الشيخ: لا، غير صحيحة؛ لأن قوله: وعليها طواف وداع غير صحيح، الحائض ما عليها طواف وداع، لكن قل: إذا خافت فوات الرُّفْقَة ولم تَطُف طواف الإفاضة، عرفت؟
هذه المسألة وقعت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام حين قيل له: إن صفية بنت حُيَيٍّ كانت حائضًا، فقال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ ! »، قال ذلك تعجبًا أو إنكارًا، المهم أنه قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ ! »، قالوا: إنها قد أفاضت، يعني: طافت طواف الإفاضة، قال: «انْفِرُوا» (15)، يعني: ما هي حابستنا الآن؛ لأن طواف الوداع على الحائض ليس بواجب، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام سيبقى حتى تطهر المرأة.
إنما إذا كانت المرأة مع رُفْقَة لن يبالوا بها ولن ينتظروها، فماذا تصنع؟ يقول بعض العلماء: تذهب معهم إذا لم يمكن أن يتخلف معها مَحْرَمُها، وتبقى على إحرامها أبد الآبدين، حتى تقدر على البيت وتأتي وتطوف طواف الإفاضة، فإن كانت ذات زوج لم يَقْرَبْهَا زوجها، وإن كانت غير مُزَوَّجَة لم تتزوج، إلى متى؟
طالب: إلى أن تصل البيت.
الشيخ: إلى أن تقدر على البيت وتجيء، وهي امرأة مثلًا قدَّرنا أنها من الهند أو من السند، ما تستطيع، نقول: هذا قضاء الله وقدره، لكن قضاء الله وقدره قد يأتي على الإنسان بما لا يستطيع، لكن شَرْعُ الله لا يمكن أن يأتي على الإنسان بما لا يستطيع، الشَّرْع مَبْنِيٌّ على القدرة، والقدَر إلى الله، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: فنقول: شَرْعُ الله لا يعارض قدره، وقدر الله لا يعارض شَرْعَه، ومثل هذه المرأة قد جعل الله لها يسرًا، نقول: تدفع الأذى عن المسجد بالتحفظ، تَتَلَجَّم، يعني: تجعل على فرجها حائلًا يمنع من تسرب الدم إلى المسجد، فهنا يزول الأذى المحتمَل بالنسبة للمسجد، بالنسبة لها الوصف القائم ببدنها المانع لها من الطواف يُعْفَى عنه؛ لأنها في هذه الحال مُضْطَرَّة إليه، وعلى هذا فنقول كما قال شيخ الإسلام رحمه الله في هذه المسألة: إنها تَتَلَجَّم وتطوف طواف الإفاضة ولو كانت حائضًا.
فإن قال قائل: هذا في امرأة لا يمكنها الرجوع إلى مكة، لكن في امرأة يمكنها الرجوع، يعني: مثلًا في المملكة لا تحتاج إلى تأشيرة دخول ولا إلى نفقة باهظة؟
نقول: هذه الآن نُخَيِّرُها، إن شاءت بقيت في مكة حتى تطهر وتطوف، وإن شاءت خرجت مع قومها، فإذا طَهُرَت عادت إلى مكة وطافت طواف الإفاضة، ولكن إذا عادت هل يلزمها أن تُحْرِم وتأتي بعمرة؛ لأنها مَرَّتْ بالميقات مُرِيدَةً لنُسُكٍ، أو لا يلزمها؟
طلبة: ما يلزمها.
طالب آخر: لأنها ما زالت مُحْرِمة.
طالب آخر: خلاف.
الشيخ: لا، هي حَلَّت التَّحَلُّل الأول، لاحظوا أنها حَلَّت التَّحَلُّل الأول، هذا ما هي عمرة، هذا حج، حَلَّت التَّحَلُّل الأول، والإحرام بالعمرة بعد التحلُّل الأول جائز، فهنا نقول: تُحْرِم بعمرة، وتطوف وتسعى وتُقَصِّر للعمرة، ثم بعد ذلك تطوف طواف الإفاضة، فإن كان الطواف طواف عمرة فإنها تبقى على إحرامها، يعني ما تحل من العمرة، تبقى على إحرامها أو ترجع مع قومها، فإذا طهرت عادت، إذا مَرَّت بالميقات هل تُحْرِم منه؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنها على إحرام، إي نعم.
طالب: (... )
الشيخ: أهلَّ دُبُرَ صلاته.
الطالب: أَهَلَّ دُبُرَ صلاته (... ).
الشيخ: هذا له دليل، وهذا له دليل، الإنسان في حال الصلاة هل يُحْرِم بالحج وهو يصلي؟
الطالب: بعد الصلاة.
الشيخ: نقول: دُبُر الصلاة إذا ثبت أنه من حين سَلَّم، حديث ابن عباس (16) لو كان صحيحًا لكان فيصلًا، لو ثبت أنه من يوم انتهى من الصلاة أَهَلَّ يعني قال: لبيك، ما فيه إشكال، والجمع كما عرفتم ممكن، لكن الحديث فيه نظر، في صحته نظر، وأما حديث ابن عمر أنه حين استوى على راحلته فهو صحيح (6)، وحديث جابر حينما استوت به على البيداء أيضًا صحيح (8).
أما حديث معاذ فقلنا: إن معنى قوله: دُبُرَ كل صلاة (17) أي: في آخرها، أولًا: لأن آخر الصلاة محلٌّ للدعاء، وما بعد الصلاة محلٌّ للذكر، ودليل ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود حين ذكر التشهد: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ» (18)، وقال الله تعالى فيما بعد السلام: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّه﴾ [النساء: 103].
طالب: ذكرت يا شيخ أنه لا يُشْتَرَط الطهارة من الحدث الأصغر في الطواف، طيب ماذا يفعل في ركعتي الطواف؟
الشيخ: نعم، صحيح، هذا وارد، يقول: إذا قلنا بعدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر في الطواف، فماذا يصنع في ركعتي الطواف؟ هل يصليهما على غير طهارة أم ماذا؟
طلبة: يتوضأ.
الشيخ: نقول: يذهب ويتوضأ ويصلي، أو يتركهما؛ لأنهما سنة، أرأيت لو أنه بعد أن طاف أحدث، طاف مُتَطَهِّرًا وبعد الطواف أحدث، فماذا يصنع بالركعتين؟
طالب: يتوضأ.
الشيخ: يتوضأ ويصليهما أو يدعهما.
طالب: (... ) دال على أن الإهلال بعد الصلاة؟
الشيخ: على أن الإهلال بعد الصلاة، الواو يقولون: لا تقتضي الترتيب.
الطالب: لكن ظاهرة فيه؟
الشيخ: على كل حال هي ظاهرة فيه، لكن ما هي صريحة، فإذا ثبت أنه لم يهلَّ إلا حين استوى على راحلته أخذنا به.
طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، رجل حج النفل، ويريد أن يفسد الحج إلى عمرة ليتحلل منه، هل يجوز؟
الشيخ: أنت حضرت الآن ولَّا من قبل؟
الطالب: الآن.
الشيخ: قبل الدرس، في أثناء الدرس ما حضرت؟
الطالب: حضرت.
الشيخ: ويش قلنا؟
الطالب: قلتم: الحج إذا كان واجبًا لا يجوز التحلل منه.
الشيخ: ما قَيَّدْته بأنه واجب، ما تقولون؟ هل فهمتم فهمه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لعلك حين خرجت ثم رجعت نسيت، أصله: إذا دخل في الحج وجب عليه أن يتمه، فإذا أراد أن يجعله عمرة ليتحلل منه قلنا: هذا حرام، لكن لو أنه تحلل من الحج وجعله عمرة ليتمتع به إلى الحج –انتبهوا-، ثم بعد ذلك بدَا له ألَّا يحج، هل نُلْزِمُه بالحج أو لا؟ ما تقولون؟
طلبة: (... ).
الشيخ: عندنا الآن صورتان؛ الصورة الأولى: رجل أَحْرَم بالعمرة من أول الأمر مُتَمَتِّعًا بها إلى الحج، وحَلَّ منها، ثم بَدَا له ألَّا يحج، ما تقولون؟ جائز أو غير جائز؟
طالب: جائز.
طالب آخر: تفصيل.
الشيخ: هذا جائز، ولا إشكال فيه؛ لأنه أحرم بالعمرة ناويًا الحج، ولكن بَدَا له ألَّا يحج، لكن رجل أحرم بالحج ثم حَوَّلَه إلى عمرة ليتمتع بها إلى الحج، فهل له أن يدع الحج أو لا؟ لأن بين الصورتين فرقًا، الأخيرة تَحَوَّل من الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا، والأولى لم يحصل له تحوُّل، فهل نقول: ما دمت تحولت من الحج الذي لزمك بشروعك فيه فإنه يلزمك أن تحج هذا العام؟
طالب: إذا كان الفرض (... ).
الشيخ: لا، خَلِّي إذا كان فرضًا، إذا كان فرضًا ما يجوز يدعه؛ لأنه واجب على الفور، الآن كلامنا في النفل، يحتمل عندي وجهين؛ الوجه الأول: إلزامه بأن يحج إلا إذا ترك هذا لعذر يعذر فيه، فهذا شيء آخر، لماذا؟ لأنه إنما أَجَزْنَا له أن يتحول من أجل أن يحج، فكيف إذا تَحَوَّل يرجع ويقول: لا أريد الحج، أما مَن كان معتمرًا بنية التمتع ثم بعد حلِّه من العمرة طرأ له ألَّا يحج، فهذا لا شك في جوازه، واضح؟
طالب: إن كان لعذر؟
الشيخ: إن كان لعذر يجوز، لا نُلْزِمُه بشيء؛ لأنه ما شَرَع في النُّسُك.
طالب: بالنسبة يا شيخ للقِرَان (... ) على قول أنه ليس بواجب.
الشيخ: أيش؟
الطالب: (... ) واجب في التمتع.
الشيخ: نعم.
الطالب: ولكنه يقال يا شيخ: إن التمتع أصلًا لم يكن يعرفه الصحابة، فورد التفصيل فيه حتى يعرفوا الأحكام، أما القِرَان ففعل الرسول صلى الله عليه وسلم يُبَيِّن حكم الواجب وهو وجوب الذبح؟
الشيخ: ما فيه نص يدل على الوجوب.
الطالب: فِعْل الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: الفعل ما يدل على الوجوب.
الطالب: وأنهم ما كانوا يعملونه من قبل، أما القِرَان موجود عندهم، أما التمتع فهو طارئ.
الشيخ: ما ندري! ! الظاهر أنهم في العمرة ما يرون العمرة في أشهر الحج ولا بالقِرَان، هذا هو الظاهر؛ لأنهم قالوا له، قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، إلا الحج.
(19)
الطالب: (... ).
الشيخ: ولهذا قالوا: كيف نجعلها عمرة وقد سَمَّيْنا الحج؟ وعلى كل حال المسألة لا بأس أنا بعطيكم شيئًا، ابحثوها.
طالب: يا شيخ أَعْطِنَا الخلاصة.
الشيخ: لا، هذا خلاصة ما عندي، ما ذكرته أولًا هو خلاصة ما عندي.
طالب: الدم في القِرَان واجب؟
الشيخ: هذا هو الذي عليه الجمهور، لكن لما ذكر صاحب الفروع، وأنا بالمناسبة صاحب الفروع في الحج بحث بحثًا ما بحثه في أي باب من أبواب الفقه، استوعب وناقش، يعني في عدة مسائل أورد ييجي ستة إيرادات أو سبعة مناقشة، لكن ما عدا عباراته الصعبة، إلا أننا ننصح بقراءته ليتعود الناس عليه، المهم لما ذكر هذه الرواية عن أحمد وأن أحمد قال: ليس كالتمتع، يجب وجوبًا، إنما قاسوه عليه، قال: فيؤخذ من هذا أنه لا يلزمه الدم، وهو مذهب داود الظاهري.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلِّم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله صحبه أجمعين.
قال المؤلف -رحمنا الله وإياه-: وَإِذا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ قالَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لبيك لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْك، لَا شَرِيكَ لَكَ، يُصَوِّتُ بها الرجل، وتُخْفِيهَا المرأة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تَبِعَهُم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف فيما سبق: إن المرأة إذا حاضت قبل طواف العمرة وجب عليها أن تُحْرِم بالحج لتصير قارنة، وإنما يجب؛ لأن الحج يجب على الفور.
وقلنا: مثلُ ذلك؛ مثلها مَن تَعَرَّض لعمل يمنعه من أن يتم العمرة قبل الوقوف بعرفة، وسبق لنا أن الإنسان يُلَبِّي، ومتى يبدأ بالتلبية؟ على ثلاثة أقوال للعلماء:
الأول: دُبُرَ الصلاة.
والثاني: إذا ركب على ناقته.
والثالث: إذا علا على البيداء، أو على أدنى شَرَفٍ حوله إذا كان في غير ذي الْحُلَيْفَة.
وبَيَّنَّا أن الصحيح أنه يبدأ متى؟ إذا استوى على راحلته، إلَّا إذا صح حديث ابن عباس (16) -رضي الله عنهما– فهو فيصل، إذا صح فهو فيصل؛ أنه يبدأ بالتلبية عقب الصلاة.
نبدأ بالتلبية: (لبيك اللهم لبيك)، هذه التلبية عظيمة جدًّا، أطلق عليها جابر بن عبد الله التوحيد، قال رضي الله عنه: حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أَهَلَّ بالتوحيد (8)، والتوحيد هو الذي دعت إليه جميع الرسل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.
فلننظر: (لبيك اللهم لبيك)، (لبيك) كلمة إجابة، والدليل على هذا ما ثبت في الصحيح: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ» (20)، فهي كلمة إجابة، وتَحْمِلُ معنى الإقامة، الإقامة من قولهم: أَلَبَّ بالمكان، أي: أقام فيه، فهي إذن متضمِّنة للإجابة والإقامة؛ الإجابة لله، والإقامة على طاعته، ولهذا فَسَّرَهَا بعضهم بقوله: لبيك أنا مجيب لك مقيم على طاعتك، وهذا تفسير بالمعنى لا شك، وهذا هو معناه.
فإذا قال قائل: أين النداء من الله حتى يجيبه الْمُحْرِم؟
قلنا: هو قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾، أَذِّنْ بهم: أَعْلِم بهم، ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27].
﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ يعني: لا إناثًا؟ أيش المعنى؟
طالب: للتغليب.
الشيخ: للتغليب؟ لا، رِجَالًا يعني: على أرجلهم، ليس المعنى ضد الإناث، والدليل أنهاا على أرجلهم ما بعدها: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27].
وهذه قاعدة مفيدة لكم في التفسير: قد يُعْرَف معنى الكلمة بما يقابلها، ومنه قوله تعالى -وهو أخفى من الآية التي معنا-: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: 71]، معنى (ثُبَاتٍ) متفرقين، مع أن ﴿ثُبَاتٍ﴾ يبعد جدًّا أن يفهمها الإنسان بهذا المعنى، لكن لما ذكر بعدها: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ عُلِم أن المراد بالثُّبات المتفرقون.
إذن نقول: لبيك، أي: أنا مجيب لدعوتك مقيم عليها.
والتثنية هنا هل المقصود بها حقيقة التثنية، أي: أجبتك مرتين، أو المقصود بها مُطْلَق التكثير، الأول أو الثاني؟ الثاني؛ لأن المعنى: إجابةً بعد إجابة، وإقامةً بعد إقامة، فالمراد بها مطلَق التكثير، أي: مطلق العدد، وليس المراد مرتين فقط، ولهذا قال النحويون: إنها مُلْحَقَة بالمثنى وليست مثنًى حقيقة؛ لأنه يراد بها أيش؟ الجمع والعدد الكثير.
ولماذا جاءت بالياء الدالة على أنها منصوبة؟
قالوا: لأنها مصدرٌ لفعل محذوف وجوبًا، لا يُجْمَع بينها وبينه، والتقدير: أَلْبَبْتُ إِلْبَابَيْنِ لَكَ، أَلْبَبْتُ يعني: أقمت بالمكان، إِلْبَابَيْنِ، لكن حصل فيها حذف؛ حذف الهمزة، وصارت: لَبَابَيْنِ، بعدها حذف الهمزة، ثم قيل: نحذف أيضًا الباء الثانية، ونقول: لَبَّيْكَ، فالياء هنا علامة للإعراب، منصوبة بأيش؟ بفعل محذوف وجوبًا، فهي مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا.
(اللهم لبيك)، ما معنى (اللهم)؟ أي: يا الله، لكن حذفت ياء النداء وعُوِّضَ عنها الميم، وجُعِلَت الميم أخيرًا، ولم تكن في مكان الياء، فيرد علينا سؤالان؛ السؤال الأول: لماذا عُوِّضَ عن الياء بالميم؟ ولماذا نُقِلَ العِوَض إلى الآخِر ولم يكن في مكان الْمُعَوَّض؟
قال: يقال عن الأول: الميم أَدَلُّ على الجمع، ولهذا هي من علامات الجمع، (إليهم) للجمع، فكأن الداعي جمع قلبه على ربه عزّ وجل؛ لأنه يقول: يا الله.
وثانيًا: أما كونها حُوِّلَت فتَيَمُّنًا بالبداءة بذكر اسم الله عزَّ وجل: اللهم.
وقوله: (لبيك) هذا من باب التوكيد اللفظي أو اللفظي المعنوي؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، هو لفظي، لم يتغير لفظ الأول، لكن له معنًى جديد، يكرر ويؤكد أنه مجيب لربه مقيم على طاعته: لبيك اللهم لبيك.
(لبيك لا شريك لك لبيك)، تكرار ثالث؛ لأنك تجيب مَن؟ تجيب الله -عزَّ وجل- وكلَّما أجبته ازددت إيمانًا به وشوقًا إليه، فكان التأكيد في مقتضى الحكمة، ولهذا ينبغي لك أن تشعر وأنت تقول: (لبيك) أن تشعر نداء الله -عزَّ وجل- لك، وإجابتك إياه، لا مجرد كلماتٍ تقال.
(لَبَّيْك لا شريك لك): لا شريك لك في التلبية، أو لا شريك لك في كل شيء، أيهما؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لأنه أعم، يعني: لا شريك لك في ملكك، ولا شريك لك في ألوهيتك، ولا شريك لك في أسمائك وصفاتك، ولا شريك لك في كل ما يختص بك، ومنها إجابتي هذه الإجابة، فأنا مُخْلِصٌ لك فيها، ما حججت رياءً، ولا سمعة، ولا للمال، ولا لغير ذلك، إنما حججت لك ولَبَّيْتُ لك فقط.
وقوله: (لا شريك لك) إعرابها أن (لا) نافية للجنس، و (شريك) اسمها، و (لك) خبرها، والنافية للجنس أعم من النافية مطلق نفي؛ لأن النافية للجنس تنفي أي شيء من هذا، بخلاف ما إذا قلت: لا رجلٌ في البيت –بالرفع- هذه ليست نافية للجنس، هذه مطلق نفي، ولهذا يجوز أن تقول: لا رجلٌ في البيت بل رجلان، لكن لو تقول: لا رجلَ في البيت بل رجلان، صاح عليك الناس العالِمون بالنحو، وقالوا: هذا غلط، لا يصح أن تقول: لا رجلَ في البيت بل رجلان، تنفي الجنس أولًا، ثم تعود وتثبت؟ لا يمكن.
على كل حال (لا شريك لك)، (لا) نافية للجنس، وهي أعم ما يكون في النفي.
(إن الحمد والنعمة لك)، يقال: (إن) مروية بالكسر ومروية بالفتح؛ (أن الحمد والنعمة لك)، فعلى رواية الهمزة (أن الحمد لك) تكون الجملة تعليلية، أي: لبيك؛ لأن الحمد لك، تكون تعليلية، فتكون التلبية مُقَيَّدَة بهذه العلة، أي: بسببها، لبيك؛ لأنه لا شريك لك، وعلى رواية الكسر تكون الجملة استئنافية للتعليل، وتكون التلبية غير مقيَّدة بالمصدر المستفاد من (أن).
إذا كانت الرواية: (لَبَّيْك أن الحمد لك)، (لَبَّيْك إن الحمد لك)، صار التعليل هنا بنفس اللفظ، في الأول (أن) بنفس اللفظ، يعني: لَبَّيْك لأن الحمد لك، فصارت الآن التلبية مقيَّدة بأيش؟ بهذه العلة: لَبَّيْك؛ لأن الحمد لك.
أما على رواية الكسر: (إن الحمد لك)، فالجملة استئنافية للتعليل، وتكون التلبية غير مقيَّدة بالعلة، تكون تلبية مطلقة: لبيك بكل حال.
ولهذا قالوا: إن رواية الكسر أعم وأشمل، فتكون أولى، أي أن تقول: إن الحمد والنعمة لك، ولا تقل: أن الحمد، ولو قلت ذلك لكان جائزًا.
(إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْك)، الحمد أو المدح؟
الحمد والمدح يتفقان في الاشتقاق الأكبر، أي: في الحروف دون الترتيب، ولَّا لا؟
يتفقان في الحروف دون الترتيب، نشوف الحروف: حاء، ميم، دال، موجودة في الكلمتين، فهل الحمد هو المدح أو بينهما فرق؟
الصحيح أن بينهما فرقًا عظيمًا؛ لأن الحمد مبني على المحبة والتعظيم، والمدح لا يُبْنَى على ذلك؛ قد يُبْنَى وقد لا يُبْنَى، قد أمدح رجلًا
لا محبةً له ولا تعظيمًا، لكن محبةً في نَوالِه، فيما يعطيني، أليس كذلك؟ ربما أمدح رجلًا من أجل أن يعطيني شيئًا، لكن قلبي لا يحبه ولا يعظِّمه.
أما الحمد فإنه لا بد أن يكون مبنيًّا على المحبة والتعظيم، ولهذا نقول في تعريف الحمد: وصف المحمود بالكمال محبةً وتعظيمًا، ولا يمكن أحدٌ يستحق هذا الحمد على وجه الكمال إلا الله عزَّ وجل.
إذن الحمد معناه وصف المحمود بالكمال محبةً وتعظيمًا.
وقول بعضهم: الحمد والثناء بالجميل الاختياري، أن يُثْنِيَ على المحمود بالجميل الاختياري الذي يفعله اختيارًا من نفسه، هذا التعريف غير صحيح، يُبْطِلُه الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ قَالَ: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي» (21)، فجعل الله تعالى الثناء غير الحمد، وهو كذلك.
الحمد (أل) فيه للاستغراق، أي: جميع أنواع المحامد لله وحده، المحامد على جلب النفع، على دفع الضرر، على حصول الخير الخاص والعام، كله لله، على الكمال كله لله.
وقوله: (النِّعْمَةَ) يعني: الإنعام، فالنعمة لله، هل الصواب لله أو من الله؟ الحمد لله واضح، يعني: تَعَدِّي الحمد باللام واضح ما فيه إشكال، (النِّعْمَةَ) كيف تتعدى باللام؟ ما نقول: النعمة من الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].
طالب: (... ).
الشيخ: اللام بمعنى من؟ لأن اللام (إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ)، (لك) خبر للحمد والنعمة، يقال في الجواب: النعمة لك، يعني: التفضل لك، أنت صاحب الفضل، فأنت المستحِقُّ للفضل، أي: الذي يُقَال: إنه أفضل وأنعم، فهي مِن، لكن حقيقةً له، هو صاحب الإفضال.
وقوله: (إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ)، ذكرنا أن الحمد غير المدح؛ المدح قد يكون محبةً وتعظيمًا وقد لا يكون، لكن الحمد محبة وتعظيم.
وقد ذكر ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد بحثًا مستفيضًا حول الفروق بين الحمد والمدح، وكلمات أخرى في اللغة العربية تخفى على كثير من الناس، وبحث بحثًا فيها مُسْهَبًا، وقال في أثناء البحث: وكان شيخُنَا -يعني: ابن تيمية- إذا تكلَّم في هذا أتى بالعجب العُجَاب، مع أن شيخ الإسلام ما هو نحوي! ! نعم، غير نحوي، ما هو من علماء النحاة، من علماء الفقه والعقائد وما أشبه ذلك، لكن مع ذلك فتح الله عليه، كان إذا تكلَّم في هذا أتى بالعجب العُجَاب، ولكنه كما قيل:
تَأَلَّقَ الْبَرْقُ نَجْدِيًّا فَقُلْتُ لَهُ
إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ
مشغول بماذا؟ بما هو أهم من البحث في كلمة في اللغة العربية وأسرار اللغة العربية.
قال: (والْمُلْك، لا شريك لك)، هذا تأكيد بأن الحمد والنعمة لله لا شريك له، فإذا تأملت هذه الكلمات، وما تشتمل عليه من المعاني الجليلة وجدتها أنها مشتملة على جميع أنواع التوحيد، وأن الأمر كما قال جابر: أَهَلَّ بالتوحيد (8)، والصحابة أعلم الناس بالتوحيد لا شك، فلنرجع الآن، أنواع التوحيد ثلاثة، هل في هذا شيء من توحيد الربوبية؟
طالب: نعم.
الشيخ: وين؟
الطالب: (... ).
الشيخ: الْمُلْك من توحيد الربوبية، بل الألوهية من توحيد الربوبية، إثبات الألوهية مُتَضَمِّنٌ لإثبات الربوبية، وإثبات الربوبية مُسْتَلْزِم لإثبات الألوهية، ولهذا لا تجد أحدًا يوحِّد الله في ألوهيته إلا وقد وحَّده في ربوبيته، لكن من الناس مَن يُوَحِّد الله في ربوبيته، ولا يُوَحِّده في ألوهيته، وحينئذٍ نُلزمه، نقول: إذا وَحَّدْتَ الله في الربوبية لزمك توحيده في الألوهية.
ولهذا عبارة العلماء مُحْكَمَة: (توحيد الربوبية مُسْتَلْزِم لتوحيد الألوهية، توحيد الألوهية مُتَضَمِّن لتوحيد الربوبية).
الأسماء والصفات من قوله: (إن الحمد والنعمة)، الحمد، قلنا: وصف المحمود بالكمال، النعمة من أفعاله عزَّ وجلَّ، من صفات الأفعال، فقد تَضَمَّنَت توحيد الأسماء والصفات.
من أين نعرف أنه بلا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل؟
من قول: (لا شريك لك)، لو مَثَّلْنَا لأَشْرَكْنَا، فبهذا تَبَيَّن أن هذه الكلمات العظيمة متضمِّنة للتوحيد، مشتمِلة على التوحيد كله، ومع الأسف أنك تسمع بعض الناس في الحج أو العمرة يقولها وكأنها أنشودة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لاااا شريك لك لبيك)! كأنهم ينشدون، ما يأتون بالمعنى المناسب.
تقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، لكن هم يقفون على: (إن الحمد والنعمة لك والملك)، ثم يقولون: (لا شريك لك) مع أنها متصلة.
قال المؤلف: (يُصَوِّت بها الرجل).
هذه تلبية الرسول عليه الصلاة والسلام، كما قال جابر (8)، فهل لنا أن نزيد عليها؟
نقول: روى أحمد في المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ» (22)، وهذا «إِلَهَ الْحَقِّ» من إضافة الموصوف إلى أيش؟ إلى صفته، يعني: لبيك أنت الإله الحق، وكان ابن عمر يزيد: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرَّغْبَاءُ إليك والعمل (23)، فلو زاد الإنسان مثل هذه الكلمات فنرجو أن لا يكون به بأس، اقتداء بِمَن؟ بعبد الله بن عمر، لكن الأوْلَى ملازمة ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الناس هل لهم أن يكبِّروا بدل التلبية إذا كان في وقت التكبير كعشر ذي الحجة؟
الجواب: نعم؛ لقول أنس -رضي الله عنه-: حَجَجْنَا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمنا الْمُكَبِّر ومنا الْمُهِلُّ (24).
وهذا يدل على أنهم ليسوا يُلَبُّون تلبية جماعية، لو كانوا يُلَبُّون تلبية جماعية لكانوا كلهم مُهِلِّين، لكن بعضهم يُكَبِّر، وبعضهم يُهِلُّ، وكلٌّ يذكر ربه على حسب حاله.
قال العلماء: وينبغي أن يذكر نسكه فيها؛ في التلبية، لكن أحيانًا إذا كان في عمرة يقول: لبيك اللهم عمرة، في حج: لبيك اللهم حجًّا، في قِران: لبيك اللهم عمرةً وحجًّا.
قال: (يُصَوِّت بِهَا الرَّجُلُ).
(يُصَوِّت) يعني: يرفع صوته بها؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ» (25)، فينبغي للرجل أن يرفع صوته امتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، واتباعًا لسنته وسنة أصحابه.
قال جابر: كنا نَصْرَخُ بذلك صُراخًا (26).
فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه وقد سَبَّحُوا أو كَبَّرُوا في سفرٍ معه، قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ - يعني: هَوِّنوا عليها - فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ».
(27)
قلنا: لكن التلبية لها شأن خاص؛ لأنها من شعائر الحج، فيُصَوِّت.
لو وقفت على الخط ومَرَّتْ بك قوافل الْحُجَّاج أتسمع دوي التلبية؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، الواقع لا، اللهم إلا نادرًا، هؤلاء الذين يُلَبُّون تلبية جماعية، أما غير هذا تأسف أن تمر بك قوافل الحجيج لا تسمع مُلَبِّيًا، مع أن التلبية كما عرفتم امتثال لأمر الرسول واتباع لسنته واقتداء بأصحابه، ولا يسمعك حجر ولا شجر ولا مدر إلا شهد لك يوم القيامة (28)، قال: أشهد أن هذا حج البيت يُلَبِّي، ومع ذلك صَمْت، سكوت، وهذا لا شك أنه خلاف السُّنَّة.
المرأة، قال: (وتخفيها المرأة)، أي: تُسِرُّ بها؛ لأن المرأة مأمورة بخفض الصوت في مجامع الرجال، فلا ترفع صوتها بذلك، كما أنها مأمورة فيما إذا نابها شيء في الصلاة مع الرجال أن أيش؟ تُصَفِّق ولَّا تقول: سبحان الله؟ تُصَفِّق؛ لئلا يظهر صوتها، فصوت المرأة -وإن لم يكن عورة- لكن يُخْشَى منه الفتنة.
ولهذا نقول: المرأة تُلَبِّي سرًّا بقدر ما تُسْمِعُ رفيقتها، لا تُعْلِن، وهذا من الأحكام التي تخالف فيها المرأة الرجال، وهي كثيرة؛ لأنها كما خالفته خِلْقَةً وفِطْرَةً خالفته حُكْمًا، والله -عزَّ وجلَّ- حكيم، أحكامه الشرعية مناسِبة لأحكامه القدَرية.
نعم (تخفيها المرأة)، ولو جهرت نقول: لا بأس؟ لا، نمنعها؛ لأنه ما فيه جهر، أنت امرأة فالسُّنَّة لك أن تُسِرِّي بذلك.
(بابُ مَحظوراتِ الإحرامِ)
وهي تِسعةٌ: حَلْقُ الشعرِ وتقليمُ الأظافرِ، فمَن حَلَقَ أو قَلَّمَ ثلاثةً فعليه دمٌ، ومَن غَطَّى رأسَه بِمُلاصِقٍ فَدَى، وإن لَبِسَ ذَكَرٌ مَخيطًا فَدَى، وإن طَيَّبَ بَدَنَه أو ثوبَه أو ادَّهَنَ بِمُطَيِّبٍ أو شَمَّ طِيبًا
(محظورات الإحرام) كتركيب (سجود السهو)، فاعرفوا، ماذا أردت بقولك: تركيب (سجود السهو)؟
طالب: لأن سجود السهو بعد أن أدى الصلاة واستدبرت حالها.
الشيخ: لا.
الطالب: (... )؟
الشيخ: لا.
طالب: لأن الإضافة إضافة سبب.
الشيخ: صح، أن الإضافة إضافة سبب؛ إضافة الشيء إلى سببه، سجود السهو معناه: السجود الحاصل؟
طلبة: بسبب.
الشيخ: (محظورات الإحرام) المحظورات بسبب الإحرام، والمحظور: الممنوع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20] أي: ممنوعًا، فممنوعات الإحرام يقول المؤلف: إنها تسعة قال: (وهي تسعة).
وحينئذٍ يسأل سائل يقول: ما الدليل على أنها تسعة؟ والجواب: التتبع والاستقراء.
فإذا قال قائل: إحصاؤكم لها وحصركم إياها بتسعة بدعة، هل قال الرسول: محظورات الإحرام تسعة؟ أيش نقول؟
نقول: هذا وسيلة لتقريب العلم للأمة ولم شتاته فإنه أسهل؛ ولهذا كان الرسول أحيانًا يقول: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ» (1)، لو قال: يظل الله في ظله إمامًا عادلًا، وفي مكان آخر قال: يظل الله بظله شابًّا نشأ في طاعة الله، وعدَّد السبعة في أمكنة وجمعناها هل يقال: هذا بدعة؟ لا، الرسول أحيانًا يجمع ويحصر، هنا نقول: جمعها وحصرها وسيلة لأيش؟
طلبة: لتقريب العلم.
الشيخ: لتقريب العلم للأذهان.
(وهي تسعة)؛ الأول: (حلق الشعر)، ولم يقل المؤلف: إزالة الشعر، مع أنه أعم اتباعًا للفظ القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]، وهنا يجب أن نفهم إذا أردنا أن نكتب شيئًا أن المحافظة على لفظ القرآن والسنة أولى؛ لأنها دليل وحكم، فالكاتب المؤلف ينبغي له أن يحافظ على أيش؟
طالب: لفظ الكتاب والسنة.
الشيخ: على لفظ الكتاب والسنة.
(حلق الشعر) لكن هنا المؤلف رحمه الله قال: (حلق الشعر)، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، ولا شك أن الدليل أخص من المدلول، ما هو المنهي عنه في الدليل؟
طلبة: حلق الرأس.
الشيخ: حلق الرأس، وما هو الحكم الذي استدل له بالدليل؟ حلق الشعر عمومًا، حتى العانة، حتى الشارب، حتى الساق، وما أشبه ذلك، وقد ذكرنا أنه لا يصح الاستدلال بالأخص على الأعم، ولكنهم يقولون: نحن نقيس حلق بقية الشعر على شعر الرأس، فإذا استدللنا بالآية فهو استدلال على حلق شعر الرأس باللفظ، وعلى بقية الشعر بالقياس، فجاءنا صاحب الراية الخضراء وقال: القياس لا يصح في الشريعة، من هو؟
طلبة: ابن حزم الظاهري.
الشيخ: ابن حزم والظاهرية قالوا: لا نسلم لكم القياس، والله عز وجل يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89] ولم ينهنا إلا عن حلق شعر الرأس، فلماذا نضيق على عباد الله ونقول: كل الشعور لا تحلقوها؟ !
رجل نما شعر شاربه وصار إذا أكل التفَّ مع الأكلِ الشعرُ، وإذا شرب كذلك، فماذا يصنع؟ إذا قلنا بأنه يحرم أخذ شعر الشارب يقول: يأخذه ويفدي؛ لأنه أذى، أو يأخذه ولا يفدي، بناء على قاعدة سنذكرها إن شاء الله، على كل حال الآن الدليل أيش؟
طلبة: أخص.
الشيخ: أخص من المدلول، ولا ينبغي أن نستدل بالأخص على الأعم، لكن إذا قلنا: إنه يقاس ما خرج عن الدليل على ما ثبت بالدليل نحتاج إلى أمر آخر وهو تساوي الأصل والفرع في العلة، فما هي العلة التي نستطيع أن نلحق شعر بقية الجسد بشعر الرأس؟ قالوا: العلة الترفه؛ لأن حلق شعر الرأس يحصل به النظافة، بدليل أنه كلما زاد وسخ الرأس كثر فيه القمل والرائحة والأذى، فالعلة هي الترقب، فهل هذا مُسلم؟ ننظر هل المُحْرِم ممنوع من الترفه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما أسرع قول: لا، ولَّا: نعم، عندكم المحرم ممنوع من الترفه؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، حقيقةً لا، ليس ممنوعًا من الترفه بالأكل؛ له يأكل من الطيبات ما شاء، ولا ممنوعًا من الترفه باللباس؛ له أن يلبس من الثياب التي تجوز في الإحرام ما شاء، ولا ممنوعًا من الترفه بإزالة الأوساخ؛ له أن يغتسل ويزيل الأوساخ، فمن قال: إن العلة في المعقول في حلق الرأس هي الترفه حتى نقيس عليه ذلك؟ لا شيء، لكن العلة الظاهرة هو أن المحرم إذا حلق رأسه فإنه يسقط به نسكًا مشروعًا، ما هو؟
طلبة: الحلق والتقصير.
الشيخ: الحلق والتقصير عند انتهاء العمرة، وعند رمي جمرة العقبة إذا حلق رأسه في أثناء الإحرام ووصل إلى مكة في خلال ساعات في وقتنا الحاضر ماذا يصنع؟ أين ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27]؟ فالعلة أن في حلق الرأس إسقاط شعيرة من شعائر النسك؛ وهي الحلق أو التقصير، وهذا التعليل لا شك أنه عند التأمل أقرب من التعليل بأن ذلك من أجل؟
طلبة: الترفه.
الشيخ: الترفه، على هذا الرأي لا يحرم إلا حلق الرأس فقط، أما بقية الشعور فليست حرامًا.
قالوا أيضًا: الأصل الحل فيما يأخذه الإنسان من الشعور أو التحريم؟
طالب: الحل.
الشيخ: الحل، فلا نمنع إنسانًا من أخذ شيء من شعوره إلا بدليل، ولكن البحث النظري له حال والتطبيق العملي له حال أخرى، لو أن الإنسان تجنب الأخذ من شعوره؛ من شاربه، من لحيته، من إبطه، من عانته احتياطًا ماذا يكون؟ يكون هذا جيدًا، لكن أما أن نلزمه ونؤثمه إذا أخذ مع عدم وجود الدليل الرافع للإباحة فهذا فيه نظر، وأنا ذكرت الآن أربعة شروط: الشارب، واللحية، والإبط، والعانة، أيش اللي خطأ؟
طلبة: اللحية.
الشيخ: اللحية خطأ، هذه سبقت على لساني بغير قصد؛ لأن اللحية لا تؤخذ لا بالإحرام ولا بغير الإحرام.
الثاني: (تقليم الأظفار) يعني؟
طلبة: قصها.
الشيخ: إي نعم، يعني: قصها أو قلمها بالمبراة، وكانوا في الأول يقلمون الظفر يأخذون المبراة -تعرفون المبراة؟ السكينة الصغيرة- يقطعون بها الظفر هكذا كما يُقلَّم القلم، القلم تعرفونه يُقلَّم، الآن لا يُقلَّم؛ لأنه حديد، لكن يقلم المرسمة الرصاص، فيقولون: تقليم الأظفار أيضًا حرام، من أي مكان؛ من اليد أو من الرجل أو منهما؟
طلبة: منهما.
الشيخ: منهما جميعًا، ما هو الدليل؟
طلبة: القياس.
الشيخ: لا دليل إلا بالقياس.
(... ) ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: فسبق أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما سمى التلبية تلبية النبي صلى الله عليه وآله وسلم توحيدًا (2)، فما وجه ذلك؟
طالب: وجه ذلك أن هذه التلبية اشتملت على أنواع التوحيد.
الشيخ: هذه التلبية اشتملت على أنواع التوحيد؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أخرج لنا منها توحيد الربوبية؟
الطالب: توحيد الربوبية قوله: «إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ».. توحيد الربوبية؟
الشيخ: نعم، امشِ شوية.
الطالب: «لَكَ وَالْمُلْكَ».
الشيخ: «وَالْمُلْكَ».
الطالب: «الْمُلْكَ»، نعم.
الشيخ: هذا من وجه، من وجه آخر؟
طالب: «لَا شَرِيكَ».
الشيخ: لا، «لَا شَرِيكَ لَكَ».
طالب: توحيد الربوبية (... ).
الشيخ: أخذ توحيد الربوبية من هذا، الوجه الأول ما قاله الشيخ سليمان (الْمُلَكَ)، والوجه الثاني؟
طالب: أن توحيد الأولهية متضمن.
الشيخ: تمام، أن توحيد الأولهية متضمن لتوحيد الربوبية، وقد قال الرسول: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ».
فيها أيضًا توحيد الأولهية، من أين يؤخذ؟
طالب: توحيد الأولهية «اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ».
الشيخ: من «اللَّهُمَّ»؟
الطالب: لا، «لَا شَرِيكَ لَكَ».
الشيخ: لا، هذا تحقيق التوحيد، لكن اللي فيه توحيد الأولهية؛ لأن «لَا شَرِيكَ لَكَ» في ربوبيتك، في ألوهيتك، في أسمائك وصفاتك.
الطالب: نعم.
الشيخ: لكن توحيد الأولهية نص على الأولهية.
طالب: «اللَّهُمَّ».
الشيخ: «اللَّهُمَّ»؛ لأن معناها: يا الله.
الأسماء والصفات؟
الطالب: «لَا شَرِيكَ».
الشيخ: لا، هذه «لَا شَرِيكَ» -بارك الله فيك- لتحقيق التوحيد في أي نوع من الأنواع.
طالب: «إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ».
الشيخ: من أين؟ كيف (الحمد والنعمة)؟ كيف ذلك؟
الطالب: لأن الحمد وصف المحمود بصفات الكمال.
الشيخ: مع المحبة والتعظيم.
الطالب: مع المحبة والتعظيم.
الشيخ: وهذا يعني إثبات الأسماء والصفات الكاملة، والتوحيد يؤخذ من قوله: «لَا شَرِيكَ لَكَ».
هل المشروع رفع الصوت بها أم لا؟
طالب: للرجال والنساء.
الشيخ: للرجال والنساء، كيف يجمع بين هذا وبين قول الرسول عليه الصلاة والسلام للصحابة: «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ» (3)؟
الطالب: نقول: إن هذا خاص بفعله هذا.
الشيخ: خاص بالتلبية؛ لأنه من شعار الحج.
هل تصوت المرأة بها؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
الطالب: تسر بها.
الشيخ: لماذا؟ النساء شقائك الرجال.
الطالب: لا -يا شيخ- في هذا الحال لا؛ لأنها تخشى الفتنة أن تصوت.
الشيخ: ولا تسر بها إطلاقًا؟
الطالب: لا، تسر بها.
الشيخ: بقدر؟
الطالب: بقدر ما تسمع رفيقتها.
الشيخ: إي نعم، أحسنت.
محظورات الإحرام من باب إضافة الشيء؟
طالب: إلى سببه.
الشيخ: إلى سببه.
هل لها نظير؟
الطالب: مثل قول: باب سجود السهو.
الشيخ: مثل قولهم: باب سجود السهو؛ يعني: باب السجود الذي سببه السهو.
ما معنى محظورات الإحرام؟
طالب: أي التي لا يجب (... ).
الشيخ: الممنوعات بسببه؛ لأن المحظور هو الممنوع، محظورات الإحرام الممنوعات بسببه، حصرها المؤلف في ثلاثين؟
الطالب: تسعة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: تسعة.
الشيخ: تسعة.
ما الدليل على هذا الحصر؟
الطالب: التتبع والاستقراء.
الشيخ: التتبع والاستقراء.
قال: من الناس من قال: إن حصر مثل هذه الأمور بتسعة بعشرة وما أشبه ذلك بدعة، فما الجواب على هذا؟
طالب: ليس بدعة؛ لأن هذا وسيلة لشيء ممدوح؛ وهو التيسير على الناس.
الشيخ: تيسير العلم على الناس، فهو وسيلة لشيء محمود؛ وهو تيسير العلم على الناس، والوسائل لها أحكام المقاصد.
وهل في السنة ما يفيد الحصر أحيانًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: مثل؟
الطالب: «لَا يَلْبَسِ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ وَلَا.. ».
الشيخ: لا، حصر بعدد، يقول الرسول مثلًا: عشرة فيهم كذا وكذا.
طالب: «خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ» (4)، أو «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ» (5).
الشيخ: مثل: «خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ»، أو «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ»، «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ»، وما أشبه ذلك.
المحظور الأول حلق الشعر، فما دليله؟
طالب: دليل حلق الشعر هو دليل خاص.
الشيخ: ما هو دليله؟ هات دليله، عندك نص هاته.
الطالب: القياس على حلق..
الشيخ: حلق الشعر يا أخي دليله.
الطالب: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾.
الشيخ: طيب.
الطالب: ولكن قوله: (حلق الشعر)..
الشيخ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ هل مثل هذا الاستدلال يعتبر صحيحًا؟
الطالب: قلنا -أحسن الله إليك-: إن هذا الاستدلال لا يصح؛ لأن المدلول..
الشيخ: إلى الآن ما قلت، أمس ما سمعتك.
الطالب: إي نعم، أن الدليل هنا..
الشيخ: السؤال الآن هل هذا النوع من الاستدلال صحيح؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم؟
الطالب: على حلق الرأس، أما حلق الشعر فلا يصح.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن هنا الدليل أخص من المدلول، وقلنا: إنه لا يجوز.
الشيخ: والقاعدة أنه لا يستدل بالأخص على الأعم، والعكس صحيح؛ يستدل بالأعم على الأخص؛ لأنه عام، إذنْ ما الذي يثبت هذا الحكم في جميع الشعور؟
طالب: أثبتوه بالقياس على حلق الرأس.
الشيخ: القياس على حلق الرأس، ما علة القياس؟
طالب: علتهم الترفه.
الشيخ: الترفه، أيش معنى الترفه؟
الطالب: التنعم.
الشيخ: التنعم.
وهل في حلق الشعر تنعم؟
الطالب: قد يكون فيها شيء من الترفه، كما يؤدي إلى أذى داخل الرأس.
الشيخ: لأنه ينظف الرأس.
الطالب: يجمل.
الشيخ: ويزيل عنه الوسخ، أما الجمال فيختلف.
المؤلف قال: (حلق الرأس) لماذا قال: (حلق الرأس) والمحرم إزالته بأي نوع من أنواع الإزالة؟
الطالب: من أجل أن يكون اللفظ مطابقًا لما جاء في القرآن والسنة.
الشيخ: من أجل أن يطابق لفظه لفظ القران والسنة.
هل نأخذ من هذا أن العلماء رحمهم الله يتحرون أن تكون كلماتهم موافقة لألفاظ الكتاب والسنة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وما ترى في هذا الطريق هل هو سليم؟
الطالب: نعم، سليم.
الشيخ: ومساوٍ لغيره أو لا؟
طالب: الطريق هذا سليم.
الشيخ: لكن هل تساوي غيرها أو هي أفضل منها؟
الطالب: أفضل منها؛ لأن فيها الدليل والحكم.
الشيخ: أفضل منها؛ لأنها فيها الحكم والدليل؛ ولهذا مر علينا في الزاد -زاد المستقنع- لما قال رحمه الله في باب صلاة الجماعة: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (6)، هذه عبارة المؤلف، قال الشارح: رواه مسلم من حديث أبو هريرة، جاء بالدليل والحكم، تكلمنا على موضوع تعدي الحكم إلى بقية الشعور، وقلنا: إن من العلماء من خالف في ذلك، فمن المخالف؟
طالب: ابن حزم الظاهري.
الشيخ: داود الظاهري، المعروف عن داود الظاهري، ابن حزم ما راجعنا كلامه، لكن المعروف أنه مع داود الظاهري، كيف؟
طالب: قال: إن الوارد في القرآن هو حلق شعر الرأس.
الشيخ: نعم.
الطالب: فيكتبها بما ورد في القرآن.
الشيخ: لأن الأصل؟
الطالب: لأن الأصل الحل.
الشيخ: الحل، فإذا قام الدليل على تخصيص شيء محرم فإننا لا نتعداه إلى غيره، وما جواب الآخرين على هذا؟
الطالب: الجواب القياس.
الشيخ: القياس؛ قياس بقية الشعر.
الطالب: قياس بقية الشعر على شعر الرأس.
الشيخ: على شعر الرأس بجامع الترفه، هل يمكن أن ينقض هذا القياس؟
الطالب: يمكن أن ينقض يا شيخ.
الشيخ: بأيش؟
الطالب: ينقض بأن العبادات توقيفية ولا تثبت إلا بدليل.
الشيخ: لا، هذا مو تعبد، هذا تخلٍّ عن شيء.
الطالب: التخلي عن شيء يكون تعبدًا.
الشيخ: غير هذا؟
طالب: أقول: إن الحاج يكون بعض الأحيان عنده وقت من الراحة ومن الأكل ومن الشرب وغيره.
الشيخ: لا، هذا نقض العلة، لكن أنا أريد نقض القياس؛ يعني: نقض العلة أن نقول: إن العلة هي الترفه، وقد تنقض؛ لأن ما كل ترفه يكون ممنوعًا، الرسول عليه الصلاة والسلام اغتسل وهو محرم (7).
طالب: نقول: إن الأصل والفرع لازم أن تكون العلة جامعة بينهم، وهنا العلة ليست بجامعه؛ لأن حلق الرأس قد يكون من باب الترفع، وأما حلق العانة وما شابه ذلك فلا يكون من باب الترفع.
الشيخ: لا.
طالب: لأنه إسقاط شعيرة.
الشيخ: نعم؛ لأن حلق الرأس يفضي إلى إسقاط الشعيرة؛ وهي الحلق أو التقصير، ولكني قلت لكم في الأمس: الاحتياط اتباع أيش؟
طلبة: قول الجمهور.
الشيخ: اتباع الجمهور، وهذه قاعدة يجب أن طالب العلم يتمشى عليها أنك إذا وجدت حكمًا يخالف حكم الجمهور أو قولًا يخالف قول الجمهور فلا تتعجل بالأخذ به، لا تتعجل، انتظر؛ لأن كل جمهور علماء الأمة على خلاف هذا القول لا بد أن يكون هناك شيء وراء من يتصوروا فلا تتعجل، وكذلك ما يخالف الأحاديث الصحيحة التي كالجبال في السنة إذا جاء حديث يعتبر شاذًّا بالنسبة لها فلا تتعجل بالأخذ به.
المؤلف رحمه الله يقول الثاني: (تقليم الأظفار) لم يرد فيه نص لا قرآني ولا نبوي، لكنهم قاسوه على حلق الشعر، وإذا كان داود ينازع في حلق بقية الشعر التي في الجسم في إلحاقها بالرأس فهنا؟
طلبة: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى؛ ولهذا ذكروا في الفروع أنه يتوجه احتمال ألَّا يكون من المحظورات، بناء على أيش؟ بناء على القول بأن بقية الشعر ليس من المحظورات، لكن نقل بعض العلماء الإجماع على أنه من المحظورات.
وقول المؤلف: (تقليم الأظفار) يريد بذلك إزالتها بأي شيء كان؛ بالتقليم، أو بالقص، أو بغير ذلك، أو بالخلع، المهم أن إزالة الأظفار من محظورات الإحرام، وقول المؤلف: (الأظفار) يشمل أظافر اليد وأظافر الرجل، وهو كذلك، والعلة نحن قلنا: ليس فيه دليل قرآني ولا نبوي، ولكن فيه القياس بجامع الترفه في كلٍّ من تقليم الأظفار وحلق الشعر.
قال المؤلف رحمه الله: (فمن حلق أو قَلَّم ثلاثة فعليه دم)، (من حلق) (من) اسم شرط جازم، و (حلق) فعل الشرط، و (قلَّم) معطوف على فعل الشرط، و (فعليه دم) الجملة جواب الشرط؛ أي: فأي مُحْرِمٍ حلق ثلاث شعرات فعليه دم، أو قلَّم ثلاثة أظفار فعليه دم؛ عليه فدية؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، وإذا كان أقل الجمع ثلاثة فإنه إذا حلق ثلاثًا صدق عليه أنه أزال الشعر، وقول المؤلف: (أو قلَّم ثلاثة) نفس الشيء.
وعلم من قوله: (ثلاثة فعليه دم) أنه لو قلَّم دون ذلك أو حلق دون ذلك فليس عليه دم، لكن ماذا يجب عليه؟ قالوا: يجب عليه لكل شعرة إطعام مسكين، ولكل ظفر إطعام مسكين، وهذا التفصيل يحتاج إلى دليل، فأين في السنة ما يدل على أن الشعرة الواحدة فيها إطعام مسكين أو الظفر الواحد فيه إطعام مسكين؟
ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله في القدر الذي تجب فيه الفدية وفي مقدار ما يكون دون ذلك، فقال بعضهم: إذا حلق أربع شعرات فعليه دم، وقال آخرون: إذا حلق خمس شعرات فعليه دم، وقال آخرون: إذا حلق ربع الرأس فعليه دم، وقال آخرون: إذا حلق ما به إماطة الأذى فعليه دم، فالأقوال كم؟
طلبة: خمسة.
الشيخ: ثلاثة، وأربعة، وخمسة، وربع الرأس.
طالب: وما يماط به الأذى.
الشيخ: وما يماط به الأذى، أقرب الأقوال إلى ظاهر القرآن القول الأخير، وهو مذهب مالك؛ أنه ليس عليه دم إلا إذا حلق ما يماط به الأذى؛ أي حلقًا يكاد يكون كاملًا؛ لأنه هو الذي يماط به الأذى، وهو الذي قال الله تعالى في القرآن في شأنه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: 196]، وهو لا يحلق إذا كان به أذًى من رأسه إلا ما يماط به الأذى فعليه فدية، وهذا القول أصلح الأقوال، ويدل له أنه الموافق لظاهر القرآن، هذا دليل.
الدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتجم وهو محرم في رأسه (8)، والحجامة في الرأس من ضرورتها أن يحلق الشعر لمكان المحاجم، ولا يمكن سوى ذلك، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه افتدى، لماذا؟ لأن الشعر الذي يزال من أجل المحاجم لا يماط به الأذى قليل بالنسبة لبقية الشعر.
وعلى هذا فنقول: من حلق ثلاث شعرات فليس عليه دم، أو أربعًا، أو خمسًا، أو عشرًا، أو عشرين، ولا يسمى هذا حلقًا، لكن هل يحل له ذلك أو لا؟ هذه النقطة، هل يحل أن يحلق شعرة أو شعرتين أو يزيلها بأي مزيل؟ الجواب: لا يحل، انتبهوا؛ لأن لدينا قاعدة: امتثال الأمر لا يتم إلا بفعل جميعه، وامتثال النهي لا يتم إلا بترك جميعه، فإذا نهيت عن شيء فأنت منهي عنه جملة وأجزاء، وإذا أمرت بشيء فأنت مأمور به جملة وأجزاء، انتبه، امتثال المأمور لا يتم إلا بفعل جميعه، وامتثال المحظور لا يتم إلا باجتناب جميعه، وعلى هذا فنقول: إذا حرم حلق جميع الرأس أو ما يماط به الأذى حرم حلق جزء منه، لكن الكلام في الفدية غير الكلام في التحريم.
فإن قال قائل: وهل يمكن أن يكون شيء من محظورات الإحرام محرمًا وليس فيه فدية؟
قلنا: نعم، يمكن، عقد النكاح الخطبة حرام على المحرم، لكن ليس فيهما فدية، القمل على رأي بعض الفقهاء؛ كون الإنسان يزيل القمل عن نفسه وهو محرم يكون حرامًا، وفيه فدية؟ لا، ما فيه فدية.
ولا أدري هل تعرفون القمل أو لا؟ الحمد لله، نحن في الأزمنة الأخيرة لا نعرفه؛ لأن النظافة الكثيرة والثياب دائمًا تكون نظيفة، لكن في الأول تكون القمل في الأبدان، وتتعب الناس أحيانًا؛ تجدها تمشي من فوق الثياب، وهي دويبة صغيرة؛ يعني: منتفخة أقل من الذرة، لكن شأنها قوي؛ تحجم الإنسان حجمًا؛ لأنها تقرصه، ثم تمتص الدم، وتؤذي الإنسان؛ ولهذا جيء بكعب بن عجرة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام والقمل يتناثر من رأسه على وجهه، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام له: «لَعَلَّكَ أَذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ » قال: نعم، يا رسول الله (9)، فسماها هوامًّا.
إذنْ نقول في هذه المسألة، أعني مسألة أيش؟
طلبة: حلق جميع الرأس.
الشيخ: حلق جميع الرأس محرم وفيه الفدية، وحلق بعضه محرم وليس فيه فدية، وأوردنا هل يمكن أن يكون شيء من المحظورات محرمًا وليس فيه فدية؟ وقلنا: نعم، خِطبة، عقد النكاح، إزالة القمل وصئبانه على رأي من يرى أنه حرام، والصحيح أنه ليس بحرام، الصحيح أن إزالة القمل ليس بحرام، بل أن المُحْرِم يستبيح من أجله أيش؟
طالب: المُحَرَّمَ.
الشيخ: المُحَرَّمَ، يحلق شعره لأجل ينفك عنه هذا القمل.
إذن القول الراجح أن الذي فيه الدم ما يماط به الأذى؛ أي: ما يكون ظاهرًا على كل الرأس بحيث يسلم الرأس من الأذى.
ثم اعلم أن العلماء في محظورات الإحرام إذا قالوا: دم فلا يعنون أن الدم متعين، بل هو أحد أمور ثلاثة: الدم، إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، صيام ثلاثة أيام، كلما رأيت شيئًا فيه دم إلا الجماع في الحج قبل التحلل الأول فإن فيه بدنة، وإلا جزاء الصيد فإن فيه مثله، كما سيأتي -إن شاء الله- في الفدية.
لكن هذه اجعلوها على بالكم؛ لأن كثيرًا من الإخوة المفتين كلما أتاهم إنسان قالوا: عليك دم، فيذهب العامي وهو لا يدري لم يبين له يتكلف بشراء الدم، وربما يستدين لذلك، لكن لو قيل له: أنت بالخيار؛ دم، إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، الثالث صيام ثلاثة أيام يمكن يهون عليه، أما كل واحد يجينا نقول: يلا عليك دم، هذا خطأ، الواجب أن يبين للناس الحكم الشرعي.
وبأي شيء عرفنا أنه يخير بين هذه الثلاثة؟ من حلق الرأس؛ لأن الله قال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]، فالمحظورات إذنْ ما لا فدية فيه، وما فديته بدنه، وما فديته مثله، وما فديته التخيير بين هذه الأمور الثلاثة، وهذا هو أكثر المحظورات؛ أنه يخير فيه بين هذه الأمور الثلاثة.
يقول المؤلف: (فمن حلق أو قَلَّم ثلاثة فعليه دم) هل نقول بناء على ذلك: يحرم على المحرم أن يحك رأسه؟ لا يحرم أن يحك، إلا من حكه ليتساقط الشعر فهوا حرام، لكن من حكه بدافع الحكة، ثم سقط شيء بغير قصد فإنه لا يضر، وقيل لعائشة: إن قومًا يقولون بعدم حك الرأس، قالت: لو لم أستطع أن أحكه بيدي لحككته برجلي (10)، رضي الله عنها من المبالغة في الحل.
ورأيت كثيرًا من الحجاج إذا أراد أن يحك رأسه تقول هكذا ينقر رأسه خوفًا من أن يتساقط شعره، كل هذا من التنطع، فالمهم ألَّا تحكه لتساقط الشعر، إذا حككته لغرض وسقط شيء بغير قصد فلا شيء عليه.
قال المؤلف: (ومن غطى رأسه بملاصق فدى) الواقع المؤلف رحمه الله ما جاء بها على العدد؛ الأول، الثاني، الثالث، لكن تفهم من كلامه، (من غطى رأسه) (من) اسم شرط جازم، (وغطى) فعل الشرط، و (فدى) جواب الشرط.
والمراد بـ (من) هنا -وإن كانت شرطية عامة- المراد بها الخصوص وهوا المحرم، (من غطى رأسه بملاصق فدي) مثل: الطاقية، الغترة، العمامة وما أشبه ذلك.
دليل هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الذي وقصته راحلته في عرفة: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» (11) أي: لا تغطوه، وهذا عام في كل غطاء، أما العمامة فجاء فيها نص خاص حين سئل ما يلبس المحرم؟ قال: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْخِفَافَ» (12)، فنص على العمامة، وليس هذا هو الدليل؛ لأن هذا ذكر بعض أفراد العام قوله: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» هذا الدليل العام.
وقوله: (بملاصق) خرج به ما ليس بملاصق؛ وذلك لأن ما ليس بملاصق لا يعد تغطية؛ مثل الشمسية يمسكها الإنسان وهو محرم ليستظل بها عن الشمس أو يتقي بها المطر فإن هذا لا بأس به، لماذا؟ لأنه غير ملاصق، وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو الصحيح؛ أن غير الملاصق جائز وليس فيه فدية، أما المذهب عند الحنابلة فيقولون: إذا غطى رأسه بملاصق أو استظل بشمسية أو استظل بمحمل حرم عليه ذلك ولزمته الفدية، يلزمونه بأمرين؛ التحريم والفدية، وعلى هذا القول لا يجوز للمحرم أن يستظل بالشمسية إلا للضرورة، وإذا فعل فدى، ولا يجوز للمحرم أن يركب السيارة المغطاة؛ لأنه استظل بها، فإن اضطر إلى ذلك فدى، وعلى هذا إذا كانت سيارتنا مغطاة مثل الجومس لا نركب في الأسفل نركب فوق والعفش تحت.
طالب: لماذا؟
الشيخ: لماذا؟ لأنه يحرم علينا أن نستظل بشيء تابع لنا، لكن هذا القول مهجور من زمان بعيد، لا يمشي عليه اليوم إلا الرافضة، هم الذين يمشون عليه، وأظنهم أيضًا إنما مشوا عليه أخيرًا، وإلا من قبل ما كنا نعرف هذا الشيء منهم.
على كل حال هذا هو المذهب، فصار المؤلف رحمه الله مشى في هذه المسألة على الصحيح الذي هو خلاف المذهب.
وليعلم أن ستر الرأس أقسام؛ جائز بالنص والإجماع، وممنوع بالنص، وأظنه إجماعًا، ومختلف فيه، فالأول الجائز بالنص والإجماع؛ مثل أن يضع الإنسان على رأسه لبدًا؛ يعني: يلبدها بشيء كالحنة مثلًا، لو لبَّد المحرم على رأسه شيئًا مثل الحنة عسل صمغ عشان يهبط الشعر فإن هذا جائز، وقد ثبت في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يهل ملبدًا (13)، أيش معنى (ملبدًا)؟ أي ملبدًا رأسه؛ أي واضعًا عليه شيئًا يلبده، هذا لا بأس به بالنص، وأظنه محل إجماع.
ثانيًا: أن يغطيه بما لا يقصد به التغطية والستر؛ كحمل العفش ونحوه فهذا لا بأس به، فيجوز للإنسان أن يحمل عفشه على رأسه وهو محرم ولا حرج عليه في ذلك؛ لأن هذا لا يقصد به الستر غالبًا ولا يستر بمثله غالبًا.
الثالث: أن يستره بما يلبس عادة على الرأس؛ مثل: الطاقية، الشماغ، العمامة، فهذا أيضًا حرام بالنص، وأظنه إجماعًا.
الرابع: أن يغطى بما لا يعدُّ لبسًا لكنه ملاصق ويقصد به التغطية فهذا أيضًا حرام، ودليله؟
طلبة: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ».
الشيخ: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ.. » الحديث الذي وقصته راحلته، والغريب أن ابن حزم رحمه الله خالف بهذا في مثل تغطية الوجه، ستأتينا تغطية الوجه حرام ولَّا لا.
الخامس: أن يظلل رأسه ما هو تغطية بتابع له؛ كالشمسية والسيارة ومحمل البعير وما أشبهه، فهذا محل خلاف بين العلماء؛ منهم من أجازه وهو الصحيح، ومنهم من منعه.
السادس: أن يستظل بمنفصل عنه غير تابع له؛ كالاستظلال بالخيمة وثوب يضعه على شجرة أو أغصان شجرة أو ما أشبه ذلك، فهذا جائز ولا بأس به، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم ضربت له قبة بنمرة، فبقي فيها عليه الصلاة والسلام حتى زالت الشمس في عرفة (14).
فإذا قال قائل: التظليل بالشمسية ونحوها أليس سترًا؟
فالجواب: لا، ليس بستر؛ لأن الذي يمشي إلى جنبك يرى كل رأسك ما غطى الرأس، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقود به أسامة، وكان الفضل رديفه رديف النبي عليه الصلاة والسلام في دفعه من مزدلفة إلى منى، وكان بلال وأسامة أحدهما يقود به البعير، والثاني واضع ثوبه على رأسه حتى رمى جمرة العقبة (15)؛ يعني: يظلله به، وهذا كالشمسية تمامًا، فالصواب في هذه المسألة أنه يجوز، وليس هذا بستر، فلا ينافي قوله عليه الصلاة والسلام: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ»، هذا المحظور هل هو عام للرجال والنساء أو خاص بالرجال؟
طلبة: خاص بالرجال.
الشيخ: هذا خاص بالرجال.
أما الأول -حلق الرأس وتقليم الأظفار- فهو عام للرجال والنساء، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن تغطية الوجه ليست حرامًا ولا محظورًا؛ لأنه قال: (تغطية الرأس)، فمن غطى رأسه والوجه لم يتعرض له، وإذا لم يتعرض له فالأصل الحل، وعلى هذا فتغطية المحرم وجهه لا بأس بها، وهذه محل خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إنه لا يجوز للمحرم -يعني: الرجل- أن يغطي وجهه.
ومنهم من أجازه، بناء على صحة اللفظة الواردة في حديث ابن عباس في قصة الرجل الذي وقصته ناقته، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» (16) فقط، وروى مسلم أنه قال: «وَلَا وَجْهَهُ» (17)، فاختلف العلماء في صحة هذه اللفظة؛ فمن كانت عنده صحيحة قال: إنه لا يجوز أن يغطي المحرم وجهه، ومن ليست صحيحة قال: إنه يجوز، وابن حزم رحمه الله قال: إنه يجوز في حال الحياة ولا يجوز في حال الموت، أو بالعكس.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإن لبس ذكرٌ مخيطًا فدى، وإن طيب بدنه أو ثوبه أو ادهن بمطيب أو شم طيبًا أو تبخر بعود ونحوه فدى.
وإن قتل صيدًا مأكولًا بريًّا أصلًا ولو تولد منه ومن غيره أو تلف في يده فعليه جزاؤه، ولا يحرم حيوان إنسي ولا صيد البحر ولا قتل محرم الأكل ولا الصائل.
ويحرم عقد نكاح، ولا يصح، ولا فدية.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن لبس ذكرٌ مخيطًا فدى) هذا من المحظورات، ويعبر عنه بلبس المخيط، وما معنى المخيط؟ المخيط عند الفقهاء: كل ما خيط على عضو أو على البدن كله؛ يعني: ما يخاط على العضو على قياسه أو على البدن كله، هذا المخيط؛ مثل: القميص، والسراويل، والجبة، والصدرية، وما أشبهها، وليس المراد بالمخيط ما فيه خياطة، بل إذا كان مما يلبس في الإحرام فإنه يلبس ولو كان فيه خياطة.
فهنا شيئان؛ الشيء الأول: ما هو المخيط؟ نقول: هو ما خيط على عضو أو على البدن كله أو عضو منه، وكلمة (لُبْس) هي الشيء الثاني لا بد أن يلبس على عادة اللبس، فلو وضعه وضعًا فليس عليه شيء؛ يعني: لو ارتدى بالقميص فإن ذلك لا يضر؛ لأنه ليس لبسًا له.
ما هو الدليل؟ الدليل على هذا حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما يلبس المحرم؟ - (ما) اسم استفهام؛ يعني: أي شيء يلبس؟ - قال: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا الْخِفَافَ»، فذكر خمسة أشياء لا تلبس مع أنه سئل عن الذي يلبس، فأجاب بما لا يلبس، ويعني هذا أنه يلبس المحرم ما سوى هذه الخمسة، وإنما عدل عن ذكر ما يلبس إلى ذكر ما لا يلبس؛ لأن ما لا يلبس أقل مما يلبس، ومعلوم أننا إذا حصرنا القليل فنقول: وما سوى ذلك فإنه يلبس.
المؤلف رحمه الله يقول: (وإن لبس ذكرٌ مخيطًا) فعبَّر بلبس المخيط، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أعطي جوامع الكلم لم يعبر بلبس المخيط وإنما ذكر أشياء معينة بالحد أو بالعد؟
طلبة: بالعد.
الشيخ: بالعد، عينها بالعد، وكان ينبغي للمؤلف وغيره من المؤلفين أن يذكروا ما ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما ذكرنا فيما سبق أن المحافظة على لفظ النص حتى في سياق الأحكام أولى، ويذكر أن أول من عبَّر بلبس المخيط إبراهيم النخعي من التابعين، بل من فقهاء التابعين؛ لأنه -أي: إبراهيم النخعي- في الفقه أعلم منه في الحديث؛ ولهذا يعتبر فقيهًا، وهو في الحديث ليس بالمستوى الذي هو عليه في الفقه، فقال: لا يلبس المخيط.
ولما كانت هذه العبارة ليست واردة عن معصوم صار فيها إشكال؛ أولًا: من حيث عمومها، والثاني: من حيث مفهومها؛ لأننا إذا أخذنا بعمومها حرمنا كل ما فيه خياطة؛ لأن المخيط اسم مفعول بمعنى مخيوط، ولأن هذه العبارة توهم أن ما جاز لبسه شرعًا في الإحرام إذا كان فيه خياطة فإنه يكون ممنوعًا؛ يعني: لو أن الإنسان عليه رداء مرقع أو رداء موصول وصلتين بعضها ببعض، فهل هو مخيط أو لا؟ هو -لغةً- مخيطٌ، مخِيْطَ بعضه ببعض، وهذا ليس بحرام، بل هو جائز، فالتعبير النبوي أولى من هذا؛ لأن فيه عدًّا وليس فيه إيهام.
فلنرجع إلى تفسير حديث الرسول عليه الصلاة والسلام «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ»، والقميص: ما خيط على هيئة البدن وله أكمام، كثيابنا التي علينا الآن هذه قمص، فلا يلبسها المحرم؛ لأنه لو لبسها لم يكن هناك شعيرة ظاهرة للنسك، ولاختلف الناس فيها؛ هذا يلبس كذا، وهذا يلبس كذا، بخلاف ما إذا اتحدوا في اللباس.
«لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَ» والسراويل اسم مفرد وليس جمعًا، وجمعه سراويلات، وقيل: إنه جمع، ومفرده سروال، لكن اللغة الفصيحة أن (سراويل) مفرد.
قال ابن مالك في الألفية:
وَلِسَرَاوِيلَ بِهَذَا الْجَمْعِ
..................................
يعني: صيغة منتهى الجموع
وَلِسَرَاوِيلَ بِهَذَا الْجَمْعِ
شَبَهٌ اقْتَضَى عُمَومَ الْمَنْعِ
السراويل: لباس مقطَّع على قدر معين من أعضاء الجسم، ما هم؟ الرِّجلان فلا يلبس السراويل.
الثالث: «وَلَا الْبَرَانِسَ» البرانس: ثياب واسعة لها غطاء يغطى به الرأس متصل بها، وأكثر ما نراهم يلبسونها المغاربة هذه البرانس فلا يلبسها المحرم.
الرابع: «العمائم» والعمائم: لباس الرأس، فلا يلبس المحرم العمامة؛ لأنها لباس الرأس، ولم يقل: لا يغطي رأسه؛ لأنه لم يسأل إلا عما يلبس، فذكر ما يلبس على الرأس وهو العمامة، وما يلبس على أسفل والبدن وهو السراويل، وما يلبس على أعلى البدن وهو القميص.
الخامس: «وَلَا الْخِفَافَ» الخفاف معروفة هي: ما يلبس على الرجل من جلد أو نحوه، فلا يلبسها المحرم، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم استثنى: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ» (18).
نرجع مرة ثانية إلى الحديث فنقول: الحديث يقول: لا يلبس المحرم كذا وكذا، فإذا استعملها على غير وجه اللبس المعتاد فإن ذلك لا بأس به؛ مثل أن يجعل القميص رداء أو يجعله إزارًا، والسراويل رداء.
وبهذا نسد العذر على من يقول: إذا ركب في الطائرة أن ثياب الإحرام موجودة في الشنطة في جوف الطائرة، نقول: هذا ليس بمشكل؛ إذ يمكن الاستغناء عن ثياب الإحرام بماذا؟ بأن أجعل الثوب إزارًا وأجعل السراويل رداءً، أو إذا كان ممن يلبس الغترة يجعل الغترة رداءً، ولا إشكال في المسألة، أو نقول: اجعل القميص رداءً والبس السراويل؛ لأنك لا تجد إزارًا، فالمسألة ما فيها إشكال من لم يجد نعلين فليلبس الخفين.
هل هذا يكون عند الحاجة أو مطلقًا؟ بمعنى لو كان الإنسان كما هو حالنا اليوم راكبًا في السيارة تصل به إلى المسجد الحرام لا يحتاج إلى المشي، فهل نقول: إنه في هذا الحال له أن يلبس الخفين إذا لم يجد النعلين، أو نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أجاز لبس الخفين عند عدم النعلين؛ لأن الإنسان يحتاج إلى المشي، والمشي حول مكة -كما تعرفون- أودية وجبال لا تخلو من الأشواك غالبًا ومن الأحجار التي تدمي الأصابع، فلهذا رخص له في أن يلبس الخفين؟ الذي يظهر لي هذا؛ أنه يلبس الخفين عند الحاجة، أما إذا لم يحتج فلا حاجة، كما في وقتنا الحاضر.
أيش بقي علينا من اللباس؟ نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام حصر الذي لا يلبس بهذه الخمسة، هل يلحق بها ما كان في معناها؟
الجواب: نعم، يلحق بها ما كان في معناها، فمثلًا القميص يشبهها القوت، تعرفون القوت؟ معروف القوت يلبس على الصدر، يلحق به، فلا يجوز أن يلبسه المحرم، ويلحق به القباء، القباء: ثوب واسع له أكمام مفتوح الوجه، فلا يلبسه؛ لأنه يشبه القميص، لكن لو طرح القباء على كتفيه دون أن يدخل كميه فهل يعد هذا لبسًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، الصحيح أنه ليس بلبس؛ لأن الناس لا يلبسونه على هذا العادة.
البرانس يلحق بها العباءة؛ فإن العباءة تشبه البرنس من بعض الوجوه، فلا يجوز للإنسان أن يحرم أن يلبس العباءة بعد إحرامه على الوجه المعروف، أما لو لفها على صدره كأنها رداء فإن ذلك لا بأس به.
السراويل لا يلبسها فهل يلحق بذلك التُّبَّان أو لا؟
طالب: ما هو التُّبَّان؟
الشيخ: التبان هو: عبارة عن السراويل القصيرة الأكمام؛ يعني: ما تصل إلا إلى نصف الفخذ، ما عندكم نصف (... ).
طالب: (... ) النصف.
الشيخ: على كل حال أنا أصفه لكم باللفظ يصل إلى نصف الفخذ، هل يلحق بالسراويل أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: الصحيح أنه يلحق بالسراويل؛ لأنه في الواقع سراويل، لكن كمها قصير، ولأنها تلبس عادة كما يلبس السراويل.
إذنْ نلحق بهذه الأشياء الخمسة ما يشبهها، وما عدا ذلك فإننا لا نلحقه.
مثاله: لو أن الرجل عقد الرداء على صدره فهل هذا حرام؟
الجواب: لا؛ لأن الرداء وإن عقد لا يخرج عن كونه رداءً، لو شبكه بمشبك فهل هذا لبس؟ الجواب: لا، ليس كلبس القميص، بل هو رداء مشبك، لكن بعض الناس توسعوا في هذه المسألة وصار الرجل يشبك رداءه من رقبته إلى عانته، فيبقى كأنه أيش؟
طلبة: قميص.
الشيخ: كأنه قميص، وهذا لا ينبغي، أما زره بإزار واحد من أجل ألَّا يسقط ولا سيما عند الحاجة؛ كما لو كان الرجل هو الذي يباشر العمل لأصحابه من قهوة وطبخ وغير ذلك فهذا لا بأس به، أما أن يجعله كله من أوله إلى آخره مزرر بالأزرة فهذا يشبه أن يكون قميصًا ليس له أكمام.
لو لبس الإنسان ساعة في يده هل تلحق بالخمسة التي ذكرها الرسول؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا تلحق، وأشبه ما تكون بالخاتم، والخاتم جائز لا أشكال فيه.
لو لبس في عينه مرآة يجوز أو لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأنها لا تدخل في هذه الأشياء الخمسة لا لفظًا ولا معنًى.
لو وضع في أذنه سماعة؟
طالب: يجوز.
الشيخ: نعم، يجوز، ليست داخلةً في هذه الخمسة لا لفظًا ولا معنًى.
لو وضع في فمه تركيبة أسنان؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز.
لو لبس حذاء مخروزًا فيه خياطة؟
طلبة: (... ).
الشيخ: حذاء.
طالب: مخيوط؟
الشيخ: إي، كله خيوط.
طلبة: (... ).
الشيخ: (... ) جوابكم ما هو (... ).
طالب: يجوز، هذا ليس خفًّا.
الشيخ: يجوز؛ لأنه ليس خفًّا، هو نعل مخروز، وهو بخرازته لم يخرج عن كونه نعلًا، وهذا هو الذي قلنا: إن المحافظة على اللفظ النبوي أولى من أن نقول: المُحَرَّم لبس المخيط؛ لأن كثيرًا من العامة يسألون عن النعال المخروزة يقولون: فيها خياطة.
لو تقلد الإنسان بسيف أو بفرد ما تقولون؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ نعم يجوز؛ لأنه لا يدخل فيما نص عليه الرسول عليه الصلاة والسلام لا لفظًا ولا معنًى.
لو ربط بطنه بحزام؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: نعم، يجوز، مخيط يجوز؟
طلبة: نعم، يجوز.
الشيخ: نعم، يجوز.
لو علق على كتفه قربة ماء؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، أو وعاء نفقة، كل هذا جائز، والمهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام عدَّ ما يحرم عدًّا، فما كان بمعناه ألحقناه به، وما لم يكن بمعناه لم نُلحقه به، وما شككنا فيه فالأصل الحل.
ومما نشك فيه الإزار المخيط، بعض الناس يلبس إزارًا مخيطًا؛ يعني: ما ينفتح، ثم يلفه على بدنه ويشده بحبل، هل نقول: إن هذا جائز أو أنه يشبه القميص أو السراويل؟
نقول: إنه جائز؛ لأنه لا يشبه القميص ولا السراويل، السراويل لكل قدمٍ كمٌّ، والقميص في أعلى البدن، ولكل يدٍ كُمٌّ أيضًا، فهذا لا بأس به، ويستعمله بعض الناس الآن؛ لأنهم يقولون: إنه أبعد عن انكشاف العورة، فنقول: ما دام يطلق عليه اسم إزار فهو إزار، ويكون حلالًا.
وقول المؤلف: (إن لبس ذكرٌ مخيطًا فدى)، (ذكر) خرج بذلك الأنثى، فالأنثى لها أن تلبس ما شاءت، ليس لها ثياب معينة للإحرام، إلا أنه لا يجوز أن تلبس ما يكون تبرجًا وزينة؛ لأنها سوف تكون أمام الناس في الطواف وفي السعي، فلا يجوز لها أن تلبس هذا.
هل يحرم عليها شيء من اللباس المرأة؟ نقول: نعم، يحرم عليها شيء من اللباس؛ وهما القفازان والنقاب، القفازان: لباس اليدين، والنقاب: لباس الوجه، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه حرم على المحرمة تغطية وجهها، وإنما حرم عليها النقاب فقط؛ لأنه لباس الوجه، وفرق بين النقاب وبين تغطية الوجه.
وعلى هذا فلو أن المرأة المحرمة غطت وجهها لقلنا: هذا لا بأس به، لكن الأفضل أن تكشفه ما لم يكن حولها رجال أجانب، فيجب عليها أن تستر وجهها عنهم.
هل يحرم عليها الجوارب؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، الجوارب حرام على من؟ على الرجل، هل يحرم على الرجل القفازان؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يحرم عليه القفازان، وبعضهم حكى في ذلك الإجماع، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا حرم على المحرم لبس ما يختص بالرِّجل فكذلك لبس ما يختص باليد، وهي مصنوعة على هيئة أحد الأعضاء، لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يذكرها فيما يتجنبه المحرم؛ لأنه ليس من عادة الرجال أن يلبس القفازين؛ ولهذا لما كان من عادة النساء أن تلبس القفازين قال في المرأة: «وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» (19).
انتهينا من هذا المحظور الذي هو لبس المخيط، وظاهر كلام المؤلف أن لبسه حرام؛ سواء طال الوقت أم قصر، وهو كذلك، وبناء على هذا لو أن رجل لبس ثوبه القميص والسراويل بناء على أنه حل من إحرامه وتبين أنه لم يحل فإن عليه أن ينزعه في الحال.
مثال ذلك: رجل أتى بعمرة فطاف وسعى، ثم لبس ثوبه القميص والسراويل، ثم ذكر أنه لم يقصر أو لم يحلق، فماذا نقول له؟
نقول: يجب فورًا أن تغير الملابس؛ لأنك لا تزال على إحرامك، والمحرم لا يجوز أن يلبس القميص ولا طرفة عين، لكن يؤجل بقدر العادة، ما نقول مثلًا: إذا كنت في مسجد اركض قدام الناس وادعس الناس، أو جيب السيارة اركبها وعلم على مئتين مثلًا، ما نقول هكذا، رجوع الشيء المعتاد.
وهل له إذا أراد خلع القميص هل له أن يخلعه من أعلى أو من أسفل إذا كان الجيب واسعًا أو يشقه؟
طلبة: (... ).
الشيخ: الآن عندنا ثلاثة احتمالات؛ من أسفل، وهذا لا يكون إلا إذا كان جيبه واسعًا، يشقه على شيء يوسعه ينزله من أسفل، أو يخلعه خلعًا عاديًّا، إذا قلنا بالأخير لزم من ذلك عند خلعه أن يغطى رأسه، والمحرم لا يغطى رأسه؛ فلذلك قال بعض العلماء: إذا أراد خلع القميص الذي أحرم به؛ فإما أن يخلعه من أسفل إن اتسع الجيب، وإلا شقه، ولا يمكن أن يخلعه من فوق؛ لأنه إذا فعل فقد غطى رأسه، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن شق القميص إفساد له، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن إضاعة المال (20)، ولأن التغطية هنا غير مقصودة، فهي كما لو حمل عفشه على رأسه، بل الحمل على الرأس -حمل العفش- يكون أيش؟ أطول، وهذا يعني لحظة من الزمن، فالصواب أنه يخلعه خلعًا عاديًّا، ولا يحتاج إلى أن يشقه، ولا أن ينزله من أسفل.
لو لم يجد الإنسان رداء ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا لم يجد إزارًا فإنه يلبس سراويل، لكن لو لم يجد رداء يبقى على ما هو عليه؛ لأنه يجوز للإنسان أن يبقى مؤتزرًا بين الناس، ويجوز أن يبقى مؤتزرًا ويصلي، فهو ليس في ضرورة إلى الرداء.
فإذا قال: أنا لا أستطيع أن أبقى مكشوف الصدر والظهر؛ يلحقني في ذلك مشقة لا أحتملها أو أخاف من المرض، إذا كانت الأيام باردة، نقول: إذن البس القميص إذا كان لا يمكنك أن تتلفف به البسه وافدِ؛ لأن الإنسان إذا احتاج إلى فعل المحظور فعله وفدى، كما في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه.
ومن المحظورات قال: (وإن طيب بدنه أو ثوبه أو ادهن بمطيب أو شم طيبًا أو تبخر بعود ونحوه فدى) هذا من المحظورات أيضًا، من المحظورات الطيب، ما هو الدليل؟
الدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوِ الوَرْسُ» أو قال: «ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوِ الْوَرْسُ» (21) والزعفران طِيبٌ.
لكن قد يقول قائل: الزعفران أخص من كونه طيبًا؛ لأنه طيب ولون، ونحن نقول: إن الطيب بأي لون كان يحرم على المحرم، نقول: نأتي بدليل آخر؛ وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الذي وقصته ناقته في عرفة قال: «لَا تُحَنِّطُوهُ» (22)، وتحنيط الميت أطياب مجموعة تجعل في مواضع من جسمه، وهذا عام لكل طيب؛ لأن الرسول قال: «لَا تُحَنِّطُوهُ»، وذكر أشياء، ثم قال: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا»، وهذا دليل على أن المحرم لا يجوز له استعمال الطيب، وهو كذلك لا يجوز له استعمال الطيب، ووجه أن الطيب يعطي الإنسان نشوة، وربما يحرك شهوته ويلهب غريزته، ويحصل بذلك فتنة له، والله عز وجل يقول: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]، ثم إنه قد ينسيه ما هو فيه من العبادة؛ فلذلك نهي عنه، الطيب هنا يشمل الطيب في رأسه، في لحيته، في صدره، في ظهره، في أي مكان، في ثوبه أيضًا.
قال المؤلف: (أو شم طيبًا) الشم يعني أن يستنشقه ليختبر رائحته، (أو ادهن بمطيب) كذلك أيضًا إذا ادهن بمطيب؛ يعني: مسح على جلده بدهن فيه طيب فإنه لا يجوز؛ لأن ذلك سوف يعلق به وتبقى رائحته.
كذلك أيضًا يقول: (أو شم طيبًا) يعني: تقصد شم الطيب فإنه يحرم عليه ذلك ويفدى، ولكن المسألة الأخيرة -وهي شم الطيب- فيها نظر؛ لأن الشم ليس استعمالًا؛ ولهذا قال بعض العلماء: إنه لا يحرم الشم، لكن إن تلذذ به فإنه يتجنبه خوفًا من المحذور الذي يكون بالتطيب، أما يشمه ليختبره مثلًا طيبه؛ هل هو طَيِّب أو وسط أو رديء؟ هذا لا بأس به.
وهذه المسألة لها ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يشمه بلا قصد.
والثانية: أن يتقصد شمه، لكن لا للتلذذ به أو الترفه به.
والثالث: أن يقصد شمه للتلذذ به.
فالقول بتحريم الثالث وجيه، أما القول بتحريم الثاني فغير وجيه، وأما الأول فهذا لا يحرم قولًا واحدًا، ومن ذلك ما يحصل للإنسان إذا كان يطوف أنه يشم رائحة الطيب الذي في الكعبة، وقد رأينا بعض الناس شاهدناهم يصبون الطيب صبًّا على حجارة الكعبة، ومثل هذا لا بد أن يفوح له رائحة، ولكن الإنسان إذا لم يقصدها ليس فيها شيء، ونحن نرى أن الذين يضعون الطيب في الحجر الأسود قد أساؤوا إساءة بالغة؛ لأنهم سوف يحرمون الناس استلام الحجر الأسود، أو يوقعونهم في محظور من محظورات الإحرام، وكلاهما عدوان على الطائفين.
فيقال لهم أنتم: إذا أبيتم إلا أن تطيبوا الكعبة فنحن لا نمنعكم، لكن لا تجعلوا الطيب في مشعر من مشاعر الطواف، اجعلوه في جوانب الكعبة من الذي لا يمسح، أما أن تجعلوه في مكان يحتاج المسلمون إلى مسحه وتقبيله فهذا جناية؛ لأنهم إما أن يدعوا المسح مع القدرة عليه، وإما أيش؟
طالب: أن يقعوا في المحظور.
الشيخ: أن يقعوا في المحظور، ومشكلة إذا جاء الإنسان يطوف وأنت في أثناء الطواف قال: والله أنا قبَّلت الحجر الأسود ومسحت بيدي وعلق فيها شيء من الطيب ماذا تقول له؟ ستقول: اذهب واغسل الطيب والزحام شديد، ماذا يكون أذى هذا الرجل؟ أذًى شديد.
ولهذا ينبغي لكم أنتم طلبة العلم إذا جرى مثلًا كلام حول هذا أن تبينوا لهذا الأخ الذي احتسب بنيته وأساء بفعله أن تقولوا: إن هذا عدوان على الناس تمنعونهم من شعيرة من شعائر الطواف وأنتم تردون الإحسان فأنتم تحسنون، ولكن تسيئون فالنية طيبة والتصرف سيء.
طالب: هل يُلحق الشماغ بالعمامة؟
الشيخ: أيش تقولون؟ يقول: هل يلحق الشماغ بالعمامة؟
طلبة: نعم، يلحق.
الشيخ: الجواب يلحق أيضًا من جهة أخرى، حتى من جهة أخرى؛ وهي تغطية الرأس.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هل يلبس المرءُ أيَّ شيء في يده من أجْل العمل؛ يعني إنْ كان ما يلبسه في يديه للعمل؟