الشيخ: لأن تحريمه خاص، النظر إلى المرأة لشهوة وأنت تصلي حرام ولَّا حلال؟
الطالب: حرام.
الشيخ: مفسد؟
الطالب: ليس مفسدًا.
الشيخ: ليس مفسدًا، لماذا؟ لأن تحريمه عام.
الحيوان البرمائي، مركب الاسم هذا، إذا كان في البر فيعتبر بريًّا، وفي حالة وجوده في الماء يعتبر مائيًّا أو بحريًّا على الأصح، توافقون على رأيه؟
يعني البرمائي إن قتلته وهو في البحر فهو حلال، وإن قتلته في البر فهو حرام، ما يصير هذا، ذكرنا أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر يُغلَّب جانب الحاظِر، فيكون هذا حرامًا.
يقول: إذا صاد رجل صيدًا بريًّا لنفسه وقدمه للمحرم، هل يجوز أكله؟ ويش الجواب؟
لا يجوز، المحرم إذا صاد صيدًا فهو حرام عليه وعلى غيره من الْمُحِلِّين والْمُحرِمين.
طالب: صاده لنفسه.
الشيخ: إي، صاده لنفسه، لكن محرم هو، ولَّا غير محرم؟ ما تقولون؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: صاد رجل حلالًا صيدًا لنفسه، وقدمه لمحرم، ذكرنا في هذا قولين يا جماعة!
طالب: رجحنا أنه حلال.
الشيخ: إي نعم، لكن ذكرنا قولين؛ يعني كأن السائل أشكل عليه القول الثاني، ذكرنا فيه قولين، وقلنا: الصواب أنه حلال، وأن هذا هو وجه الجمع بين حديث أبي قتادة وحديث الصعب ابن جثامة.
طالب: حديث عثمان في صحيح مسلم: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ» (9). هذا يدل على جواز عقد الإنسان بين التحلل الأول كما قال شيخ الإسلام؟
طالب آخر: السؤال يا شيخ؟
الشيخ: السؤال يقول: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ».
ألا يدل على أنه يحل عقد النكاح بعد التحلل الأول كما هو الرواية الثانية عن أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن المحرم بعد التحلل الأول لا يطلق عليه اسم المحرم الكامل؟ نقول: هذا المسألة ستأتينا إن شاء الله.
«حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» (10)، فهل المراد «إِلَّا النِّسَاءَ».
وما يتعلق بهن كالخطبة والعقد، أو المراد «إِلَّا النِّسَاءَ».
أي: إلا الاستمتاع بالنساء.
فالمسألة فيها قولان، ولكننا عمليًّا ينبغي أن نقول: لا تعقد النكاح حتى تتحلل تحللًا كاملًا، إنما لو فُرض أنه وقع أنه عقد النكاح قبل أن يحل التحلل الكامل، فهذه ربما نقول بقول شيخ الاسلام ابن تيمية الذي هو الرواية الثانية عن أحمد لعِظم المشقة.
فيه أناس جاؤوا من حج قبل العام، ولم يحلوا التحلل الثاني، وتزوج وجاءهم أولاد من قبل العام أخبرناهم أنه يجب أن يرجعوا إلى مكة، ويكملوا الحج فيرجعوا إلى مكة، ويحرموا من الميقات، وإذا أتموا العمرة أتوا بالطواف؛ طواف الإفاضة؛ لأنهم هم تركوا طواف الإفاضة، فقالوا: النكاح، العقد، والأولاد.
فحينئذٍ رأينا -يعني بعد التأمل- أن القول بأن عقد النكاح حرام فيه نظر من حيث الدليل؛ لأن قول الرسول «إِلَّا النِّسَاءَ» فيه احتمال قوي أن المراد الاستمتاع بهن بجماعٍ أو غيره، وأن العقد لا يدخل فيه، ولا سيما أن من تحلل التحلل الأول لا يطلق عليه أنه محرم إحرامًا كاملًا.
فقلت لهم: العقد -إن شاء الله- صحيح، والأولاد شرعيون، ولكن اذهبوا، ولا يأتين أحدكم امرأته، اذهبوا وكمِّلوا الحج بعد أن تأتوا بعمرة وطواف وسعي وتقصير أو حلق، ثم تأتوا بطواف الإفاضة.
طالب: أحسن الله إليك، تكلمنا عن الخطبة، ولم نتعرض لتعريف للخطبة، هل يدخل الخطبة؟
الشيخ: إي، أولًا: الخِطبة خِطبة المحرم؛ يعني لو خطب الرجل المحرِم من شخص، هل الخطبة حرام أو مكروهة؟ الصحيح أنها حرام؛ لأن النهي فيها واحد مع العقد والخطبة أنها حرام، وعموم الحديث: «وَلَا يَخْطِبْ» (9)، أنه لا يخطب تعريضًا، ولا تصريحًا.
باب الفدية
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب الفدية
يخير بفدية حلق، وتقليم، وتغطية رأس وطيب بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مُد بُرٍّ، أو نصف صاع تمر أو شعير أو ذبح شاة.
ويجزئ صيد بين مثلٍ إن كان، أو تقويمه بدراهم يشتري بها طعامًا، فيطعم كل مسكين مُدًّا، أو يصوم عن كل مد يومًا، وبما لا مثل له بين إطعام وصيام، وأما دم متعة وقران، فيجب الهدي، فإن عدمه فصيام ثلاثة أيام، والأفضل كون آخرها يوم عرفة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن المحظور السابع من محظورات الإحرام عقد النكاح، وبينَّا دليله، وأنه إذا عُقد لا يصح، وبينَّا دليله وتعليله أيضًا، وسبق لنا أنه ليس فيه فدية وبينَّا الدليل؛ وأن الدليل هو عدم الدليل.
وسبق أن الرجعة تصح، وبينَّا الفرق بينها وبين العقد؛ بأن رجعة استدامة والعقد ابتداء، والاستدامة أقوى من الابتداء، ومثَّلنا لذلك بالطيب يُسن للمحرم قبل إحرامه، ويبقى بعد الإحرام ويُمنع من الابتداء، وأن المحظور الثامن الجماع، وأنه أشدها تأثيرًا وأعظمها إثمًا؛ لأن الله نص عليه في القرآن فقال: ﴿فَلا رَفَثَ﴾ [البقرة 197]، وأن الجماع له حالان؛ حال قبل التحلل الأول، فيترتب عليه خمسة أشياء: الإثم، وفساد النسك، والمضي فيه، والقضاء، وفدية مقدارها بدنة، وأنه بعد التحلل الأول يترتب عليه الإثم والفدية، والخروج إلى أدنى الحل ليُجدِّد إحرامه؛ لأنه يفسد إحرامه.
وسبق لنا أن المباشرة هي المحظور التاسع، وأنها إن أنزل فيها ففيها بدنة إذا كانت قبل التحلل الأول، وبينا أن القول الصحيح في هذا أنه لا تجب فيها البدنة، وأنه لا يصح قياسها على الجِماع لما بينهما من الفروق الكثيرة، وسبق لنا أن المؤلف -رحمه الله- وهم في نقل حكم مسألة إلى أخرى؛ وذلك في قوله في المباشرة: (إنه يحرم من الحل لطواف الفرد)، وبينا أن هذا سهو من المؤلف، وأنه إنما ذكر العلماء ذلك فيمن جامع بعد التحلل الأول، وبينا أن إحرام المرأة كالرجل إلا ما استثني، وبينا علة ذلك، وأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام إلا بدليل، وبينا أنها تجتنب البرقع والقفازين والنقاب وتغطية الوجه على رأي المؤلف، وبينا أن الصحيح أنه لا يلزمها كشف الوجه، وإنما المحرم هو النقاب، وفرق بين النقاب الذي هو لباس، وبين التغطية التي هي مجرد ستر، وبينا أن ما اشتهر من أن إحرام المرأة بوجهها غير صحيح، وبينا أنه يباح التحلي، ولكن بشرط أن لا تتبرج به.
ثم قال المؤلف: (باب الفدية)
الفدية: ما يُعطى فداء لشيء، ومنه فدية الأسير في الحرب حيث يعطينا شيئًا، ثم نفكه، فالفدية كل ما يُعطى فداء لشيء فهو فدية، والفدية أقسام، بل ينبغي أن نقول: إن محظورات الإحرام تنقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: ما لا فدية فيه، وهو عقد النكاح.
والثاني: ما فديته مُغلَّظة؛ وهو الجماع في الحج قبل التحلُّل الأول.
والثالث: ما فديته الجزاء أو بدله، وهو قتل الصيد.
والرابع: ما فديته فدية أذى، وهو بقية المحظورات.
هذه القسمة حاصرة تُريح طالب العلم.
وفدية الأذى: إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام متتابعة، أو متفرقة، أو ذبح شاة، تُذبح وتُوزَّع على الفقراء؛ هذه فدية الأذى مأخوذة من قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196].
قال المؤلف مبينًا ذلك، لكنه ليس على وجه التقسيم والحصر:
(يُخيَّر) فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود على الْمحرِم الذي فعل محظورًا، والتقدير: يُخير المحرم إذا فعل محظورًا من هذه الأجناس، (يُخيَّر بفدية حلق) حلق الشعر الرأس أو غيره على المذهب.
(وتقليم) الأظفار؛ اليدين والرجلين، (وتغطية رأس، وطيب)، يخير في هذه الأربعة (بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مُد بُرٍّ، أو نصف صاع تمر أو شعير، أو ذبح شاة).
لبس المخيط داخل في أي الاقسام الأربعة؟ في الأخير فدية الأذى.
(بين صيام ثلاثة أيام)، هذا واحد (أو إطعام ستة مساكين) هذه اثنين (أو ذبح شاة)، هذه ثلاثة.
دليل هذه الفدية من حيث الجملة، قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
﴿صِيَامٍ﴾ مجمل، لم يبينه الله عز وجل، لكن بينه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ مجمل أيضًا، لكن بينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ مبين؛ لأن النسك هو الذبيحة، الصيام بينه الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه ثلاثة أيام، والإطعام بأنه إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع؛ فالصاع عن يوم؛ لأن ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع ثلاثة آصع، كل صاع عن يوم، وهذا خلاف بقية الكفارات، كل إطعام مسكين عن يوم في الظهار، صيام كم؟ شهرين متتابعين، إطعام ستين مسكينًا، والغالب أن الشهرين ستون يومًا، وكذلك في كفارة الوطء في رمضان، لكن هذا خلاف الكفارات.
وقول المؤلف: (لكل مسكين مد بر، أو نصف صاع تمر أو شعير)، ظاهر كلام المؤلف أن الفدية في الطعام محصورة في هذه الأصناف الثلاثة، البر، والتمر، والشعير، وهذا غير مراد؛ لأن المراد ما يطعمه الناس، من تمر، أو شعير، أو بر، أو رز، أو ذرة، أو دخن، أو غيره.
ولكن المؤلف هنا فرَّق بين البر وغير البر، البر مد، وغير البر نصف صاع، والمد نصف الصاع؛ يعني أن صاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعة أمداد، نصفه مدان، ففرق المؤلف رحمه الله بين البُرِّ وغيره، ولم يفرق بين البر وغيره في باب الفطرة.
في باب الفطرة صاع من بر، أو صاع من تمر، أو شعير، أو غير ذلك مما يخرج منه، وهنا فرَّق، والفقهاء رحمهم الله يفرقون بين البر وغيره في جميع الكفارات والفدى، إلا في صدقة الفطر، ولهذا طرد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله طرد القاعدة، وقال: إن البُرَّ على النصف من غيره، ففي الفطرة نصف صاع عند شيخ الإسلام.
ولكن مذهبنا مذهب أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: لما قدم معاوية المدينة، وقال: أرى مُدًّا من هذه يساوي مُدَّيْن من الشعير، قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم (11). ونحن نقول كما قال أبو سعيد رضي الله عنه.
في هذه المسألة فرق المؤلف بين البُرِّ وغيره، فقال من البر، كم؟ مد أي: ربع صاع، ومن غيره نصف صاع، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لكعب بن عجرة: «أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» (12)، فعين المقدار، وأطلق النوع، فظاهر الحديث أن الفدية نصف صاع لكل مسكين، سواء من البر أو من غيره؛ وهذا هو الصحيح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أطلق، بيَّن المقدار وأطلق النوع، فنقول: إن قول المؤلف مُد بر ضعيف، والصواب: نصف صاع، من البر وغير البر، فتكون الآصع كم؟
طالب: ثلاثة آصع.
الشيخ: وهو كذلك.
قال: (أو ذبح شاة) أطلق المؤلف (شاة)، فهل المراد الأنثى من الضأن، أو المراد ما هو أعم من ذلك؟
الثاني: شاة، سواء كانت خروفًا أم أنثى، معزًا أم ضأنًا، بل معز أو ضأن أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة، فليس المراد الأنثى من الضأن.
نرجع إلى كلام المؤلف، يقول رحمه الله: (صيام ثلاثة أيام)، هل يشترط التتابع؟ لا يشترط التتابع؛ لأن ما أطلقه الشرع يجب أن يكون على إطلاقه، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال لكعب بن عجرة: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» (12) ولم يقيدها.
وفي صوم المتعة قال الله تعالى: ﴿صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة 196]، فأطلق ولم يشترط التتابع، وعلى هذا فلا يُشترط التتابع لا في صيام المتعة، ولا في صيام فدية الأذى، بل إن شئت صم يومًا بعد يوم، وإن شئت صمها متتابعة.
أنت بالخيار، وهكذا نطلق كل ما أطلقه الشرع؛ لأن إضافة قيد إلى مطلق في غير دليل من الشرع تضييق لشرع الله؛ لأنك كلما زدت قيدًا ضيقت درجة ولا بد.
فإذا قال قائل: ألستم تقولون: إن كفارة الأيمان ثلاثة أيام متتابعة، والله عز وجل أطلق، قال: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89]؟
فالجواب أنه قد صح عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: (صيام ثلاثة أيام متتابعة)، وقراءة ابن مسعود حجة حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام أحال عليها، فقال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» (13). يعني عبد الله بن مسعود، إذن أربعة محظورات فديتها فدية أذى.
إذا قال قائل: الحلق عرفنا دليله من القرآن، فما الدليل في التقليم؟ القياس.
ما الدليل في تغطية الرأس؟ القياس.
ما الدليل في الطيب؟
طلبة: القياس.
الشيخ: الفدية، هل في الطيب نص في الفدية؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذن القياس.
فصارت الثلاثة هذه كلها بالقياس، والمانعون للقياس يمنعون الفدية في هذه الثلاثة، القياس ممنوع خصوصًا وأن علة القياس هنا غير ظاهرة؛ لأن العلة التي يكون بها القياس هنا الترفه، وهذه علة سبق أن بحثنا فيها، وبينا أنها ليست في ذاك القوية.
قال: (وبجزاء صيد)؛ يعني ويُخير بجزاء، وعلى هذا فالواو حرف عطف و (وبجزاء) معطوفة على قوله: (بفدية)، لكنها بإعادة العامل، وهي الباء، أما المتعلَّق فهو باقٍ؛ يعني ويخير بجزاء صيد بين مثل إن كان، أي: مثل للصيد إن كان له مثل، وإن لم يكن له مِثل فله حكم آخر.
وعلى هذا فنقول: الصيد نوعان: نوع له مثل من النعم؛ فهذا جزاؤه مثله؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] ثلاثة أشياء، وكلما جاءت (أو) في القرآن فهي للتخيير، هكذا جعلها قاعدة بعض المفسرين.
إذن يُخيَّر بين مثله إن كان، فماذا يصنع في الْمِثل؟ يذبحه، ويتصدق به على فقراء الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95].
(أو تقويمه بدراهم يشتري بها طعامًا فيطعم كل مسكين مُدًّا، أو يصوم عن كل مُدٍّ يومًا) أو تقويمه بدراهم، هل هو تقويم المثل أو تقويم الصيد؟
طالب: المذهب الثاني.
الشيخ: المذهب أنه تقويم المثل؛ لأنه هو الواجب في الكفارة، وقيل: تقويم الصيد؛ لأنه إذا عدل عن المثل وجبت القيمة، فيكون الْمُقوَّم الصيد، فالمذهب يقولون: الذي يقوَّم المثل؛ لأنه هو الواجب أصلًا، فإذا كان هو الواجب أصلًا، فالواجب قيمته، ومنهم من يقول: يُقوَّم الصيد؛ لأنه لما عدل عن المثل صار كالصيد الذي لا مِثل له، والصيد الذي لا مِثل له، جزاؤه قيمته، لكن المذهب أن الضمير في قوله: (تقويمه)، يعود على المثل بدراهم يشتري بها طعامًا، فيطعم كل مسكين مدًّا أو يصوم عن كل مُدٍّ يومًا.
وقوله: (يشتري بها طعامًا)، ليس هذا على سبيل المثال، وليس على سبيل التعيين؛ يعني له أن يقومه بدراهم؛ أي المثل، ثم يخرج من الطعام الذي عنده ما يساوي هذه الدراهم.
فقول المؤلف: (يشتري بها طعامًا)، هذا على سبيل التمثيل لا التعيين؛ بمعنى أنه لو كان عنده طعام يُقوِّم المثل، ثم يُخرج من الطعام الذي عنده بقدر قيمته.
(يُطعم كل مسكين مدًّا، أو يصوم عن كل مد يومًا) مثال ذلك: الحمامة، مِثلها الشاة، فالشاة جزاء الحمامة؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، أي ممثالة بين الشاة وبين الحمامة؟
الشاة أرجلها أربعة، والحمامة اثنتان؛ الشاة لها ألْية، والحمامة ما لها ألْية، يقولون: المشابهة في شُرْب الماء، المماثلة في شرب الماء، سبحان الله! ! الشاة تعب الماء عبًّا، والحمامة تعبه عبًّا، تعرف تعبه؟
طالب: (... ).
الشيخ: إي، كمص الصبي للثدي، تمصه حتى مرة واحدة، لكن الدجاجة إذا ملأت منقارها رفعت رأسها، ولا بد، لكن الحمامة إذا وضعت منقارها في الماء ما ترفع رأسها حتى تروى، وكذلك الشاة.
رجل محرم قتل حمامة، نقول: أنت بالخيار، اذبح شاة وتصدق بها على فقراء الحرم، قُوِّم الشاة بدراهم، وأخرجْ بدل الدراهم طعامًا، أو أخرج الدراهم؟ لا، طعامًا؛ لأنه قال: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾.
قدَّرنا الشاة بمئتي ريال، قدرنا الطعام فيه بمئتي صاع، كل صاع بريال، مئتا صاع من أربعة المد كم؟ ثمان مئة مد، نقول: الآن أخرج طعامًا قدره كم؟ قدر طعام بالأصواع مئتا صاع، وإن شئت اعدل عن الطعام وصم ثمان مئة يوم؛ لأنه عن كل مد يومًا، فأيها يختار؟ هو سيختار إما الشاة، وإما الطعام؛ لأن الغالب ثمان مئة يوم صعب، لكن الحمد لله على التخيير المسألة، نقول: أنت الآن بالخيار.
الدليل الآية الكريمة: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] بقينا من الذي يُقدِّر الْمِثْل؟
قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: 95] ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أي: بالْمِثْل ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾، فالواحد لا يكفي، لا بد من اثنين، وسيأتينا في الباب الذي يليه -إن شاء الله- أن ما قضت به الصحابة وجب الرجوع إليه، وما لم تقضِ به الصحابة يُقوَّم، رجلانِ ينظرانِ في المماثلة.
قال: (وبما لا مثل له) هذا النوع الثاني، (وبما لا مثل له بين إطعام وصيام)، إذن يُخير بما لا مثل له بين شيئين: ما هما؟
طلبة: إطعام وصيام.
الشيخ: إطعام، وصيام، ويش اللي سقط؟
طالب: الْمِثْل.
الشيخ: المثل، لماذا سقط؟
طلبة: لعدم الماثلة.
الشيخ: لعدم المماثلة، فالصيد الذي ليس مثل في قيمته، إما أن يشتري بقيمته طعامًا يطعمه على الفقراء، وإما أن يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا.
مثال الذي لا مثل له: الجراد، الجراد صيد لا مثل له، فإذا قتل المحرم جرادًا فعليه: إما قيمته يشتري بها طعامًا يطعم كل مسكين مدًّا، وإما أن يصوم عن كل مُدٍّ يومًا.
انتهينا من جزاء الصيد الآن، فصار جزاء الصيد ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يكون في صيد له مثل، والثاني: أن يكون في صيد ليس له مثل، فإن كان في صيد له مِثل خُيِّر بين ثلاثة أشياء: ذبح المثل، إطعام يقابل قيمة المثل، صيام يقابل الإطعام عن كل مُدٍّ يومًا.
(ما لا مثل له) يخير بين الإطعام وصيام فقط، وسقط المثل؛ لأنه لا مثل له؛ إذن الآن مر علينا نوعان من الفدية كلاهما على التخيير؛ فدية الأذى، والثاني: جزاء الصيد.
طالب: الراجح في التقويم؟
الشيخ: الراجح في التقويم البدل؛ أن العبرة قيمة البدل، وليس قيمة الصيد، أيهما أكثر؟
الطالب: البدل.
الشيخ: ما هو على كل حال، قد يكون البدل، وقد يكون الصيد، إذا صاد غزالة مثلها عنز، عنز تسوى عشرين ريالًا، والغزالة تسوى ألفي ريال، الغزال أغلى؟ طيب.
طالب: بعض العنوزة يا شيخ تباع بعشرة آلاف.
الشيخ: أي عنوزة؟ العنوزة الأهلية؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما شاء الله!
طالب: وفيه بخمسة عشر ألفًا.
الشيخ: على كل حال هذا نادر.
الآن قسمنا المحظورات إلى أربعة أقسام: ما فديته، ما لا فدية فيه، وما فديته مغلظة، وما فديته جزاؤه، وما فديته فدية هذا.
المؤلف رحمه الله دخَّل بعضها ببعض، ولكننا لم نوافقه على ذلك، قال في آخر الباب قبل الفصل: (ويجب بوطءٍ في فرج في الحج بدنة وفي العمرة شاة، وإن طاوعته زوجته لزمها).
(يجب بوطء في حج) متى؟ قبل التحلل الأول يجب أن يقيد.
(يجب بوطء) الباء للسببية، (وطء) يعني جماعًا، (في فرج) لا بين الفخذين مثلًا، في الحج بدنة، فيه شرط أن يكون قبل التحلل الأول، هذه الفدية المغلَّظة فيها بدنة.
(وفي العمرة شاة) هذه الشاة فدية أذى؛ لأن كل ما أوجب شاةً من المحظورات فهو فدية أذى؛ ولهذا أكثر المحظورات تعتبر فدية أذى؛ الجماع بعد التحلل الأول يُوجب شاة، إذن فديته فدية أذى، المباشرة بدون إنزال فدية أذى، وبإنزال -على القول الصحيح أيضًا- فدية أذى، فأنتم إذا عرفتم الحصر الذي ذكرناه صار عندكم راحة.
بقي علينا القسم الرابع ما هو؟ ما لا فدية فيه، وهذا مذكور في الباب الأول اللي قبل هذا، قال: (ويحرم عقد النكاح، ولا يصح ولا فدية)، وأهمل ذكره هنا؛ لأن الباب يقول فيه المؤلف: باب الفدية، وعقد النكاح ليس فيه الفدية.
ثم قال: (وأما دم متعة وقران، فيجب الهدي، فإن عدمه فصيام ثلاثة أيام، والأفضل كون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع إلى أهله)، دم المتعة والقران ترتيب، وليس بتخيير، يجب فيه هدي، فإن عدمه صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196].
فصار الواجب بالمتعة والقران، الواجب هدي، فإن لم يجد فصيام، هل فيه إطعام؟ لا، فإذا كان غير قادر على الهدي، ولا قادر على الصيام سقط عنه؛ لأن الله لم يذكر إلا الهدي والصيام فقط.
وقول المؤلف: (وأما دم متعة وقران فيجب الهدي)، لم يذكر المؤلف ما نوع الهدي، ولكننا ذكرنا -فيما سبق- أن كل هدي أطلقه الشرع ويُتقرب به إلى الله فإنه لا بد فيه من شروط: أن يكون من بهيمة الأنعام، وأن يبلغ السن المقدر شرعًا، وأن يكون سليمًا من العيوب المانعة من الإجزاء، وأن يكون في زمان الذبح، لكن هذا خاص بالمتعة والقران؛ لأن فعل المحظور حيث وُجد في أي يوم وفي أي مكان، وكذلك المكان خاص بالمتعة والقران.
نحن ذكرنا قبل قليل أن الذي فيه شاة يكون تخييرًا، وهنا يقول: ترتيب، مع أن الواجب شاة، فهل كلامنا مناقض لكلام المؤلف؟
طالب: لا.
الشيخ: كيف لا؟ نحن قلنا: ما أوجب شاةً من المحظورات، وهذا دم المتعة والقران ليس دم المحظور، ولهذا نقول: هل هو من الجبران أو الشكران؟
من الشكران؛ فهو دم شكر، وليس دم جبر؛ لأن النسك لم ينقصه شيء، بل تُمِّم النسك؛ فمِن تمام النسك أوجب الله سبحانه وتعالى على الناسك هذا الهدي، شكرًا لله على هذه النعمة، ولذلك كان دم المتعة والقران مما يُؤكل منه، ويُهدى ويُتصدق، فدم المتعة والقران تأكل منه وتهدي وتتصدق، ودم المحظور لا يؤكل منه، ولا يهدى، ولكن يصرف للفقراء.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا عدم الإنسان القيمة التي يشتري فيها دمًا أو قرانًا، هل له أن يستلف مالًا، يقترض (... )؟
الشيخ: إي، يقول: هل إذا عدم ثمن الهدي في المتعة والقران، هل يستقرض؟ نقول: لا، لا ينبغي أن يستقرض.
طالب: لو افترض أن العلة في الحلق هي التغيير، أقول: لا يقال: التنعم، وإنما يقال: التغيير تغيير الخلق.
الشيخ: تغيير الخِلقة يعني؟
الطالب: إي، الخلقة، كما أظن جاء في العشر الأول من ذي الحجة: «فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ مِنْ شَيْءٍ» (14).
الشيخ: لا، ما هو بالظاهر؛ لأن التغيير لو أن الإنسان مثلًا أخذ شيئًا من جلده، وفيه شعر، فإنه ليس عليه فدية مع أنه أشد تغييرًا، ثم الحكمة في نهي الإنسان في عشر ذي الحجة أن يأخذ من شعره وبشرته أو ظفره شيئًا، العلة في ذلك والحكمة، والله أعلم لأجل أن يُشارك الْمُحلُّون المحرمين في شيء من خصائص الإحرام.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، (... ) الحمام هو الشاة، هذا غريب علينا! !
الشيخ: إي، غريب عليك، لكن ما هو بغريب على الصحابة.
الطالب: (... ) عن الصحابة وأنا (... ).
الشيخ: الآن أنت ما رأيت الشاة وهي تشرب؟ سؤال، أجب؟
الطالب: لا، ما رأيت.
الشيخ: ما رأيت الشاة وهي تشرب؟
الطالب: لا، الشاة رأيتها، لكن الحمامة.
الشيخ: اصبر، رأيت الشاة وهي تشرب.
هل منكم من رأى الحمامة وهي تشرب؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: كيف شربها؟
الطالب: كيف شربها؟ تعب، تغمس منقارها في الماء، وتشرب إلى أن تروى وترفع رأسها.
الطالب: (... ).
الشيخ: ما هو اللي لها القيمة، العلة المماثلة، ولو من بعض الوجوه والصحابة رضي الله عنهم قالوا: الحمامة فيها شاة.
طالب: البعير.
الشيخ: النعامة فيها بعير.
الطالب: البعير (... ).
الشيخ: إي، لكن البعير طويل الكرعان، طويل الرقبة، كبير الجسم، يناسبه النعام، هذا قضاء الصحابة ما لنا فيه تصرف.
طالب: شيخ، بالنسبة للتحلل الأول قلنا: فيه قولان لأهل العلم؛ القول الأول: أن يحصل بالرمي، والقول الثاني: يحصل بالرمي مع الحلق أو التقصير، الدليل اللي استدللنا فيه بالحلق أو التقصير قلنا: إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، وهذا الحديث فيه ضعف، واستشهدنا بقول عائشة: كنت أطيبه لحله قبل أن يطوف بالبيت، فوجه الدلالة قبل أن يطوف بالبيت؟
الشيخ: ذكرناها البارحة.
طالب: نفس المسألة يعني إشكال عليها، هذا ليس من المماثل، هذا من التشابه بين الشاة وبين.. ؟
الشيخ: من عنده سؤال؟
طالب: نقول: يا شيخ، لو اشترك المحرم مع ستة في بعير، وهم يريدون (... ) وهو يريد القربة، هل نعتبر أن النية نيته أو نية.. ؟
الشيخ: سؤال يقول: إن سبع البدنة يجزئ عن الشاة، فما رأيكم لو أن ستة من الذين شاركوا الرجل أرادوا اللحم وهو أراد القربة، أيجزئ أم لا؟
الجواب: يجزئ؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (15).
طالب: عرفنا ما يترتب على المباشرة قبل التحلل الأول، فهل يترتب عليه بعده (... )؟
الشيخ: بعد التحلل الأول يقول: كل محظور سوى عقد النكاح فيه فدية أذى، لكن الإثم بعد التحلل الأول أقل من الإثم قبل التحلل الأول.
ما شاء الله! !
طالب: شيخ، قضاء الصحابة في (... ).
الشيخ: لا، هم حكمهم يرفع الخلاف؛ لأن الله فوض الأمر إليهم، قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة 95]، ففوض الأمر إليهم، فما قضوا به وجب الرجوع إلى قضائهم فيه.
طالب: لماذا نلحق الخمسة في حلق الرأس، وما نلحقها في عقد النكاح؟
الشيخ: يسأل: يقول: لماذا نُلحق الخمسة بحلق الرأس ولا نلحقها بعقد النكاح؟
واحد آخر يقول: لماذا لا نُلحق عقد النكاح بهذه الخمسة؟ لأن التلفظ بعقد النكاح موجود.
على كل حال هذا كلام الفقهاء رحمهم الله، وما قاله الفقهاء فهو الذي عليه الجمهور، وأنتم تعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا مرة واحدة بعد فرض الحج؛ ولهذا تجد العلماء غالب أحكامهم تكون أقيسة، بعضها واضح، وبعضها خفي، وأحيانًا يكون تحكمًا من بعض الفقهاء بدون دليل أو بنظر غير صحيح؛ ولهذا لو أن أحدًا قال: أنا أريد أن أقَعِّد قاعدة، الأصل براءة الذمة حتى يثبت أن هذا فيه فدية؛ لأن الله يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل 89]، فإذا قال الله: هذا حرام، ولم يقل: وفيه فدية؛ فهو حرام ولا فدية فيه، ويكفي المؤمن أن يقال له: إن فعلتَ كذا فأنت آثم، لكن نظرًا إلى أن جمهور العلماء يقولون بهذا، وأن إيجاب الفدية على الناس من باب السياسة التي تمنعهم من الوقوع في المحظور؛ لأنك لو قلت..
فإن عَدِمَه فصِيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ، والأفْضَلُ كونُ آخِرِها يومَ عَرَفَة، وسبعةٍ إذا رَجَعَ إلى أَهْلِه، والْمُحْصِرُ إذا لم يَجِدْ هَدْيًا صامَ عَشرةً ثم حَلَّ، ويَجِبُ بِوَطْءٍ في فَرْجٍ في الْحَجِّ بَدَنَةٌ، وفي العُمرةِ شاةٌ، وإن طاوَعَتْهُ زوجتُه لَزِمَها.
(فصلٌ)
ومَن كَرَّرَ محظورًا من جِنْسٍ ولم يَفْدِ فَدَى مَرَّةً بخِلافِ صَيْدٍ، ومَن فَعَلَ مَحظورًا من أجناسٍ فَدَى لكُلِّ مَرَّةٍ رُفِضَ إحرامُه أو لا، ويَسْقُطُ بنِسيانٍ فِديةُ لُبْسٍ وطِيبٍ، وتَغطيةِ رأسٍ دونَ وَطْءٍ، وصَيْدٍ وتقليمٍ وحِلاقٍ،
لأن الله فوَّض الأمر إليهم، قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95]، ففوَّض الأمر إليهم، فما قضوا به وجب الرجوع إلى قضائهم فيه.
طالب: (... ) حلق الرأس (... ).
الشيخ: يسأل يقول: لماذا نلحق الخمسة بحلق الرأس ولا نلحقها بعقد النكاح؟ وواحد آخر يقول: لماذا لا نلحق عقد النكاح بهذه الخمسة؛ لأن التلفظ بعقد النكاح موجود؟
على كل حال هذا كلام الفقهاء رحمهم الله، وما قاله الفقهاء فهو الذي عليه الجمهور، وأنتم تعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا مرة واحدة بعد فرض الحج، ولهذا تجد العلماء غالب أحكامهم تكون أقيسة، بعضها واضح، وبعضها خفي، وأحيانًا يكون تحكُّمًا من بعض الفقهاء بدون دليل، أو بنظر غير صحيح.
ولهذا لو أن أحدًا قال: أنا أريد أن أُقَعِّدَ قاعدة: الأصل براءة الذمة حتى يثبت أن هذا فيه فدية؛ لأن الله يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]، فإذا قال الله: هذا حرام، ولم يقل: وفيه فدية، فهو حرام، ولا فدية فيه، ويكفي المؤمن أن يقال له: إن فعلت كذا فأنت آثم، لكن نظرًا إلى أن جمهور العلماء يقولون بهذا، وأن إيجاب الفدية على الناس من باب السياسة، السياسة هي التي تمنعهم من الوقوع في المحذور؛ لأنك لو قلت لشخص لبس قميصًا وسراويل وعمامة وخُفًّا، لو قلت: ليس عليك في هذا إلا أن تستغفر الله، قال: بس (... ) دائمًا يقولون كذا، إذا سأل وقلنا: عليك التوبة، قال: بس التوبة؟ والتوبة هي هيِّنَة، لكن العامة ما يدرون، يقول: إن شئت أملأ لك منى ومزدلفة وعرفات من الاستغفار والتوبة (... ) ما عَلَيَّ ولا قِرش (... )، من أجل سياسة الخلق لإصلاحهم نقول: قال العلماء كذا وكذا، ونُفْتِيهم.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلِّم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله وإيانا:
وأما دم متعة وقِرَان فيجب الْهَدْي، فإن عدمه فصيام ثلاثة أيام، والأفضل كون آخرها يوم عرفة وسبعة إذا رجع إلى أهله، والْمُحْصَر إذا لم يجد هديًا صام عشرة أيام ثم حَلَّ.
ويجب بوطء في فرج في الحج بدنة، وفي العمرة شاة، وإن طاوعته زوجته لَزِمَاهَا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبق لنا أن المحظورات بالنسبة للفدية تنقسم إلى أربعة أقسام:
ما لا فدية فيه، وما فديته مغلَّظة، وما فديته فدية أذى، وما فديته جزاؤه.
فما هي فدية الأذى؟
طالب: فدية الأذى مِن حَلْق الشعر.
الشيخ: لكن ما هي؟
الطالب: فدية الأذى إما شاة وإما إطعام ستين مسكينًا.
الشيخ: ستين مسكينًا؟
الطالب: قلنا: ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام.
الشيخ: لكل مسكين؟
الطالب: نصف صاع.
الشيخ: نصف صاع، لماذا سُمِّيَت فدية أذى؟
الطالب: لأنه أزيل عنه الأذى.
الشيخ: لماذا سُمِّيَت فدية أذى؟
طالب: لأن هذا أول ما شرعت كان (... ).
طالب آخر: لأنه يُزَالُ الأذى.
طالب آخر: لأنه موافق نص القرآن.
الشيخ: لقوله تعالى..
طالب: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: 196].
الشيخ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196].
وأما المغلَّظة فهي فدية الجماع في الحج قبل التحلل الأول، وهي بدنة.
وأما الجزاء ففي الصيد، وذكرنا أن الصيد ينقسم إلى قسمين: ما له مثل، وما ليس له مثل، فالذي له مثل يُخَيَّر بين ذبح المثل، أو تقويمه؛ يشتري بها طعامًا فيطعم عن كل مسكين مُدَّ بُرٍّ، أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا، وأما الذي ليس له مثل فيُخَيَّر فيه بين شيئين؛ بين الإطعام والصيام.
بسم الله الرحمن الرحيم، ذكرنا أن المؤلف رحمه الله تعالى أدخل دم المتعة والقِرَان بين فدية المحظورات، وهذا من حيث التنظيم التأليفي فيه نظر؛ لأن الذي ينبغي أن يجعل كل صنف مع صنفه.
هنا قال: (وأما دم متعة وقِرَان فيجب الهدي)، ودليل وجوب الْهَدْي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [البقرة: 196] إلى آخره.
فقول: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ مبتدأ، خبره محذوف، والتقدير: فعليه ما استيسر من الْهَدْي.
﴿مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ هذا باعتبار الوجود، لا باعتبار الْهَدْي نفسه، ولهذا لا يجزئ من الْهَدْي إلا إذا جمع شروطًا؛ أن يكون من بهيمة الأنعام، وأن يبلغ السن المعتبَر شرعًا، وهو في الضأن ستة أشهر، وفي المعز سنة، وفي البقر سنتان، وفي الإبل خمس سنوات، والثالث أن يكون سليمًا من العيوب المانعة في الإجزاء، وهي أربعة؛ فلا تجزئ العوراء البَيِّن عَوَرُها، ولا المريضة البَيِّن مرضها، ولا العرجاء البَيِّن عرجها، ولا العجفاء، وهي الهزيلة التي ليس فيها مُخّ، هذا قوله: ﴿مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
أما متى وأين يُذْبَح فإنه يُذْبَح في يوم العيد وأيام التشريق الثلاثة بعده، وأما أين يُذْبَح فيُذْبَح في منى، وهو الأفضل، أو في مكة، أو في أي مكان من الحرم، أي مكان داخل حدود الحرم، وأما لو ذبحه في عرفة أو ذبحه في الشرائع مثلًا، أو ذبحه في الحديبية في طرفها الغربي، فإن ذلك لا يجزئ، لماذا؟ لأنه خارج حدود الحرم.
يقول المؤلف: (وقِرَان) دم قِرَان، فعطف دم القِرَان على دم المتعة، وهو واضح في أن المؤلف رحمه الله يرى وجوب الدم على القارِن، وهذا مذهب جمهور العلماء؛ أن القارن عليه دم، كما أن المتمتِّع عليه دم، وقد جرى البحث في هذا، وكوَّنَّا لجنتين؛ إحداهما ترجِّح أن القارِن كالمتمتِّع في وجوب الهدي، والثانية ترجِّح أنه ليس كالمتمتِّع في وجوب الهدي، واطلعنا على بحث إحدى اللجنتين، وهي التي ترى وجوب الدم على القارِن والمتمتِّع، وأما اللجنة الأخرى فحتى الآن لم يأتنا بحثها.
طالب: موجود.
الشيخ: موجود؟ لا بد أن نطَّلِع عليه.
طيب نخلِّيه بعد الدرس.
إذن القارِن على كلام المؤلف كالمتمتِّع، وهو قول أكثر أهل العلم، والقول الثاني أنه ليس كالمتمتِّع، وأنه ليس عليه هَدْي؛ لأن الله قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾، وهذا يقتضي أن يكون بينهما فاصل، وهو الحل، ومعلوم أن المتمتِّع بالحل ليس كالذي سيبقى على إحرامه من حين أن يُحْرِم إلى يوم العيد.
(1)
(2)
(3)
(4)
طالب: إذا أكره الزوج الزوجة في الحج، ولكن بعد المباشرة يعني كأنها راضية بينها وبين نفسها؟
الشيخ: لا، كيف يعني بعد ما وطأها ترى رضيت؟
الطالب: أثناء يا شيخ..
الشيخ: هذه لا بد منها غصبًا عليها.
الطالب: الضابط يا شيخ؟
الشيخ: الضابط إذ أكرهها ومسكها وأولج فيها هذا هو، أما كونها أثناء الجماع تتلذذ (... ) هذا شيء طبيعي.
طالب: (... )
الشيخ: إي نعم، العمرة فيها سَوْق هَدْي.
الطالب: كيف؟
الشيخ: هذا الكيف، أنا مثلًا خرجت معتمرًا آخذ من الهدي أسوقه.
طالب: بعد العمرة؟
الشيخ: مع الرسول، جاء به من المدينة.
طالب: يُشْرَع أن..
الشيخ: يُشْرَع إذا أراد عمرة أن يسوق الهدي، بل يُشْرَع أن يسوق الهدي، يعني يرسل الهدي وهو مكانه.
طالب: (... ).
الشيخ: سنة، كانت عائشة رضي الله عنها تفتل قلائد هدي الرسول عليه الصلاة والسلام، فيبعث به من المدينة إلى مكة ولم يُحَرِّم على نفسه شيئًا من محظورات الإحرام.
طالب: (... ).
الشيخ: (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: في العمرة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: قالوا: بعد السعي، إذا أتم السعي ذَبَحَهُ، قالوا: والأفضل أن يكون عند المروة.
طالب: (... ) عائشة.
الشيخ: كأنكم ما فهمتم أن الهدي يُسَاق في العمرة، سبحان الله!
طالب: (... ) بعد إرساله.
الشيخ: إي نعم، قال: الأفضل بعدما تنتهي العمرة.
طالب: بعد الحلق؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: ترى هذا المريض في آخر شعبان بيصير عليه صيام؟
الشيخ: الآن الهدي، نشوف يُسَاق في العمرة، ويرسل وليس في بلده.
طالب: ثلاث حالات.
الشيخ: ثلاث حالات.
الطالب: إن كان متمتعًا وعجز عن الصيام (... ) ولا في آخر شعبان مر المريض وعليه صيام من (... ).
الشيخ: ويش تقولون؟ يقول: رجل عليه سبعة أيام من صيام التمتع، وعليه سبعة أيام من رمضان، فمرض، ولم يَشْفَ إلا قبل رمضان بسبعة أيام، فهل يقدم صيام المتعة أو صيام رمضان؟
طالب: صيام رمضان.
الشيخ: صيام رمضان.
طالب: لا (... ).
الشيخ: إي نعم.
طالب: يعني الثلاثة أيام.
الشيخ: ما يخالف، كله واحد؛ لأن صيام الأيام الثلاثة والسبعة ما لها وقت.
طالب: ويش لون بلا وقت؟
الشيخ: يعني الأيام إذا فاتت أيام الحج ما لها وقت.
طالب: إذن صار المريض يُعْذَر بالصيام.
الشيخ: يُعْذَر، نعم.
طالب: في نفس (... ).
الشيخ: في نفس (... ) نعم.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هو الصحيح (... ) المتمتِّع إذا لم يستطع الهدي (... ) طلوع الفجر؟
الشيخ: قلنا: المذهب من فجر يوم النحر، وفيه قول ثان؛ إنه من ارتفاع الشمس قيد رمح، وهذان القولان متقاربان، يعني الغالب اللي ما (... ) عند طلوع الفجر ما (... ).
طالب: لو ترك الإنسان تكاسلًا الأيام الثلاثة؟
الشيخ: المذهب يشددون فيها تمامًا، يقول: لو تركها حتى لعذر فعليه أن يصومها وعليه دم، طيب ما عنده دم؟
طالب: هل يبقى في مكة؟ يلزم أن يبقى؟
الشيخ: لا، ما يلزم.
طالب: يقضيها يا شيخ.
الشيخ: يقضيها، وعليه دم، ولو عُذِرَ، لو كان مثلًا أنه أخَّرها لأيام التشريق، ومرض، على المذهب يلزمه أن يقضيها، ويلزمه دم.
طالب: صحيح.
الشيخ: أصلًا، ما هو بصحيح، الصحيح أنه إذا عجز لا، ما تسقط عنه مثله، مثل المرض إذا عافاه الله، يصوم.
طالب: (... ).
الشيخ: يُطْعِم عن كل يوم مسكينًا.
طالب: ويش لون عليه دم ولو (... ) يصوم (... ).
الشيخ: يقول: يصوم ثلاثة أيام عن صيام المتعة، ثم عليه دم لتأخيرها عن أيامها.
طالب: ما استطاع الدم، يصوم؟
الشيخ: ما قالوا شيئًا، إذا ما استطاع الدم يبقى حتى يجيب (... ) الدم.
طالب: (... ).
الشيخ: على كل حال، هو قول ضعيف، والقول الضعيف دائمًا يكون غير مُطَّرِد، فإذا كان غير مُطَّرِد الحمد لله.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، أبدًا الْمُكْرَه ما عليه شيء أبدًا.
طالب: قلنا فيما مضى: إن الرجل (... ).
الشيخ: إي، يعني يحرُم عليها أن تلبس الخفين قياسًا على تحريمها على الرجل.
طالب: قياسًا على..
الشيخ: على تحريمها على الرجل.
طالب: على (... ).
الشيخ: لا، قياسًا على تحريمها على الرجل، كما قسنا تحريم القفازين على الرجل قياسًا على تحريمهما على المرأة، هكذا تقول، هذا قول وجيه بلا شك، يعني كأنه يقول: يجوز للرجل أن يلبس القفازين في الإحرام، وأنه ليس حرامًا، ولا يصح قياسه على تحريمه على المرأة، نقول: هذا لا يرد؛ لأنه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان الرجال يلبسون القفازين أبدًا، بل يعد لبس القفازين من الرجال تشبهًا بالمرأة، ولهذا نحن الآن نقول: لو أن الرجل لبس قفازين أسودين لكان حرامًا عليه، ولدخل في اللعنة؛ لأنه يكون متشبهًا بالمرأة.
طالب: غير الأسود؟
الشيخ: لا، غير الأسود ما يتشبه بالمرأة، يخالفها في اللون.
طالب: بارك الله فيك، فدية الفوات، منهم مَن قال: بدنة على الأصح.
الشيخ: لا، ما هو صحيح، سيأتينا إن شاء الله في باب الفوات، والإحصار باب مستقل نتكلم عليه إن شاء الله.
طالب: (... ) مَن بَاشَرَ فأنزل بعد التحلل الأكبر.
الشيخ: التحلل الأكبر ولَّا الأول؟
الطالب: الأول.
الشيخ: ما ذكرناه يا جماعة كل محظور ففديته فدية أذى، والجماع بعد التحلل الأول محظور، فتكون فديته فدية أذى.
طالب: جامَع زوجته وهو محل وهي مُحْرِمة، وتراضوا، هل يكون في ذلك عليه شيء سدًّا للباب (... ) إذا كان مَحْرَمًا لها وهو محل.
الشيخ: كيف؟ ما فهمت.
الطالب: هو مثلًا مع زوجته مَحْرَمًا.
الشيخ: الزوج محل وهي مُحْرِمة.
الطالب: نعم، وأكرهها على الجماع.
الشيخ: فليس عليها شيء.
الطالب: لا عليه هو؟
الشيخ: ما عليه شيء، هو آثم فقط.
الطالب: ربما يُكَرِّرها مرة أو مرتين.
الشيخ: يأثم، الواجب أن تمتنع.
الطالب: ربما يكررها مرتين.
الشيخ: المهم على كل حال أنه ليس عليه شيء؛ لأنه محل، وهي ليس عليها شيء لأنها مُكْرَهَة.
طالب: شيخ، قلت: الصيد من شروطه أن يكون وحشيًّا، ولكن ما ندري وين الدليل يا شيخ؟
الشيخ: لأنه لا يسمى صيدًا إلا ما كان كذلك.
الطالب: كيف نعرف أن أصله وحشي أو إنسي؟
الشيخ: الوحشي هو المستوحش من بني آدم، ما يمكن تأخذه إلا بصيد، والمستأنس مثل الدجاج وشبهها، أشياء كثيرة يعني يسمونها الدواجن عندنا أظن.
طالب: ما وجد البدنة الذي جامع زوجته، هل عليه شاة؟
الشيخ: لا، الفقهاء يقولون: يصوم عشرة أيام قياسًا على التمتع، ولكن ما هو بصحيح.
الطالب: لكن ما يتحول إلى شاة؟
الشيخ: أبدًا، إذا لم يجد ما عليه شيء.
طالب: نهى عن صوم يوم عرفة لمن بعرفة يشمل يا شيخ غير الْمُحْرِمِين؟
الشيخ: لا، المراد به الْمُحْرِمُون، وعلى كل حال أنا نسيت أن أُنَبِّهَكم، هذا الحديث فيه مقال، لكن يؤيده أن الرسول لم يَصُم، مع أن صوم عرفة يكفِّر السنة التي قبله والتي بعده.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى: فصل:
ومَنْ كَرَّر محظورًا من جنس ولم يَفْدِ فَدَى مرًة بخلاف صَيْد، ومن فعل محظورًا من أجناسٍ فَدَى لكل مرةٍ رفض إحرامه أو لا.
ويسقط بنسيانٍ فديةُ لبس وطيب وتغطية رأس دون وطء وصيد وتقليم وحلاق.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبق لنا الواجب في دم المتعة والقِرَان، وكذلك في بقية محظورات الإحرام، وكذلك في الإحصار (... ) لنا أن الإحصار يجب فيه دم، ودليله قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، وأنه إذا عَدِمَ الدم فلا شيء عليه، على القول الراجح.
وسبق لنا أنه يجب في الإحصار حَلْق، وإن لم يكن مذكورًا في كتاب الله، لكن مذكور في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسبق لنا أن المذهب أن الدم الواجب لفوات أو ترك واجب كمتعة، وأن القول الراجح أن الدم الواجب لترك واجب إذا كان معسِرًا فلا شيء عليه، لا صيام ولا إطعام.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل: ومَن كَرَّر محظورًا من جنس واحد ولم يَفْدِ فَدَى مرة، بخلاف صيد)، إذا كرر الإنسان المحظور من جنس ولو أكثر من مرة، ولو عشر مرات، ولم يَفْدِ، فإنه يفدي مرة واحدة.
مثل: أن يُقَلِّم مرتين، أو يلبس مخيطًا مرتين، أو يحلق مرتين، أو يباشر مرتين أو أكثر، وهو من جنس واحد، فإن عليه فدية واحدة إذا لم يكفِّر، قياسًا على ما إذا تعددت أحداث من جنس واحد، فإنه يكفيه وضوء واحد، كذلك هذه المحظورات إذا فعل أشياء من جنس واحد فعليه فدية واحدة، اللبس شيء واحد، الحلق شيء واحد، التقليم شيء واحد، الطِّيب شيء واحد، تغطية الرأس شيء واحد.
وعلى هذا فلو لبس وغطى رأسه ففديتان؛ لأن تغطية الرأس من جنس، واللبس من جنس آخر، نعم، لو لبس عمامة بقصد اللبس فهنا يمكن أن نجعلها مع لبس القميص شيئًا واحدًا، لكن إذا عطى رأسه بغير ما يلبس عادة ولبس قميصًا فإنه يعتبر شيئين؛ لأنهما جنسان.
قلَّم ظفر يد وظفر رجل، شيء واحد، وإن تعدد الْمَحَلّ، كما لو لبس خفين وسراويل وقميصًا، فإنها شيء واحد، وكما لو طَيَّبَ يده ورأسه وصدره مثلًا فإنه شيء واحد، يعني: معناه تعدُّد الْمَحَلّ لا يؤثر شيئًا ما دام الجنس واحدًا.
قال المؤلف: (وَلَمْ يَفْدِ)، فعُلِمَ من كلامه أنه لو فدى عن الأول فدى عن الثاني؛ لأن الأول انتهى، وبرئت ذمته منه بفديته، فيكون الثاني تجديدًا.
وقوله: (بخلاف صيد) يعني: فإنه يتعدد بعدده، حتى ولو برمية واحدة، فإذا رمى رمية واحدة وأصاب خمس حمامات، فإن عليه خمس فدى، لا يقول: إن الفعل واحد والمحظور واحد؛ لأن الله اشترط في جزاء الصيد أن يكون مثله، والمماثلة تشمل الكمية والكيفية، فلو قدَّرْنا أنه فدى بشاة واحدة عن الخمس لم يكن أتى بمثلها، وهذا وجه استثناء الصيد؛ أن الله سبحانه وتعالى اشترط المماثلة، والمماثلة تشمل المماثلة كمًّا وكيفًا.
(ومَن فَعَلَ محظورًا من أجناس فَدَى لكلٍّ مرة)، مَن فعل محظورًا من أجناس مثل: أن يلبس القميص ويطَيِّب رأسه، وما أشبه ذلك، ويحلق ويقلِّم، هذه أربعة أجناس، فعليه أربع فِدًى، ولهذا قال: (ومن فعل محظورًا من أجناس فَدَى لكلٍّ مرةً) فدى لكلِّ واحد مرةً، وإن كرر أكثر وفدى أعاد الفدية أيضًا.
قال المؤلف: (رفض إحرامه أو لا) يعني: سواء فعل المحظور بعد أن رفض الإحرام، ونوى الخروج أم لا.
وأشار إليه المؤلف هنا؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا رفض إحرامه ارتفض وحَلَّ.
ولكن الصحيح ما قاله المؤلف؛ أن الإنسان يبقى على إحرامه ولو رفضه، اللهم إلا أن يكون غير مكلَّف، كالصغير، فإن الصغير إذا رفض إحرامه حل منه؛ لأنه ليس أهلًا للإيجاب.
وقوله: (رفض إحرامه أو لا) يعني أم لم يرفضه، ظاهره أنه لا شيء عليه برفضه، وأن وجود هذا الرفض وعدمه على حد سواء، وهذا هو الصحيح.
وقال بعض العلماء: يلزمه لرفضه دم؛ لأنه يحرُم عليه أن يخرج من النسك بعد أن تَلَبَّسَ به، فإذا رفضه وحاول الخروج فهذا وقوع في محظور، فيلزمه الدم.
والصحيح ما هو ظاهر كلام المؤلف؛ أنه لا شيء عليه.
رجل أحرم بالعمرة، ثم رفض الإحرام، ثم فعل المحظور، هل يكفِّر أو لا؟
طالب: يكفِّر على قول المؤلف.
الشيخ: ما يحتاج إلى توقف، هذا يكفِّر؛ لأن المؤلف يقول: رفض إحرامه أو لا؛ لأن رفضه للإحرام لا أثر له؛ إذ إنه لا يمكن الخروج من النسك إلا بواحد من ثلاثة أمور: إتمام النسك، التحلل إن شرط، الحصر، أما مجرد النية الإنسان يتلاعب يقول: هوّنت، هذا ما يمكن.
إذن المثال: رجل رفض إحرامه ثم لبس، هل عليه فدية؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هوّن.
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، رجل صائم فرفض صومه وشرب.
طالب: في غير رمضان؟
الشيخ: نعم.
الطالب: (... ).
الشيخ: نقول: الآن بطل الصوم في رمضان وغير رمضان، لكن في رمضان لا يحل له أن يأكل ويشرب؛ لأنه أفطر لغير عذر.
وهذا مما اختص به الحج من بين سائر العبادات، سائر العبادات إذا خرج منها، يعني رفضها، خرج منها، أما الحج فلا، الحج لا يخرج منه إلا بواحد من ثلاثة أمور؛ الأول: إتمامه، الثاني: التحلل إن شرط، والثالث: الحصر.
قال المؤلف: (ويسقط بنسيان فدية لبس وطِيب وتغطية رأس، دون وطء وصيد وتقليم وحلق)، المحظورات تنقسم باعتبار سقوطها بالعذر إلى قسمين:
قسم: تسقط فديته بالعذر.
وقسم: لا تسقط.
يقول المؤلف: (يسقط بالنسيان)، ومثله الجهل والإكراه، فدية اللبس، يعني: لو أن الإنسان نسي فلبس ثوبًا وهو مُحْرِم، فليس عليه شيء، ولكن عليه متى ذكر أن يخلعه ويلبس الإزار والرداء.
كذلك الطيب، لو تَطَيَّب وهو محرِم ناسيًا فلا شيء عليه، لكن عليه إذا ذكر أن يبادر بغسله، وفي هذه الحال، أي في حال غسله إياه، لا شيء عليه، مع أنه سيباشره؛ لأن هذه المباشرة للتخلص منه لا لإقراره، والتحرك في الشيء للتخلص منه لا يعتبر ذلك حرامًا، أرأيت لو أن شخصًا غصب أرضًا وسكن فيها، أتى بأثاثه وسيارته وأولاده وسكن، ثم جاءه رجل وَعَظَهُ، فقال: باسم الله مشينا، مدة مشيه في هذه الأرض هل يؤاخذ به؟ لا؛ لأنه إنما تحرك للتخلص.
لكن لو قام من مكانه يتمشى في الأرض هل يأثم بذلك؟ نعم؛ لأنه لم يحاول التخلص.
أيضًا الرجل يستنجي بالماء فيباشر النجاسة بيده ولا يأثم بهذا، لماذا؟ لأنه إنما يفعل ذلك للتخلص منها.
فالطِّيب الذي يغسله المحرِم إذا تطيَّب ناسيًا ثم ذَكَرَ، نقول: اغسل الطِّيب، قال: كيف أغسله، إذن معناه: أُبَاشِر الطِّيب؟ قلنا: نعم، تباشر الطِّيب لكن تخلَّص منه.
في اللباس قلنا: يجب عليه أن يخلعه، لكن سبق لنا مشكلة في هذا، ما هي؟ أنه إذا حاول خلعه غطى رأسه.
قال بعض العلماء: يوسِّع الجيب شوي وينزله من أسفل، وقلنا فيما سبق: الصحيح أنه ليس بلازم، وأن هذه التغطية عابرة للتخلص من هذا اللباس.
(وتغطية رأس) يسقط بنسيان فدية تغطية الرأس، لو غطى رأسه ناسيًا وهو مُحْرِم فلا شيء عليه، ولكن متى ذكر وجب عليه كشفه.
النوم مثله، لو أن الإنسان وهو نائم غطى رأسه هل عليه فدية؟ لا؛ لأنه مرفوع عنه القلم، لكن متى استيقظ وجب عليه كشفه.
ما هو الدليل على سقوط هذه الأشياء بالنسيان، والجهل، والإكراه؟
الدليل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، فقال الله: قد فعلت.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5].
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 106]، فالكفر إذا كان يسقط موجِبه بالإكراه، فما دونه من باب أولى، إذن هذه آيات من القرآن.
أما في السنة فالحديث المشهور: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (5)، هذا من جهة الدليل من الكتاب والسنة.
التعليل أن هذا لم يتعمَّد المخالفة، فلا يُعَدّ عاصيًا، وإذا لم يكن عاصيًا لم يترتب عليه الإثم ولا الفدية، فصار الأدلة قرآن سنة تعليل، وهو ما يسمى بالنظر، الدليل النظري.
قال المؤلف: (دون وطء وصيد وتقليم وحلق) كم هذه؟
طلبة: أربع.
الشيخ: (دون وطء) يعني: أنه لا تسقط الفدية إذا وطئ ناسيًا، أو وطئ جاهلًا، أو وطئ مُكْرَهًا، إذا وطئ ناسيًا، أو جاهلًا، أو مُكْرَهًا، لماذا قالوا؟ لأن النسيان يبعد إنسان مُحْرِم ويعرف أن الجماع حرام، يبعد أن ينسى، لا سيما وأن عليه لباس الإحرام، وإذا قُدِّرَ أنه نسي ذَكَّرَتْه زوجته.
لكن الأخير ليس بتعليل؛ لأنا نقول: إذا ذكر ارتفع النسيان، لكن ما دام ناسيًا، قد يكون هو ناسيًا، وكذلك الزوجة، يقولون: هذا النسيان فيه بعيد.
فيقال في الجواب على هذا: هل النسيان وصف مُسْقِطٌ لحكم المحظور أو لا؟ نعم، لا شك، إذا كان كذلك فسواء كثر أم لم يكثر.
الجهل قالوا: لا يُعْذَر فيه، إذا جامع زوجته جاهلًا فإنه لا يُعْذَر، ولنفرض أن رجلًا جامع زوجته ليلة مزدلفة؛ لأنه سمع أن الحج عرفة، وقال: انتهى الحج، فجامع، هذا الجماع جهل أو عمد؟ جهل، لماذا لا نعذره، والجهل هذا قريب، ليس أمرًا مستبْعَدًا أن يكون جاهلًا؟ قالوا: لأن فيه إتلافًا، أيش الإتلاف؟ قالوا: زوال البكارة.
وإذا كانت ثيبًا لها مع زوجها ثلاثون سنة، وين البكارة؟ قالوا: لأن الوطء يوجِب المهر، المهر حق من حق الله ولَّا حق الآدمي؟ حق آدمي، لو أن إنسانًا وطئ امرأة وهي غير زوجته لزمه المهر، لكن هذا المهر حق لمن؟ حق للآدمي، الآدمي ما يُعْذَر فيه بالجهل، لكن حق أكرم الأكرمين عز وجل إذا أسقطه هو سبحانه وتعالى عن عباده نلزم العباد به؟ لا.
الإكراه، قالوا: لا يسقط، لو أُكْرِه الرجل على أن يجامع زوجته لم تسقط الفدية، والمشكِل إذا كان قبل التحلل الأول، كم يلزمه؟ خمسة أحكام: البدنة، والقضاء، وفساد النسك، والمضي فيه، والإثم.
قالوا: ولو كان ما دام أُكْرِه، حتى سواء مُكْرَه ولَّا غير مُكْرَه تترتب عليه الأحكام، لماذا يا جماعة؟ قال: لأن الإكراه على الجماع لا يمكن، صحيح هذا الإكراه على الجماع لا يمكن.
طلبة: (... ).
الشيخ: ترى ما هو بالموطوء، كلامنا في الواطئ ولَّا الموطوءة؟ سبق أن المرأة الموطوءة إذا أُكْرِهَت لا شيء عليها، لكن هذا الواطئ قالوا: لا يمكن يُكْرَه؛ لأنه لا وطء إلا بانتشار، ولا انتشار مع إكراه، ولكن هذا التعليل عليل؛ لأنه من قال: إنه لا ينتشر مع الإكراه، إذا أجبرته زوجته ولنقل: إنها زوجة جديدة شابة أجبرته، وقالت: إما أن تفعل، وإلا فالمسدس، وهي جديدة وشابة، الآن هو بين أمرين؛ إما أن يدعها ويمكن تنفذ، وإما أن يجامع، في هذه الحال إذا دنا منها مهما كان الأمر سوف ينتشر، وسوف يجامع، فالقول بأنه لا جماع مع إكراه غير صحيح.
وعلى هذا فالوطء يمكن أن يكون مع الإكراه، ومع ذلك يقولون: إنه لا تسقط الفدية فيه.
الثاني: (الصيد) لا يُعْذَر فيه بالنسيان ولا بالجهل، ولا بالإكراه، لماذا؟ قالوا: لأنه إتلاف، والإتلاف يستوي فيه العمد وغيره.
فيه دليل، لا، فيه تعليل، لكنه تعليل سيتبين أنه عليل، فنقول: سبحان الله! الحاكم في عباده وبين عباده يقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، ونحن نقول: مَن قتله متعمدًا وغير متعمد فجزاء مثل ما قتل من النعم، هل يمكن هذا؟ لا يمكن!
و(متعمد) وصف مناسب للحكم، فوجب أن يكون معتبرًا؛ لأن الأوصاف التي عُلِّقَت بها الأحكام إذا تبين مناسبتها لها صارت عِلَّة موجِبة، يوجد الحكم بوجودها، وينتفي بانتفائها، وإلا لم يكن للوصف فائدة.
إذن فنحن نقول هذا القول؛ بأنه لا فرق بين العامد والجاهل والناسي والْمُكْرَه، قول مخالف للقرآن: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾، وهذا نص في الموضوع، يعني لو أننا استدللنا بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ لقال قائل: يمكن أن هذا العموم يُخَصَّص، لكن الآن فيه دليل خاص على أن الصيد إذا لم يكن فيه تعمد فلا جزاء.
ما الجواب عن تعليلهم؟
الجواب عن تعليلهم أن الإتلاف الذي يستوي فيه العمد وغيره هو ما كان في حق الآدمي، أما ما كان في حق الله الذي أسقطه عز وجل تفضلًا منه وكرمًا، فهل نحن أعلم بالله في حقه من الله؟ أبدًا، فإذا كان الله قد أسقطه كيف نُلْزِم العباد به؟ ولهذا كان القول الراجح أن مَن سَبَّ الله ثم تاب لا نقتله، ومَن سَبَّ الرسول ثم تاب قتلناه، ليش؟ لأنا نعلم أن الله عز وجل قد عفا عن حقه، وأما الرسول فلا نعلم.
(وتقليم) أيضًا التقليم لا يسقط بالنسيان والجهل والإكراه.
لا بد أن نصور مسألة الصيد.
النسيان: رجل رأى الصيد، وكان مشغوفًا بالصيد، فنسي، فأخذ البندق ورمى الصيد، فسقط ما شاء الله من الصيد، فعلى المذهب عليه الفدية.
الجهل: رجل كما قلنا بالأول وقف بعرفة، فسمع أن الحج عرفة، فلما كان في صباح العيد قبل أن يرمي وجد صيدًا من الطيور أو الظباء أو غيرها فصاده، فهذا جاهل عليه الجزاء.
رجل مُكْرَه خادم عند سيده، فقال له سيده: يالَّا شوف الصيد روح جيبه لنا، فقال: أنا مُحْرِم يا عم، قال: ما فيه، إما أن تفعل، وإما أفعل بك ما أفعل، أَكْرَهَهُ وصاد، عليه الجزاء أو لا؟
طلبة: على المذهب نعم.
الشيخ: إي، عليه الجزاء على المذهب.
التقليم: تقليم الأظفار لا يسقط بنسيان ولا بجهل ولا بإكراه.
سألنا كم ليلة؟ قال واحد: دائمًا يقول كذا، يقشر ظفوره بأسنانه، هل تسقط الفدية أو لا تسقط؟ ما تسقط، ولو كان نسيانًا، ولو كان جهلًا ولو كان مُكْرَهًا، لا تسقط، لماذا؟ ألستم تقولون: إن تقليم الأظفار حرام على الْمُحْرِم؛ لأنه من باب الترفه، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طَيِّب، الطِّيب واللباس ترفُّه، قلتم: إن فيه الفدية؛ لأنه ترفُّه ولَّا ما فيه نص؟ نقول: سبحان الله! تقليم الأظفار من باب الترفُّه، ومع ذلك لا تُعْذَرُون فيه بالجهل والنسيان والإكراه، واللباس والطيب من باب الترفُّه، وتُعْذَرُون فيه بالجهل والنسيان والإكراه.
قالوا: إي، لكن هناك فرق، الفرق أن تقليم الأظفار إتلاف، إتلاف أيش؟
طلبة: الأظفار.
الشيخ: هل له قيمة؟ وهل هذا إتلاف مطلوب ولَّا محظور في غير الإحرام؟
مطلوب، إذن لا قيمة له شرعًا ولا عرفًا، ولا أحد يجمع أظفاره علشان يبيعها، أبدًا، فليس لها قيمة، فأين الإتلاف الذي يكون؟ ثم على فرض أنه إتلاف، هو إتلاف مباح، بل مشروع لولا الإحرام.
مثله أيضًا الرأس، قال: (وحلق)، مثله سواء بسواء، العلة في وجوب الفدية مطلقًا هو أنه إتلاف، إتلاف أيش؟
طالب: الشعر.
الشيخ: الشعر ما له قيمة أبدًا، الناس لو أرادوا أن ينتفعوا بالشعر عندهم؛ شعر الضأن، وشعر الإبل، وغيرها، نعم، ربما لو كان شعر كثير طويل يمكن يصير له قيمة تشتريه امرأة ما لها رأس وتجعله باروكة، ومع ذلك هذا لا يجوز، لكن نحن نقول: يمكن يكون له ثمن، ومع هذا لا نوافق على أنه إتلاف؛ لأنه إتلاف ليس له قيمة، فتبين بهذا ضَعف هذا القول.
أعظم الإتلافات وهو إتلاف واضح هو الصيد، ومع ذلك قيَّد الله تعالى وجوب الجزاء فيه بالتعمد، وهو أصل الإتلافات، إذن نعود مرة ثانية فنقول: فاعل المحظورات -قسمة حاصرة إن شاء الله على القول الراجح- فاعل المحظورات كلها لا يخلو من ثلاث حالات..
وكلُّ هَدْيٍ أو إطعامٌ فلِمساكينِ الْحَرَمِ، وفِديةُ الأَذَىَ واللُّبْسِ ونحوِهما ودمُ الإحصارِ حيث وُجِدَ سببُه، ويُجْزِئُ الصوْمُ بكلِّ مَكانٍ، والدمُ شاةٌ أو سُبُعُ بَدَنَةٍ وتُجزِئُ عنها بَقرةٌ.
﴿باب جزاء الصيد﴾
في النَّعَامةِ بَدَنَةٌ وحِمارِ الوَحْشِ وبَقرتِه والإبلِ والثَّيْتَلِ والوَعْلِ بقرةٌ، والضَّبُعِ كَبْشٌ، والغزالةِ عَنْزٌ، والوَبْرِ والضَّبِّ جَدْيٌ، واليَرْبُوعِ جَفْرَةٌ، والأَرْنَبِ عَناقٌ والحمامةِ شاةٌ.
(باب: حكم صيد الحرم)
يَحْرُمُ صَيْدُه على الْمُحْرِمِ والحلالِ، وحُكْمُ صَيْدِه كصَيْدِ الْمُحْرِمِ،
ولا أحد يجمع أظفاره علشان يبيعها، أبدًا، فليس لها قيمة، فأين الإتلاف اللي يكون؟
ثم على فرض أنه إتلاف هو إتلاف مباح، بل مشروع لولا الإحرام.
مثل أيضًا الرأس، قال: (وحلق) مثله سواء بسواء، العلة في وجوب الفدية مطلقًا هو أنه إتلاف، إتلاف أيش؟
طالب: (... ) الشعر.
الشيخ: الشعر ما له قيمة أبدًا، الناس لو أرادوا أن ينتفعوا بالشعر عندهم شعر الضأن وشعر الإبل وغيرها، ربما لو كان شعر كثير طويل يمكن يصير له قيمة، تشتريه امرأة ما لها رأس وتجعله باروكة، ومع ذلك هذا لا يجوز، لكن نحن نقول: يمكن يكون له ثمن، ومع هذا لا نوافق على أنه إتلاف؛ لأنه إتلاف ليس له قيمة.
فتبين بهذا ضعف هذا القول، أعظم الإتلافات وهو إتلاف واضح هو الصيد، ومع ذلك قيَّد الله تعالى وجوب الجزاء فيه بالتعمُّد، وهو أصل الإتلافات.
إذن نعود مرة ثانية فنقول: فاعل المحظورات -قسمة حاصرة إن شاء الله على القول الراجح- فاعل المحظورات كلها لا يخلو من ثلاث حالات:
ونريد بالمحظورات هنا المحظورات التي فيها فدية، وأما ما لا فدية فيه مثل عقد النكاح ما يدخل في التقسيم:
فاعل المحظورات ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يفعلها بلا عذر ولا حاجة، بلا عذر شرعي، كالجهل والنسيان والإكراه، ولا حاجة، فهذا آثم، ويلزمه ما يترتب على هذا المحظور الذي فعله؛ إن كان صيدًا فجزاء، وإن كان وطئًا في الحج قبل التحلل الأول فبدنة على كل حال حسب ما سبق.
القسم الثاني: أن يفعله لحاجة متعمِّدًا، فهنا لا إثم عليه، لكن عليه ما يترتب على فعل ذلك المحظور، ولكن لا إثم عليه، لماذا لا إثم عليه؟ للحاجة، ومنه حلق شعر الرأس لدفع الأذى، كما نص الله عليه في القرآن، قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196].
مثله أيضًا لو احتاج الإنسان إلى لبس المخيط، فيلبس المخيط، وعليه أيش؟ الفدية، كيف يحتاج إلى لبس المخيط، ويش لون؟
طالب: (... ).
الشيخ: حَكَّة، الْحَكَّة يلبس حرير رداء أو إزار.
طالب: برد.
الشيخ: برد شديد لا ينفع معه الإزار، لا بد من فلينة، لا بد من سروال، لا بد من كوت، وهذا يعني نادر في مكة، لكن ربما يكون.
ومن الحاجة حاجة الجنود إلى اللباس الرسمي، حاجة تتعلق بها مصالح الحجيج جميعًا، أليس كذلك؟ ليش؟ لأنه لو جاء الجندي بدون اللباس الرسمي ما أطاعه الناس، وصار الأمر فوضى، لكن إذا كان باللباس الرسمي صار له هيبة.
ولكن هل نقول: إن عليه الفدية أو لا؟ يعني: جواز اللباس ما عندنا إن شاء الله فيه إشكال أنه جائز لدعاء الحاجة أو الضرورة إلى ذلك، لكن هل عليه الفدية؟
طالب: الأحوط.
الشيخ: الأحوط.
طالب: عليه..
الشيخ: وقيل: عليه الفدية جزمًا، ما فيه قول ثالث إنه ما عليه فدية؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، الأخ يقول: احتياطًا.
طالب: عليه.
الشيخ: والاحتياط الظاهر أنه جنس القولين.
على كل حال قد نقول: إنه لا فدية عليه؛ لأنه يشتغل بمصالح الحجيج، والنبي عليه الصلاة والسلام أسقط المبيت عن الرعاة والسقاة؛ المبيت بمنى، وهو واجب من واجبات الحج وأسقطه عنهم لمصلحة الحجاج، فرخص للعباس أن يبيت في مكة من أجل سقاية الحجاج (1)، وسقاية الحجاج أدنى حاجة من حفظ الأمن وتنظيم الناس، فيحتمل ألا يجب عليه الفدية، لا سيما وأن لبس المخيط.. كمِّلوا؟
طلبة: (... ).
الشيخ: ليس فيه نص على وجوب الفدية فيه، لبس المخيط ما فيه نص على وجوب الفدية فيه، فيتكون عندنا الآن:
أولًا: عدم القطع بوجوب الفدية في لبس المخيط.
وثانيًا: القياس على سقوط الواجب عمن يشتغل أيش؟ بمصلحة الحجاج.
لكن لو قلنا كما قال الأخ: إنه يفدي احتياطًا، والفدية سهلة؛ إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، سهلة، الظاهر أنها الآن والحمد لله لا تشق على الإنسان، واضح؟
هذا القسم الثاني: إذا فعله عمدًا لحاجة فإنه لا يأثم، ولكن يترتب عليه ما يترتب أيش؟
طلبة: (... ).
الشيخ: على فعل المحظور الذي فعله.
القسم الثالث: أن يكون معذورًا بجهل أو نسيان أو إكراه، فعلى المذهب كما رأيتم يفرِّقون بين المحظورات، فبعضها لا تسقط فديته بالنسيان والجهل والإكراه، وبعضها تسقط.
والصحيح أن جميعها تسقط، وأن المعذور بجهل أو نسيان أو إكراه لا يترتب على فعله شيء إطلاقًا، لا في الجماع، ولا في الصيد، ولا في التقليم، ولا في لبس المخيط، في أي شيء، وذكرنا في أول الدرس الدليل من القرآن والسنة والنظر، ولا حاجة إلى إعادته؛ لأنه واضح.
وهكذا نقول: في جميع المحظورات في العبادات لا يترتب عليها الحكم إذا كانت مع الجهل أو النسيان أو الإكراه؛ لعموم النصوص، ولأن أصل الجزاء أو الفدية أو الكفارة أصله لفداء النفس من المخالفة، أو للتكفير عن الذنب، والناسي والجاهل هل تعمَّد المخالفة؟ أبدًا ما تعمَّد المخالفة، ولهذا لو كان ذاكرًا ما فعل.
الشرب في رمضان نسيانًا ليس فيه قضاء، صح؟
طالب: (... ).
الشيخ: الدليل: حديث أبي هريرة: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» (2).
هذا الذي نسي لو قال له قائل: أنا أريد أن تشرب وأنت ذاكر أن اليوم من رمضان وأنك صائم، يأبى أو يوافق؟
طلبة: يأبى.
الشيخ: يأبى أشد الإباء، إذن الناسي لم يتعمد المخالفة، لم يتعمد مخالفة الله ورسوله، فليس بعاصٍ، وإذا انتفت المعصية انتفت الفدية والكفارة، وكيف يفدي الإنسان نفسه من شيء لا شيء؟ أليس كذلك؟
إذن القول الراجح أن جميع المحظورات في جميع العبادات إذا فعلها الإنسان ناسيًا أو جاهلًا أو مُكْرَهًا فلا شيء عليه، معاوية بن الحكم دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فعطس رجل من القوم، فقال: الحمد لله، العاطس قال: الحمد لله، معاوية رضي الله عنه يعلم أن تشميت العاطس إذا حمد واجب، قال: يرحمك الله، وهو يصلي، يرحمك الله، يخاطبه، إذن الكلام كلام آدمي ولّا لا؟
طالب: (... ).
الشيخ: فرماه الناس بأبصارهم، يعني نظروا إليه منكِرين أو مُقِرِّين؟
طلبة: منكِرين.
الشيخ: منكِرين، فقال: وَاثُكْلَ أُمَّيَاه! ! رضي الله عنه، يعني تندَّم، فزاد الكلام كلامًا آخر، فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكِّتُونه، فسكت، لما سلَّم دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم، قال معاوية: فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلِّمًا أحسن تعليمًا منه، اللهم صلِّ وسلم عليه.
دعاه النبي صلى الله عليه وسلم، دعا معاوية بن الحكم وقال: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» (3)، أو كما قال، ولم يأمره بالإعادة، لماذا؟ لأنه جاهل.
والمسيء في صلاته أمره بالإعادة (4) مع أنه جاهل، لكن المسيء في صلاته ترك مأمورًا، والمأمورات أمور إيجابية لا بد أن تكون، والمنهيات أمور عدمية لا بد ألَّا تكون.
ثم إن المأمورات يمكن تداركها بفعلها، لكن المنهيات مضت، نعم إذا كان في أثناء المنهي يمكن تداركه بقطعه.
في الصيام النسيان سمعتم.
والجهل، عدي بن حاتم رضي الله عنه أراد أن يصوم، وكانوا رضي الله عنهم يأخذون الأحكام من القرآن مباشرة، فالآية يقول الله فيها: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ [البقرة: 187]، ماذا صنع؟ جعل تحت وسادته عقالين، يعني حَبْلَيْن تُعْقَل بهما الإبل، واحد أبيض وواحد أسود، وجعل يأكل ويشرب، كلما أكل قليلًا نظر إلى الخيطين هل بان الأبيض من الأسود؟ لما بان الأبيض من الأسود وقف، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ»، أَنْ وَسِعَ الْخَيْطَيْنِ الْأَبْيَضَ وَالْأَسْوَدَ، يعني يتعجب عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، يعني إذا كان الخيطان ما ذكرت، معناه أن الوسادة كبيرة، هذا هو الصحيح؛ أن الرسول يتعجب عليه، لكن البلاغيين عفا الله عنهم قالوا: إن الرسول قال له: أنت بليد ما تعرف؛ لأن عرض الوسادة يدل على طول الرقبة، وطول الرقبة يدل على البلادة، انتبهوا للرقاب، ليش؟
قالوا: لأنه إذا كانت الرقبة طويلة كانت الصلة بين القلب والدماغ بعيدة، فيقتضي أن يكون بليدًا.
ولكن الحمد لله ما رأينا إنسانًا طويل الرقبة وهو بليد أبدًا، فالمهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام بيَّن له أن هذا غير صحيح، وقال: «إِنَّمَا هُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيْلِ».
(5) هل أمره بالإعادة؟
طالب: (... ).
الشيخ: ليش؟
طلبة: جاهل.
الشيخ: جاهل بأيش؟ بالحكم ولَّا بالحال؟
طالب: بالحكم.
طلبة: بالحال.
الشيخ: لا (... ) بالحكم، ظن أم معنى الآية هذا، فهو جاهل بالحكم.
الجهل بالحال: حديث أسماء، أفطروا في يوم غيم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ثم طلعت الشمس (6)، ولم يؤمروا بالقضاء.
هذا هو الجهل بالحال، حيث ظنوا أن الشمس غربت، ولم تغرب.
المهم أنك إذا تتبعت النصوص العامة والخاصة وجدت أن فاعل المحظور مع الجهل والنسيان والإكراه لا يترتب عليه شيء، وهذا من مئات الآلاف الداخلة تحت قوله تعالى في الحديث القدسي: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي».
(7)
وفي قوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54]،
فالصحيح في هذه المسألة أن نقسم المحظورات إلى هذه الأقسام الثلاثة: الأول؟
طالب: مِن قَصْد، مِن عَمْد.
الشيخ: من فعلها بلا عذر ولا حاجة ما حكمه؟
طالب: (... ).
الشيخ: تمام، والثاني؟
طالب: مَن فعله متعمِّدًا ولكن لعذر أو حاجة.
الشيخ: ما الحكم؟
طالب: الصحيح ما عليه.
الشيخ: ما عليه شيء أبدًا؟
طالب: لا، عليه الفدية.
الشيخ: يسقط عنه الإثم.
طالب: وعليه الفدية.
الشيخ: وعليه الفدية، والثالث؟
طالب: مَن فَعَلَهُ بعذر.
الشيخ: معذورًا، قيد.
طالب: مَن فعله معذورًا.
الشيخ: بأيش معذورًا، بنسيان أو جهل؟
طالب: أو إكراه.
الشيخ: أو إكراه.
طالب: لا شيء عليه، يعني لا إثم ولا..
الشيخ: نعم، هذا هو القول الراجح، وهو قول حاصر في الموضوع، والله أعلم.
طالب: شيخ، مسألة الجنود، لو قيل بوضع زي خاص بذا ويكون خاص مميز له؟
الشيخ: إذا أمكن لا بأس، لكن أنت تعرف أن الناس ما يخضعون إلا للباس الرسمي.
طالب: إيه هذه يصير رسمي..
الشيخ: لا بأس، إذا أمكن تلافي المحظور فهو واجب.
طالب: المعذور يا شيخ، قيَّدناه بالجهل والنسيان والإكراه بس.
الشيخ: إي نعم، ليش؟ ومثلها النوم.
الطالب: طيب المرض؟
الشيخ: المرض يكون من القسم الثاني؛ الحاجة، ولهذا قلنا: لازم نقيِّده؛ لأنه معذور بهذا، لأن صاحب المرض يفعل..
طالب: الجنون.
الشيخ: أقول فعلًا الجنون مثل الناسي أو أشد، ما له عقل.
طالب: (... ) تقييده؟
الشيخ: إيه، تقييده لئلا يقول قائل: إذا قلتم بعذر يدخل به مَن فعله متعمِّدًا لعذر؛ لأنه من فعله متعمدًا لعذره يسقط عنه الإثم ولا تجب عليه الفدية.
طالب: في الكتاب يا شيخ كرر المحظور ذكر الوطء، كيف يتصور تكرير الوطء؛ لأنه إذا وطئ أول مرة فسد حجه؟
الشيخ: إي نعم، ما تقولون في هذا؟
طلبة: (... ).
الشيخ: يقول: إذا وطئ أول مرة فسد حجه، كيف يتصور التكرار؟ نقول: إذا فسد الحج ليس معناه أنه يخرج من الحج، يلزمه المضي، وحكمه حكم الصحيح في جميع المحظورات، فهمت؟
طالب: (... ) قلنا: هذا قياس على مَن أَحْدَثَ بعد (... ).
الشيخ: مثل ما فيه الأحداث إلا جنسين فقط أصغر وأكبر.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، الأصغر أنواع تحت جنس واحد.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة (... ) عليه فدية يا شيخ، هم يستدلون بفدية الأذى فعلها معذور (... ) يا شيخ قتل الخطأ يرتفع عنه الإثم، لكن يجب عليه الكفارة، مثل الصيد؛ واحد صاد وهو ناسٍ فيجب عليه المثل (... ) كيف يفعله؟
الشيخ: سمعتم ما قال؟
طلبة: (... ).
الشيخ: يقول: نقيس قتل الصيد على قتل المؤمن خطأً أو مَن بيننا وبينهم ميثاق خطأً، فماذا نقول؟
طلبة: (... ).
الشيخ: قياس مع الفارق، الله فرَّق في قتل المؤمن بين العمد والخطأ، قال في العمد: ﴿مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: 92]، ما يمكن يقتله عمدًا، مؤمن يقتل مؤمنًا ما يمكن، هذه واحدة.
الشيء الثاني في النص في قتل الصيد: نص متعمِّدًا، ولكن شوفوا يا جماعة الإنسان إذا اعتقد قبل أن يستدل، الحقيقة أحيانًا تتعجب، قالوا: إن ذكر التعمد هنا في العقاب: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95]، وهذا غريب، والله يقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] فرتَّب الجزاء على العمد على الشرط السابق، وأما قولهم: إن التعمد هذا لأجل الجزاء في الآخرة بالانتقام، فهذا لا شك أنه باطل، وتحريف للكلم عن مواضعه، لكن المشكلة الإنسان إذا اعتقد قبل أن يستدل، واحنا نقول حتى عن أنفسنا نجد أننا إذا اعتقدنا شيئًا ثم جاءت الأدلة بخلافه قد يصعب على الإنسان أنه ينتقل، وتجده يحاول أن يجد دربًا يمشي معه؛ تحريف أو ما أشبه ذلك، ولذلك يجب علينا جميعًا أن نكون للأدلة متبعِين، متى تبيَّن الدليل ما يحتاج أن نتأوَّل أونحرِّف، والحمد لله نحن لا نكلَّف إلا ما نستطيع.
طالب: شيخ -عفا الله عنك- تكرار المحظورات (... ) بالنسبة للكفارة إذا تباعدت، يعني الأزمنة؟
الشيخ: ويش تقولون؟
طلبة: (... ) السؤال؟
الشيخ: يقول: هل تكرار الكفارات كتكرار الأيمان؟
نقول: نعم، إذا حلف على شيء واحد عشر مرات في خلال عشرة أشهر، كل شهر يحلف مرة، ليس عليه إلا كفارة واحدة.
طالب: كيف تصير واحدة.. ؟
الشيخ: نعم، قال: والله لا أدخل هذا البيت، وبعد شهر قال: والله لا أدخل هذا البيت، وبشهر قال: لا والله لا أدخل البيت، عليه كفارة واحدة.
طالب: أحداث معينة يا شيخ؟
الشيخ: أيش؟
طالب: يعني أحداث مختلفة أقصد؟
الشيخ: أحداث ولّا أيمان؟
طالب: لا، الأيمان (... ) أحداث.
الشيخ: الأحداث انتهينا منه (... ) الأخ، الأيمان إذا تعدد الحلف والمحلوف عليه فعليه كفارة بعدده، إذا اتحد الحلف وتعدد المحلوف عليه فكفارة واحدة، إذا تعدد الحلف واتحد المحلوف عليه فكفارة واحدة.
إذن تتعدد الكفارات متى؟ طلبة: (... ). الشيخ: إذا تعددت الأيمان والمحلوف عليه.
طالب: عفا الله عنك (... ).
الشيخ: إي، هذا باب جديد، يقول: لا عذر اليوم.
طالب: (... ).
الشيخ: إي، ما يخالف -جزاكم الله خيرًا- نقول: لا عذر اليوم، لماذا؟ لأن العلماء كثيرون، فلماذا لم يسأل؟ والعجيب أن بعض العوام يقول: نحن اليوم أشد عذرًا منا بالأمس، بالأمس نسأل عالمًا واحدًا ونرتضيه ونأخذ به، ولا نعرف إلا هو، ولا في البلد إلا هو، اليوم أصبح العلماء في البلد كثيرين، وإذا سألنا أربعة وجدنا خمسة أقوال، فماذا نعمل؟ مشكل هذا، نحن متذبذِبين، وهذا حقيقة، يعني بعض الناس يستفتوني، يقول: أنا سألت فلانًا وقال كذا، وسألت فلانًا وقال كذا، وسألت فلانًا وقال كذا، مختلف.
فيقول: إحنا الآن معذورون، هذا وقت العذر، فالحقيقة إن العامة أحيانًا في بلبلة، اليوم واحد يقول: إن الخطيب اللي خطب بهم الجمعة هذه وقال: بيع التقسيط حرام، ولا يجوز بأي حال من الأحوال، لو أنه عندك الشيء ومالكه وأنت بتبيعه مؤجَّل بثمن زائد فهذا حرام، ومن كان قد فعل ذلك فعليه أن يتوب إلى الله، وأن يرد ما أخذه من أصحابه إليهم، والمسكين يقول كلمته بعد الصلاة، ويش لون هذا؟ قال: هذا بيع العِينَة، هذا حرام، فعاد ما أدري هل السائل أنه ما فهم كلام الشيخ، أو ما أدري، على كل حال الآن الناس يُعْذَرُون بالجهل، والعذر قائم وكثير من العوام، يعني صحيح عندهم شيء من التفريط، يشوف الناس يفعلون شيئًا فيفعله خصوصًا في الحج.
طالب: شيخ، مَن رفض إحرامه وارتكب محظورًا، وقلنا: عليك فدية، هل يجب (... )؟
الشيخ: ما تقولون في هذا السؤال؟
يقول: من رفض إحرامه وفعل محظورًا، هل نقول: جَدِّد إحرامك أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: (... ).
طالب: إحرامه زي ما هو.
طلبة: (... ).
الشيخ: ما يجدد يا شيخ، قلنا: رفض الإحرام ما له أثر إطلاقًا، الإنسان لا يخرج من النسك إلا بواحد من أمور ثلاثة، عدها علَيَّ.