الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 2540-2579

الشيخ: لأنه يحتمل أنه نشأ من جِمَاع بعد الوصية فلا نتحقق، إذن لا نتحقق إذا كانت ذات زوج أو سيد يطؤها إلا إذا وُلِدَ لأقل من ستة أشهر.
إذا أوصى بحمل هذه الشاة؟ طالب: يعني أوصى بحمل شاة؟ الشيخ: إي نعم، قال لك: أوصيت بحملها الذي في بطنها لفلان.
الطالب: صح.
الشيخ: يصح مطلقًا؟ الطالب: إن تَبَيَّن الحمل يا شيخ، إذا كان موجودًا أثناء الوصية.
الشيخ: إذا كان موجودًا حين الوصية صَحَّ، وإلَّا فلا، وهذا يعرفه أهل الخبرة.
رجل أوصى وليس عليه حجٌّ، أو ما قرأنا هذا؟ طلبة: ما قرأنا.
الشيخ: نبدأ.
قال: (وإذا أوصى مَن لا حج عليه أن يُحَجّ عنه بألف صُرِفَ من ثلثه مؤونة حجة بعد أخرى حتى ينفد).
(إذا أوصى مَن لا حج عليه أن يُحَجّ عنه بألف) كرجل أدى فريضة الحج، ثم أوصى، قال: أوصيت أن يُحَجَّ عني بألف، وجدنا مَن يحج عنه بخس مئة، يقولون: إنه يُحَجُّ عنه مرة أخرى حتى ينفد الألف؛ لأنه قال: يُحَجّ عني بألف، ولم يقل: حجة، قال: يُحَجُّ عني بألف، فيُحَجُّ بكل ثلثه حجة بعد أخرى حتى ينفد؛ لأنه عَيَّنَ أن يكون الثلث في الحج فيُحَجّ عنه.
وإذا قال: أوصيت أن يُحَجّ عني حجةً بألف، قَيَّدَها، فهل إذا حَجَجْنَا عنه بثمان مئة نَحُجّ عنه أخرى، أو نطلب مَن يحج عنه بألف؟ هذا فيه تفصيل؛ إذا قال: أن يحج عني فلان بألف، أعطينا فلانًا الألف كاملة، وقلنا: حُجّ؛ لأن تعيينه الشخص وتعيينه أكثر مما تستحق الحجة يدل على أنه أراد مصلحة الشخص، فنعطيه الألف ولو كان يحج بثلاث مئة مثلًا.
وإن قال: يحج عني فلان بألف، فماذا نصنع؟ نقول: يحج عنه فلان حجة بعد أخرى حتى ينفد الألف؛ لأنه لم يقيدها.

أما إذا قال: يُحَجُّ عني حجة بألف، ولم يعين الشخص، فهنا لا نحج بالألف إذا وجدنا مَن يحج بأقل؛ لأنه لا يظهر أنه أراد منفعة شخص معين، بل يحتمل أنه غلب على ظنه أنه لا يوجد مَن يحج إلا بأيش؟ إلا بألف، فقيَّدَها بالألف بناءً على ظنه أنه لا يوجد مَن يحج إلا بألف، والناس في هذه المسألة اختلفوا اختلافًا عظيمًا، أدركنا مَن يحج بخمسين ريالًا، الآن لا يُحَجّ إلا كم؟ طلبة: خمسة آلاف.
الشيخ: إي نعم، بخمسة آلاف أو بثلاثة آلاف، فتغيَّر الحال، فربما يكون هذا الموصِي الذي قال: يُحَجُّ عني حجة بألف، ظن أيش؟ أنه لا يوجَد مَن يحج إلا بألف، فإذا وجدنا مَن يحج بخمس مئة رددنا الباقي في التركة، فهذا هو تفصيل تعيين الحجة بألف، أو بأكثر، أو بأقل.
قال: (ولا تصح لِمَلَك)، (لا تصح) الفاعل يعود على الوصية، (لِمَلَك) لأن الْمَلَك لا يملك، فالملائكة عليهم الصلاة والسلام لا يملكون؛ لأنهم ليسوا بحاجة للأكل والشرب، بل كانوا صُمْدًا، يعني لا أَجْوَاف لهم، يُلْهَمُون التسبيح، يسبِّحون الله تعالى الليل والنهار لا يفترون.
ولا تصح الوصية لبهيمة؛ لأن البهيمة لا تملك، لكن ذكر بعض العلماء أنه يصح الوقف على بهيمة ويُصْرَف في علفها ومؤونتها، فيُخَرَّج من هذا أن تصح الوصية للبهيمة ويُصْرَف ذلك في عَلَفِها ومؤونتها، هذا إذا لم تكن البهيمة من خيول الجهاد أو إبل الجهاد، فإن كانت من خيول الجهاد أو إبل الجهاد فالوصية لها صحيحة؛ لأن المقصود أيش؟ المقصود الجهاد ما هو البهيمة، ولذلك لا يقوم بقلب الْمُوصِي أنها لهذا النوع من الخيل أو من الإبل، بل لعموم الإبل والخيل.
فصار الوصية للبهيمة لا تصح على المشهور من المذهب بناء على أيش؟ على أنها لا تملك، ومِن شرط صحة الوصية أن تكون لمن يملك.

لكننا نقول: تخريجًا على قول مَن يقول بصحة الوقف على البهيمة ويُصْرَف في علفها ومؤونتها نقول: قياسًا عليه وتخريجًا عليه أنه تصح الوصية للبهيمة وتُصْرَف في علفها ومؤونتها، فإذا قال: أوصيت لجملِ فلان بكذا وكذا، صحَّحْنَا الوصية على هذا.
كذلك إذا علمنا أن المقصود الجهة دون عين البهيمة، مثل أيش؟ مثل الجهاد، أو يكون هناك بهائم يعني إبلًا أو بقرًا تنقل الماء للمحتاجين في الأحياء، وأوصى لهذه الإبل أو البقر، فلا شك أن الوصية صحيحة، ويُصْرَف في مؤونتها وعلفها.
ولا تصح لميت؛ لأن الميت لا يملك، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: إذا كان لا يملك كيف تصح الوصية له؟ ! وقيل: تصح الوصية للميت وتُصْرَف صدقة له في أعمال الخير، وهذا القول هو الراجح؛ أنها تصح للميت لا على سبيل التمليك؛ لأن الميت لا يملك، وكل أحد يعرف أن الإنسان إذا أوصى لميت لا يريد أن يُشْتَرَى له طعام يأكله، أو شراب يشربه، أو لباس يلبسه، وإنما يريد أيش أن يُصْرَف في أعمال الخير لهذا الميت.
لكن لو قال: أنا أريد تمليك الميت، قلنا: الوصية غير صحيحة، هذا تلاعب؛ لأن الميت لا يملك، ملك الميت ينتقل إلى غيره إذا مات، فكيف يملك؟ يقول: (فإن وصى لحي وميت يعلم موتَه فالكل للحي)، نعم، (إذا وَصَّى لحي وميت) قال: أوصيت بألف ريال لزيد وعمرو الميت، وهو يعلم أنه ميت، فالكل للحي.
وجه ذلك أن اشتراكهما اشتراك تزاحم، فلما تعذَّر أن يكون نصيب الميت له عاد إلى الحي؛ لأنه يعلم أن الميت لا يملك، وعلى القول الذي رَجَّحْنَا ماذا يكون؟ يكون للحي النصف، وللميت النصف، ويكون صدقةً له.
وإن جهل موته فالنصف، ووجه أنه إنما أوصى للحي والميت بناء على أن الميت موجود حي، وعلى هذا البناء يكون الموصَى به بينهما نصفين، تَعَذَّر إيصال حق الميت إليه فيبقى حق الحي هو النصف.

(وإن وصَّى بماله لابنيه وأجنبي فَرَدَّا فله التُّسْع)، إن وَصَّى لابنيه وأجنبي بكل ماله، قال: أوصيت بمالي لزيد وابنيَّ بكر وخالد، الوصية بما زاد على الثلث باطلة أو لا؟ باطلة إذا رَدَّهَا الورثة، هذان الابنان رَدَّا، قالَا: لا نقبل ما زاد على الثلث ولا نجيزه، ترجع الوصية من المال كله إلى الثلث، فيصير الثلث بين ثلاثة؛ الابنين والأجنبي، فماذا يكون نصيب الأجنبي؟ التُّسْع، واضح ولَّا فيه نظر؟ قال: أوصيت بمالي لزيد ولابْنَيَّ فلان وفلان، واضح؟ إذا أوصى بماله كله ورَدَّ الورثة، قالوا: ما نقبل الوصية بالمال كله، ترجع الوصية إلى أيش؟ طالب: (... ). الشيخ: لا، هو أوصى للأجنبي والورثة، ورَدُّوا الوصية.
الطالب: (... ) يا شيخ.
الشيخ: لا، الآن هو وَصَّى، المسألة وقعت، أوصى لابنيه وأجنبي بالثلث، فرَدَّا الوصية، لما رَدَّا الوصية تعود إلى الثلث، الثلث يكون بين الأجنبي والابنين أثلاثًا، ثلث الثلث كم هو؟ طلبة: التُّسْع.
الشيخ: التُّسْع، ولهذا قال: (فَرَدَّا فله التُّسْع)، واضح يا جماعة؟ كأن الأخ أشكل عليه الوصية للوارث، إذا أوصى للوارث بقدر نصيبه ما فيه بأس، لو كان له ابنان وقال: أوصيتُ لابْنَيَّ بمالي كله، يجوز؟ يجوز؛ لأنه ما فيه أحد غيرهما.

باب الموصى به

قال: (باب الْمُوصَى به)، الأول الْمُوصَى له، واللي في الكتاب الوصية، وهذا الْمُوصَى به.
(تصح بما يُعْجَز عن تسليمه كآبق وطيرٍ في الهواء)، (تصح) أي: الوصية، (بما يُعْجَز عن تسليمه كآبق)، الآبق هو العبد هرب من سيده، وهروبه من سيده يعني أنه لن يرجع إليه، فإذا أوصى بعبده الآبق لزيد، فالوصية صحيحة، آبِق العبد، نقول: وما المضرة إذا صار آبقًا؟ ما فيه مضرة، إن وجده فله، وإن لم يجده لم يخسر شيئًا، وكونه يخسر لطلبه هذا عائد إليه.

بناء على هذا نقول: يتخرج صحة هبة ما لا يُقْدَر على تسليمه؛ لأنه إذا كانت الوصية تصح بما لا يُقْدَر على تسليمه فالهبة أيضًا مثلها؛ لأنها كلها تبرع، وهذا هو الصحيح أنه يجوز هبةُ ما لا يُقْدَر على تسليمه كالآبق والطير في الهواء؛ لأنه إن حصل فهو غانِم، وإن لم يحصل فليس بغارِم، سالم.
(كآبقٍ وطير في الهواء)، بَيْع الآبق والطير في الهواء هذا لا يجوز؛ لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغَرَر.
وتصح (بالمعدوم)، تصح الوصية بالمعدوم، (كبما يحمل حيوانه وشجرته أبدًا، أو مدةً معينة)، يعني: يصح أن يُوصِي بشيء معدوم، فيقول: أوصيت لزيد بما تحمل هذه الشاة، ما هو بالحمل؛ لأنه سبق أن الحمل ما يصح الوصية به حتى يُعْلَم وجوده، لكن هذا أوصى بما تحمل، ما هو.. يعني ليس بحمل معلوم معيَّن، قال: كل ما تحمل فهو له، يجوز مع أنه معدوم، قد تكون الشاة هذه ما فيها ولد، نقول: متى ما نشأ فيها ولد فهو له، وإذا نشأ الثاني فهو له، وإذا نشأ الثالث فهو له، وهكذا.
كذلك بما تحمل شجرته، عنده نخلة، أوصى بثمرة هذه النخلة لفلان، يصح، سواء على الدوام، أو في مدة معينة، بأن قال: أوصيتُ بما تحمل هذه النخلة لمدة خمس سنوات لزيد، تصح الوصية ولَّا لا تصح؟ تصح، مع أنه معدوم؛ لأن الحمل في هذه الحال صار كالمنفعة في العقار؛ إذ إنه لم يقصد حملًا معينًا حتى نقول: لا يصح، لكن هو يقصد حمل يعني: ثمرتها من الحمل، فصار كما لو أوصى بمنفعة هذا البيت وما أشبه ذلك.
فإن لم يحصل منه شيء بطلت الوصية؛ لأنه لو قال: أوصيت لزيد بثمرة هذه النخلة عام تسعة عشر وأربع مئة وألف، ولم تحمل، هل يطالب الورثة بمعدل ثمرتها كل عام؟ لا، تبطل الوصية؛ لأن الموصَى به لم يحصل فبطلت الوصية.

ومثله أيضًا ما يحمل حيوانه، قال: أوصيت بحمل أو بما تحمل به هذه الشاة لفلان، ولم تحمل، هل يطالب الورثة بمثل حملها كل عام؟ لا، تبطل الوصية لتعذُّر استيفاء الموصَى به.
(وتصح بكلب صيد)، رجل عنده كلب صيد، يعني مُعَلَّم، فأوصى به لفلان، نقول: يصح.
بَيْع كلب الصيد؟ طلبة: ما يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكلب، هبة كلب الصيد تصح، كذلك الوصية به، وحقيقة الوصية به أنها تنازُل من الموصِي عن هذا الكلب؛ لأن نفس الموصِي لا يملك الكلب.
قوله: (بكلب صيد) هل هو مثال، أو تخصيص وتعيين، نقول: هو مثال، فمثله كلب الحرث، ومثله كلب الماشية، الماشية والحرث والصيد؛ لأن كل هذه الثلاثة تباح منفعتها، كما جاء في الحديث، فإذا أوصى بكلب صيد، أو كلب حرث، أو كلب ماشية صَحَّت الوصية.
وإن أوصى بكلب ليس لهذه الثلاثة ولا لما بمعناها فالوصية لا تصح؛ لأن أصل الموصِي لا يملك أن ينتفع بهذا الموصَى به، فلا تصح.
(بكلب صيدٍ ونحوه)، المؤلف قال: (ونحوه) يعني: نحو الصيد اللي هو الحرث والماشية.
(وبزيت مُتَنَجِّس وله ثلثهما)، بزيت متنجس لا نجس، زيت متنجس لا نجس، بينهما فرق؟ نعم؛ النجس نجس لعينه، والمتنَجِّس نجاسته حُكْمِيَّة، النجس كزيت الميتة، زيت الخنزير، زيت كل ما يحرُم أكله، يعني المقصود دُهْنُه، هذا لا يصح الوصية به.
أما الزيت الذي هو زيت الأشجار هذا لا يمكن أن يكون نجسًا، وإنما يكون؟ طالب: طاهر يا شيخ.
الشيخ: إي، لكن ما يتنجس؟ طلبة: يتنجس.
الشيخ: يتنجس، إذن زيت الحيوان الذي هو وَدَكُه ودُهْنه يكون نجسًا ويكون مُتَنَجِّسًا، إن كان من حيوان نجس فهو نجس، وإن كان من حيوان طاهر وأصابته نجاسة فهو متنجس، زيت الشجر يكون متنجسًا ولا يكون نجسًا.

إذن الزيت المتَنَجِّس تجوز الوصية به، لماذا؟ لأنه يجوز الانتفاع به في الجلود والسفن، وما أشبهها، ففيه منفعة مباحة، بيع الزيت المتَنَجِّس يجوز أو لا يجوز؟ إن قلنا بأنه يمكن تطهيره -وهو الصحيح- جاز بيعه، فيكون كالثوب النجس يجوز بيعه ويُطَهَّر بعد، وإذا قلنا: لا يمكن تطهيره، فإنه فلا يجوز بيعه، والمذهب أنه لا يمكن تطهيره، ولا يجوز بيعه، والصواب خلاف ذلك.
يقول: (وله ثلثهما ولو كثر المال إن لم تُجِز الورثة)، (له) أي: للموصَى له ثلثهما، أي: ثلث الكلب والزيت، (ولو كثر المال) إلا إذا أجازت الورثة صار له كله.
ولنضرب المثال حتى يتضح المقال، رجل أوصى بكلبِ حرثٍ، وعنده ماشية تبلغ مئات الآلاف، لو باع الكلب يسوى عشرة ريالات –مثلًا، والماشية تساوي ملايين، أوصى بكلبه لفلان، لما مات قال الورثة: لا نجيز الوصية، كم يكون من الكلب؟ الثلث، مع أن عندهم مئات الآلاف، فله ثلثه، وقول المؤلف: (ولو كثر المال) إشارة إلى خلاف نذكره إن شاء الله.
وإن أجازت الورثة؟ فله كله.
إذا قال قائل: قوله: (ولو كثر المال) إشارة خلاف، فما معنى الخلاف؟ معنى الخلاف أن مِن العلماء مَن يقول: إنه إذا لم يَزِد على الثلث لو فرضنا له قيمة فإنه لا تُعْتَبَر إجازة الورثة، ويُعْطَى الموصَى له بكل حال، أفهمتم؟ لأن مَنْع الوصية بأكثر من الثلث ليش؟ لحق الورثة، الورثة الآن ما عليهم نقص، الكلب هذا حتى لو باعوه ما يمكن بيعه، فالصواب إذا أن للموصَى له الكلب كله.
حجة الفقهاء رحمهم الله يقولون: إن هذا الكلب لا نظير له في ماله؛ لأن هذا الكلب يجوز الانتفاع به ولَا يُمْلَك، وبقية المال يُمْلَك ويُنْتَفَع به، فهو لا نظير له في ماله، فهو من جنس آخر غير المال، فيكون كأنه مال مستقل فليس للموصَى له إلا ثلثه، لكن الصواب أن له جميعَه.

طالب: مر علينا القول بأن لو إنسان أوصى لميت وقال: أريد تمليك هذا (... ) بهذه الوصية، يا شيخ الإشكال أن الآن لو قلنا بتمليكه دخل هذا المال في تركة الميت، فينزع الورثة كالدية يا شيخ (... ) هذا بدون اختياره ودخل في ماله الدِّيَة هذا بنفسها.
الشيخ: لا، ما في بنفسها؛ لأن الدية دخلت قهرًا في مال الميت، وهذه ما هي قهر، فلا بد فيها من القبول، والقبول متعذِّر من الميت، وانتقال مال الميت إلى الورثة فرعٌ عن تملُّكِه إياه، زال الإشكال؟ الآن الميت لا ينتقل ماله إلى الورثة إلا بعد أن يملكه، والوصية له لا يمكن أن يملكها؛ لأن من شرطها القبول.
الطالب: (... ). الشيخ: لا لا، ما يمكن، الدية غصب، قهري، دخلت ملكه تقديرًا.
طالب: قال: أوصيت لزيد وللفقراء، فكم يكون مقدار زيد؟ الشيخ: لو أوصى لزيد والفقراء.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: له النصف ولهم النصف.

طالب: لو كان في ورثة الميت مَن هم قصار ومجانين، فكيف يمكن إنفاذ وصيته بما فوق الثلث؟ الشيخ: ما يمكن، يُوقَف.
الطالب: يوقف إلى أن.. الشيخ: حتى يبلغوا أو يعقلوا، أو يموتوا ويرثهم غيرهم.
الطالب: وهل يصح أن يُنْفِذُوا بما فوق الثلث ويكون من نصيب العقلاء الكبار؟ الشيخ: لا، ما يصح، لكن العقلاء لو أجازوا نفذ نصيبهم من الثلث.
طالب: أحسن الله إليك، كلب الصيد قلنا: يجوز هبته ولا يجوز بيعه.
الشيخ: ولا يجوز بيعه نعم.
الطالب: رجل عنده صيد أو ماشية.
الشيخ: رجل عنده كلب.
الطالب: لا، يريد الصيد، أن يصيد صيدًا، أو عنده ماشية ولا يجد كلبًا إلا بالشراء، هل يجوز له أن يشتريه؟

الشيخ: خذ قاعدة، إذا حرُم العقد واضطُرَّ الإنسان إليه فإنه يحصل عليه بالعِوَض ويكون الإثم على البائع –مثلًا- ولهذا قال العلماء رحمهم الله في بيوت مكة قالوا: لا يجوز بيعها، ولا تجوز إجارتها، فلو جاءنا الحاج وقال: أنا أبغي أستأجر البيت هذا لمدة شهر وقت الحج، يحرُم نؤجره إياه، قال: أنا مُضْطَرّ، أبدًا ما نؤجر، حرام، أفهمت؟ ويش نعمل؟ قالوا: إذا لم يجد ما يسكنه إلا بأجرة فليدفع الأجرة والإثم على صاحب البيت.
لكن هذا القول -وهو مذهب الإمام أحمد، يعني المشهور عند أصحابه- مهجور من زمان، الآن بيوت مكة تباع وتشترى وتُؤَجَّر كأنها بيوت حِلّ لا بيوت حَرَم، ولهذا تَوَسَّط شيخ الإسلام رحمه الله وقال: إنه يجوز بيعها ولا يجوز إجارتها؛ لأن الإجارة منفعة، والمنفعة في الْحَرَم يشترك فيها كل الناس، كما قال عز وجل ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: 25]، ويقول: كان الناس في عهد عبد الله بن الزبير رضي الله عنه حين كان خليفة كانت البيوت مُفَتَّحَة الأبواب للحجاج والعُمَّار، كل إنسان عنده شيء زائد يفتح بابه لمن أراد أن يسكن، أفهمت؟ فالأقوال إذن ثلاثة؛ جواز البيع والإجارة، وهو الذي عليه العمل من زمان، والثاني: تحريم البيع والإجارة، وهو المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله، والثالث: التفصيل؛ جواز البيع دون الإجارة.


طالب: باب الْمُوصَى به.. وتصح بمجهول كعبدٍ وشاةٍ، ويُعْطَى ما يقع عليه الاسم العرفي، وإذا أوصى بثلثه فاستحدث مالًا ولو ديةً دخل في الوصية، ومَن أُوصِيَ له بمعيَّن فتلف بطلت، وإن تَلِف المال غيرَه فهو للموصَى له خرج من ثلث المال الحاصل للورثة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
رجل أوصى بثمرة هذه النخلة لفلان ولم تُثْمِر، فهل يطالب الورثة بقيمة ثمرتها؟ طالب: (... ).

الشيخ: لا يطالب؛ لأنها لم تُثْمِر فبطلت الوصية.
هل تصح الوصية بالكلب؟ طالب: نعم تصح.
الشيخ: تصح.
طالب: فيها تفصيل يا شيخ.
الشيخ: ما هو التفصيل.
الطالب: إن كان الكلب مما يجوز اقتناؤه كلب صيد أو حرث أو ماشية فإنه يصح.
الشيخ: أحسنت، وإلَّا.
الطالب: وإلا فإنه لا يصح؛ لأنه لا يمكله أصلًا، ولا يملك منفعته.
الشيخ: إذن فيه تفصيل؛ ما جاز اقتناؤه جازت الوصية به، وما لا فلا.
إذا أوصى بكلبِ صيد وعنده أموال عظيمة، فكم يستحق الموصَى له من هذا الكلب؟ طالب: على كلام المؤلف يستحق الثلث.
الشيخ: ثلث الكلب.
الطالب: ثلثه أو قيمته لو (... ). الشيخ: لا، أقول: ثلث الكلب، فيكون شريكًا للموصَى له فيه، يقول: خليه عندك يوم وعندي يومين، كذا؟ الطالب: لا يا شيخ.
الشيخ: لا! كيف لا؟ ! الطالب: ثلث القيمة إذا.
الشيخ: ما فيه قيمة، الكلب ما له قيمة.
الطالب: لو قدرنا يعني له قيمة.
الشيخ: قدرنا له قيمة، ويش بيعطيه؟ الطالب: ثلث منفعته.
الشيخ: ما يجوز؛ لأن هذه المنفعة لا يجوز أَخْذ العِوَض عليها.
طالب: يكون له ثلث الكلب.
الشيخ: ثلث الكلب، يعني –مثلًا- يتقاسمون المنفعة، فيقال للموصَى له: لك يوم وللورثة يومان، هل هناك قول آخر؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: وهو؟ الطالب: أن له كاملًا.
الشيخ: أن الكلب له كاملًا.
أوصى له بزيت مُتَنَجِّس؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ الطالب: نعم.
الشيخ: متنجس.
الطالب: يجوز؛ لأنه يمكن الانتفاع به في طلاء السفن والجلود.
الشيخ: إي، يمكن الانتفاع به، أوصى بإنسان عنده -مثلًا- أموال كثيرة، ولنقل: عنده مئة دَبَّة سمن، وأوصى بواحدة منها مُتَنَجِّسة، كم يُعْطَى الموصَى له.
طالب: على القول الراجح يُعْطَى كله.
الشيخ: وعلى الثاني؟ الطالب: أنه يُعْطَى الثلث.
الشيخ: ثلث الدابة المتنجسة، إلا إذا أجازت الورثة، القول الراجح؟ طلبة: أنه يُعْطَى كله.
الشيخ: أنه يُعْطَى كل ما أُوصِيَ له به، وهذا هو الصواب.

ثم قال المؤلف -ابتداء الدرس الجديد-: (وتصح بمجهول كعبد وشاة) تصح الوصية بمجهول، بأن قال: أوصيت لفلان بعبد من عبيدي، تصح؛ لأنها إذا صحَّت بالمعدوم فالمجهول من باب أولى، فماذا يكون له من العبيد؟ هل يُعْطَى أغلى العبيد، أو أرخص العبيد، أو ماذا؟ أوصى له بشاة، ماذا يُعْطَى؛ هل يعطى أدنى شاة، أو يُعْطَى شاة سمينة، أم ماذا؟ يقول المؤلف: (ويُعْطَى ما يقع عليه الاسم العرفي)، فيُعْطَى عبدًا من العبيد أدنى شيء، إلا بإجازة الورثة، إذا أجازوا فالأمر إليهم، وإلا فيُعْطَى ما يسمى عبدًا ولو كان جاهلًا.
فإن قال قائل: هل يُعْطَى عبدًا مجنونًا؟ فالجواب: لا؛ لأن ظاهر قصد الْمُوصِي أن ينتفع الموصَى له بالموصَى به، والمجنون لا نفع فيه، بل فيه عبء وعناء.
فهو يُعْطَى عبدًا عاقلًا، سواء كان متعلمًا أو جاهلًا، وسواء كان قويًّا أو ضعيفًا.
الشاة ماذا يُعْطَى؟ يقول المؤلف: (يُعْطَى ما يقع عليه الاسم العرفي)، إذا كان عُرْف الناس أن الشاة هي الأنثى من الضأن، فماذا يُعْطَى؟ يُعْطَى شاة أنثى، فإن اختلف العرف والحقيقة اللغوية فإنه يقدَّم العرف؛ لأن كلام الناس يُحْمَل على ما يعرفونه، فالشاة في اللغة تطلَق على الذَّكَر والأنثى من الضأن والمعز، لكنها في العرف أخصّ من ذلك، إنما تطلق على الأنثى من الضأن.
فإذا قال الورثة: نعطيك تَيْسًا، قال: لا، قالوا: نعطيك عنزة، قال: لا، قالوا: نعطيك خروفًا، قال: لا، له ذلك أو ليس له ذلك؟ الطلبة: له ذلك.
الشيخ: له ذلك بناء على أن الْمُغَلَّب العرف، وهو الصحيح، أما إذا قلنا: يُرْجَع للغة فيعطيه الورثة ما شاؤوا من هذه الأصناف.
وإذا أَوْصَى بثُلثِه فاستُحْدِثَ مالاً ولو دِيَةً دَخلَ في الوَصِيَّةِ.
ومَن أَوْصَى له بِمُعَيَّنٍ فتَلِفَ بَطَلَتْ.
وإن أَتْلَفَ المالَ غيرُه فهو للمُوصَى له إن خَرَجَ من ثُلُثِ المالِ الحاصلِ للوَرثةِ.
(بابُ الوَصيَّةِ بالأنصباءِ والأجزاءِ)

إذا أَوْصَى بِمِثْلِ نصيبِ وارثٍ مُعَيَّنٍ فله مِثلُ نصيبِه مَضمومًا إلى المسألةِ، فإذا أَوْصَى بِمِثلِ نَصيبِ ابنِه وله ابنانِ فلَه الثُّلُثُ وإن كانوا ثلَاثةً فله الربُعُ، وإن كان معهم بنتٌ فله التُّسُعَانُ، وإن وَصَّى له بِمِثلِ نَصيبِ أَحَدِ وَرَثَتِه ولم يُبَيِّنْ كان له مِثلُ ما لأَقَلِّهِم نَصيبًا: فمع ابنٍ وبنتٍ رُبُعٌ، ومع زوجةٍ وابنٍ تُسُعٌ، وبسَهْمٍ من مالِه فله سُدُسٌ، وبشيءٍ أو جزءٍ أو حَظٍّ أعطاهُ الوارثُ ما شاءَ.
(بابُ الْمُوصَى إليه) تَصِحُّ وَصيَّةُ المسلِمِ إلى كلِّ مُسلمٍ مكَلَّفٍ عَدلٍ رشيدٍ ولو عَبدًا، ويَقْبَلُ بإذنِ سيِّدِه وإذا أَوْصَى إلى زيدٍ وبعدَه إلى عمرٍو ولم يَعْزِلْ زيدًا اشتَرَكَا، ولَا يَنفرِدُ أحدُهما بتَصَرُّفٍ لم يَجْعَلْه له ولا تَصِحُّ وَصِيَّةٌ إلَّا في تَصَرُّفٍ مَعلومٍ يَمْلِكُه الْمُوصِي كقضاءِ دَيْنِه وتَفْرِقَةِ ثُلُثِه والنظَرِ لِصِغَارِهِ ولَا تَصِحُّ بما لَا يَمْلِكُه الموصِي كوصيَّةِ المرأةِ بالنظَرِ في حَقِّ أولَادِها الأصاغِرِ ونحوِ ذلك، ومَن وَصَّى في شيءٍ لم يَصِرْ وَصِيًّا في غيرِه، وإن ظَهَرَ على الْمَيِّتِ دَيْنٌ يَستغرِقُ بعدَ تَفْرِقَةِ الْوَصِيِّ لم يَضْمَنْ، وإن قالَ: ضَعْ ثُلُثِي حيث شِئْتَ لم يَحِلَّ له ولَا لولدِه، ومَن ماتَ بمكانٍ لَا حاكمَ به ولَا وَصِيَّ جازَ لبعضِ مَن حَضَرَه من المسلمينَ تَوَلِّي تَرِكَتِه وعَمَلُ الأصلَحِ حينئذٍ فيها من بيعٍ وغيرِه.
نُعطيك تيسًا؟ قال: لا، قالوا: نعطيك عنزة؟ قال: لا، قالوا: نعطيك خروفًا؟ قال: لا.
له ذلك أو ليس له ذلك؟ له ذلك بناءً على أن الْمُغلَّب العُرْف، وهو الصحيح، أما إذا قلنا: يُرجع للغة فيعطيه الورثة ما شاؤوا من هذه الأصناف.

واستفدنا من كلام المؤلف رحمه الله أن العُرف مُقدَّم فيما ينطق به الناس، يُحمل على أعرافهم، وهذه هي القاعدة السليمة الصحيحة، لكن ليس في هذه المسألة فقط بل في جميع المسائل يُحمَل كلام الناس على ما يعرفونه.
وعلى هذا فإذا قال الرجل: خلَّيْت زوجتي.
فالصيغة من الصريح ولَّا من الكناية؟ من الصريح، عند الناس خلَّى زوجتَه كطلَّق زوجته، فتكون من الصريح، وإن كانت كناية عند الفقهاء لكن هذا يُناقِض كلامهم في بعض الأبواب أنه يُغَلَّب العُرْف حتى في الأيمان قالوا: يُغَلَّب العُرف.
وإذا قال: جوَّزتك بنتي.
بهذا اللفظ، فعند الناس في عُرفهم أن جَوَّزَ مثل زَوَّجَ، فعلى هذا ينعقد النكاح بهذا اللفظ، أما لو خاطَب ابنته منه وقال: أعطيتُك.
فهذا ليس بعقد، ولكنه وعد؛ لأنه لما قال: خطبت، قال: أعطيتك، يعني وافقت على خطبتك، وليس هذا بعقد.
المهم نأخذ من كلام المؤلف هنا أن العُرْف مُقدَّم على كل شيء، وأن كلام الناس يُحمل على أعرافهم.
(وإذا أوصى بثلثه)، (أوصى) الفاعل يعود على ما يدل عليه الاشتقاق؛ يعني وإذا أوصى الموصِي، وعود الضمير على ما يدل عليه الاشتقاق سائغ في اللغة العربية، قال الله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8] هو أيش؟ العدل المفهوم من كلمة اعدلوا؛ يعني إذا أوصى مُوصٍ بثلثه فاستحدث مالًا دخل في الوصية؛ لأن المعتَبَر الثلث عند الموت.
مثال ذلك: رجل أوصى بثُلُثه وعنده ثلاثة آلاف، كم الثلث من الوصية؟ ألف، لكن الرجل أغناه الله، وصار عنده ثلاثة ملايين عند الوفاة، كم يصير الموصى به؟ لا إله إلا الله! حين الوصية يا إخوان، عنده ثلاثة آلاف؟ طلبة: (... ). الشيخ: لا، شوف، هو عند الوصية، عنده ثلاثة آلاف أوصى بثلثه، قال: أوصيت بثُلث مالي لفلان.
ثم أغناه الله وصار عنده ثلاثة ملايين، كم تكون الوصية؟ طلبة: مليون.
الشيخ: تكون مليونًا، تمام؛ ولهذا قال: (فاستحدث مالًا) دخل في الوصية.

وقوله: (ولو دية)، إشارة خلاف لكنه خلاف ضعيف، يعني حتى دِية المقتول خطأً تُضمُّ إلى ماله فتدخل في الوصية.
مثاله: رجل أوصى بثُلث ماله وعنده مئتا ألف، فقُتِل خطأ، كم الدية؟ مئة ألف، هل نقول: ليس للمُوصَى له إلا ثلث المئتين؟ إي نعم، ثلث المئتين ألف، أو نقول: له كم؟ له مئة ألف؛ لأنه كان حين الوصية عنده مئتا ألف.
أوصى بثلث ماله، ثم قُتِل خطأً فاستحق الدية مئة ألف، كم صار الجميع؟ ثلاث مئة ألف، لو قلنا: إن الدية لا تدخل لكان للمُوصَى له ثلث المئتين، كم ثلث المئتين؟ ستة وستين وثلثان، إذا قلنا: له مئتا ألف؛ لأن الدية تُعتَبر من ماله؛ لأنها عِوض نفسه، فتُعتَبر من ماله.
وبناءً على هذا ينبغي للقضاة إذا كتبوا تنازل الورثة عن الدية أن يسألوا أولًا: هل أوصى أو لا؟ إن كان قد أوصى فليس لهم التنازل عن الدية كلها إلا إذا كان له مال مقابل، لماذا؟ لأن حق الوصية مُشارِك في حق الورثة، فيسأل إذا قال له: إنه أوصى: قال: هل له ما يقابل الثلث؟ إذا قالوا: لا، ما عنده إلا هذه الدية.
نقول: إذن لا يصح عفوهم إلا عن ثلثي الدية، أما ثلثها فهي للوصية إذا كان قد أوصى بالثلث.
وهذه يغفل عنها بعض الناس، تجده مثلًا يحضر الورثة، ويكتب تنازلًا، ولا يسأل هل أوصى أو لا؟ وهل له مال سوى هذه الدية أو لا؟ (ومن أُوصِي له بمعين فتلف بطلت)، (أُوصِي له بمعين) بأن قال الموصِي: أَوصيتُ بهذا البيت لفلان.
البيت الآن مُعيَّن، فتلف البيت فإنها تبطل الوصية، ولكن تَلَفُ البيت في الواقع مُتعذِّر إلا إذا كان البيت قد بُنِي على ملك الغير فانهدم البيت يمكن، فلنُمثِّل بمثال آخر: أوصى له بسيارة، قال: أوصيت بهذه السيارة -سيارة النقل- لفلان.
فاحترقت السيارة، تلفت؛ تبطل الوصية؛ لأن الموصَى به تعذر استيفاؤه فتبطل الوصية، هل يطالِب الورثة ويقول: أعطوني قيمة السيارة؟ لا؛ لأنه مُعيَّن تلف فتبطل الوصية.

(وإن تَلِف المال غيرَه فهو للموصى له إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة) إن تلف المال غيره نظرنا إن كان قبل الموت، قبل موت الموصي، فليس للموصَى له إلا ثلث ما أُوصِي له به؛ لأنه لما مات صار هذا المعيَّن زائدًا على الثلث، فلا ينفذ منه إلا الثلث فقط، هذا متى؟ إن كان تلف المال قبل الموت، أما إن كان بعد الموت فكما قال المؤلف: (للمُوصَى له إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة)، إذا كان بعد الموت فنقول: إن ما سوى هذا المعين تلف على نصيب من؟ طالب: (... ). الشيخ: (... ) تلف على نصيب الورثة.
أُعيد المثال مرة ثانية: أوصى لفلان بسيارة فاحترقت؛ تبطل الوصية، واضح؟ طلبة: واضح.
الشيخ: لأن الموصَى به تلف.
أوصى له بالسيارة فتلف المال إلا هذه السيارة، فهل تبطل الوصية أو لا ينفذ إلا ثلث السيارة، أم ماذا؟ نقول: في هذا تفصيل؛ إن تلف المال قبل أن يموت لم ينفذ من هذه السيارة إلا الثلث؛ لأن أصبح لما تلف المال سوى هذه السيارة أصبح ماله هذه السيارة فقط، فليس له إلا ثلثها، إلا أن يُجيز الورثة، إن كان تلف المال بعد موت الموصِي نظرنا إذا كان المال الذي تلف ضِعف قيمة السيارة؛ يعني السيارة بألف والمال اللي تلف بألفين فالوصية نافذة؛ لأنه تبين الآن أن هذه السيارة عند موت الموصِي تُساوي الثلث فتنفذ، إن كان الذي تلف بعد موت الموصي مثل قيمة السيارة أو أقل فإنه لا يثبت للموصَى له إلا ما يقابل الثلث؛ ولهذا قال: فهو للموصَى له إن خرج من ثُلث المال الحاصل للورثة، وهذا لا يكون الحاصل للورثة لا يكون إلا بعد الموت، إذا مات حصل المال للورثة، واضح ولَّا لغة؟ طلبة: واضح.
الشيخ: ما هي أعجمية؟ ! أيش السؤال؟ طالب: بعد الموت يا شيخ؟

الشيخ: إذا تلف بعد الموت ما سِوى الْمُوصى به، فالتالف على حساب مَنْ؟ على حساب الورثة، فننظر إذا كان التالف أكثر من قيمة السيارة مرتين؛ يعني مرتين فأكثر فالسيارة للموصَى له، ما فيه إشكال، إذا كان أقل من قيمة السيارة لم يثبت إلا ما يُقابِل الثلث؛ بمعنى أننا نضم قيمة السيارة إلى الموجود، قيمة السيارة مثلًا ستون ألفًا، والموجود عشرون ألفًا، الآن نضم قيمة السيارة الستين ألفًا إلى العشرين ألفًا تكون ثمانين، كم ثلثها؟ ثلثها كذا، معروف.
نقول: لا يملك من السيارة إلا ما يقابل ثلث الجميع.
مثال واضح ولَّا غير واضح؟ طلبة: واضح.
الشيخ: قال: (إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة) نعم، أسئلة.
طالب: لو احترق عدد معين من السيارة بعد موت المورِّث هل للمُوصَى له أن يُطالِب الورثة (... )؟ الشيخ: لا، إذا تلف الْمُعيَّن فلا يُطالِب الورثة بشيء سواء قبل أو بعد.
طالب: في استحقاقه ثلث الدية؛ لأننا ما ندري يا شيخ هل الأسبق استحقاقًا الوصية أم الدية، وما الذي يستحق أولًا، أم أنه في نفس الوقت؟ الشيخ: في نفس الوقت، هو ملك المال عند خروج الروح.
طالب: يعتبر (... )؟ الشيخ: إي نعم.
طالب: والله يا شيخ الأصل عدم استحقاق غير الورثة شيء ولما.. الشيخ: لا يمكن هذا، يعني يمكن أن نعطي قيمة الإنسان لغيره ولا ينتفع بها بنفسه؟

طالب: الورثة يا شيخ يأخذون الدية كاملة.
الشيخ: لا، الورثة يأخذون الدية كاملة إذا كان لهم ما يقابل بالنسبة للمُوصَى به، يأخذون الورثة الدية كاملة إذا كان هناك ما يُقابِل ما يُوصَى به؛ يعني مثلًا الدية مئة ألف، وعنده مئتا ألف وقد أوصى بالثلث (... )، الدية للورثة والْمُوصى له يُعطَى مئة ألف.
طالب: إذا أخذ ثلث الدية.
الشيخ: مَن؟ الطالب: الموصى له.
الشيخ: هو مُوصى له بمئة ألف.
الطالب: مثلًا أوصى يا شيخ بالثلث مشاع، وكان ماله.

الشيخ: الورثة قالوا: (... ) إحنا نتكفَّله، ما فيه مشكلة، ما دام عنده مئتا ألف، أعطوه هذه المئة ألف وينتهي الموضوع.
المهم أن الدية تُعتبر كالميراث؛ يعني بمعنى كما لو ورث الموصِي شيئًا من غيره يُضم إلى ماله، هذه القاعدة.
طالب: من مات وخلَّف بيتًا وأُجِّر هذا البيت، فهل ما يقوم به الورثة من إصلاح هذا البيت يأخذون الثلث الذي أوصى به للموصِي أو لا؟ الشيخ: هو أوصى بأيش؟ الطالب: أوصى بالثلث (... ). الشيخ: زين.
الطالب: وبقي هذا البيت يؤجر.
الشيخ: يعني لا يُقْسَم.
الطالب: لم يُقْسَم، (... ) أجرة هذا البيت سنويًّا مثلًا ثلث المال، واحتاج البيت إلى ترميم فهل يُؤخذ من الوصية؟ الشيخ: يؤخذ من الجميع.
الطالب: حتى من الوصية.
الشيخ: حتى من الوصية؛ لأن الموصى له صار مالكًا مشاركًا.
طالب: (... ) وحج عنه وارث، يصح؟ الشيخ: يصح، بشرط أن تكون النفقة على قدر العمل؛ بمعنى أنه يُحج عنه بألف، وأوصى بألف، أما إذا كان يحج بألف، وأوصى بألفين ما يجوز؛ لأن هذه محاباة.

طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، فإن كان الوارث قاتلًا خطأً فيرث من الدية؟ الشيخ: لا، ما يرث من الدية، أولًا: القاتل خطأً -على ما يراه الفقهاء رحمهم الله- لا يرث أصلًا لا من الدية ولا من غيرها، والصحيح أنه يرث من غيرها، ولا يرث منها؛ لأنها واجبة عليه.
طالب: أحسن الله إليك، لو أوصى بالمعلوم مثل حمل الشاة؟ الشيخ: حمل الشاة، نعم.
الطالب: لو منع الورثة الشاة لمنفعة من الفحل، فهل للموصَى له أن يطالبهم؟ الشيخ: إي نعم؛ لأنهم تسببوا لمنعه استحقاقًا.
طالب: إذا (... ) صار عليها حاجة، ولَّا صار عليها (... ) وعنده ورثة (... ) الأفضل أنه يسامح في الدية ولا يخليها للورثة؟ الشيخ: والله حسب الحال، حسب ما سبق من الوصية، إذا كان الورثة محتاجين فالأفصل ألا يسامح، وإن كانوا أغنياء فهو يسامح، لكنه لا ينفذ إلا الثلث فقط، فإذا مات فله أن يسامح عن الدية.

طالب: جزاك الله خيرًا، أحسن الله إليك يا شيخ (... )، المثال الذي ذكرناه أخيرًا في السيارة، لو استحق ثلث السيارة، ولم يقل إنه يعني يملك منفعتها مثلًا، يكون له يوم وللورثة يومان، أو تُقوَّم السيارة.
الشيخ: حسب الاتفاق، إذا أوصى له بسيارة ومات ولم يُخلِّف سواها صار له ثلثها وللورثة ثلثاها، وكيف يتمكن من الانتفاع بما أوصى له به؟ يرجع إلى الاتفاق بينهم، فإن اختلفوا تُباع السيارة، ويأخذ كل واحد نصيبه.


باب الوصية بالأنصباء والأجزاء

طالب: (... ) تعالى في كتاب الوصايا: باب الوصية بالأنصباء والأجزاء، إذا أوصى بمثل نصيب وارث معين فله مثل نصيبه مضمومًا إلى المسألة، فإذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان فله الثلث، وإن كانوا ثلاثة فله الربع، وإن كان معهم بنت فله التُّسعان، وإن وصى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يُبيِّن كان له مثل ما لأقلهم نصيبًا، فمع ابنٍ وبنت ربع، ومع زوجة وابن تِسع، وبسهم من ماله فله سدس، وبشيء أو جزء أو حظ أعطاه الوارث ما شاء.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الوصية بالأنصباء والأجزاء)، الأنصباء: جمع (نصيب)، وهو الشيء الْمُقدَّر.
(والأجزاء) جمع (جُزْء)، وهو الشيء المقدر، لكن لا بالنسبة لشخص معين، فالأنصباء بالنسبة للأشخاص، والأجزاء بالنسبة للمسألة.
يقول: (إذا أوصى بمثل نصيب وارث معين فله مثل نصيبه مضمومًا إلى المسألة) هذا الضابط، (إذا أوصى بمثل نصيب وارث معين) قال: مثل نصيب ابني فلان، أو بنتي فلانة، أو ما أشبه ذلك (فله مثل نصيبه مضمومًا إلى المسألة)، إذن نُصحِّح المسألة الأولى، مسألة الورثة، ثم نضيف لها مثل نصيب من أوصى له.
مثال ذلك: إذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان، كم مسألتهما، مِنْ كم؟ طلبة: (... ). الشيخ: له ابنان، كم مسألتهما؟ طلبة: اثنان.
الشيخ: من اثنين، أضف إليها مثل نصيب واحد منهم، يكون له الثلث؛ لأن تكون ثلاثة فله الثلث.

(وإن كانوا ثلاثة فله الربع) إذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ثلاثة أبناء مسألتهم من ثلاثة، أضف إليها واحدًا مثل نصيب أحدهم تكون أربعة فيكون للموصَى له الربع، وهذا سهل.
بمثل نصيب زوجته وله زوجة وابن؟ الثمن مضمومًا إلى المسألة، وهو التسع في الواقع، يكون التسع؛ لأن نصيب الزوجة الثمن، واحد من ثمانية، والمسألة من ثمانية، أضف إليها واحدًا تكون تسعة، فيكون للموصَى له التُّسع، وللزوجة الثمن واحد، لكنه بسبب الوصية فهو التسع، والباقي للابن.
وإن كان معهم بنت فله التسعان؛ ثلاثة معهم بنت لهم التسعان؛ لأن الثلاثة لكل واحد سهمان، والبنت سهم الثلاثة سهمان يكون ستة، والبنت سهم سبعة، أضف إلى المسألة مثل نصيب أحد الابنين تكون تسعة، فيكون له التسعان.
(وإن كان معهم بنت فله التُّسعان) ووجه ذلك ظاهر؛ لأن كل ابن له اثنان من سبعة، والبنت لها واحد من سبعة، فإذا أضفنا اثنين إلى سبعة صار له التُّسعان.
(وإن وصَّى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يُبيِّن كان له مثل ما لأقلهم نصيبًا) قال: أوصيت لفلان بمثل نصيب وارث من ورثتي، ولا بَيَّن من هو، يقول: (فله مثل ما لأقلهم نصيبًا، فمع ابن وبنتٍ ربع، ومع زوجة وابنٍ تسع).
هذان مثالان، الأول: ابن وبنت، وأوصى لهما مثل أحد نصيب ورثته ولم يُبيِّن، نقول: الابن والبنت من ثلاثة، صح؟ للابن اثنان وللبنت واحد، أضف إلى الثلاثة مثل نصيب البنت تكن أربعة، إذن للمُوصَى له الربع.
(ومع زوجة وابنٍ تُسع) إذا قال: أوصيتُ لفلان بمثل نصيب أحد الورثة، وورثته زوجة وابن، الزوجة لها الثمن، والابن له الباقي، أضف الثمن واحدًا إلى الثمانية تكن تسعة، إذن فللموصَى له التُّسع.
(وبسهم من ماله فله سدس) إذا أوصى له بسهم من ماله فله السدس، قلَّ أو كثر، فيُؤخذ السدس من التركة أولًا، ثم يقسم الباقي على مَنْ؟ على الورثة.

مثال هذا: أوصى رجل بسهم من ماله لفلان وله ابنٌ وبنت، ماذا نُعطي فلانًا؟ السدس، والباقي يُقسم بين الابن والبنت؛ للذكر مثل حظ الأنثيين، هذا مروي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم فأخذ به الفقهاء توقيفًا لا تعليلًا.
وقال بعضهم: إنه تعليل؛ لأن السهم في اللغة العربية السدس، ولكن في القلب شيء من هذا؛ لأن السهم يقتضي أن يكون أقل سهم، يعني فيكون كما لو أوصى بنصيب وارث ولم يُبيِّن، وهذا أحد القولين في المسألة، أنه إذا أوصى له بسهم من ماله فله مثل ما لأقل الورثة نصيبًا، وعلى هذا فمع ابن وبنت وأوصى بسهم كم يُعطَى؟ طلبة: الرُّبع.
الشيخ: الربع، يُعطى الربع؛ لأن هذا أقل سهم.
وأما السدس فهذه لعلها قضايا أعيان وردت عن بعض الصحابة رضي الله عنهم فقلنا: إنها توقيف، وما دامت المسألة ليس فيها نص شرعي ولا حقيقة شرعية فينبغي أن يُرجع في ذلك إلى المسألة، ويقال: أدنى سهم فيها هو الواجب للمُوصَى له.
(وبشيء، أو جزء، أو حظ، أو نصيب، أو ما أشبه ذلك أعطاه الوارث ما شاء) إذا قال: أوصيتُ لفلان بشيء من مالي، ثم هلك يعطيه الوارث ما شاء.
وظاهر كلامهم رحمهم الله أنه يعطيه ما شاء مطلقًا حتى ولو كان بعيدًا أن يكون مرادًا، فلو كان إنسان عنده عشرة ملايين تَرِكة، وأوصى بشيء من ماله لفلان، فقال الورثة: مرحبًا بالوصية وبالْمُوصى له، اتفضل، هذا ريال، فقط على كلام المؤلف تبرأ ذممهم، ولا يطالبهم بشيء؛ لأن الميت أوصى بشيء من ماله، وهذا شيء فيُعطى أقل ما يقع عليه الإنسان.

ولكن ينبغي أن يقال: ما لم يخالف ذلك العرف، فإن خالف العرف رجعنا إلى ما تقتضيه الوصية، ومن المعلوم أن من عنده عشرة ملايين، وأوصى لشخص بشيء أنه لا يريد ريالًا من عشرة ملايين، هذا بعيد جدًّا؛ لأن الموصِي قصده نفع الموصَى له وإعطاؤه من هذا المال، ومثل هذا لا يرضى أن يُعطَى إياه، فيُرجع في ذلك -على القول الراجح- إلى ما يقتضيه العُرف، ولا يعطيه الوارث ما شاء بل ما يقتضيه العرف.
وكذلك أيضًا إذا قال: بجزء من ماله، وعنده عشرة ملايين، أعطاه الوارث هلَلة جزءًا من المال ولَّا لا؟ جزءًا من مال، هل يمكن أن يُقال: إن هذه الهللة أراد الموصِي أن يُعطى إياها الموصَى له وعنده عشرة ملايين؟ لا يمكن.
أعطاه الورثة غُترة النوم، أوصى له بشيء من ماله، فقال أهله: مرحبًا، عنده عشرة ملايين، فأخذوا غُتْرة النوم التي يتغلل بها إذا نام، وقالوا: تفضل، يجزئ أو لا؟ على كلام المؤلف يجزئ؛ لأن هذه مال تُورَث وتُباع في التركة فيُجزئ لكن هذا -كما ترون- لا يمكن أن يُقال به، حتى عامة الناس يرون أن هذا منتَقد، وأن الموصِي لم يُرِد ذلك.
(أو حظ)، حظ قال: أو أوصي لفلان بحظ من مالي، وأعطاه هللة، وعنده ملايين، يسعى على كلام المؤلف، هل يعقل يقال: حظ من مالي؟ كل يفهم أن المراد حظ مهم.
فعلى كل حال مثل هذه المسائل يُرجع فيها إلى العُرف لا إلى مطلق المعنى؛ لأن الناس لهم أعراف ولهم إرادات تخصص العام، أو تُعمِّم الخاص، أو تُطلق المقيَّد، أو ما أشبه ذلك.

باب الموصى إليه

ثم قال: (باب الموصى إليه) الموصى إليه ليس ركنًا من أركان الوصية؛ لأن أركان الوصية كم؟ مُوصٍ وموصًى له، ومُوصًى به، والصيغة قد نقول: هي من أركانه، ولكن الموصى إليه ما هو شرط، الموصَى إليه هو الذي أُمر بالتصرف بعد الموت، هذا الموصَى إليه، وهو بمنزلة الوكيل للأحياء، وله شروط.

فقال: (تصح وصية المسلم إلى كل مسلم)، انظر الآن الموصِي مُسلم، وإذا كان مسلمًا فلا بد أن يكون الموصَى إليه مُسلمًا مُكلفًا؛ يعني بالغًا عاقلًا، عدلًا يعني مستقيم الدين والخلق، رشيدًا، يعني حسن التصرف فيما أُوصِي إليه به.
وصية الكافر تصح للكافر؟ وصية الكافر إلى الكافر؟ تصح، فلو أوصى يهودي إلى يهودي لينفذ بعد موته ما وصاه به، فلا بأس، إنما الشروط هذه الموصَى إليه، إذا كان الموصِي مُسلمًا.
قوله: (إلى كل مسلم) يخرج به الكافر، فلا تصح وصية المسلم إلى الكافر ولو كان الكافر أمينًا، ولو كان الكافر عاقلًا، ولو كان صديقًا للموصِي؛ لأن هؤلاء قد خانوا الله من قبل، وإذا كانوا خانوا الله فإنهم يخونون عباد الله من باب أولى.
ولهذا لما كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أن يولي نصرانيًّا في حساب بيت المال أَبَى عليه عمر، قال: لا يمكن نأتمن نصرانيًّا على حساب بيت المال، وكيف نأمنهم وقد خوَّنهم الله؟ ! فكتب إليه أبو موسى: أن الرجل حاذق وجيد.
كتب إليه: مات النصراني، والسلام (1). هذه لها مغزى عظيم ما هو؟ يعني هل يتعطل بيت المال إذا مات هذا النصراني، قدِّر أنه مات، فبيت المال لا يتعطل.
إذن لا يصح أن يُوصِي إلى الكافر ولو كان من آمَن الكفار، ولو كان من أقواهم؛ لأنه غير مأمون مهما كان الأمر.
هذا مسلم.
(مُكلَّف) يعني بالغًا عاقلًا، والبلوغ تعرفون بماذا يحصل؟ والعاقل هو أن يكون لدى الإنسان ما يحجزه عن السَّفَه والتصرفات الطائشة، ضده البالغ؟ طالب: الصغير.
الشيخ: الصغير ضد العاقل المجنون.
وهل يصح وصية الرجل إلى المرأة؟ لأن ظاهر كلامه مُكلَّف، امرأة بالغة عاقلة، أوصى إليها بثلث ماله تصرفه في الفقراء، أو في أي مشروع خيري، يجوز أو لا يجوز؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأنه يصح تصرفها في مال نفسها فيصح تصرفها في مال غيرها.

(رشيد) إي نعم.
(عدل) العدل ضد الفاسق، وهو -أي العدل- من استقام في دينه ومروءته.
في دينه بألا يفعل كبيرة إلا أن يتوب منها، وألا يصر على صغيرة، وأن يكون مؤديًا للفرائض؛ وذلك لأن من فرَّط في دينه فإنه لا يُؤمَن أن يُفرِّط في عمله.
فإن أوصى إلى فاسق، فالمذهب لا تصح الوصية إليه؛ لأنه غير مأمون، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، فالفاسق لا يُقبل خبره، ولا يُرضى تصرُّفه.
ولكن ينبغي أن يقال: إن هذا مبني على الشهادة، فإذا قبِلنا شهادة الفاسق المرضي في شهادته قبلنا الوصية إليه؛ لأنه قد يُوجد فاسق لكنه أمين من جهة المال.
ولنفرض أنه يشرب الدخان، شُرب الدخان إصرار على أيش؟ طلبة: على صغيرة.
الشيخ: على صغيرة، إذن هو فاسق، إذا كان هذا الشارب للدخان رجلًا عاقلًا حصيفًا أمينًا رشيدًا، نقول: لا تصح الوصية إليه؟ في هذا نظر لا شك؛ ولهذا نقول: إن اشتراط العدالة فيه تفصيل، فإن كانت العدالة تخدش في تصرفه فهي شرط، وإن كانت لا تخدش في تصرفه وأنه يتصرف تصرفًا تامًّا ليس به أي إشكال فإنها ليست بشرط.
هذا الصحيح في مفهوم قوله: (عدل).
(رشيد)، الرشيد: هو الذي يُحسن التصرف فيما وُكِّل إليه؛ لقول الله تعالى في اليتامى: ﴿إِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6]، فالرشد لا بد فيه، ولكن الرشد في كل موضع بحسبه؛ الرشيد في المال هو الذي يحسن البيع والشراء والاستئجار والتأجير بدون أن يُغبَن غبنًا أكثر مما جرت به العادة، هذا الرشيد.

لكن الرشيد في أمر آخر كولاية النكاح على القول بصحة الوصية فيها ليس الذي يحسن البيع والشراء هو الذي يعرف الكفء ومصالح النكاح، فكل رُشْد بحسبه، الرشيد في المال ليس الرشيد في ولاية النكاح، والرشيد في ولاية النكاح ليس الرشيد في المال، قد يكون الرجل رشيدًا في ولاية النكاح؛ لأنه رجل يعرف الناس ويعرف الكفء، ويخشى الله ويتقي الله، ولكنه في المال أخرق لا يعرف، يأتيه الصبي معه الدجاجة تساوي ريالين فيقول: يا عم، اشترِ الدجاجة.
قال: بكم؟ قال: بعشرة ريالات.
قال: هات.
هذا رشيد في تصرف المال؟ طلبة: (... ). الشيخ: ليش؟ غُبِن؛ يعني خمسة أضعاف، لكنه من الناحية الأخرى جيد.
فنقول: إذن الرشيد في كل موضع بحسبه.
قال المؤلف: (ولو عبدًا ويقبل بإذن سيده).
(ولو عبدًا) (لو) هذه إشارة خلاف؛ يعني أنها تصح الوصية إلى العبد لكن يُقبل بإذن سيده، وحينئذٍ يعني إذا قلنا بهذا القول يجب أن نقول: من شرط السيد أن يكون عدلًا رشيدًا بالغًا عاقلًا مُسلمًا.
إذن تصح الوصية إلى العبد، ويقبل بإذن سيده، ويشترط في سيده أن يكون ممن تصح الوصية إليه، يشترط في السيد أن يكون ممن تصح الوصية إليه.
وهذا الخلاف الذي أشار إليه المؤلف مقابِله مقابل ما أثبته رحمه الله من يقول: لا تصح الوصية إلى العبد مطلقًا؛ لأن العبد يحتاج إلى من يقوم عليه، فكيف يكون قيمًا على غيره؟ فالوصية للعبد لا تصح.
القول الثاني: التفصيل؛ الوصية إلى عبد نفسه جائزة، والوصية إلى عبد غيره غير جائزة؛ لأن وصيته إلى عبد نفسه تكون نتيجة لعلمه بأن هذا العبد أمين رشيد يُحسِن التصرف تمامًا، وأنه سوف يحرص على وصية سيده كما يحرص على ماله أو أكثر.
وهذا القول وسط بين القول بالمنع مطلقًا والقول بالجواز مطلقًا، ومع ذلك لا بد من إذْن السيد؛ لأنه إذا قبِل الوصية فسوف ينشغل وقتًا غير قصير بتصريف هذه الوصية فيقتطع جزءًا من وقته يفوته على مَنْ؟ على سيده، فلا بد من إذن السيد.

قال: (ويقبل بإذن سيده)، قوله: (بإذن سيده)، يجوز أن يقول: بإذن سيده؛ يعني سيد، أليس السيد الله؟ ! كيف؟ طلبة: بلى.
الشيخ: هذا مقيد، الممنوع السيادة المطلقة؛ فإنها لا تكون إلا لله وحده عز وجل، أما السيد المقيد فلا بأس، فيقال: سيد هؤلاء القوم، سيد بني فلان، هذا لا بأس به.
قال: (وإذا أوصى إلى زيد وبعده إلى عمرو، ولم يعزل زيدًا اشتركا، ولا ينفرد أحدهما بتصرف لم يجعله له)، (إذا أوصى إلى زيد وبعده إلى عمرو) سبحان الله، هذان الرجلان محل التمثيل عند العلماء الفقهاء والنحويين وغيرهم أيضًا، فلماذا؟ طلبة: (... ). الشيخ: لخفتهم؛ لأن كل ثلاثة أحرف وسطها ساكن، وهي خفيفة على اللسان.
أوصى إلى زيد، ثم أوصى إلى عمرو، فقال: أوصيت إلى زيد أن يصرف خمُس مالي في أعمال البر، ثم بعده قال: أوصيتُ إلى عمرو أن يصرف خُمس مالي في أعمال البر.
الآن أوصى إلى شخصين، فنقول: إن قال: عزلت زيدًا فالوصية لعمرو، وإن لم يقل فهي بينهما، هكذا قال الفقهاء رحمهم الله.
وإذا كانت بينهما اشتركا في التصرف، ولا يمكن أن ينفرد أحدهما بتصرف إلا بمراجعة الآخر.
وعلى هذا فإذا مات الموصي أعطينا الرجلين جميعًا كم؟ كم نعطيهم؟ طلبة: الخمس.
الشيخ: الخُمس، قلنا: أوصى بالخمس، وقلنا: تصرف فيما أوصى به فيه، ولا ينفرد أحدكما على الآخر بشيء؛ لأنه جعله لهما.
وهذه المسألة لها صور: الصورة الأولى: أن يوصي إلى زيد، ثم يوصي إلى عمرو ويقول: قد عزلت زيدًا، فمن يكون الموصَى إليه؟ طلبة: عمرو.
الشيخ: عمرو، واضح.
الصورة الثانية: أن يقول: أوصيتُ إلى زيد وعمرو، فمن تكون الوصية إليه؟ إلى الاثنين.
الصورة الثالثة: أن يقول: أوصيتُ إلى زيد، ثم يقول بعد ذلك: أوصيت إلى عمرو، فمن الوصي إليه؟ المذهب أنهما يشتركان.
وقيل: إن الوصية للثاني؛ للأخير، كما لو ورد نصان لا ينفرد أحدهما؛ يعني لا يمكن الجمع بينهما، فالثاني ناسخ للأول، هذه واحدة.

ثانيًا: قالوا: إن مقتضى الوصية إلى عمرو عزل زيد ورضاه به.
فإن قال قائل: قد يكون نسي أنه أوصى إلى زيد بأن تكون المدة طويلة؟ نقول: نعم، لنفرض أنه نسي، لكن الإيصاء إلى عمرو يقتضي أنه رضي بعمرو، وإذا اقتضى ذلك فإنه إن قلنا: إنه عزل لزيد فهو عزل، وإن لم يقُل فهو ابتداء وصية فيكون الثاني هو الوصي وحده.
وهذا القول هو الراجح، كما مر علينا في الموصَى له، أنهما يشتركان، وأن القول الراجح أنه للثاني.
ولكن قلت لكم، وأقول الآن تأكيدًا: ينبغي للإنسان إذا كتب وصية إنسان أن يقول: وهذه الوصية ناسخة لما قبلها، كل إنسان يطلب منك أن تكتب وصيته، اكتب لكن قل: هذه الوصية ناسخة لما سبقها حتى تُريح الذين يأتون بعدك، ولا يحصل التباس.
وقوله: (لا ينفرد أحدهما بتصرف لم يجعله له)، عُلِم منه أنه إذا انفرد أحدهما بتصرف جعله له فلا بأس؛ ينفرد كما لو قال: أوصيتُ بخُمسي إلى زيد وعمرو في أعمال الخير، يتولَّى صرفه في طلبة العلم زيد، من الذي يتولى هذا؟ زيد؛ لأنه خصه، يتولى عمرو صرفه فيمن احتاج إلى النكاح، من يتولى هذا؟ عمرو؛ لأنا نمشي في الوصية على ما يقتضيه كلام الموصِي.
قال: (ولا تصح وصية إلا في تصرف معلوم يملكه الموصي كقضاء دَيْنه، وتَفْرِقَة ثُلُثِه، والنظر لصغاره)، يعني الوصية لا تصح بالنسبة للمُوصَى إليه إلا في تصرف معلوم يبينه الموصِي، ويكون الموصِي يملك ذلك، فإن كان في تصرف مجهول فإنه لا يصح.
وهل مثله إذا أطلق ولم يذكر تصرفًا؟ يحتمل هذا وهذا مثل أن يقول: أوصيتُ بخمسي إلى فلان.
فقط ولا يذكر شيئًا، هذا لم يذكر شيئًا، فظاهر كلام المؤلف أنه لا تصح الوصية؛ لأن الموصَى إليه الآن ماذا يصنع؟ لكن القول الراجح أنه تصح الوصية ويقال للموصى إليه: افعل ما يقتضيه العُرْف، أو افعل ما ترى أنه أحسن شيء في أمور الخير حتى وإن اقتضى ضرورة خلاف.

عُرْفنا الآن الذي جرى عليه أكثر الناس يقول: أوصيتُ بخمس مالي، أو ثلثه يُجعل في أضحية، وعشاء في رمضان، وما أشبه ذلك من المصروفات التي يعرفها الناس من قبل، لكن لو رأى الوصِي -يعني الموصى إليه، الوصي يعني هو الموصى إليه- لو رأى أن يصرف هذا في عمارة المساجد، وطبْع الكتب للمحتاج إليها، وتزويج المحتاجين، وإعانة طلبة العلم فهذا أفضل من أضحية تُذبح ويتنازع عليها الورثة.
وكان الناس فيما سبق لما كانت الأمور قليلة يتنازعون في الأضحية نزاعًا شديدًا حتى لو أخذ أحدهم أكثر من الآخر برطل، تنازع وياه، فنقول: إذا أوصى بالشيء وأطلق فالصحيح أنه جائز ويُصرف إما فيما اعتاده أهل البلد أو على الأصح فيما يرى أنه أفضل.
قال: (يملكه الموصِي كقضاء دينه)، قضاء دينه، يعني أوصى هذا الرجل إلى فلان يقضي دينه، التصرف معلوم ولَّا غير معلوم؟ معلوم حتى لو كان الدَّيْن مجهولًا ما يظهر، لكن التصرف معلوم، يقضي دينه.
الثانية: (وتفرقة ثلثه)، يعني أوصى بثلثه وقال: الوصي فلان، يُفرِّقه في كذا وكذا، هذا التصرف معلوم، وليت المؤلف لم يقل: تفرقة ثلثه، ليته قال: تفرقة خمسه؛ لأنه في أول الوصايا يقول: تسن بالخمس، وإذا كان هذا هو الأفضل فينبغي أن يكون هو مورد التمثيل؛ لأن الثلث مباح، والخمس أفضل، وإذا كان كذلك فينبغي أن نذكر الأفضل حتى يعتاد الناس عليه.
ولهذا الآن أكثر الناس يقول: لفلان ماله الثلث؟ ولو راعينا الأفضل لقلنا: ماله الخمس؟ فليت المؤلف رحمه الله قال: وتفرقة خُمُسِه، أو على الأقل: وتفرقة ما أوصى به؛ لأنه لو قال: الثلث لاعتاد الناس على الثلث.
(والنظر لصغاره)، النظر للصغار أيضًا هذا من التصرف المعلوم، يقول: الوصي على أولادي الصغار من بنين وبنات فلان، يجوز، فيكون هذا الوصي هو الناظِر على الأولاد، يقوم بمصالحهم من نفقة، كِسوة، سَكَن، تربية.
وهل يملك أن يُوصِي بتزويج بناته؟

المذهب يملك، فيقول: الوصي في تزويج بناتي فلان، حتى وإن كان لهن إخوة أشقاء، فإنهم لا يُزوِّجونهن؛ لأن ولاية النكاح تُستفاد بالوصية.
لكن هذا القول ضعيف جدًّا؛ لأن ولاية النكاح ولاية مستقلة هي للإنسان ما دام حيًّا، فإذا مات انتقلت إلى من هو أولى شرعًا، فلا تُستفاد، على القول الراجح: لا تُستفاد ولاية النكاح بالوصية.
وقوله: لا تُستفاد بالوصية، يُفهم منه أنها تُستفاد بالقرابة، فلو أوصى أن يُزوِّج بناته أخوهن الأكبر الشقيق يصح أو لا يصح؟ يصح؛ لأنه هو وليهن بعده إلا من تزوجت وأتت بأبناء فأبناؤها أولياؤها.
القول الراجح إذن في مسألة الوصية بالتزويج أنها لا تُمْلَك؛ يعني لا يَملك الموصَى إليه -وهو الوصي- أن يزوج بهذه الوصية على القول الراجح.
لكن إذا أردنا أن نعمل بالقول الراجح وبالمذهب، فكيف نصنع؟ هنا الآن مشكل، أخوهن في بيته، والوصي الآن حضر عند المأذون، فإذا زوَّج الوصي وهو بعيد منهن، فعلى المذهب النكاح صحيح، وعلى ما اخترناه النكاح غير صحيح؛ لأن ولاية النكاح لا تستفاد بالوصية، ماذا نصنع؟ طلبة: (... ). الشيخ: لو قلنا لأخيهن: تعالَ، زَوِّج، الوصي ما له ولاية، نقع في مشكلة؛ أنه لو زوج أخوهن في هذه الحال فالنكاح غير صحيح، إن زوَّج الأخ النكاح صحيح على المذهب، وإن زوج الوَصِي فالنكاح غير صحيح على القول المختار، فماذا نصنع؟ إما أن يُوكِّل أحدهما الآخر، فيقال للأخ: وَكِّل الوصي، أو يقال للوصي: وَكِّل الأخ، وإذا وَكَّل أحدهما الآخر انحلت المشكلة، وإلا يحضران جميعًا عند المأذون ويُزَوِّجان، فيقول الولي: زوَّجتك أختي فلانة، ويقول الوصي: زوجتك بنت فلان بالوصية، إذا أوجبا هذان الاثنان يقول الزوج: قبِلت النكاح.
وعلى هذا يكون الإيجاب صادرًا من اثنين والقبول من واحد.

يقول رحمه الله: (ولا تصح بما لا يملكه الموصي كوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر ونحو ذلك)، (لا تصح الوصية فيما لا يملكه) ويش عندكم؟ (الموصي) معلوم (كوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الصغار) امرأة أيِّم قد مات زوجها، ولها أولاد صغار، هي وليتهن، فلما أحست بالموت أو خافت أوْصَت شخصًا ينظر في أولادها الصغار، يقول المؤلف: الوصية لا تصح؛ لأن النظر في الأولاد لمن؟ للأب للذكور، وفي المسألة إن شاء الله قول آخر يُذكر فيما بعد.
طالب: المسألة التي ذكرنا أن أوصى لعمرو، ثم بعد مدة أوصى لعمرو فنسي بخُمس ماله.
الشيخ: إلى، أوصى إلى عمرو.
الطالب: أوصى إلى عمرو.
الشيخ: لأن أوصى لعمرو غير أوصى إلى عمرو.
الطالب: أوصى إلى عمرو بخمس ماله، وأوصى بعدين لزيد بخمس ماله، فالحين عندنا خمسان يا شيخ هل نقول يعني؟ الشيخ: لا، خمس واحد.
الطالب: لكن هذا إشكال، هل يمكن أن نقول: يتفرقون إلى الثلث؛ لأنهما مشتركان فيه؟ الشيخ: لا، ما يصح؛ لأن هذا ما هو مُوصًى له، هذا مُوصًى إليه، أفهمت؟ الطالب: فهمت يا شيخ، لكن.. الشيخ: طيب، الحمد لله.
الطالب: يعني ممكن قصده.. الشيخ: يعني ما يمكن أن نقول: لهذا خمس، ولهذا خمس، لا يمكن، لهذا خمس ولهذا خمس أكثر من الثلث، أليس كذلك؟ طلبة: بلى يا شيخ.
طالب: أحسن الله إليك، إذا أوصى الولاية إلى ابنه الصغير مع أن له ابنًا كبيرًا أكبر منه، يصح؟ الشيخ: الصغير بالغ ولَّا غير بالغ؟ الطالب: بالغ، وكان فيه أكبر منه.
الشيخ: لا بأس؛ لأن هذا قد يقع، يكون الأكبر غير مهتم، ولا يبالي بإخوانه، والصغير الذي دونه أحسن حالًا منه، فيجوز.
الطالب: الأكبر يجد في نفسه يا شيخ.

الشيخ: ولو وجد في نفسه؛ لأنه يجب أن ننظر إلى حال الأولاد، نعم إذا كان الفرق ليس كبيرًا وخاف من فتنة فحينئذٍ يوصِي للأكبر حتى لا يكون فتنة، أما إذا كان هناك فرق بَيِّن، الأكبر مشغول بتجارته وأولاده، وقليل الدين، وقليل الأمانة، وهذا متبرع، بينهما فرق.
طالب: ذكرت اسم السيد، ما حكمه؟ الشيخ: أما السيد في درسنا الموجود الآن، فهم لا يقصدون المعنى إطلاقًا، إنما هو علم محض مثل: صالح ما قصده إلا العلم فقط، ما قصده أنه يريده صلاحًا، ومثل خالد ما قصده الخلود، إنما هي مجرد علم، ومع ذلك الأحسن ألا يسمى به؛ لأنه السيد قد يفهم من لا يعرف اصطلاح هؤلاء القوم أن لها معنى، فهمت وإلا أظن موجودة في بعض البلاد كثيرة السيد، كذا؟ موجودة كثير؟ طالب: (... ). الشيخ: من؟ الطالب: (... ). الشيخ: السائل، ولهذا سأل.
طالب: أحسن الله إليك، عند إطلاق اسم السيد عند بعضهم اصطلاح خاص هو التأسي بالسيد البدوي بالاسم؟ الشيخ: أوه، هذه مشكلة، صار له معنى عندهم، إذا قالوا: السيد يعني أنه منتسب إلى السيد البدوي.
الطالب: (... ). الشيخ: هل يرضى أحد ينتسب إلى بدوي؟ ! لو يُقال له: يا بدوي؛ انتفخ أمامهم، فكيف ينتسب إلى بدوي؟ ! طالب: لا، يا شيخ، يغضبون إذا قيل: يا بدوي، يعني مجرد ولاء، (... ). الشيخ: يعني ينكرون هذا؟ الطالب: لا، يحبونه حبًّا عظيمًا.
الشيخ: أعوذ بالله، والله على كل حال بعد على العموم، لو حققنا في مسألة البدوي؛ لأنه يقولون: الرجل كان غريبًا، وأنه راكب على حمار، ويدور بالأسواق، ولما مات عبدوه، عبدوه على أيش؟ على أنه يركب الحمار.
طالب: (... )، ما له من فضائل إلا أنه دخل المسجد في يوم الجمعة، فبال في المسجد، ما صلى، فخرج.
الشيخ: إي نعم، خرج ولو لم يكن له من الفضائل إلا هذا لكفى، قبَّحهم الله.
طالب: ماذا لو تنازع الموصَى إليه والولي؟ الشيخ: في عقد النكاح؟ الطالب: نعم.

الشيخ: أما على القول الراجح ما يحتاج، الموصَى إليه بطلت وصيته، ما له أصلًا وصية، وعلى المذهب القريب ليس له ولاية مع وجود الموصَى إليه.
(... ) ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هو الفرق بين الموصَى له والموصَى إليه؟ طالب: الموصى له هو الموصى له بالعمل.
الشيخ: طيب.
الطالب: الموصى به هي العين.
الشيخ: لا، الموصى إليه؟ الطالب: الموصى إليه هو الذي أمر بالتصرف.
الشيخ: نعم، طيب، ما الفرق بين الموصَى له وبه؟ طالب: الموصى له هو المتبرع عليه.
الشيخ: نعم، المتبرَّع عليه.
الطالب: والموصَى به هو العين التي وقعت عليه الوصية.
الشيخ: هو المتبرَّع به، طيب أوصى رجل لبعير فلان؟ طالب: لا يصح.
الشيخ: لا تصح الوصية.
الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنها لغيره، ليست له، ليست ملكًا له.
الشيخ: لا، ما هي ملك له، طيب أوصى لبعيره؟ الطالب: أوصى لبعيره؟ الشيخ: إيه.
الطالب: على المذهب أنه لا يصح؛ لأنه لا يجوز.
الشيخ: أوصى لبعير فلان.
الطالب: يصح.
الشيخ: تصح الوصية، طيب، ويُحمل الموصَى به إلى البعير فيوضع أمامه، فيقال: هذا ما أوصى به فلان لكِ.
الطالب: لا، كونه يصرف (... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: يكون في أكله (... ). الشيخ: ما تأكدت يا رجَّال! طالب: لا تصح الوصية.
الشيخ: لا تصح الوصية لبعير فلان، لماذا؟ الطالب: لأنه لا يملك.
الشيخ: صحيح؛ لأن البعير لا يملك، وهي لا تصح إلا لمن يصح تملكه.
طالب: قد يقال يا شيخ: إن فيه التفصيل، فإذا كان بعيره من دواب الجهاد التي تحمل معه المجاهدين، هذه فتصح الوصية إليه، وإذا كان من التي تحمل مثلًا طعام الفقراء وغذاءهم؛ فلا تصح الوصية له.
الشيخ: نعم، قد يُفصَّل بين الإبل التي تُستعمل في مصالح عامة، فإن الظاهر من وصية الموصِي أنه يريد منفعة هذه الجهات.
أوصى رجل بماله لابنيه وأجنبي؟ طالب: تصح.
الشيخ: تصح، وكيف يقسم؟ الطالب: كل واحد الثلث.

الشيخ: الثلث، هذا إن أجازا الوصية، ما فيه إلا ابنان، ليس له وارث إلا ابناه، فأجازا الوصية يكون له؟ الطالب: إن أجازا الوصية فله الثلث.
الشيخ: له الثلث، ولهما؟ الطالب: الثلثان.
الشيخ: وإن ردا؟ الطالب: التسع.
الشيخ: ليش التسع؟ ! الطالب: ثُلث الثلث.
الشيخ: التسع ثلث الثلث، لكن ليش صار ثلث الثلث؟ الطالب: لأنهما ردا الثلثين بالوصية (... ). الشيخ: لأنهما إذا ردا لم تثبت الوصية إلا.. الطالب: بالثلث.
الشيخ: طيب، والرجل هذا واحد من ثلاثة فيكون له ثلث الثلث، وهو التسع.
طيب أوصى لشخص بطير في هواء؟ طالب: تصح.
الشيخ: تصح الوصية؟ طير في الهواء ويش يجيبه؟ الطالب: نعم، إن حصل فمغنم، وإن طار فلا مغنم.
الشيخ: يعني تصح؟ طالب: نعم.
الشيخ: إن حصل الموصَى به فذاك، وإلا فليس على الموصَى له ضرر، طيب هل تصح الوصية بكلب الصيد؟ أنت حافظ المتن، ندور عليه.
أوصى بكلب؟ طالب: فإن كان كلب صيد صحت الوصية.
الشيخ: ما هنا عبارة أعم من كلب صيد؟ الطالب: بلى.
الشيخ: ما هي؟ طالب: إن كان كلبًا ممن يحل اقتناؤه جازت الوصية وإلا فلا.
الشيخ: طيب، فما الذي يستحقه من هذا الكلب؟ طالب: يأخذه كله.
الشيخ: كله، أبى الورثة؟ الطالب: فيه تفصيل؛ إذا كان له مال أكثر من هذا الكلب ليس موجودًا.
الشيخ: له ملايين الدراهم.
الطالب: على القول الراجح أنه يأخذه كله، والمذهب ينفد من الكلب الثلث فقط.
الشيخ: مطلقًا؟ الطالب: نعم.
طالب آخر: إن أجاز الورثة.
الشيخ: إن أجاز الورثة، المذهب إن أجاز الورثة أخذ الكلب.
طالب: إن أجاز الورثة أخذ الكلب.
الشيخ: أخذ الكلب كله، وإن لم يجيزوا؟ الطالب: ثلثه.
الشيخ: ثلثه فقط، والقول الراجح أنه يأخذه كله إذا كان خرج عن ثلث التركة.
أوصى بمثل نصيب ابنه وله خمسة أبناء وبنت، أوصى بمثل نصيب ابنه، والأولاد كم؟ طالب: خمسة.
الشيخ: والبنت واحدة، ماذا يعطى؟ الطالب: هذه الأصل أحد عشر، يضاف إليه اثنان فيكون ثلاثة عشر.

الشيخ: ثلاثة عشر.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فيعطى ثلاثة عشر؟ الطالب: لا، يُعطى اثنين.
الشيخ: اثنان من إيه؟ الطالب: من أحد عشر.
الشيخ: اثنان من أحد عشر؟ الطالب: من ثلاثة عشر.
الشيخ: من ثلاثة عشر، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إذن الضابط أن له مثل نصيبه مضمومًا إلى المسألة، طيب أوصى بمثل نصيب وارث ولم يُبيِّن؟ طالب: مثل ما لأقلهم.
الشيخ: مثل ما لأقلهم نصيبًا، فإذا كان له أربعة أبناء وبنت، وأوصى لشخص بمثل نصيب وارثٍ منهم كم يُعطَى؟ طالب: (... ). الشيخ: كم؟ طالب: (... ). الشيخ: واحد من أيش؟ الطالب: (... ). الشيخ: من تسعة، يتكلم يا جماعة.
الطالب: (... ). الشيخ: أربعة أبناء وبنت وقال: له مثل أحد الورثة، كيف؟ الطالب: (... ) لأن أصل المسألة يكون من تسعة، وأن أربعة أبناء كل منهم له سهمان، فيكون ثمانية، والبنت سهم فيكون تسعة.
الشيخ: والبنت لها واحد من تسعة، فيُعطى؟ الطالب: واحدًا من عشرة مضافًا إلى نصيبهم.
الشيخ: واحد من عشرة؛ لأنه سيضاف إلى نصيبهم مثل نصيب البنت واحد تبلغ عشرة، فله واحد من عشرة، بارك الله فيك.
الموصَى إليه ما هو معكم؟ في المستقبل إن شاء الله.


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن وُصِّي في شيء لم يَصِرْ وَصيًّا في غيره) يعني من وُصِّي إليه في شيء لم يكن وَصِيًّا في غيره، فإذا أوصى إلى شخص يكون ناظرًا على أولاده فإنه لا يملك النظر في أموالهم؛ لأن النظر على الأولاد ليس هو النظر في المال، وإذا أوصى إلى شخص يُنمِّي مال أولاده الصغار لم يكن له حضانتهم؛ لأن الوصية بمنزلة الوكالة فتختص بما أُوصِي إليه فيه، وهكذا جميع من عمل نائبًا لغيره فإنه لا يتجاوز ما حُدِّد له.

ومن ذلك القضاة مثلًا، القاضي إذا جعلت وزارة العدل رجلًا قاضيًا في الأنكحة لم ينظر في المواريث، وإذا جعلته قاضيًا في المواريث لم ينظر في البيوع، وإذا جعلته قاضيًا في البيوع لم ينظر في قسمة المواريث وهلم جرًّا.
فالوكالة والوصاية تتقيد بما عُيِّن له فلا يزيد، فعلى هذا نقول: من وُصِّيَ إليه بشيء لم يكن وصيًّا في غيره؛ بناءً؛ يعني التعليل لأن هذا الوصي يتصرف بالإذن فوجب أن يقتصر على ما أُذِن له فيه ولا يتعداه، هذا هو التعليل، وهو تعليل ظاهر ليس فيه شبهة.
(لم يَصِر وصيًّا في غيره، وإن ظهر على الميت دَيْن يستغرق بعد تفرقة الوصي لم يضمن) وهذه مسألة مهمة، لو ظهر على الميت دين بعد أن تصرف الوصِي، وصرف الموصَى به إلى جهته، ثم ظهر دين على الميت؛ فإنه لا ضمان على الوصي؛ لأنه تصرف تصرفًا مأذونًا فيه؛ فليس عليه ضمان.
مثال ذلك: أوصى إلى زيد أن يبذل عشرة آلاف ريال في بناء مسجد، فصرفه، ثم ظهر على الميت دَيْن يستغرق العشرة، فليس عليه ضمان، لماذا؟ لأنه تصرف تصرفًا مأذونًا فيه فوقع موقعه وهو مجتهد وليس عالِمًا بالغيب.
فإذا قال قائل: أين يكون حق صاحب الطلب صاحب الدَّيْن؟ نقول: صاحب الدَّيْن ليس له شيء بخلاف ما إذا أخذ الورثة المال، ثم تبين بعد ذلك أن عليه دينًا -أي على الميت- فإنه يؤخذ من الورثة، يؤخذ من كل إنسان ما أخذ، والفرق ظاهر؛ لأن مسألة الوصي تَصرَّف لغيره، والورثة تصرَّفوا لأنفسهم فتلف المال تحت أيديهم؛ فلزمهم ضمانه.
وهذه مسألة قد يظن الظان أنه لا فرق بينهما، والفرق بينهما واضح.
فإن قال قائل: إذا كان يمكن استرجاع الوصية فهل يُلزم الوصي بها؟ كما لو أوصى لزيد بعشرة آلاف ريال وقال الوصي: في ذلك فلان، فصرفها الوصي إلى هذا المعين، فإنه إذا تبين على الميت دين لم يضمن الوصي؛ لأنه تصرف تصرفًا مأذونًا فيه فوقع موقعه.

فإن قال قائل: لو علم الموصَى له أن على الميت دينًا، ولكنه أخذ الموصَى به وتصرف فيه؟ فهنا نقول: إنه يضمن، من الذي يضمن الوصِي أو الموصَى له؟ الموصَى له؛ لأن الموصَى له حين تصرف يعلم أنه لا يستحق؛ إذ إن الدين مقدم على الوصية فيكون الموصى له الآن بمنزلة الوارث الذي يضمن.
يقول رحمه الله: (وإن قال: ضع ثلثي حيث شئت؛ لم يحل له ولا لولده).
إنسان أوصى إلى شخص، وقال: ضع ثلثي حيث شئت، أو: ضع ثلثي في قضاء الديون، فمات الرجل، فهل يجوز للوصي أن يأخذ شيئًا من هذا الثلث؟ لا، وهل يجوز لولده أن يأخذ شيئًا من هذا الثلث؟ لا؛ لأنه متهم في هذا، فربما يحابِي نفسه ويحابي ولده، ويصرف المال في مَنْ غيرهم أحق به منهم؛ فلذلك قال العلماء رحمهم الله: إنه لا يجوز للوكيل ولا للوصي أن يتصرف لنفسه، أو لأحد من أولاده، وعمَّم بعضهم ذلك وقال: أو ممن لا تُقبل شهادته له، فوسَّعوا الأمر.
ولكن لو قال قائل: في مسألة الوكالة إذا كان الوكيل يريد هذا الشيء، وأخرجه أمام الناس يتزايدون فيه حتى كان آخر سَوْم على هذا الوكيل هل له أن يأخذه؟ كلام الفقهاء لا، والصحيح أنه إذا زالت التهمة فهو كغيره، هذا من حيث النظر، أما من حيث العمل -ولا سيما في زمننا هذا- فينبغي أن يُمنع الوكيل أو الوصِي مطلقًا من أن يصرف الشيء إلى نفسه أو إلى أحد من ذريته؛ من ذكور أو إناث، والعلة هي التهمة، ألَّا يحرص على أن يضع الشيء موضعه.
ذكرنا أنه إذا زالت التهمة بأن أخرج الوكيل الشيء في المزاد العلني ووقف عليه، فالمذهب لا يصح حتى في هذه الحال التي هي بعيدة من التهمة، يقولون: لا يصح سدًّا للباب، وهذا القول من الناحية التربوية أحسن من القول بأنه يجوز أن يأخذه؛ لأننا إذا قدرنا بأن واحدًا من مئة زال الوصف بحقه وهو التهمة فغيره لا يزول.

قال: (ومن مات بمكان لا حاكم فيه ولا وصي حاز بعض من حضره من المسلمين تركته، وعمل الأصلح حينئذٍ فيها من بيع وغيره) وهذا يقع كثيرًا، مثال ذلك: رُفقة مات أحدهم في السفر، وليس هناك قاضٍ يُرْجع إليه، ولا وصي خاص يُرجع إليه، يقول: (حاز بعض من حضره من المسلمين تركته).
وقوله: (حاز) خبر بمعنى الأمر؛ يعني يجب أن يحوز بعض من حضر تركته؛ لئلا تضيع أو تُسرق أو ما أشبه ذلك.
وعمل الأصلح حينئذٍ فيها من بيع وغيره فيحوز التركة التي معه، ثم إن كان الأحسن أن يبيعها باعها، وإن كان الأحسن أن يبقيها أبقاها، وهذا يختلف باختلاف الأموال واختلاف الأحوال، فمثلًا إذا كان في التركة ما يُسرع فساده كالبطيخ، فما هو الأفضل؟ البيع لا شك، وإذا كان في التركة ما الأحسن إبقاؤه؛ وجب إبقاؤه، وإذا دار الأمر بين هذا وهذا فإنه يبقى على حاله؛ لأن الأصل ألا يتصرف فيه، يبقى على حاله، ثم إن تغيرت الحال فيما بعد عمل ما تقتضيه الحال من بيع أو غيره.
ثم قال المؤلف: (كتاب الفرائض) وقد قرأناه من قبل، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: فهل ترون أن نقرأه؟

(كتابُ النِّكاحِ)

وهو سُنَّةٌ، وفِعْلُه مع الشهوةِ أَفضلُ من نَوافلِ العِباداتِ.
و(يَجِبُ) على مَن يَخافُ زِنًا بتَرْكِه، و (يُسَنُّ) نِكاحُ واحدةٍ دَيِّنَةٍ أَجنبيَّةٍ بِكْرٍ وَلودٍ بلا أُمٍّ، وله نَظَرُ ما يَظْهَرُ غالبًا مِرارًا بلا خَلْوَةٍ.
و(يَحْرُمُ) التصريحُ بخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ من وفاةٍ والْمُبَانَةِ دونَ التعريضِ، ويُباحان لِمَن أَبَانَها دونَ الثلاثِ كرَجْعِيَّةٍ، ويَحْرُمان منها على غيرِ زَوْجِها، والتعريضُ، إني في مِثْلِكِ لَرَاغبٌ، وتُجِيبُه، ما يُرْغَبُ عنكَ ونحوَهما، فإن أَجابَ وَلِيُّ مُجْبَرَةٍ أو أجابَتْ غيرُ الْمُجْبَرَةِ لِمُسلمٍ حَرُمَ على غيرِه خِطبتُها، وإن رُدَّ أو أُذِنَ أو جُهِلَ الحالُ جازَ.
و(يُسَنُّ) العَقْدُ يومَ الْجُمُعَةِ مساءً، بخُطْبَةِ ابنِ مسعودٍ.

مدخل

طالب: (... ). الشيخ: إي، زوجها الأول، انتبه، فما هو الجواب؟ قلنا: الجواب على هذا من أحد وجهين، إما أن يقال: المراد بالنكاح هنا العقد، وزادت السُّنةُ الشرطَ الآخر وهو الجماع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (1)، عرفتم؟ فتكون زيادة الوطي مما جاءت به السنة، والسنة لا شك أنها تقيد القرآن.
الوجه الثاني: أن يقال: إن المراد بالنكاح هنا الوطي؛ لقوله: ﴿زَوْجًا﴾، ﴿حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا﴾ [البقرة: 230]، ولا يمكن أن يكون زوجًا إلا بعد؟ طالب: العقد.
الشيخ: بعد العقد، فيكون هنا قرينة تدل على أن المراد بالنكاح هو العقد.
طالب: الوطء.
الشيخ: نعم، هو الوطء، أن المراد بالنكاح هو الوطء، وعلى كل حال فلا إشكال، القاعدة مطردة؛ أن المراد بالنكاح في القرآن العقد.
حكم النكاح، قال المؤلف: (وهو سُنَّة)، ومعنى ذلك أنه ليس بواجب، ودليل كونه سُنة:

أولًا: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر به، فقال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ» (2). ثانيًا: أنه من سنن المرسلين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: 38]، ومعلوم أننا نحن الأمم نتبع رسل الله إلينا.
ثالثًا: ما يترتب عليه من المصالح العظيمة، والشيء قد يكون مطلوبًا وإن لم يُنَصَّ على طلبه لما يترتب عليه من المصالح والمنافع العظيمة.
فدليل كونه سُنة من ثلاثة أوجه، أو الاستدلال لكونه سُنة من ثلاثة أوجه: الأول: أمر النبي صلى الله عليه وسلم به، والثاني: أنه من سنن المرسلين، والثالث: ما يترتب عليه من المصالح العظيمة.
وقال بعض العلماء: إنه واجب؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب، ولما يترتب عليه من المصالح العظيمة واندفاع المفاسد الكثيرة، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ولكن لا بد من شرط على هذا القول وهو الاستطاعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قيَّد ذلك بالاستطاعة: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ»، ولأن القاعدة العامة في كل واجب أن من شرطه؟ طالب: الاستطاعة.
الشيخ: الاستطاعة، والقول بالوجوب عندي أقرب، وأن الإنسان الذى له شهوة ويستطيع أن يتزوج فإنه يجب عليه.
قال: (وفعله مع الشهوة أفضل من نوافل العبادة) فعله أي فعل النكاح (مع الشهوة أفضل من نوافل العبادة): وليس أفضل من واجباتها؛ لأن الواجب مقدم على السنة؛ لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضَتْهُ عَلَيْهِ» (3). لكن النوافل هو أفضل منها.
فلو قال قائل: أيهما أفضل، أن أجمع للزواج، أو أن أتصدق بالمال؟ قلنا بالأول، الأفضل الأول.

ولو قال: هل الأفضل أن أتفرغ للصلاة وقراءة القرآن والذكر، أو أن أذهب إلى الأسواق لأطلب الرزق فأتزوج به؟ قلنا بالثاني.
ومثل ذلك أيضًا لو كان عند الإنسان زوجة واشتهى أن يأتي أهله، وقال: هل الأفضل أن أتشاغل بذلك أو بالتهجد؟ قلنا بالأول، أن تتشاغل بذلك؛ لأنه أفضل من نوافل العبادة.
قال: (ويجب النكاح على من يخاف زنا بتركه) عندي (زنا) بالألف، والصواب؟ طالب: بالياء.
الشيخ: أيش الصواب؟ طلبة: بالياء.
الشيخ: بالياء؛ لأنه من زنى يزني، لكن الخطاط لا يعرف القاعدة في من.
(يجب) (على من يخاف زنى بتركه): إذا خاف الإنسان على نفسه أن يزني وجب عليه أن يتزوج؛ لأن درء المفاسد واجب، والزنى مفسدة عظيمة، بل فاحشة كما قال الله عز وجل.
ولكن إذا قال قائل: كيف يتحقق الخوف من الزنى في بلد عفيف نَزِيه؟ الخوف من الزنى إنما يكون في بلد سائح لا يراعي عفة، قد يكون بيوت الدعارة مملوءة، مملوءة بها البلد أو أسواق الدعارة كذلك، هذا صحيح هو اللي من يخاف الزنى، لكن إذا كان في بلد محافِظة عفيفة كيف يخاف الزنى؟ نقول: نعم يخاف الزنى؛ لأن الإنسان إذا اشتهى الأمر فإنه يحاول بقدر المستطاع أن يصل إليه، وقد يكون البلد في ظاهره عفيفًا، لكن في الخفايا بلايا، ولا سيما في وقت كعصرنا هذا، أسباب الشر متوفرة، وسهولة الوصول إلى الشر مُتَيسرة، الشاب يطالع في الصحف أو يطالع في التلفاز ما يُغريه ويُثير شهوته، وكذلك الشابة، وهناك وسائط للاتصال وهو الهاتف، فالبلد في ظاهرها عفيفة لكن في الخفاء قد يحصل البلاء، فهنا إذا خاف الإنسان على نفسه أن يقع في هذه الشبكة وجب عليه أن يتزوج، بشرط أيش؟ طلبة: الاستطاعة.
الشيخ: الاستطاعة نعم.
(يجب على من يخاف زنى بتركه) ثم قال: (ويُسَنُّ نكاحُ واحدةٍ)، انتقل المؤلف رحمه الله من بيان حكم النكاح إلى بيان مَن تُنكَح، مَن الذى يُسَنُّ نكاحُها؟ كَمًّا وكَيْفًا.

أما الكَمُّ فقال: (ويُسَنُّ نكاحُ واحدةٍ) يعني أن يقتصر على واحدة، فلا يتزوج بأكثر؛ لأن تزوجه بأكثر يعرضه لأشياء قد لا يستطيعها، قد يجور بين الزوجتين، وقد ينشغل بطلب المعاش لهما، وقد يحصل بين الزوجتين مشاكل تُتعِبه وتنغص عليه حياته، والواحدةُ أسلمُ له ولها، فلهذا قالوا: يُسَنُّ أن يقتصر على واحدة، وهذا أحد القولين في المسألة.
والقول الثاني: أن التعدد أفضل، لكن بشرط أن يكون عنده قدرة مالية، وقدرة بدنية، وقدرة حُكْمِية، يحكم بينهما بالعدل، فإن لم يكن عنده قدرة مالية فلا يُسَن له أن يتزوج؛ لأنه سوف يضيف إلى نفسه أعباء هو في غنى عنها، والثاني أيش؟ طلبة: قدرة بدنية.
الشيخ: قدرة بدنية، فإذا كان ضعيفًا فكيف يتزوج ثانية؟ إذا تزوج ثانية لا بد أن يعطل إحداهما؛ لأنه ما عنده قدرة، يمكن إذا أتاها مرة يبقى أربعة أيام أو خمسة أيام ما عادت إليه قوته، فهذا لا يمكن أن نقول: يُسَنُّ لك أن تتزوج؛ لأنك تبقى عبئًا على أهلك.
الثالثة: القدرة الحكمية؛ بمعنى أن يكون قادرًا على العدل، لكن بقدر ما يستطيع، وإلى هذا يشير قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 3] أيش؟ طلبة: ﴿فَوَاحِدَةً﴾.
الشيخ: ﴿فَوَاحِدَةً﴾ يعني: فانكحوا واحدة، ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3]؛ يعني من الإماء.
وعلى هذا فنقول: إن القول الثاني أصح من القول الأول؛ لأن مصالح النكاح توجد في النكاح الثاني، إذا زالت الموانع فالمصالح ستوجد، سيكون فيه تحصين فرج المرأة الثانية، والقيام بنفقتها، وتقليل العوانس من النساء، كثرة النسل، وغير ذلك من المصالح، فإذا تمت الشروط الثلاثة فالصواب أنه يُسَن التعدد.
يأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذا.
طالب: الذين قالوا باستحباب النكاح فلا يوجبونه، هل يوجبونه على الأمة كلها إذا تركت بالنكاح؟ الشيخ: ما عندنا أمة إذا تركنا النكاح، إذا تركنا النكاح منين يجينا العيال والأولاد؟

جارٍ التحميل