كيف أعرف أنها ولود وهي بكر؟
نقول: لا تناقض، وذلك بمعرفة قريباتها؛ أمِّها، أختِها، جدتِها، خالتِها وما أشبه ذلك؛ لأن الغالب أن كثرة الولادة وراثة، فالنساء المعروفات بالولادة معروفات بذلك، فنقول: (وَلُود) بمعنى أن تكون ممن عُرِفن بكثرة الولادة.
والدليل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ» (6) ولماذا؟ من حيث العلة؛ لأن كثرة الأولاد محبوبة للرسول عليه الصلاة والسلام، حيث كان يكاثر بنا الأمم يوم القيامة، ولأن كثرة الأمة عِزٌّ لها يا إخواني.
وإياكم وقول الماديين الذين يقولون: إن كثرة الأمة يوجب الفقر والعطالة والبطالة.
كثرة الأمة عز امتن الله بها على بني إسرائيل حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: 6].
وذكَّر شعيبٌ قومَه بها حيث قال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: 86].
كثرة الأمة عزٌّ لا سيما إذا كانت أرضهم قابلة للحراثة، والزراعة، والصناعة، يعني تكون فيها مواد خام للصناعة وغير ذلك، وليست -والله- كثرة الأمة سببًا للفقر والبطالة أبدًا، كثرة الأمة عز، فينبغي أن نختار المرأة أيش؟ الكثيرة الولادة، (الولود).
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْوَدُودَ» (6). أيضًا الودود ما الذى يعرفنا أنها ودود؟ يعني تحاول التودد إلى زوجها، هذا أيضًا يُعرف بمن؟ بالقرابات؛ لأن الودود توجب للإنسان أن يودها، وإذا ودها لزم من ذلك أن يباشرها فتكثر الأولاد؛ ولهذا يعتبر الودود والولود متلازمين تقريبًا.
(بلا أم) وصلناها الآن، يعني ينبغي أن يختار امرأة ليس لها أم، يعني نبتت من الأرض ولَّا معناها أمها مفقودة؟ !
طلبة: أمها مفقودة.
الشيخ: إي نعم، يعني معناها أمها مفقودة، وإذا قُدر أن الله قد أطال أعمار العجائز، وكل امرأة لها أم، يذهب إلى الخارج؟ ! هذا الحقيقة فيه نظر كبير.
علة ذلك يقولون: لأنها إذا كانت ذات أم فربما أفسدتها عليه.
سبحان الله، هذا تشاؤم، ربما أفسدتها عليه، هذا صحيح لكن لو فكرت الآن وأردت أن تقارن وتطبق الواقع وجدت أكثر النساء لهن أمهات، وأكثر النساء لم تُفسِدهن أمُّهن والحمد لله، يعني نادرًا أن الأم تُفسِد، وإذا قلت: (بلا أم) نقول: وأيضًا الزوج بلا أم.
طالب: صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لأن بعض أمهات الأزواج -الذكور يعني- تفسده على المرأة، أو تفسد المرأة عليه، كم من أم غارت من محبة ابنها لزوجته، ثم قامت تولول وتصيح: فسَّدَتِ ابني عليَّ، قالت وفعلت، ثم تحاول أن تفسد بينها وبين زوجها.
فأنت إذا قلت: (بلا أم) قل: وزوج بلا أم؛ إذ إن المحظور في هذا محظور في هذا.
والذي ينبغي أن نقول: إننا لا نتشاءم، كم من أم صارت عونًا لزوج ابنتها على ابنتها، تأتي ابنتها إليها تشكو الزوج، تقول: يا بنتي، هذا ولد الناس، كل الأزواج يفعلون كذا، وتُهَدِّئ خاطرها وتحثها على التمسك به وما أشبه ذلك، وهذا كثير، ربما يكون هذا أكثر من التشاؤم.
فالصواب أن قولهم: (بلا أم)، قول ضعيف، وأنه لا ينبغي للإنسان أن ينظر إلى هذا، وكم من أم جعل الله فيها بركة، فصارت سببًا لربط الزوج وزوجته إذا وُجد ما يقتضي انفصام العرى.
يقول: (وله نظَرُ ما يظهر غالبًا مرارًا بلا خلوة)، (له)! الواقع أن المؤلف رحمه الله لاختصاره الشديد أتى بهذه العبارة المبهمة، (له) لمن؟
طالب: للزوج.
الشيخ: للزوج، لا ما هو للزوج، الزوج ينظر من زوجته ما شاء، إذن مَن؟
طلبة: للخاطب.
الشيخ: للخاطب، ولو قال المؤلف: (وللخاطب) لكان أولى، وأَبْيَنَ، وأوضحَ، ولا تزيد إلا حروفًا، لكن بعض العلماء -رحمهم الله وعفا عنا وعنهم- مغرمون بالاختصار التام الذى يوجب تعقيد المسائل.
(له) نقول: اللام للإباحة، والضمير يعود على الخاطب، أي: وللخاطب.
وقول المؤلف: (وللخاطب) يحتمل أنه لدفع توهُّمِ المنع، يعني اللام للإباحة، أقول: يحتمل أنه لدفع توهم المنع؛ لأن الإنسان يقول: الأصل عدم النظر إلى المرأة، وإذا قلنا: إنه لدفع توهم المنع لا لإثبات الإباحة، أمكننا أن نقول: إن العبارة صالحة لكونها للإباحة أو للسنية، عرفتم؟
طلبة: غير واضحة.
الشيخ: غير واضحة، نعم، أقول: العلماء رحمهم الله يُعبرون بما يفيد الإباحة أحيانًا لدفع توهم المنع، لا لإثبات الحكم الإباحي، يعني مباح، ونضرب لكم مثلًا يتضح، مثلًا قالوا في باب الحج: ويجوز للقارن والمفرد أن يتحولا إلى عمرة ليصيرا متمتعين، (يجوز) هكذا عبَّر بعضهم، مع أن الأمر سنة.
قال صاحب الفروع: لعلهم عبَّروا بالجواز؛ لدفع قول من يقول بالمنع، فلا ينافي أن يكون مستحبًّا، انتبهوا، عبَّروا بالجواز لدفع قول مَن يقول بالمنع، وهذا لا ينافي أن يكون مستحبًّا.
العبارة اللي معنا الآن: (وله أن ينظر) يحتمل أن المؤلف عبَّر بما يدل على الإباحة دفعًا لتوهم المنع، فلا ينافى أن يكون مستحبًّا.
ولهذا نقول: يُسَن لمن أراد أن يخطُب امرأة أن ينظر إلى ما يظهر، يُسَن، ليس على سبيل الإباحة، بل هو على سبيل السُّنية، فإن كان المؤلف أراد ما ذكرْتُه -وهو دفع توهم المنع- فلا إشكال.
وإن كان أراد إثبات حكم الإباحة فالمسألة فيها قول آخر: أن نظر الخاطب إلى مخطوبته على سبيل الإباحة وليس على سبيل الاستحباب.
ولكن الصواب أنه على سبيل الاستحباب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته لا سيما إذا كان يتوهم فيها عيبًا.
فإن الرسول أمر الخاطب أن ينظر، قال: «فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا» (7). وهذا يدل على أن الناظر يُدقِّق النظر، يدقق النظر إذا نظر إلى مخطوبته.
ثم إن من الفوائد في نظر الخاطب إلى مخطوبته، من الفوائد: أن يدخل على بصيرة، وكذلك المرأة تدخل على بصيرة؛ لأن المرأة قد تتوهم الخاطب على غير واقعه، قد تتوهم رجلًا وسيمًا، أحمر، أسود، حسب ما يَرُوقُ لها، ولكن إذا نظرت إليه وإذا هو على خلاف ما توقَّعت، فحينئذ لها أن ترفض.
وكذلك هو أيضًا ربما يتوهم المرأة التي خطبها جميلة وسيمة، فإذا بها تمشي حالها، وحينئذ لا يُقدِم عليها، فالنظر إلى المخطوبة فيه فائدة للطرفين: للزوج، وللزوجة، لكن له شروطًا نذكرها إن شاء الله في المستقبل، وخلاصة بحثنا هو، أولًا: أنه يختار الرجلُ امرأةً دَيِّنةً، أجنبيةً، بكرًا، ولودًا، بلا أم، ما الذى حذفنا من هذه الأوصاف؟
طلبة: بلا أم.
الشيخ: قوله: (بلا أم) هذا لا نوافق عليه، ونقول: إن الإنسان لا يختار مَن ليس لها أم على مَن لها أم، بل يرجع إلى الأوصاف التي يختارها على حسب ما جاءت به السنة.
طالب: وأجنبية يا شيخ؟
الشيخ: إي، أجنبية، أيضًا أجنبية حذفناها.
طالب: هل يُفَسَّر قوله يا شيخ؛ إذا كانت الفتاة غيرَ ذاتِ دين وخطبها غيرُ ذي دين.
الشيخ: معناها أننا أضفنا حَشَفًا إلى حشفٍ، أنت اختر ذات الدين ولو كنت ضعيف الدين.
الطالب: لو كانت البنت عندك؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: لو كان الاختيار بيدي أختار (... ).
الشيخ: على كل حال إذا كان الإنسان عجز إلا هذا، هذا شيء ثانٍ؛ لأنه لا يشترط في النكاح أن يكون الزوج عدلًا، ولا أن تكون المرأة عدلة.
طالب: يوجد الآن في بعض القبائل ما يجعلون الرجل الخاطب ينظر إلى المخطوبة، ويصورونها بصورة بالكاميرا، ويورونها للخاطب، هل هذا يجوز؟
الشيخ: أولًا: هذا لا يجوز.
وثانيًا: أنه لا يحصل به المقصود، كم من إنسان رأيت صورته وإذا صورته كصورة القمر ليلة البدر، ثم إذا نظرت إلى وجهه الحقيقي وإذا هو خلاف ذلك، هذه المرأة ربما عند التصوير تتَمَكْيَج وتكتحل وتخلي نفسها من أبهى النساء، ثم يغتر الزوج، ما يجوز هذا أبدًا.
ثم إن هذه الصورة ربما تكون ألعوبة بيد الرجل يلعب بها، يعرضها على كل واحد، فهي أولًا لا يحصل بها المقصود، وفيها محظور شرعي.
طالب: بعض الناس يقولون يعني مسألة النظر للمخطوبة، يقول: قد يقع في خاطر المخطوبة لو رفضها يعني.
الشيخ: أولًا: اعلموا أننا لم نكمل البحث في هذا؛ فلذا كل سؤال يرد على هذه المسألة الأخيرة لا يأتي؛ لأن ما كملناه.
طالب: ما ضابط الدين؟
الشيخ: الدين، هو فعل الأوامر واجتناب النواهي، إذا عرفت هذه المرأة مثلًا أو هذا الرجل بأنه يفعل ما أمر الله ويترك ما نهى الله، هذا الدين.
طالب: إذا أرسل الرجل أخاه ليخطب له، وأراد أن يجعل أخاه أن يخطب له هذه المخطوبة، وقد يكون في هذه المخطوبة عيب، فهل يجوز لأخيه أن ينظر إليها؟
الشيخ: أخو الرجل ينظر إلى المرأة؟ ! لا ما يجوز.
الطالب: الوكيل يعني.
الشيخ: توكله يعني، ما يجوز هذا يا شيخ! ثم الأسهل إلا إذا كانت امرأة يمكن، مع أني لا أرى أنه يعتمد على المرأة، ربما يعتمد على المرأة وكما قلنا في المحاضرة: الناس تختلف أنظارُهم، ربما تكون هذه المرأة عند المرأة التى أُرْسِلت تكون جميلة في نظرها، وفي نظر الزوج؟
طالب: غير جميلة.
الشيخ: غير جميلة.
الطالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى:
ويُسَن نكاحُ واحدةٍ دَيِّنة أجنبية بكر ولود بلا أم، وله نظَرُ ما يظهر غالبًا مرارًا بلا خلوة، ويحرم التصريحُ بخطبةِ المعتدةِ من وفاة والمبانةِ دون التعريض، ويباحان لمن أبانها بدون الثلاث كرجعية، ويحرمان منها على غير زوجها.
والتعريض: إني في مثلك لراغبٌ، وتجيبه: ما يُرغَب عنك، ونحوهما، فإن أجاب وليُّ مُجبرةٍ، أو أجابت غير الْمُجبرة لمسلم حرم على غيره خطبتُها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن للخاطب أن ينظر من مخطوبته ما يظهر غالبًا، يعني الذى يظهر في الغالب، وبيَّنا أن الماتن يقول: (له)، فهل أراد الإباحة فى مقابل التحريم فلا ينافي أن يكون مستحبًّا؟ أو أراد الإباحة إثباتًا لحكمها؟
طالب: الأول.
الشيخ: ذكرنا أن فيه احتمالين، وأن في المسألة قولين، فمن العلماء من قال: يُسَن للخاطب أن ينظر، ومنهم من قال: إنه مباح.
دليل من قال: إنه مباح، قال: لأن الأمر بعد الحظر، والأمر بعد الحظر للإباحة.
ودليل من قال: إنه سنة؛ أن الأصل في الأمر الطلب، أن المأمور به مطلوب، هذه واحدة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم علل هذا الحكم بما يفيد الطلب، فقال: «إِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» (8). أي: أن يُؤَلَّف بينكما.
وهذا كقوله في زيارة القبور: «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» (9) بعد أن نهى عن زيارة القبور، فهل نقول: إن زيارة القبور مباحة لورود الأمر بعد النهي؟ أو نقول: إنها سنة؛ لأن هذا الأمر عُلِّل بما يقتضي السُّنِّية؟ نقول: الثاني ولَّا الأول؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، وعلى هذا فالقول الصحيح في هذه المسألة، أي في نظر الخاطب إلى المخطوبة: أنه سُنة، وأنه ينبغي للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته لكن بشروط:
أولًا: أن ينظر إلى ما يظهر غالبًا مثل: الوجه، والرقبة، واليد، والقدم، والرأس، والشعر وما أشبه ذلك، ولا ينظر إلى ما وراء هذا.
ثانيًا، الشرط الثاني: ألا يكون خلوة؛ لقوله فيما بعد: (بلا خلوة)، أما مع الخلوة فلا يحل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ» (10). والنهي للتحريم، «وَمَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثُهُمَا الشَّيْطَانَ» (11). وهذا يدل على أن تحريمه مؤكد.
الشرط الثالث: أن يغلب على ظنه الإجابة، أي إجابة خِطبته، فإن كان يعلم أنه لن يجاب فلا فائدة من النظر، الأصل تحريم النظر، مثال ذلك: أن يكون الخاطب رجلًا فقيرًا مغمورًا يريد أن يخطب ابنة ملك، ويش الغالب؟ الرفض ولَّا الإجابة؟
طلبة: الرفض.
الشيخ: الرفض، نقول له: لا تنظر أنت؛ لأن نظرك الآن لا مبرر له، إذ إن الغالب الرفض.
الشرط الرابع: ألا يكون نظَرُه لشهوة، فإن نظر لشهوة، يعني قام يكرر النظر في هذه المخطوبة بلذة صار هذا حرامًا؛ لأن المقصود بالنظر الاستعلام لا الاستمتاع.
الاستعلام يعنى: أن يعلم عن هذه المرأة جمالها وجسمها وما أشبه ذلك، لا للاستمتاع، فإذا نظر نظرة استمتاع صار حرامًا عليه؛ لأن المرأة لم تَزَلْ حرامًا عليه، ليست زوجة له.
الشرط الخامس -ويخاطَبُ به المرأة-: ألا تظهر متبرجة أو مُتَطَيِّبة أو مُتَمَكْيِجَة أو كاحلة أو ما أشبه ذلك من التجميل؛ لأنه ليس المقصود أن يُرَغَّب الإنسان في جماعها حتى يقال: إنها تظهر متبرجة، متجملة، متمكيجة، كاحلة، هذا تفعله المرأة مع زوجها حتى تدعُوَه إلى الجماع، أما هذا فلا.
ففي ظهورها هكذا باهية مفسدة عليها يحصل به رد فعل؛ لأنه إذا تزوجها ووجدها على غير البهاء الذي كان عَهِدَه رَغِب عنها وتغيرت نظرته إليها، لا سيما وأن الشيطان يُبَهِّي مَن لا تحل للإنسان أكثر مما يُبَهِّي زوجته.
ولهذا تجدون بعض الناس -والعياذ بالله- عنده امرأة من أجمل النساء وأملح النساء وأحسن النساء، ثم ينظر إلى امرأة قبيحة شوهاء؛ لأن الشيطان يُبَهِّيها بعينه حيث إنها لا تحل له.
فإذا اجتمع أن الشيطان يُبَهِّيها وأنها هي أيضًا تَتَبَهَّى وتزيد من جمالها وتحسينها، ثم بعد الزواج يجدها على غير ما تصورها فسوف يكون هناك عاقبة سيئة.
هذه كلها شروط لأيش؟ لنظر الخاطب إلى مخطوبته.
بقي علينا مسألة لم تكن ممكنة فيما سبق، لكنها الآن ممكنة، وهي التحدث إليها من التليفون، هل يحل له أن يتحدث إليها من التليفون؟
الجواب: لا، لا يحل؛ لأنها إلى الآن أجنبية منه، وتَحَدُّث الخاطب إلى مخطوبته -فيما أظن- أنه لا يخلو من تمتع أو تلذذ، لا يخلو أبدًا، لو قال: أبدًا أنا ما أتكلم إلا بشوف ويش لونها؟ ويش عندها من الشهادات؟ ويش عندها؟ ويش فكرها؟ سبحان الله، الشهادات معلومة اسأل أهلها، أفكارها ستعلمها.
أما تتحدث أنت وإياها من الساعة الثامنة ليلًا إلى الساعة الرابعة صباحًا، وأنت تقول: بس أبغي أشوف ويش المرأة؟ ويش لون هدفها؟ يعني أنا أقول لكم: هذا شيء واقع، يسألون، ولكن ليش؟ قال: أبغي أشوف ويش لونها؟ ويش عندها؟ ويش آراءها؟ ويش أفكارها؟
أنا أعتقد -والله أعلم- أن هذا كذب، وأن المحادثة لا سيما هذه الطويلة لا تخلو من تمتع أو تلذذ، إما أن يتمتع بها ويجد نفسه مستريحًا، وأما أن يتلذذ فتجده يتحرك شهوته، هذا لا بد منه.
فلذلك نرى أنه لا يجوز للخاطب أن يتحدث إلى مخطوبته عبر الهاتف لما فى ذلك من فتنة، وهي إلى الآن ليست زوجته حتى يتمتع بكلامها ويتلذذ، إلى الآن هي أجنبية مثل اللي بالسوق.
الحكمة من النظر إلى مخطوبته بيَّنها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: «فَإِنَّهُ أَحْرَى» يعني: أقرب وأجدر «أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» (8) أي: يُؤَلَّف؛ لأن الأدم معناه التأليف كما تؤدم الخبز بالْمَرق.
يقول المؤلف: (مرارًا) مرارًا هذه متعلقة بـ (نظر)، يعني أن ينظر مرارًا، أي عدة مرات، وذلك لأن النظرة الأولى قد لا تكفي، النظرة الأولى تكون في حال اندفاع، وكأنها مباغتة للإنسان، يحتاج إلى إعادة النظر مرة بعد أخرى وهذا لا بأس به؛ لأن الإنسان قد تبدو له المرأة في النظرة الأولى جميلة، فيخشى أن يكون هذا الجمال حصل لأنها أول نظرة، فيريد أن يعيد، وقد تبدو له ثم إذا ذهب إلى بيته قام يفكر لعل في عينها كذا، لعل في أنفها كذا، لعل في شفتيها كذا، فيحتاج إلى أن ينظر مرة ثانية، المهم، له أن ينظر مرارًا ما دام على رغبته في الخطبة.
ثم قال المؤلف: (ويحرم التصريح بِخِطبة المعتدة)، لما ذكر الخاطب ذكر مَن المخطوبة؟ هل كل امرأة يمكن أن يخطبها الإنسان؟ لا، (يحرم التصريح بخطبة المعتدةِ من وفاة والمبانةِ دون التعريض):
(المعتدة من وفاة): يعني التي مات عنها زوجها، وكم عدتها؟ عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام إلا أن تكون حاملًا، فإن كانت حاملًا فعدتها وضْع الحمل طالت المدة أم قصرت، فالمعتدة من وفاة لا يحل لأحد أن يخطبها خطبة صريحة، ويجوز أن يُعَرِّض.
انتبه، الفرق بين التصريح والتعريض: التصريح ما لا يحتمل غيره، يعني ما لا يحتمل غير الخِطبة، مثل أن يقول لوليها أو لها: زوِّجيني، أو زوِّجني، إذا كان يخاطب الولي، أو أنا خاطبٌ ابنتك، أو ما أشبه ذلك، هذا تصريح.
التعريض: أن يقول: والله بنتك امرأة طيبة، يقول لأبيها: ابنتك امرأة طيبة، أنا أرغب مثلها كثيرًا، أسأل الله أن ييسر لي مثلها، هذا أيش؟
طلبة: تعريض.
الشيخ: أو تصريح؟
طلبة: تعريض.
طالب: تصريح.
الشيخ: لا لا، تعريض، إلى الآن ما قال: زوِّجني بنتك، هذا تعريض، وكذلك لو قال لأبيها أو لها: إذا انتهت عِدَّتُك فأخبريني، هذا تصريح أو تعريض؟
طلبة: تعريض.
الشيخ: تعريض أيضًا؛ لأن معنى أخبريني.. طيب أخبرَتْ، يمكن يخطب يمكن ألا يخطب، إذن التصريح في خِطبة المتوفى عنها زوجُها حرام ولَّا حلال؟
طلبة: حرام.
الشيخ: التعريض؟
طلبة: حلال.
الشيخ: حلال، الدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: 235].
وكذلك (المبانَة)، المبانة: يعني التي فارقها زوجُها في الحياة فراقًا بائنًا لا يستطيع الرجوع إليها إلا بعقد، هذه المبانة: التي فارقها زوجُها في الحياة فراقًا بائنًا لا يرجع إليها إلا بعقد، فيشمل أشياء:
أولًا: المطلقة ثلاثًا، بائن ولَّا غير بائن؟
طلبة: بائن.
الشيخ: بائن، فإذا كانت امرأة قد طلقها زوجها ثلاثًا وهي الآن في العدة جاز أن تُخطب تعريضًا أيش؟
طالب: لا تصريحًا.
الشيخ: لا تصريحًا.
ثانيًا: المطلقة على عِوَض، بائن ولَّا غير بائن؟
طلبة: بائن.
الشيخ: بائن، لا تحل لزوجها إلا بعقد، فإذا كانت امرأة معتدة من طلاق على عِوَض فإنه تجوز خِطبتها.. كَمِّل؟
طالب: تعريضًا.
الشيخ: تعريضًا لا تصريحًا.
ثالثًا: المفسوخة لِعَيْبٍ في الزوج أو لفوات شرط اشترطَتْه ولم يَفِ به الزوج، هذه تكون أيضًا مفارقة بائن.
مثال ذلك: امرأة طلقها زوجها على عوض، يعني صار فيه مشاكل بين الزوجين، وقال: لا أطلقها إلا إذا أعطيتموني ألف ريال.
أعطَوْه ألف ريال، فارقَتْه الآن، هى مُبانة ولَّا غير مبانة؟
طلبة: مبانة.
الشيخ: مبانة؛ لأنه لا يمكن أن ترجع للزوج إلا بعقد، هذه يجوز أن تُخطَب، هاه؟
طلبة: تعريضًا لا تصريحًا.
الشيخ: تعريضًا لا تصريحًا، والدليل؟ الدليل قياسها على المبانة بالوفاة؛ لأن الزوج الآن لا يمكنه الرجوع إليها، فلم يكن في ذلك عدوان على الزوج.
يقول: (والمبانة دون التعريض).
طالب: (... ).
الشيخ: (المبانة دون التعريض)، يعني التعريض لا بأس به، والتصريح حرام.
ثم قال: (ويباحان لمن أبانها بدون الثلاث كرجعية) (يُباحان): نائب الفاعل يعود على منَ؟
طالب: على التصريح والتعريض.
الشيخ: على التصريح والتعريض، (لمن) أي: لرجل (أبانها) أي: أبان المعتدة (دون الثلاث)، ذكرنا عدة أمثلة من المبانات، منها؟
طالب: المطلقة على عوض.
الشيخ: المطلقة على عوض، المطلقة على عوض بائن من زوجها، لكن هل هو بينونة الثلاث أو البينونة الصغرى؟
طلبة: البينونة الصغرى.
الشيخ: البينونة الصغرى، طيب غير الزوج لو خطبها؟
طالب: لا يحل.
طالب آخر: يحرم.
الشيخ: يحرم؟
طلبة: يحرم عليه.
الشيخ: يا إخواني، سبحان الله، تنسون بهذه السرعة، غير زوجها لو خطبها؟
طلبة: تعريضًا لا تصريحًا.
الشيخ: جاز تعريضًا لا تصريحًا.
زوجُها لو خطبها جاز تصريحًا وتعريضًا؛ ولهذا قال: (يباحان) أي: التصريح والتعريض (لمن أبانها دون الثلاث).
فللزوج أن يأتي إلى زوجته التي طلقها على عوض فيقول: زوجيني نفسك.
صراحة، ويجوز: أنا أرغب أني أرجع إليك.
هذا الأول تصريح والثاني تعريض، يجوز.
فإن قالت: لا بأس أنا أوافق.
هل يجوز أن يتزوجها في عدتها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، ما فيها إشكال، العدة له، لو قالوا: ما فيه مانع، إذا رجعْتَ إلينا فنحن نرجع إليك.
فيجوز أن نعقد له، فصارت المبانة بدون الثلاث يجوز لمن أبانها أيش؟
طالب: أن يخطبها تصريحًا وتعريضًا.
الشيخ: أن يخطبها تصريحًا وتعريضًا.
وقول المؤلف: (دون الثلاث)، والثلاث؟ الثلاث لا يجوز أن يخطبها لا تصريحًا ولا تعريضًا، زوجها الذي أبانها بالثلاث لا يجوز أن يخطبها لا تصريحًا ولا تعريضًا؛ لأنه لا سبيل له إلى نكاحها حتى تنكح زوجًا غيره.
مثاله: رجل طلق زوجته ثم راجعها ثم طلقها ثم راجعها ثم طلقها، الثالثة هذه بانت منه بينونة كبرى، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، فهل يجوز أن يخطبها تعريضًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: تصريحًا؟
طالب: لا تعريضًا ولا تصريحًا.
الشيخ: تصريحًا لا.
طالب: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى، لماذا؟ لأنها محرمة عليه؛ لأنه لا سبيل له إلى نكاحها، هي حرام عليه، فهل يخطب الرجل أُمَّ زوجته مثلًا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يمكن؛ لأنها حرام عليه، هل يخطب أخت زوجته؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنها حرام عليه، فما دام نكاحها حرامًا عليه فإنه لا يجوز أن يخطبها لا تصريحًا ولا تعريضًا.
قال المؤلف: (كرجعية)، هذا التشبيه.
طالب: (... ).
الشيخ: لا ما عندي ضمير، لكن على كل حال اللي فيها ضمير ما يمنع.
هذا التشبيه تشبيه فيه نظر، لماذا؟ لأن رجعيته لا تحتاج إلى خِطبة، رجعيته زوجة، يحتاج يخطبها ويعقد عليها ولَّا ما يحتاج؟
طلبة: ما يحتاج.
الشيخ: أبدًا، يُشَهِّد اثنين ويقول: راجعت زوجتي.
وانتهى، هذا التنظير رحمه الله تنظير فيه نظر، وذلك لأنه لا خِطبة في رجعيته، السبب؟
طالب: لأنها زوجته.
الشيخ: لأنها زوجته، ما عليه إلا أن يقول: راجعت زوجتي.
فقط، أو يجامعها بنية المراجعة.
ثم قال: (ويحرمان منها على غير زوجها)، (منها) أي من الرجعية (على غير زوجها) يحرمان أي التعريض والتصريح بالنسبة للرجعية على غير الزوج، يعني يحرم أن يخطب الرجعية تصريحًا أو تعريضًا.
انتبه، يحرم خطبة الرجعية تصريحًا أو تعريضًا.
مثال ذلك: رجل طلق زوجته طلاقًا رجعيًّا وهي الآن في العدة يحرم على غيره أن يخطبها تصريحًا أو تعريضًا، يعني لا يجوز أن يذهب إليها أو إلى أهلها ويقول: زوجوني، وهذا هو التصريح، أو يقول: إني في مثلها لراغب، هذا أيش؟ التعريض، لماذا؟ لأن الرجعية زوجة، وخطبتها تفسدها على زوجها.
فكما أنه لا يجوز للإنسان أن يذهب إلى زوجة إنسان ويقول لها: يا فلانة، زوجك فقير قبيح المنظر سيِّئ الخلق، أما أنا فعندي أموال كثيرة وجمالي كما تشاهدين وأخلاقي ألذ من العسل وألين من الزبد، زوجيني نفسك، يجوز؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذا قال: هذا من النصح، أنا أنصح لها؛ لأنها الآن عند هذا الرجل الذي في غياهب الظلام معه، والدين النصيحة.
أيش نقول؟
طالب: إفساد هذا.
الشيخ: نقول: لكن ليس الدين الإفساد بين الناس، ومن أعظم الأشياء محاولة التفريق بين الرجل وأهله الذي هو طريق السحرة: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: 102].
على كل حال صار الآن خطبة المعتدة لها أقسام:
من تحرم خطبتها تصريحًا وتعريضًا.
مَن تجوز خطبتها تصريحًا وتعريضًا.
مَن تحرم خطبتها تصريحًا لا تعريضًا.
القسم الرابع: من تحرم خطبتها تعريضًا لا تصريحًا.
طالب: (... ).
طالب آخر: القسمة العقلية.
الشيخ: القسمة العقلية يا إخوان، القسمة العقلية أربعة أقسام:
مَن تحرم خطبتها تصريحًا وتعريضًا.
مَن تجوز خطبتها تصريحًا وتعريضًا.
مَن تحرم خطبتها تعريضًا لا تصريحًا.
مَن تحرم خطبتها تصريحًا لا تعريضًا.
هذه قسمة عقلية ماذا نقول؟ نقول: لكن نحن نقسم الأحكام الشرعية تقسيمًا شرعيًّا، ليس لنا أن نتدخل في التقسيم العقلي.
فنقول: المعتدة خطبتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: من تجوز خطبتها تصريحًا وتعريضًا.
والثاني: من لا تجوز خطبتها لا تصريحًا ولا تعريضًا.
والثالث: من تجوز خطبتها تعريضًا لا تصريحًا.
من تجوز خطبتها تصريحًا وتعريضًا هي مَن كانت في عدة بائن إذا كان الخاطب مُبِينَها.
طالب: زوجها.
الشيخ: مُبِينُها، صح؟ ما نقول: زوجها، بانت منه الآن.
الطالب: باعتبار ما سبق.
الشيخ: إيه، باعتبار ما سبق، إذن نقول: مُبِينُها، أحسن.
المعتدة أيش؟ مَن هي التي يجوز خطبتها تصريحًا وتعريضًا؟
طلبة: المعتدة..
الشيخ: المعتدة في عدة المبانة لمن أبانها إلا في الثلاث.
مَن تجوز خطبتُها تعريضًا لا تصريحًا؟
طالب: المعتدة من (... ).
الشيخ: المعتدة البائن، والخاطب غير زوجها، كذا ولَّا لا؟ هذه يجوز تعريضًا لا تصريحًا سواء كان مبانة من وفاة أو مبانة في حياة.
مَن تجوز خطبتها تصريحًا وتعريضًا؟
طلبة: الرجعية.
الشيخ: الرجعية.
طالب: لأنها زوجته.
الشيخ: مَن تجوز خطبتها تصريحًا وتعريضًا؟
طالب: المباينة.
طلبة: (... ).
الشيخ: إلى الآن متلخبطين، البائن بغير الثلاث من زوجها، هي اللي قلناها الآن.
مَن تحرم تصريحًا وتعريضًا؟
طلبة: الرجعية.
الشيخ: الرجعية، والمبانة بثلاث من زوجها.
طالب: تعريضًا.
الشيخ: لا، المبانة بثلاث من زوجها، المبانة بثلاث من غير الزوج تعريضًا لا تصريحًا، المبانة بالثلاث من زوجها تحرم خطبتها تصريحًا وتعريضًا.
إذن التي تحرم تصريحًا وتعريضًا: الرجعية، والثانية: المبانة بالثلاث من زوجها، لماذا وهو زوجها؟ لأنه لا سبيل له إلى نكاحها؛ حيث إنها تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره.
اضبط التقسيم، ترى التقاسيم تحصر لكم المسائل العلمية، فهذه أحكام خطبة المعتدة.
طالب: الصور التي ذكرها المؤلف لا تجد من يطبقها عندنا، ما يمكن ولا تعريضًا ولا تصريحًا.
الشيخ: أيها؟
الطالب: هذه الصور.
الشيخ: أيها؟ الصور؟
الطالب: النظر إلى المخطوبة والتصريح لها، ما يمكن.
الشيخ: ليش؟ نحن نتكلم عن الأحكام الشرعية بقطع النظر عن العمل بها، العمل بها شيء، الكلام أن الإنسان يعرف الأحكام الشرعية، فهل يمكن في أي البلاد أنه لا يخطب الإنسان امرأة؟ كيف يتزوجون الناس؟
الطالب: ما يمكن ينظر لها.
الشيخ: ما يمكن ينظر لها، يمكن، حتى عندنا الآن أنا أخبركم عندنا قبل يمكن أربعين سنة أو خمسين سنة ما يمكن النظر للمخطوبة إطلاقًا، حتى لو قال الخاطب: أنا أريد أن أخطب.
قال: ما هي بيعة نعرضها عليك!
لكن لما انتشرت المعلومات وتفقَّه الناس حصل، وعسى الله أن يُسَمِّت، يعني نقول: نخشى بعدين أن تتدهور مثلًا وتكون كخطبة الغربيين، الغربيون إذا بغى يخطب امرأة يطلع هو وإياها أيامًا عديدة ويخلو بها وكل شيء يفعلونه إلا النكاح.
طالب: ويجيب عيالًا بعدين.
الشيخ: الله أعلم، نعم.
طالب: أكثر الناس الآن طلاقهم على غير السنة يطلق في الحيض وكذا، فلماذا إذا جاء الإنسان يطلق ثلاثًا..
الشيخ: والله نحن نفتي أنها ما دامت في العدة فالطلاق البدعي لا يقع.
الطالب: على الإطلاق؟
الشيخ: على الإطلاق.
الطالب: هذا معصية، فعل معصية؟
الشيخ: طيب، إذا فعل المعصية هل نُمَكِّنه من تنفيذ هذه المعصية، الله قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1].
فإذا طلق في حيض أو طُهر جامَع فيه فقد طلقها لغير العدة، فيكون داخلًا في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (12).
لكننا لا نفتي بفساد الطلاق في رجل ضاقت عليه الْحِيل ثم جاء يقول، جاء إنسان يستفتي قال: أنا والله أطلق زوجتي وهذه الثالثة، أو قد طلقتها ثلاث مرات، لكن سأخبرك عن قضيتي، اتفضل، قال: أول مرة قبل عشرين سنة طلقتها وهى حائض، ثم قبل عشر سنين طلقتها في طهر جامعتها فيه، ثم طلقتها قبل سنة وأنا غضبان غضبًا شديدًا، أفتوني؟ نحن نفتيه لو كانت المسألة طبيعية بأنه لا طلاق عليه؛ لأن الأول؟
طلبة: في حيض.
الشيخ: في حيض، والثانى؟
طلبة: في طهر جامعها فيه.
الشيخ: في طهر جامعها فيه، والثالث؟
طلبة: غضب شديد.
الشيخ: غضب شديد، هو يريد منا هذا، يريد أن نُفتِي له بأن هذه المرأة التي أصبحت بائنًا منه أنها زوجته ولا طلاق عليه، هذا لا يمكن نفتيه بهذه الفتوى أبدًا؛ لأن طلاقه في الحيض قبل عشرين سنة كان طلاقًا التزم فيه، التزم التزامًا كاملًا، ولو أنها تزوجت بعد انقضاء عدتها في ذلك الوقت؟
طالب: ما أمكن.
الشيخ: هل يمكن أم لا؟
الطالب: لا.
الشيخ: أبدًا لا يمكن، وكذلك الطلقة الثانية، وكذلك الثالثة، أما لما ضاقت به الحيل جاء يَمِّنا يقول: أنا والله الطلاق الأول بدعي والثاني بدعي والثالث بغير شعور، ومثل هذا ما ذكره الشيخ عبد الله فقير رحمه الله يقول: إنهم إذا طلقوا ثلاثًا جاء الزوج يقول: والله أنا طلقت ثلاثًا، لكن أحد الزواجات الحاضر الشاهد الثاني يشرب الدخان، علشان أيش؟
طالب: فاسق.
الشيخ: علشان يصير غير عدل، وإذا كان غير عدل صار النكاح بشهادة واحد ولا يصح، إذا لم يصح النكاح لا يصح الطلاق، هو ما عاد مثَّل بشارب الدخان لكن من عندي هذا، إنما قال: إن بعضهم إذا طلق الثلاث وضاقت عليه الحيل جاء يفكر في العقد يلتمس لعل يصير العقد فاسدًا علشان ما بُنِي على الفاسد فهو فاسد.
طالب: ذكرت المحادثة عبر التليفون، فكيف الخطابات، الرسائل؟
الشيخ: أنا عندي الخطابات يعني أهون من بعض الوجوه، أهون لأنه لا يسمع صوتها ولا يتلذذ به، اللهم إلا أن يتبادلا الصور، هذا لا شك أنه ليس بصحيح.
الطالب: (ويحرم التصريح بخُطبة المعتدة).
الشيخ: (بخِطبة)؛ لأن (خُطبة) بالضم: القول، و (خِطبة): طلب الزواج.
الطالب: ويحرم التصريح بخطبةِ المعتدة من وفاة والمبانة دون التعريض، ويباحان لمن أبانها بدون الثلاث كرجعية، ويحرمان منها على غير زوجها، والتعريض: إني في مثلك لراغب، وتجيبه: ما يُرغَب عنك، ونحوهما.
فإن أجاب وليُّ مُجبرةٍ، أو أجابت غير المجبرة لمسلم حرم على غيره خطبتها، وإن رُدَّ أو أَذِن أو جُهِل الحال جاز، ويُسَن العقد يوم الجمعة مساءً بخطبة ابن مسعود.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
متى يحرم التصريح والتعريض في الخِطبة؟
طالب: الرجعية من غير زوجها.
الشيخ: الرجعية من غير زوجها، طيب ثانيًا؟
الطالب: المبانة بالثلاث.
الشيخ: المبانة بالثلاث يحرم التصريح والتعريض على زوجها، المبانة بالثلاث على زوجها خاصة يحرم التعريض والتصريح.
الرجعية على غير زوجها يحرم التصريح والتعريض، يلَّا، متى يجوز التعريض دون التصريح؟
طالب: يجوز التعريض دون التصريح للرجعية (... ).
الشيخ: أخوك وزميلك يقول: يحرم التصريح والتعريض على غير الزوج، أنا أسأل أقول: متى يجوز التعريض دون التصريح؟
طالب: المبانة دون الثلاث.
الشيخ: مِن مَن؟
الطالب: من الزوج.
الشيخ: من الزوج؟ !
الطالب: من غير الزوج.
الشيخ: من غير الزوج؟ ! سبحان الله، تأكَّدْ، التعريض دون التصريح؟
الطالب: المعتدة يا شيخ.
الشيخ: أي معتدة؟
الطالب: المعتدة بعد طلاق.
الشيخ: أي طلاق؟ رجعي ولَّا بائن؟
الطالب: رجعي.
الشيخ: خطأ.
متى يحرم التصريح دون التعريض؟
طالب: للمرأة التي تُبان من غير زوجها.
الشيخ: يعني أن تخطب هي الرجال؟
الطالب: لا يجوز أن يصرح، لا بد أن يكون تعريضًا.
الشيخ: المبانة على غير زوجها، طيب وغيرها؟
الطالب: وهي نفسها.
الشيخ: قل لي: المبانة سواء بكذا أو بكذا، علشان نعرف أنك أردت العموم.
الطالب: المبانة بثلاث من غير زوجها.
الشيخ: وبغير الثلاث؟ مبانة بغير الثلاث؟
الطالب: بغير الثلاث هذه يحرم.
الشيخ: مِثل على عِوَضٍ، ما هو على عوض تكون بائنًا؟
الطالب: أيضًا يحرم من غير زوجها.
الشيخ: طيب، وغيرها؟
طالب: المعتدة بالوفاة.
الشيخ: صح، المعتدة من وفاة أو من حياة وهي مبانة، سواء الطلاق الثلاث، أو على عوض، أو المفسوخة، أو التي تبيَّن بطلانُ نكاحها أو ما أشبه ذلك، واضح؟ هذا يحرم أيش؟
طالب: التصريح.
الشيخ: دون التعريض، الدليل؟
الطالب: قولِه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: 235].
الشيخ: الدليل.
الطالب: الآية.
الشيخ: أنت قلت: الدليل قولِه تعالى.
الطالب: قولُه تعالى.
الشيخ: نعم زين، (قولُه) بالرفع.
الطالب: قولُه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: 235].
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
ومتى يجوز التعريض والتصريح؟
طالب: يجوز التعريض والتصريح لزوجها (... ) عدتها.
الشيخ: أيش؟ !
الطالب: لمن لم يَبِنْها في عدة زوجها.
الشيخ: إذا لم يبنها فهى رجعية.
الطالب: لا.
لمن أبانها وهي طلقة يجوز التصريح.
الشيخ: والتعريض.
الطالب: والتعريض، لمن أبانها دون ثلاث.
الشيخ: أحسنت، صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يجوز التعريض والتصريح لمن أبانها دون الثلاث.
إذن لا يجوز التعريض ولا التصريح، هذا واحد.
ويجوز التعريض والتصريح، هذا ثانٍ.
ويجوز التعريض دون التصريح، هذه كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، بقي في القسمة العقلية: متى يجوز التصريح دون التعريض؟
طالب: التصريح دون التعريض؟
الشيخ: نعم.
طالب: ما يوجد هذا -يا شيخ- في الشرع.
الشيخ: كيف؟
طالب: يوجد في العقل.
الشيخ: متى يجوز التصريح دون التعريض؟
الطالب: ما يوجد هذا.
الشيخ: ما يوجد؟ ويش لون يا جماعة؟
طلبة: ما يوجد.
الشيخ: متى يجوز التصريح دون التعريض؟ سبحان الله، أنتم سريعو النسيان.
طالب: بالقسمة العقلية.
طالب آخر: بالعقل.
الشيخ: ما يخالف، أنا أقول بالعقل، نحن نتكلم بالشرع، أنا أقول: القسمة العقلية أربعة، ذكرنا ثلاثة وأحكامها، الآن هذا الرابع: جواز التصريح دون التعريض؟
طلبة: (... ).
الشيخ: شرح ولا متن، ما عاد يهمكم، الكلام على هل تجيبون على هذا ولَّا ما تجيبون؟
طالب: لا يجوز في الشريعة.
طالب آخر: لا يوجد.
طالب ثالث: لا يقع.
طالب رابع: لا يجوز.
الشيخ: لا يمكن أن نقول: يجوز التصريح دون التعريض، لماذا؟ لأنه إذا جاز التصريح؟
طلبة: جاز التعريض.
الشيخ: فالتعريض من باب أولى، تمام بارك الله فيكم.
نبدأ الآن الدرس الجديد:
يقول رحمه الله: (والتعريض أن يقول: إني في مثلك لراغب، وتجيبه: ما يُرغَب عنك، ونحوهما): هذا يشبه أن يكون تصريحًا، رجل قال لامرأة معتدة: أن أرغب مثلك.
قالت: أنت ما يُرغَب عنك.
يعني أننا نرغبك، ومع ذلك لا يُعِدون هذا تصريحًا؛ لأنه قد يكون هذا خبرًا مجرد خبر فقط، مثل أن يقول: مثلُك لا يُرغَب عنها.
وتقول: مثلك أيضًا لا يُرغَب عنه.
هذا صحيح أنه يدل على رغبته فيها وعلى رغبتها فيه، لكن ليس بصريح أنه خِطبة، وكذلك لو قال: إذا فرغَتِ العدة فأخبريني.
هذا أيضًا أيش؟
طلبة: تعريض.
الشيخ: تعريض؛ لأنه ما فيه تصريح أنه طلب.
ثم قال المؤلف: (فإن أجاب وليُّ مُجبرةٍ، أو أجابت غيرُ الْمُجبرة لمسلم حَرُم على غيره خطبتُها): يعني معناها أنه إذا خطب الإنسان امرأة وأجاب وليُّها إن كانت مجبرة -وسيأتينا إن شاء الله بيان من التي تجبر والتي لا تُجبَر، ولكن على القول الراجح ليس هناك امرأة تُجبر على النكاح، وعلى هذا فالجملة الأولى (وليُّ مُجبرةٍ) غير واردة على القول الراجح لأنه ما فيه أحد يُجبَر- (أو أجابت غير المجبرة لمسلم حرم على غيره خطبتها) لا تصريحًا ولا تعريضًا.
مثال ذلك: رجل خطب امرأة، فأجابت المرأة وأجاب أهلها وأرادوا الرجل؛ يحرم على غيره أن يخطبها منهم، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ» (13). نعم لا يحل أن يخطب على خطبة أخيه؛ لأن ذلك عدوان على حق الغير، ولأن هذا يورث العداوة والبغضاء، ولأنه ربما يصل إلى حد القتل بين أهل الجهل؛ فلذلك حرمه النبي عليه الصلاة والسلام، لكن المؤلف يقول: (لمسلم)، فإن أجابت لغير مسلم فهل يحرم خطبتها أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف لا يحرم، إذا خطب المرأةَ رجلٌ غير مسلم فأجابت، فظاهر كلام المؤلف أنه لا بأس أن تخطب على خطبته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: 221]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» (13). وغير المسلم ليس أخًا لك.
فإذا قال قائل: كيف يخطب إنسان غير مسلم؟ هل المسلمة تحل للكافر؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لكن نقول: نصرانية، امرأة نصرانية خطبها رجل نصراني فأجابت، فيجوز للمسلم على كلام المؤلف أن يخطب على خطبة هذا النصراني؛ لأن المسلم خير للنصرانية من النصراني، وللحديث: «عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ»، عرفتم الآن؟
والصحيح أنه لا يحل للمسلم أن يخطب على خطبة النصراني؛ لأن هذا من الحقوق التي يجب على المسلم أن يراعيها، ولأنه لو خطب على خطبته لأدَّى ذلك إلى أن يقوم هذا النصراني بقتله مثلًا أو بإيذائه أو بإفساد الزوجة عليه، ولأن هذا إساءة إلى الإسلام حيث يعتقد النصارى أن المسلمين أهل عدوان على حقوق الناس.
فإن قال قائل: ما الجواب عن الآية وعن الحديث؟ قلنا: إن الله يقول: ﴿لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: 221]، يخاطب أهل الزوجة ألا يزوجوا المشرك مع وجود المؤمن، لكنه لا يبيح للمؤمن أن يخطب على خطبة المشرك، هذا إذا قلنا: إن النصارى يدخلون هنا في اسم المشرك.
ثانيًا: الحديث نجيب عنه بأن هذا مبني على الأغلب؛ لأن الغالب فى المسلمين أن يكون الخاطب أيش؟
طالب: مسلمًا.
الشيخ: مسلمًا، فهذا بناء على الغالب، وما كان بناء على الغالب فإنه لا مفهوم له، كما هي القاعدة فى المنطوق والمفهوم، ما كان قيدًا بسبب الغالب فإنه أيش؟ لا مفهوم له؛ ولهذا لم يجعل الله لقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23]، لم يجعل الله لهذا القيد: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ لم يجعل له مفهومًا.
فتحرم الربيبة سواء كانت في حجر زوج أمها أم لم تكن، والدليل أن الله لم يجعل له مفهومًا أنه قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23].
ولم يقل: (وإن لم تكن الربائب في حجوركم فلا جناح عليكم)؛ لأن القيد هذا بناء على الغالب، والقيد الذي يُبنى على الغالب لا مفهوم له، وعلى هذا فالصحيح أنه لا يجوز أن يخطب على خطبة المسلم، ولا على خطبة الكافر إذا كان له عهد وذمة.
يقول: (فإن رُدَّ أو أَذِن أو جُهِلت الحال جاز) انتبه، (إنْ رُد) مَن؟
طلبة: الخاطب.
الشيخ: الثاني أو الأول؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، يعني علمت أن فلانًا خطب من آل فلان لكن ردوه، هل لي أن أخطب؟ (أو أَذِن) بأن علمت أن فلانًا خطب من آل فلان فذهبت إليه وقلت: يا فلان، سمعت أنك خطبت البنت الفلانية وأنا أحب أن أتزوج بها.
فقال: لا بأس، أنا آذن لك.
فلا بأس أن يخطب، لكن إذا علمنا أنه أذن حياءً وخجلًا لا اختيارًا، فما الحكم؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن هذا الإذن كعدمه، أو علمت أنه أذن خوفًا؛ لأن الذي استأذنه رجل شرير لو لم يأذن له لآذاه، فهل يجوز الإقدام؟ لا، لكن إذا أذن اختيارًا وبرضًا وطواعية فإنه يجوز للثاني أن يخطب؛ لأن الحق للخاطب فإذا أسقطه فهو حقه.
قال: (أو جُهِلت الحال)، هل معنى (جُهِل) هل هي مخطوبة أو لا؟ أو (جُهِل) هل رُدَّ أو لا؟
المراد الثاني في كلام المؤلف، يعني علم أن فلانًا خطب من آل فلان ولا يدري هل قَبِلوه أم ردوه؟ فإنه يجوز أن يخطب؛ لأن الأصل عدم الإجابة، فلي أن أخطب، أنتم فاهمون ولَّا لا؟ إذن تجوز الْخِطبة على خطبة أخيه في ثلاثة مواضع: الموضع الأول؟
طلبة: إذا رُدَّ.
الشيخ: إذا رُدَّ.
الثاني؟
طالب: إذا أذن.
الشيخ: إذا أذن الخاطبُ الأول.
الثالث: إذا جهلنا هل ردوه أم قبلوه، والصواب في المسألة الثالثة أنه لا يجوز أن يخطب.
فإن قيل: الأصل عدم الإجابة.
قلنا: ليس التحريم من أجل هذا، التحريم من أجل الخطبة على خطبة أخيك وقد حصلت، وربما يكون أهل الزوجة قد مالوا إلى الخاطب ويريدون أن يزوجوه، فإذا خطبت أنت أعرضوا عنه، ولولا خطبتك لزوجوه، هذا عدوان، فالصواب أنه إذا جهلنا هل قبلوا أم ردوا أنه لا تجوز الخطبة.
يقول: (ويُسَن العقد يوم الجمعة مساء بِخُطبة ابن مسعود).
أولًا: أفادنا المؤلف رحمه الله أن للعقد يومًا مفضلًا وهو يوم الجمعة، وأن العقد يكون في مسائه في آخر النهار، وهذا الحكم يحتاج إلى دليل، ولا دليل في المسألة، ليس هناك دليل على هذه المسألة.
وذكر بعضهم أنه يُسَن أيضًا في المسجد، فجعلوا له سُنَّة مكانية وسُنَّة زمانية؛ الزمن: بعد العصر يوم الجمعة، والمكان: في المسجد.
وعلى هذا فإذا كان الذين سيتزوجون خمسين نفرًا قلنا: احضروا إلى المسجد، خمسين زوجًا، وخمسين وليًّا، ومائة شاهد، هذا إذا كان كل واحد يأتي بشاهدين، أما إن قالوا: شاهدان يكفيان للعقود الخمسين، فهذا جائز ما فيه مانع.
طالب: والأقارب.
الشيخ: الأقارب ما هو شرط، كلامنا على الذي لا بد منه، فهذا القول لا شك أنه يحتاج إلى دليل، وكونهم يقولون: إن عصر يوم الجمعة ساعة إجابة فيُرجى أنه إذا بُرِّك على المتزوج أن تُقبل الدعوة.
وكذلك المسجد يقولون: هو أشرف الأماكن، فيقال لهم: هل النبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل ذلك؟ أبدًا.
هل كان لا يعقد إلا في المسجد؟ أو أرشد الأمة إلى هذا؟ وهل كان لا يعقد إلا عصر الجمعة؟ أو أرشد الأمة إلى هذا؟
فما دام عصر الجمعة موجودًا في عهده، والمسجد موجود في عهده، وعقد النكاح موجود في عهده، ولم يقرن واحدًا بالآخر فالواجب ألا نشرع من عند أنفسنا لمجرد التحسين.
وقد علمتم القاعدة المهمة المفيدة: أن ما وُجِد سببُه في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يفعله فالسُّنَّة؟
طالب: ترْكُه.
الشيخ: ترْكُه، وعلى هذا فنقول: متى تهيأ الأمر يكون العقد، ولكن هنا سؤالًا: هل يشترط ألَّا يعقد إلا مَن فُوِّض إليه الأمر من قِبَل وُلاة الأمور، وهو ما يُسمى الآن بالمأذون الشرعي؟
بخُطْبَةِ ابنِ مسعودٍ.
(فصلٌ)
وأركانُه: الزوجانِ الخاليانِ من الْمَوَانِعِ، الإيجابُ، والقَبولُ ولا يَصِحُّ مِمَّنْ يُحْسِنُ العَربيَّةَ بغيرِ لفظِ: زَوَّجْتُ أو أَنْكَحْتُ،
وقَبِلْتُ هذا النكاحَ أو تَزَوَّجْتُها أو تَزَوَّجْتُ أو قَبِلْتُ، ومَن جَهِلَهما لم يَلْزَمْه تَعَلُّمُهما وكَفَاهُ معناهما الخاصُّ بكلِّ لسانٍ، فإن تَقَدَّمَ القَبولُ لم يَصِحَّ، وإن تَأَخَّرَ عن الإيجابِ صَحَّ ما دامَا في الْمَجْلِسِ ولم يَتشاغَلَا بما يَقْطَعُه، وإن تَفَرَّقَا قَبْلَه بَطَلَ.
وله شُروطٌ:
(أحَدُها) تَعيينُ الزوجينِ، فإن أَشارَ الوَلِيُّ إلى الزوجةِ أو سَمَّاها أو وَصَفَها بما تَتَمَيَّزُ به، أو قالَ: زَوَّجْتُك بِنْتِي وله واحدةٌ لا أكثرَ: صح.
(فصلٌ)
(الثاني) رِضاهما، إلا البالغَ الْمَعْتُوهَ والمجنونةَ والصغيرَ والبِكْرَ ولو مُكَلَّفَةً
بمجرد التحسين، وقد عَلِمْتُم القاعدة المهمة المفيدة أن ما وُجِدَ سببه في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يفعله فالسنة تَرْكُه، وعلى هذا فنقول: متى تهيأ الأمر يكون العقد، ولكن هنا سؤال: هل يُشْتَرَط ألَّا يعقد إلا مَن فُوِّضَ إليه الأمر من قِبَل ولاة الأمور، وهو ما يسمى الآن بالمأذون الشرعي؟ أو يصح بدونه؟
الجواب: يَصِحّ بدونه لا شك، وهل يصح أن يكون المأذون أحد الشاهِدَيْنِ؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح أن يكون أحد الشاهِدَيْنِ، خلافًا لما يتوهمه العامة الآن، يظنون أن المأذون خارج عن الشهود.
أما قوله: (بخطبة ابن مسعود) فهي أن النبي صلى الله عليه وسلم علَّمهم التشهد بالحاجة، وهي: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ»، إلى آخره، وهي معروفة: «الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ»، عندي بالشرح: (وَنَتُوبُ إِلَيْهِ)، ولكنها لم تَرِد، فيُقْتَصَر على «نَسْتَغْفِرُهُ»، «وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ» (1)، كثير من الإخوان يقول: من يهدِ الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، فينقلون الآية إلى هذا الحديث، والأَلْيَق بالإنسان والأكمل في الأدب أن يتمشَّى على ما جاء به الحديث؛ لأن كونه يضع الآية في مكان اللفظ النبوي شبه اعتراض على الرسول، كأنه قال: ليش ما قلت اللي بالآية؟ ! وهذه المسألة لا يتفطن لها إلا القليل من الناس.
الشيء الذي جاءت به السنة يقال كما جاءت به السنة، ولا يُسْتَبْدَل كلام الرسول بغيره أبدًا، حتى لو كان من القرآن؛ لأننا نقول له: هل أنت أحفظ للقرآن من الرسول؟ ! وهل أنت أشد تعظيمًا لله ولكتابه من الرسول؟ قل كما قال الرسول: «مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ» أما (من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا)، فهذا في هذا الموضع لا يقال.
«وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»، ثم يقرأ آيات ثلاثًا هي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70 - 71]، ثم يقال للوَلِيّ: زَوِّجِ الرجل، فيقول: زَوَّجْتُك بنتي فلانة، ولا حاجة أن يقول: على سنة الله وسنة رسوله؛ لأن الأصل في المسلم أنه أيش؟ على سنة الله وسنة رسوله، ويقول الزوج؟
طالب: قَبِلْتُ.
الشيخ: قَبِلْتُ، فقط قبلت؟ قبلت أيش؟ قبلتُ هذا الزواج مثلًا، ولو قال: قبلتُ، وحذف المفعول كفى؛ لأن المقام يعيِّن المحذوف، ثم يقال للزوج: بارك الله لكما وعليكما، وجمع بينكما في خير، والْمُتَمَدْيِنُون يقولون ما يقوله أهل الجاهلية.
طالب: بالرفاء والبنين.
الشيخ: بالرفاء والبنين، نسأل الله ألَّا يُعْمِيَ قلوبنا، يأتي لفظ عن الرسول عليه الصلاة والسلام خير وبركة ونعدِل عنه؟ ! بالرفاء والبنين! ! ربما لا يكون هذا رفاء، ربما يحصل من الخروق أكثر من الرفاء بين الزوج والزوجة، ثم البنين، البنات مسكينات قد تكون البنت خيرًا من الابن بكثير، فالمهم أن العدول عما جاءت به السنة لما كان عليه الجاهلية عنصر جاهل، قل: بارك الله لكما وعليكما، وجمع بينكما في خير، ثم إذا زُفَّتْ إليه يأخذ بناصيتها ويقول: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جَبَلْتَها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جَبَلْتَهَا عليه، لكن هل يقول ذلك جهرًا أو يقول ذلك سرًّا؟
طلبة: سرًّا.
الشيخ: نرى التفصيل في هذا؛ إن كانت امرأة متعلمة تدري أن هذا من المشروع فليقل ذلك جهرًا؛ لأن ربما تؤمِّن على دعائه، وإن كانت جاهلة فأخشى إن قال ذلك تنفر منه، تقول: أنا بي شر؟ وعلى كل حال لكل مقام مقال، والله أعلم.
(... )
مثل غيره، ولهم الغنيمة النقلية اللي تُنْقَل.
طالب: أما الأرض فلا.
الشيخ: لا، إي نعم.
طالب: إذا أَمَرَ الإمام بمعصية ورَتَّبَ عليها عقوبة لمن يخالفها، فما الموقف، مثل مثلًا حلق اللحية أو.. ؟
الشيخ: الواجب الصبر والاحتساب وانتظار الفرج، إلا إذا قيل للشخص نفسه: إما أن تفعل هذه المعصية أو حبسناك.
الطالب: لو قال هكذا؟
الشيخ: لو قال هذا مُكْرَه.
الطالب: يعني ينزل على رأيه؟
الشيخ: أقول: مُكْرَه، إذا كان مُكْرَهًا على الكفر إذا لم ينشرح قلبه به فإنه لا شيء عليه، فالمعاصي التي دونه من باب أولى.
طالب: في هذه المسألة التي ذكرها الأخ، هل إذا كان مُكْرَهًا هل يحلقها هو أو يتركها حتى.. ؟
الشيخ: سواء حلقها هو ولَّا أخذوه بالقوة وحلقوها، يمكن بعد إذا حلقها هو أطيب لنفسه شوي.
أركان النكاح
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل.. وأركانه الزوجان الخاليان من الموانع، والإيجابُ والقبولُ، ولا يصح ممن يُحْسِن العربية بغير لفظ: زَوَّجْت أو أَنْكَحْت، وقَبِلْت هذا النكاح، أو تَزَوَّجْتها، أو تَزَوَّجْت أو قَبِلْت، ومَن جَهِلَهُما لم يلزمه تعلُّمُهما، وكفاه معناهما الخاص بكل لسان، فإن تقدم القبول لم يصح، وإن تأخر عن الإيجاب صح ما دامَا في المجلس ولم يتشاغلَا بما يقطعه، وإن تفرَّقَا قبله بطل.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل.
وأركانه) أي: النكاح، (الزوجان الخاليان من الموانع).
سبق لنا بيان حكم خطبة الرجل على خطبة أخيه، وقولنا: إنها؟
طالب: تحرم.
الشيخ: حرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، ولكنها تجوز إذا رُدَّ أو أَذِن أو تَرَك، إذا رُدَّ من أهل الزوجة، أو أَذِن للخاطب الثاني، أو ترك، يعني علمنا أنه ترك الخطبة.
واختلف العلماء فيما إذا جَهِل هل رُدّ أو قُبِلَ، والمذهب أنه أيش؟
طلبة: جائز.
الشيخ: أن الخطبة جائزة، والصحيح أنها غير جائزة؛ لأنه خطب، وصار أَحَقَّ بها من غيره، فإن جَهِل أنها مخطوبة، مثل أن سمع رجلًا يتحدث فيها، ولكنه لا يدري هل أقدم على الخطبة أو لا، هل يجوز؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم يجوز؛ لأن الأصل أنه لم يَخْطُب.
ثم ذكر المؤلف هذا الفصل -وهو بدء الدرس- قال: (فصلٌ.
وأركانه) أي: أركان النكاح، (الزوجان) (والإيجاب والقبول) يعني ثلاثة، والركن هو جانب الشيء الأقوى، جانب الشيء الأقوى يسمى ركنًا، ولذلك نسمي الزاوية أيش؟
طالب: ركنًا.
الشيخ: نسميها ركنًا، يعني البناء مربَّع، كل ربعة منه نسميها ركنًا؛ لأن الزاوية هي أقوى ما في البناء، فجانب الشيء الأقوى يسمى ركنًا، والمراد بالأركان ما لا يتم تركيب الماهية إلا به، فمثلًا: في الصلاة القيام ركن، والركوع ركن، والسجود ركن، والجلوس بين السجدتين والتشهد ركن؛ لأن هذه هي ماهية الصلاة، ولا تكون الماهية إلا بهذا، فأما ما كان من أجزاء الماهية ولكنها تتم بدونه فهذا لا يسمَّى ركنًا؛ كرفع اليدين في الصلاة مثلًا، هذا تتركب منه الماهية، لكن الصلاة تتم بدونه، ولهذا لا يسمى ركنًا، فالآن النكاح لا بد من زوج وزوجة، صح ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا بد من زوج وزوجة، ولا بد من إيجاب وقبول؛ لأنه زوج وزوجة بماذا يكونان زوجين؟
طالب: بالإيجاب والقبول.
الشيخ: بالإيجاب والقبول، أما الولي فيمكن أن نعدَّه ركنًا، ويمكن ألَّا نعده؛ لأنه خارج عن الماهية، لكن من شرط وجود الماهية أن يوجد الولي، فصار أركان النكاح ثلاثة: الزوجان، والإيجاب، والقبول.
ولهذا قال المؤلف: (الزوجان)، وقوله: (الخاليان من الموانع) هذا ليس بشرط في الواقع؛ لأن الأصل الخُلُوّ من الموانع، فإذا قُدِّرَ أنه تزوَّج امرأة وكان بينه وبينها رضاع ولم يعلمَا به عند العقد فهنا نقول: بطل النكاح، أو تبيَّن بطلانه، فلو قال المؤلف: (الزوجان) وسكت لكان أنسب، ولكن ما ذكره أوضح.
قوله: (الخاليان من الموانع) ما هي الموانع؟ الموانع كل سبب يقتضي تحريم المرأة على الزوج، مثل العدة.
طالب: القرابة.
الشيخ: القرابة التي تريد الْمَحْرَمِيَّة، وما أشبه ذلك.
الثاني: (الإيجاب)، الإيجاب هو: اللفظ الصادر من الولي أو مَن يقوم مقامه، (والقبول): هو اللفظ الصادر من الزوج أو مَن يقوم مقامه، مثال الإيجاب، الأخ؟
طالب: أن يقول: زَوَّجْتُك.
الشيخ: أن يقول: زَوَّجْتُك، والقبول؟
طلبة: قَبِلْت.
الشيخ: أن يقول: قَبِلْت، فالإيجاب هو اللفظ الصادر من الولي أو مَن يقوم مقامه، فإذا كان الولي فسيقول: زَوَّجْتُك بنتي –مثلًا-، وإن كان ممن يقوم مقامه فإنه يقول: زَوَّجْتُك بنت مُوَكِّلِي فلان، ولا يصح أن يقول: زَوَّجْتُك بنتي، لماذا؟
طلبة: ليست بنته.
الشيخ: ليست بنتًا له، ولا يصح أن يقول: زَوَّجْتُك بنت فلان، لماذا؟ لأنه لا يمكن تزويجها إلا بوكالة.
إذن صيغة الإيجاب ممن يقوم مقام الولي أن يقول؟
طالب: زَوَّجْتُك.
الشيخ: زَوَّجْتُك بنت موكلي فلان، ولا بد، ثم عاد يُعَيِّنها يقول: فلانة –مثلًا-، زَوَّجْتُك فلانة بنت موكلي فلان.
الزوج يقول: قبلت النكاح، ومَن يقوم مقامه ماذا يقول؟ يقول: قبلت النكاح لموكلي فلان، ولا يصح أن يقول: قبلت النكاح، وظاهر كلامهم: ولو كنا نعلم أنه وكيل، يعني: يَعْلَم الشاهدان ويعلم الولي أنه وكيل فإنه لا يصح أن يقول: قبلت النكاح، حتى يقول: قبلت لِمُوَكِّلِي، واضح؟
طالب: نعم، هذا الظاهر.
الشيخ: كلامي واضح ولَّا غير واضح؟
طلبة: نعم واضح.
الشيخ: لو أن الوكيل الذي يقوم مقام الزوج قال: قبلت النكاح، فقط، يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لا بد يقول: لموكلي، فإن قال: أردتُ بقولي: قبلت، يعني: لنفسي، وخلَّى موكله وراء، يصح أو لا يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن الولي إنما زَوَّجَ مَن؟
الطلبة: موكلك.
الشيخ: موكلك، فصار القابِل الآن غير الذي عُقِدَ له، الإيجاب وارد على زيد اللي هو الموكِّل، وصار الإيجاب واردًا على عمرو الذي هو الوكيل، وعلى هذا فتَحَيُّل هذا الوكيل لا ينفعه، لو أن هذا الوكيل قد خطب من الناس جميعًا وكلهم يَرُدُّونَه، فذهب إلى شخص وقال: علمتُ أنك ستتزوج فلانة، قال: نعم، قال: اجعلني وكيلًا في قبول النكاح، فقال: أنت وكيلي، جزاك الله خيرًا، عاد عندي شغل أبغي أروح لفلان، عند العقد قال الولي: زَوَّجْت موكلك فلان وفلانة، فقال الوكيل: قبلتُ، وأراد؟
طلبة: نفسه.
الشيخ: لنفسه، فإن ذلك لا يصح؛ لأن الإيجاب إنما صدر لِمَن؟
طلبة: للموكِّل.
الشيخ: لموكِّله، وهو قَبِلَ لنفسه، فلا بد أن يقول: قبلت النكاح لموكِّلي فلان، وقيل: إنه إذا عُلِمَ أن قوله: قبلت، يعني: لموكلي، فإن المعلوم كالمنطوق؛ لأن الولي ماذا قال؟ قال: زَوَّجْت أيش؟
طالب: موكلك.
الشيخ: بنتي موكِّلَك فلانًا، فإذا قال: قبلت، فالمعنى: أني قبلت بوصفي؟
طالب: موكَّلًا.
الشيخ: بوصفي وكيلًا، فلا حاجة أن أقول: قبلت لموكلي فلان، وهذا القول الأرجح، بناء على أن العقود تنعقد بما دَلَّ عليها.
ويتفرع على هذه المسألة ما ذكره المؤلف رحمه الله في قوله: (ولا يصح ممن يحسن العربية بغير لفظ: زَوَّجْتُ أو أَنْكَحْت)، يشترط في الإيجاب والقبول أن يكون بلفظ: زَوَّجْت أو أَنْكَحْت، الإيجاب بلفظ: زَوَّجْت أو أَنْكَحْت، هذا إذا كان يُحْسِنُ العربية، فإن كان لا يُحْسِن العربية أتى بأي لفظ يفيد هذا المعنى، وتعرفون أن الناس يختلفون في اللغة العربية، فالأخ الأفغاني يعطيني لفظ الإنكاح والتزويج في اللغة الأفغانية.
طالب: ويش تبغي يا شيخ؟
الشيخ: زَوِّجْه بلغتكم.
طالب: زيد وعمرو.
الشيخ: زيد وعمرو؟
الطالب: إن كان هناك زيد وهناك عمرو، زيد يريد أن يزوِّج عَمْرًا فيقول له..
الشيخ: باللغة الأفغانية.
الطالب: ازمالور مالوك، يعني مثلًا بنته اسمها فاطمة.
الشيخ: الاسم ما يهم.
الطالب: مالوك فاطمة ماتات كريما، يقول هو: ما كلوكريا واه.
الشيخ: هذا هو بلفظ: زَوَّجْت أو أنكحت؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لكن يصح؛ لأنه ليس لهم لفظ إلا هذا، وكذلك باللغة الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الروسية، أي شيء فهو بلغتهم، ولهذا اشترط المؤلف ممن يُحْسِن اللغة العربية، فإن كان يُحْسِن أن يقول: زَوَّجْت أو أنكحت، وهو غير عربي، لكن لا يدري ما معني زَوَّجْت أو أنكحت، فإنه يقولها بلسانه؛ لأنه لا يُتَعَبَّد بلفظه، بخلاف القرآن الكريم، فلو أراد أحد أن يتلو القرآن الكريم بلغته ولو بالمعنى المطابق قلنا له: لا؛ لأن القرآن كلام الله لا يمكن أن يغيَّر، ولأنه يُتَعَبَّد بتلاوته.
ما هو الدليل على أنه لا يصح إلا بهذين اللفظين؟ ليس هناك دليل لا في القرآن ولا في السنة أنه لا يصح النكاح إلا بهذا اللفظ، لكن يقولون: لأنهما اللفظان اللذان ورد بهما القرآن، ففي القرآن الكريم: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3]، وفي القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء: 20]، فاللفظان اللذان ورد بهما القرآن هما النكاح والزواج، فلا نتعداها.
ولا شك أن هذا التعليل عليل، بل هو ميت، لو أننا أخذنا بهذه القاعدة في الاستدلال لقلنا: والبيع لا ينعقد إلا بلفظ البيع؛ لأن ما في القرآن إلا البيع: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] هل تقولون: إنه لا يصح البيع إلا بلفظ البيع، والشراء لا يصح إلا بلفظ الشراء؟ لا يقولون بذلك، فأي فرق؟
ثم نقول: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها، ولم ينطق بلفظ الزواج، أتقولون: إن نكاح الرسول لصفية غير صحيح؟ كلا والله، ولهذا اضطروا أن يستثنوا هذه المسألة، قالوا: إلا إذا كان له أَمَة وقال: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك، فإنه ينعقد؛ لأنه لا يمكنهم أن يدفعوا السنة، فقالوا: إلا فيما إذا كان له أَمَةٌ فأعتقها وجعل عتقها صداقها، فيصح أن يقول: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك، عرفتم؟
والقول الراجح في هذه المسألة أن النكاح ينعقد بما دَلَّ عليه بأي لفظ كان، سواء قال: زَوَّجْتك، أو قال: جَوَّزْتك، أو قال: أعطيتك، أو قال ملَّكْتك، أو ما أشبه ذلك؛ لأن هذا عقد، فيُحْمَل على ما يتعارفه الناس ويرون أنه عقد، وليس مُتَعَبَّدًا بلفظه.
ثم إنه في حديث الواهبة نفسها قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (2)، «مَلَّكْتُكَهَا»، وفي بعض الألفاظ: «زَوَّجْتُكَهَا»، فلما اختلفت الألفاظ في ذلك دَلَّ على أنها سواء، وإلا لو كان يختلف هذا وهذا ما جاز للرواة أن يَرْوُوه على وجهين، على لفظ: (زَوَّجْتُكَ)، وعلى لفظ: (مَلَّكْتُكَ)، انتبهوا يا جماعة إلى هذه النقطة؛ لأن بعض الناس قال: هذا ليس فيه دليل -حديث سهل في قصة الواهبة نفسها- قالوا: لأن القصة واحدة، والعقد؟
طالب: واحد.
الشيخ: واحد، ولا يمكن أن يقول الرسول: زَوَّجْتُكَ بما معك من القرآن، ثم يقول: مَلَّكْتُكَ، ما يمكن، فهو قد قال أحد اللفظين ولا بد، نقول: الأمر كما قولتم، هو قال أحد اللفظين، لكن كون الرواة ينقلونه بلفظ: ملكت، وزَوَّجْت دليل على أنه ليس بينهما فرق؛ لأن نقل الحديث بالمعنى لا يجوز إلا إذا كان المعنى مطابقًا للفظ النبوي.
وعلى هذا فنقول: القول الراجح في هذه المسألة أنه يصح بلفظ الإنكاح والتزويج والتمليك والإعطاء، وما أشبه ذلك مما يعرف الناس أنه إيجاب، فإن تردَّد فقال له: آجَرْتُك بِنْتِي على صداق ألف ريال، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: اصبروا يا جماعة، لا إله إلا الله، ما أعجلكم فيما لا تفهمون! وما أقل إجابتكم فيما تفهمون!
إذا قال: آجَرْتُكَ بنتي على صداق قدره ألف ريال، يصح ولَّا ما يصح؟
طالب: ما يصح.
طالب آخر: العُرْف.
الشيخ: يا إخواني، على صداق، الصداق ماذا يكون، بأي شيء؟
طالب: الزواج.
الشيخ: بالنكاح، والله سَمَّى الصداق أجرة ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: 24]، ﴿آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
طالب: شيخ، في البداية قال: آجَرْتُك؟
الشيخ: نعم، آجَرْتُك على صداق، أما لو قال: آجَرْتُك بنتي بألف ريال؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: هذا معلوم، ما يصح لا شك؛ لأن الأجرة لا تستعمل في النكاح إطلاقًا، لكننا بالأول صَحَّحْنَا العقد؛ لأن فيه ما يدل على المراد بالأجرة هنا؟ النكاح، وقد سَمَّى الله المهر أجرة، إذن الزوجة مُسْتَأْجَرَة.
على كل حال خذوا القاعدة: جميع العقود تنعقد بما دَلَّ عليها عُرْفًا، سواء كانت باللفظ الوارد أو بغير اللفظ الوارد، وسواء كان ذلك في النكاح أو في غير النكاح، هذا هو القول الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
يقول شيخ الإسلام -عندي بالحاشية هنا- يقول: ولم ينقل أحد عن أحمد -يعني ابن حنبل- أنه خَصَّه -أي النكاح- بهذين اللفظين، وأول مَن قال ذلك من أصحاب الإمام أحمد فيما علمت -أنه يختص بلفظ الإنكاح والتزويج- أول من قاله ابن حامد، وتبعه على ذلك القاضي ومَن جاء بعده بسبب انتشار كتبه وكثرة أصحابه وأتباعه، وبناء على ذلك لا يصح نسبة هذا القول إلى مذهب الإمام الشخصي، وإنما يقال: هو مذهب الإمام الاصطلاحي.
وأنا أقول لكم: إن هناك فرقًا بين المذهب الشخصي الذي يدين به الإمام لله عز وجل، وبين المذهب الاصطلاحي، المذهب الاصطلاحي قد يكون الإمام أحمد ما قاله، أو قال بخلافه، والمذهب الاصطلاحي هو ما اصطلح عليه أتباع هذا الإمام أن يكون هو مذهبه، مثل أن يختاروا مثلًا أئمة من أتباعه يقولون: إذا اتفق فلان وفلان من أئمة أتباعه على كذا فهو المذهب، أو إذا كان أكثر أتباعه على هذا فهو المذهب، لكن مذهب الشخص غير، المذهب الشخصي هو ما يدين به الإمام لله عز وجل، وقد يكون موافقًا لما قيل: إنه مذهبه اصطلاحًا، وقد يكون مخالفًا.
طالب: شيخ، سؤال مهم جدًّا يا شيخ بارك الله فيك، عندنا -جزاك الله خيرًا- عادة تحصل كثيرًا، وهي مثلًا يكونون في مجلس، فيقول أحدهم لابنته الصغيرة، يقول لجاره أو صديقه أو ابن عمه: زَوِّجْنِي ابنتك هذه لابني فلان، وهم صغار يعني، فيقول: نعم قبلت، أو قبلت تزويجك فلانة من فلان من ابنك فلان، فيقول الثاني: قبلت، والأمر كله هكذا فقط مجرد كلام.
الشيخ: هذا وعد وليس بعقد.
الطالب: لماذا يا شيخ؟
الشيخ: لأن معنى زَوِّجْنِي كل يعرف أن معنى أبغيك زوجًا لفلانة معناه: إذا حان وقت زواجها، أما الآن واحد بالمهد الصبي، يصيح يبغي ثدي أمه، وهذه أيضًا تصيح تبغي اللبن توّها مولودة، أحد يقول: هذا يتزوج هذه؟
الطالب: ولكن يا شيخ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ» (3)؟
الشيخ: لا، هم ما قالوا على سبيل المزح، العقد على سبيل المزح كالعقد على سبيل الجد، لكن نحن نقول: هذا ليس بعقد، هذا وعد، ولها نظير عندنا هنا، يقول: أبغيك زوجة من ابني (... )، موجودة هذه.
طالب: وعندنا.
الشيخ: وعندكم، وكل الظاهر أهل نجد.
طالب: إحنا كنا ننهي عن ذلك يعني..
الشيخ: على كل حال، إذا نهيتم هذا من باب الاحتياط، وإلا فلو تحاكم إلَيَّ لم أحكم بالنكاح، لكن نعم من باب الاحتياط لا يجيء أحد مُدَّعٍ، ومشكلة بعدُ إذا كان الإنسان يرى أن هذا تزويج، ثم حان وقت زواجها يروحوا يدوِّروا في..
طالب: بعضهم يطالبون، يقولون: ألم يكن فلان وفلان.
الشيخ: ثم بارك الله فيك هذه يعتريها شيء آخر، قد لا يكون الشهود متوفِّرين، وإذا توفروا ينقصها شيء آخر، وهو على القول الراجح الرضا؛ رضا المرأة ورضا الزوج أيضًا، ما ندري، فعلى كل حال هو لا يصح هذا العقد، وأنا أرى أنه ليس بعقد بل هو وعد؛ لأن كلًا يعرف أن العقد له سن معين ويكون بصفة معينة.
طالب: أحسن الله إليكم، يمكن يكون قول المؤلف: (ولا يصح ممن يحسن العربية بغير لفظ زَوَّجت أو أنكحت) لعله يريد البعد عن التعريض (... ) احترازًا من أن يأتي بلفظ.
الشيخ: لا لا، ما هو مراده، مراده أن العقد لا بد يكون بالإنكاح والتزويج.
الطالب: يا شيخ جزاكم الله خيرًا، في بعض البلاد عادة حين العقد يضع وَلِيّ الزوج وولي الزوجة أيديهما في أيدي بعض، ثم تغطى الأيدي بمنديل أو فوطة أو ما أشبه ذلك، ولا ينعقد إلا إذا كان بمثل هذه الصيغة، عند العقد ينادي الناس: جيبوا منديل جيبوا منديل.
الشيخ: يمكن لعل هذا إشارة إلى أن الزوج والزوجة سيكونان في لحاف واحد.
الطالب: هل هذا له أصل ولَّا هذه بدعة.
الشيخ: هذه بدعة، ولازم ما ينعقد إلا إذا جاب منديل؟ !
الطالب: (... ).
طالب آخر: يقرؤون الفاتحة.
الشيخ: هذا بأي عرف؟ من مصر يعني؟
الطالب: إي نعم، والمأذون الشرعي يكون جالسًا.
الشيخ: سبحان الله، أريد معك واحدًا يشهد.
طلبة: نعم يا شيخ.
طالب: ويتزاحمون على المنديل يا شيخ.
الشيخ: هذا مصر، والسودان؟
طالب: ما عندنا.
الشيخ: الحمد لله، الشام كذلك؟
طالب: الشام بدون منديل يا شيخ.
الشيخ: بدون منديل؟
طالب: بلى، لا بد من منديل.
الشيخ: خلاص لا يوجد شيء، انتهينا، ثلاث دول إسلامية من أين جاءتهم هذه؟ يعني هم لو قالوا: يشتبك الزوج والولي مثلًا كذا، قلنا: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، يعني لها شيء من الوجه، لكن منديل إلا مثل ما قلت: إن كان هم يريدون الإشارة إلى أن مستقبل هذا الزوج والزوجة أن يكونَا في لحاف واحد، وهذا المنديل بمنزلة اللحاف تفاؤلًا مثلًا.
طالب: لكن يا شيخ يتزاحمون على المنديل.
طالب آخر: يحتفظون بالمنديل يا شيخ، ويتقاتلون على مَن يأخذه وقت العقد.
الشيخ: عجيب.
الطالب: يعني يختطفونه من بعض.
الشيخ: يخطفون مَن؟
الطالب: المنديل على يد المأذون بمجرد ما ينهي العقد.
الشيخ: المأذون والزوج ولَّا الولي والزوج؟
الطالب: الولي والزوج.
الشيخ: عليهم المنديل الآن.
الطالب: عليهم المنديل، فبمجرد ما العقد ينتهي الواقفون حولهم يخطفون المنديل من يسبق أولًا ويحتفظ به مدى الحياة.
الشيخ: سواء كانوا من أقارب الزوج والولي أو لا؟
الطالب: نعم، وأحيانًا الزوج هو الذي يأخذه، يكون المنديل هو اللي طلَّعه.
الشيخ: أنا أخشى أن هذه بعد تصبح عقيدة.
طالب: ما داموا يحتفظون به فهم يعتقدون فيه.
الشيخ: أنا أخشى أن هي بعدُ اعتقاد.
الطالب: من باب الذكرى.
الشيخ: يا جماعة ها المنديل يُكْتَب فيه: في هذه الليلة أو في هذا اليوم تزوج فلان وفلانة؟
طالب: نعم هو يحتفظ به ويعلم أن هذا منديل فلان.
طالب آخر: أحسن الله إليكم، سألت أحدَهم عن هذه المسألة.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: مسألة المنديل، أولًا: هي لا تحصل إلا في الأوساط العامة.
الشيخ: أنت من أي بلد؟
الطالب: من مصر.
الشيخ: من مصر.
الطالب: لا تحصل إلا في الأوساط العامة اللي هما الجاهلِيِّين يعني بعيدين عن الالتزام، ثانيًا: سألت المأذون، فقال: هذا من باب المداعبة ومن باب المزاح حتى يحصل الطَّرَف بأخذ المنديل ومن هذا القبيل فقط، يعني هم ليس ناشئًا عند اعتقاد.
الشيخ: ليش يحتفظ به إلى الأبد؟