الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 4045-4084

طالب: طيب يا شيخ أشكلَ علينا قصة المرأة أنها لما أتتْ قالت: إنها (... )، مع أن الحج انتهى يوم عرفة، سألته عن.. الشيخ: هل تحجُّ عنه؟ إي نعم.
الطالب: طيب يا شيخ، هل المقصود القادم.
الشيخ: إي معلوم، ما فيه شك أنَّ المقصود القادم، أمَّا الآن ما يمكن يُجعَل للأب.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، أن رجال الشرطة والمستشفيات يقاسون على أهل السِّقاية والرعاية لتمام القياس، ولكن من المعروف أن المستشفيات موجودة بكثرة في مِنى، وأن رجال الشرطة (... ) يتواجدون في مِنى وغيرها من المناسك، فما هو وجه القياس طالما أنه يعني استُعين.. الشيخ: لا، أحيانًا ما يمكنهم هذا، أحيانًا يكون المصاب يحتاج إلى إسعاف لا يوجد في المستشفيات المؤقتة هذه، فيحتاج الطبيب إلى أنه يذهب معه، وكذلك بالنسبة للشرطة، رجال المرور، رجال الإطفاء.
طالب: شيخ، (... ) الراجح فيمَنْ له عُذرٌ خاصٌّ، هل يُلْحق بـ.. ؟ الشيخ: واللهِ أنا أتوقف فيه، لكن لو قيل بأنَّ مَن له عُذر خاص أنَّه يسقط عنه الدم مع بقاء المبيت واجبًا، لو قيل بذلك لكان له وجهٌ؛ لأنه كالمحصور، ويلتحق بهذا -بالعُذر الخاص- ما يَحصُل لكثيرٍ من الناس الآن؛ يذهب في أول الليل أو بعد العصر إلى مكة ليطوف، فيتأخر في مكة لشدة الزحام في المطاف وفي المسعى ولشدة الزحام في السيارات حتى يأتي في آخِر الليل، فهل نقول: إنه يُجزِئ، أو نقول: إن هذا لم يَبِتْ في الواقع؟ نحن نتسامح في هذه المسألة ونقول: إذا كان الإنسان قد بَذَل الجهد ولكنه لم يتيسَّر له فإنه إذا وصلَ قبل الفجر كفى، وإلا فالواجبُ أن يكون مُعْظم الليل في مِنًى، ولذلك نختار ألَّا ينزل إلى مكة ليطوف في أول الليل أو فيما بعد العصر، بل نقول: إمَّا أن تنزل مبكرًا إلى مكة، وإمَّا أن تجعل نزولك بعد منتصف الليل لتكون قد بِتَّ في مِنى أيش؟ طلبة: مُعْظم الليل.
الشيخ: مُعْظم الليل.
طالب: الرمي قبل الزوال؟ الشيخ: أظن ما وصلناها يا أخي.

طالب: شيخ صرفنا رُكنيَّة المبيت في المزدلفة والأمر بقوله صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، ولم نصرفْ رُكنيَّة الطواف بالبيت؟ الشيخ: نعم، صحيح، هذا وارد إيرادًا تامًّا، أفهمتم ما قال؟ يقول إننا صرفنا القولَ برُكنية المبيت في مزدلفة بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، ولم ندفع القولَ برُكنية طواف الإفاضة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، وهذا إيرادُ فحلٍ جيِّدٍ.
لكنْ يجاب عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا قيل له: إنَّ صفية قد حاضت.
قال أيش؟ طلبة: «أَحَابِسَتُنَا».
الشيخ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ» (12)، فدلَّ ذلك على أنه لا بدَّ منه؛ مِن طواف الإفاضة، وأنه رُكن بكل حال.
طالب: والسعي يا شيخ؟ الشيخ: والسعي كذلك.
طالب: أحسن الله إليك، الذين يقولون: إنَّ المبيت في مِنى سُنَّة، قالوا: إنَّ النبي صلى الله عليه.. الشيخ: سُنَّة، ولَّا في مزدلفة؟ الطالب: لا، المبيت في مِنى يقولون: إنه سُنَّة.
قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّصَ للعباس (9)، وقالوا: لو كان واجبًا لم يرخِّص له ذلك، كيف الجواب عليه؟ الشيخ: فهمتم كلامه؟ يقول: الذين قالوا بأن المبيت في مِنى سُنَّة، وقد قيل به كما قال؛ قالوا: إنَّ الرسول رخَّص للعباس، ولو كان واجبًا لم يرخِّص له.
والذين قالوا بالوجوب استدلُّوا بكلمة (رخَّصَ) وقالوا: إن المستحبَّ مُرخَّصٌ فيه في الواقع؛ لأن الإنسان في سَعَةٍ منه إنْ شاء فَعَل وإن شاء لم يفعل، فالتعبير بـ (رخَّصَ) يدلُّ على الوجوب؛ لأن المستحبَّ الإنسانُ في سعةٍ سواءٌ فَعَله أو لم يفعله، هذا وجْه الدلالة.
وأمَّا كَوْنه رخَّص له ولو كان واجبًا لم يرخِّص له، فيقال: إنَّ المصلحة العامة مقدَّمة على المصلحة الخاصة وهي مصلحة المبيت (... )


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد.

قال رحمه الله تعالى: والمبيتُ لغير أهْلِ السِّقايةِ والرعايةِ بِمِنًى وبمُزدلفةَ إلى بَعْدِ نصفِ اللَّيلِ، والرَّمْيُ، والحِلاقُ، والوداعُ.
والباقي سُنَنٌ.
وأركان العُمرة: إحرامٌ، وطوافٌ، وسَعْيٌ.
وواجباتُها: الحلاقُ، والإحرامُ مِن ميقاتِها.
فمَنْ تَرَكَ الإحرامَ لم ينعقِدْ نُسُكُهُ، ومَنْ تَرَكَ رُكنًا غيرَه أو نيَّتَه لم يتمَّ نُسُكُهُ إلَّا به، ومَنْ تَرَكَ واجبًا فعليه دمٌ، أو سُنَّةً فلا شيءَ عليه.
الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَنْ تبعهم بإحسانٍ إلي يوم الدين.
ما الجواب عمَّنْ قال: إن تقسيم الماهيَّة في العبادة إلى أركانٍ وشروطٍ وواجباتٍ من البدع؛ لأنها لم تكن معروفةً في عهد الرسول؟ طالب: أحسن الله إليك، الجواب عن هذا أن نقول: إن هذا تقريبٌ للعلم، وقد جاءت السُّنة أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يأتي بأحاديث يقول: «ثَلَاثَةٌ»، ويقول: «سَبْعَةٌ»، وما أشبهَ ذلك للتقريب الذهني (... ). الشيخ: نعم، الجواب أنَّ هذا ليس من باب التعبُّد بذلك، ولكن من باب تقريب العلم، وقد جاء نظيره في السُّنة.
طيب، أركان الحجِّ كم؟ طالب: أربعة.
الشيخ: ما هي؟ الطالب: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة؛ طواف الإفاضة.
الشيخ: نعم، والسعي.
الطالب: والسعي.
الشيخ: طيب، أربعة.
ما هو الإحرام؟ طالب: نيَّة الدخول في النُّسُك.
الشيخ: نيَّة الدخول في النُّسُك، أو نيَّة النُّسُك؟ الطالب: نيَّة الدخول في النُّسُك.
الشيخ: أو نيَّة النُّسُك؟ أجِبْ، نعم ولَّا لا؟ طالب: هو نيَّة النُّسُك.
طلبة: نيَّة النُّسُك.
طالب: (نيَّة النُّسُك) لا يصح.
الشيخ: لماذا؟ ما الفرق بين نيَّة الدخول ونيَّة النُّسُك؟ الطالب: الإنسان ينوي أن يؤدي النُّسُك منذ سنوات، ولكن الإحرام الذي ينوي.. الشيخ: ينوي الدخولَ فيه فِعْلًا.
الطالب: نعم.

الشيخ: طيب، كما نحن الآن ننوي إنْ شاء الله أن نُصَلِّي العِشاء الآخِرة، لكن هل نيَّتُنا هذه نيَّةُ الدخول في الصلاة؟ لا.
ما هو الدليل على أن الإحرام رُكن؟ طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (3). الشيخ: وعلى أن الوقوف ركن؟ طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
الشيخ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
الطالب: وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.
الشيخ: نعم، وعلى أن الطواف ركن؟ طالب: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
الشيخ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
طيب، فيه دليل من السُّنة؟ طالب: فِعْل النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (10). الشيخ: ما يكفي.
الطالب: في الطواف؟ الشيخ: نعم، أن طوافَ الإفاضةِ ركنٌ لا يتمُّ الحجُّ إلا به؟ الطالب: نعم، لحديث صفية.
الشيخ: صفية.
الطالب: عندما حاضتْ.
الشيخ: حين حاضتْ.
الطالب: فقال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ».
الشيخ: فقال «أَحَابِسَتُنَا هِيَ» (12)، تمام.
السعي، الدليل على أنه رُكن؟ طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158]. الشيخ: بس هذا يقول: ﴿مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾.
طالب: مِن باب رفْعِ الحرج عنهم؛ لأنهم كانوا يتحرَّجون من أُناسٍ بين الصفا والمروة؛ لأنه كان في الجاهلية صنمانِ على الصفا والمروة، ونزلت الآية للإباحةِ لهم بالخارج وأنه لا حرجَ عليهم.

الشيخ: نعم، أحسنت، صار نَفْي الحرجِ ليزول تَحَرُّجهم من الطواف بهما من أجْل أنه كان فيهما صنمانِ في الجاهلية، طيب.
طالب: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ».
الشيخ: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» (5)، تمام.


طيب، انتهينا من الكلام عن الأركان أظن.
طالب: نعم.
الشيخ: الواجبات، أخذْنا كلمةً واحدةً منها.
طالب: اثنتين.
طالب آخر: ثلاث.
الشيخ: نعم، طيب، أولًا: ما هو الدليل على أن الإحرامَ من الميقات المعتبَر واجبٌ؟ طالب: توقيف الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه المواقيت، وقوله: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ» (13). الشيخ: لكن هذا يدلُّ على الوجوب! أظن ما ذكرناها لكم، نبدأ من الآن.
بسم الله الرحمن الرحيم (واجباتُه: الإحرام من الميقات).
(واجباتُه) أي: واجبات الحج (الإحرامُ من الميقات المعتبر له).
قلنا: لو عبَّر المؤلف فقال: أن يكون الإحرامُ من الميقات.
لأنه إذا قال: الإحرامُ من الميقات، فقد يظنَّ الظانُّ أن الإحرامَ أيضًا من الواجبات، وليس كذلك، الإحرامُ من الأركان، لكن الواجب أنْ يكون الإحرامُ من الميقات المعتبَر له.
والمواقيت كما عرفتم سابقًا خمسةٌ؛ المعيَّنة، وما دون ذلك فمِن حيثُ أَنْشأ، دليل ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» (14)، وهذا خبرٌ بمعنى الأمر، والدليلُ على أنه بمعنى الأمر لفظٌ آخَرُ عن ابن عمر في هذا؛ قال: فَرَضهُنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، لأهل المدينةِ ذو الحليفة.
(فَرَضَهُنَّ)، والفرض يقتضي الوجوب، صار الدليل على هذا حديث ابن عمر؛ حيث وردَ بلفظ «يُهِلُّ» وهو خبرٌ بمعنى الأمر، وبلفظ (فَرَضَهُنَّ) والفرضُ بمعنى الوجوب.

الثاني: (الوقوفُ بعرفة إلى الغروب)، وذكرنا دليله بالأمس في الدرس الماضي؛ أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم وَقَفَ بعرفةَ ولم يدفع حتى غاب القُرص (15)، وكَوْنه يختار هذا الوقتَ الذي هو أشدُّ وأشقُّ على الناس مما لو كان الدفعُ قبل الغروب يدلُّ على أيش؟ وجوبه، هذا واحد.
ثانيًا: كونه بادَرَ بالدفع قبل أن يصلِّي المغربَ يدلُّ على أنه ينتظر غروب الشمسِ بفارغ الصبر، ولهذا من حين غربتْ دَفَع.
فيه ثالث: أنه لو تقدَّم ودَفَع قبل الغروب لشابَهَ أهلَ الجاهلية، والتشبُّه بالكفار -ولا سِيَّما في الشعائر الدينية- مُحَرَّمٌ.
طيب (الوقوف بعرفة إلى الغروب).
وبهذا نُجيب عن حديث عروة بن مُضَرِّس: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» (7)، فيقال: قوله: «أَوْ نَهَارًا» مُطْلَق، فيُحمل على أنه إذا وقف نهارًا يجب أن ينتظر حتى تغرب الشمسُ؛ لأن المطلق يحكم عليه المقيَّد.
الثالث من الواجبات قال: (والمبيتُ لغير أهْلِ السِّقايةِ والرعايةِ بِمِنًى وبِمزدلفةَ إلى نصف الليل).
مزدلفة تكلَّمنا عليها أيضًا، وبيَّنَّا أن للعلماء فيه ثلاثة أقوال: الرُّكنيَّةُ والوجوبُ والسُّنيَّة، وأنَّ أَعْدلَ الأقوالِ وأقربَها أنه واجبٌ وليس برُكن، وبيَّنَّا الدليلَ لذلك وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
وأَوْرد علينا بعضُ الإخوة أننا إذا أخذْنا بهذا الاستدلال لَزِمَ من ذلك ألَّا يكون الطوافُ رُكْنًا؛ لأنه بعد عرفة، وأجبْنا عن ذلك بأيش؟ طلبة: حديث صفية.
الشيخ: بحديث صفية؛ فإنه يدلُّ على أن الطواف ركنٌ.

وقول المؤلف: (لغير أهْلِ السِّقايةِ والرعايةِ) يُفهم منه أنَّ أهل السِّقايةِ والرعايةِ يجوز لهم تَرْك المبيت بمزدلفة، ولا أعلمُ لهذا دليلًا من السُّنة أنَّ الناس يسقون ليلة المزدلفة، ولا أنَّ الرُّعاة يذهبون بالإبل ليلة المزدلفة؛ أولًا: الرُّعاة لا حاجةَ لهم إلى الرَّعي في ليلة المزدلفة، بل الرواحلُ عند مَن؟ عند الناس؛ لأنهم سيرتحلون، فكيف تذهب ترعى في الليل، هُم جاءوا بها من عرفة وأناخُوها في مزدلفة، وستبقى تنتظر ارتحالَهم في صباح تلك الليلة، هل في هذا حاجةٌ للرُّعاة؟ لا.
السُّقاة أيضًا؛ أليس الناس يذهبون إلى مكة يشربون ماء زمزم قبل أنْ يستوطنوا في مِنى؟ ! فاستثناء السُّقاةِ والرعاةِ من المبيت أو من وجوب المبيتِ في مزدلفة فيه نَظَرٌ ظاهرٌ؛ أولًا: لعدم ورود السُّنة به، والثاني: أنه لا حاجةَ لذلك.
لكنْ قد يقول قائل: ما رأيكم في جنود المرور، جنود الإطفاء، الأطباء، الممرضين، هل ترخِّصون لهم؟ نقول: لا، لا نُرخِّص؛ لأن المبيت في مزدلفة أَوْكد من المبيت في مِنًى بكثير؛ فإن مِنًى لم يقُل أحدٌ من العلماء: إن المبيت بها ركنٌ من أركان الحج، ومزدلفة قال به بعض العلماء، وهو قولٌ قويٌّ كما عرفتم، إلَّا أنَّ أقوى منه أنه واجبٌ وليس برُكن، وعلى هذا فلا بدَّ من المبيت في مزدلفة.
ثم يُفرَّق بينه وبين ليالي مِنًى أنه ليلةٌ واحدةٌ، أو بعضُ ليلةٍ للإنسان الذي يحتاج إلى الدفع مبكرًا في آخِر الليل؛ يعني لا يقضي ليلَه كلَّه، فلا يصح قياسُه على ليالي مِنًى.
قال المؤلف: (بِمِنًى).
هذا الرابع ولَّا الخامس؟ طلبة: الرابع.
الشيخ: كَوْن الإحرام من الميقات، استمرارُ الوقوف إلى الغروب بعرفة، المبيتُ بمزدلفة، الرابع: المبيت بِمِنى.

وهُنا يُشكِل على بعض الإخوة يقول: المبيت بِمِنى، لازم أَبِيت وأضطجع.
وقد بيَّنَّا فيما سبق أنَّ ذلك ليس بلازم وأنَّ المراد بالمبيت الْمُكْثُ في مزدلفة ليلةَ العيدِ سواءٌ باتَ أو صارَ يقظانًا، لكن المبيت كما سبق.. يعني النوم أفضل من إحيائها بقراءةٍ أو بحثٍ في علمٍ أو تهجُّدٍ اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد أَثَرْنا -وكنا نتكلم على صفة الحج- مسألةَ الوتر في تلك الليلة وقُلنا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان لا يَدَعُ الوتر حَضَرًا ولا سَفَرًا، وهذا عامٌّ يشمل حتى ليلة العيد في مزدلفة.
وأَوْرد علينا بعض الناس أو أوردْناه نحن على أنفسنا حديث جابر: ثم اضْطَجَعَ حتى طَلَعَ الفَجْر (15)، وقُلنا: إن هذا مَبْلغ علم جابر، هذا مَبْلغ علمِه، وإلَّا فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعثَ أهْلَه من مزدلفة بِلَيْلٍ (16)، وهذا يقتضي أن يكون في آخِر الليل مستيقظًا، بعثَ أهْلَه، فعلى هذا نقول: إن الوتر في تلك الليلة كغيرها من الليالي مشروعٌ، لكن التهجُّد وإحياء الليلة غير مشروع.
(المبيتُ لغير أهلِ السِّقايةِ والرعايةِ بِمِنًى).
المبيت في مِنى -وهو الواجب الرابع- ذكرْنا دليلَه في الدرس الماضي، ما هو؟ أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخَّصَ لعمِّه العباسِ بن عبد المطلب أنْ يبيتَ في مكة من أجْلِ سِقايتهم (9)، قالوا: والترخيص لا يكون إلا في مقابل العزيمة، نعم، ولأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام باتَ في مِنى لياليَ أيامِ التشريقِ وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».
طيب في هذه العصور الأخيرة صار إشكالٌ بالنسبة للمبيت بِمِنى، وهو أن الناس لا يجدون مكانًا، فماذا يصنعون؟ نقول: ينزلون عند آخِر خيمةٍ من خيام أهل مِنى؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

فإن قال قائل: لماذا لا تجعلون هذا من جنس الحصْرِ، والحصْرُ عن الواجب فيه دمٌ كما قاله الفقهاء؟ قلنا: لأن المكان هنا ممتلئٌ، فلا مكانَ أصلًا، أمَّا الحصْرُ فالمكانُ باقٍ لكنْ يُمنع منه، أمَّا هُنا فلا مكانَ، وهو مِثْل قطعِ اليدِ، يسقطُ غسلُها في الوضوء أو تُغسَل العضدُ بدلَ الذراع؟ أجيبوا.
طلبة: يسقط.
الشيخ: يسقط، فلهذا نرى أنه يسقط المبيتُ في هذه الحال، وأنَّ الإنسان يجب أن يكون عند آخِر خيمةٍ.
أمَّا فِعْل بعض الناس؛ كَوْنه إذا لم يجد مكانًا في مِنى ذهبَ إلى مكة أو إلى الطائف أو ما أشبه ذلك وقال: ما دام سقطَ أو لم نجدْ مكانًا في مِنى فلْنَبِتْ حيث شِئنا.
فإنَّ هذا ليس بصحيح، هذا غير صحيح؛ لأننا نقول: إنَّ المسجد إذا امتلأ وجبَ اتصال الصفوفِ، وجبَ أنْ يكون الناس صفوفًا متَّصلة، ولا تصِحُّ الصلاةُ من بعيدٍ، فهذا كذلك، نقول: يجب عليك أن تكون عند آخِر خيمةٍ في مِنى.
وإذا سألَنا سائلٌ: هل يجب أنْ أكون عند آخِر خيمةٍ في الجهة البُعدى من مكة أو في أي جهة؟ الجواب: في أيِّ جهةٍ، وعلى هذا فيصِحُّ أن تكون في الجهة التي تلي مكة من وراء جمرة العقبة، ولا حرجَ عليه ما دامت الخيام متَّصلة.
وقول المؤلف: (إلى بعد نصفِ الليل) هذا منتهى وجوب المبيت على المشهور من المذهب؛ (إلى بعد نصفِ الليل)، فإذا انتصفَ الليلُ في مزدلفة انتهى الوجوب فلَكَ أن تدفع، ولا فرقَ بين العاجز والقادر، فمنتهى الواجبِ انتصافُ الليل مِن متى؟ مِن غروب الشمس إلى طلوع الفجر، أو إلى طلوع الشمس؟ أيُّهما أحوط؟ طالب: الفجر.
طالب آخر: الشمس.
الشيخ: الأحوط الشمس؛ لأنه أطول، أليس كذلك؟ يزيد ساعة ونصف تقريبًا، فنقول: انتظِر زيادة ساعة إلا ربع على انتصاف الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فالأحوط إذَن اعتباره بطلوع الشمس، وبعد ذلك لك الدفع.

ولكن القول الصحيح أنَّ الدفع إنما يكون في آخِر الليل كما سبق، وكانتْ أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنها تنتظر غروب القمر، فإذا غاب دفعَتْ، ثم ذهبَتْ إلى مِنًى ورَمَتْ، ثم عادتْ إلى مكانها في مِنًى وصلَّت الفجر (17). والمعتبر في ليالي مِني خاصَّة؛ لأنه ما فيها نص، المعتبر أنْ تبقى فيها مُعْظم الليل من أوله أو وسطه أو آخِره، فإذا قدَّرْنا أن الليل اثنتا عشرة ساعة، كمْ مُعْظمه؟ طلبة: سبع.
الشيخ: سبع ساعات من أوله أو وسطه أو آخِره، المهمُّ أنْ تبقى مُعْظم الليل.
الخامس: (الرَّمْي) أي: رَمْي الجِمار؛ في يوم العيد جمرة واحدة، وفي الأيام الثلاثة التي بعد العيد ثلاث جمرات، ولا بدَّ أن تكون مرتَّبةً، وسبق شروط ذلك في صفة الحج، لكن الرمي من الواجبات.
الدليل على أنَّ الرمي من واجبات الحج أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرمي: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» (18)، وقوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ» (19)، وقوله: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، ولأنه عَمَلٌ يترتَّب عليه الحِلُّ، فكان واجبًا ليكون فاصلًا بين الحِلِّ والإحرام.
ولا بدَّ في الرمي أن يكون مرتَّبًا، ولا بدَّ أن يكون بحجرٍ، ولا بدَّ أن يكون بسبعِ حصياتٍ، وسبق الكلام على هذا مُفَصَّلًا في صفة الحجِّ فلا حاجة لإعادته.
(والحِلاق) الحِلاق يعني الحلْق، وينوب عنه التقصير، ولهذا قال المؤلف في الشرح: (أو التقصير)، فهذه سبعة واجبات.
طالب: ستة.
الشيخ: ستة ولا سبعة؟ طلبة: ستة.
الشيخ: لا، نعُدُّ، ما فيه مانع؛ الإحرام من الميقات، الوقوف بعرفة، المبيت بمزدلفة، المبيت في مِنى، الرمي، الحِلاق، هذه ستة.
السابع: قال المؤلف: (والوداع) يعني طواف الوداع.
طالب: دليلُ الحلق.

الشيخ: نعم، دليل الحلْق فِعْل النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وأن الله تعالى جعله وصفًا في الحج والعُمرة فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: 27] قال العلماء: وإذا عبِّرَ بِجُزءٍ من العبادة عن العبادة كان دليلًا على وجوبه فيها.
إذا عبر عن العبادة بجزءٍ مما فيها كان ذلك دليلًا على أنه واجب.
(الوداع) وهو الطواف بالبيت فقط بدون سعيٍ وبدون إحرام، وهو من واجبات الحج، هكذا عدَّهُ المؤلف وكثيرٌ من العلماء.
والصحيح أنه ليس من واجبات الحج؛ لأنه لو كان من واجبات الحج لَوجبَ على المقيم والمسافر، وهو لا يجب على المقيم في مكة، وإنما يجب على مَن؟ على مَن سافر، وعلى هذا فلا يتوجَّه عَدُّهُ من واجبات الحج، إذْ إنَّ واجبات الحج لا بدَّ أن تكون واجبةً على كلِّ مَن حجَّ.
لكن قد يقول قائل: إنه واجبٌ مقيَّدٌ بالخروج، ولا مانع من أن نُقيِّد بعض الواجبات بقيدٍ فيكون واجبًا على مَن أراد الخروج من مكة، ودليل هذا حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: أُمِرَ الناسُ أنْ يكون آخِرُ عهدهم بالبيت، إلَّا أنه خُفِّفَ عن الحائض (20). وهذا الأمر للوجوب، ودليل كَوْنه للوجوب قوله: إلَّا أنه خُفِّفَ عن الحائض.
لأنه لو كان للاستحباب لَكان؟ أجيبوا.
الطلبة: (... ). الشيخ: لَكان مُخَفَّفًا على كلِّ أحد؛ لأن المستحبَّ يجوز تَرْكه، ولقوله أيضًا في اللفظ الآخَر: «لَا يَنْصَرِفْ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (21). (والباقي) الباقي منين؟ الباقي من أقوال الحج وأفعاله (سُنَنٌ).
وسيأتي حُكم كلًّ من الركن والواجب والسُّنة.


ثم قال: (وأركان العُمرة: إحرامٌ، وطوافٌ، وسَعْيٌ).
والإحرام: نيَّة الدخولِ في العُمرة، والطواف معروف، والسعي معروف.
(وواجباتُها: الحِلاق، والإحرام من ميقاتها).

فصار أركان العُمرة ثلاثة، وواجباتها اثنان.
(... )


طالب: المعروف أن حدود مِنى سَفْح الجبال من جهة مِنى.
الشيخ: إي، سفوح الجبال من جهة مِنى، من مِنى.
الطالب: شيخ بعض الناس يكون مثلا (... )؟ الشيخ: لا، ما يجوز هذا، إلا إذا كان معه نساء، يمكن اللي معه نساء يَصْعب عليه أنْ يسكن في الجبل.
الطالب: (... ). الشيخ: إي، لكن يصعب عليه سُكنى الجبل، يجيء بحريم وأطفال ويُصعِّدهم الجبل! صَعْب.
الطالب: (... )؟ الشيخ: يجب عليه أنْ يبيت فيها، يضرب خيمته هناك.


طالب: (... ). الشيخ: (... ) الآية ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 198]. الطالب: (... ). الشيخ: لا، أجبنا عنها؛ قلنا لكم: أن يكون المراد بها لا تَقِفوا في هذا، لا تَقِفوا في المشعر الحرام كما كنتم تقفون في الجاهلية، ولكنْ إذا أفضتم من عرفات فقِفُوا به، فيكون في الآية بيانُ وقتِ الوقوف في مزدلفة أنَّه بعد الإفاضة من عرفة؛ ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: 198، 199]. كانت قريش في الجاهلية لا يقفون في عرفة؛ يوم عرفة ما يقفون في عرفة، لماذا؟ يقولون: نحن أهلُ الحرم فلا نقف في الحِلِّ، وعرفة من الحِلِّ، فقال الله تعالى: ﴿إِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾؛ يعني اجعلوا وقوفكم عند المشعر الحرام بعد أن تُفيضوا من عرفة، فيكون في الآية الكريمة بيانُ ترتيب وقت الوقوف في مزدلفة.
طالب: شيخ، قُلنا: إن الراجح يا شيخ جواز الدفع من مزدلفة في آخِر الليل.
لو أن إنسانًا أتى قبل آخِر الليل بقليل؛ بدقائق، هل يجوز الانتهاء أو يستمر حتى طلوع الفجر؟

الشيخ: لا بأس إذا جاء، لكن ينبغي أن يستقر قليلًا، وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا كان في آخِر الليل بعثَ أهْلَه فوقفوا عند المشعر الحرام وذكروا الله ثم انصرفوا (22). طالب: في مِنى يكون إذَن الشوارع يكون فيها فراغ.
الشيخ: إيش؟ الطالب: يكون في (... ) الشوارع في مِنى يكون فيها فراغ، فهل لإنسانٍ ليس معه نساء ويستطيع أن (... ) بأن يأتي بفِراشه وينام على الرصيف؟ الشيخ: أين متاعه؟ الطالب: خارج مِنى.
الشيخ: لا، يبقى في متاعه، لا بأس؛ لأنه مشقَّة عليه أنه يجيء بـ (... ) في فراشه وينام في الشوارع، مشقَّة عليه، ولا ينام نومًا هادئًا.


طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: فمَنْ تَرَكَ الإحرامَ لم ينعقِدْ نُسُكُهُ، ومَنْ تَرَكَ رُكنًا غيرَه أو نيَّتَه لم يتمَّ نُسُكُهُ إلَّا به، ومَنْ تَرَكَ واجبًا فعليه دمٌ، أو سُنَّةً فلا شيءَ عليه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
سبق لنا ذِكْر الواجبات في الحج، فلْنُعِدها الآن.
طالب: الإحرام من الميقات.
الشيخ: نعم.
الطالب: الوقوف بعرفة إلى الغروب.
الشيخ: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الغروب.
الطالب: والمبيت بمزدلفة.
الشيخ: والمبيت بمزدلفة إلى ما بعد نصف الليل.
الطالب: المبيت في مِنى.
الشيخ: المبيت بِمِنى إلى ما بعد نصف الليل.
الطالب: وطواف الزيارة.
الشيخ: طواف الزيارة! الطالب: وطواف الوداع.
الشيخ: وطواف الوداع.
وغيره؟ الطالب: والحِلاق.
الشيخ: الحلق أو التقصير.
الطالب: والرمي.
الشيخ: ورمي الجمرات، سبعة.
طيب، أركان العمرة؟ طالب: أركان العمرة ثلاثة.
الشيخ: وهي؟ الطالب: الإحرام، والطواف، والسعي.
الشيخ: نعم، وواجباتها؟ طالب: اثنان: الإحرام من ميقاتها، والحِلاق؛ والحلق أو التقصير.
الشيخ: والحلق أو التقصير.
طيب وأظن وقفْنا على هذا.
طالب: نعم.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
ذَكَر المؤلف رحمه الله أنَّ واجبات العمرة اثنان: كَوْن الإحرام من الميقات، والثاني: الحلق أو التقصير.
ولم يذكر طوافَ الوداعِ، فظاهر كلامه أنه لا يجب لها طوافُ وداعٍ؛ لأن عدم الذِّكْر في سياق البيان يدلُّ على أنه لا عبرة به، وعلى هذا فيكون طواف الوداع في العمرة ليس بواجبٍ على المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.
وهذه المسألة فيها خلافٌ؛ فمِن أهل العلم من يقول: إن العمرة يجب لها طوافُ وداعٍ.
ومنهم مَن يقول: لا يجب، ولكنه سُنَّة.
ولم نعلم أن أحدًا من الناس قال: إن طواف الوداع للعُمرة بدعة.
فالأقوال فيها منحصرة في قولينِ: إمَّا أنه واجبٌ وإمَّا أنه سُنَّة، والراجح عندي أنه واجبٌ؛ أنه يجب على المعتمر أنْ يطوف للوداع كما يجب على الحاجِّ؛ لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَنْفِرْ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (21). فإنْ قال قائل: هذا القول قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجَّة الوداع في الحجِّ، ولم يقُلْه في العُمرة.
قُلنا: نعم، نُسَلِّم ذلك، ولكن لأنه لم يوجبه الله إلا في ذلك الوقت، وما قبل ذلك فهو لم يجبْ أصلًا، والشرع كما نعلم يتجدَّد، تجبُ الشرائع متجدِّدة؛ فقد يجب في هذا الوقتِ ما لم يكنْ واجبًا مِن قَبْل.

ونقول أيضًا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال ليعلى بن أُمَيَّة: «اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ» (23)، وهذا العموم يشمل؛ كل ما يُفعل في الحجِّ يُفعل في العمرة إلا ما قام النصُّ أو الإجماعُ على أنه مستثنى؛ كالوقوف بعرفة، والمبيتِ بمزدلفة أو بِمِنى، ورمْيِ الجمار، هذا مستثنى بالإجماع، وإلَّا فالأصل مشاركة العمرةِ للحجِّ في أفعاله، ويؤيد ذلك -أنَّ هذا هو الأصل- أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم سَمَّاها في حديث عمرو بن حزمٍ الذي تلقَّته الأُمَّة بالقبول، سَمَّاها: الحج الأصغر؛ قال: «الْعُمْرَةُ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ» (24)، فسمَّاها حجًّا، وإذا سُمِّيت باسمه فالأصل موافقتُها له في الأحكام إلا ما استُثنِي.
ولكنْ لو أنَّ أحدًا قدمَ مكة وطافَ وسعى وقصَّرَ وانصرفَ، خرج؛ فإنَّ هذا يُجزئه عن طواف الوداع كما ذَكَر ذلك البخاري في صحيحه بأنَّ المعتمِر إذا طافَ وسعى فإنه يكفيه عن طواف الوداع، لا يُقال: إن هذا لم يكنْ آخر عهده بالبيت.
نقول في الجواب: لأن السعي تابعٌ للطواف، ولهذا ذكر الفقهاء أنه لو أخَّر طواف الإفاضة فطافه عند الوداع وسَعَى فإنه يُجزِئه، ولم يعتبروا هذا السعي فاصلًا؛ لأنه يَثْبت في الأتباع ما لا يَثْبت في الاستقلال، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام طافَ للوداع في حجَّة الوداع، وبعد أنْ طافَ صلَّى الفجر ثم انصرف؛ لأن الفصل يسيرٌ، وإنْ كانت هذه الصلاة فيما يَظهر ليستْ تابعةً للطواف؛ بمعنى أنَّ الرسول لم يَنْوِ بها أنها عن صلاة الركعتينِ بعد الطواف، فهذا هو الذي نراه.
وعلى كلِّ حالٍ إذا طافَ الإنسانُ فإنه مُثَابٌ على القولينِ جميعًا، لكن إذا تَرَك فهلْ يأثم أو لا؟ ينبني على القول بالوجوب أو عَدَمه؛ إنْ قُلنا بالوجوب فهو آثِمٌ، وإلَّا فليس بآثِم.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فمَنْ تَرَكَ الإحرامَ لَمْ ينعقِدْ نُسُكُهُ).

ما معنى (تَرَك الإحرام)؟ يعني مَن لم يلبس الثياب؛ مَن لم يلبس الإزار والرداء؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، (مَن تَرَكَ الإحرامَ) يعني النيَّة؛ أي: نيَّة الدخول في النُّسُك، فإنَّه لا ينعقد نُسُكه، حتى لو طافَ وسعى فإنَّ هذا العمل لاغٍ؛ كما لو تَرَك تكبيرةَ الإحرام في الصلاة، لو تَرَكها وأتمَّ الصلاة بالقراءة والركوع والسجود والقيام والقعود لكنَّه لم يُكَبِّر للإحرام فصلاتُه لاغية لم تنعقِدْ أصلًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (3) وهذا الرجل لم يَنْوِ الدخولَ في النُّسُك فلا يكون داخلًا فيه.
ولكن تصوير هذه المسألة قد يكون صعبًا يا جماعة؛ كيف نقول لرجلٍ اغتسَلَ عند الميقات في الميقات، ولبس ثيابَ الإحرامِ، وصلَّى ركعتينِ، ولَبَّى، ونقول: إنه لم يَنْوِ؟ ! هذا من أَبْعَدِ البعيدِ، لكن المسألة فرضية؛ إذا قُدِّر أنَّ شخصًا فَعَلَ جميع ما يتعلَّق بالنُّسُك إلَّا أنَّه لم يَنْوِ فإنَّه لا ينعقد نُسُكه، وكلُّ أفعاله ذهبتْ هَدَرًا، وإلَّا من المعلوم أنَّ الإنسان إذا فَعَلَ أفعالَ العبادةِ لا بُدَّ أنْ يكون قد نواها.
وذكروا عن ابن عَقيل -عليِّ بن عَقيل، مِن أصحاب الإمام أحمد؛ يعني مِن أتباعه- أنَّ رجُلًا جاءه وقال له: يا سيدي، تُصيبني الجنابةُ، فأذهبُ إلى دِجلة فأغتسل؛ أنغمِسُ فيها ثم أخرج، وأرى أني لم أكنْ يرتفع حَدَثي.
فقال له ابن عقيل: لا تُصَلِّ.
قال: لا أُصلي! سبحان الله! أنا ما اغتسلتُ إلا للصلاة.
قال: لا تُصَلِّ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» (25)، وأنت مجنون؛ تذهب وتخلع ثيابك وتنغمس في الماء ثم تقول: ما نويتُ.
هذا معقول؟ ! ليس بمعقول.

فالظاهر أن الرجُل انتقد نفْسَه، عرف أنه أخطأ خِطْئًا كبيرًا، ولهذا قال الموفَّق رحمه الله في كتابه ذم الموسوسين أو الرد على الموسوسين قال: إن بعض العلماء قال: لو كَلَّفَنا اللهُ عملًا بلا نيَّةٍ لكان مِن تكليف ما لا يُطاق.
صحيح هذا؟ طالب: ما هو صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لو قيل لك: تَوَضَّأ، لكن (... ) تنوي الوضوء، صلِّ ولكنْ لا تَنْوِ الصلاة.
ما يُمْكن.
صحيحٌ أنَّ الإنسان قد يغيب عنه التعيين، ما هو نيَّة الفِعل، هو ينوي الفِعل، لكنْ يغيب عنه التعيين؛ يجيء يصلي، يدخل المسجد مَثَلًا لصلاة الظهر ثم يُكَبِّر ويصلِّي، لكنْ يغيب عن ذهنه أنه نوى الظهر مَثَلًا، لكنْ في نيَّته أنه نوى فَرْض الوقت، ما فيه إشكال، ما نوى صلاة الضحى، نوى فَرْض الوقتِ، إلا أنه غاب عن قَلْبه تعيينُ الصلاة، فهل يُجزِئ أو لا؟ قال بعض العلماء: لا تُجزئه الصلاةُ؛ لأنه لا بدَّ من التعيين.
وقال أحد أصحاب الإمام أحمد وهو ابن شاقِلَّا -رحمه الله- قال: إنه يكفيه أن ينوي فَرْضَ الوقتِ.
وهذا -والحمد لله- فيه سَعَةٌ للناس؛ لأنه كثيرًا ما يأتي الإنسان ويصلِّي -لا سِيَّما إذا كان الإمامُ راكعًا- فإنه يأتي بسرعةٍ وقد لا ينوي التعيين، لكنْ لو سألتَهُ: ماذا نويتَ؟ قال: نويتُ أؤدِّي الفرض.
ما فيه إشكال.
يقول: (ومَنْ تَرَكَ رُكنًا غيرَه لم يتمَّ نُسُكُهُ إلَّا به).
(مَنْ تَرَك رُكنًا غيرَه) أي: غير الإحرام (لم يتمَّ نُسُكه إلا به) لو تَرَك الطواف؛ نسي ولم يطُفْ طوافَ الإفاضة، نقول: إلى الآن لم يتمَّ حجُّك، لا بدَّ أن تطوف.
فإنْ كان الركن مما يفوت فالحجُّ لاغٍ؛ كما لو تَرَك الوقوفَ بعرفة حتى خرج فجر يوم العيد، فإنَّ الحجَّ انتهى، ما عاد يُمْكنه الآن.

لو قال: أقِفُ يوم العيد أقضي، وأنا أسعدُ بالدليل منكم؛ أنا ناسٍ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (26)، وأيُّما أَوْكَد الصلاة أو الحج؟ نقول له.
طلبة: الصلاة.
الشيخ: الصلاة.
قال: إذَنْ نسيت أن اليوم تسعة، فأقف يوم عشرة.
قلنا: لا يُجزئ.
قال: هذا قياسٌ صحيحٌ، أنتم الآن أقررتم بأن الصلاة أَوْكد، فإذا كان يصح قضاءُ الصلاة فلْيصِحَّ قضاءُ الوقوف بعرفة.
ماذا نقول له؟ نقول: هذا قياسٌ فاسدُ الاعتبارِ؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ أَتَى لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ الصُّبْحِ فَقَدْ أَدْرَكَ» (4)، مفهومه: مَن أتى بعد الصبح فإنه لم يُدركْ.
وهذا نصٌّ، فلا يُقاس مع وجود النص، إذنْ (مَنْ تَرَك رُكنًا لم يتمَّ نُسُكُهُ إلا به)، لكن إنْ كان الركن يفوت، ولا يصح التمثيل إلَّا بالوقوف فقط، فإنه في هذه الحال أيش؟ يفوته الحجُّ، وسيأتينا إن شاء الله باب الفوات والإحصار.
طيب، وقوله: (أو نِيَّتَهُ)، ما هو الركن الذي يُشترط له نيَّة؟ هو الطواف والسعي، أمَّا الوقوف عند الفقهاء فإنه لا يُشترط له النية، والطوافُ والسعيُ تشترط له النية.
والصحيح أن الطواف والسعي لا تُشترط له النية؛ لأن الطواف والسعي جزءٌ من عبادةٍ مكوَّنةٍ من أجزاء، فتكفي النية في أولها كالصلاة؛ بدليل أنَّ المصلِّي هل يُشترط أن ينوي الركوع؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: ولا السجود، ولا القيام، ولا القعود، فليس الطوافُ شيئًا مستقلًّا، الطواف رُكنٌ في عبادةٍ فلا تُشترط له النية كأيش؟ كالركوع في الصلاة.

ويقال أيضًا: إذا كنتم لا تشترطون النيةَ في الوقوف وهو أعظم أركانِ الحجِّ، حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، فما مِثْلُه أو دونه مِن باب أَوْلى.
وهذا القول هو الذي رجَّحه الشنقيطي في تفسيره، وهو الصواب، وفيه مصلحةٌ للناس؛ لأن كثيرًا من الناس عند الطواف لو سألتَهُ: ماذا نويتَ بالطواف؟ قال: نويتُ الطواف، ولا على بالي أنه للحج أو للعمرة، لكنْ أنا متلبِّس بالحج.
علي رأي مَن يشترط النية يقول: طوافُه غير صحيح.
وعلى هذا القول الثاني طوافه صحيح، وهو الصحيح.
طيب، إذَنْ نحذف كلمة: (أو نِيَّتَهُ)، لأنه ليس فيه ركن تُشترط فيه النية إلا أيش؟ الطواف والسعي.
الإحرام هو نيَّة النُّسُك، وسبق أنه لا ينعقد النُّسُك بفواته، والوقوف يقول: لا يُشترط له نيَّة.
بقي الطوافُ والسعيُ، والصحيح أنه لا تُشترط لهما نيَّة؛ أي: نيَّة التعيين، وإلَّا (... ) ما جاء يطوف إلا ينوي.
نعم (لم يتمَّ نُسُكُه إلا به).
يعني إذَن الذي لا يُشترط نيَّة التعيينِ أنَّه طوافٌ للحج، أمَّا نيَّة الطواف فلا بدَّ منها؛ لأنه لا بدَّ من أن ينوي الطواف، لكنْ كَوْنه للحج ما هو شرط؛ لو طافَ ولا على قلبه نيَّة أنه للحج أو للعمرة فطوافه صحيح، أمَّا لو أنه حُمِل غصبًا عليه وطِيفَ به وهو لا ينوي، هل يصِحُّ طوافه؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: هذا لا يصح، معلوم؛ لأنه ما نوى.
يقول: (لم يتمَّ نُسُكُهُ إلا به.
ومَنْ تَرَكَ واجبًا) عندي بالشرح: (ولو سهوًا)، (فعليه دمٌ).
(ومَنْ تَرَك واجبًا فعليه دمٌ) والواجباتُ ذَكَرْنا أنها سبعةٌ، ما هو الدليل؟ وقَبْلًا نذهبُ إلى الأركان؛ ما هو الدليل على أنَّ تارك الركن لا يصِحُّ حَجُّه؟

لأنَّ الركن هو الماهيَّة التي تنبني عليها العبادة، ولقوله عليه الصلاة والسلام في الوقوف: «مَنْ أَتَى لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ الصُّبْحِ فَقَدْ أَدْرَكَ»؛ يدلُّ على أنه إذا فاته فاته الحجُّ، أمَّا مَن تَرَك واجبًا فعليه دمٌ.
(دمٌ) إذا أُطْلِقَ الدمُ في لسان الفقهاء فهو: سُبع بَدَنة، أو سُبع بقرة، أو واحدة من الضأن أو المعز، ولا بدَّ فيها من شروط الأُضحية وأنْ تكون قد بلغت السِّنَّ المعتبَر؛ وهو في الإبل خمس سنين، وفي البقر سنتان، وفي المعز سنة، وفي الضأن نصف سنةٍ؛ ستَّة أشهر، ولا بدَّ أيضًا أنْ تكون سليمةً من العيوب المانعة من الإجزاء كالعَوَرِ البيِّنِ ونحوه.
وهذا الدمُ دمُ جُبْرانٍ لا دمُ شُكرانٍ، وعليه فيجب أنْ يتصدَّق به جميعه على الفقراء؛ فقراء الحرم، ويُذبح في الحرم، ويُوزَّع في الحرم.
فإنْ ذبحه خارجَ الحرمِ لم يُجزِئ.
لو ذبحَ هَدْيَ المتعةِ أو القِران في عرفة، يُجزئ أو لا؟ طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: ذبحه فى عرفة وفرَّقه في مكة؟ طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: لا يُجزِئ؛ لأنه في غير المكان المعتبَر شرعًا.
ولهذا سأل سائل قال: ها السَّنة وجدنا راحة، ذَبَحنا في عرفة بسَعَة، ووزَّعنا اللحم على ما نبغي.
قلنا ليش؟ قال: هذا فِعْلنا كلَّ سَنَة.
إذَن الدليل أنَّه فِعْلُه كلَّ سَنَة، مُشْكِل، أوقَعَنا في حيرة، يعني لا بدَّ أنْ نقول: يَلْزمكم أن تقضوا جميعَ ما فات؛ لأنكم ذبحتموه في مكانٍ لا يحلُّ فيه الذبح، فإذا ذبحتموه في عرفة فكأنما ذبحتموه في الصين.
نعم لو ذبح في الصين وجاء به إلى الحرم لا يُجزِئ، فالحِلُّ واحدٌ من عرفة إلى أبعدِ الدُّنيا فلا يُجزئ.
لكنْ فيه قول لبعض الشافعية أنَّه إذا ذبحه في الحِلِّ وفرَّقه في الحرم فلا بأس؛ لأنه أدَّاه إلى أهْله؛ لأن أهْله هم أهل الحرم وقد أدَّاه إليهم.

ولكنْ قد يُقال: إن هذا غير صحيح؛ لأنه يفرق بين ذَبْحه في الحرم وذَبْحه في الحِلِّ؛ حيث إنه عبادة، والعبادة في الحرم أفضل منها في الحِلِّ، فإذا ذَبَح في الحِلِّ فاته الأفضلية، وحينئذٍ لا يصِح، وإنْ كان المقصود من التصدُّق على فقراء الحرم أنْ يَصِل إليهم، لكنْ أيضًا الذبح نفسه عبادة، فكَوْنه يُنقل من محلٍّ فاضلٍ إلى محلٍّ مفضولٍ يقتضي عدم الإجزاء، كما لو نَذَر أن يصلِّي ركعتين في المسجد الحرام فإنه لا يصح أنْ يصلي الركعتين في المسجد النبويِّ؛ لأن المسجد الحرام أفضل، فالقول بعدم الإجزاء هو الراجح نَظَرًا.
لكنْ إذا سألَنا أناسٌ مِثْل هؤلاء وليس في المسألة دليلٌ واضحٌ ينهى عن ذبح هذا في الحِلِّ فينبغي أن يقال: لا تُعيدوا ولا تعودوا.
المعنى واضح؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: ويش معنى (لا تُعيدوا)؟ طلبة: لا تذبحوا مرَّةً ثانيةً.
الشيخ: لا تذبحوا مرَّةً ثانيةً.
و (لا تعودوا) يعني لا تعودوا لِمِثْلها، خصوصًا إذا كان أُناسٌ يَغْلِب عليهم الجهلُ وسلامةُ القلب وأنَّهم ما تعمَّدوا المخالفة، والمقصود حَصَل بإعطاء اللحم إلى أهله.
ومِثل هذه الأمور التي ليس فيها نصٌّ والأمر قد انقضى وانتهى؛ لا حَرَجَ على الإنسان أنْ يُراعيَ أحوالَ المستفتي فلا يشقَّ عليه في أمرٍ لم يجدْ فيه نصًّا.
يقول: (عليه دمٌ).
ما هو الدليل على أنَّ تارك الواجب يجب عليه دمٌ؟ وهذا أيضًا محتاجٌ إلى دليلٍ مهمٍّ، دليلٍ واضحٍ يستطيع أنْ يواجه الإنسانُ ربَّه به إذا أوجبَ على عباد الله ما لم يوجبْه الله عليهم؛ لأن إيجابَ ما لم يجب كإسقاط أيش؟ طلبة: ما وجب.
الشيخ: ما وجب أو أشدُّ؛ لأنَّ إسقاط ما يجب تخفيفٌ، وإيجاب ما لم يجب تشديدٌ، وأيُّهما الموافق للإسلام أو لروح الدين الإسلامي؟ طلبة: التخفيف.

الشيخ: الأول؛ التخفيف.
فإيجابُ ما لم يجب بلا دليلٍ أشدُّ من إسقاطِ ما يجب؛ لأنه أعظم؛ فيه قولٌ على الله بلا عِلْم، وفيه إشقاقٌ على العباد، وإسقاطُ ما وجبَ -والمراد ليس إسقاطًا عن عَمْد، لكنْ إسقاط ما وجبَ بمقتضى الاجتهاد، ليس فيه إلَّا شيءٌ واحدٌ وهو إسقاطُ ما عسى أن يكون واجبًا، لكنْ هل فيه التكليف على العباد؟ طالب: ما فيه.
الشيخ: ما فيه.
فأقول مرَّةً ثانيةً: إيجابُ ما لم يجب أشدُّ من إسقاط ما وجبَ؛ يعني إذا لم يكنْ هناك نصٌّ يدلُّ على الوجوب بحيث يواجه الإنسانُ به ربَّه، فإنَّ إسقاطَ ما وجبَ -أي: ما يُمكن أنْ يكون واجبًا- أهونُ.
وكذلك نقول في التحريم والتحليل.

(بابُ الفَواتِ والإحصار)

مَن فَاتَه الوُقوفُ فاتَه الْحَجُّ، وتَحَلَّلَ بعُمرةٍ ويَقْضِي، ويَهْدِي إن لم يكنْ اشْتَرَطَ، ومَنْ صَدَّه عَدُوٌّ عن البيتِ أَهْدَى ثم حَلَّ، فإن فَقَدَه صامَ عَشرةَ أَيَّامٍ ثم حَلَّ، وإن صُدَّ عن عَرفةَ تَحَلَّلَ بعُمرةٍ، وإن حَصَرَه مَرَضٌ أو ذَهابُ نَفَقَةٍ بَقِيَ مُحْرِمًا إن لم يَكُنْ اشْتَرَطَ.

(بابُ الهديِ والأُضْحِيَةِ)

أَفْضَلُها إِبِلٌ، ثم بَقَرٌ، ثم غَنَمٌ، ولا يُجْزِئُ فيها إلا جَذَعُ ضَأْنٍ، وثَنِيٌّ سِوَاهُ، فالإِبِلُ خَمْسٌ، والبَقَرُ سَنَتَانِ، والْمَعْزُ سَنَةٌ، والضأْنُ نِصْفُها، وتُجْزِئُ الشاةُ عن واحدٍ، والبَدَنَةُ والبقرةُ عن سبعةٍ، ولا تُجْزِئُ العَوراءُ والعَجْفاءُ والعَرجاءُ للإسلام أو لروح الدين الإسلامي؟ الأول التخفيف، فإيجاب ما لم يجب بلا دليل أشد من إسقاط ما يجب؛ لأنه أعظم؛ فيه قول على الله بلا علم، وفيه إشقاق على العباد، وإسقاط ما وجب، والمراد ليس إسقاط عن عمد، لكن إسقاط ما وجب بمقتضى الاجتهاد ليس فيه إلا شيء واحد وهو إسقاط ما عسى أن يكون واجبًا، لكن هل فيه التكليف على العباد؟ طالب: ما فيه.

الشيخ: ما فيه، فأقول مرة ثانية: إيجاب ما لم يجب أشد من إسقاط ما وجب؛ يعني: إذا لم يكن هناك نص يدل على الوجوب بحيث يواجه الإنسان به ربه فإن إسقاط ما وجب -أي: ما يمكن أن يكون واجبًا- أهون.
وكذلك نقول في التحريم والتحليل: تحريم ما كان مباحًا أشد من إباحة ما عسى أن يكون حرامًا.
نقول: ما هو الدليل على وجوب الدم لمن ترك واجبًا؟ نقول: الدليل على هذا قول صحابيٍ جليل وهو ابن عباس رضي الله عنهما؛ حيث قال: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا (1)، ومبنى هذا الاستدلال على أن مثل هذا القول لا يقال بالرأي، فيكون له حكم المرفوع؛ لأن الصحابي إذا قال قولًا أو فعل فعلًا لا يقال بالرأي ولا يفعل بالرأي حُمِلَ على أنه مرفوع حكمًا.
ولا يَرِدُ على هذا القول الشبهة التي أثيرت حول ما يخبر به عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن بني إسرائيل، وأنه ممن عرف في التساهل بالنقل عنهم، مع أن الأمر ليس بصحيح، بل هو يشدد في النقل عنهم، كما مر علينا في البخاري في عدة مواضع.
لماذا لا يَرِد؟ لأن هذا حكم وليس خبرًا، فعليه نقول: هذا الحكم صدر من عبد الله بن عباس وأيش؟ طلبة: له حكم الرفع.
الشيخ: وله حكم الرفع؛ لأن مثله لا يُقَال بالرأي.
ثانيًا: على فرض أن مثله يقال بالرأي، وأن ابن عباس رضي الله عنهما اجتهد، فأداه اجتهاده إلى وجوب الدم، فإنه قول صحابي لم يظهر له مخالف، فكان أولى بالقبول من قول غيره، وهذا الاحتمال على تقدير أنه لم يثبت له حكم الرفع وأنه قاله بالاجتهاد.
كيف يكون بالاجتهاد؟ لأنه رضي الله عنه قال: إن ترك ما يجب كفعل ما يحرم؛ كلاهما انتهاك لنسك، وفعل ما يحرم ثبت بالنص القرآني أن فيه نسكًا، قال الله تعالى ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196].

وابن عباس رضي الله عنهما اختار أكمل الثلاثة فقال: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا، فيكون هذا الرأي مبني على أيش؟ على اجتهاد؛ وهو قياس انتهاك النسك بترك الواجب على انتهاكه بفعل أيش؟ طالب: محرم.
الشيخ: بفعل محظور، فوجب الدم.
ونحن نقول: إن ثبت هذا من جهة النظر؛ يعني: إن سلم الدليل من جهة النظر وأن في ترك الواجب دمًا فذاك، وإن لم يسلم وقيل: الأصل براءة الذمة وقول الصحابي المبني على الاجتهاد كقول غيره من الناس فإننا نقول في إيجاب الدم بترك الواجب مصلحة؛ وهي حفظ الناس عن التلاعب.
أنت لو قلت: ليس في ترك الواجب دم أكثر الناس لا يهتمون به بأنه واجب وأن في تركه الاستغفار والتوبة ما يهمه، يقول: إذا شئت أن أملأ لك أجواء مكة كلها وإلى المدينة استغفارًا وتوبة فأنا ما عندي مانع، لكن لا تجعلني أخسر ولا خمسين ريالًا، تقول له: تُبْ إلى الله، قال: ما يخالف، كم مرة؟ ! ما عندي مانع، لكن لا تلزمني بشاة؛ يعني: كثير من الناس -ما نقول: إن أكثرهم، إن شاء الله- كثير من الناس لا يهمه، يهمه المال أكثر مما يهمه انتهاك النسك.
لو قيل: إن هذا واجب ومن تركه فهو آثم وعليه التوبة والاستغفار، فهل يحترم الناس هذا النسك كما لو قلنا: إن فيه الدم تذبحه ولو كنت في بلدك، وكل من يذبحه في مكة ويوزعه على الفقراء؟ الجواب: لا يكون نظر الناس إلى الواجب سواءً؛ لهذا نرى إلزام الناس بذلك، وإن كان ثبوته من حيث النظر والاستدلال فيه مناقشة وفيه اعتراض، فنقول: إن هذا من باب التربية؛ تربية المسلمين على التزامهم بالواجب، وما دمنا مستندين إلى قول صحابي جليل دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل فإننا نرجو أن نكون أبرأنا ذمتنا بذلك، والله يعلم المفسد من المصلح.
لهذا نحن نفتي بأنه يجب على من ترك واجبًا أن يذبح فدية يوزعها على الفقراء في مكة؛ لهذا النظر الذي ذكرناه.

لكن إذا لم يجد هديًا إذا لم يجد دمًا فما الواجب؟ المذهب الواجب عليه أن يصوم عشرة أيام؛ ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فإن لم يتمكن من صيامها في الحج صامها ببلده، ولكن هذا القول لا دليل عليه؛ لا من أقوال الصحابة، ولا من القياس، ليس هناك دليل على أن من عدم الدم في ترك الواجب يجب عليه أن يصوم عشرة أيام؛ لا من أقوال الصحابة، ولا من القياس؛ لأن قياس ذلك على دم المتعة قياس مع الفارق؛ لأن دم المتعة دم أيش؟ طالب: شكران.
الشيخ: شكران، وأما دم الواجب فدم جبران؛ لذلك نرى أن القياس غير صحيح، وحينئذٍ نقول لمن ترك واجبًا: اذبح فدية في مكة ووزعها على الفقراء بنفسك أو بمن تثق به من الوكلاء، فإن كنت غير قادر فتوبتك تجزئ عن الصيام، تُبْ إلى الله يكفي، هذا هو الذي نراه في هذه المسألة.
طالب: أحسن الله اليك، الفرق بين (... )؟ الشيخ: نعم.
الطالب: (... ) يمكن فيه احتمال الاجتهاد؟ الشيخ: كيف الاجتهاد؟ الطالب: ممكن يجتهد الصحابي.
الشيخ: كيف يجتهد؟ على أي شيء نقيسه؟ الطالب: بالعموم.
الشيخ: أي عموم؟ الطالب: عموم.. الشيخ: هل هناك عموم أن الإنسان كلما كبَّر يرفع يديه؟ الطالب: في كل (... ). الشيخ: ما فيه عموم؛ ولهذا رفع ابن عمر يديه في كل تكبيرة في صلاة الجنازة ثابت عنه موقوفًا (2)، بل ومرفوعًا، كما رجحه الشيخ عبد العزيز بن باز في حاشيته على الفتح قال: إنه صحيح؛ لأن السبب في تضعيفه مرفوعًا الاختلاف في أحد الرواة؛ لأن اسمه مشترك بين ضعيف وثقة؛ فمنهم من حمله على الضعيف فقال: الحديث مرفوعًا ضعيف، ومنهم من حمله على الثقة وقال: الحديث مرفوعًا صحيح، وهذا هو الظاهر؛ لأن ابن عمر ما كان ليرفع يديه في كل تكبيرة إلا مستند إلى مرفوع.
طالب: بالنسبة للطواف يا شيخ، المحمول الذي يطاف به أحيانًا أنه يعني لا يؤشر عند الحجر وأحيانًا يكون نائمًا، هل نقول: لا يصح طوافه أم ماذا؟

الشيخ: ما تقولون في هذا؟ يقول: بعض الناس الذين يُحملون في الطواف والذين يركبون العربية في السعي يجد الراحة والهز، فينام (... ) فينام هل يجزئه الطواف؟ نقول على القول بأن النية شرط: إذا نوى في ابتداء الطواف، ثم نام، فطوافه صحيح، وإن نام قبل أن يبتدئ -وهذا في الظاهر لا يكون- فإن طوافه ليس بصحيح.
طالب: شيخ، بالنسبة لمن ذبح في عرفة أَلَا يشكل عليه أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما عذر الصحابي الذي ذبح قبل الوقت يوم العيد وهذا مجتهد وسليم القلب حينما ذبح؟ الشيخ: هذا يقول: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لم يعذر الصحابي الذي ذبح الأضحية في غير الوقت، أفلا نقول: إن من ذبحها في المكان الذي لا يذبح فيه ولو كان معذورًا بجهل تلزمه الإعادة، وهذا لا شك أنه إيراد قوي؛ لأن المخالفة في المكان كالمخالفة في الزمان، لكن الذي يمنع من إلحاق هذه بهذه أنه ليس هناك نص على أن الذبح لا بد أن يكون في الحرم إذا كان المقصود نفع الفقراء، لو كان هناك نص ما في المسألة إشكال.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، صحيح، هذا يدل على أن فجاج مكة كلها منحر، وفجاج مكة طريق ومنحر، لكن لا يدل إلا بالمفهوم على أن غيرها ليس بمنحر.
على كل حال نحن نقول: هذه المسألة ما دامت وقعت وفيها خلاف فإننا لا نلزمه، لكن نقول: لا تعودوا ولا تعيدوا، ثم يجب على طلبة العلم أيضًا أن ينبهوا الناس على هذه المسألة.
كان الناس في الأول مِنَى ما فيها زحمة، ولا أحد يفكر أن يذبح في عرفة أو يذبح في الشرايع مثلًا، لكن الآن من أجل الزحمة صار الناس قد يضطرون إلى ذلك؛ فلهذا أنا أرى أن الواجب على طلبة العلم أن ينبهوا على هذا؛ لأنها مهمة.
طالب: شيخ، لو قال قائل: ندرك القاعدة على قول ابن عباس ونقول: من ترك واجبًا فعليه دم في غير الحج؟ الشيخ: في غير الحج؟ الطالب: إيوه، يعني لو ترك واجبًا.

الشيخ: يعني حتى مثلًا لو ترك التشهد الأول في الصلاة قلنا: عليك دم، مشكل، لا، هذا لم يقل به أحد.
طالب: شيخ، دم التمتع هل هو دم شكران أم دم جبران (... ) فيه أم غيره؟ الشيخ: دم التمتع دم شكران، وإذا قلنا: دم جبران فإنه لا يأكل منه؛ لأن دم الجبران يجبر ما فات، وإذا أكل منه لم يجبر، إي نعم.
طالب: قلنا القول الراجح في العمرة: إن طواف الوداع فيها واجب، وقلنا أيضًا (... ) إن طواف الوداع في الحج ليس بواجب؟ الشيخ: لا.
الطالب: في الحج.
الشيخ: كلا، لكن قلنا: ليس من واجبات الحج، إي، فرق بين قلنا: ليس بواجب، وليس من واجبات الحج، فالإنسان لو حج وبقى في مكة ما عليه طواف وداع، لكن لو قلنا: إنه واجب للحج لقلنا: يجب، على أننا اعترضنا هذا الرأي ويش قلنا؟ قلنا: قد يكون واجبًا في الحج بشرط أن يغادر مكة، وحينئذٍ يصح أن يُعَد من واجبات الحج.
طالب: بارك الله فيكم، على ما رجحنا لو أتانا آتٍ وهو ترك واجب، ولكن لو عرف أنه أذنب لكان أكبر عليه أن يفدي بشاة، هل نقول بالتوبة فقط؟ وهل يجزئ بالهدي؟ الشيخ: نقول بالتوبة والفدية.
الطالب: شيخ، المسألة ليس فيها دليل صريح والتعليل منتهٍ؟ الشيخ: لا، نأخذ القاعدة؛ لأن أيضًا هذا يوجب التشويه على العامة؛ فلان أوجبتم عليه وفلان ما أوجبتم، ويش الفرق؟ وربما يكون الذين قلنا: لا يجب عليك ربما يكون غنيًّا فيحصل مشكلة.
الطالب: القول في مزدلفة أنه يكفي فرض الوقت في الصلاة.
الشيخ: أيش؟ الطالب: أنه يكفي نية فرض الوقت المسافر.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لكن -يا شيخ- إذا قصر الصلاة وأتى المسجد تصح الصلاة في كل حال؟ الشيخ: في كل أيش؟ الطالب: في كل حال نوى الصلاة.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ولكن يا شيخ.. الشيخ: لا، نوى الفريضة.
الطالب: نوى الفريضة، ولكن يا شيخ (... ) وهو مسافر جمعوا بين الظهر والعصر ودخل معهم ولم ينوِ التعيين.
الشيخ: نعم، على نيته هو.
الطالب: هو لم ينوِ التعيين.

الشيخ: على نيته، لو سألناه بعدما سلم ويش نيتك؟ ويش قال؟ ما نوى شيئًا؟ الطالب: نوى الصلاة، نوى الفريضة.
الشيخ: إي، لكن هو جامع، هو ربما ينسى، قد يكون نسي أنه جامع؛ يعني: تقصد؟ الطالب: أو (... ). الشيخ: إذا قصد أنه جامع، ففي نيته التي في قلبه أنه سيبدأ بالأولى.
الطالب: وأين المقبول نية فيها؟ الشيخ: أما إذا قال: واللهِ لا ما أدري، واللهِ ويش نويت ونسيت أني ما جمعت، نقول له: أعد هذا؛ لأنه ما نوى.
طالب: شيخ.
الشيخ: سألت يا شيخ ما أكملت؟ الطالب: لا ما أكملت.
الشيخ: ليش ما سألت.
طالب: يا شيخ، ما هو القول الراجح في (... ) ليس بواجب في الميقات (... )؟ الشيخ: وهو.
الطالب: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت.
الشيخ: نجيب عنها باللفظ الثاني؛ كان الناس ينصرفون من كل وجه فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَنْفِرْ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (3). الطالب: النية المعينة التفريق، لو قال قائل: إن التفريق بين الصلاة والحج بأن الحج تتجزأ بعض أفراده والصلاة لا تتجزأ بعض أفرادها؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني الحج ممكن يطوف الإنسان كطواف مستقل، لكن الصلاة لا يمكن أن.. الشيخ: لا، لا بد أن ينوي الطواف لهذا النسك؛ يعني: لو فرضنا أنه نواه عن طواف مطلق ما أجزأه.
طالب: لا بد من التعيين.
الشيخ: لا بد على الأقل ينوي الطواف بدون أن يقول: هذا طواف نافلة مثلًا، لو نوى أنه طواف نافلة ما صح.


[باب الفوات والإحصار] طالب: بسم الله الرحمن الرحيم قال رحمه الله تعالى: باب الفوات والإحصار

من فاته الوقوف فاته الحج وتحلل بعمرة ويقضي، ويُهدي إن لم يكن اشترط، ومن صده عدو عن البيت أهدى، ثم حَلَّ، فإن فقده صام عشرة أيام، ثم حَلَّ، وإن صُدَّ عن عرفة تحلل بعمرة، وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة بقي محرمًا إن لم يكن اشترط.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد سبق الكلام على الأركان والواجبات والسنن وبيان حكم كل منها، وأن من ترك الإحرام لم ينعقد نسكه، ومن ترك ركنًا غيره لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجبًا فعليه دم، ومن ترك سنة فلا شيء عليه، وسبق بيان الأدلة على ذلك.
وقد توهم بعض الناس في مسألة الواجبات فظن أن الإنسان مخير بين أن يأتي بالواجب أو يأتي بالدم، حتى سمعنا أن بعض الناس إذا وقف بعرفة وبات بمزدلفة إلى نصف الليل نزل، ثم طاف وسعى وحل التحلل كله، ثم بقي في بيته وقال: أذبح فدية عن المبيت بمنى وعن رمي الجمرات، فيظن أن المسألة على التخيير وليس كذلك، ولكن من ترك الواجب لعذر أو نحو ذلك فإنه يجب عليه أن يفدي، أما أن الإنسان مخير بين هذا وهذا فإن هذا لا شك إخلال بهذه النسك العظيم.
يعني لو قال إنسان: أنا أقف بعرفة إلى غروب الشمس وبمزدلفة إلى منتصف الليل، ثم أنزل إلى مكة وأطوف وأسعى، ثم أرجع إلى أهلي، متى يرجع إلى أهله؟ في ليلة العيد، ويوكل من يرمي عنه، ومن يذبح عنه، عن طواف الوداع، وعن المبيت، هذا تلاعب بأحكام الله.
فقول الفقهاء رحمهم الله: (من ترك واجبًا فعليه دم) يعني أن ذلك جبرٌ لما ترك، وليس المراد به التخيير، وإلا لقالوا: يخير بين هذا وبين الدم.
أما السنة فمن تركها فلا شيء عليه؛ لأن السنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، فلو ترك الإنسان الوقوف بعد الجمرة الأولى أو بعد الجمرة الوسطى فلا شيء عليه، وكذلك لو ترك الاضطباع في الطواف أو الرمل فلا شيء عليه، فالقاعدة أن من ترك سنة فلا شيء عليه.
ثم قال المؤلف: (باب الفوات والإحصار) هذا الباب يتضمن مسألتين؛ المسألة الأولى الفوات، والمسألة الثانية الإحصار.

أما الفوات فهو مصدر (فَاتَ يَفُوتُ فَوْتًا وفَوَاتًا)، ومعناه: أن يُسبق فلا يدرك، يقال: فاتني الشيء؛ أي: سبقني فلم أدركه، هذا هو الفوات سبقٌ لا يدرك.
أما الإحصار فهو من: حصره؛ إذا منعه، فالإحصار بمعنى المنع؛ يعني: أن يحصل للإنسان مانع يمنعه من إتمام النسك، والفوات: أن يفوت الإنسان شيء من النسك.
وسيأتي في هذا الباب أن من الأركان ما له وقت محدد، ومنها ما ليس له وقت محدد، فالوقوف -الذي هو الحج كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (4) - له وقت محدد، حده متى؟ طلبة: طلوع الفجر.
الشيخ: طلوع الفجر يوم النحر، فيقول المؤلف في حكم ذلك: (من فاته الوقوف فاته الحج)، وإذا فاته الحج فماذا يصنع؟ يُنظر؛ إن كان الإنسان قد اشترط عند إحرامه أن محله حيث حبس فإنه يحل ولا شيء عليه؛ يعني: يخلع ثياب الإحرام ويلبس الثياب ويرجع إلى أهله؛ لأنه قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، وهذا حابس.
وقد سبق هل الأولى أن يشترط أو الأولى ألَّا يشترط؛ إما مطلقًا، أو بتفصيل، وذكرنا أن الصواب ألَّا يشترط إلا إذا كان يخاف من عدم إتمام النسك.
قال: (فاته الحج وتحلل بعمرة) يعني: إذا فاته الوقوف وطلع الفجر قبل أن يصل إلى عرفة تحلل بعمرة؛ ذهب وطاف وسعى وحلق أو قصر، وإن شاء أن يبقى على إحرامه إلى الحج القادم فله ذلك، ولكن أيهما الذي يختار؟ طلبة: الأول.
الشيخ: سيختار الأول بلا شك، لكن الفقهاء يقولون: إن اختار أن يبقى على إحرامه إلى أن يأتي الحج الثاني فلا بأس، ولكن يقال: الأولى أن يتحلل؛ لأن ذلك أيسر وأسهل، وكيف يمكن للإنسان أن يدع محظورات الإحرام لمدة سنة كاملة؟ ! هذا بعيد، ومشقة شديدة.

قال: (ويقضي ويُهدى إن لم يكن اشترط) (ويقضي) يعني: يقضي هذا الحج الفائت، وظاهر كلام المؤلف أنه يقضي؛ سواء كان الحج واجبًا، أم تطوعًا؛ لأنه إن كان واجبًا فوجوب القضاء ظاهر؛ سواءٌ كان واجبًا بأصل الشرع بأن يكون هذا فريضة الإسلام، أو واجبًا بالنذر فإن قضاءه أمر واضح أنه يجب عليه القضاء، ولكن إذا كان تطوعًا فهل يجب القضاء؟ نقول: نعم، يجب القضاء؛ وذلك لأن الإنسان إذا شرع في النسك صار واجبًا، وهذا من خصائص الحج والعمرة؛ أن نفلهما يجب المضي فيه بخلاف غيرهما، فهو لما شرع وأحرم بالحج أو بالعمرة صار ذلك واجبًا في حقه كأنما نذره نذرًا، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
وعلى هذا فيجب القضاء؛ سواء كان ذلك تطوعًا، أو واجبًا بأصل الشرع وهو الفريضة، أو بالنذر؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (5). وقول المؤلف: (إن لم يكن اشترط) فإن كان اشترط فلا قضاء عليه ولا هدي عليه، إلا إذا كان الحج واجبًا بأصل الشرع أو واجبًا بالنذر فإنه يلزمه القضاء ولو كان اشترط.
وعلى هذا فيكون قوله: (إن لم يكن اشترط) فيما إذا كان الحج نفلًا، أما إذا كان واجبًا بأصل الشرع أو واجبًا بالنذر فيلزمه القضاء، وعلى كل حال لأنه قد وجب عليه قبل أن يشرع فيه.
تعرَّض المؤلف رحمه الله إلى مسألة إذا أخطأ الناس في يوم الوقوف؛ بأن وقفوا، ثم ثبت ثبوتًا شرعيًّا أن وقوفهم كان في غير يوم عرفة فهل حجهم صحيح أو حجهم باطل؟ أنتم فاهمين؟ وعلى كل حال في الوقت الحاضر هذا شيء قد يكون متعذرًا، لكن فيما سبق ربما يكون وقف الناس، ثم ثبت ببينة أن وقوفهم كان في اليوم العاشر، وأن الهلال هلَّ قبل أن يراه الناس في مكة، فهل يلزمهم القضاء؟

الجواب: لا يلزمهم القضاء؛ لأن الهلال اسم لما اشتهر عند الناس، ولأنهم فعلوا ما أُمروا به؛ فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» (6)، فهؤلاء غم عليهم هلال ذو الحجة، فيلزمهم أن يتموا ذا القعدة ثلاثين يومًا، ومن فعل ما أمر به على وجه أمر به فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأننا لو ألزمناه بالقضاء لأوجبنا عليه العبادة مرتين.
وإن وقف يسير منه فأخطؤوا فإن حجهم غير صحيح، بل نقول: إنهم إذا وقف اليسير منهم فهم مخطئون بكل حال؛ لأن الواجب عليهم الرجوع إلى ما كان عليه الجماعة، فلو تعنت أناس وقالوا: ما يمكن أن يكون الهلال هلَّ البارحة، منازل الهلال ضعيفة ولا نقبل أن يكون اليوم التاسع عند هؤلاء هو اليوم التاسع، بل هو اليوم الثامن، وسنقف في اليوم العاشر، العاشر عند الناس التاسع على زعمهم.
فإننا نقول لهؤلاء: إن حجهم غير صحيح، يقول: إن أخطأ الناس فوقفوا في الثامن أو العاشر أجزأهم، وإن أخطأ بعضهم فاته الحج.
قال: (ومن أحرم فصده عدو) انتقل المؤلف الآن إلى الإحصار، فصار الفوات حكمه سهلًا، نقول: إذا فات الوقوف فات الحج، وأنت الآن بالخيار بين أن تبقى على إحرامك إلى العام القادم وبين أن أيش؟ طلبة: تتحلل بعمرة.
الشيخ: تتحلل بعمرة، هذه واحدة، ثانيًا: هل عليه القضاء؟ نقول: إن كان نفلًا وقد اشترط عند ابتداء الإحرام أن محله حيث حبس فلا شيء عليه؛ لا هدي، ولا قضاء، وإن كان واجبًا بأصل الشرع أو واجبًا بالنذر أو تطوعًا ولم يشترط فعليه القضاء من العام القادم.
(ويهدي) والهدي يكون وقته في القضاء؛ لأنه الآن فاته الحج، فيكون الهدي في القضاء.

ثم تكلم المؤلف عن الإحصار فقال: (ومن صده عدو عن البيت أهدى، ثم حل) من صده عدو عن البيت؛ يعني: عن الوصول إلى البيت سواءٌ في عمرة أو في حج فإنه يهدي؛ يعني: يذبح الهدي، ثم يحل؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] أي: فعليكم ما استيسر من الهدي، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أصحابه في الحديبية أن ينحروا ويحلوا (7)، (أهدى ثم حل).
وقوله: (من صده عدو) (مَنْ) اسم شرط أو اسم موصول؟ طالب: اسم موصول.
الشيخ: يجوز أن تكون موصولة وأن تكون شرطية، وعلى كل تقدير فهي للعموم، فيعم ما إذا كان الصد عامًّا أو كان خاصًّا؛ العام أن يُصد كل الحجيج، لا قدَّر الله ذلك، والخاص أن يُصد واحدٌ من الناس أو جماعة من الناس، فماذا يصنعون؟ لنفرض أن أناسًا تسللوا وجاؤوا بلا جواز فمنعوا هؤلاء، نقول: أُحصروا، لكن لا ينطبق على قول المؤلف هنا؛ لأن المؤلف يقول: (من حصره عدوٌّ) فيرى أن الحصر خاص بالعدو، وأن الحصر بغير العدو ليس له حكم الحصر بالعدو، وسنتكلم على هذا إن شاء الله.
يقول: (أهدى ثم حل، فإن فقده صام عشرة أيام ثم حل) إن فقد أيش؟ طلبة: الهدي.
الشيخ: الهدي، (صام عشرة أيام ثم حل)، ما هو الدليل؟ الدليل القياس على هدي التمتع، وهذا القياس فيه نظرٌ من وجهين: الوجه الأول: أن ظاهر حال الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم ألف وأربع مئة نفر أن فيهم الفقراء، ولم يرد أن الرسول قال لهم: من لم يجد الهدي فليصم عشرة أيام، والأصل براءة الذمة.
وأما الوجه الثاني: فلأن الهدي الواجب في التمتع هدي شكران للجمع بين النسكين، أما هذا فهو عكس التمتع؛ لأن هذا حرم من نسكٍ واحد، فكيف يقاس هذا على هذا؟ فلذلك لا يصح القياس ونقول: من لم يجد هديًا إذا أُحصر فإنه يحل ولا شيء عليه.

وظاهر كلام المؤلف رحمه الله هنا أنه لا يجب الحلق ولا التقصير؛ لأنه لم يذكره، بل قال: (أهدى ثم حل)، ولكن الصحيح أنه يجب الحلق أو التقصير؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بذلك، بل إنه غضب لما توانى الصحابة في عدم الحلق (7)، والصحيح أن الحلق واجب على من؟ على من أحصر، بدلالة القرآن أو بدلالة السنة؟ طلبة: السنة.
الشيخ: بدلالة السنة، القرآن ليس فيه إلا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فيه إشارة إلى أنه لا بد من حلق؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، لكن السنة صرَّحت بذلك؛ بأنه لا بد من الحلق أو التقصير.
إذن الإحصار: منع الإنسان من إتمام النسك، ولكنه على المشهور من المذهب خاص بمنع العدو، وأما غير العدو فإنه لا إحصار فيه؛ كضياع النفقة والمرض ونحو ذلك.
ولكن من حبس بغير حق فهل هو كمن حصر بعدو؟ يقولون: إنه كَمَنْ حُصِرَ بالعدو؛ وذلك لأن هذا الذي حبسه بغير حق اعتدى عليه، فيكون كالذي منعه العدو.
قال: (وإن صُد عن عرفة تحلل بعمرة) إن صُدَّ عن عرفة من أحرم بالحج تحلل بعمرة، والكلام في الأول من صُد عن أيش؟ طلبة: عن البيت.
الشيخ: عن البيت؛ لأن من صد عن البيت لا يمكن أن يتحلل بعمرة؛ لأن العمرة لا بد فيها من طواف، لكن من صُدَّ عن عرفة فقط؛ بأن يكون في عرفة عدوٌّ يمنع الناس من الوصول إليها فهنا يتحلل، يقول: (تحلل بعمرة) يتحلل بعمرة، ولا شيء عليه؟ نقول: إن كان قبل فوات وقت الوقوف فلا شيء عليه، وإن كان بعده -بعد فوات الوقوف- فإنه يقضي؛ لأنه فاته الحج، والأول الذي حصر عن عرفة، ثم لما رأى أنه لا يمكن أن يقف جعلها عمرة لا شيء عليه.

وعللوا ذلك بأنه يجوز لمن أحرم بالحج أن يجعله عمرة ولو بلا حصر ما لم يقف بعرفة أو يسق الهدي، كما مر علينا في التمتع، هكذا قالوا رحمهم الله بأنه إذا صد عن عرفة تحلل بعمرة قبل فوت الوقوف، فإن لم يتحلل إلا بعده صار كمن فاته الوقوف يتحلل بعمرة ويقضي من العام القادم.
(وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة بقي محرمًا إن لم يكن اشترط) إن حصره مرض، أحرم وهو صحيح يستطيع أن يكمل النسك، فمرض ولم يستطع إكمال النسك، نقول: تبقى محرمًا إلى أن تبرأ من المرض، ثم تكمل، لكن إن فاتك الوقوف فتحلل بعمرة.
وكذلك إذا حصره ذهاب نفقة؛ رجل سرقت نفقته ولم يتمكن من إتمام النسك فإنه يبقى على إحرامه حتى يجد نفقة، ويتمم النسك إذا كان يمكن إتمامه، وإن كان حجًّا وفاته الوقوف فقد فاته الحج.
وكذلك لو ضل الطريق -ضل الطريق؛ يعني: ضاع- فلم يهتد إلى عرفة فإنه يكون كما قال المؤلف: يبقى، أو لا يكون محصرًا إذا فاته الوقوف فاته الحج وتحلل بعمرة.
والصحيح في هذه المسألة أنه إذا حُصِرَ بغير عدو فكما لو حصر بعدو؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يعني عن أيش؟ عن إتمامهما ولم يقيد الله تعالى الحصر بعدو.
وأما قوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ فهذا ذكر حكم بعض أفراد العام، وهذا لا يقتضي التخصيص، وهذه القاعدة أظن مرت علينا: إذا ذُكِرَ حكم عام، ثم عُطِفَ عليه حكمٌ يختص ببعض أفراده فإنه لا يقتضي التخصيص؛ ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] هل هذا الحكم يشمل كل المطلقات أو بعضًا منهن؟ طلبة: بعضًا.
الشيخ: من هي؟ طلبة: الرجعية.

الشيخ: الرجعية، مع أن المطلقة طلاقًا رجعيًّا أو غير رجعي تتربص ثلاثة قروء، فذِكْرُ حكمٍ لبعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص.
لكن هذه القاعدة تنتقض على المذهب بمثال آخر؛ وهو قول جابر رضي الله عنه: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفَت الطرق فلا شفعة (8)، الحديث أوله عام ولَّا لا؟ طلبة: عام.
الشيخ: في كل ما لم يقسم؛ كل مشترك لم يقسم ففيه الشفعة، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق، هذا حكم لا يتعلق بكل شيء وإنما يتعلق بالعقار، الفقهاء رحمهم الله خصوا الشفعة بالعقار ولم ينظروا إلى عموم أول الحديث، وهذا ينتقض عليهم في مسألة المطلقات.
في الحصر خصوا الحصر بالعدو؛ لقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196]، فهذا إشارة إلى أن الحصر في قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يراد به الحصر؛ حصر العدو، ولكن الصحيح أنه يشمل الحصر عن إتمام النسك بعدوٍ أو بغير عدو فإنه كما سمعتم.
إذا حُصِرَ عن واجب -ما هو عن ركن- كأن يُمْنَع من الوقوف في مزدلفة فهل يتحلل؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأنه يمكن جبره بالدم، فلا حاجة إلى التحلل، نقول: تبقى على إحرامك وتجبر الواجب بدمٍ.
ثم قال: (بقي محرمًا إن لم يكن اشترط) فإن اشترط بأن قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، يحل بدون شيء.
طالب: في مسألة العدو لو قالوا: إن المراد لأن العدو لا يتمكن الإنسان من الوصول إلى البيت بينما غير ذلك، فإذا انكشف الضلال عن مكة أو وجد نفقة يمكن الوصول إلى البيت؟ الشيخ: إي، لكن إذا فاته الحج؟ الطالب: يتحلل بعمرة، على أساس أن هذا سيتحلل بعمرة.
الشيخ: هو إذا حُصِرَ عن شيء لا يفوت ما يهم.
الطالب: لا يفوت، لا بعد.. الشيخ: مثل الطواف والسعي لو حُصِرَ عنهما أمكنه أن يقضيهما بعد فوات الحصر.
الطالب: أنا أقصد فاته الوقوف بعرفة، فالآن العدو حصره فلا يمكن أن يصل..

الشيخ: حصره أيش؟ الطالب: عن الدخول إلى مكة، فلا يمكن أن يأتي إلى البيت ليطوف للعمرة، بينما لو كان ضالًّا أو ضاعت النفقة، ثم وجدها بعد الوقوف.. الشيخ: لا، هو على كل حال اللي ما له وقت مسألة الضلال أو المرض الخفيف، هذا يمكن تداركه، لكن إذا كان المرض ثقيلًا.
الطالب: بعمرة يعني؟ الشيخ: بعمرة أو لطواف وسعي الحج، نعم (... ). طالب: (... )؟ الشيخ: إي، بس هذا غير صحيح.
الطالب: (... )؟ الشيخ: أقول: لأن الرسول عليه الصلاة والسلام حُصِرَ في الحديبية وذبح في الحديبية (7). الطالب: لكن يقول هو ما (... ) استطاع.
الشيخ: من؟ الطالب: ما استطاع بمثل ذلك.
الشيخ: إي، يعني ما أنه يرى أنه إذا استطاع فإنه يجب أن يوصله هذا له وجه؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]، وهذا فيمن ساق الهدي فحصر فلا بد أن يصل الهدي إلى محله؛ لأنه ساقه للحرم.
طالب: (... )؟ الشيخ: لا، هو الآن -الحمد لله- يعني الحصر هذا قليل.
طالب: الحصر (... )؟ الشيخ: إن حصر إذا أمكن في الحرم ما فيه شك أنه أفضل.
طالب: الذي فاته حج التطوع لماذا لا يقاس على الحصر ولا يقضي؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: ما يقضي.
الشيخ: لا، هذا قد يكون بتفريطٍ منه.
الطالب: (... )؟ الشيخ: حتى بدون تفريط! كيف يكون بدون تفريط؟ الطالب: (... ). الشيخ: إذن هذا ينبني على أنه هل هناك حصر بغير العدو؟ طالب: السؤال يا شيخ.
الشيخ: يقول: الإمام فاته الوقوف بعرفة وهو في تطوع لماذا لا نجعله حصرًا؟ طالب: (... ). الشيخ: يتحلل بعمرة أو (... ). الطالب: (... ) الحاج إذا حصر يبرأ قبل يوم النحر.
الشيخ: قبل يوم النحر ولَّا قبل عرفة؟ الطالب: لا، قبل يوم عرفة وقبل يوم النحر.
الشيخ: يعني بعدما انصرف من عرفة حُصِر؟ الطالب: لا، قبل ما حُصِرَ ما وصل مكة (... ) حال.
الشيخ: إي.
الطالب: أرجح (... ). الشيخ: في مكان حصره.
الطالب: لو قبل يوم عرفة وقبل..

الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا الهدي عن الإحصار، حتى لو لم يكن معه هدي فإنه لا بد من هدي.
الطالب: ولو قبله، بس أنا اللي يشكل عليَّ الوقت؛ يعني: يوم النحر ويوم عرفة.
الشيخ: لا، هذا دم الإحصار حيث وجد سببه؛ من زمان، أو مكان.
طالب: إذا بدأ في طوافه من المروة.
الشيخ: في طوافه من المروة أو في سعيه؟ الطالب: في السعي.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: من المروة.
الشيخ: يلغى الشوط الأول.
الطالب: (... ) جاهل ما يدري إلا بعدما وصل.
الشيخ: معناه ما طاف إلا ستة أشواط فقط.
الطالب: لا بد أن يتم؟ الشيخ: إي، يلزمه أن يرجع فيتم السعي من أوله.
طالب: شيخ، (... ) من أحرم لحج أن يحرم لعمرة ما لم يقف بعرفة؟ الشيخ: لا، أن يجعله عمرة ما لم يقف بعرفة.
الطالب: طيب إذا كان (... ) وهو محرم (... ) يذهب إلى مكة ويطوف ويسعى.
الشيخ: لا، هذا ما يجوز إلا إذا أراد أن يحج؛ يعني: إن فسخ الحج إلى العمرة جائز بشرط أن يحج.
الطالب: أن يحج، كيف هذا؟ الشيخ: إي، أن يكون متمتعًا؛ يعني: لا يجوز لإنسان أن يفسخ نية الحج إلى عمرة وقد أحرم به إلا إذا كان يريد التمتع.


طالب: (... ) والإبل خمسة، والبقر سنتان، والمعز سنة، والضأن نصفها، وتجزئ الشاة عن واحد، والبدنة والبقرة عن سبعة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما هو الإحصار؟ طالب: الإحصار: أن يُحْصَر عن دخول مكة؛ يمنع من دخول مكة.
الشيخ: لا.
طالب: الإحصار هو: مانع صاحبه أن يتعرض للحج.. الشيخ: لا.
طالب: المنع من إتمام النسك.
الشيخ: نعم، منع الإنسان من إتمام النسك، هذا الإحصار، سواء بعدو.
طالب: أو بغيره.
الشيخ: أو بغير عدو، ولا فرق بين أَحْصَرَه وحَصَرَه.
إذا حصل إحصارٌ فما العمل؟ طالب: في الحج إذا حصل إحصار إن اشترط تحلل.
الشيخ: تحلل مجانًا بلا شيء.
الطالب: وليس عليه هدي، أما إذا كان لم يشترط فعليه الهدي.

الشيخ: نعم، إذا لم يشترط فعليه الهدي.
وهل عليه الحلق؟ الطالب: لا، ليس عليه.
الشيخ: ليس عليه الحلق، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم به وغضبه على تأخر الصحابة (7) لا يدل على الوجوب؟ الطالب: لا، غضب النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة؛ لأنهم لم يحلقوا يدل على الوجوب.
الشيخ: طيب، إذن يجب الهدي، ويجب أيضًا الحلق أو التقصير.
هل إذا أُحْصِر وتحلل هل يجب عليه القضاء أو لا؟ طالب: (... ). الشيخ: أُحْصِر ما هو فات، أُحْصِر وتحلل هل يلزمه قضاء النسك الذي أُحْصِر فيه وتحلل منه؟ طالب: لا، ما يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه.
الطالب: إن كان فاته.
الشيخ: ما فاته، بارك الله فيك، افرض أنه أحرم بعمرة الآن في هذا الشهر وأُحْصِر وتحلل هل يلزمه القضاء؟ لا يلزمه، ولا فيه خلاف؟ ولا فيه دليل؟ طالب: (... ) في حال الصحابة (... ) عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم أحصروا ولم يقضوا (7). الشيخ: أليس الرسول قضى من العام القادم؟ الطالب: ولكن الصحابة لم يقضوا.
الشيخ: كلهم ما قضوا؟ الطالب: بعضهم، ولو كان وجوبًا لقضوا كلهم.
الشيخ: إي، طيب هذا القول الذي ذهب إليه، ويش تقول؟ يقول: إنه لا يجب القضاء، والدليل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر من كانوا معه في الحديبية أن يقضوا.
الطالب: هذا قول يا شيخ.
الشيخ: هذا قول.
الطالب: وهو الراجح.
الشيخ: وهو الراجح.
الطالب: وهناك قول يقول: إنه يجب القضاء.
الشيخ: يجب القضاء.
الطالب: نعم؛ لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فإن حُصِرَ يهدي ويستكمل القادم (... ). الشيخ: القول الثاني وجوب القضاء؛ لأنه لما تلبس به صار كالنذر؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] فيجب عليه القضاء.
طالب: التفصيل، الحج أو العمرة واجب بأصل الشرع أو بإلزام نفس النذر يجب عليه القضاء إن كان.

الشيخ: لكن هل يسمى هذا قضاءً، أو يسمى هذا أداءً بالخطاب الأول؟ الطالب: لا، هو يسمى أداء بالخطاب الأول.
الشيخ: طيب، وإن لم يكن واجبًا؛ إن كان تطوعًا ففيه الخلاف الذي سمعتم، والصحيح أنه لا يجب القضاء كما قلنا، الصحيح أن القضاء ليس بواجب، وأن عمرة القضاء ليس معناها العمرة المقضية، وإنما معنى القضاء: المقاضاة؛ وهي المصالحة التي حصلت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، هذا دليل.
الدليل الثاني ولم نذكره أثناء الشرح، وهذا من الإضافات الذي أشار بعضكم تو إلى أنها تفيد، الدليل الثاني: أن الله لم يفرض الحج والعمرة إلا مرة في العمر، فلو أوجبنا عليه القضاء لأوجبنا عليه العمرة أو الحج مرتين أو ثلاثًا أو أكثر.
بماذا يكون الفوات فوات الحج؟ طالب: العمرة لا يتصادف فيها فوات، أما الحج يفوت.
الشيخ: أنا سألتُ: متى يفوت الحج؟ الطالب: بطلوع فجر يوم النحر ولم يقف الحاج بعرفة.
الشيخ: إذا طلع فجر يوم النحر قبل الوقوف بعرفة.
ما هو الدليل على أن الحج يفوت بطلوع الفجر يوم النحر قبل الوقوف بعرفة؟ طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
الشيخ: كمِّل.
طالب: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
الشيخ: إي، «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، وقف يوم عاشر صار الحج عرفة، «مَنْ وَقَفَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ» (4)، هذا هو الشاهد.
إذا فاته الوقوف ماذا يصنع؟ طالب: (... ) اليوم (... ) الليلة.
الشيخ: طلع الفجر وهو ما وصل عرفة وهو محرم بالحج ماذا يصنع؟ الطالب: (... ). الشيخ: ماذا يصنع الآن؟ الطالب: يتم الحج.
الشيخ: يتم الحج؛ يعني: يمشي مع الناس؛ يعني: يذهب إلى منى، ويرمي الجمرات، ويبيت في منى؟ ! طالب: يتحلل بعمرة.
الشيخ: نعم، يتحلل بعمرة يعني؟ الطالب: يحجب الحج بعمرة الشيخ: إي، وماذا يصنع؟ الطالب: يعمل عمل العمرة.
الشيخ: يعمل عمل العمرة فيطوف.
طالب: ويسعى.

جارٍ التحميل