الجواب: نعم، ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: أفطرنا في يوم غَيْمٍ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم طلعتِ الشمس (10)، ومعلوم أنهم لم يفطروا عن علم، أليس كذلك؟ لو أفطروا عن علم ما طلعت الشمس، لكن أفطروا بناءً على غلبة الظن أنها غابت ثم انجلى الغيم، فطلعت الشمس، فهذا دليل على أنه يجوز أن يفطر بغلبة الظن.
(ويُسَنُّ تعجيل الفطر)، يقول: (على رُطَبٍ)، الرطب هو التمر اللين الذي لم يَيْبَس، وكان هذا في زمن مضى، لا يتسنى إلا في وقت معين من السنة، أما الآن والحمد لله ففي كل وقت، يمكن أن تفطر على رطب في كل الشهر، كل الشهور، فتفطر على رطب.
فإن لم يكن، يقول: (فإن عُدِمَ فعلى تَمْرٍ)، وهو اليابس أو المُجَبَّن، المجبن يعني المكنوز الذي صار كالجبن، مرتبط بعضه ببعض.
(فإن عُدِمَ فعلى تَمْرٍ، فإن عُدِمَ فماءٌ)، إن عدم التمر فالماء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ» (11).
إذا كان عند الإنسان عسل وماء فأيهما يُقَدِّم؛ الماء أو العسل؟
طلبة: العسل.
طلبة آخرون: الماء.
طالب: الاثنين.
الشيخ: يقدِّم الماء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى مَاءٍ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ»، ولكن لا بأس يشرب ماءً وبعدين يأكل العسل.
طالب: العسل أخو التمر.
الشيخ: ليس أخاه، العسل من النحل، وهذا من النخل.
على كل حال، يُفْطِر على ماء مقدَّمًا على غيره، فإن لم يجد ماءً ولا شرابًا آخر ولا طعامًا، فماذا يصنع؟
طالب: ينوي.
الشيخ: ينوي الفطر بقلبه، ويكفي.
وقال بعض العوام: إذا لم تجد شيئًا فعُض على أصبعك ومُصَّه، وهذا لا أصل له.
وقال آخرون: بُلَّ الغترة ثم مُصَّهَا؛ لأن إذا بللتها انفصل الريق عن الفم، فإذا رجعتها ومصصتها أدخلت شيئًا خارجًا عن الفم إلى الفم، وهذا يعتبر أكلًا أو شربًا.
وعلى تقليد هؤلاء العوام نقول: فإن عدِمَ فماء، فإن عَدِمَ فرِيقٌ، وهذا لا أصل له.
نقول: إذا غربت الشمس وليس عندك ما تفطر به أفطرت حكمًا، حتى إن بعض العلماء قال: إن قوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (8) أن المعنى: أفطر حكمًا وإن لم يفطر حسًّا، ولكن يُسَنُّ له أن يبادر، وليس هذا ببعيد، إلا أنه يضعفه أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أذن لهم بالوصال إلى السحر.
قال: (فإن عُدِمَ فتمر، فإن عُدِمَ فماء) ولم يتكلم المؤلف هنا عن الوصال، لكن ربما نأخذ حكمه من قوله: (يُسَنُّ تعجيل الفطر) لأن الوصال لا يكون فيه تعجيل الفطر.
والوصال أن يقرن الإنسان بين يومين في صوم يوم واحد، بمعنى ألا يفطر بين اليومين.
وحكمه قيل: إنه حرام، وقيل: إنه مكروه، وقيل: إنه مباح لمن قدر عليه، فالأقوال فيه ثلاثة.
والذي يظهر: فيه التحريم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الوصال فأَبَوا أن ينتهوا فتركهم، وواصل بهم يومًا ويومًا ويومًا حتى دخل الشهر -يعني: شهر شوال- فقال عليه الصلاة والسلام: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ» (12) كالمنكِّل لهم، وهذا يدل على أنه على سبيل التحريم، فالقول بالتحريم أقواها.
ولكن مع ذلك ليس عندي فيه جزم؛ لأنه لو كان حرامًا -كما تحرم الميتة والخنزير- لمنعهم الرسول عليه الصلاة والسلام من فعله منعًا باتًّا، لكنه نهاهم عن ذلك رفقًا بهم؛ ولهذا ذهب بعض الصحابة رضي الله عنهم إلى جواز الوصال لمن قدر عليه معللًا ذلك بأنه إنما نهي عن الوصال من أجل الرفق بالناس لأنه يشق عليهم، فكان عبد الله بن الزبير يواصل إلى خمسة عشر يومًا، لا يأكل ولا يشرب ابتغاء وجه الله.
لكن مع ذلك نحن نقول: إنه رضي الله عنه متأول، والصواب خلاف تأويله، والصواب أن أدنى أحواله الكراهة، وأن الناس لا يزالون بخير ما عجلوا الفطر، لكن قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَرِ» (13).
طالب: في هذا الباب (... ) يا شيخ.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: عبد الله بن الزبير.
الشيخ: هكذا معروف في تاريخه.
(فإن عُدِمَ فماء وقولُ ما وَرَد) قول ما وَرَد متى؟
طلبة: (... ).
الشيخ: قول ما ورد عند الفطر، ومعلوم أنه ورد عند الفطر وعند غيره التسمية، عند الأكل أو الشرب، وهي على القول الراجح واجبة؛ يعني: يجب على الإنسان إذا أراد أن يأكل أو يشرب أن يُسَمِّ؛ أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك (14)؛ لإخباره أن الشيطان يأكل مع الإنسان إذا لم يُسَمِّ، لإمساكه بيد الجارية والأعرابي حين جاءا ليأكلا قبل أن يُسمِّيا؛ أمسك النبي صلى الله عليه وسلم بيديهما وأخبر أن الشيطان دفعهما، وأن يد الشيطان مع يديهما، بيد النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليأكل من الطعام (15).
فالصواب أن التسمية على الأكل والشرب واجبة، ولكنه لو نسي فإنه يسمي إذا ذكر ويقول: بسم الله أوله وآخره.
كذلك أيضًا؛ مما ورد: الحمد عند الانتهاء، فإن الله يرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها، وورد أيضًا آثار في ذلك منها: «اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (16)، وهذه في أسانيدها ما فيها، لكن إذا قالها الإنسان فلا بأس.
ومنها: إذا كان الجو حارًّا وشرب فإنه يقول: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (17) وذهاب الظمأ بالشرب واضح، وابتلال العروق كذلك واضح حتى إن الإنسان إذا شرب وهو عطشان يَحُسُّ بأن الماء من حين ما يصل إلى المعدة يتفرق في البدن، يَحُسُّ به إحساسًا ظاهرًا، ويقول: سبحان الحكيم العليم الذي فرقه بهذه السرعة فهذا مما يُسَنُّ.
ثم قال: (ويُسْتَحَبُّ القضاء متتابعًا)، والباب الذي نحن فيه (باب ما يُكْرَه ويُسْتَحب، وحكم القضاء)
وهنا بدأ بالقضاء، قال: (ويستحب القضاء متتابعًا) الاستحباب مُنْصَبٌّ على قوله: (متتابعًا)، وليس على قوله: (القضاء) لماذا؟ لأن القضاء واجب، والمستحب كونه متتابعًا، أي: لا يفطر بين أيام الصيام لماذا؟ لوجهين:
الوجه الأول: أن هذا أقرب إلى مشابهة الأداء، صح، لماذا؟ لأن الأداء متتابع، شهر رمضان متتابع.
وثانيًا: أسرع في إبراء الذمة، فإنك إذا صُمْتَ يومًا وأفطرت يومًا تأخر القضاء، فإذا تابعت صار ذلك أسرع في إبراء الذمة.
وثالثًا: أنه أحوط؛ لأن الإنسان لا يدري ما يَعْرِض له؛ قد يكون اليوم صحيحًا وغدًا مريضًا، وقد يكون اليوم حيًّا وغدًا ميتًا؛ فلهذا كان الأفضل أن يكون القضاء متتابعًا.
وينبغي أيضًا: أن يبادر به من حين أن يزول يوم العيد يشرع فيه؛ يعني: في اليوم الثاني من شوال يشرع فيه؛ لأن هذا كما قلت: أسرع لإبراء الذمة وأحوط.
ثم قال: (ولا يجوز إلى رمضانٍ آخر من غير عذر) ولا يجوز إلى رمضانٍ آخر، أو إلى رمضانَ.
طلبة: رمضانٍ.
الشيخ: بالتنوين؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم؛ لأن (رمضان) إذا كان المقصود بها رمضان معين امتنعت من الصرف، وإذا كان المراد أي رمضان فإنها تصرف؛ وذلك لأنها إذا كان المراد بها أي رمضان فُقِدَ منها شرط واحد وهو العلمية.
والمزيد بالألف والنون يُشْتَرط لمنعه من الصرف أن يكون عَلَمًا وأن تكون الألف والنون زائدة.
طالب: (... ) يا شيخ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (... ) فَبِتَمْر، فإن لم يجد فبماء فإنه طهور (11) وتعلق الحكم هنا بالماء، وعندي يا شيخ من يقسم الماء إلى ثلاثة أقسام.
الشيخ: لا، ما هذا، ما هو بطهور ضد النجس؛ يعني: مطهر للمعدة.
طالب: شيخ حفظك الله، قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف قد يخص بعموم أو بعلة؟
الشيخ: هذا -بارك الله فيك- مبني على أن قول الصحابي هل هو حجة أم لا؟ فمن قال: إنه ليس بحجة فإنه لا يخصص به العموم.
الطالب: ومن قال: إنه حجة؟
الشيخ: ومن قال: إنه حجة فلازم قوله أن يخصص به العموم، ما لم يكن مبنيًّا على اجتهاد، فإن كان مبنيًّا على اجتهاد فقد يخطيء وقد يصيب، وأنا أرى أن الأَوْلَى الأخذ بالعموم وألا يخصص.
الطالب: يعني: معنى هذا يا شيخ؟
الشيخ: يعني: معنى هذا أن فعل ابن عمر في كونه إذا حج أو اعتمر أخذ من لحيته (18) لا يُخَصِّصُ عموم الأمر بالإعفاء.
الطالب: فبقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «حَتَّى يَدَعَ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ» (19)، هذا عامٌّ فهل يخصصه مثلًا فعل صحابي؟
الشيخ: أبدًا، التعمق مذموم بكل حال؛ لقوله: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» (20) قالها ثلاثًا.
الطالب: فبهذا ماذا نقول: يا شيخ في الوصال؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: في الوصال.
الشيخ: في الوصال؛ نقول: إن هذا تأول، تأولٌ من عبد الله بن الزبير أخطأ فيه رضي الله عنه.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- ما المراد بالمقاتلة في هذه المسألة؟
الشيخ: المقاتلة بالأيدي: الأخذ بالأيدي، يتشابكون.
الطالب: دماءهم (... ).
الشيخ: لا، هذا قتل.
الطالب: (... ).
الشيخ: نعم؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، هذا قَتْل.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، هذا قتل.
الطالب: البعض يتشابك بالسكاكين والسواطير.
الشيخ: لا، أعوذ بالله، المراد بالمقاتلة يعني المشابكة بالأيدي وشبهها.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، بس، هذا ويش يسوي؟ شنو ناظر؟
طالب: (... )، الكراهة (... ) خلاف الأولى أو لا بد من دليل شرعي؟
الشيخ: نعم، الكراهة لا بد فيها من دليل شرعي، فأما إذا كان على سبيل الاحتياط تقول: الأولى، فقط.
طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، الراجح في تقديم صيام النفل على صيام الواجب، كمن صام ستًّا من شوال على قضاء من رمضان.
الشيخ: أما من صام ستًا من شوال مقدِّمًا إياها على قضاء رمضان فإنها لا تنفعه عن الست، حتى لو قلنا بصحة صوم التطوع قبل القضاء لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ» (21)، ومن بقي عليه شيء من رمضان لم يكن صام رمضان.
وقد ظن بعض طلبة العلم أن هذا مبني على صحة النفل قبل القضاء، وليس بصحيح؛ لأن صوم ست من شوال تابع لرمضان، لا يصح إذا بقي من رمضان شيء؛ يعني: لا يثاب ثواب الست إذا بقي من رمضان شيء، وقد نص على ذلك ابن رجب رحمه الله في كتاب لطائف المعارف.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- هل يثبت أثر عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تؤخر القضاء إلى أن.. ؟
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله، وهو ثابت.
طالب: يا شيخ، إن قولك وينبغي أن يبادر به في اليوم الثاني من شوال فـ..
الشيخ: ينبغي غير يجب.
طالب: في عهد السلف رضي الله تعالى عنهم كان ما فيه تطاول في البنيان مثل البنيان هذا، ذكرتم جزاكم الله خيرًا أن الإنسان ينوي الفطر، يفطر عندما تغرب الشمس، كيف إن الإنسان بيته يكون صغيرًا وفيه بيوت الثانية ما شاء الله؛ عشرين دورًا وثلاثين دورًا.
الشيخ: يرقى للدور الواحد وعشرين.
الطالب: لا، حق يا شيخ؟
الشيخ: صحيح هذا.
الطالب: كيف، يطلع يعني؟
الشيخ: إي يطلع أيوه.
الطالب: شيخنا، حقيقي السؤال هذا الله يكرمك.
الشيخ: هذا حقيقي، وهذا الجواب أيضًا.
الطالب: والله يا شيخ، طيب كيف يعني لو طلع ونزل لشقى.
الشيخ: الله المستعان.
الطالب: بس، حقيقي يا شيخ السؤال هذا مهم جدًا.
الشيخ: أبدًا، أصلًا نحن قلنا: إذا غربت الشمس، إذا كنت تحت السقف كيف تعرف إن الشمس غربت؟
الطالب: أنا الحين جالس في..
الشيخ: فاهم فاهم.
الطالب: في بيوت حولي كثيرة جدًّا والشمس بتكون باينة في الغروب ولكن في قرص الشمس لسه نصف والنصف الآخر يعني لو أتينا مثلًا صحراء نرى نصف ونصف تحت.
الشيخ: إذن لا تفطر.
الطالب: ما يُرَى يعني ما يفطر إلا يظنه (... ) الغروب عندنا غروب الشمس، الناس بينتظروا عندما ينتهي ضوء الشمس من السماء يعني يميل.
الشيخ: على كل حال -بارك الله فيك- اصعد إذا كنت تريد أن لا تنتظر الأذان اصعد إلى فوق.
الطالب: طلعت لفوق، فيه عمارة تاني قدامي أعلى.
طالب آخر: يسمع المدفع.
الشيخ: صحيح، هو الآن يعني مرتب مدفع.
الطالب: يعني الناس تفطر على المدفع، إذن مع الأذان فهو الأولى.
الشيخ: (... ).
طالب: ذكرنا فيما سبق أن الإنسان يأكل حتى يتيقن طلوع الفجر ولكن في غلبة الظن، والآن التقويم مقدم جدًّا، وأيضًا ثبت من غير طريق أن في الوقت الحاضر أن الفجر يطلع بعد التقويم بمقدار ربع ساعة أو ما أشبه ذلك، فالإنسان..
الشيخ: على كل حال، لو فتح الباب للعامة، العامة ما يمكن تقدر، لأنه لو قيل لكم مثلا أن تأكلوا إلى بعد خمس دقائق من الأذان، العامة ما يمكن تضبطها، خلهم على ما هم عليه، لكن فيما لو جاء إنسان يستفتيك، قال: أنا بعد ما أذن أكلت تمرات وشربت في خلال خمس دقائق ما يمكن تقول: يلزمك القضاء.
طالب: الله يجزيك خيرًا، إذا قلنا بأن صيام ستًّا من شوال من باب الترتيب؛ القضاء ثم ست من شوال، رجل مسافر أو عذر مريض أفطر شهر رمضان كله، فإذا استحببنا أن يصوم رمضان، أن يقضي رمضان متتابعًا، فيبدأ من اليوم الثاني وينتهي ثاني ذو القعدة، ويفوته أجر ستة أيام.
الشيخ: ليش؟ لماذا؟
الطالب: ثلاثين يومًا يا شيخ.
الشيخ: ما يفوته؛ لأن هذا قضى لعذر، ولهذا لو فرضنا الإنسان، مثلًا، امرأة صامت رمضان كله وفي ليلة العيد نفست وبقيت كل شهر شوال ما تصوم، هل لها أن تصوم في ذي القعدة ويكتب لها الأجر؛ لأنه إذا كان رمضان وهو واجب إذا أُخِّر لعذرٍ أجزأ فهذا مثله.
طالب: يا شيخ انتهى.
الشيخ: انتهى؟ خلاص (... ).
يقول: ما قولكم فيمن يروح يمينًا وشمالًا أو إلى الأمام والخلف عند قراءة القرآن، وبعضهم يعتذر بأن هذا يطرد النوم، وما القول فيمن يمشي عندما يتحفظ شيئًا ويعتذر أن هذا أطرد للنوم؟
أما الثاني الذي يمشي: فلا شك أنه جائز؛ لأن القرآن يقرأ في حال المشي، وفي حال الجلوس، وفي حال الاضطجاع، وفي حال الاتكاء، وأما الأول: فنعم بعض الناس يعتاد هذا، لا يفعله تعبُّدًا لكن من عنده، فإن كان شيئًا بسيطًا من أجل أن يطرد النوم عنه كما قال فلا بأس به، أما الإنسان الذي يبالغ في هذا الشيء ويكاد يصل إلى الأرض ثم يرفع رأسه، فهذا الظاهر أنه لا ينبغي.
أما هذا يقول: ما هي الشروط التي من خلالها نستطيع أن نحكم على كون الشيء هذا بدعة؟
كل ما تُعُبِّدَ به لله ولم يثبت في الشرع فهو بدعة، هذا الضابط، وما فُعِلَ على سبيل العادة فإن جاءت السنة، أو فإن جاء الشرع بتحريمه فهو حرام، وإلا فالأصل فيه الحل، والعبادة سواء كانت في العقيدة كما فعل أهل البدع، أو كانت في القول كالأذكار التي يرتبها الصوفية، أو بالفعل كالذي يشرع يعني: عبادات يخترعها فهذا الضابط، كل من تَعَبَّد لله بما لم يأذن به الله فهو مبتدع.
قلنا: من فوائد قول الصائم لمن يشتمه: إني صائم بيان أن المشتوم لم يترك مقابلة الشاتم إلَّا لكونه صائمًا، هل يُفهَم من ذلك أنه يُسَنُّ لمن يُشتم وهو غير صائم أن يَرُدَّ على شاتمه بالمثل؟
أي نعم، هو جائز أن يفعل ذلك، أن يَرُدَّ عليه بالمثل لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194].
وهذا يقول: ذكرتم أنه إذا أفطر عن جماع يلزمه كفارتان، وإذا جامع ثلاثة أيام تلزمه ثلاث كفارات؟
هذا غير صحيح، نحن لم نذكر أنه إذا أفطر عن جماع يلزمه كفارتان، أنما يلزمه؟ كفارة واحدة، لكن إذا كرره في يومين تلزمه كفارتان، في ثلاثة أيام تلزمه ثلاث كفارات، هذا الذي ذكره الماتن، وقد تقدم الكلام عليه.
آخر سؤال: ما حد من قتل ابنته؟ القصاص أم الجلد والحبس؟ الصحيح أن من قتل ابنته عمدًا أو ابنه عمدًا فإنه يقتص منه، والقول الثاني لا يقتص منه وعليه الدية، وسبق لنا الكلام في هذا وبينا الأدلة، أليس كذلك؟ الدية للورثة، للورثة غير الأب.
طالب: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال المصنف رحمه الله: ويستحب القضاء متتابعًا، ولا يجوز إلى رمضان آخر من غير عذر، فإن فعل فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم، وإن مات ولو بعد رمضان آخر، وإن مات وعليه صوم أو حج، أو اعتكاف، أو صلاة نذر استحب لوليه قضاؤه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن تكلمنا على قول المؤلف: (ويُسْتَحَبُّ القضاء متتابعًا) وأن هذا الحكم منزل على أيش؟
طالب: على (... ) أنه إذا، على ثلاث أمور أنه أشبه بـ..
الشيخ: لا، كلمة (وَيُسْتَحَب القضاء متتابعًا) هل هي منصبة على (القضاء) أو على (متتابعًا)؟
الطالب: على (متتابعًا).
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن القضاء يكون متتابعًا.
طالب آخر: لأن القضاء واجب.
الشيخ: لأن القضاء واجب، المستحب أن يكون متتابعًا، ولهذا لو عبر المؤلف فقال: ويستحب التتابع في القضاء، لزال الوهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويُسْتَحَبُّ القضاءُ متتابعًا) أي: أن يكون قضاؤه متتابعًا، أي: لا يفطر بين الأيام، وذكرنا لهذا ثلاث علل.
طالب: لأنه أبرأ للذمة.
الشيخ: أسرع في إبراء الذمة.
الطالب: والثاني أنه أحوط؛ لأنه لا يدري هل سيعيش أو سيموت؟
الثالث أن القضاء يحكي الأداء.
الشيخ: أنه أشبه بالأداء، التتابع أشبه بالأداء.
ثم قال: (ولا يجوز إلى رمضانٍ آخر من غير عذر) (ولا يجوز) أي: تأخير القضاء إلى رمضانٍ آخر، يجب التنوين هنا؛ لأنه نكرة.
وزيادة الألف والنون لا تمنع من الصرف إلا إذا انضاف إلى ذلك علمية أو وصفية، وهنا ليس عَلَمًا ولا وصفًا، إذا قلنا: (رمضانٍ آخر) فما شرطه التعريف إذا كان نكرة فإنه ينصرف، هذا الضابط؛ ما يشترط في منعه من الصرف العلمية فإنه إذا زالت العلمية لم يمتنع من الصرف.
إذن نقول هنا: (إلى رمضانٍ آخرَ)، (أخرَ) ممنوع من الصرف للعلمية والعدل.
(من غير عذر) وعُلِمَ من كلام المؤلف أنه يجوز أن يؤخر القضاء إلى أن يبقى عليه عدد أيامه من شعبان لقوله: (ولا يجوز إلى رمضانٍ آخرَ) فيجوز أن يقضي في شوال، في ذي القعدة، في ذي الحجة، في أي شهر بشرط ألا يكون الباقي من شعبان بقدر ما عليه، فإذا بقي من شعبان بقدر ما عليه فحينئذ يلزمه أن يقضي متتابعًا.
وعُلِمَ من قوله: (من غير عذر) أنه لو أخره لعذر فإنه جائز؛ مثل أن يكون مسافرًا فيستمر به السفر أو يكون مريضًا فيستمر به المرض، أو تكون امرأةً حاملًا فيستمر بها الحمل ويزيد عن تسعة أشهر أو امرأةً مرضعًا فتحتاج إلى الإفطار كل السنة.
المهم أنه إذا كان لعذر فلا بأس أن يؤخره؛ لأنه إذا جاز أن يفطر في رمضان وهو أداء فجواز الإفطار في أيام القضاء من باب أولى.
قال: (ولا يجوز إلى رمضان آخر من غير عذر) ولم يتكلم المؤلف عن الصيام قبل القضاء، فهل يجوز أن يصوم قبل القضاء؟ وهل يصح لو صام؟
ذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك، وقال: ما دام الوقت موسعًا فإنه يجوز أن يتنفل، كما لو تنفل في وقت الصلاة قبل أن يصلي.
فمثلًا: الظهر يدخل وقتها من الزوال وينتهي إذا صار ظل كل شيء مثله، له أن يؤخرها إلى آخر الوقت، في هذه المدة هل له أن يتطوع؟
الجواب: نعم؛ لأن الوقت موسع.
فقال بعض العلماء: يجوز أن يتطوع بصوم النفل مَنْ عليه قضاء ما لم يضق الوقت، وقاسوا ذلك على الصلاة، وقالوا: هذه الصلاة وهي أوكد من الصيام يجوز للإنسان في حال السعة أن يتطوع بجنسها ولا حرج عليه.
وهذا القول: أظهر وأقرب إلى الصواب؛ لأن القياس فيه ظاهر.
ولكن هل هذا أولى؟ أو الأولى أن يبدأ بالقضاء؟ الثاني، الأولى أن يبدأ بالقضاء، حتى مثلًا لو مر عليه عشر ذي الحجة أو يوم عرفة فإننا نقول: صم القضاء في هذه الأيام وربما تدرك أجر القضاء وأجر صيام هذه الأيام، وعلى فرض أنك لا تدرك إلا القضاء فإن القضاء أفضل من تقديم النفل، لكن الكلام على الصحة وعدم التأثيم بصيام النفل، فالذي يظهر أنه لا يأثم، وأن النفل يكون صحيحًا، أما المذهب: فإنه لا يصح، ويأثم، لا يصح أن يتطوع بصوم قبل القضاء، ويكون آثمًا؛ لأنه لا يمكن أن تؤدى النافلة قبل الفريضة.
والجواب على هذا التعليل أن نقول: الفريضة وقتها في هذه الحال موسع، فهو لم يفرض علي أن أفعلها حتى أقول: إنني تركت الفرض، بل هذا فرض في الذمة وسع الله تعالى فيه، فإذا صمت النفل فلا حرج.
إلا أنه هنا مسألة ينبغي التنبه لها وهي أن الأيام الستة من شوال لا تُقَدَّم على قضاء رمضان، فلو قُدِّمَت صارت نفلًا مطلقًا، ولم يحصل على ثوابها الذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» (21)، وذلك لأن الحديث يقول فيه: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ» ومن كان عليه قضاء فإنه لا يَصْدُق عليه أنه صام رمضان، وهذا واضح.
وقد ظن بعض طلبة العلم أن الخلاف في صحة صوم التطوع قبل القضاء ينطبق على هذا، وليس كذلك، بل هذا لا ينطبق عليه؛ لأن الحديث فيه واضح أنه لا ست إلا بعد قضاء رمضان.
فإن قال قائل: ما هو الدليل على جواز التأخير؟ وما هو الدليل على منع التأخير إلى ما بعد رمضان آخر؟
قلنا: أما الأول فدليله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] يعني: فعليه عدة من أيام أخر، ولم يُقَيِّدها الله تعالى بالتتابع، لو قُيِّدَت بالتتابع للزم من ذلك الفورية، ولكن الله تعالى لم يذكر التتابع، فدلَّ هذا على أن الأمر فيه سعة.
وأما الدليل على أنه لا يُؤَخَّر إلى ما بعد رمضان الثاني؛ فلأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان يكون على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلَّا في شعبان (22) فقولها: ما أستطيع أن أقضيه، دليل أنه لا يؤخر إلى ما بعد رمضان؛ لأنها لا تستطيع أن تؤخره إلى ما بعد رمضان، والاستطاعة هنا الاستطاعة الشرعية؛ يعني: لا أستطيع شرعًا.
وأما التعليل فلأنه إذا أخره إلى ما بعد رمضان صار كمن أخر صلاة فريضة إلى وقت الثانية من غير عذر، ومعلوم أنه لا يجوز أن تؤخر صلاة الفريضة إلى وقت الثانية إلا لعذر.
يقول: (فإن فعل) يعني: إن فعل أي: أَخَّره إلى ما بعد رمضان الثاني بلا عذر (فعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم) لو أَخَّر إلى ما بعد رمضان الثاني كان آثمًا، وعليه مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم.
أما وجوب القضاء فواضح؛ لأنه دين في ذمته لم يقضه فلزمه قضاؤه، وأما الإطعام فجبرًا لما أخل به من تفويت الوقت المحدد، فيكون هذا الإطعام جبرًا للتأخير، يُطْعِم عن كل يوم مسكينًا يعني مع كل يوم يقضيه يطعم مسكينًا، فإذا قدَّرْنا أن عليه ستة أيام فيطعم معها ستة مساكين، وقد روي في هذا حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أمر لمن أخَّر إلى ما بعد رمضان (23)، لكنه حديث هالك الإسناد، ضعيف جدًّا لا تقوم به حجة، ولا تشغل به الذمة، وروي أيضًا عن ابن عباس (24) رضي الله عنه وعن أبي هريرة (25) أنه يلزمه الإطعام، وما ذكر عنهما فإنه ليس بحجة؛ وذلك لأن الحجة لا تثبت إلا بالكتاب والسنة، وأما أقوال الصحابة فإن في ثبوتها نظر إذا خالفت ظاهر القرآن.
وهنا إيجاب الطعام مخالف لظاهر القرآن؛ لأن الله لم يوجب إلا عدة من أيام أخر، لم يوجب أكثر من ذلك، وإذا لم يوجب إلا عدة من أيام أخر فإننا لا نلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به إلا بدليل تبرأ به الذمة، على أن ما رُوِيَ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وعن أبي هريرة يمكن أن يحمل على سبيل الاستحباب، لا على سبيل الوجوب.
فالصحيح في هذه المسألة أنه لا يلزمه أكثر من الصيام إلا أنه يأثم بالتأخير.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا أَخَّرَه إلى ما بعد رمضان الثاني وجب عليه الإطعام فقط، ولا يصحُّ منه الصيام، بناءً على أنه عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون عمله باطلًا، أي يكون القضاء في غير وقته، كما لو صلى الصلاة في غير وقتها فإنها لا تُقْبَل منه إذا لم يكن هناك عذر يبيح تأخيرها.
فالأقوال إذن ثلاثة إطعام فقط، أو صيام فقط، أو الجمع بينهما، وأصح الأقوال أنه يلزمه الصيام فقط القضاء.
ثم قال: (وإن مات ولو بعد رمضان آخر) يعني: إن مات بعد أن أَخَّرَه، مات مَنْ عليه القضاء بعد أن أَخَّرَه فإنه ليس عليه إلا إطعام مسكين؛ لأن القضاء في حقه تعذر؛ يعني: رجل أخر القضاء إلى ما بعد رمضان الثاني ثم مات فعليه إطعام، والقضاء تعذر؛ لأنه مات قبل أن يتمكن منه بعد رمضان الثاني.
وقيل: يلزمه إطعامان؛ إطعام عن القضاء وإطعام عن التأخير، وهذا لا شك أنه أقيس إذا قلنا بأنه يجب الإطعام إذا أخَّر الصيام إلى ما بعد رمضان، فالأقيس أنه يلزمه إطعامان؛ إطعام عن القضاء وإطعام عن التأخير.
ولكن لا بد من التفصيل في هذه المسألة؛ إذا مر رمضان على إنسان مريض، إذا مر على إنسان مريض فننظر؛ هل مرضه يرجى زواله أو لا؟ إن كان يرجى زواله بقي الصوم واجبًا عليه حتى يُشْفَى، ويقضي، لكن لو استمر به المرض حتى مات فهذا لا شيء عليه؛ لأن الواجب عليه القضاء ولم يدركه، عرفتم؟
مثاله إنسان أصيب في رمضان بزكام في العشر الأواخر من رمضان مثلًا بزكام، والزكام من المعروف أنه يُرْجَى زواله، لكن تضاعف به المرض حتى هلك ومات، فهذا ليس عليه قضاء، لماذا؟ لأن الواجب عليه عدة من أيام أخر ولم يتمكن من ذلك؛ يعني: مات قبل أن يتمكن فصار كالذي مات قبل أن يدركه رمضان فليس عليه شيء.
الثاني أن يكون هذا الذي أفطر رمضان، أفطر بمرض يرجى زواله ثم عوفي بعد هذا، ثم مات قبل أن يقضي، فهذا يُطْعَم عنه عن كل يوم مسكين بعد موته.
الثالث أن يكون المرض الذي أصابه في رمضان لا يرجى زواله فهذا عليه الإطعام ابتداءً لا بدلًا؛ لأن من أفطر لعذر لا يرجى زواله فالواجب عليه إطعام مسكين عن كل يوم، كالكبر ومرض السرطان وغيره من الأمراض التي لا يرجى زوالها.
هذه أقسام ثلاثة:
الأول من كان مرضه يرجى زواله ولكنه استمر به المرض حتى مات، أيش؟
طلبة: لا شيء عليه.
الشيخ: لا شيء عليه، لا قضاء عليه ولا إطعام.
الثاني مَنْ مرضه يرجى زواله ثم شفي وتمكن من الصوم ولكنه لم يصم فعليه إطعام مسكين لكل يوم، يؤخذ من تركته؛ وهل يصام عنه؟ في هذا خلاف بين العلماء يأتي إن شاء الله في آخر الباب.
الثالث من كان مريضًا بمرض لا يرجى زواله فهذا ليس عليه صوم، وإنما عليه الإطعام ابتداءً فيطعم عنه وهو حي، يطعم عنه لكل يوم مسكينًا.
هذا الثالث لو فرض أن الله عافاه والله على كل شيء قدير، فهل يلزمه أن يصوم؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لا يلزمه أن يصوم؛ لأن الرجل كان يجب عليه الإطعام وقد أطعم فبرئت ذمته وسقط عنه الصيام.
ثم قال المؤلف: (وإن مات ولو بعد رمضانٍ آخر) وقوله: (ولو بعد رمضانٍ آخر) إشارة إلى الخلاف الذي ذكرته؛ فإن من العلماء من قال: إذا مات بعد رمضان آخر ولم يصم وقد أَخر بلا عذر، يلزمه كم؟ إطعامان: إطعام عن القضاء وإطعام عن التأخير، أما المذهب فلا يلزمه إلا إطعام واحد.
ثم قال: (وإن مات وعليه صومُ أو حج أو اعتكاف أو صلاةُ نذرٍ استُحِبَّ لوليه قضاؤه) (إن مات) (إن) شرطية، وفعل الشرط؟
طالب: (مات).
الشيخ: (مات)، وجوابه: (استُحِبَّ لوليه قضاؤه).
إن مات وعليه صوم نذر، وقلت لكم: إنها تُقْرَأ بدون تنوين باعتبار نية المضاف إليه، إن مات وعليه صوم نذر.
في آخر شيء، (وإن مات وعليه صومُ أو اعتكافُ أو صلاةُ نذرٍ) ولذلك قلت لكم: لا تنون، الذي يقرأ المتن يقرأه بلا تنوين على نية أيش؟
طلبة: المضاف إليه.
الشيخ: المضاف إليه.
(إن مات وعليه صوم) نذر (اسْتُحِبَّ لوليه قضاؤه) استُحِبَّ ولا يجب، وإنما يستحب أن يقضيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيامُ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (26) وهذا خبر بمعنى الأمر، ولأن امرأة أتت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسألته أن أمها ماتت وعليها صوم نذر فهل تصوم عنها؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ» (27) يعني: صومي عنها، وشبه ذلك بالدين تقضيه عن أمها فإنه تبرأ ذمتها به فكذلك الصوم.
إذن الدليل عندنا حديثان؛ الحديث الأول حديث عائشة رضي الله عنها: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» وهذا خبر بمعنى الأمر.
والثاني حديث المرأة التي سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أمها نذرت أن تصوم فلم تصم، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تقضيه.
فلو قال قائل: حديث عائشة أمر: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» فما الذي صرفه عن الوجوب؟
نقول: صرفه عن الوجوب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] ولو أننا قلنا بوجوبه، بوجوب قضاء الصوم عن الميت، لزم من عدم قضائه أن تحمل وازرة وزر أخرى، وهذا خلاف ما جاء في القرآن، إذن يستحب لوليه أن يقضيه.
فإن لم يفعل قال: قد عافانا الله، قلنا له: أطعم عن كل يوم مسكينًا، يُطْعِم عن كل يوم مسكينًا قياسًا على صوم الفريضة.
وإن مات وعليه صوم فرض فهل يُقْضَى عنه؟
الجواب: لا يُقْضَى عنه؛ لأن المؤلف خصص هذا بصوم النذر، والعبادات ليس فيها قياس، ثم لا يصح القياس هنا أيضًا لأن وجوب النذر أخف من الوجوب بأصل الشرع، الوجوب بالنذر أخف من الوجوب بأصل الشرع، فلا يمكن أن يقاس الأثقل على الأخف؛ لأنه ما وجب بالنذر تدخله النيابة لخفته بخلاف الواجب بأصل الشرع فإن الإنسان مطالب به من قبل الله عز وجل، وهذا مطالب به من قبل العبد هو الذي ألزم نفسه به، فكان أهون ودخلته النيابة.
إذن من مات وعليه صوم فرض رمضان أو كفارة أو غيرها، فماذا نقول؟ نقول: لا يُقْضَى عنه لماذا؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لأن هذا واجب بأصل الشرع، ولا يَصِحُّ قياسه على النذر؛ لأن النذر أخف منه، ولا يصح قياس الفريضة -ما وجب بأصل الشرع- على ما وجب بالنذر؛ لأنه دونه.
ولكن القول الراجح أن مَنْ مات وعليه صيام فرض بأصل الشرع يعني: صيام مفروض بأصل الشرع فإن وليه يقضي عنه، لا قياسًا ولكن بالنص، ما هو النص؟
حديث عائشة: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» و «صَوْمٌ» نكرة غير مقيد بصوم معين، وأيضًا كيف يصح أن نقول: إن المراد به صوم النذر، وصوم النذر بالنسبة لصوم الفرض قليل؛ يعني: ربما يموت الإنسان ما نذر صوم يوم واحد، لكن كونه يموت وعليه صيام رمضان هذا كثير، فكيف نرفع دلالة الحديث على ما هو غالب، ونحملها على ما هو نادر؟ هذا تصرف غير صحيح في الأدلة، الأدلة إنما تُحْمَل على الغالب الأكثر.
ولو سألنا: ما هو الغالب الأكثر في الذين يموتون وعليهم الصيام؟
طلبة: الفرض.
الشيخ: أي الفرض؛ رمضان، أو كفارة أو ما أشبه ذلك.
فالصواب أن صوم رمضان إذا مات الإنسان وعليه الصوم فإنه يُقْضَى عنه.
لكن متى يكون عليه الصوم؟ نحن ذكرنا قبل قليل ثلاثة أقسام، ما هو الذي يلزمه الصوم؟
القسم الثاني وهو مَنْ أمكنه القضاء فلم يفعل، هذا هو الذي يلزمه الصوم، فإذا مات قلنا لوليه: صُم عنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
وإذا صام عنه وليه، فمن هو الولي؟ هل الولي مَنْ يتولى أمره كالأب مع ابنه البالغ أو مع بنته البالغة؟ أم ماذا؟
نقول: الولي هو الوارث، الولي هو الوارث.
والدليل على أن الولي هو الوارث قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (28) فذكر الأولوية في الميراث.
إذن الولي هو الوارث، وقيل: الولي هو القريب مطلقًا، ولكن الأقرب أنه الوارث، وحتى على القول بأنه القريب فيقال: أقرب الناس وأحق الناس به هم ورثته، وعلى هذا فيصوم الوارث.
هل يلزم إذا قلنا بالقول الراجح إنه يشمل الواجب بأصل الشرع والواجب بالنذر؛ هل يلزم أن يقتصر ذلك على واحد من الورثة؟ لأن الصوم هذا وجب على واحد فهل نقول: لا يصوم عنه إلا واحد؟
ننظر: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (26)، و (ولي) مفرد مضاف، فيَعُمُّ كل ولي، كل وارث.
فلو قُدِّر أن الرجل له خمسة عشر ابنًا وأراد كل واحد منهم أن يصوم يومين عن شهر ثلاثين يومًا، هل يجزئ؟
نعم، يجزئ لو صاموا، لو كانوا ثلاثين وارثًا وصاموا كلهم يومًا واحدًا، نعم، يجزئ لأنهم صاموا ثلاثين يومًا، ولا فرق بين أن يصوموها في يوم واحد أو إذا صام واحد صام الثاني اليوم الذي بعده حتى يتموا ثلاثين يومًا.
لو كان هذا في كفارة الظهار؛ عليه الصيام شهرين متتابعين، فهل يمكن أن يقتسمها الورثة؟
لا يمكن، لماذا؟ لاشتراط التتابع.
قد يقول قائل: ممكن، نجعل واحدًا يصوم ثلاثة أيام إذا أفطر صام الثاني ثلاثة أيام وهلم جرًّا حتى تتم، نقول: لكنه لا يصدق على واحد منهم أنه صام شهرين متتابعين، بل إنه صام الأيام التي صامها، وعليه فنقول: إذا وجب على الميت صيام شهرين متتابعين فإنه إما أن ينتدب لها واحد من الورثة ويصومها، وإما أن يطعموا عن كل يوم مسكينًا.
الثاني قال: (أو حج) مَنْ مات وعليه حجُّ نذر فإن وليُّه يحج عنه؛ لأن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أمها نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها قال: «نَعَمْ» (29).
وإذا كان حجَّ فريضة فكذلك أيضًا، حج الفريضة بأصل الإسلام ثابت؛ ففي حديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة قال: «مَنْ» قال: أخ لي أو قريب لي قال: «أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ» قال: لا.
قال: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» (30)، وكذلك أيضًا في حديثه في الصحيحين: أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن فريضةَ الله على عباده بالحج أدركتْ أبي شيخًا كبيرًا لا يثبُت على الراحلة، أفأَحُجُّ عنه قال: «نَعَمْ» (31)، فإذا جازت النيابة عن الحي لعدم قدرته على الحج فعن الميت من باب أولى.
ثالثًا: (أو اعتكاف) اعتكاف نذر، رجل نذر أن يعتكف الثلاثة الأيام من أول شهر جمادى الثاني، ولكنه لم يعتكف ومات، فإذا مات يعتكف عنه مَنْ؟ وليُّه؛ لأن هذا الاعتكاف صار دينًا عليه، وإذا كان دينًا فإنه يقضى كما يقضى دين الآدمي، وإذا كان اعتكافًا واجبًا بأصل الشرع؟
طلبة: ما في.
الشيخ: ما في، صح، إذن الاعتكاف لا يمكن أن يكون واجبًا إلا بالنذر.
ولهذا يقال: إن أحد الملوك نذر؛ قال: لله علي نذر أن أقوم بعبادة لا يشاركني فيها أحد، استفتى الناس قالوا: ما يمكن؛ لأنه ما تدخل في عبادة إلا ويمكن آخرون يكونون متلبسين بها، فسألوا عالمًا فطنًا فقال: يخلى له المطاف؛ يعني: بالكعبة، فإذا لم يطف بالكعبة إلا هو فقد تلبس بعبادة لا يشاركه فيها أحد لأنه ما في طواف مشروع إلا في الكعبة، أما الاعتكاف لأنه ربما ينذر أنه يعتكف في هذا المسجد ويكون غيره أيضًا قد اعتكف في مسجد آخر.
الرابع: (أو صلاة نذر) رجل نذر أن يصلي لله ركعتين، فمضى الوقت ولم يصلِّ ثم مات يستحب لوليه أن يُصَلِّيَ عنه؛ لأن هذا النذر صار دينًا في ذمته، والدين يقضى كدين الآدمي، وإن كان فريضة بأصل الشرع هل تُقْضَى؟ لا تقضى؛ لأن ذلك لم يَرِد.
وعلى هذا فالحج يقضى فرضًا كان أو نذرًا قولًا واحدًا، والصوم يُقْضَى إذا كان نذرًا، وإن كان فرضًا بأصل الشرع ففيه خلاف، والصلاة لا تُقْضَى قولًا واحدًا إذا كانت واجبة بأصل الشرع، وإن كانت واجبة بالنذر فإنها تقضى على ما قاله المؤلف وفهمتم دليلها.
بقي الاعتكاف لا يمكن أن يكون واجبًا بأصل الشرع، وإنما يجب بالنذر، فيعتكف عنه ولِيُّه، فإذا قال الولي: أنا لا أعتكف، لست ملزومًا، فماذا نصنع؟ أو قال: لا أصلي، نقول: ما فيه شيء، ما فيه بديل، ما فيه إطعام لا عن الاعتكاف ولا عن الصلاة.
طالب: يا شيخ، ذكرت حديث عائشة في تأخيرها الصيام، وأنها قالت: لا أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، أي أنها لا تستطيع شرعًا أن تؤخره إلى ما بعد رمضان، لا يمكنها ذلك، ما هو (... ) سبب تأخيرها إلى شعبان هو مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف؟
الشيخ: هذا عاد منها أو من أحد الرواة، فيها خلاف؛ هل هي مدرجة؟ أو من كلامها؟
الطالب: حتى إذا كانت مدرجة ما يستفاد منها؟ يعني الآن: نحن استفدنا من كلامها أنها لا تؤخره بعد رمضان بهذه الكلمات، ما يستأنس بهذه الكلمات أنها تَرُدُّ على مَن قال: لماذا تؤخِّرينه إلى شعبان.
الشيخ: هذا اعتذار.
الطالب: اعتذار؟
الشيخ: اعتذار، لكن لو كانت تستطيع أن تؤخره إلى بعد رمضان الثاني كان العذر موجودًا؛ مكان الرسول.
الطالب: يلزم أن تستوي؛ يعني: لن تصوم أبدًا.
(بابُ صومِ التَّطَوُّعِ)
يُسَنُّ صِيامُ أَيَّامِ البِيضِ، والاثنينِ والخميسِ، وسِتٍّ من شَوَّالٍ، وشهرِ الْمُحَرَّمِ- وآكَدُه العاشرُ ثم التاسعُ - وتِسعِ ذي الْحِجَّةِ، ويومِ عَرَفَةَ لغيرِ حاجٍّ بها، وأَفْضَلُه صَوْمُ يومٍ وفِطْرُ يَومٍ، ويُكْرَهُ إفرادُ رَجَبٍ والجمُعَةِ والسبْتِ والشكِّ، ويَحْرُمُ صومُ العِيدينِ ولو في فَرْضٍ، وصيامُ أيَّامِ التشريقِ إلا عَن دَمِ مُتعةٍ وقِراٍن، ومَن دَخَلَ في فَرْضٍ مُوَسَّعٍ حَرُمَ قَطْعُه،
في ذِمَّتِهِ، والدَّينُ يُقضَى كدَينِ الآدميِّ.
وإنْ كان فريضةً بأصل الشرع؟
طالب: لا تُقضى.
الشيخ: هل تُقضى؟
طلبة: (... ) لا.
الشيخ: لا تُقضى؛ لأن ذلك لم يَرِدْ، وعلى هذا فالحجُّ يُقضى فرضًا كان أو نَذْرًا قولًا واحدًا، والصومُ يُقضى إنْ كان نَذْرًا، وإنْ كان فرضًا بأصل الشرع ففيه خلافٌ، والصلاةُ لا تُقضى قولًا واحدًا إذا كانتْ واجبةً بأصل الشرع، وإنْ كانتْ واجبةً بنذرٍ فإنها تُقضى على ما قال المؤلف، وفَهِمتم دليلها.
بَقِي الاعتكاف، الاعتكافُ لا يُمْكن أنْ يكون واجبًا بأصل الشرع، وإنما يجب بالنذر، فيعتكفُ عنه ولِيُّه.
فإذا قال الولِيُّ: أنا لا أعتكفُ، لستُ مَلْزومًا.
فماذا نصنع؟ أو قال: لا أُصلِّي؟
نقول: ما فيه شيء، ما فيه بديل، ما فيه إطعام لا عن الاعتكاف ولا عن الصلاة.
طالب: يا شيخ، ذكرتَ حديث عائشة لتأخيرها الصيام وأنها قالتْ: لا أستطيع أنْ أقضيه إلا في شعبان.
أي إنها لا تستطيع شرعًا أنْ تؤخِّره إلى ما بعد رمضان، لا نُنكر هذا، ما هو علَّلتْ سبب تأخيرها إلى شعبان لمكانة الرسول صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: كيف.. ؟
الشيخ: هذا منها أو مِن أحد الرواةِ، فيها خلافٌ؛ هلْ هي مُدرَجةٌ أو من كلامها.
الطالب: حتى إن قلت: مُدرجة، لا يُستفاد منها؛ يعني الآخِر استفدنا من كلامها أنها لا تؤخِّره بعد رمضان.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ما يُستأنس بهذه الكلمة (... ) أنها تبغي تردُّ على مَن قال: لماذا تؤخِّريه؟
الشيخ: إي نعم، هذا اعتذار منها، لكنْ لو كانتْ تستطيع أنْ تؤخِّره إلى بعد رمضان الثاني كان العُذر موجودًا؛ مكان الرسول.
طالب: (... ) تستوي يعني، لن تصوم أبدًا..
الشيخ: أنا أقول: إنها بالنسبة للرسول حُسن مُعاشرةٍ فقط، لكن لا يمنع مِن وجوب القضاء.
طالب: يا شيخ، في مسألة المرأة، أن المرأة إذا (... )؟
الشيخ: إذا أيست.
الطالب: إذا هي يائسة.
الشيخ: يائسة، أما إذا لم تيأس تنتظر.
الطالب: (... ).
الشيخ: ما (... )؟
الطالب: (... ) أن الشيخ الكبير (... ) الشيخ الكبير قد يئس من (... )، أمَّا المرأة قد يئست يعني تُسيء لزوجها نفسه.
الشيخ: (... ) عيال؟
الطالب: ما هو (... ).
الشيخ: ولكن نقول: لا تطلبون الأولاد، شرعًا.
طالب: (... ).
الشيخ: شرعًا.
طالب: بس فيه فَرْق.
الشيخ: هو صحيح فيه فَرْق؛ أنها ربما تندم فيما بعد، ربما لا يُقدِّر الله أنْ تَحمِل، و (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، لا، هذا لا يُرجَى زوالُه، إذا كان امرأةٌ كلَّ سَنَةٍ تَحمِل، وهي إمَّا حاملٌ ولَّا مُرضِع، إذا جاء رمضان تُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا.
طالب: شيخ، ذكرتم -بارك الله فيكم- أنَّ مَن مات يجوز أن يُحَجَّ عنه نفلًا أو فرضًا.
الشيخ: ما ذكرْنا نفلًا.
الطالب: يعني نذرًا.
الشيخ: إي، قُلنا فرضًا بأصلِ الشرعِ أو نذرًا.
الطالب: وهلْ يجوز نفلًا يا شيخ؛ أنْ يَحُجَّ الرجُل عن أبيه مَثَلًا؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: دليلُ الفرضِ معروفٌ وهو حديثُ الخثعمية، فما دليلُ جواز النفْلِ يا شيخ؟
الشيخ: أنَّ الأصل أنَّ ما جازَ في الفرضِ جازَ في النفْلِ إلا بدليلٍ، ثم حديثُ ابنِ عباسٍ في قصة الرجل اللِّي قال: لبَّيك عن شُبرمة، ما قال: هل هو نفْلٌ أو فرضٌ؟
لكن بقينا فيما إذا استنابَ شخصٌ غيرَه في حجِّ نفلٍ (... ).
أيش؟
طالب: أنَّ مَن مات وعليه صومٌ يُقضَى عنه بالإطعام.
الشيخ: إي نعم؛ لأنَّه تعذَّر الصومُ، وإذا تعذَّرَ الصومُ في الكِبَر فقد ثبتَ أنَّ فيه إطعامًا، فهذا مِثْله.
طالب: يا شيخ، من انقطع عنه التكليف ليش يختلف عن الرجُل؟
الشيخ: لا، (... ) في ذِمَّتِهِ دَيْن، دَيْنٌ في ذِمَّتِهِ.
طالب: قلنا: إنَّ مَنْ ماتَ وعليه اعتكافُ نَذْرٍ أو صلاةُ نَذْرٍ فإنه يُستحبُّ لوَلِيِّهِ أنْ يَقضي عنه.
أليس الأصلُ في العبادات منع القياس؟ ! فكيف يصِحُّ قياسُ الاعتكافِ مَثَلًا على دَيْنِ الآدميِّ؟
الشيخ: إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قاسَ في العباداتِ على أُمُورٍ عاديَّات (... )؛ قال: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ؟ »، وهذا الاعتكافُ المنذورُ صارَ دَيْنًا عليه، فهو إلى الحجِّ المنذور أقربُ من الدَّيْنِ.
طالب: شيخ، جمع التقديم في الصلاة؟
طالب آخر: إذا فرضْنا عليه القضاء وهو يستطيعُ الصوم، فكلَّما قيل له أنْ يصوم قال: لا، أُريد إذا متُّ يقضي هذا (... ) يُطعِم مسكينًا؟
الشيخ: الظاهر أنَّ هذا لا يُجزِئه؛ لا يُجزِئُ الإطعامُ عنه، هو لو قال: إنَّ الأمرَ واسعٌ.
لا بأسَ، أمَّا أن يقول: لا، أتركُ الصومَ لأجْلِ أن يُطعَمَ عنِّي.
هذا ما يصِحُّ.
طالب: قول عائشة أليسَ فيه دليلٌ على أنَّ القضاء يكون واجبًا بالفوريَّة؛ قولها: لا أستطيعُ، فنقول: الذي لا يستطيعُ يقضي عند الاستطاعة.
الشيخ: عند الاستطاعة.
طالب: أليسَ فيه دليلٌ على الفوريَّة؟
الشيخ: بارك الله فيك.
ما تقولون في هذا الإيراد؟
طالب: (... )؟
الشيخ: يقول: أليسَ في حديث عائشة: فما أستطيعُ أنْ أقْضِيَهُ إلَّا في شعبانَ، أليسَ فيه دليلٌ على الفوريَّة في القضاء؟
طالب: (... ).
الشيخ: هل يَرِدُ علينا هذا؟
طالب: لا (... ).
الشيخ: لو كان واجبًا شرعًا ما مكَّنها الرسولُ عليه الصلاة والسلام من تَرْكِهِ.
طالب: قولها: لا أستطيع.
الشيخ: ما هو استطاعة بَدَنِيَّة، مِن أجْل مراعاةِ الرسولِ عليه الصلاة والسلام، مِن أجْل الرسول.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، هذا سواءٌ منها أو مِن بعض الرواة، لكنْ لا شكَّ أنه لو كان واجبًا على الفورِ ما مكَّنها الرسولُ أن تؤخِّر.
طالب: شيخ، بالنسبة للإطعام، مَنْ أخَّرَ الصيامَ إلى رمضان آخَر، وَرَدَ عنْ أبي هريرةَ وابنِ عباسٍ (... ) قول الصحابي (... ) التعارض (... ).
الشيخ: إي نعم، بلى نقولُ، على خلافٍ في هذا، لكنْ نقولُ: نحن نرى هذا.
طالب: (... ).
الشيخ: إلَّا أنَّ هذا عُورِضَ بظاهر النصِّ، وفيه احتمالٌ أنْ يكون على سبيل التطوُّع، ما هو على سبيل الوجوب.
طالب: وزيادة يا شيخ، زيادة على النَّصِّ.
الشيخ: زيادة على النَّصِّ ما نَقْبل، إذا كان الله تعالى ذكر في مَعْرِضِ البيانِ الواجبِ أنَّ عليه عدةً من أيامٍ أُخَر ولم يَذْكر غيرها، فنقول: ما وَرَدَ عن هذينِ الصحابيَّينِ إنما هو على سبيل الاستحباب إذا صحَّ عنهما، مع أنَّ المسألة -واللهِ- في نفسي منها شيء.
طالب: طريق الإجماع يا شيخ؛ أنَّه لم يُعارض.
الشيخ: لا، ما فيه إجماع، والإجماع يكون إذا اشتهرَ القولُ ولم يُنْكَر؛ مِثْل حديثِ عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حكايةِ التشهُّد؛ لَمَّا حكى على المنبرِ التشهُّدَ قال: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ.
وكان هذا بعد وفاةِ الرسولِ، ولم يُنْكِر عليه أحدٌ، وبه استدْلَلْنا على أنَّ قول ابن مسعودٍ رضي الله عنه تفقُّهٌ من عنده، لكن مخالفٌ للنصِّ؛ لأنهم كانوا في حياة الرسول يقولون: السلامُ عليك، وبعد موته: السلامُ على النبي.
يقول: لقدْ وَرَدَ حديثٌ في قِيام الليل: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ».
إلى قوله: «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ».
هل يُقال: «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» اقتداءً بالرسول، أو يُقال: وأنا من المسلمين؟
الجواب: يقال: «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» كما جاء في الحديث، والأوَّليةُ هنا ليست أوَّليةَ زَمَنٍ، إنما هي أوَّليةُ انقيادٍ، والمعنى: إنَّني لا أُنْكِر ذلك، بلْ أستسلِمُ لله.
طالب: صلاة (... ).
[باب صوم التطوع]
طالب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال رحمه الله تعالى:
بابُ صومِ التطوُّع
يُسَنُّ صِيامُ أيامِ البِيضِ، والاثنينِ والخميسِ، وسِتٍّ من شوال، وشهرِ المحرَّم، وآكَدُهُ العاشرُ ثم التاسعُ، وتسعِ ذي الحِجَّةِ، ويومِ عرفةَ لغيرِ حاجٍّ بها، وأفْضَلُهُ صومُ يومٍ وفِطْرُ يومٍ.
ويُكْرَهُ إفرادُ رجب، والجمعةِ، والسبتِ، والشكِّ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
رجلٌ عليه صومٌ من رمضان فلَمْ يَصُمْه إلا في شوال من السَّنةِ الثانيةِ، ما الحكم؟
طالب: من السَّنةِ الثانيةِ، عليه القضاءُ وعليه الكفَّارةُ، إذا كان من السَّنة الثانية.
الشيخ: إي، أنا أقول: من السَّنة الثانية، فما الحكم؟
الطالب: الحكم: عليه القضاءُ وعليه الكفَّارةُ.
الشيخ: مَن يعرف؟
طالب: هذا على المذهب، أمَّا القولُ الراجحُ فإنه عليه القضاءُ فقط؛ لأن الشرع لم يجز سوى القضاء، والدليل الذي..
الشيخ: اصبر، هذا خطأ، وجواب الأخ خطأ.
طالب: (... ) يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: (... ) هو عليه أن يُطعِم مسكينًا لكلِّ يوم.
الشيخ: خطأ.
طالب: ذكرْنا في المسألة ثلاثةَ أقوالٍ: قول المذهب، وقول (... ).
الشيخ: خطأ.
طالب: (... ) إذا كان لعُذرٍ عليه القضاء، وإذا كان لغير عُذرٍ في المذهب أنه عليه القضاءُ والكفَّارةُ، والقول الراجح أنَّه فقط عليه القضاء.
الشيخ: يعني مع الإثم.
الطالب: مع الإثم.
الشيخ: هذا هو الصحيح، ولاحِظوا يا جماعة أنَّ الشيء اللي يحتاج إلى تفصيل لا بُدَّ أن تفصِّل حتى يكون الجوابُ مبنيًّا على أصْل.
هلكَ هالكٌ عن بنتٍ وأخٍ وعمٍّ شقيقٍ، كيف نقسمها؟
طالب: نسأل الأول يا شيخ: هذا أخٌ لأمٍّ أمْ أخٌ لغيرِ أمٍّ؟ إنْ كان أخًا لأمٍّ يسقط.
الشيخ: فللبنتِ النصفُ، والباقي للعمِّ الشقيق.
الطالب: وإنْ كان الأخُ لغيرِ أمٍّ نقول..
الشيخ: يعني أخًا شقيقًا أو لأبٍ، فللبنت النصف.
الطالب: والباقي للأخ، ويسقط العمُّ.
الشيخ: انظر الآن، التفصيل لا بدَّ منه في المقام الذي يحتاج إلى تفصيلٍ لئلَّا تغلط.
الآن لو هذا الميت خلَّفَ ألف مليون، كان للبنت خمس مئة مليون، يبقى خمس مئة مليون لمن؟ من جهة الأخِ أخطأتَ ومن جهة العمِّ أخطأتَ حتى تفصِّل؛ فالشيءُ الذي يحتاج إلى تفصيلٍ لا بدَّ من التفصيل فيه.
إذَن الخلاصة إذا كان تأخيرُهُ قضاءَ رمضان إلى السَّنة الثانية لعُذرٍ فلا شيءَ عليه إلا القضاء، وإذا كان لغير عُذرٍ فهُنا يأتي الخلاف.
طالب: محلُّ الخلاف: منهم مَن قال: إنَّ عليه القضاءَ وعليه إطعامًا؛ عن كلِّ يوم مسكين.
ومنهم مَن قال: إنَّ عليه الإطعامَ دون القضاء.
الشيخ: كيف؟
الطالب: أنَّ عليه الإطعام؟
الشيخ: ما أدري، ما علِمناه.
الطالب: لغير عُذر؟
الشيخ: لغير عُذر.
الطالب: ومنهم مَنْ قال: إنَّ عليه القضاءَ دون الإطعام.
وهو الصحيح، وهو الراجح.
الشيخ: وعليه إثم ولّا ما عليه؟
الطالب: عليه إثم؛ لأنه أخَّره لغير عُذر.
الشيخ: لأنه لغير عُذر، والصحيح أنه لا شيءَ عليه إلا القضاء.
ماتَ إنسانٌ وعليه صومُ رمضان، فما صورةُ المسألة؛ أن يموت إنسانٌ وعليه صومُ رمضان؟
طالب: يُقضى عنه.
الشيخ: إي، لكنْ ما صورتُها؛ مِثال.
الطالب: إنْ كان مريضًا مرضًا يُرجى بُرْؤُه، ثم شُفِيَ ولم يَقْضِ فماتَ؛ يَقضِي ولِيُّهُ عنه.
الشيخ: أحسنت، وجوبًا أو استحبابًا؟
الطالب: استحبابًا.
الشيخ: استحبابًا، كيف نقول: إنه استحبابٌ مع قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»؟
طالب: لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].
الشيخ: لقوله: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
ولو قُلنا: وجوبًا، لَلَزِمَ أنْ نؤثِّمَهُ إذا لم يَصُمْ، فيكون آثمًا بفعلِ غيرِهِ.
إذا لَمْ يَصُم الولِيُّ؛ قال لنا: لستُ بصائم؟
طالب: (... ).
الشيخ: إنْ كان خلَّفَ مالًا وجبَ أن يُطعَم عنه مِن تَرِكَتِهِ لكلِّ يومٍ مسكينٌ، وإنْ لم يُخلِّف مالًا؟
طالب: سقط عنه.
الشيخ: سقط، صحيح.
طالب: الولِيُّ له أن يستأجر مَن يصوم؟
الشيخ: ما تقولون؟ يقول: هل للولِيِّ أنْ يستأجر مَن يصوم؛ يقول: يلَّا يا فلان، تعالَ صُمْ كلَّ يومٍ بكذا وكذا من الدراهم؟
الجواب: لا؛ لأن مسائل القُربِ لا يصِحُّ الإيجار عليها.
رجلٌ نَذَرَ أنْ يُصلِّي ركعتينِ، ولكنه ماتَ قبل أن يُصلِّي؟
طالب: لِيَقْضِ عنه ولِيُّهُ.
الشيخ: وجوبًا أو استحبابًا؟
طالب: (... )؛ لأن صلاة النافلة تُقضى عنه، أمَّا صلاة الفريضة بأصل الشرع لا تُقضى عنه.
الشيخ: لكن وجوبًا؟
الطالب: استحبابًا.
الشيخ: استحبابًا، فإنْ لَمْ يفعلْ؟
الطالب: يأثم.
الشيخ: يأثم؟ ! إذَنْ وجوبًا.
طالب: لأنها لنْ تبرأ ذِمَّةُ الميتِ إلا وصلاتُه..
الشيخ: (... ) من الميت، إذا أوجب عليه إنسانٌ شيئًا يكون واجبًا عليَّ أنا؟
طالب: يبقى استحبابًا لا يأثم.
الشيخ: المهمُّ الآن: رجلٌ نَذَرَ أنْ يُصلِّي ركعتينِ فلَمْ يُصَلِّ حتى ماتَ، فهل يُصلِّي عنه ولِيُّهُ أو لا؟
طالب: يُصلِّي عنه ولِيُّهُ.
الشيخ: وجوبًا؟
طالب: إذا كانت صلاة في أصل الشرع لا..
الشيخ: ما هي صلاة أصل، قلتُ: نَذَرَ.
طالب: صلاة نَذْرٍ فيصومُ وجوبًا.
الشيخ: ما هو يصوم، ما أنا قلتُ: يصوم.
وجوبًا ولَّا استحبابًا؟
طالب: وجوبًا.
الشيخ: وجوبًا، كيفَ يكون وجوبًا وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؟ فهو أوجبَ على نفسِهِ شيئًا، فكيف يجبُ عليَّ أنا؟ واضحة الآية؛ ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
طالب: يبقى استحبابًا، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، يبقى استحبابًا.
الشيخ: استحبابًا؟ ما تقولون؟ وما هو الدليل على استحبابه؟
طالب: الاستحباب.
الشيخ: إي نعم، استحباب قضاءِ صلاةِ الركعتينِ المنذورتينِ.
الطالب: لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
الشيخ: إحنا الآن في الصلاة، إي نعم.
طالب: قياسًا على الصوم.
الشيخ: قياسًا على الصوم، وهلْ في العبادات قياسٌ؟
طالب: لا.
الشيخ: إذَن؟
طالب: هُم قالوا بالقياس.
الشيخ: قياسًا على الصوم؟ لكنْ ما فيه دليل يؤيِّد هذا القياس.
طالب: (... ) حديث: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (... ).
الشيخ: لا، ما نقصد الصيام يا إخواني.
الطالب: الصلاة يعني نقيسها على الصيام.
الشيخ: الصلاة.
الطالب: نقيسها على الصيام.
الشيخ: هذا كلام الأخ؛ قلنا: (... ) قياس، قال: لا، فطلبْنا منه دليلًا واضحًا على القياس في هذه المسألة.
طالب: (... ) النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ» (... ).
الشيخ: سألت امرأةٌ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنَّ أُمَّها نَذَرَتْ صومَ شهرٍ، فلمْ تَصُمْ حتى ماتتْ، أفتصومُ عنها؟ قال: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ ». قالت: نعم.
قال: «اقْضُوا اللَّهَ»، فجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم النذر دَيْنًا، وإذا كان دَيْنًا وقد قاسَ الرسولُ عليه الصلاة والسلام دَيْنَ اللهِ على دَيْنِ الآدميِّ نقول: لا فَرْقَ بين دَيْنِ الصيامِ ودَيْنِ الصلاةِ؛ لعموم الحديث.
وقال بعض العلماء: إنَّ الصلاة والاعتكاف لا يُقْضَيانِ؛ لأنهما عبادتانِ بدنيَّتانِ لا يجبانِ بأصل الشرع، فلا يُقْضَيانِ، والمسألة محتملة؛ يعني أن التعليلات فيها متكافئة عندي، وكنتُ أَمِيلُ من قَبْلُ إلى أنها لا تُقضى -الاعتكاف ولا الصلاة- لأنها عبادةٌ لم تجبْ بأصل الشرع، لكنِّي تردَّدتُ الآن: هلْ تُقْضَى أو لا تُقْضَى؟
أمَّا الصومُ فواضحٌ، والحجُّ واضحٌ جاءتْ به السُّنَّة.
وأمَّا الاعتكافُ والصلاةُ فمَنْ أخذَ بعمومِ «أَرَأَيتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ؟ » قال: يُقضَى؛ لأن هذا نَذْرٌ، والنذرُ جعله النبيُّ عليه الصلاة والسلام مِن الدَّيْنِ، فيُقضى.
ومَن قال: إنه عبادةٌ لم يكنْ لها وجوبٌ بأصل الشرع فلا تُقاس، قال: لا يُقضى.
وعلى هذا فيكون الاحتياطُ أيش؟
طالب: القضاء.
الشيخ: القضاء.
نَذَرَ شخصٌ أن يصوم شهر محرَّم فماتَ في ذي الحِجَّة؟
طالب: لا شيء عليه.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: كالذي ماتَ قبل أنْ يأتي رمضان.
الشيخ: لأنه عيَّنَ وقتًا لَمْ يُدرِكه؛ رجلٌ نَذَرَ أنْ يصوم شهر محرَّم ولكنه مات في ذي الحجة، فهل يُقضى عنه؟ نقول: لا؛ لأنه مات قبل أنْ يُدرِك زمنَ الوجوب، كمَنْ ماتَ قبل أن يُدرِك رمضان.
نبدأ الآن بصوم التطوُّع، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (بابُ صَوْمِ التطوُّع).
(صوم) مضافٌ، و (التطوُّع) مضافٌ إليه، والإضافة هُنا لبيانِ النوع؛ وذلك أنَّ الصومَ نوعانِ: فريضةٌ، وتطوُّع، وكلاهما بالمعنى العامِّ يُسمَّى تطوُّعًا؛ فإن التطوُّعَ فِعْلُ الطاعةِ، لكنَّه يُطْلَق غالبًا على الطاعة التي ليستْ بواجبةٍ، وإلَّا فإنَّ الأصلَ أنَّ التطوُّع يشمل الطاعةَ الواجبةَ والمستحبَّةَ، وبناءً على ذلك نقول: لا مُشاحَّة في الاصطلاح.
فإذا كان الفقهاء -رحمهم الله- جعلوا التطوُّع في مقابل الواجب، فهذا اصطلاحٌ ليس فيه محذورٌ شرعيٌّ، فيُمشَى عليه ويُقال: صلاةُ التطوُّعِ: كلُّ صلاةٍ ليستْ بواجبةٍ.
صومُ التطوُّع: كلُّ صومٍ ليس بواجب.
إذَنْ (صوم التطوُّع) يعني الصوم الذي ليس بواجب.
واعلم أنَّ مِن رحمة الله وحِكْمته أنْ جعلَ للفرائض ما يُماثلها من التطوُّع، وذلك من أجْل ترقيعِ الخلل الذي يحصُل في الفرائض من وجهٍ، ومن أجْل زيادة الأجرِ والثوابِ للعاملين من وجهٍ آخر؛ لأنه لولا مشروعيةُ هذه التطوعات لكان القيامُ بها بدعةً مُضِلَّةً، ولكنْ مِن نعمة الله أنْ شَرَعَ لعبادِهِ هذا التطوُّع.
وقد جاء في الحديث أنَّ التطوُّعَ تَكْمُل به الفرائضُ يوم القيامة.
ثم إنَّ صوم التطوُّع سَرَده المؤلف سردًا عامًّا بدون تفصيل، ولكنه ينقسم في الواقع إلى قِسْمينِ: تطوُّع مُطْلَق، وتطوُّع مُقَيَّد، والتطوُّع المقيَّد أَوْكَدُ من التطوُّع المطْلَق، كالصلاة أيضًا؛ التطوُّع المقيَّد أَفْضلُ من التطوُّع المطْلَق.
يقول المؤلف: (يُسَنُّ صيامُ أيامِ البِيضِ).
(يُسَنُّ) وهُنا نطلب أمرينِ: الأمر الأول: ثبوتُ استحبابها، والثاني: أنها ليستْ بواجبة.
أمَّا كونها ليستْ بواجبةٍ فلأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ أركانَ الإسلامِ وذَكَرَ منها صومَ رمضان دون غيره، وقد سأله الأعرابيُّ، بلْ سأله جبريل عليه الصلاة والسلام عن أركانِ الإسلامِ، فبيَّنَ له أنَّ منها صيام رمضان، ولا يجبُ سواه، اللهم إلا بنَذْرٍ.
وأمَّا استحبابُ صيامِها فنقول: إنَّ استحبابَ صيامِها لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أخبرَ أو أَمَرَ أنْ يُصامَ اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر.
وسُمِّيتْ بِيضًا لابْيِضَاضِ لياليها بنورِ القمر، ولهذا يُقال: أيامُ البِيضِ؛ يعني أيام الليالي البِيض، ما هو البِيض وصف للأيام، بلْ وصفٌ للَّيالي؛ لأنها بنور القمرِ صارتْ بيضاء.
أيامُ البِيض هي: اليومُ الثالث عشر، واليومُ الرابع عشر، واليومُ الخامس عشر، وهي تُغنِي عن صيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ الذي قال فيه النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «صِيامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ»؛ لأن الحسنةَ بعَشْرِ أمثالِها؛ فثلاثةُ أيامٍ بثلاثينَ حسنةً عن شهرٍ، وكذلك الشهرُ الثاني والثالث، فيكون كأنَّما صامَ السَّنَةَ كُلَّها، وكان النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصوم ثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ؛ تقول عائشة: لا يُبالي أصامَها مِن أوَّلِ الشهرِ أو وَسَطِهِ أو آخِرِه.
فهاهُنا أمرانِ:
الأمر الأول: استحبابُ صيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ سواءٌ في أوَّلِ الشهرِ أو وَسَطِهِ أو آخِرِه، وسواءٌ كانت متتابعة أم متفرِّقة.
الثاني: أنه ينبغي أنْ تكون هذه الأيامُ في أيامِ البِيض: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر؛ فتعيينها في أيام البِيض كتعيينِ الصلاةِ في أوَّل وقتِها؛ يعني أَفْضل وقتٍ للأيام الثلاثة هو أيام البِيض، ولكنْ مَن صامَ الأيامَ الثلاثةَ في غير أيام البِيض حَصَلَ على الأجْرِ وحَصَلَ له صيامُ الدهر.
الثاني: يقول: صوم يوم (الاثنين والخميس).
وصوم الاثنين أَوْكَدُ من صوم الخميس، فيُسَنُّ للإنسان أنْ يصومَ يَوْمَي الاثنينِ والخميسِ من كلِّ أسبوع، وقد علَّلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك بأنَّهما يومانِ تُعرَض فيهما الأعمالُ على الله عز وجل، قال: «فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ».
وسُئل عن صومِ الاثنينِ فقال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ» أو «أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ»، فبيَّن الرسولُ عليه الصلاة والسلام أنَّ صيامَ يوم الاثنين مطلوبٌ، وعلى هذا فيُسَنُّ صيامُ يومينِ من كلِّ أسبوعٍ هما يوم الاثنين والخميس.
نستعرضُ أيامَ الأسبوعِ الآن:
صيامُ يوم الثلاثاء والأربعاء ليس بسُنَّة ولا مكروه، ليس بسُنَّةٍ؛ يعني على التعيين، وإلَّا فهو سُنَّةٌ مُطْلَقة؛ يُسَنُّ للإنسانِ أنْ يُكثِر من الصيام، لكنْ لا نقول: يُسَنُّ أنْ تصومَ يوم الثلاثاء.
ولا: يُسَنُّ أنْ تصومَ يوم الأربعاء.
ولا يُكره ذلك.
الجمعة؟
طالب: مكروه.
الشيخ: لا يُسَنُّ صومُ يومها، ويُكره أنْ يُفْرَدَ بصومٍ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ تَصُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ».
ولأنَّه قال لإحدى أُمَّهاتِ المؤمنين وكانتْ صامتْ يوم الجمعة: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟ ». قالت: لا.
قال: «أَتَصُومِينَ غَدًا؟ ». قالت: لا.
قال: «فَأَفْطِرِي».
فدلَّ ذلك على أنَّ يوم الجمعة لا يُفْرَدُ بصومٍ، بلْ قد وَرَدَ النهيُ عن ذلك؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيامٍ وَلَا لَيْلَتَهَا بِقِيَامٍ».
السبت؟
السبتُ قيل: إنه كالأربعاء والثلاثاء يُباح، وقيل: إنه لا يجوز إلَّا في الفريضة، وقيل: إنه يجوز لكنْ بدون إفراد، والصحيح أنَّه يجوز بدون إفرادٍ؛ يعني: إذا صُمْتَ معه الأحدَ أو صُمْتَ معه الجمعةَ فلا بأس.
وأمَّا الحديثُ الذي رواه أبو داود: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ شَجَرٍ -يعني - فَلْيَأْكُلْهُ».
فهذا الحديثُ مختلَفٌ فيه؛ هلْ هو صحيحٌ أو ضعيفٌ؟ وهلْ هو منسوخٌ أو غيرُ منسوخٍ؟ وهلْ هو شاذٌّ أو غيرُ شاذٍّ؟ وهل المرادُ بذلك إفرادُهُ دون جمعِهِ إلى الجمعة أو الأحد؟
وأصحُّ الأقوالِ في ذلك أنَّ المنهيَّ عنه هو إفرادُهُ، وأمَّا إذا ضُمَّ إلى يوم الجمعةِ أو ضُمَّ إليه يومُ الأحدِ فإنه لا كراهةَ فيه، والدليل ما ذكرتُهُ لكم آنفًا؛ حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام للمرأة: «أَتَصُومِينَ غَدًا؟ ».
ويش باقي عندنا؟ الأحد.
الأحد استحبَّه بعضُ العلماء؛ استحبَّ أنْ يصومه الإنسانُ، وكرهه بعضُ العلماء.
أمَّا مَن استحبَّه فقال: لأنه يومُ عيدٍ للنصارى، ويومُ العيدِ يكون يومَ أكلٍ وسرورٍ وفَرَحٍ، فالأفضلُ مخالفتُهم وصيامُ هذا اليوم.
وقال بعضُ العلماء: بلْ يُكره أنْ يصومه وحْدَه.
لماذا؟ قال: لأنَّ الصومَ نوعُ تعظيمٍ للزمن، وإذا كان يومُ الأحدِ يومَ عيدٍ للكفَّارِ فصومُهُ نوعُ تعظيمٍ له، ولا يجوز أن نعظِّم ما يُعظِّمه الكفَّارُ على وجْهِ أنه شعيرةٌ من شعائرهم.
فصارَ الآن الثلاثاء والأربعاء، حُكم صومِهما أيش؟
طالب: الكراهة.
الشيخ: الجوازُ، لا يُسَنُّ تعيينهما ولا يُكره.
والجمعةُ والسبتُ والأحدُ يُكره إفرادُها، وأمَّا ضمُّها إلى ما بعدها فلا بأس.
وأمَّا الاثنين والخميس فصومُهما سُنَّة.
قال: وصوم (الاثنين والخميس) وصوم (ستٍّ من شوال).
لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ»، فيُسَنُّ للإنسان أنْ يصوم ستَّةَ أيامٍ من شوال.
قال الفقهاء رحمهم الله: والأفضلُ أنْ تكون بعد يوم العيدِ مباشرةً؛ لِمَا في ذلك من السبْقِ إلى الخيرات، والأفضلُ أن تكون متتابعةً؛ لأنَّ ذلك أسهلُ غالبًا، ولأنَّ فيه سبقًا لفِعْل هذا الأمر المشروع.
فعليه يُسَنُّ أنْ يصومها في اليوم الثاني من شوال ويُتابعها حتى تنتهي، وهي طبعًا ستنتهي في اليوم الثامن من شهر شوال، صح؟
طلبة: السابع.
طلبة آخرون: الثامن.
الشيخ: في اليوم الثامن.
طلبة: الثامن
طلبة آخرون: السابع.
الشيخ: نهايتُها السابع، والثامن إفطار، هذا اليوم الثامن يُسمِّيه العامَّة عندنا: عيد الأبرار؛ يعني الذين صاموا ستَّةَ أيامٍ من شوال، ولكن هذا بدعة، فهذا اليوم ليس عيدًا للأبرار ولا للفُجَّار.
ثم إنَّ مقتضى قولِهم أن مَنْ لم يصُمْ ستَّةَ أيامٍ من شوال فليس من الأبرار، وهذا خطأ؛ الإنسان إذا أدَّى فَرْضَهُ فهذا برٌّ بلا شك، وإنْ كان بعضُ البِرِّ أكملَ من بعض، ثم إنَّ السُّنة أن يصومَها بعد انتهاء رمضان لا قَبْل، وعلى هذا فمَنْ عليه قضاءٌ ثم صام الستة قبل القضاء فإنه لا يحصُل على ثوابها؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ»، ومَن كان عليه شيء منه فإنه لا يصح أن يُقال: إنه صام رمضان، بلْ صام بعضَه.
وليست هذه المسألة مبنيَّة على الخلاف في صوم التطوع قبل القضاء؛ لأن هذا التطوع -أعني صومَ الستِّ- قيَّده النبي صلى الله عليه وسلم بقيدٍ، وهو أن يكون بعد رمضان.
وقد توهَّم بعض الناس فظنَّ أنه مبنيٌّ على الخلاف في صحة صوم التطوع قبل قضاء رمضان، وأظن أنكم عرفتموه مِن قَبْل وأنَّ فيه خلافًا، وأنَّ الراجحَ جوازُ صوم التطوع قبل قضاء رمضان وصحته ما لم يَضِق الوقتُ عن القضاء.
ومما يُسَنُّ أيضًا صيامُ (شهر المحرم).
شهرُ المحرَّم هو الذي يَلِي شهرَ ذي الحجَّة، وهو الذي جعله الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول شهور السَّنة، وصومُه أفضل الصيام بعد رمضان كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ».
واختلف العلماء -رحمهم الله- أيهما أفضل: شهر المحرَّم أو شهر شعبان؛ فقال بعض العلماء: شهر شعبان أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه كلَّه أو إلَّا قليلًا منه، ولم يُحفَظ أنه كان يصوم شهر المحرَّم، لكنه حثَّ على صيامه بقوله: إنه «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ».
قالوا: ولأن صوم شعبان ينزل منزلة الراتبة قبل الفريضة، وصوم المحرم ينزل منزلة النفْل المطْلَق، ومنزلةُ الراتبةِ أفضل من منزلة النفْل المطْلَق.
وعلى كلِّ حالٍ فهذانِ الشهرانِ يُسَنُّ صومُهما: شعبان، والمحرَّم.
قال: (وآكَدُهُ العاشرُ ثم التاسعُ).
(آكده العاشر) لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: «أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ»، فهو آكَدُ من التاسع وآكَدُ من بقية الأيام.
ثم يليه (التاسع) لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَئِنْ بَقِيتُ» أو «لَئِنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» يعني مع العاشر.
وهل يُكره إفراد العاشر؟
قال بعض العلماء: إنه يُكره؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ، خَالِفُوا الْيَهُودَ».
وقال بعض العلماء: إنه لا يُكره، ولكنه لا يحصُل على الأجر التامِّ إذا أَفْرده.
إذَن صوم العاشر أَوْكد من التاسع، وأَوْكد من بقية الأيام.
فإن قال قائل: ما هو السبب في كون يوم العاشر آكَد أيامِ محرَّم؟
قلنا: السبب في ذلك أنه اليوم الذي نَجَّى الله فيه موسى وقومَه، وأهلكَ فرعونَ وقومَه.
وفي هذا الحديث الذي قاله الرسول عليه الصلاة والسلام دليلٌ على أنَّ التوقيت كان في الأمم السابقة بالأَهِلَّةِ وليس بالصورة الإفرنجية؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبرَ بأن اليوم العاشر من محرَّم هو الذي أهلكَ اللهُ فيه فرعونَ وقومَه ونَجَّى موسى وقومَه.
قال: (وآكدُهُ العاشِرُ ثم التاسِعُ).
ويُسَنُّ أيضًا صومُ (تسعِ ذي الحجَّة).
(تسع ذي الحِجَّة) بالكسر أفصح من (الحَجَّة) بالفتح، و (القَعدة) بالفتح أفصحُ من (القِعدة) بالكسر، فـ (القَعدة) مفتوحة و (الحِجة) مكسورة على الأفصح.
تسع ذي الحجة تبدأُ من أول يومٍ من ذي الحجة، وتنتهي باليوم التاسع وهو يوم عرفة، ودليل استحبابها قولُ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ»، والصومُ من العمل الصالح.
فأمَّا ما رُوي من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم العَشْر فهذا إخبارُ الراوي عن عِلْمه، وقول الرسول مقدَّم على شيء لم يعلمه الراوي، وقد رجَّح الإمام أحمد -رحمه الله- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم العَشْر؛ عَشْرَ ذي الحِجة، فإنْ ثبت هذا فهو المطلوب، وإنْ لم يَثْبت فإن صيامها داخل في عموم الأعمال الصالحة التي قال فيها الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ».
قال: (وآكَدُهُ يومُ عرفة).
(آكَدُهُ) أي: آكَدُ تسعِ ذي الحجة صيامُ يومِ عرفة.
(آكَدُهُ يومُ عرفة لغيرِ حاجٍّ بها) يومُ عَرَفة هو اليوم التاسع، وإنما كان آكَدَ أيامِ العشر لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سُئل عن صوم يوم عرفة فقال: «أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ والسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ»، وعلى هذا فصومُ يوم عرفة أفضلُ من صوم عاشوراء؛ لأن صوم عاشوراء قال فيه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» فقط، أمَّا هذا فقال: «السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ والَّتِي بَعْدَهُ».
(لغير حاجٍّ بها) أمَّا الحاجُّ فإنه لا يُسَنُّ أنْ يصوم يوم عرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نَهَى عن صومِ يومِ عَرَفة بعَرَفة، وهذا الحديث في صحته نَظَرٌ، لكن يؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم شكَّ الناسُ في صومه يوم عرفة، فأُرسِلَ إليه بقدحٍ من لبنٍ فشَرِبه ضُحًى يومَ عرفةَ والناسُ ينظرون إليه، حتى يتبيَّن أنه لم يَصُم، ولأن هذا اليومَ يومُ دعاءٍ وعملٍ، ولا سِيَّما أنَّ أفضل زمن هذا اليوم في الدعاء هو آخِر اليوم، فإذا صام الإنسانُ فسوف يأتيه آخِرُ اليوم وهو في كسلٍ وتعبٍ، لا سِيَّما في أيام الصيف وطولِ النهار وشدةِ الحر فإنه يتعب، وتزول الفائدة العظيمة الحاصلة في هذا اليوم، والصوم يُدرَك في وقتٍ آخَر.
ولهذا نقول: صومُ يومِ عرفة للحاجِّ مكروهٌ، وأمَّا لغير الحاجِّ فهو سُنَّةٌ مؤكدةٌ.
طالب: أحسن الله إليك، ثبتَ عن بعض الخلفاء أنهم كانوا في الحجِّ يصومون يوم عرفة وهم حُجَّاج.
الشيخ: إذا ثبت عن بعض الصحابة من الخلفاء أو غيرهم أنهم يصومون يومَ عرفة وهم حُجَّاج فهؤلاء يُعْتذَر عن فِعْلهم ولا يُحتَجُّ به؛ لأن خير الهدْيِ هَدْيُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
طالب: قول المصنف يا شيخ: (لغير حاجٍّ بها)، (... ) التقييد (بها) احترازي (... ) بيان الوصف؟
الشيخ: لا، هذا أَغْلبيٌّ؛ يعني لو فُرِض أنَّ الحاجَّ لم يتمكَّن من الوقوف يوم عرفة بالنهار فلا يُسَنُّ له الصيام.
طالب: هل يجوز أنْ يقدِّم أيام البِيض؛ أنْ يجعلها في أول الشهر؟
الشيخ: لا بأس، لكنْ ما يُثاب على ذلك ثوابَ أيام البِيض؛ يعني لو صام ثلاثة أيامٍ في أول الشهر فإنَّه لا يحصُل على أجر صيامِ أيام البِيض، لكن يحصُل على أنه صام ثلاثة أيامٍ من كل شهر.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، ما تقولون في قول السادة المالكية بالنسبة لصيام الستِّ من أيام شوال: تُصام مرَّةً ولا تُصام أُخرى سدًّا للذريعة أن يُظَنَّ أنها واجبة؟
الشيخ: أولًا: تخصيصك كلمة السادة للمالكية يحتاج إلى المناقشة.
الطالب: (... )؟
الشيخ: نعم، ما جوابكم عن قول السادة المالكية؟ فلماذا وصفتَهم بالسادة المالكية؟
الطالب: وغيرُهم سادةٌ كذلك، وهذا كلامٌ يؤخذ من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية.
الشيخ: أنا أقول: لماذا خصصت المالكية؟
الطالب: ولو كان سؤالي عن الأحناف لقُلْتُ: السادة الأحناف، وأقصد به الفقهاء.
الشيخ: لا بأس، لا شكَّ أنَّ الفقهاء والعلماء سادة البَشَر.
أقول إنَّ هذا القول مرجوحٌ؛ لأن تَرْكَ السُّنن خوفًا من أن يُظَنَّ أنها واجبةٌ، لو كانت هذه القاعدة قاعدةً سليمةً لكان كلُّ السُّنن تُترَك خوفًا من أنْ تكون واجبة، لكن يُبَيَّن للناس أنها ليست بواجبةٍ وتُفْعل.
طالب: الراجح في صيام يوم الأحد يا شيخ هلْ يُفرَد؟
الشيخ: إفراده مكروهٌ؛ لئلَّا يفتخر النصارى بتعظيمنا له.
طالب: الراجح في إفراد يوم عاشوراء بالصيام؟
الشيخ: إي واللهِ، الظاهر -إن شاء الله- أنَّه ليس بمكروه، وأنَّ صوم يومٍ قبله ويومٍ بَعْده على سبيل الاستحباب فقط.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، عاشوراء.
طالب: بارك الله فيك، الصائم (... ).
طالب: ذكرتَ أمس يا شيخ أن لا يجوز (... ).
طالب: صامَ (... ) السبت وأَفْرده بالصوم لا على وجْهِ التعظيم (... )؟
الشيخ: هل؟
طالب: (... ) يقصد التعظيم (... )؟
الشيخ: إي نعم، نقول: لا تُفْرِده؛ لأن قوله: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ» يُحمَل على النهي عن إفراده.
طالب: ذكرتَ بالأمس يا شيخ أنَّه لا يجوز الخروج على الإمام إلا بشروط، ولم توضِّح هذه الشروط مِن قَبْل؛ يعني (... ) هذه الشروط من قَبْل إلا قد تحدثتم عن (... ) الصلاة فقط، يعني «إِذَا رَأَيْتُمْ كُفْرًا بَوَاحًا» ألا وهو يعني إذا قال: لا تُصَلُّوا.
يعني لا تُصَلُّوا فقط، ما ذكرتَ يا شيخ شروط كثيرة يعني..
الشيخ: أنا قلت: إذا قال: لا تُصَلُّوا؟
الطالب: نعم، قُلتَ لي ذلك.
الشيخ: لك أنت؟ !
الطالب: قلت يعني: إذا قال: لا تُصَلُّوا، هذا كُفْرٌ بواحٌ.
الشيخ: نعم.
الطالب: من شروط..
الشيخ: ما أدري.
الطالب: نرجو تخصيص الوقت يعني..
الشيخ: طيب إذا ذكرتُ لك الشروط هل ستخرجُ على الإمام؟
الطالب: لا، هو فيه شروط أخرى، (... ).
الشيخ: قُل الشروط اللي عندك.
طالب: يعني اللي عندي: «إِذَا رَأَيْتُمْ كُفْرًا بَوَاحًا»، فإذا تمام يعني.. إذا الإنسان.. إذا رأينا ذلك ويجب الخروج على هذا، سنرى هل نحن قوةٌ وشوكتنا قويةٌ حتى نخرج على الإمام؟
الشيخ: ما ذكرنا هذا؟
طالب: ذكرت يا شيخ.
الشيخ: طيب، ماشي.
الطالب: لا، أنا أُريد شروط الإمام اللي يُخرَج عليه؛ يعني «إِذَا رَأَيْتُمْ كُفْرًا بَوَاحًا»، ما هي شروط الكفر البواح؟
الشيخ: الكُفر معروف؛ مِثْل أنْ يُنكر وجودَ الله مَثَلًا.
الطالب: نفرض أنه هو يُنكر وجودَ الله ولكنْ بطريقٍ غير مباشر.
الشيخ: ويش يعني طريق غير مباشر؟
الطالب: يعني الرجل يقول: إن الشريعة الإسلامية ليستْ لها مكان الآن، ألا وهي (... ) الوضعية (... ).
الشيخ: لا، هو ما أنكرَ وجودَ الله.
الطالب: ما قلتُ ذلك، يعني أقول إنه..
الشيخ: على كلِّ حالٍ لا بدَّ من كفرٍ بَوَاحٍ صريحٍ.
الطالب: أريد يا شيخ أنْ أفهم يعني السؤال أشكلَ عليَّ.