الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 3525-3564

الشيخ: حتى لو فهمتَ -بارك الله فيك- ما يمكن تخرج على الإمام.
الطالب: شيخ، ما أتكلم لأني أخرج، أنا ما (... ) أفعل شيئًا، ولكن هذا عِلْم حتى (... ). الشيخ: العِلم لازِمْ أنْ نرى، فلا يكفي الظن؛ «كفرًا»، فالفسوق لا يُوجِب الخروجَ عليه، بلْ لا يُبيح الخروج على الإمام إذا كان فاسقًا.
«بواحًا» يعني لا تأويل فيه، فإنْ كان فيه التأويل بأنْ قال الإمام: أنا أرى أنَّ مسائل الدنيا ما نرجع فيها للشرع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ»، هذا له تأويل.
عندنا فيه من الله برهان: يعني معناه عندنا دليلٌ قاطعٌ على أن هذا العمل الذي قام به هذا الإمام كُفر.
بقي شرط وجوب الخروج هو؟ طالب: الاستطاعة.
الشيخ: القدرة والاستطاعة.
طالب: هذا معلوم أن لوجوب الخروج يرى بعضهم.. الشيخ: إي، خلاص، فالشروط الأربعة لجواز الخروج، والشرط الخامس لوجوب الخروج.
طالب: الكلام يعني، هو مِن الكلمة يا شيخ، مِن الكلمة، هل يعني ممكن الإنسان يكفر بكلمة؟ الشيخ: إي، يُمكن إذا قال: إن الله ليس بموجود مثلًا والعياذُ بالله.
الطالب: فقط؟ الشيخ: لا، هذا مِثال.
الطالب: نعم، رجلٌ قال يعني مثلًا: ليس للشريعة الإسلامية مكان.
الشيخ: ما أحد يقول ليس للشريعة مكان، يعني حتى في العبادات أو في الأمور الاقتصادية.
طالب: لا يا شيخ، مش مكان (... )، في الأمور اللي يتحاكم بها الناس وبعضهم.
الشيخ: هذا ما هو بَوَاح؛ لأنه بعض الناس اشتبهَ عليه قوله: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» بأن المراد كلُّ ما يتعلَّق بالدنيا فهو إليكم.
طالب: شيخ، ما المقصود بالحديث: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ عَلَى اللَّهِ فِي يَوْمَي الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ»، المقصود بعرض الأعمال؟

الشيخ: المقصود بعرض الأعمال كما قال الرسول: تُعرَض على الله سبحانه وتعالى، فيغفر الذنبَ، ويزيد في الثواب، ويرضى عن العبد الذي عَمِل بطاعته، وما أشبهَ ذلك.
طالب: شيخ، قُلنا: الأصلُ في الأمرِ الوجوبُ.
الشيخ: فيه خلاف.
الطالب: (... ). الشيخ: ويش عندك أنت؟ الطالب: الحديث عن (... ) يوم الجمعة الصيام، قال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَفْطِرِي» (... ) فما (... )؟ الشيخ: إي، جيِّد، هذا يقول: إذا قُلنا: الأصلُ في الأمرِ الوجوبُ وفي النهي التحريم.
فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة وقال للمرأة، قال لها: «أَفْطِرِي»، والأمر للوجوب، فالعلماء قالوا: يدلُّ على أنَّ النهي ليس للتحريم وأنَّ الأمر للاستحباب أنَّه جاز صومُه بضمِّه إلى غيره، ولو كان صومه حرامًا لم يجز بضمِّه إلى غيره، بدليل أن يوم العيد لو صامه الإنسان مضمومًا إلى غيره لم يَجُز.
طالب: (... ). الشيخ: هذا اللي عنده (... ). طالب: إذا صام الستَّ قبل القضاء (... ) ثم أتبعها بالقضاء، وعليه أن (... )، هل يصوم بعده؟ الشيخ: إي نعم، يصوم بعد القضاء ويكون ذاك نفلًا.


(... ) وإذا وجد عنده لحم آدميٍّ هل يأكله؟ أمَّا إذا كان الكافرُ حربيًّا فهو حلالُ الدمِ يقتله ويأكله، وأمَّا إذا كان ذِمِّيًّا أو معاهَدًا أو مستأمنًا فلا.
ولكن إذا وُجِد ميِّت؛ يعني -مَثَلًا- رجُلانِ في مفازةٍ انقطع عنهم الطعام والشراب فمات أحدهما، فهل للآخَر أنْ يأكل صاحبه؟ أمَّا المذهب فلا يجوز؛ مذهب الحنابلة، يقولون: لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا»، فحُرمة الميتِ كحُرمة الحيِّ.
وأمَّا مذهب الشافعية، وأظنُّه روايةً عن أحمد، فيقولون: إنه لا بأس أنْ يأكل من هذا الميِّت بقَدْر الضرورة؛ لأن حُرمة الحيِّ أعظم من حُرمة الميِّت، وهذا هو الصحيح.

هل تجب ركعتا تحية المسجد في فناء المدرسة بعد أن يُفرش في الفناءِ السجادُ؟ لا؛ لأن هذا يُسمَّى مُصَلًّى ولا يُسمَّى مسجدًا، ولهذا لا يَثْبت له أحكامُ المسجدِ؛ فيجوز البيعُ والشراءُ فيه، ويجوز للجُنُب أن يمكث فيه بلا وضوءٍ، وما أشبهَ ذلك.
يقول: ذكرتم بالأمس أنَّ سبب القتال بين جيشِ عليٍّ وجيشِ معاويةَ رضي الله عنهما أنَّ سببه من الجيشِ نفسِه، فما صحة مَن يقول: إن الجيشانِ -هكذا عبَّر، ما أدري لعله على لُغةِ من يُلْزم المثنى الألفَ مُطْلَقًا أو هو لحن، ويش نقول له؟ طالب: لحن يا شيخ.
الشيخ: إي، بارك الله فيك، إذَن الصواب: إنَّ الجيشينِ كانا سيصطلحانِ فيما بينهما، ولكن بعض الذين في قلوبهم مرضٌ ألَّبوا القتال في الليل.
ما يَبْعُد هذا، ولكن الذين ألَّبوه من الجيش، بمعنى أنه ليس من القُوَّاد.
طالب: ذَكَر بعضُ الإخوة في الدرس السابق أنَّ بعض الخلفاء الراشدين صام في يوم عرفة، يقول: إنَّ ابن عمر رضي الله عنه أخبرَ بأنه حجَّ مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وعمر وعثمان فلمْ يَصُم أحدهم بعرفة، ذَكَره عنك.
الشيخ: إي، ويش الإشكال؟ الطالب: الإشكال أنَّ أحد الإخوة قال: إنهم صاموا بعرفة.
الشيخ: ما سمعته (... ). الطلبة: إي نعم.
الشيخ: ما سمعته، أنه صام بعرفة؟ ! الطالب: أنهم صاموا بعرفة.
الشيخ: أحد الخلفاء؟ ! الطالب: بعض الخلفاء الراشدين، وابن عمر يقول: بأنهم ما صاموا (... ). الشيخ: (... ) هو الظاهر، (... ) الرسول أعلنَ فِطْره أمام الناسِ، ما يُمكن أنْ يصوم الخلفاء الراشدون.
على كل حال هذه أسئلة ما هي بذات أهمية.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ويُكره إفرادُ رجب والجمعةِ والسبتِ والشكِّ، ويَحرُم صومُ العيدينِ ولو في فرضٍ، وصيامُ أيام التشريق إلا عن دمِ متعةٍ وقِرانٍ.

ومَن دخلَ في فرضٍ مُوسَّعٍ حَرُم قَطْعُهُ، ولا يَلْزم في النفْلِ ولا قضاءُ فاسِدِهِ إلا الحج.
وتُرجَى ليلةُ القَدْر في العَشْرِ الأواخرِ من رمضان، وأوتارُه آكَدُ، وليلةُ سبعٍ وعشرين أَبْلغ، ويدعو فيها بما وَرَدَ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
سبق لنا ما يُشرع صومُه من الأيام والأشهر.
قال المؤلف: (وأفْضَلُهُ) أي: أفضلُ صومِ التطوعِ (صومُ يومٍ وفِطْرُ يومٍ)، ودليل ذلك أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وعن أبيه قال: لَأصُومَنَّ النهارَ ولا أُفْطِر، ولَأقُومَنَّ الليلَ ولا أنام.
فبلغَ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسأله: «أَنْتَ الَّذِي قُلْتَ كَذَا؟ » قال: نعم.
فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «صُمْ كَذَا، صُمْ كَذَا».
قال: إنِّي أُطِيق أفضل مِن ذلك، حتى قال له: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ، صِيامُ دَاوُدَ».
وقال له في القيام: «نَمْ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَقُمْ ثُلُثَ اللَّيْلِ، وَنَمْ سُدُسَ اللَّيْلِ، فَذَلِكَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قِيَامُ دَاوُدَ»، وذلك لأن هذا الصيام يعطي النفسَ بعضَ الحريةِ ويعطي البدنَ بعضَ القوةِ؛ لأنه يصوم يومًا ويفطر يومًا.
وكذلك القيام؛ إذا نامَ نصفَ الليل ثم قامَ ثُلثه ثم نامَ سُدسه فإنَّ تعبه في قيام الثُّلثِ سوف يزولُ بنومه في السُّدس، فيقوم في أول النهار نشيطًا، ولكن هذا مشروطٌ -أي: صَوم يومٍ وفِطْر يومٍ- مشروطٌ بما إذا لم يُضَيِّع ما أوجب الله عليه، فإنْ ضيَّعَ ما أوجبَ اللهُ عليه كان هذا مَنْهِيًّا عنه؛ لأنه لا يمكن أن تُضاع فريضةٌ من أجْلِ نافلة.

فلو فُرِضَ أن هذا الرجل إذا صام يومًا وأفطر يومًا تخلَّف عن الجماعة في المسجد لأنه يتعبُ في آخِر النهار ولا يستطيع أنْ يَصِل إلى المسجد، فنقول له: لا تفعلْ؛ لأن إضاعةَ الواجبِ أعظمُ من إضاعةِ المستحبِّ، هذا مستحبٌّ لا تأثمُ بتَرْكه، فاتركه.
كذلك لو فُرِض أنه لو صام يومًا وأفطرَ يومًا انشغلَ بذلك عن مؤونةِ أهْلِهِ الذين تَلْزمه مؤونتُهم؛ يعني انقطعَ عن البيع والشراء، انقطعَ عن العمل، فإنَّنا نقول له: لا تفعلْ؛ لأن القيام بالواجب أهمُّ من القيام بالتطوع.
وقد التزمَ عبد الله بن عمرو بذلك حتى كَبِر، فتمنَّى أنه قَبِلَ رُخصة النبي صلى الله عليه وسلم أن يصوم من كل شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ، حتى إنه اجتهدَ رضي الله عنه وصارَ يصومُ خمسةَ عَشَرَ يومًا متتابعةً ويُفطر خمسةَ عَشَرَ يومًا متتابعةً، ويرى أنَّ هذا بدلٌ عن صيام يومٍ وإفطارِ يومٍ، لكنْ مع ذلك تمنَّى أن يكون قَبِلَ رُخصة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ونأخذ من هذا فائدةً، وهي أنَّ الإنسان لا يقيس نفسَه في مستقبله على حاضِره؛ فقد يكون الإنسان في أول العبادةِ نشيطًا يرى نفسَه أنه قادرٌ، ثم بعد ذلك يَلْحقه المللُ أو يَلْحقه ضعفٌ وتعبٌ ثم يندم، لهذا ينبغي للإنسان أن يكون عمله قصدًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام مرشدًا أُمَّتَه، قال: «اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ»؛ يعني لا تُكلِّفوا أنفسكم، وقال: «الْقَصْدَ»، «اسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ، والْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا»، وقال: «إِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى»، الْمُنْبَتُّ: الذي يسير ليلًا ونهارًا، فهذا لا أرضًا قَطَعَ ولا ظهرًا أبقى.
فالإنسان ينبغي له أن يقدِّر المستقبل، لا يقول: أنا الآن نشيط؛ مثلًا بأعمل كذا، مثلًا يقول: بأغيِّب القرآن، وكذا وكذا من الأحاديث، وزاد المستقنع، وأغيِّب ألفية ابن مالك، كلها أغيِّبها بأسبوع.
هذا ما يصير هذا، أعطِ نفسك حقَّها، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ»، وكثيرٌ من الناس يكون عنده رغبةٌ إما في العبادة أو طلبِ العلم أو غيرِ ذلك، ثم بعد هذا يكسل، فالذي ينبغي للإنسان أن يخطِّط للمستقبل كما يخطِّط للحاضر.
قال: (وأَفْضَلُهُ صَومُ يومٍ وفِطْرُ يومٍ)، وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ يوم الجمعة صومُهُ ليس بحرامٍ، وأنَّ صوم يوم السبت ليس بحرامٍ؛ لأنه إذا صار يصوم يومًا ويُفطِر يومًا سوف يصادفُ الجمعة والسبت، لذلك يتبيَّن أنَّ صومهما ليس بحرامٍ، وإلا لَقال الرسول عليه الصلاة والسلام: صُمْ يومًا وأَفْطِر يومًا ما لم تصادف الجمعة والسبت.


ثم قال: (ويُكره إفرادُ رجبٍ) بالصوم، لماذا؟

علَّلوا هذا بأنه من شعائر الجاهلية، وأنَّ أهل الجاهلية هم الذين يُعَظِّمون هذا الشهر، وأمَّا السُّنة فلم تَرِدْ في تعظيمه، ولهذا قالوا: كلُّ حديثٍ يُروى في فَضْل الصلاة أو الصوم في رجبٍ فإنه كَذِبٌ باتفاق أهل العلم بالحديث.
وقد ألَّفَ ابنُ حجرٍ رحمه الله رسالة صغيرة: تبيينُ العَجَب فيما وَرَدَ في فَضْلِ رَجَب، أو قال: في صومِ رَجَب.
وقوله: (يُكره إفرادُ رجبٍ) يؤخذ منه أنه لو صامه مع غيره فلا يُكره؛ وذلك لأنه إذا صام معه غيره لم يَكُن الصيامُ من أجْل تخصيص رجب؛ يعني لو صام شعبانَ ورَجَبًا فلا بأس، لو صام جمادى الثاني ورَجَبًا فلا بأس.
(يُكره إفرادُ رجبٍ والجمعةِ) الجمعةُ يُكره إفرادها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ جُمُعَةٍ إِلَّا أَنْ تَصُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ»، وقال: «لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ، وَلَا لَيْلَتَهَا بِقِيَامٍ»، وقال لإحدى أمهات المؤمنين وقد وجدها صائمةً يوم الجمعة: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟ ». قالت: لا.
قال: «أَتَصُومِينَ غَدًا؟ ». قالت: لا.
قال: «فَأَفْطِرِي»، فإنْ صامها مع غيرها لم يُكره؛ لو صام الخميس والجمعة فلا بأس، أو الجمعة والسبت فلا بأس.
فإنْ صامها وحدها لا للتخصيص، لكنْ لأنه وقتُ فراغه؛ كرجُلٍ عاملٍ يعمل كلَّ أيام الأسبوع وليس له فراغ إلا يوم الجمعة، فهل يُكره؟ عندي أنَّ فيه ترددًا؛ إنْ نَظَرْنا إلى ما رواه مسلم: «لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ» قلنا: إنَّ هذا لم يَخُصَّها.

وإنْ نَظَرْنا إلى حديث المرأة قال: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟ ». قالت: لا.
قال: «أَتَصُومِينَ غَدًا؟ ». قالت: لا.
قال: «فَأَفْطِرِي».
فإنَّ هذا قد يؤخذ منه أنه يُكره إفرادُها وإنْ كان في الأيام الأخرى لا يستطيع، وقد لا يؤخذ منه فيُقال: إنَّ قول الرسول «أَصُمْتِ أَمْسِ؟ » أو «أَتَصُومِينَ غَدًا؟ » يدل على أنها قادرةٌ على الصوم.
فالحاصل أنه إذا أَفْرَدَ يومَ الجمعة بصومٍ لا لقَصْدِ الجمعةِ، ولكنْ لأنه اليوم الذي يحصُل فيه الفراغُ، فالظاهر -إن شاء الله- أنه لا يُكره وأنه لا بأس.
وقوله: (والسبت) أيضًا يُكره إفرادُه، وأمَّا جَمْعُه مع الجمعة فلا بأس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتَصُومِينَ غَدًا؟ »، فدلَّ هذا على أن صومه مع الجمعة لا بأس به.
وهذه المسألة قد يُلْغَز بها ويُقال: يومانِ إنْ أُفْرِدَ أحدُهما كُرِهَ، وإن اجتمعا فلا كراهة.
مع أنَّ الذي يتبادر أنَّ المكروه إذا ضُمَّ إلى مكروهٍ ازدادت الكراهة، لكن هذا إذا ضُمَّ المكروهُ إلى مكروهٍ زالت الكراهة، وذلك لأن الكراهة إنما هي في الإفراد، فإذا صار الجمعُ فلا كراهة.
إفرادُ يوم السبت، ما الدليل على كراهته؟ الدليل: يقول: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ»، ونحن إذا نَظَرْنا إلى هذا الحديث وإلى ظاهرِ هذا الحديث قُلنا: إنَّ صوم يوم السبت في النافلة منهيٌّ عنه سواء أَفْرده أو ضمَّه إلى يوم الجمعة أو إلى يوم الأحد.
ولكنْ يُقال: هذا النهيُ لِنفرضْ أنه عامٌّ، فإذا وَرَدَ ما يدلُّ على التخصيص وهو جواز صوم يوم السبت مع الجمعة كان مخصِّصًا لهذا العموم.

وقد اختلف العلماء في هذا الحديث؛ فمنهم مَن قال: إنَّه منسوخٌ، ومنهم مَن قال: إنَّه ضعيفٌ، ومنهم مَن قال: إنَّه شاذٌّ.
ولكن يُقال: لا حاجة إلى هذا كلِّه، الحديث لا بأس به، ولكنْ يُحمَل على ما إذا أَفْرده؛ بدليل ما ثبتَ في الأحاديث الأخرى مِن أنَّه إذا ضُمَّ إليه يومُ الجمعة فلا بأس به.
فإذا قال قائل: كيف تقتصرون على الكراهة مع النهي؟ قُلنا: نقتصر على الكراهة مع النهي لأنَّه لو كان النهيُ للتحريم لم يَزَل التحريمُ بضمِّه إلى يومٍ آخَر، فهذا يدلُّ على أنَّ النهي فيه خفيفٌ، بدليل أنَّه يصح صومُه أو يجوز صومُه مع ضمِّه إلى يوم آخَر.
وقوله: (ويوم الشكِّ) يعني: يُكره صومه.
والكلام الآن: ما هو يوم الشك؟ قيل: إنَّ يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان في السماء ما يمنع رؤيةَ الهلال كغَيْمٍ وقَتَرٍ.
وقيل: إنَّ يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماءُ صَحْوًا.
وأيُّهما أَقْرب؟ طلبة: الأول.
الشيخ: الأول أقربُ؛ لأنه إذا كانت السماءُ صَحْوًا وتراءى الناسُ الهلالَ ولم يَرَوْه لم يَبْقَ عندهم شكٌّ أنه لم يَهِلَّ، فالشكُّ يكون إذا كان هناك ما يمنع رؤية الهلال.
ولكنْ لَمَّا كان فقهاؤنا رحمهم الله يرون أنه إذا كان ليلة الثلاثين يحولُ بين رؤيةِ الهلال ما يمنع رؤيتَه فإنه يجب صومُه؛ حملوا الشكَّ على ما إذا كانت السماءُ صَحْوًا، وهذه آفةٌ في الحقيقة يَلْجأ إليها بعض العلماء، وسبب هذه الآفة أنَّ الإنسان يعتقد قَبْل أنْ يستدلَّ، وهذا خطأ، الواجب أنْ تجعل اعتقادك تابعًا للدليل، فتستدلَّ أولًا ثم تعتقدَ ثانيًا وتحكمَ ثانيًا.
فالصواب بلا شك أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان في السماء ما يمنع رؤية الهلال، وأمَّا إذا كانت السماء صَحْوًا فلا شك.
بقي أن يُقال: هل صومُه مكروهٌ كما قال المؤلف أو محرَّم؟

نقول: في هذا خلافٌ بين العلماء؛ فمنهم مَن قال: إنه محرَّم، ومنهم مَن قال: إنه مكروهٌ.
والصحيح أنَّ صومه محرَّم إذا قصد به الاحتياط لرمضان، ودليلُ ذلك قولُ عمار بن ياسر رضي الله عنه: مَنْ صامَ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، وثَبَتَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ».
وعلى هذا فإذا صامَ يومَ الشكِّ احتياطًا لرمضان فإنَّ ذلك يكون حرامًا عليه؛ لأنه نوعٌ من التعدِّي لحدود الله؛ فإن الله يقول في كتابه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، ورسوله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ».


(ويَحْرُمُ صومُ العيدَيْنِ) لنهْيِ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك؛ فقد ثبت عنه أنه نهى عن صوم يوميِ العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى، وأجمعَ العلماء -رحمهم الله- على أنَّ صومهما محرَّم، فلا يجوز للإنسان أنْ يصوم يوم العيد.
ولكنْ لو أنَّه كان يومُ العيد عندنا هنا، وكان في شرق آسيا مثلًا ليس يوم العيد، هل يحرُم عليهم الصوم؟ طلبة: لا يحرم.
الشيخ: إنْ قُلتم لا يَحْرُم أخطأتم، إنْ قُلتم يَحْرُم أخطأتم أيضًا.
نقول: على رأي مَن يرى أنه إذا ثبتت الرؤية في مكانٍ من الأرض بطريقٍ شرعيٍّ فهي للجميع يكون صومُ الذين في شرق آسيا حرامًا؛ لأن هذا اليومَ يومُ عيدٍ لهم، وإذا قُلنا: إنَّ كلَّ قومٍ لهم رؤيتُهم، وهم لم يَرَوْه ونحن رأيناه؛ فإنه لا يَحْرُم عليهم ويَحْرُم علينا نحن.

(ولو في فرضٍ) حتى لو كان في فرضٍ فإنه يَحْرُم أنْ يصوم يومَيِ العيدينِ، حتى لو كان على الإنسان قضاءٌ من رمضان وقال: أُحِبُّ أن أبدأ بالقضاء من أول يومٍ من شوال، قُلنا: هذا حرام، حتى لو فُرِضَ أنه نَذَر أنْ يصوم يوم الاثنينِ فصادفَ يومَ العيد فإنه حرامٌ عليه.
قال: (وصيام أيامِ التشريق) يعني يَحْرُم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال فيها: «أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»، فقوله «أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» يدلُّ على أنَّ هذه الأيام لا تصلح أنْ تكون أيامَ إمساك، وإنما هي أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ لله.
وأيام التشريق ثلاثةٌ بعد يوم النحر، فهي: الحادي عَشَرَ، والثاني عَشَرَ، والثالث عَشَرَ، وهذه الأيامُ الثلاثةُ تُسَمَّى أيامَ التشريق؛ لأنَّ الناس كانوا يُشَرِّقون فيها اللحم، ومعنى يُشَرِّقونه: أي يُقَدِّدونه ثم ينشرونه في الشمس من أجْل أنْ يَيْبَسَ حتى لا يعفن ويفسد، فلهذا سُمِّيتْ أيام التشريق.
قال: (إلا عن دمِ متعةٍ وقِرَانٍ) يعني فيصح.
كيف دم المتعة والقِران؟ إذا حجَّ الإنسان وكان متمتعًا -والمتمتع هو الذي يأتي بالعُمرة أولًا ثم يَحِلُّ ويأتي بالحج بعد ذلك- فعليه الهدْيُ، فإنْ لم يجد فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجع.
القارن كالمتمتع، وهو الذي يُحرِم بالعمرة والحج جميعًا فيقول: لبيك عمرةً وحجًّا، أو يُحرِم بالعمرة أولًا ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، فهو أيضًا قارنٌ وعليه الهدْيُ، فإن لم يجد فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجع من الحج.
دمُ المتعةِ والقِرانِ إذا لم يجدهما الحاجُّ فإنه يصوم ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجع.
فمتى تبتدئ هذه الأيامُ الثلاثةُ؟

تبتدئ من حين الإحرام بالعمرة حتى ولو كان قبل شهر ذي الحجة؛ إذا كان متمتعًا وأحرمَ بالعمرة في آخر ذي القعدة وهو يعلم أنه لن يجد الهدْيَ لأنه ليس معه دراهم فله أنْ يصوم.
فإن قيل: كيف يصوم في العمرةِ والآيةُ الكريمةُ يقول الله فيها: ثلاثة في الحج.
نقول: لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ».
متى ينتهي صوم هذه الثلاثة؟ ينتهي بآخِر يومٍ من أيام التشريق، وعلى هذا فإذا لم يتيسَّر للإنسان أنْ يصوم قبل ذلك فإنه يصوم الأيام الثلاثة: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، ودليلُ ذلك حديثُ عائشةَ وابنِ عمر -رضي الله عنهم- أنهما قالا: لم يُرَخَّصْ في أيام التشريقِ أن يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لم يجد الهدْي.
وقول الصحابي: لم يُرَخَّص، أو: رُخِّصَ لنا، أو ما أشبهَ ذلك يُعتبر مرفوعًا حكمًا.


قال: (ومَن دَخَلَ في فرضٍ موسَّعٍ حَرُمَ قَطْعُهُ).
(مَنْ دَخَلَ) يعني: شَرَعَ (في فرضٍ موسَّعٍ) فإنه يَحرُم عليه قَطْعُه، ويَلْزمه إتمامُه إلا لعُذرٍ شرعيٍّ.
مثال ذلك: رجلٌ لَمَّا أُذِّن لصلاة الظُّهر قام يصلِّي صلاة الظهر، ثم أراد أنْ يقطع الصلاة ويصلِّي فيما بَعْدُ؛ فإنه لا يحلُّ له ذلك مع أنَّ الوقت مُوَسَّعٌ له إلى العصر، لكنْ لَمَّا شرعَ به صار لازمًا عليه، فلا يحلُّ له قطعُه لوجوب الْمُضِيِّ فيه؛ لأنه واجبٌ شَرَعَ فيه، وشروعُه فيه يُشْبه النذْرَ، فيَلْزمه أن يُتِمَّ.
وإنْ دخلَ في فرضٍ مُضيَّقٍ؟ طلبة: من باب أَوْلى.
الشيخ: حَرُمَ قطعُه من باب أَوْلى؛ فلو دخلَ في الصلاة ولم يبقَ من الوقت إلا مقدار ركعاتِ الصلاةِ حَرُم عليه القطعُ من باب أَوْلى؛ لأنه إذا حَرُم القطعُ في الموسَّع ففي المضيَّق من باب أَوْلى.

لكن استثنينا ما إذا كان لضرورةٍ؛ مِثْل أنْ يشرع الإنسانُ في الصلاةِ ثم يُضْطر إلى قطعها لإطفاء حريقٍ أو صدِّ غَرَقٍ أو ما أشبهَ ذلك، ففي هذه الحال له أن يقطع الصلاة.
وهلْ يجوز أن يقطع الفرضَ ليأتي بما هو أكمَلُ؛ مِثْل أنْ يشرع في الفريضة في الصلاة، ثم يحسُّ بجماعةٍ دخلوا ليصلُّوا جماعةً، فهلْ له أن يقطع الصلاةَ هنا من أجْل أن يدخل في الجماعة؟ طالب: نعم.
الشيخ: الجواب نعم، له ذلك؛ لأن هذا الرجل لم يعمد إلى معصية الله ورسوله بقطع الفريضة، ولكنه قَطَعَها ليأتي بها على وجهٍ أكمَل، فهو لمصلحة الصلاة في الواقع، فلهذا قال العلماء في مِثْل هذه الحال: له أنْ يقطعها إلى ما هو أفضل.
وربما يُستدَلُّ لذلك بقصة الرجل الذي أتى النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مكة وقال: يا رسول الله إني نذرتُ إنْ فَتَحَ اللهُ عليك مكة أنْ أصلِّي ركعتينِ في بيت المقدس، أو قال: أنْ أصلِّي في بيت المقدس.
قال: «صَلِّ هَاهُنَا».
فأعادَ عليه مرَّتينِ أو ثلاثًا فقال: «شَأْنَكَ».
يعني أنا أفتيتُك بأنه يجوز أنْ تصلِّي في مكة، وإذا أَصْرَرْتَ على أنْ تصلِّي هناك فشأنك؛ أي: فالزمْ شأنَك أو: فالأمرُ شأنُك وأمرُك.
فهنا أَذِنَ له الرسول عليه الصلاة والسلام أن يصلِّي في مكة، لماذا؟ لأنها أفضل، وإنْ كان ذهابُه إلى بيت المقدس فيه نوعٌ من المشقَّة والتعب، ولكنْ لا يتقصَّد الإنسانُ التعبَ في العبادة، تقصُّد التعبِ في العبادة قد لا يكون فيه أجر، لكنْ إذا كانت العبادةُ لا تأتي إلا بتعبٍ كانت أفضل.
وهذه نقطةٌ ينبغي للإنسان أن يتنبَّه لها وهي: هلْ تقَصُّد التعب في العبادة أفضلُ أم الراحة؟ الجواب: الراحة أفضل، لكنْ لو كانت العبادةُ لا تأتي إلا بتعبٍ كانت المشقَّةُ والتعبُ أَفْضل؛ فيها أجْر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرفع الله به الدرجات ويُكفِّر به الخطايا قال: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ».

لكنْ لا نقول للإنسان: إذا كان يُمْكنك أن تسخِّن الماء فالأفضل أنْ تذهب إلى الماء الثلج وتتوضأ به.
لا نقول هذا، ما دامَ اللهُ يَسَّرَ عليك فيَسِّرْ على نفْسِك.
الشاهد من هذا أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أَمَره أنْ يصلِّي في مكة حتى ألَحَّ عليه فقال: «شَأْنَكَ».
قال المؤلف -رحمه الله- (ولا يَلْزمُ في النَّفْل).
يعني: لا يَلْزم الإتمام في النفْل؛ ودليل ذلك: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم دخلَ على أهْله ذاتَ يومٍ فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ ». قالوا: نعم، عندنا حَيْسٌ، قال: «أَرِينِيهِ».
يقول لعائشة: «فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا».
فأرتْهُ إيَّاه فأكلَ، وهذا الصومُ نفْلٌ، فقَطَعه النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأَكَل، فدلَّ هذا على أنَّ النفْل أَمْره واسعٌ للإنسان أنْ يقطعه.
ولكن العلماء يقولون: لا ينبغي أنْ يقطعه إلا لغرضٍ صحيحٍ.
واستدلُّوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33].
واستدلُّوا أيضًا بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو: «لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ؛ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ»، فإذا كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام انتقده لتَرْكِ قيامِ الليلِ فكيف بمن تَلَبَّسَ بالنافلة؟ ! يكون انتقادُه إذا تَرَكَها مِن باب أَوْلى، ولهذا نقول للإنسان إذا شَرَعَ في النافلة: لا تقطعْها إلا لغرضٍ صحيح.
وهلْ من الغرض إذا دخلَ في الصلاة فنادتْه أُمُّه، هل من الغرض الصحيحِ أنْ يَرُدَّ عليها فيقطع الصلاة؟ طالب: لا غير صحيح.
طالب: إذا كانت نافلة؟ الشيخ: إي نعم، نافلة.
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم؟ طالب: مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا أو فيه تفصيل؟ طالب: (... ) نافلة.

الشيخ: نقول: فيه تفصيل؛ إذا كانت الأمُّ إذا علمتْ أنه في صلاةٍ لا ترضى أنْ يقطعها، وأحبُّ إليها ألَّا يقطعها وأنْ يمضي في صلاته، ولا يؤثِّر عليها شيئًا، ولا يكون في قلبها شيءٌ عليه، فهُنا لا يقطعها؛ لأنه ربما لو قطعها مَثَلًا، لو قَطَعَ الصلاةَ وقال لأُمِّه: قطعتُ الصلاةَ من أجْلك.
قالت: ليش تقطعها! هذا لا نقول: اقطع الصلاة.
أمَّا إذا كانتْ مِمَّن لا يعذر في مثل هذه الحال؛ يعني: بعضُ النساء، بل بعضُ الآباء لا يعذر في مِثْل هذه الحال، ففي هذه الحال نقول: اقطعها.
لو ناداه الرسول صلَّى الله عليه وسلم؟ طلبة: يجب.
طالب: (... ) كانتْ فرضًا (... ). الشيخ: هذا السؤال: لو ناداه الرسول؟ نقول: أمَّا هذه المسألة الآن فلا تَرِد، لكن المسألة؛ يعني فرضُها نظريًّا وعِلميًّا، نقول: يجب عليه أنْ يقطع الصلاة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24].
لكنْ لو قال قائل: إنَّ الآية فيها ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، فلا بدَّ أن نعلم أنه دعانا لشيءٍ ينفعنا.
فالجواب أنَّ هذا القَيْد ليس قَيْدَ احترازٍ، ولكنه قَيْدٌ لبيانِ الواقعِ؛ فإن الله ورسوله لا يدعُوانِنَا إلَّا لما فيه حياتُنا.
طالب: شيخ، في قوله: (ويَحْرُمُ صومُ العِيدَينِ ولوْ فِي فرضٍ)، هلْ هذه إشارةٌ إلى خلافٍ في صيامِ العيدينِ؟ الشيخ: ما أدري هلْ فيها خِلاف، أو رفْع توهُّمٍ.
طالب: (... ). الشيخ: أو رفع توهم.
لئلا يقول قائل إذا كان فرضًا فهذا واجب عارضه محرَّم.
طالب: (... ). الشيخ: توهُّم.
طالب: عبارةٌ في الكتاب، يقول: (وعيد الكُفَّار)، ذكر مِن ضِمْن المكروه عيد الكفَّار.
الشيخ: صوم أعياد الكفَّار اختلف فيه الفقهاء:

منهم مَن قال: إنه يُكره أنْ يصوم يوم عيد الكفار؛ لأن هذا يعطي الكفار قُوَّةً، ويقول: هؤلاء المسلمون عظَّموا عيدنا فصاموه.
وهذا الأصحُّ.
ومنهم مَن قال: بل لا يُكره؛ لأن الصوم ضِدُّ الفِطر، والفِطْر فرحٌ وسرورٌ، فكأنه يقول: أنتم أيها الكفار تبتهجون بهذا اليوم بالأكل والشُّرب والحلوى وما أشبهَ ذلك، ونحن نقابلُكم بالصوم والإمساك.
لكن الأَوْلى أنْ يُقال بالكراهة وألَّا نَعْبأ بالكفار وأعيادهم؛ يعني ينبغي بلْ يجب علينا ألَّا نهتمَّ بأعيادهم، اللهم إلَّا أنْ نُحَذِّر السفهاءَ الذين يُعظِّمون أعيادَ الكفار ويتبادلون الهدايا بينهم في أعيادهم، فهذا لا بأس.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ذكرتم الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، فإذا كان الإنسان يُصَلِّي وقيل: حيَّ على الجهاد؟ الشيخ: إي نعم، هذه يمكن يصلِّي ويمشي، ما هي مشكلة.
طالب: يعني: لا، حيَّ على الجهاد لا (... ). الشيخ: (... ). طالب: (... ) الكفَّار (... ). الشيخ: إذا كان فرض كفاية (... )، أو فرض عينٍ؛ مِثْل يُعرف أنَّ هذا الرجل يَعرِف من السلاحِ والعملِ بالسلاح ما لا يَعرِف غيرُه فيجبُ عليه.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ذكرتم حديثَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ خَيْرَ الصِّيَامِ صَوْمُ دَاوُدَ؛ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا»، وكذلك يوجَد حديثٌ آخَرُ؛ قال صلى الله عليه وسلم فيه: «خَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم»، وكان يصوم الاثنين والخميس، فما الذي ترجِّحونه -بارك الله فيكم- بالنسبة للمسلم؛ يعني: هلْ يتَّبع النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيصوم السُّنة الفعلية؛ يصوم الاثنين والخميس، أمْ يصوم يومًا بعد يوم؟ الشيخ: لا، يصوم يومًا ويفطر يومًا.

الطالب: ثم ما رأيُكم في قول مَن يقول بأنَّه حتى الحديث الثاني عائدٌ إلى الأول؛ بمعنى أنَّ مَنْ صامَ يومًا وأفطرَ يومًا فمصيره إلى أنْ يصوم الاثنين والخميس فقط؛ لأن الجمعة منهيٌّ عن إفرادها، وكذلك منهيٌّ عن إفراد السبت، ثم إذا صام.. ولا يَلْزَمُ في النفْلِ، ولا قَضاءُ فاسِدِه إلا الْحَجُّ، وتُرْجَى ليلةُ القَدْرِ في العَشرِ الأواخِرِ من رَمضانَ، وأَوتارُه آكَدُ، وليلةُ سبعٍ وعشرينَ أبلغُ، ويَدْعُو فيها بما وَرَدَ.

(بَابُ الاعتِكَافِ)

هو لُزومُ مَسجدٍ لطاعةِ اللهِ تعالى مَسنونٌ، ويَصِحُّ بلا صوْمٍ ويَلزمان بالنَّذْرِ، ولا يَصِحُّ إلا في مَسجدٍ يُجْمَعُ فيه إلا المرأةُ ففي كلِّ مَسجدٍ سِوَى مَسْجِدِ بيتِها، ومَن نَذَرَه أو الصلاةَ في مَسجدٍ غيرِ الثلاثةِ - وأَفضلُها الحرامُ، طالب: (... ) وعيد الكفار ذكره من ضمن المكروه؟ الشيخ: صوم أعياد الكفار اختلف فيها الفقهاء: منهم من قال: إنه يكره أن يصوم يوم عيد الكفار؛ لأن هذا يعطي الكفار قوة؛ ويقول: هؤلاء المسلمون عظموا عيدنا فصاموه، وهذا الأصح.
ومنهم من قال: بل لا يكره؛ لأن الصوم ضد الفطر، والفطر فرح وسرور، فكأنه يقول أنتم أيها الكفار تبتهجون بهذا اليوم، بالأكل والشرب والحلوى وما أشبه ذلك ونحن نقابلكم بالصوم والإمساك.
لكن الأولى أن يقال بالكراهة، وألا نعبأ بالكفار وأعيادهم، يعنى ينبغي، بل يجب علينا ألا نهتم بأعيادهم، اللهم إلا أن نحذر السفهاء الذين يعظمون أعياد الكفار ويتبادلون الهدايا بينهم في أعيادهم، فهذا لا بأس.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ذكرتم الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]، فإذا كان الإنسان يصلي وقيل: حي على الجهاد؟ الشيخ: إي نعم، هذه يمكن يصلي ويمشي ما هي مشكلة.
طالب: لا، حي على الجهاد الآن يركب (... )؟ الشيخ: يلحقهم.
الطالب: يقطعه.

الشيخ: إذا كان فرض كفاية لا يقطع، أو فرض عين مثل يعرف أن هذا الرجل يعرف من السلاح والعمل بالسلاح ما لا يعرف غيره فيجب عليه.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ذكرتم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ خَيْرَ الصِّيَامِ صَوْمُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا» (1)، وكذلك يوجد حديث آخر، قال صلى الله عليه وسلم فيه: «خَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (2) كان يصوم الاثنين والخميس، فما الذي ترجحونه -بارك الله فيكم- بالنسبة للمسلم.. الشيخ: بالنسبة لأيش؟ الطالب: بالنسبة للمسلم يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم فيصوم؛ يعني السنة الفعلية يصوم الإثنين والخميس، أم يصوم يومًا بعد يوم.
الشيخ: لا، يصوم يومًا ويفطر يومًا.
الطالب: ما رأيكم في قول من يقول: بأن حتى الحديث الثاني عائد إلى الأول بمعنى أن من صام يومًا وأفطر يومًا فمصيره إلى أن يصوم الإثنين والخميس فقط؛ لأن الجمعة منهي عن إفرادها، وكذلك منهي عن إفراد السبت، إذن من صام الاثنين (... ). الشيخ: لا، ما هو صحيح هذا ما يقتضيه.
الطالب: لأن إذا صام يومًا وأفطر يومًا سيقع في (... ). طالب آخر: (... ). الشيخ: وغير؟ الطالب: صوم عشر ذي الحجة.
الشيخ: وعشر ذي الحجة، كل هذه مرت علينا أدلتها، ما هي الأيام التي يحرم صومها؟ طالب: العيدان.
الشيخ: نعم.
الطالب: وأيام التشريق.
الشيخ: نعم.
الطالب: ومن لم يجد هديًا.
الشيخ: إلا لمتمتع وقارن لم يجد الهدي، أحسنت.
طالب: الشك، علي الصحيح.
الشيخ: ويوم الشك على القول الصحيح وهو؟ الطالب: يوم الثلاثين من شعبان، أو.. الشيخ: يوم الثلاثين من شعبان، بشرط؟ الطالب: إذا كان في السماء غيم.
الشيخ: إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو نحوه.
ذكرنا أن من حكمة الله ورحمته أن شَرَع التطوع فى الصوم والحج والصدقة وغير ذلك، كيف هذا؟ طالب: إكمال العبادة الناقصة، حتى تكمل العبادة الناقصة.

الشيخ: تكمل الفرائض يوم القيامة، هذه الحكمة.
وما وجه كونها رحمة؟ طالب: رفعة الدرجات.
الشيخ: رفعة الدرجات، لولا مشروعيتها؟ طالب: لكان فِعْلُها بدعة.
الشيخ: لكان فعلها بدعة، تمام.
رجل شرع في صيام القضاء فهل يجوز له أن يقطعه؟ الطالب: لا يجوز له أن يقطعه.
الشيخ: لماذا؟ طالب: الواجب الموسع إذا شرع فيه الإنسان يجب إتمامه.
الشيخ: والمضيق؟ الطالب: من باب أولى.
الشيخ: إذن لا تقل: واجب موسع، قل: لأنه واجب، ومن شرع في واجب وجب عليه إتمامه.
شرع فى صيام كفارة يمين؟ رجل شرع في صيام كفارة يمين هل يجوز أن يقطع هذا اليوم؟ الطالب: شرع فى صيام كفارة يمين؟ الشيخ: نعم، ما هو كفارة اليمين إذا لم يجد الإطعام والرقبة والكسوة، يصوم ثلاث أيام؟ طالب: يجوز يا شيخ لأسباب، يجوز أن يقطعه لأسباب.
الشيخ: أنا سألتك: هل يجوز القطع؟ الطالب: يجوز.
الشيخ: يجوز لماذا؟ لأنه واجب.
الطالب: إيه اللي الواجب؟ الشيخ: كفارة اليمين، استمر ما عندك عِلْم؟ طالب: يجوز قطعه يا شيخ؛ لأنه غير واجب.
الشيخ: إي؛ يعني يجوز أن يخرج منه؛ لأنه واجب.
الطالب: ما أقول: إنه واجب، إنه غير واجب.
الشيخ: كفارة اليمين ما هي واجبة؟ الطالب: كفارة اليمين؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: نعم واجبة، ولكن واجبة ممكن إطعام مسكين فيها عدة.. الشيخ: ما عنده طعام مسكين أو لم يجد مساكين، ولا عنده عتق رقبة، المهم لم يجد، لا إطعام ولا كسوة ولا رقبة.
طالب: لا أعرف.
الشيخ: من؟ طالب: لا يجوز قطعها، فقد تلبس بها؛ لأنها واجب.
الشيخ: نعم، والقاعدة كل من تلبس في واجب وجب عليه الإتمام.
من شرع في نفل يجوز قطعه؟ طالب: (... ). الشيخ: يجوز قطعه، الدليل؟ طالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صائمًا ذات يوم، ودخل على عائشة رضي الله عنها، فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ »، فقالوا: نعم عندنا، وأَفْطَرَ، قال: «أَصْبَحْتُ الْيَوْمَ صَائِمًا ثُمَّ أَفْطَرْتُ» (3). الشيخ: هذا صحيح.


قال: (ولا يلزم في النفل) أي لا يلزم الإتمام في النفل، (ولا قضاء فَاسِدِهِ) يعني: لو فسد النفل فإنه لا يلزمه القضاء.
مثال ذلك: رجل صام تطوعًا ثم أفسد الصوم بأكل أو شرب أو جماع أو غير ذلك، فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأنه لو وجب القضاء لوجب الإتمام، فإذا كان لا يجب الإتمام فلا يجب القضاء من باب أولى.
وكذلك لو شرع في صلاة نافلة ثم أفسدها بحدث أو قطع أو غير ذلك فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأنها نافلة.
وإن شرع في صوم منذور فهل يجوز قطعه؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟ الطلبة: لأنه واجب.
الشيخ: لأنه واجب فإن قطعه لزمه القضاء.
قال المؤلف: (إلا الحج) يعني إلا الحج فإنه يلزم إتمامه ولو كان نفلًا ويجب قضاء فاسِدِه، ولو كان نفلًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يعني عن إتمامهما ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، وهذه الآية نزلت قبل فرض الحج؛ لأنها نزلت في السنة السادسة في الحديبية، والحج إنما فُرِض في السنة التاسعة أو العاشرة، ومع هذا أمر الله بإتمامهما مع أنهما نفل لم يفرضا بعد، فالحج إذا شرع فيه لزمه الإتمام ولو كان نفلًا، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، الحكمة من ذلك أن الحج والعمرة لا يحصلان إلا بمشقة، ولا سيما فيما سبق من الزمن، فلا ينبغي للإنسان بعد هذه المشقة أن يفسدهما؛ لأن في ذلك خسارة فادحة، بخلاف الصلاة، أو الصوم، أو ما أشبه ذلك.
بل قوله: (إلا الحج) لم يذكر المؤلف العمرة، فهل هذا من باب الاكتفاء، أو هناك قول آخر بأن العمرة لا تجب؟ الظاهر أنه من باب الاكتفاء، والعمرة تسمى حجًّا أصغر كما في حديث عمرو بن حزم المشهور المرسل الذي تلقته الأمة بالقبول فإن فيه: والعمرة الحج الأصغر (4)، وعليه فالعمرة مثل الحج إذا شرع في نفلها لزمه الإتمام، وإن أفسده لزمه القضاء.

قال: (إلا الحج) يعني: وكذلك العمرة، إذا فسد الحج، وهو نفل، هل يلزمه أن يقضيه؟ الجواب: نعم؛ لأن قوله: (إلا الحج) مستثنى من قوله: (ولا يلزم في النفل ولا قضاء فاسده إلا الحج)، وعلى هذا فلو أن الرجل أحرم بالعمرة، وفي أثناء العمرة جامع زوجته، نقول: يلزمك المضي في هذه العمرة، ثم القضاء؛ لأنك أفسدته بماذا؟ بالجماع، فإن فعل محظورًا فهل تفسد العمرة؟ لا؛ لأنه لا يُفسد العمرة ولا الحج من المحظورات، إلا الجماع قبل التحلل الأوّل.
ثم قال: (وترجى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) الحقيقة أن البحث في ليلة القدر ليس هذا محله فيما يبدو لنا، محله إما الاعتكاف، وإما صلاة التطوع.
أما الاعتكاف فلأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يعتكف إلا رجاء إصابة ليلة القدر.
وأما صلاة التطوع فلأن ليلة القدر يشرع قضاؤها، ولا مناسبة بين ليلة القدر وبين صوم التطوع إطلاقًا فيما نرى، لكن كأنهم -رحمهم الله- لما أتموا الصيام وما يتعلق به ذكروا ليلة القدر، على كل حال لو سألنا سائل: ما هو أنسب باب لذكر ليلة القدر، قلنا؟ طلبة: (... ). الشيخ: إما باب الاعتكاف وإما صلاة التطوع.
ليلة القدر اختلف العلماء في تعيينها على أكثر من أربعين قولًا، ذكرها الحافظ ابن حجر في شرح البخاري، أكثر من أربعين قولا.
أم الخلاف هل هي باقية أو رفعت؟ الصحيح بلا شك أنها باقية، وما ورد في الحديث: من أنها رفعت، فالمراد به: رفع علم عينها في تلك الساعة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم رآها ثم خرج ليخبر بها أصحابه فتلاحى رجلان فرُفِعَت (5)، هكذا جاء الحديث.
والمراد بقوله: رُفِعَت؛ يعني: رُفِع العلم بتعينها في تلك السنة، فالصواب أنها باقية إلي يوم القيامة.
والبحث الثاني في ليلة القدر: هل هي في رمضان، أو في غيره؟ نقول: لا شك أنها في رمضان، وذلك لمجموع أدلة لأدلة مجموعة منها:

قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]، من هذا الدليل نعرف أن القرآن نزل في أي شهر؟ طلبة: في رمضان.
الشيخ: في رمضان، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]، إذا ضممت هذا إلى هذا تعين أن تكون ليلة القدر في رمضان؛ لأنها لو كانت في غير رمضان ما صح أن يقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إذن ليلة القدر في رمضان قطعًا، ولا إشكال فيه بدلالة القرآن.
لكنه دليل مركب، والدليل المركب لا يتم الاستدلال به إلا بضم كل دليل إلى الآخر، والأدلة المركبة لها أمثلة منها هذا المثال.
ومنها: أقل الحمل، أقل الحمل في بطن أمه الحمل الذي إذا ظهر بقي حيًّا، أقل مدته ستة أشهر، من أين علمنا ذلك؟ من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15]، وقال في آية أخرى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14]، ففي الآية الثانية هذه أسقط ذكر الحمل، وذكر أن الفصال في عامين، والعامان أربعة وعشرون شهرًا، فإذا كان حمله وفصاله ثلاثون شهرًا فأضف إلى أربعة وعشرين ستة تكن ثلاثين، وبهذا عرف أن أقل الحمل ستة أشهر، هذا يسمى الدليل المركب.
إذن نرجع إلي البحث الأصلي ليلة القدر في رمضان، في أي ليلة من رمضان؟ في أول ليلة أو في آخر ليلة أو فيما بين ذلك؟

كل هذا يحتمل من القرآن؛ لأن القرآن ما فيه بيان، لكن ثبتت الأحاديث أنها في العشر الأواخر من رمضان، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم اعتكف العشر الأول من رمضان يريد ليلة القدر، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قيل: إنها في العشر الأواخر، وأريها عليه الصلاة والسلام، وأنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، ليلة إحدى وعشرين من رمضان، وكان معتكفًا عليه الصلاة والسلام، أمطرت السماء فوكف المسجد –يعني: خر السيل منه من سقفه- وكان مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم على عريش فصلى الفجر -صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه- بأصحابه، ثم سجد على الأرض، قال أنس: فرأيت أثر الماء والطين على جبهته، فسجد في ماء وطين (6)، فتبيَّن بهذا أنها كانت في ذلك العام ليلة إحدى وعشرين.
إذن هي في العشر الأواخر، وأُرِيَ جماعة من الصحابة ليلة القدر في السبع الأواخر، فقال صلّى الله عليه وسلّم: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ -يعني: اتفقت- فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (7)، وعلى هذا فالسبع الأواخر أرجى العشر الأواخر، إن لم يكن المراد بقوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» يعني: في تلك السنة، فهذا محتمل؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يعتكف العشر الأواخر كلها إلى أن مات.
فيحتمل أن يكون معنى قوله: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ»؛ يعني: في تلك السنة بعينها، لم تكن ليلة القدر إلا في السبع الأواخر، وأنه ليس يعني أنه في كل رمضان مستقبلٍ تكون في السبع الأواخر؛ يعني فتبقى الآن في العشر الأواخر، أولها ليلة إحدى وعشرين، آخرها آخر ليلة من الشهر.
البحث الثالث: هل ليلة القدر في ليلة واحدة كل عام أو تنتقل؟

في هذا خلاف بين العلماء والصحيح أنها تتنقّل فتكون عامًا ليلة إحدى وعشرين، وعامًا ليلة تسع وعشرين، وعامًا ليلة خمس وعشرين، وعامًا ليلة أربع وعشرين، وهكذا؛ تتنقّل؛ لأنه لا يمكن جمع الأحاديث الواردة إلا على هذا القول، أنها تتنقّل والحكمة من كونها تتنقّل ظاهرة جدا؛ لأنه لو كانت في ليلة معينة لكان الكسول لا يقوم إلا تلك الليلة، لكن إذا كانت متنقلة، وصار كل ليلة يحتمل أن تكون هي ليلة القدر صار الإنسان يقوم كل ليالي العشر، وهذا من الحكمة في عدم تعيينها في ليلة معينة حتى يتبين النشيط من الكسلان والراغب في الخير من الزاهد في الخير.
البحث الرابع: نقول الصحيح أنها تتنقل لكن أرجاها ليلة سبع وعشرين كما سيذكر المؤلف.
البحث الخامس: لماذا سميت ليلة القدر؟ سميت ليلة القدر؛ لأنه يُقدَّر فيها ما يكون في تلك السنة، يكتب فيها ما سيجري في ذلك العام، وهذا من حكمة الله عزّ وجل، وبيان إتقان صنعه، وخلقه، فهناك كتابة أولى قبل خلق السماوات والأرض، بخمسين ألف سنة في اللوح المحفوظ، وهذه كتابة لا تتغير ولا تتبدل لقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39] أصله الذي هو مرجع كل ما يكتب.
الكتابة الثانية: عُمرية، يكتب على الجنين ما يعمله، وما مآله، وما رزقه، وهو في بطن أمه، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح حديث ابن مسعود المتفق عليه (8). الكتابة الثالثة: الكتابة السنوية، وهي التي تكون ليلة القدر، فسُمّيت ليلة القدر؛ لأنه يُقَدَّر فيها ما يكون في تلك السنة من خير وشر عام أو خاص، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 3، 4] ﴿يُفْرَقُ﴾ يفصل ويبين ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وأمر الله كله حكيم.

وقِيل: سميت ليلة القدر، من القدر وهو الشرف، كما تقول: فلان ذو قدر عظيم، أي: ذو شرف؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 2، 3]، وليلة خير من ألف شهر قدرها عظيم لا شكَّ.
إذن سُميت ليلة القدر لسببين: ما هو السبب الأول؟ طلبة: لأنه يُقدَّر فيها ما يكون في تلك السنة.
الشيخ: لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة وله دليل، أو لأنها عظيمة القدر، وله أيضًا دليل.
وقيل: لأن للعبادة فيها قدرًا عظيمًا؛ لقول النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَّدَمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (9)، وهذا لا يحصل إلا لهذه الليلة فقط، لو أن الإنسان قام ليلة النصف من شعبان أو ليلة النصف من رجب أو ليلة النصف من أي شهر أو في غير ليلة النصف لم يحصل له هذا الأجر، فيكون ليلة القدر لعظم قدر العبادة فيها، والليل معروف أن أهم ما يفعل فيه من العبادات القيام، قال: (ترجى ليلة القدر في العشر الأخير من رمضان وأوتاره آكد) لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الْتَمِسُوهَا فِي كُلّ وِتْرٍ» (10). فما هي أوتاره؟ واحد وعشرون، اثنين وعشرون، ثلاث وعشرون، إن غلطت ردوا عليّ، إحدى وعشرون، اثنين وعشرون.
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، إحدى وعشرون، ثلاث وعشرون، خمس وعشرون، سبع وعشرون، تسع وعشرون، خمس ليال هذا أرجاها، وليس معناه أنها لا تكون إلا في الأوتار، تكون في الأوتار وغير الأوتار.
وهنا مسألة يفعلها أهل مكة وغير أهل مكة، يظنون أن ليلة القدر للعمرة فيها مزية، ولهذا تجدهم يعتمرون في تلك الليلة، ينزلون من الطائف يأتون من جدة وما حول ذلك ويؤدون العمرة في هذه الليلة.

ونقول: تخصيص تلك الليلة بعمرة بدعة؛ لأنه تخصيص لعبادة في زمن لم يخصصه الشارع، ما الذي يخصص ليلة القدر؟ القيام هو الذي قال الرسول فيه: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (9)، ولم يقل من اعتمر، بينما قال: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً» (11) فتخصيص العمرة بليلة القدر، أو تخصيص ليلة القدر بعمرة هذا من البدع.
فانظر كيف يزين الشيطان للإنسان العمل حتى يستحسن البدعة، أعرفتم هذه؟ ولذلك لما كانت -سبحان الله- لما كانت بدعة صار يلحق الناس المعتمرين فيها من المشقة الشيء العظيم، حتى إن بعضهم إذا رأى المشقة في الطواف وفي السعي قال: ما لها لزوم، ثم انصرف إلى أهله، وكثيرًا ما نُسْأَلُ عن هذا، جاء يعتمر ليلة السابع والعشرين، فلما رأى الزحام قال: خلاص، تحلل، فانظر الجهل كيف يؤدي بصاحبه إلى هذا، إذن ينبغي لنا نحن طلبة العلم، بل يجب علينا أن نبين للناس هذه المسألة، ونقول: تخصيص ليلة القدر بعمرة أيش هو؟ الطلبة: بدعة.
الشيخ: بدعة، فها هو رسول الله عليه الصلاة والسلام ما قال: عمرة في ليلة القدر لها شرف وقدر، بل جعل القيام هو الذي له الشرف والقدر.
قال: (وليلة سبع وعشرين أبلغ) يعني: أبلغ الأوتار وأرجاها، لكنها لا تتعين في ليلة السابع والعشرين.
فإن قال قائل: هل ينال الإنسان أجرها، وإن لم يشعر بها؟ الجواب: نعم، ولا شك، وأما قول بعض العلماء: إنه لا ينال أجرها إلا من شعر بها فقول ضعيف جدًا؛ لأن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا» (9)، ولم يقل: عالمًا بها، ولو كان العلم شرطًا في حصول هذا الثواب لبينه الرسول عليه الصلاة والسلام، فالإنسان ينال أجرها وإن لم يعلم بها.
إن قال إنسان: هل لها علامات؟ قلنا: نعم لها علامات مقارنة، وعلامات تابعة.
أما علاماتها المقارنة فهي:

قوة الإضاءة والنور في تلك الليلة، وهذه العلامة في الوقت الحاضر لا يحس بها إلا من كان في البر بعيدًا عن الأنوار.
منها: زيادة النور في تلك الليلة.
ومنها: الطمأنينة، طمأنينة القلب، وانشراح الصدر من المؤمن، فإنه يجد راحة وطمأنينة، وانشراح صدر في تلك الليلة، أكثر مما يجده في بقية الليالي.
ومنها: على ما قيل: إن الرياح تكون فيها ساكنة؛ يعني: لا يأتي فيها عواصف أو قواصف، بل يكون الجو مناسبًا.
ومنها: أن الله قد يُرِي الإنسانَ الليلةَ في المنام، كما حصل ذلك لبعض الصحابة.
ومنها: أن الإنسان يجد في القيام لذة، أكثر مما يجده في غيرها من الليالي.
أما العلامات اللاحقة: فمنها: أن الشمس تطلع في صبيحتها ليس لها شعاع، صافية، ليست كعادتها في بقية الأيام.
وأما ما يذكر عن بعض العلماء أنه يقل فيها نباح الكلاب، أو يعدم بالكلية، فهذا لا يستقيم، في بعض الأحيان أحيانًا الإنسان ينتبه لجميع ليالي العشر، فيجد أن الكلاب تنبح ولا تسكت، فهذا لا يكون علامة.
ثم قال: (ويدعو فيها بما ورد) يعني: يستحب أن يدعو فيها ويلح فيها بالدعاء بما ورد عن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم ومنه: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»، كما قالت عائشة للنبي عليه الصلاة والسلام: أرأيت يا رسول الله إن وافقتُ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (12)، فهذا من الدعاء المأثور، وكذلك الأدعية الكثيرة الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وليعلم أن الأدعية الواردة عن الرسول عليه الصلاة والسلام خير وأكمل

وأفضل من الأدعية المسجوعة التي يسجعها بعض الناس، وتجده يطيل، ويذكر سطرًا وسطرين في دعاء بشيء واحد، لكن الدعاء الذي جاء في القرآن والذي جاءت به السنة، خير بكثير مما صنع مسجوعًا، كما يوجد في بعض الختمات، ختمات القرآن، وكما يوجد أيضًا في بعض المنشورات ويدعو فيها بما ورد، والله أعلم.
طالب: (... ). الشيخ: تخصيصها.
الطالب: تخصيصها؟ الشيخ: إي نعم، ما هو معناها أنها وقعت مصادفة.
الطالب: من يتحلل منها نلزمه بإتمامها؟ الشيخ: إي نعم، لا يحل، نلزمه بإتمامها ولو بعد شهرين أو ثلاثة.
الطالب: فيه تناقض بدعة ثم نقول يتمها؟ الشيخ: لا؛ لأنه لما شرع فيها صارت واجبة عليه.
الطالب: بدعة يا شيخ.
الشيخ: بدعة في تخصيصها، لكن الآن لما شَرَع فيها صارت واجبة عليه، كالنذر أصله مكروه، ولكنه يجب عليه أن يوفي به إذا التزمه.
طالب: (... ) العشر الأواخر من رمضان انشقاق القمر (... ). الشيخ: انشقاق القمر؟ الطالب: انشق القمر (... ) الجو في منتصف الليل.
الشيخ: يقظة أو منامًا؟ الطالب: لا، يقظة.
الشيخ: لا، ما هو بصحيح.
طالب: (... ). الشيخ: لا، هذا يمكن عيونه فيها (... ) ولّا شيء خاص به.
طالب: (... ). الشيخ: أبدًا ما هو صحيح.
طالب: بالنسبة لكفارة الجماع في نهار رمضان، لو قضى دخل عليها أيام التشريق، فهل يقطع ويتابع أم إذا قُطعت يجب (... )؟ الشيخ: كل صوم متتابع لا ينقطع بعذر شرعي أو حسي، عرفتم يا جماعة ولّا لا؟ كل صوم يجب فيه التتابع فإنه لا ينقطع بعذر شرعي أو حسي، عرفت؟ الطالب: نعم؛ يعني يقطع.. الشيخ: الحائض مثلًا إذا كان عليها صيام شهرين متتابعين إذا حاضت تفطر ولا ينقطع التتابع، إذا سافر الرجل في أثناء الشهرين المتتابعين يفطر ولّا ينقطع التتابع؟ إذا دخل رمضان يصوم رمضان ولّا ينقطع التتابع؟ إذا جاء العيد يُفْطر ولّا ينقطع التتابع أيام التشريق يفطر ولّا ينقطع التتابع؟ هذه القاعدة: كل صوم يجب فيه التتابع فإنه لا ينقطع أيش؟

طلبة: (... ). الشيخ: بعذر شرعي أو حسي.
طالب: شيخ، لو صام الناس الثالث عشر من ذي الحجة، ثالث أيام التشريق، بنية أنه أول أيام البيض فيها، وليس (... )؟ الشيخ: ما يجوز ولا يصح.
طالب: من خصص ليلة القدر هل نقول: يسقط العمرة؟ الشيخ: هذا سؤال قبل قليل سأله.
الطالب: (... ). الشيخ: لا، قلنا: لا يجوز، الذين يلحقهم الزحام لا يجوز أن يتحللوا.
الطالب: لا، هل نأمر نحن نقول: حل العمرة؟ الشيخ: لا، ما نأمر، نقول: يلزمك الإتمام.
طالب: الراجح قلنا: إن ليلة القدر تتنقل بين الليالي.
الشيخ: نعم.
الطالب: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم سوف يعَيِّنها إذا كانت تتنقل بين (... )؟ الشيخ: لا، هو يعينها في ذلك العام فقط، أُطلع عليها فخرج ليخبر الناس بها فرُفِعَت.
الطالب: شيخ، كون الإنسان تخصيص ليلة القدر بكثرة التصدق؛ يعني الإكثار من النوافل؟ الشيخ: إي نعم، هذا أيضًا من البِدَع لا تخصص إلا بالقيام فقط.
طالب: الحج إذا فسد لزم قضاؤه، قلنا: الدليل النظري على ذلك أنه يكلف المشاق والمتاعب حتى وصل (... ). الشيخ: لا، ما هذا الذي عللناه إحنا عللنا بهذا.
الحكمة من كونه يجب المضي في نفله واستدللنا بـ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، وهذا دليل أثري، وبأنه ليس من الرشد أن الإنسان يأتي ويتكلف وإذا شرع فيه قطعه، أفهمت؟ هذا اللي إحنا عللناه، أما مسألة الفاسد ما ذكرنا فيه شيء.
طالب: (... ). الشيخ: يقول ما هو الفرق بين الزاني البكر والزاني الذي قد طلق زوجته وبقى بدون زوجة ثم زنى؛ لأنه لا يستطيع أن يصبر عن النكاح؟ الفرق أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» (13)، وهذا ثَيِّب فما دام صار ثيبًا فسواء معه زوجته أو ماتت عنه وسواء كان معها زوجها أو مات عنها.
طالب: (... ) مطلق يا شيخ؟ الشيخ: إيه، مطلق نعم.
طالب: الحكمة يا شيخ؟ الشيخ: الحكمة الله أعلم.

طالب: (... ) يا شيخ أن الله أنعم عليه بنعمة الزواج، فلذلك هو مختلف.. الشيخ: يرد على هذا، هذا الذي أنت قلت: إذا صار تزوج مثلًا أسبوع وماتت زوجته، وبقى له سنة أو سنتان ما تزوج، ما وجد أحدًا يزوّجه، لكن نقول: الحكمة أن هذا حكم الله ورسوله، وانتهى.
يقول: رجل صلى الظهر والعصر جمع تقديم وهو في مدينته لم يُفارق البنيان، وعندما وصل المدينة التي يقصدها لم يُؤَذِّن العصر أولم يَأْذَن؟ طالب: لم يَأْذَن.
الشيخ: لم يأْذَن العصر، كتابة لم يأْذَن؛ لأنه همزة على ألف، ولم يُؤَذِّن همزة على واو، لم يَأْذَن العصر فهل عليه أن يصلي العصر مع الجماعة.
الجواب: لا، إذا أدى الإنسان الفريضة على الوجه الذي أُمر فإنها لا تجب عليه مرة ثانية، هذه القاعدة.
يقول: كل صوم يجب فيه التتابع لا ينقطع بعذر شرعي أو حسي ما هو الدليل؟ الدليل لذلك: أن الله أمر بصيام رمضان ورخص للمريض والمسافر والحائض.
طالب: إذا أفطر يا شيخ (... )؟ الشيخ: إيه يعني مثلًا لو سافر عشرة أيام في الشهر الأول ثم رجع يكمل الشهر الباقي وعشرة أيام الماضية وأظنها ثلاثة.


[باب الاعتكاف] طالب: بسم الله الرحمن الرحيم قال رحمه الله تعالى: بَابُ الاعتِكَافِ

هُوَ لُزُومُ مَسْجِدٍ لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، مسنون، ويصح بلا صوم، ويلزمان بالنذر، ولا يصح إلا في مسجد يجمع فيه، إلا المرأة، ففي كل مسجد سوى مسجد بيتها، ومن نذره أو الصلاة في مسجد غير الثلاثة -وأفضلها الحرام فمسجد المدينة فالأقصى- لم يلزمه فيه، وإن عين الأفضل لم يجز فيما دونه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله: (باب الاعتكاف)، وأظننا انتهينا من الكلام على بقية صوم التطوع، فما هو الدليل على وجوب المضي في النفل إذا كان حجًّا أو عمرة؟

طالب: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] قاعدة عامة.
الشيخ: هذا عامٌّ، وأيضًا هذا نزل قبل؟ الطالب: قبل فرض الحج.
الشيخ: قبل فرض الحج.
(ولا قضاء فاسِدِه) يعني لو؟ طالب: (... ). الشيخ: (ولا قضاء فاسده) الضمير يعود على أيش؟ الطالب: (ولا قضاء فاسده)؟ الشيخ: نعم.
طالب: النفل.
الشيخ: النفل، أيش معنى (قضاء فاسده) مثل أيش؟ طالب: مثل صوم النفل لو تأخر لا يجب عليه القضاء.
الشيخ: لا يجب عليه القضاء؛ لأنه غير واجب؟ طالب: (... ). الشيخ: لم يجب (... ) فلم يجب قضاء.
قال: (إلا الحج) الدليل؟ طالب: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وهذا عامٌّ.
الشيخ: وجه العموم؟ الطالب: وجه العموم أمر الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ فأطلق، ولم يستثن ما لم يحصر.
الشيخ: بل قال: ﴿إِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾؟ الطالب: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]. الشيخ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ دلّت السنة على وجوب قضائه.
ليلة القدر سميت بذلك لوجوه؟ الطالب: ثلاثة.
الشيخ: وهي؟ الطالب: لأنها تقدر فيها الأشياء التي تصير في السنة، المقادير التي تحصل في السنة.
الشيخ: ما الدليل؟ الطالب: الآية قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4].
الشيخ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، والثاني؟ الطالب: القدر الشرعي.
الشيخ: القدر الشرعي، ما الدليل؟ طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 2، 3]. الشيخ: نعم، الثالث؟ الطالب: أن للعبادة فيها قدرًا عظيمًا.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (9).

الشيخ: أحسنت، أيما أوكد أو أقرب حصولا من ليالي العشرة؟ الطالب: ليلة سبع وعشرين، الوتر.
الشيخ: الوتر.
الطالب: وليلة سبع وعشرين أوكد.
الشيخ: أوكد، الوتر يعني ليلة؟ الطالب: ليلة واحد وعشرين (... ) وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين.
الشيخ: نعم، هل انحصرت ليلة القدر في السبع الأواخر؟ الطالب: نعم.
الشيخ: انحصرت؟ الطالب: لا، حُصِرت، لكن أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنها تُلْتَمس في السبع الأواخر.
الشيخ: إذن معناها انحصرت في السبع الأواخر؟ إذا قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (7) معناها انحصرت؟ الطالب: هذا ليس مقيدا، ولكنه عام.
الشيخ: إي، إذن معناها انحصرت؟ الطالب: هي انحصرت في العشر الأواخر.
الشيخ: قلت: في السبع الأواخر.. الطالب: وحديث آخر حصرها في السبع الأواخر.
طالب آخر: ظاهر فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ألّا تنحصر.
الشيخ: ظاهر فعله أنها لم تنحصر.
الطالب: ولكن (... ) الصحابة فيه احتمال.
الشيخ: أنه.. الطالب: أنها قد انحصرت في السبع الأواخر (... ). الشيخ: إي، تمام، يكون قول الرسول: «الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (7) يخاطب أولئك القوم الذين رأوها في السبع الأواخر في تلك السنة، والدليل على أنها عامة في العشر الأواخر أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يزل يعتكف العشر الأواخر حتى مات (14). ليلة القدر لها علامات؟ طالب: مقارنة.
الشيخ: نعم مقارنة.
الطالب: المقارنة مثل أن تكون قوة الإضاءة في تلك الليلة، قوية.
الشيخ: يعني منيرة؟ الطالب: نعم.
الشيخ: تكون تلك الليلة منيرة.
الطالب: وكذلك الطمأنينة وانشراح صدر المؤمن، وكذلك أن تكون الرياح ساكنة، وكذلك أن يحس الإنسان القائم بلذة في قيام الليل، وكذلك (... ). الشيخ: أيوة، بقي واحدة.
جيد أربعة من خمسة.
طالب: أن الله عز وجل قد يرى هذا الإنسان ليلة القدر في منامه.

الشيخ: نعم الرؤية قد يراها الإنسان في ليلتها.
العلامات اللاحقة؟ طالب: صبيحتها تخرج الشمس لا شعاع.
الشيخ: أن الشمس تخرج في صبيحتها ليس لها شعاع، تمام، ما الفائدة من العلامة اللاحقة؟ لأن انتهت الليلة.
طالب: الفائدة علامة على (... ). الشيخ: إي، راحت الليلة السابقة يعني لو عرفت أن البارحة مثلا ليلة القدر ويش الفائدة؟ الطالب: مثل النور (... ) ضوء الشمس (... ). الشيخ: لا، ما أقول: لماذا لم يكن لها شعاع؟ أنا أسأل: ما هي الفائدة من أني أعرف لما طلعت الشمس لها شعاع أن البارحة ليلة سبعة وعشرين ما هي ليلة القدر؟ طالب: (... ). الشيخ: أنا ما ذكرته، صحيح، لكن عندي ما شاء الله أناس أذكياء.
طالب: (... ). طالب آخر: بشارة للمجتهد في تلك الليلة.
الشيخ: أحسنت، تمام، البشرى للمجتهد في تلك الليلة أن يكون قد وفق لها، فكأنها كالطابع والختم على أنك أنت حيث وفقت البارحة مثلا للقيام وانشراح الصدر، وما أشبه ذلك فهذه بشرى لك؛ يعني: كالتصديق تمامًا.
يدعو بما ورد مما ورد؟ طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (12). الشيخ: نعم أحسنت «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» انظر، الآن الإنسان مجتهد وعامل وقائم ثم يرشده الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أن يقول: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ» لأن الإنسان مهما بلغ لن يؤدي شكر نعمة الله، فهو مقصر دائمًا، ولهذا مع الاجتهاد يقول: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الاعتكاف)

الاعتكاف مأخوذة من عَكَفَ على الشيء، وأصله: لزوم الشيء ومداومته، هذا أصله لزوم الشيء ومداومته، ومنه قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52] أي: لها ملازمون، وكذلك: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: 138] أي: يلازمونها، ويداومون عليها.
لكنه في الشرع: لزوم مسجد، وأعلم أن الغالب أن الحدود أو التعريفات الشرعية تكون أخص من التعريفات اللغوية؛ يعني: أن التعريفات اللغوية غالبًا تكون أعم وأوسع من التعريفات الشرعية.
إذن التعريفات الشرعية تخصص عموم المدلولات اللغوية الزكاة مثلًا في اللغة: النماء لكن في الشرع ليست كذلك مخصصة.
الصلاة كذلك في اللغة: الدعاء، ولكنها في الشرع أخص، إلا شيئًا واحدًا وهو الإيمان، فإن الإيمان في اللغة: التصديق، لكنه في الشرع: قول، وعمل، واعتقاد، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، فإنهم يجعلون الإيمان مدلوله شرعًا أوسع من مدلوله لغة لا نعلم شيئا كذلك إلا الإيمان.
الاعتكاف الآن هو لغة: لزوم الشيء، لكن شرعًا لزوم مسجد لطاعة الله تعالى، هذا الاعتكاف، (لزوم مسجد لطاعة الله) فقوله: (لزوم مسجد) خرج به لزوم الدار، لو أن الإنسان اعتكف في بيته، وقال: أنا لا أخرج إلى الناس فأفتتن في الدنيا، ولكني أبقى في بيتي عاكفًا، قلنا: هذا ليس اعتكافًا شرعيًّا، هذا يسمى عُزلة، ولا يُسمى اعتكافًا.
وهل العزلة عن الناس أفضل أو لا؟ في هذا تفصيل: من كان اجتماعه بالناس خير، فترك العزلة أولى، ومن لا يؤثر اختلاطه بالناس وبقاؤه في بيته خير؛ لأنه رجل سريع الافتتان يخشى على نفسه من الفتنة فبقاؤه في بيته خير، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم، فالمسألة فيها تفصيل.

إذن (لزوم مسجد) خرج به لزوم البيت، وخرج به لزوم المدرسة، وخرج به لزوم الرباط، لو كان هناك ربط لطلبة العلم يسكنونها ويبقون فيها، فإن لزومها لا يعتبر اعتكافًا شرعًا.
وخرج به لزوم الْمُصَلَّى، لو أن قومًا في عمارة ولهم مصلَّى، وليست بمسجد، فإن لزوم هذا المصلَّى لا يعتبر اعتكافًا؛ لأنه لا بد أن يكون لزوم مسجد.
وما هو الدليل على ذلك، قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187] فجعل محل الاعتكاف هو المسجد.
(لطاعة الله) (اللام) هنا للتعليل؛ يعني: أنه لزمه لطاعة الله، لا للانعزال عن الناس، ولا من أجل أن يأتيه أصحابه ورفقاؤه يتحدثون عنده، قال فلان وقيل لفلان وقالت الدولة الفلانية، لا، هو لطاعة الله، فأنت تلزم المسجد للتفرغ لطاعة الله عزّ وجل، هذا الاعتكاف.
وبهذا نعرف أن أولئك الذين يعتكفون في المساجد، ثم يأتي إليهم أصحابهم من يمين وشمال ومن جوانب المسجد، ثم يأتون يتحدثون بأحاديث لا فائدة منها، نقول: هؤلاء لم يأتوا بروح الاعتكاف؛ لأن روح الاعتكاف أن تمكث في المسجد لأي شيء؟ الطلبة: لطاعة الله.
الشيخ: لطاعة الله عزّ وجل.
وهل ينافي ذلك؛ أي هل ينافي روح الاعتكاف أن تعتكف في المسجد لطلب العلم؟ نقول: لا شك أن طلب العلم من طاعة الله، لكن الاعتكاف يكون للطاعات الخاصة كالصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، وما أشبه ذلك، ولا بأس أن تحضر درسًا أو درسين في يوم أو ليلة؛ ولو أنت معتكف؛ لأن هذا لا يؤثر على الاعتكاف، فمجالس العلم إن دامت، وصار الإنسان في هذا المسجد يطالع دروسه، ويحضر الجلسات الكثيرة التي تشغله عن العبادة الخاصة، فهذا لا شك أنه فيه نقص، لكن الشيء العارض أو القليل من الكثير لا بأس به، ولست أقول: إن هذا ينافي الاعتكاف، كما قلت بالأول، الذين يجلسون ويتحدثون بعضهم إلى بعض هؤلاء لا شك أنهم فعلوا ما يفَوِّت عليهم روح الاعتكاف.

يقول المؤلف: (مسنون) خبر ثان لـ (هو)، أين الخبر الأول؟ لزوم في الخبر الأول ذكر تعريفه، في الخبر الثاني ذكر حكمه؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، أذكر حد الشيء وتعريفه، ثم بعد ذلك أذكر حكمه، حتى يكون الحكم منطبقًا على معرفة الصورة.
(مسنون) ولم يقيده المؤلف بزمن دون زمن، ولا بمكان دون مكان، وعلى هذا فيكون مسنونًا كل وقت؛ لأن المؤلف لم يقيده، ومسنون في كل مكان؟ نقول: لا، ليس مسنونًا في كل مكان؛ لأنه بالأول قال: (لزوم مسجد) لكنه مسنون في كل مسجد، كل مساجد الدنيا فإنه يسن فيها الاعتكاف، وليس خاصًا بالمساجد الثلاثة، كما روي ذلك عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قال: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ» (15) فإن هذا الحديث ضعيف.
ولو صح فالمراد به: لا اعتكاف تام إلا في المساجد الثلاثة، ويدل على ضعفه: أولًا: أن ابن مسعود رضي الله عنه وهَّنَه، حين ذكر له حذيفة رضي الله عنه أن قومًا معتكفين في مسجد بين بيت حذيفة وبيت ابن مسعود رضي الله عنه، فجاء إلى ابن مسعود زائرًا له، وقال: إن قومًا كانوا معتكفين في المسجد الفلاني، فقال له ابن مسعود رضي الله عنه لعلهم أصابوا فأخطأت وذكروا فنسيت (16)، فأوهن هذا حكمًا ورواية.
أما حكمًا ففي قوله: أصابوا فأخطأت، وأما رواية: حفظوا ونسيت، والإنسان لا شك معرض للنسيان.
فنحن نقول: إن صح هذا الحديث فالمراد به لا اعتكاف تام؛ يعني أن المساجد الأخرى الاعتكاف فيها دون الاعتكاف في المساجد الثلاثة، كما أن الصلاة فيها دون الصلاة في المساجد الثلاثة.
ويدل على ذلك أيضًا -أنه عامٌّ في كل مسجد- قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]. ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (ال) هنا لو كان الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد الثلاثة لقلنا: (ال) هذه للعهد الذهني، ولكن أين الدليل؟

وإذا لم يقم دليل على أن (ال) للعهد فهي للعموم، هذا الأصل للعموم إذن في المساجد يعم كل مسجد.
ثم كيف يكون هذا الحكم في كتاب الله للأمة في مشارق الأرض ومغاربها، ثم نقول: لا يصح إلا في المساجد الثلاثة؟ هذا بعيد أن يكون حكم مذكور على سبيل العموم للأمة الإسلامية، ثم نقول: هذه العبادة لا تصح إلا في المساجد الثلاثة، كالطواف لا يصح إلا في المسجد الحرام.
فالصواب: أنه عام في كل مسجد، لكن لا شك أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل، كما أن الصلاة في المساجد الثلاثة أفضل.
وقوله: (مسنون) عندي في الشرح يقول: إجماعًا؛ يعني أن العلماء أجمعوا على سنيته، وقد دَلَّ عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، فيكون فيه الأدلة الثلاثة.
أما الكتاب: فإن الله تعالى قال لإبراهيم: ﴿طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125] ومن هذه الآية نعرف أن الاعتكاف مشروع حتى في الأمم السابقة، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]. وأما السنة: فواضحة مشهورة مستفيضة أن الرسول عليه الصلاة والسلام: اعتكف، واعتكف أصحابه معه واعتكف أزواجه من بعده.
(ويصح بلا صوم)، بقي علينا: أن نقول: إنه مسنون في كل وقت، هكذا يقول المؤلف رحمه الله وغيره من أهل العلم، أنه مسنون كل وقت، حتى لو أردت الآن -ونحن في شهر جمادى- أن تعتكف غدًا أو الليلة وغدًا، فلا بأس يكون ذلك مسنونًا.

وهذه المسألة فيها نظر؛ لأننا نقول: الأحكام الشرعية تُتَلقى من فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يعتكف النبي صلّى الله عليه وسلّم في غير رمضان إلا قضاءً، وكذلك ما علمنا أن أحدًا من أصحابه اعتكفوا في غير رمضان اللهم إلا قضاءً، لكن لما استفتاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأنه نذر أن يعتكف ليلة أو يومًا، يومًا وليلة في المسجد الحرام قال له: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» (17)، ولكن الرسول لم يُشَرِّع ذلك لأمته شرعًا عامًا، بحيث يقال للناس: اعتكفوا في المساجد في رمضان، وفي غير رمضان فإن ذلك سنة.
فالذي يظهر لي: أن الإنسان لو اعتكف في غير رمضان، فإنه لا ينكر عليه بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام أذن لعمر أن يوفي بنذره، ولو كان هذا النذر مكروهًا أو حرامًا، لم يأذن له لوفائه بنذره.
لكننا لا نطلب من كل واحد أن يعتكف في كل وقت نقول: خير الهدي هدي محمد صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، ولو كان الرسول يعلم أن في الاعتكاف في غير رمضان، بل في غير العشر الأواخر منه سنة وأجرًا لبينه للأمة حتى تعمل به؛ لأنه قد قيل له: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67]، وانظر الآن كما في حديث أبي سعيد اعتكف الرسول صلّى الله عليه وسلّم: العشر الأول، ثم الأوسط، ثم قيل له: إن ليلة القدر في العشر الأواخر فاعتكف العشر الأواخر (18)، ولم يعتكف في السنة الثانية العشر الأول، ولا الأوسط، مع أنه كان زمن للاعتكاف من قبل، والشهر رمضان شهر اعتكاف.
فالذي يظهر لي أنه لا يسن الاعتكاف، أي: لا يُطلب من الناس أن يعتكفوا إلا في العشر الأواخر فقط، لكن من تطوع وأراد أن يعتكف في غير ذلك، فإنه استئناسًا بحديث عمر لا ننهاه عن ذلك، ولا نقول: إن فعله بدعة، لكن نقول: الأفضل أن تقتدي بالرسول عليه الصلاة والسلام.

ولهذا نظائر، منها قصة الرجل الذي كان يقرأ لأصحابه فيختم بـ (قل هو الله أحد) (19)، لم ينكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يشرع ذلك لأمته، فلا يُشرع للإنسان كلما قرأ في الصلاة أن يختم بـ (قل هو الله أحد)، كما فعل هذا الرجل؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يشرعه لأمته لا بفعله ولا بقوله.
وكذلك سعد بن عبادة استأذنه في أن يجعل مخرافه في المدينة صدقة لأمه فأذن له (20)، لكن لم يقل للناس تصدقوا عن أمهاتكم بعد موتهن حتى يكون سُنّة مشروعة، ففرق بين هذا وهذا.
يقول: (مسنون ويصح بلا صوم) (يصح) الضمير يعود على أيش؟ طلبة: الاعتكاف.
الشيخ: على الاعتكاف، (بلا صوم) وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: منهم من قال: إنه لا يصح الاعتكاف إلا بصوم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يعتكف إلا بصوم إلا ما كان قضاءً.
ومنهم من يرى أنه لا يُشترط له الصوم، ويُستدل بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه (17)، ويقول أيضًا: إنهما عبادتان منفصلتان، فلا يشترط للواحدة وجود الأخرى، وهذا القول هو الصحيح أنه يصح بلا صوم.
ولكن ما الفائدة من قولنا: (يصح بلا صوم)، ثم نقول: ليس مشروعًا إلا في رمضان في العشر الأواخر؟ الفائدة لو كان الإنسان مسافرًا مثلًا أو لا يصح المثال؟ لو كان مسافرًا؟ طلبة: (... ). الشيخ: إذا كان مقيمًا في بلده يمكن أو كان الإنسان مريضًا مرضًا يبيح له أن يفطر، ولكن يقول: أحب أن أعتكف، نقول: لا بأس؛ هو مسنون، فهو يصح بلا صوم، كما قال المؤلف رحمه الله.
(ويلزمان بالنذر)، (يلزمان) الفاعل؟ (يصح) قلتم: إن الضمير يعود على الاعتكاف.
(بلا صوم) عندنا الآن اعتكاف وصوم، ثم قال: (ويلزمان بالنذر) ما الذي يلزمان؟ طلبة: الصوم (... ). الشيخ: نعم الصوم والاعتكاف (يلزمان بالنذر)، فمن نذر أن يصوم يومًا لزمه، ومن نذر أن يعتكف يومًا لزمه، ومن نذر أن يصوم معتكفًا لزمه، ومن نذر أن يعتكف صائمًا لزمه.

ولكن هناك فرق بين الصورتين الأخيرتين، من نذر أن يصوم معتكفًا لزمه الصوم والاعتكاف، ومن نذر أن يعتكف صائمًا لزمه الصوم والاعتكاف لكن بينهما فرق: إذا نذر أن يصوم معتكفًا لزمه أن يعتكف من قبل الفجر إلى الغروب؛ لأنه نذر أن يصوم معتكفًا فلا بد أن يستغرق الاعتكاف كل اليوم.
أما إذا نذر أن يعتكف صائمًا فإنه يعتكف ولو في أثناء النهار، ولو ساعة من النهار؛ لأنه يصدق عليه أنه اعتكف صائمًا، ولهذا قد لا يفرِّق أو لا يعرف الفرق كثير من الطلبة في هذه المسألة.
إذا نذر أن يصوم معتكفًا أو أن يعتكف صائمًا يلزمه الجمع بينهما، لكن استيعاب الاعتكاف للصوم لليوم كله هل يلزم أو لا؟ على حسب ما سمعتم، إذا قال قائل: ما الدليل على وجوبهما بالنذر؟ قلنا: الدليل على هذا الدليل قوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (21). والصوم طاعة، والاعتكاف طاعة.
لكن أحيانًا يراد بنذر الطاعة: الامتناع، أو الإقدام، أو التصديق، أو التكذيب؛ يعني أحيانًا يراد بنذر الطاعة واحد من هذه الأربعة: الامتناع، أو الإقدام، أو التصديق، أو التكذيب، فهل يجب الوفاء بها؟ يقول العلماء: لا يجب الوفاء، بل يخير بين الوفاء وكفارة اليمين.
مثاله قال: إن كلمت فلانًا، فللَّه عليَّ نذر أن أصوم أسبوعًا، ومراده أيش؟ الطلبة: الامتناع.
الشيخ: الامتناع، ما أراد الطاعة، أراد أن يمتنع، لكنه رأى أنه لا يتأكد الامتناع إلا إذا ألزم نفسه بهذا النذر.
إذن لو سألناه هل قصدك الصوم؟ لقال: لا، لو قصدت الصوم صمت بلا نذر، لكن أنا أريد أن أمنع نفسي وأؤكد المنع؛ لأني أعرف أن الصوم ثقيل عليّ فإذا قيدت الامتناع بالصوم امتنعت.
قال أهل العلم: هذا حكمه حكم اليمين، بمعنى أنه إن شاء صام الأسبوع، وإن شاء كفر عن يمينه، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (22).

جارٍ التحميل