الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 3365-3404

الشيخ: طيب، إذا صار ما فيه إلَّا هو، يعني هو وحدَه مسافرٌ ما عنده ناسٌ صائمون ولا مفطرون.
الطالب: (... ) ناس صائمين يصوم مع الناس.
الشيخ: طيب، ما عندك غير هذا التعليل؟ الطالب: ولا يكون مشقَّة عليه فيما بعد.
الشيخ: لأنه أسهلُ إذَنْ، إذَنْ لأنَّ صومَهُ في وقته أسهل، هذه واحدة.
الطالب: تَبرأُ ذِمَّتُه.
الشيخ: سرعةُ براءة الذِّمَّة، اثنين، إي نعم.
طالب: ليسهُلَ عليه صيامُه.
الشيخ: هذا قلناه.
طالب: أبو الدرداء رضي الله عنه قال.. الشيخ: أنَّه فِعْلُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، طيب.
طالب: أنَّه يُدرك الزمنَ الفاضلَ.
الشيخ: فضْلُ الزمنِ.
طيب، الثانية: أنْ يشقَّ عليه مشقَّةً لكنها ليستْ شديدةً.
طالب: يُكره له الصوم.
الشيخ: يُكره له الصوم.
الطالب: والأفضل بحقِّه الفِطْر.
الشيخ: الدليل؟ الطالب: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاء بعد العصرِ رأى بعضَ الصحابةِ شقَّ عليهم الصومُ، فأتى له بماء.
الشيخ: غير هذه، دليل آخَر؟ طالب: (... ). الشيخ: ما هو؟ الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صائمًا في وقت (... ). الشيخ: لا.
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» (9)؛ لأنه رأى رجلًا مُظَلَّلًا عليه.
الشيخ: صحيح، رأى رجلًا قد ظُلِّلَ عليه وعليه زحامٌ فقال: «مَا هَذَا؟ » قالوا: صائمٌ.
قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ».
لَدَيْنا قاعدة معروفة عند العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أفلا يقتضي هذا أنْ يكون الصومُ في السفر ليس من البِرِّ مطْلَقًا؟ طالب: ليس فيه دليل.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: بسبب حديث: اجتمعَ رجالٌ على شخصٍ ظُلِّلَ عليه، فقال «مَا هَذَا؟ ». قالوا: إنه رجلٌ صائمٌ.
والدليل أنَّه وجد في صومِهِ مشقَّةً (... ). الشيخ: لكن الحديث الأخير: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»، ولم يقُلْ: مع المشقَّةِ.
الطالب: (... ).

الشيخ: إي، فهِمْتم يا جماعة؟ يقول: نعم، إنَّ العبرةَ بعموم اللفظ، فلا نقول: إنَّ الذي انتفى عنه البر هو هذا الشخص بعينه.
بلْ كلُّ مَنْ شاركه في هذا المعنى داخلٌ في الحديث، وهذا صحيح.
وقد نبَّهَ على هذا ابن دقيق العيد رحمه الله في شرح العمدة، وهو واضحٌ لمنْ تأمَّله، فلا نقول -كما استدلَّ بعضُ العلماء- بأنه يُكره الصومُ في السفر لهذا الحديث، نقول: هذا الحديثُ مبنيٌّ على سببٍ لمعنًى مخصِّصٍ وهو المشقَّة.
ثالثًا: إذا شقَّ شديدًا؟ طالب: يَحرُم الصوم.
الشيخ: يَحرُم؟ الطالب: إذا شقَّ مشقَّةً شديدةً، لَحِقَ ضررٌ؛ يَحرُم الصوم.
الشيخ: ما دليلك؟ الطالب: الدليلُ الذي رواه مسلمٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في عام الفتح أنهم شقَّ عليهم الصيامُ، وأُخْبِرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقيل له: إنهم ينظرون ماذا تفعلُ.
فأخذ قَدَحًا من الماء وشَرِبَ بعد العصر والناسُ ينظرون (12). الشيخ: اللهم صلِّ وسلِّم عليه.
الطالب: فأفطرَ بعضُ الناسِ وبعضُهم ما زالَ صائمًا، فأُخبِرَ بذاك فقال: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ».
الشيخ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وَصَفَ الذين لم يُفطِروا مع مشقَّةِ الصومِ بأنهم؟ الطالب: عُصاة.
الشيخ: عُصاة؛ أي: جمع عاصٍ، والعاصي لا يكون إلا بإثم.
طيب، المريض حُكْم الصوم في حقه؟ طالب: فيه تفصيل يا شيخ.
الشيخ: فيه تفصيل، ما هو؟ الطالب: إنْ كان مرضُهُ لا يُرجَى بُرْؤُهُ فأنه يُفطِر ويُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا (... ). الشيخ: إذا كان لا يُرجى بُرْؤُهُ فإنه يُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا.
طيب، وإذا كان يُرجى بُرؤُهُ؟ الطالب: أنَّه يُفطِر ويقضي.
الشيخ: مطْلَقًا يُفطر؟ الطالب: لا، إنْ كان يؤثِّر عليه الصيام.
الشيخ: إذا كان يشقُّ عليه.
الطالب: نعم، فإنَّه يُفطر.

الشيخ: لو قال لك قائلٌ: الآية مطْلَقة؛ ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185]، وأنتم قلتم في السفر: له الفِطر وإنْ لم يشُقَّ عليه.
فقولوا في المرض: له الفِطر وإنْ لم يشقَّ عليه.
حتى الإنسان الذي فيه زكامٌ يسيرٌ نقول له: أفطِر.
طالب: فيه قول.
الشيخ: فيه قول! طيب، هذه أحسن مما يُقال عن ابن جِنِّي: فيه قولانِ.
الطالب: (... ). الشيخ: ابن جِنِّي يقولون: هو رجلٌ معروفٌ عالمٌ في النحو، وله شيخٌ كبيرُ العِمامة، أبوه من شيوخِ العمائم ولا يَعْرِف، وكان الناس يسألونه، فيقال أنه قال له ابنه: كُلّ ما قالوا لك قُلْ: فيه قولانِ؛ لأنه ما تخلو مسألة من خِلاف، فقيل له: أفي الله شكٌّ؟ قال: فيه قولانِ.
تورَّط بهذا، الله ما فيه شكٌّ -عز وجل- ولا أحدَ يقولُ: إنه فيه شكٌّ.
قالوا لَمَّا شافوه متورِّطٌ قالوا: الحلُّ عند ابنِهِ.
قال: نعم، فيه قولانِ في إعرابه، في إعرابه قولانِ.
فبعضُ الناسِ الآن ينقدحُ في ذهنه أنَّ المسألة فيها تردُّدٌ فيقول: فيها قولانِ.
طالب: (... ). الشيخ: هو فيها قولٌ، لكنْ نريدُ: ما هو القول الصحيح؟ يعني: كيف يُجاب عن الآية؟ لأن ظاهر الآية في الحقيقة يحتمل هذا القول: أنَّ مجرَّد المرضِ يُبيح الفِطْر.
طالب: القول (... ) في إطلاقِ الآية، ولكنَّ الصحيح أنَّه لا يُفطِر عملًا بالعِلَّة.
الشيخ: نعم.
الطالب: عملًا بالعِلَّة (... ). الشيخ: طيب، كيف نُجيب عن مسألة السفر؟ الطالب: ثبتَ بالسُّنَّةِ العمليَّةِ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان يصومُ ويُفطر في السفر، يعني (... ) في السفر للمشقَّة.
الشيخ: والصحابةُ يصومون ويُفطِرون، ولولا هذا لَقُلْنا: إنَّ السفر لا يجوز فيه الفِطْر إلا إذا كان في الصوم مشقَّة، لكنْ لَمَّا رأينا الصحابةَ أفطروا بدون مشقَّةٍ قُلْنا هكذا.
طالب: والمرض؟

الشيخ: المرض؟ ما عَلِمْنا أحدًا من السلف أفطرَ بأيِّ مرضٍ، المرضُ إذا كان (... ) بالصوم ولا يهتمُّ به؛ صداعٌ يسيرٌ، أو وَجَعُ ضرسٍ يسيرٌ، أو وَجَعُ عينٍ يسيرٌ، أو وَجَعُ أذنٍ يسيرٌ، أو وَجَعُ رِجْلٍ أو رُكْبةٍ، أو ما أشبه ذلك، نقول: أفطِر؟ ! طالب: لمن لَمْ يتحمَّل المرض كأَلَمِ الراسِ والضرسِ، ما يستطيع أنْ يتحمَّل الألم في الرأس، ما يصحُّ أنْ يُفطِر؟ الشيخ: له أنْ يُفطِر، ما دام فيه مشقَّة ولو كان يستطيع، لو كان يتحمَّل فله أنْ يُفطِر.
طالب: المصاب بمرض السكر؟ الشيخ: المصاب بمرض السكري قالوا لي: أنه ممن لا يُرجَى بُرْؤُه.
الطالب: يستطيع الصيام.
الشيخ: إي، لكنْ يضرُّه؛ يقولون: لا بدَّ يشرب دائمًا، على كلِّ حالٍ يَرجِع للطبيب.
طالب: السلام عليكم، إذا كان المرضُ لا يخصُّ مَثَلًا البطنَ، غالبًا ما (... ) الصائم من الصيام إلَّا في مرضٍ يخصُّ ما يمنعه من الأكل، لكنْ لو كان مَثَلًا في رِجْله أو يده (... ). الشيخ: لا، يشقُّ عليه؛ لأن المريض تضيقُ عليه الدنيا، المريضُ ليس كالصحيح.
الطالب: يعني ما يخصص (... ). الشيخ: لا، مُطْلَقًا؛ في البطن وغير البطن.
طالب: مريضٌ يشقُّ عليه الصومُ فقال: (... )، قال له: أفطِر، وهو عليه كفارة (... )؟ الشيخ: كفارة أيش؟ الطالب: (... ). الشيخ: (... ) رمضان؟ الطالب: (... ). الشيخ: والمسافر، هذه قاعدة خذها عندك: لا يصح صوم غير رمضان في رمضان.


نُقِلَ إلينا أنكم تقولون بجواز الجمعِ بين نيَّةِ قضاء رمضانَ وصيامِ ستٍّ من شوال، فهل هذا صحيح؟ لا، هذا غير صحيح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ» (13)، فجعلَ هذا مستقلًّا، ولو جازَتْ مِثْل هذه الحال لجازَ أنْ ينويَ الإنسانُ في صلاةِ الظُّهرِ راتبةَ الظُّهرِ الأولى في الركعتينِ، والثانيةَ في الركعتينِ، ويصلِّي بلا رواتب.
هذا يقول: هلْ يجوزُ إجهاضُ المرأةِ جنينَها في الشهرِ الثالث؟

نقول: يجوزُ عند الضرورة؛ إذا قال الأطباء: إنه إذا بَقِيَ في البطْنِ فإنه سوف يقتلُ الأمَّ.
أو قالوا: إنَّ الولد فيه تشويه.
ففي هذه الحال لا بأسَ بالإجهاض ما دام لم يتمَّ له أربعةُ أشهر.
طالب: مفيش (... ) فيه ضرورة للأُم؟ الشيخ: لا ما يجوز.
الطالب: طيب، إيه الحكم في (... )؟ الشيخ: الحكم يتوب إلى الله ويستغفر ولا يعود.
الطالب: مفيش دِيَة يعني؟ الشيخ: لا ما فيه، ما فيه صيام.
طالب: سأل بعضُ الإخوان يا شيخ، يقولون لمثلك -جزاك الله خيرًا-: تحرص على صيامِ الأيام البيض (... )، لكنهم لاحظوا عليك اليوم أنك ما.. الشيخ: إي، أنا نويت بالستِّ ثلاثة أيامٍ من الشهر.
الطالب: أدخلتَها.
الشيخ: أدخلتُها فيها، نعم.
الطالب: اللِّي ما نوى؟ الشيخ: اللِّي ما نوى (... )، وإن اقتصرَ على الأول -إنْ شاء الله- لا بأس.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإِنْ نَوَى حاضرٌ صومَ يومٍ ثُمَّ سافرَ في أثنائِهِ فلَهُ الفِطْرُ.
وإنْ أفطرتْ حاملٌ أو مُرضِعٌ خوفًا على أنفُسِهما قَضَتَاهُ فقط، وعلى ولدَيْهِمَا قَضَتَا وأطْعَمَتَا لكُلِّ يومٍ مسكينًا.
ومَنْ نَوَى الصومَ ثُمَّ جُنَّ أو أُغْمِيَ عليه جميعَ النهارِ ولم يُفِقْ جُزْءًا منه لم يَصِحَّ صومُهُ، لا إنْ نامَ جَمِيعَ النهارِ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال رحمه الله تعالى: (وإِنْ نَوَى حاضرٌ صومَ يومٍ ثُمَّ سافرَ في أثنائِهِ فلَهُ الفِطْرُ).
الحاضرُ يجب عليه أنْ يصوم كما هو واضح، فإذا سافرَ في أثناء اليوم فهلْ له أنْ يُفطِر أو لا يُفطِر؟ في هذه المسألة قولانِ لأهل العلم: القول الأول: أنَّ له أنْ يُفطِر، لكنْ بشرطٍ كما سنذكره.
القول الثاني: ليس له أنْ يُفطِر.

الأول هو المشهورُ من مذهبِ الإمامِ أحمد رحمه الله، وعلَّلوا ذلك بعموم قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] يعني: فأفطرَ فعِدَّةٌ مِن أيامٍ أُخَر.
وهذا الآن سافرَ وصار على سَفَرٍ، فيَصْدُقُ عليه أنه مِمَّن رُخِّصَ له في الفِطْر فيُفطِر.
والقول الثاني علَّلوا بأنَّ الإنسانَ شَرَعَ في صومٍ واجبٍ فلَزِمَهُ إتمامُه، كما لو شَرَعَ في القضاء فإنه يَلْزمُهُ أنْ يُتِمَّ، وإنْ كان لولا شُروعه لم يَلْزمه أنْ يصوم؛ يعني مثلًا: إنسانٌ عليه يومٌ من رمضانَ فقال: أَصُومه غدًا.
أو: بعدَ غدٍ.
نقول: أنتَ بالخيار غدًا أو بعدَ غدٍ.
لكنْ إذا صامه غدًا فهلْ له أن يُفطِر في أثنائه ليصوم بعدَ غدٍ؟ لا، فهذا مِثْله.
لكن الصحيح ما ذهبَ إليه المؤلف أنَّ له أنْ يُفطِر، وقد جاءت السُّنَّة بذلك والآثارُ عن الصحابةِ رضي الله عنهم أنَّه إذا سافرَ في أثناء اليومِ فله الفِطْر.
ولكنْ هلْ يُشترط أنْ يُفارِقَ قريتَهُ، أوْ إذا عَزَمَ على السفرِ وارتحلَ فله أنْ يُفطِر؟ في هذا أيضًا قولانِ عن السلف، والصحيحُ أنه لا يُفطِر حتى يُفارِقَ القريةَ؛ لأنه لم يكن الآنَ على سَفَرٍ ولكنَّهُ ناوٍ للسفر، ولذلك لا يجوز أنْ يَقصُر الصلاةَ حتى يخرجَ من البلد، فكذلك لا يجوز أن يُفطِر حتى يخرج من البلد.
وإذا جازَ أنْ يُفطِر بعد السفرِ في أثناء اليومِ فهلْ يُفطِر بالأكلِ والشربِ أو بأيِّ مفطرٍ شاء؟ الجواب: الثاني؛ له أنْ يُفطِر بالأكلِ والشربِ وجماعِ أهله إذا كانوا معه، أيّ مُفْطِرٍ له أنْ يفعله.


ثم قال المؤلف: (وإنْ أفطرتْ حاملٌ أو مُرضِعٌ خوفًا على أنفُسِهما قَضَتَاهُ فقط، وعلى ولدَيْهِمَا قَضَتَا وأطْعَمَتَا لكُلِّ يومٍ مسكينًا).

(إنْ أفطرتْ حاملٌ أو مُرضِعٌ... ) إلى آخره، أفادَنا المؤلف رحمه الله أنه يجوز للحامِلِ أن تُفطِر ويجوز للمُرضِع أن تُفطِر وإنْ لم تكونا مريضتينِ؛ وذلك لأن الحاملَ يشقُّ عليها الصومُ من أجْلِ الحملِ، لا سِيَّما في أشهُرِهِ الأخيرةِ، ولأنَّ صيامها ربما يؤثِّر على نموِّ الحمْلِ إذا لم يكنْ في جسمها غذاءٌ؛ فربما يضْمُر الحمْلُ ويضعُف، وكذلك في المرضِع، هي سليمةٌ صحيحةٌ ما فيها شيءٌ، لكنْ إذا صامتْ ربما يقِلُّ لبنُها فيتضرَّرُ بذلك الطفل، لهذا كان من رحمة الله عز وجل بهما أنْ رَخَّصَ لهما في الفِطْر.
ولكن إفطارهما قد يكون مُراعاةً لحالهما وقد يكون مُراعاةً لحالِ الولد -الحمْل أو الطفل- وقد يكون مُراعاةً لحالهما مع الولد، فما الحكْم في الأحوال الثلاثة؟ نقول: أمَّا القضاءُ فلا بدَّ منه؛ لأن الله تعالى فَرَضَ الصيامَ على كلِّ مسلمٍ، وقال في المريض والمسافر: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ مع أنهما مُفطرانِ بعُذْرٍ، فإذا لم يسقط القضاء عمَّن أفطرَ لعُذْرٍ من مرضٍ أو سَفَرٍ فعَدَمُ سقوطِه عمَّنْ أفطرتْ لمجرَّد الراحةِ من باب أَوْلى، فالقضاء لا بدَّ منه.
ولكن الإطعام هلْ يَلْزم أو لا؟

ذكرَ المؤلفُ رحمه الله حالينِ، فقال في الحال الأولى: (وإنْ أفطرتْ حاملٌ أو مُرضِعٌ خوفًا على أنفُسِهما قَضَتَاهُ فقط) أي: قَضَتَا الصومَ فقط.
وقوله: (فقط) هذه كلمةٌ تعني أنه لا زيادةَ على ذلك.
(وعلى ولدَيْهِمَا قَضَتَا وأطْعَمَتَا لكُلِّ يومٍ مسكينًا) فزاد هُنا أنه في الحال اللتي تُفطرانِ مُراعاةً للولد يَلْزمهما القضاءُ وأنْ تُطعِما عن كلِّ يومٍ مسكينًا؛ أمَّا القضاءُ فواضحٌ لأنهما أفْطَرَتَا، وأمَّا الإطعامُ فلأنهما أفْطَرَتَا لمصلحة الغيرِ فلَزِمَهما الإطعام، وفيه أيضًا قال ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: كانتْ رُخْصةً للشيخِ الكبيرِ والمرأةِ الكبيرةِ وهما يُطيقانِ الصيامَ أن يُفطرا ويُطعِما لكلِّ يومٍ مسكينًا، والمرضعِ والْحُبلى إذا خافَتَا على أولادهما أفْطَرَتَا وأطْعَمَتَا (14). رواه أبو داود، ورُوِيَ عن ابن عمر رضي الله عنهما، فعلى هذا يَلْزمُهما شيئانِ: الأول: القضاء؛ لأنهما أفْطَرَتَا.
والثاني: الإطعام؛ لأن فِطْرهما كان لمصلحة الغير.
بَقِيَت حالٌ ثالثةٌ لم يذكرْها المؤلف، ما هي؟ طلبة: (... ). الشيخ: إذا أفْطَرَتَا لمصلحتِهما ومصلحةِ الولد -الجنين أو الطفل- فالمؤلف سكتَ عن ذلك رحمه الله، ولكن المذهب أنه يُغَلَّبُ جانبُ مصلحةِ الأُمِّ، وعلى هذا فتقضيانِ فقط، فيكون الإطعامُ في حالٍ واحدةٍ وهي: إذا كان لمصلحة؟ طلبة: الغير.
الشيخ: الغير؛ لمصلحةِ الولدِ؛ الجنين أو الطفل، وهذا أحدُ الأقوالِ في المسألة.

والقولُ الثاني: أنَّه لا يَلْزمهما القضاءُ، وإنما يَلْزمهما الإطعامُ فقط سواء أفْطَرَتَا لمصلحتِهما أو مصلحةِ الولد أو للمصلحتينِ جميعًا، واستدلَّ قائلُ هذا القولِ بهذا الأثرِ؛ أثرِ ابن عباسٍ: إذا خافَتَا على أولادهما أفْطَرَتَا وأطْعَمَتَا (15)، ولم يذكر القضاء، وبحديثٍ آخَرَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ الصِّيَامَ عَنِ الْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ» (14). وقال بعضُ العلماء: يَلْزمهما القضاءُ فقط دون الإطعام، وهذا القولُ أرجحُ الأقوالِ عندي؛ لأن غاية ما يكون في حالهما أنهما كالمريض والمسافر، فيَلْزمهما القضاء فقط، وأمَّا سكوتُ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما في هذا الأثرِ عن القضاء فلأنَّه معلومٌ، وأمَّا ما وَرَدَ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْحُبْلَى والْمُرْضِعِ الصِّيَامَ» فالمراد بذلك وجوبُ أدائه، وعليها القضاء.
فإذا قال قائلٌ: أرأيتم لو أنَّ شخصًا أفطرَ لمصلحةِ الغيرِ في غيرِ هذه المسألةِ؛ مثل أنْ يُفطِر لإنقاذِ غريقٍ أو لإطفاءِ حريقٍ، فهلْ يَلْزمه القضاءُ والإطعامُ؟ نقول: في هذا قولانِ للعلماء: منهم مَن قال: يَلْزمه القضاءُ والإطعامُ قياسًا على الحاملِ والمرضِعِ.
ومنهم مَن قال: لا يَلْزمه إلَّا القضاءُ فقط.
واستدلَّ لذلك بأنَّ النصَّ إنما وَرَدَ في الْحُبْلى والمرضِعِ دون غيرهما.
ولكنْ قال الآخَرون: وإنْ وَرَدَ النصُّ بذلك، لكن القياس في هذه المسألة تامٌّ، وهو أنه أفطرَ لمصلحة الغير.
والإفطارُ لمصلحة الغير له صورٌ منها:

إنقاذُ الغريقِ؛ لو أنَّ رجلًا رأى شخصًا معصومًا سقط في الماء، وهو يقول: لا أستطيعُ أنْ أُخرِجه إلا إذا شَرِبْتُ؛ لأني عطشان لا أستطيعُ أن أتحرَّك.
فنقول أيش؟ اشربْ وأنقِذْه.
وكذلك في إطفاء الحريق؛ لو قال: لا أستطيعُ أنْ أُطفِئَ الحريقَ حتى أشربَ، قُلْنا: لا بأسَ، اشربْ وأطفِئ الحريقَ.
في هذه الحال إذا شَرِبَ وأخرجَ الغريقَ هَلْ له أنْ يأكلَ ويشربَ بقيَّةَ اليومِ؟ نعم، له أنْ يأكل ويشرب بقيَّةَ اليوم؛ لأن هذا الرجل أُذِنَ له في فِطْر هذا اليوم، وإذا أُذِنَ له في فِطْر هذا اليومِ صارَ هذا اليومُ في حقِّهِ ليس من الأيام التي يجب إمساكها، فيبقى مُفطِرًا إلى آخرِ النهار.
طيب، كذلك لو أنَّ شخصًا احتيجَ إلى دَمِهِ، بحيث أُصيبَ رجلٌ آخَر بحادثٍ ونَزَفَ دَمُهُ وقالوا: إنَّ دمَ هذا الصائمِ يَصْلُح له، وإنَّه إنْ لم يُستدرَكْ هذا المريضُ قبل الغروب لَمَاتَ، فهلْ له أنْ يَأْذَنَ في استخراجِ دمِهِ مِنْ أجْل إنقاذِ المريض؟ طالب: نعم.
الشيخ: نعم؟ له ذلك؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، له ذلك، وفي هذه الحال يُفطِر بناءً على القولِ الراجحِ: أنَّ ما ساوَى الحِجامَةَ فهو مِثْلُها، وتعلمون الخلافَ في هذه المسألة؛ أنَّ المذهبَ أنَّه لا يُفطِر بإخراجِ الدم إلَّا بالحِجامة فقط دون الفَصْدِ ودون الشَّرطِ، لكن الصحيح أنَّ ما كان بمعناها فهو مِثْلُها.
وقولُ المؤلف رحمه الله تعالى: (أطْعَمَتَا لكُلِّ يومٍ مسكينًا).
(أطْعَمَتَا) ظاهِرُ كلامِهِ أنَّ الإطعامَ واجبٌ على الحامِلِ والمرضِعِ، ولكنَّ المذهبَ أنَّ الإطعامَ واجبٌ على مَن تَلْزمُهُ النفقةُ للولد؛ فمثلًا: إذا كان الأبُ موجودًا فمَن الذي يُطْعِم؟ طلبة: الأب.

الشيخ: الأبُ؛ لأنه هو الذي يَلْزمُهُ الإنفاقُ على ولدِهِ دون الأُمِّ، وعلى هذا فلا نُخاطِبُ الأمَّ إلَّا بالصيامِ فقط، وأمَّا الإطعامُ فنُخاطِبُ به الأبَ، ولو أنَّ الأبَ تهاونَ ولم يُطْعِمْ فليس على الأُمِّ في ذلك إثمٌ؛ لأن الواجبَ إنما هو على الأبِ، ولهذا يُعتبر كلامُ المؤلف رحمه الله مخالفًا للمذهب في هذه المسألة.
طالب: مقدارُ الإطعامِ يا شيخ؟ الشيخ: الإطعامُ، كلَّما أُطْلِقَ الإطعامُ فهو مُدُّ بُرٍّ أو نصفُ صاعٍ من غيره، والصحيح أنَّه له أن يُخرِج هذا وله أن يُطعِم المساكين.


يقول المؤلف رحمه الله: (ومَنْ نَوَى الصومَ ثُمَّ جُنَّ أو أُغْمِيَ عليه جميعَ النهارِ ولم يُفِقْ جُزْءًا منه لم يَصِحَّ صومُهُ، لا إنْ نامَ جَمِيعَ النهارِ، ويَلْزَمُ الْمُغْمَى عَلَيهِ القضاءُ فقطْ).
هذه ثلاثةُ أشياء متشابهة: الجنون، والإغماء، والنوم، وأحكامُها تختلفُ؛ إذا جُنَّ الإنسانُ جميعَ النهارِ في رمضانَ؛ يعني: أصابه الجنونُ من قَبْلِ الفجرِ حتى غربت الشمسُ، فمِن المعلومِ أنَّ صومَهُ لا يصِحُّ، لماذا؟ طلبة: (... ). الشيخ: لا، هو ناوٍ، الرجلُ في صحَّةٍ ونوى، لكنْ أُصيبَ بالجنون.
طلبة: (... ). الشيخ: لأنه ليس أهْلًا للعبادة، مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الصومِ العقلُ، مِن شَرْطِ الوجوبِ والصِّحةِ العقلُ، وعلى هذا فصومُهُ غيرُ صحيحٍ ولا يَلْزمُهُ القضاءُ، لماذا؟ لأنه ليس أهلًا للوجوبِ، مجنونٌ، والمجنون ليس أهلًا للوجوب.
طيب، الثاني: مَنْ أُغْمِيَ عليه بحادثٍ أو مرضٍ؛ إنسانٌ بعد أنْ تسحَّرَ أُصيبَ بمرضٍ أو حادثٍ فأُغْمِيَ عليه جميعَ النهارِ، فهل يصِحُّ صومُه؟ لا، لا يصِحُّ صومُهُ؛ لأنه ليس بعاقلٍ، ولكنْ يَلْزمُهُ القضاءُ لأنه مُكَلَّفٌ، وهذا قولُ جمهور العلماء.
طيب، لو فُرِضَ أنَّ الرجُل أُغمِيَ عليه قبل أذانِ الفجرِ، وأفاقَ بعد طلوعِ الشمس، يصِحُّ أو لا؟ طلبة: يصِحُّ.
الشيخ: يصِحُّ صومُهُ.

صلاةُ الفجرِ هل تَلْزمه أو لا؟ طالب: لا تَلْزمه.
الشيخ: لا تَلْزمه؛ لأنه مرَّ عليه الوقتُ وهو ليس أهلًا للوجوب.
طيب، الثالث مَنْ؟ الثالث: النائم؛ رجلٌ تسحَّرَ، وكان مُرهَقًا، واضطجعَ ينتظِرُ أذانَ الفجرِ ثم نامَ ولم يستيقِظْ إلَّا بعد غروبِ الشمس، فما الحكم؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: صومُهُ صحيحٌ، ولا قضاء عليه.
فهذه ثلاثةُ مسائل متشابهة وأحكامُها مختلفة.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، امرأةٌ كلَّمَا مرَّ عليها رمضانُ إمَّا حاملٌ أو مُرضِعٌ؟ الشيخ: إي، ما تقولون في هذا السؤال؟ سؤالٌ وجيهٌ وواقعٌ؛ امرأةٌ تَحمِل في رمضانَ ويشقُّ عليها الصومُ، وإذا حملتْ في رمضانَ سوف تَضَعُ قبل رمضانَ الثاني بثلاثةِ أشهرٍ أو أقلَّ أو أكثرَ، ثم تَشْرَعُ في الإرضاعِ، لا تصومُ الشهرَ الثاني، فجاء الشهرُ الثالثُ السَّنَةَ الثالثةَ حملتْ.
الظاهر -والله أعلم- أنَّ مِثْل هذه تكون كالشيخِ الكبيرِ؛ تُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا، فإذا عَلِمْنا سوف يستغرق مِن رمضانَ إلى رمضانَ كل هذا الوقتِ لا يُمْكنها أنْ تقضي؛ فالظاهرُ أنها تُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا.
طالب: الراجح في مسألة الإطعام على مَنْ؟ الشيخ: الحامِل والمرضِع؟ الطالب: إي، على (... ) الوليد.
الشيخ: الراجحُ أنَّه لا إطعامَ أصلًا.
طالب: حُجَّةُ شيخ الإسلام يا شيخ إذا تعلَّق بهدْيٍ أنَّه يُجزِئُ عن العقيقة؟ الشيخ: إي نعم، واللهِ في نفسي منها شيءٌ، ابنُ القيِّم رحمه الله ذَكَرَ أنَّه إذا صادفت العقيقةُ يومَ العيدِ؛ عيدِ الأضحى، فإنَّ الشاةَ تُجزِئُ عن الأُضحيةِ وعن العقيقةِ، لكنْ في نفسي مِن هذا شيءٌ؛ لأنَّ كلَّ عبادةٍ مستقلَّةٌ، لكنْ هو رحمه الله قاسها على تحيَّةِ المسجد.
الطالب: لأنهما مِن جنسٍ واحدٍ.

الشيخ: إي نعم، تحيَّة المسجد؛ إذا دخلَ المسجد وصلَّى الراتبةَ أجزأتْ عن تحيَّة المسجدِ، أو صلَّى الفريضةَ أجزأتْ عن تحيَّة المسجد.
واللِّي قدْ أيْسَرَ اللهُ عليه ينبغي أنْ يذبح ثنتينِ، والحمد لله.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، مَنْ أدرك، طلوعَ الفجرِ ثم جُنَّ، ولم يُفِقْ إلَّا بعدَ المغرب، هو أدركَ الآنَ جُزءًا من النهار؟ الشيخ: يعني بعد أنْ طَلَعَ الفجرُ، يَصِحُّ صومُهُ.
ويَجِبُ تَعيينُ النِّيَّةِ من الليلِ لصومِ كلِّ يومٍ واجبٍ، لا نِيَّةِ الفَرْضِيَّةِ، ويَصِحُّ النفْلُ بنِيَّةٍ من النهارِ قبلَ الزوالِ وبعدَه، ولو نَوَى إن كان غدًا من رمضانَ فهو فَرْضِي لم يَجْزِهِ، ومَن نَوَى الإفطارَ أَفْطَرَ.

﴿باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة﴾ مَن أَكَلَ أو شَرِبَ أو اسْتَعَطَ أو احْتَقَنَ أو اكْتَحَلَ بما يَصِلُ إلى حَلْقِه، أو أَدْخَلَ إلى جَوْفِه شيئًا من أيِّ مَوْضِعٍ كان غيرَ إِحْلِيلِه، أو اسْتَقَاءَ أو اسْتَمْنَى أو باشَرَ فأَمْنَى أو أَمْذَى أو كَرَّرَ النظَرَ فأَنْزَلَ.
طالب: الراجح في مسألة الإطعام على المذهب؟ الشيخ: على أيش؟ طالب: الراجح في مسألة الإطعام على مَن؟ الشيخ: الحامل والمرضع؟ الطالب: إي، على (... ) الوليد.
الشيخ: الراجح أنه لا إطعام أصلًا.
طالب: حجة شيخ الإسلام يا شيخ إذا تعلق بهدي أنه يجزئ عن العقيقة.
الشيخ: إي نعم، والله في نفسي منه شيء، ابن القيم رحمه الله ذكر أنه إذا صادفت العقيقة يوم العيد -عيد الأضحى- فإن الشاة تجزئ عن الأضحية وعن العقيقة، لكن في نفسي من هذا شيء؛ لأن كل عبادة مستقلة، لكن هو -رحمه الله- قاسها على تحية المسجد.
الطالب: من جنس واحد.
الشيخ: إي نعم، تحية المسجد، إذا دخل المسجد وصلى الراتبة أجزأت عن تحية المسجد، أو صلى الفريضة أجزأت عن تحية المسجد، واللي قد أيسر الله عليه ينبغي أن يذبح ثنتين والحمد لله.

طالب: شيخ بارك الله فيكم، من أدرك، طلع الفجر، طلوع الفجر ثم جُن ولم يُفِق إلَّا بعد المغرب، هو أدرك الآن جزءًا من النهار.
الشيخ: يعني بعد أن طلع الفجر، يصح صومه.
الطالب: لكن (... ) صحة الصوم (... ) وصومه.
الشيخ: إي لكن هذا شرع في العقل، شرع في الصوم وهو عاقل، ودخل في الصوم وهو عاقل.
الطالب: (... ) بالصيام بالقضاء.
الشيخ: ما نلزمه بالقضاء؛ لأنه استمر.
الطالب: لكن (... ) يجوز؟ الشيخ: لا، المفروض أنه ما أكل ولا شرب.
الطالب: لو أكل وشرب؟ الشيخ: لو أكل وشرب ما يصح صومه.
الطالب: يقضي؟ الشيخ: يقضي.
طالب: (... ) ياشيخ المرضعة والحامل في جميع الحالات تقضي ولا تطعم، هذا الصحيح؟ الشيخ: نعم.
الطالب: كيف ينطبق على من خالفوا ابن عباس وهو من الصحابة؟ الشيخ: إي نعم، الجواب (... ) مثل غيره من العلماء يؤخذ من قوله ويُترك.
الطالب: والقول الثاني قاله بعض الصحابة؟ الشيخ: نعم؟ الطالب: القول الذي رجحناه.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: قاله بعض الصحابة؟ الشيخ: إي نعم.
طالب: (... ) هل إذا جُنَّ بعد طلوع الشمس أو بعد طلوع الفجر صومه صحيح إذا أحرم وهو عاقل وجُنَّ بعد الإحرام، هل حَجُّه صحيح ويجزئ عن الإسلام؟ وقد بينه المؤلف في الوقوف بعرفة هل يقاس هذا على هذا؟ الشيخ: لا، إذا جُنَّ في أثناء الإحرام فقيل: إنه يبطل إحرامه، يبطل، وقيل: يبقى حتى يُنظر هل يفوته الحج أو يمكن أن يَعْقِل قبل فوات الحج؟ الطالب: لماذا صححنا صومه ولم نصحح حَجَّه؟ الشيخ: كيف ما صححناه؟ نصححه.
الطالب: الحج؟ الشيخ: إي نعم، لو أدرك عرفة وهو عَقَل وأدرك عرفة صح صومه.
الطالب: لا، جُنَّ ولم يعقل.
الشيخ: معناه لأن الوقوف شرط.
الطالب: والصيام؟ الشيخ: والصيام أفاق جزءًا من النهار، إذا لم يُفِق ما صح.
طالب: سؤال ياشيخ، من الفجر إلى غياب الشمس هو في (... ) هل إذا جُنَّ (... )؟

الشيخ: هم يقولون: إن الصوم مجرد نية، مو عمل، فإذا كان مجرد نية وهذا الذي جُنَّ قد نوى، والتزم بذلك، ولم يحصل أكل ولا شرب يستمر.
الطالب: الصلاة (... ). الشيخ: لا، الصلاة عمل، كيف يعمل وهو مجنون؟ الصلاة عمل ركوع وسجود وقيام وقعود.
طالب: إذا جن المجنون (... ) ثم أفاق من جنونه (... ) هل يستمر (... )؟ الشيخ: إي نعم يستمر، مادام صام قبل الفجر، نوى قبل الفجر.
طالب: (... )؟ الشيخ: أفطر؟ الطالب: إي.
الشيخ: لا ما يصح، يقضي هذا اليوم.
يقول: ذكرتم أنه لو أُغمِيَ على رجل قبل الفجر وأفاق قبل غروب الشمس لم يصح صومه وعليه القضاء، أما الصلاة فلا يقضيها، فما هو وجه التفريق بينهما، بارك الله في علمكم؟ وجه التفريق أن الصوم لا يتكرر، بخلاف الصلاة، ولهذا وجب على الحائض قضاؤه ولم يجب عليها قضاء الصلاة، واضح؟ يقول: هل يصح حجز الأماكن بالمسجد؟ والجدير بالذكر أن الشخص يحضر مبكرًا ويجد الأماكن محجوزة؟ والله نحن نرى أنه لا يجوز، لكن نرى أن الإنسان إذا حجز فلغيره أن يحجز، مثلما قلنا في المشاعر -مشاعر الحج- الأصل أنه ما يجوز الحجز، لكن إذا حَجَز الناس فاحجز، ماذا تفعل؟ طالب: الدليل على هذا ياشيخ؟ الشيخ: على أيش؟ على الجواز ولَّا على المنع؟ الطالب: (... ). الشيخ: لا؛ لأن المذهب أنه يجوز، المشهور من مذهب الحنابلة أنه يجوز أن يحجز في الصلاة وفي الدرس.
طالب: إذا ترى ياشيخ أنت الجواز.
الشيخ: أنا ما أرى الجواز، أنا أرى أن الإنسان لا يحجز.
الطالب: إذا حجزوا؟ الشيخ: إذا حجز فله أن يحجز.
الطالب: يلزم من هذا القول بالجواز.
الشيخ: ما يلزم بارك الله فيك؛ لأن الناس كلهم الآن تساووا، وصار كل إنسان يأخذ حقه.
يقول: مسألة عدم مشروعية قضاء المغمى عليه الصلاة لم تتضح.
واضح، إذا أُغْمِيَ عليه حتى خرج الوقت فهذا هو، لا يلزمه القضاء.

طالب: ذكرنا أنه علَّلْنا أنه لخروج الوقت، وأن الصلاة تتكرر، وأن الصيام لا يتكرر، لكن يعني -كما نعلم وكما درسنا- أن الصلاة حتى في أشد المواقف خوفًا، في الحرب، ما سقطت.
الشيخ: هي ما سقطت لأنه صاح معه عقله، في الحرب لا تسقط.
الطالب: إي أفلا نقيس على النائم؟ الشيخ: لا ما يصح قياسه؛ لأن النائم يستيقظ، إذا أُوقِظ استيقظ، أما المغمَى عليه فهو عقله أكثر من نائم، زوال عقله وتغطيته أكثر من النائم.
الطالب: إذا تعمد الإغماء (... ). الشيخ: لا، إذا تعمد الإغماء أو أُغْمِيَ عليه لمصلحة نفسه كما لو أُغْمِيَ عليه ببنج فإنه يقضي.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى في كتاب الصيام: ويجب تعيين النية من الليل لصوم كل يوم واجب، لا نية الفريضة، ويصح النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده، ولو نوى إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي لم يجزه ومن نوى.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما تقول في إنسان صام وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار؟ طالب: (... ). الشيخ: والذي مشى عليه المؤلف أن له أن يفطر، ودليله حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح، فلما بلغ كُراع الغميم أفطر (1). امرأة حامل أفطرت خوفا على نفسها فماذا عليها؟ طالب: يجوز لها الفطور وتقضي.
الشيخ: هي أفطرت فعلًا خوفًا على نفسها.
طالب: عليها القضاء.
الشيخ: عليها أيش؟ طالب: عليها القضاء دون الإطعام.
الشيخ: عليها القضاء دون الإطعام، وأخرى أفطرت خوفًا على الولد؟ طالب: عليها القضاء والإطعام.
الشيخ: والإطعام.
امرأة ثالثة أفطرت خوفًا على نفسها وعلى الولد؟ طالب: عليها القضاء فقط.

الشيخ: عليها القضاء فقط، هذا هو الذي مشى عليه المؤلف، وما هو القول الراجح اللي رجحناه؟ طالب: أنه لا يلزمها إلَّا القضاء فقط.
الشيخ: أنه لا يلزمها إلَّا القضاء فقط.
رجل أُصيب بحادث قبل طلوع الفجر وقد نوى الصوم ولم يُفِق إلَّا بعد غروب الشمس؟ طالب: لا يجزئه، بل يقضي.
الشيخ: يلزمه القضاء.
وآخر نام قبل طلوع الفجر إلى غروب الشمس؟ طالب: صيامه صحيح ولا قضاء عليه.
الشيخ: صيامه صحيح ولا قضاء عليه.
وثالث جُنَّ قبل طلوع الفجر ولم يُفِق إلَّا بعد غروب الشمس؟ طالب: عليه القضاء فقط.
الشيخ: عليه أيش؟ طالب: عليه القضاء.
الشيخ: عليه القضاء؟ طالب: لا يصح صومه، وليس عليه قضاء.
الشيخ: ليس عليه قضاء، فصارت ثلاثة الآن تختلف أحوالهم: النائم يصح صومه ولا قضاء عليه، والمغمَى عليه لا يصح صومه وعليه القضاء، والمجنون؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح صومه.
طالب: ولا قضاء عليه.
الشيخ: ولا قضاء عليه، ما الفرق بين المجنون والمغمى عليه؟ طالب: المغمى عليه؟ الشيخ: الفرق بين المغمى عليه والمجنون؟ الطالب: المجنون فاقد العقل من الأصل.
الشيخ: إي، لكن ما الفرق؟ ليش، هذا قلنا: لا يصح صومه ولا قضاء عليه؟ الطالب: (... ). الشيخ: المغمى عليه يلزمه القضاء، ولا يصح صومه، والمجنون لا يصح صومه ولا يلزمه القضاء.
الطالب: لأن المغمَى عليه مكلف.
الشيخ: نعم.
الطالب: (... ). الطالب: لأن المغمى عليه مكلف والمجنون؟ الطالب: ليس بمكلف.
الشيخ: ليس بمكلف.
المؤلف يقول: (ويَلْزَم المُغْمَى عليه القَضَاءُ فقط)، في عبارته شيء من الخلل، فما هو الخلل؟ طالب: لأنه يُوهِم نَفْي الإطعام.
الشيخ: إي نعم؛ لأن قوله: (فقط) يُوهِم أنه لا إطعام عليه، وليس هذا المراد، المراد أن المغمَى عليه من بين هؤلاء الثلاثة فقط هو الذي يلزمه القضاء، ولهذا لو قال: ويلزم المغمى عليه فقط القضاء لكان أحسن، ويلزم المغمى عليه فقط، يعني: دون المجنون والنائم.

ثم قال المؤلف: (ويجب تعيين النية من الليل) النية والإرادة والقصد معناها واحد، يعني قصد الشيء يعني نيته، إرادة الشيء يعني نيته، والنية لا يمكن أن تتخلف عن عمل اختياري، يعني أن كل عمل يعمله الإنسان مختارًا فإنه لا بد فيه من النية، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (2)، يعني ما فيه عمل بلا نية، حتى قال بعض العلماء: لو كَلَّفَنَا الله عملًا بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق، يعني لو قال الله لنا: توضئوا بلا نية، صلوا بلا نية، صوموا بلا نية، حُجُّوا بلا نية لكان هذا من تكليف ما لا يطاق، مَنْ يُطيق أن يفعل فعلا مختار فعله ولا ينوي؟ هذا لا يمكن.
وبذلك نعرف أن ما يحصل لبعض الناس من الوسواس حيث يقول: أنا ما نويت أنه وهم لا حقيقة له، وكيف يصح أنك لم تنوِ وأنت قد فعلت؟ وذكروا عن ابن عقيل رحمه الله، وهو من الفقهاء ومتكلم الحنابلة، يعني هو من المتكلمين ومن الفقهاء، أنه جاءه رجل يقول له: ياشيخ، أغتسِل في نهر دجلة ثم أخرج وأرى أنني لم أتطهر أو لم أطهُر.
فقال له ابن عقيل: لا تصلِّ.
فقال: كيف؟ قال: نعم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» (3)، وأنت تذهب إلى دجلة -نهر- تنغمس فيه تغتسل عن الجنابة ثم تخرج وترى أنك ما تطهرت، هذا جنون.
فارتدع الرجل عن هذا.
فالحاصل أن النية مصاحبة لكل عمل أيش؟ طالب: اختياري.
الشيخ: اختياري، لا بد، ثم عاد ما هي النية، تختلف؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، وبهذا التقرير يتبين أن الجملتين في الحديث ليس معناهما واحدًا.

المهم المؤلف يقول: (يجب تعيينُ النيةِ) أفادنا بهذه العبارة أنه تجب النية ويجب تعيينها، النية وتعيينها، أنوي الصيام عن رمضان، أنوي الصيام عن كفارة، أنوي الصيام عن نذر أو ما أشبه ذلك، يقول: (من الليل لصوم كل يوم واجب)، (من الليل)، المراد بقوله: (من الليل) ما قبل طلوع الفجر، فيشمل ما كان قبل الفجر بدقيقة واحدة، وإنما وجب ذلك لأن صوم اليوم كاملًا لا يتحقق إلا بهذا، فمن نوى بعد طلوع الفجر هل يقال: إنه صام يومًا؟ طالب: لا.
الشيخ: لا، فلذلك يجب لصوم كل يوم واجب أن ينويه قبل طلوع الفجر، وهذا معنى قول المؤلف: (من الليل)، يعني ليس بلازم أن تُبَيِّت النية قبل أن تنام، الواجب ألا يطلع الفجر إلا وقد نويت؛ لأجل أن تشمل النيةُ جميع أجزاء النهار؛ إذ إنه قد فُرِض عليك أن تصوم يومًا، فإذا كان قد فرض عليك أن تصوم يومًا فلا بد أن تنويه، متى؟ قبل الفجر إلى الغروب؛ ولهذا قال: (النية من الليل)، وهذا التعليل الذي ذكرته لكم يؤيده الحديث الذي ذكره في الشرح عن عائشة مرفوعًا: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» (4) والمراد صيام الفرض، أما النفل فسيأتي.
يقول: (لصوم كل يوم واجب)، يعني يجب أن ينوي كل يوم بيوم، (لصوم كل يوم واجب)، فمثلًا في رمضان كم يحتاج إلى نية.
طلبة: ثلاثين نية.
الشيخ: ثلاثين نية، كل يوم لا بد أن ينوي له نية مستقلة، من ليلته أيضًا، وبناءً على ذلك لو أن رجلًا نام بعد العصر في رمضان ولم يستيقظ من الغد إلا بعد طلوع الفجر فهل يصح صومه اليوم الثاني؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا، لماذا؟ طلبة: لأنه لم ينوِ.

الشيخ: لأنه لم ينوِ صوم هذا اليوم من ليلته، هذا الذي ذكره المؤلف هو المشهور من المذهب، وعللوا ذلك بأن كل يوم عبادة مستقلة، ولذلك لا يفسد صيام يوم الأحد بفساد صيام يوم الاثنين مثلًا، وهذا يدل على أن كل يوم عبادة مستقلة، فيجب أن ينوي لكل يوم نية مستقلة، وذهب بعض أهل العلم إلى أن ما يُشْتَرط فيه التتابع تكفي النية في أوله، ما يشترط فيه التتابع، تكفي النية في أوله، ما لم يقطعه لعذر، فيستأنف النية، وعلى هذا فإذا نوى الإنسان أول يوم من رمضان أنه صائم هذا الشهر كله فإنه يجزئه عن الشهر كله ما لم يحصل عذر ينقطع به التتابع، كما لو سافر في أثناء رمضان فإنه إذا عاد للصوم يجب عليه أن يجدد النية، وهذا هو الأصح؛ لأن المسلمين جميعهم لو سألتهم لقال كل واحد منهم: أنا ناو الصوم أيش؟ طلبة: من أول الشهر.
الشيخ: من أول الشهر إلى آخره.
وعلى هذا فإذا لم تتحقق النية حقيقة فهي متحققة حكمًا؛ لأن الأصل عدم القطع، ولهذا قلنا: إذا انقطع التتابع لسبب يبيحه ثم عاد إلى الصوم فلا بد من تجديد النية، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس، وهو الذي لا يسع الناس العمل إلا عليه.
رجل عليه صيام شهرين متتابعين هل يلزمه أن ينوي لكل يوم نية جديدة؟ طلبة: (... ). الشيخ: نعم، على ما مشى عليه المؤلف يجب أن ينوي لكل يوم نية جديدة، وعلى القول الذي اخترناه؟ طلبة: لا يجب.
الشيخ: لا يجب؛ لأن هذا يلزم فيه التتابع، فإذا أمسكْتَ بأوله فأنت في النية حكمًا إلى أن ينتهي، وعليه فإذا نوى -حينما شرع في صوم الشهرين المتتابعين- نوى صيام الشهرين المتتابعين، فإنه يكفيه عن جميع الأيام ما لم يقطع ذلك بعذر ثم يعود إلى الصوم فيلزمه أن يجدد النية.
رجل -بناء على هذا القول- نام في رمضان بعد العصر ولم يُفِق إلَّا من الغد بعد الفجر.
طلبة: يصح صومه.
الشيخ: على القول الراجح؟ طلبة: يصح صومه.

الشيخ: يصح صومه؛ لأن النية الأولى كافية، والأصل بقاؤها، ولم يوجد ما يزيل استمرارها.
قال المؤلف: (لا نية الفريضة) يعني لا تجب نية الفريضة.
طلبة: (الفرضية).
الشيخ: أنا عندي (الفريضة)، لكن الفريضة والفرضية المعنى واحد، يعني: لا يجب أن ينوي أنه يصوم فرضًا؛ لأن التعيين يغني عن ذلك، إذا قال: أنا أنوي صيام رمضان فمعلوم أن صيام رمضان؟ طلبة: فرض.
الشيخ: فرض، ولو قال: أنا أنوي صيام كفارة قتل أو كفارة يمين فمعلوم أنه؟ طلبة: فرض.
الشيخ: فرض، كما قلنا في الصلاة: إذا نوى أن يصلي الظهر لا يحتاج أن يقول: فريضة أو أن ينوي أنها فريضة؛ لأنه معروف أن الظهر فريضة، وعلى هذا فنقول: نية الفريضة ليست بشرط.
ولكن هل الأفضل أن ينوي القيام بالفريضة أو لا؟ الأفضل أن ينوي القيام بالفريضة، يعني أن ينوي رمضان على أنه قائم بفريضة؛ لأن الفرض أحب إلى الله من النفل، لكنه ليس بواجب.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله في الشرح مسائل ينبغي أن نذكرها؛ لأنها مفيدة، فقال رحمه الله: ومن قال: أنا صائم غدًا إن شاء الله مترددًا فسدت نيته، لا متبركًا، إذا قال: أنا صائم غدًا إن شاء الله ننظر: هل مُرادُه الاستعانة بالتعليق بالمشيئة على تحقيق مراده؟ إن قال نعم؟ أجيبوا.
طلبة: صح صومه.
الشيخ: فصيامه صحيح؛ لأن هذا ليس تعليقًا، ولكنه استعانةٌ بالتعليق بالمشيئة لتحقيق مراده؛ لأن التعليق بالمشيئة مما يكون سببًا لتحقيق المراد، ويدل لهذا حديث سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام حينما قال: والله لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، تلد كل واحدة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله.
فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف على تسعين امرأة يجامعهن ولم تلد منهن إلَّا واحدة شِقَّ إنسان، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ لَكَانَ دَرَكًا (5) لِحَاجَتِهِ» (6). فإن قال ذلك مترددًا، يعني ما يدري هل يصوم أو لا يصوم فإنه؟

طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن النية لا بد فيها من الجزم، فلو بات على هذه النية قال: أنا صائم غدا إن شاء الله، فإن صومه -إن كان فرضًا- لا يصح إلَّا أن يستيقظ قبل الفجر وينويه.
قال المؤلف: كما لا يفسُد إيمانه بقوله: أنا مؤمن إن شاء الله غير متردد في الحال، وهذه المسألة اختلف الناس فيها، وتكلمنا عليها منذ عهد.
طلبة: قريب.
الشيخ: قريب أو بعيد؟ طلبة: قريب.
الشيخ: قريب، وحينئذ نسألكم عنها: أولًا هل يجوز أن يقول: أنا مؤمن دون أن يقول: إن شاء الله؟ طالب: نعم ياشيخ، إذا كان في إثبات أصل الإيمان يجب عليه أن يقول: أنا مؤمن، ولا يقول: إن شاء الله، وأيضًا.
الشيخ: ترى يمكن انتقلت إلى التعليق.
الطالب: إذا كان على سبيل الإخبار يجوز.
الشيخ: إذا كان على سبيل الإخبار يجوز، ومنه قول القوم للنبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «مَنِ الْقَوْمُ؟ ». قالوا: طلبة: المسلمون.
الشيخ: المسلمون (7). طالب: اللهم إذا كان من باب الكبرياء فقط فهذا لا يجوز قطعًا.
الشيخ: الكبرياء؟ الطالب: لا يجوز التعظيم وكذا.
طالب آخر: تزكية النفس.
الشيخ: وإن كان من باب التزكية فإنه لا يجوز، الدليل؟ طالب: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: 32].
الشيخ: قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، هذا إذا قال: أنا مؤمن بدون ذكر المشيئة، وإذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله، فما الحكم؟ طالب: فيها تفصيل.
الشيخ: فيها تفصيل.
طالب: إذا قال: إن شاء الله مترددًا فإنه يكفر؛ لأن الشك يُبْطِل الإيمان.
الشيخ: إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله يعني مترددًا فهذا كفر؛ لأن الإيمان لا بد فيه من الجزم، هذا واحد.
طالب: وإن كان قالها هربًا وخوفًا من التزكية -من أن يزكي نفسه- عملًا بقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ وهو غير مشكك ولا متردد في أصل إيمانه فيجوز.
الشيخ: يجوز؟ الطالب: نعم.
الشيخ: أو يجب؟

الطالب: يجب عليه أن يقول: إن شاء الله؛ خوفًا من التزكية.
الشيخ: إذا كان قال ذلك خوفًا من التزكية كان واجبًا عليه؛ لأن التزكية حرام، وما كان هو سببًا لاتقاء الحرام كان واجبًا.
طالب: إن قال ذلك، إن قال: إن شاء الله أي أن إيماني كائن بمشيئة الله هذا جائز.
الشيخ: يعني إن قصد به التعليل؟ الطالب: نعم.
الشيخ: التعليل وأن إيمانه بمشيئة الله فهو جائز، هل لك دليل في هذا؟ الطالب: نعم، قول المُسَلِّم على القبور: السلام عليكم أهل الديار، إلى قوله: وإنَّا إنْ شاء الله بكم لاحقون.
الشيخ: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، فهو يقول: إن شاء الله في أمر مجزوم به؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لكن لبيان أن ذلك؟ طالب: بمشيئة الله.
الشيخ: بمشيئة الله، لو قيل لرجل صلى المغرب الآن: أصليتَ المغرب، فقال: إن شاء الله، هل يصح هذا القول أو لا يصح؟ طالب: إن كان يقصد (... ). الشيخ: إي نعم، قال: فعلت ذلك بمشيئة الله فهو جائز صحيح، وإنْ قصد الإخبار عن الفعل فقط فقوله: إن شاء الله لا وجه له؛ لأنك ما فعلته إلَّا وقد؟ طالب: شاء الله.
الشيخ: وقد شاء الله، وإنْ قَصَد بقوله: إن شاء الله يعني صلاة مقبولة فهذا لا بأس به أيضًا، ولهذا لو قيل له: هل لبِسْتَ ثوبك -وهو عليه الثوب- قال: إن شاء الله يُنكر عليه، كيف تقول: إن شاء الله وهو عليك الآن، إلا إذا كان فقيهًا وقال: أنا أردت بقولي: إن شاء الله أن لُبسي إياه كان بمشيئة الله، فهذا لا يُنْكَر عليه.
طالب: متردد.
الشيخ: كيف يتردد وهو لابسه؟ الطالب: في الصلاة.
الشيخ: في الصلاة أيش متردد؟ هو مصل، لا ما يصح، إذا وقع الفعل ما فيه تردد، إلا إذا كان قصده الثواب، يعني صلاة أثاب عليها فهذا صحيح، ربما يتردد الإنسان لأنه ما يثق بالنفس.
قال: ويكفي في النية الأكل والشرب بنية الصوم.
طالب: القول الراجح يا شيخ؟ الشيخ: في أيش؟ الطالب: في المسألة.
الشيخ: أي مسألة؟ الطالب: إذا قال: إن شاء الله مترددًا.

الشيخ: في الإيمان؟ الطالب: في الصيام.
الشيخ: إي، ما صح.
الطالب: ما يصح صومه؟ الشيخ: ما يصح نعم، ويكفي في النية الأكل والشرب بنية الصوم، يكفي هذا؟ لو قام في آخر الليل وأكل على أنه سحور، يكفي أو لا؟ طلبة: يكفي.
الشيخ: يكفي، حتى إن شيخ الإسلام قال: إن عشاء الصائم -اللي بيصوم غدًا- يختلف عن عشاء من لا يصوم غدًا، أيهما أكثر؟ طلبة: الصائم.
الشيخ: الذي لا يصوم ولَّا الصائم؟ طلبة: الصائم.
الشيخ: لا، الذي لا يصوم؛ لأن الصائم سوف يجعل فراغا للسَّحور.
ثم قال المؤلف رحمه الله -المتن-: (ويصح النفل بنية من النهار قبل الزوال أو بعده).
طلبة: ما بعده.
الشيخ: كيف؟ طلبة: ما بعده.
الشيخ: (ويصح النفل بنية من النهار قبل الزوال أو بعده)، عندكم (ما بعده)، حطوه نسخة، نسخة: (أو بعده).
(يصح النفل) أي: صوم النفل (بنية من النهار قبل الزوال أو بعده) هذا مقابل قوله: (يجب تعيين النية من الليل)، صيام النفل يصح بنية من أثناء النهار، لكن بشرط ألا يأتيَ مُفطرًا من بعد طلوع الفجر، فإن أتى بمفطر فإنه لا يصح، مثال ذلك: رجل أصبح، وفي أثناء النهار صام، وهو لم يأكل ولم يشرب ولم يجامع ولم يفعل مُفطرًا بعد الفجر، نقول: هذا الصوم صحيح، هذا صوم صحيح، مع أنه لم ينوه من قبل الفجر؛ ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل ذات يوم على أهله فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ ». قالوا: لا.
قال: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ» (8)، (إذن) ظرف للزمان الحاضر «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ» فأنشأ النية من النهار ولَّا من قبل؟ طلبة: من النهار.
الشيخ: نعم، من النهار، فدل ذلك على جواز إنشاء النية في النفل من أثناء النهار، ولكن هل يُثاب ثواب يوم كامل؟ أو يُثاب من النية؟ طلبة: (... ).

الشيخ: في هذا قولان للعلماء: فمنهم من قال: إنه يُثاب من أول الفجر، يعني من أول النهار؛ لأن الصوم الشرعي لا بد أن يكون من أول النهار، ومنهم من قال: إنه لا يُثاب إلا من وقت النية فقط، فإذا نوى عند الزوال فكم أجره على القول الثاني؟ طلبة: نصف يوم.
الشيخ: أجر نصف يوم، وهذا القول هو الصحيح؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (2)، وهذا الرجل لم ينوِ إلا في أثناء النهار فيحسب له الأجر من حين نيته، وبناء على هذا القول الراجح لو كان الصوم يُطْلَق على اليوم مثل صيام الاثنين، صيام الخميس، صيام البيض، صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونوى من أثناء النهار فإنه لا يحصُل له ثواب ذلك اليوم، يعني لو نوى في يوم الاثنين نوى من أثناء النهار، فهل يُثاب ثواب من صام يوم الاثنين من أول النهار؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، ولا يصدق عليه أنه صام يوم الاثنين، وكذلك لو أصبح مُفْطِرًا فقيل له: إن اليوم هو اليوم الثالث عشر من الشهر، وهو أول أيام البيض، فقال: إذن أنا صائم، فهل يثاب ثواب أيام البيض؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، بناء على القول الصحيح الذي يكون الثواب من النية، لا يُثاب ثواب صيام أيام البيض؛ لأنه لم يصم يومًا كاملًا، وهذه نقطة قد يظن بعض الناس أن كلام المؤلف يدل على حصول الثواب، حتى في اليوم المعيَّن من النفل، اشترطنا في صحة النية من أثناء النهار في النفل ألَّا يفعل قبلها؟ طلبة: مُفطرًا.
الشيخ: مُفطرًا، فلو أن الرجل أصبح مُفْطِرًا وأفطر، أكل خبزًا وأدمًا وشاهيًا وحليبًا، وفي أثناء الضحى قال: نويت الصيام؛ لأنه نفل، يصح أو لا؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: لماذا؟ طلبة: (... ). الشيخ: لأنه فعل ما ينافي الصوم.

لو قال قائل: ألستم تقولون: إنه لا يُثاب على أجر الصوم إلَّا من النية؟ أو ترجحون ذلك؟ قلنا: بلى، ولكن هل يمكن أن يكون صومٌ وقد أكل أو شَرِب في يومه؟ هذا لا يمكن، ولهذا نجد أن الصغار من الفتيان والفتيات إذا صاح على أهله وقال: أنا أريد أن أصوم، يقولون له بعد الفطور: صم، إلى متى؟ طلبة: (... ). الشيخ: إلى أن يأتي الغداء، إذا جاء الغداء بيقول: عطونا غدا، نعطيه الغدا، وحينئذ يكون صائمًا، صيام فتى، أو صيام غلام.
ويقول: (ويصح النفل بنية من النهار قبل الزوال أو بعده)، والدليل كما سمعتم، (ولو نوى إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي لم يجزئه)، هذه مسألة مهمة تَرِد كثيرًا، (لو نوى إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي)، سواء قال: وإلا فنفل، أو: وإلا فأنا مُفطِر، رجل نام في الليل مبكرًا ليلة الثلاثين من شعبان، وفيه احتمال أن تكون هذه الليلة هي؟ طلبة: واحد رمضان.
الشيخ: واحد رمضان، فقال: إن كان غدًا من رمضان فهو فرضي، أو قال: إن كان غدًا من رمضان فأنا صائم، أو قال: إن كان غدًا من رمضان فهو فرض، وإلا فهو عن كفارة واجبة، أو ما أشبه ذلك من أنواع التعليق، فهل يصح؟ المذهب -كما رأيتم- يقول: لا يصح؛ لأن قوله: إن كان فهو فرضي وقع على وجه التردد، والنية لا بد فيها من الجزم، فلو بان من رمضان، يعني مثلًا الرجل نام ولم يستيقظ إلَّا بعد طلوع الفجر ثم تبين أنه من رمضان، فهل عليه القضاء؟ قضاء هذا اليوم؟ طلبة: نعم.

الشيخ: نعم، على ما مشى عليه المؤلف يجب عليه قضاء هذا اليوم؛ لأن هذا اليوم لم يصح صومه، والرواية الثانية عن الإمام أحمد في هذه المسألة أن الصوم صحيح إذا تبين أنه من رمضان، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولعل هذا يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لضُباعة بنت الزُّبَيْر: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي؛ فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (9)، فهذا الرجل علَّقَه لأنه لا يعلم، هو لا يعلم أن غدًا من رمضان فيتردد، فتردده مبني على التردد في ثبوت الشهر، لا على التردد في هل يصوم أو لا يصوم، ولهذا لو قالها ليلة الواحد من رمضان المؤكد أنها من رمضان، لو قال: أنا غدا، يعني يمكن أن أصوم ويمكن لا أصوم قلنا: هذا ما صح، لم يصح؛ لأنه متردد، لكن هذا التردد ليس مبنيًّا على التردد في النية، وإنما مبني على التردد في أيش؟ طلبة: في ثبوت الشهر.
الشيخ: في ثبوت الشهر، وإذا عَلَّق الصوم على ثبوت الشهر، فهذا هو الواقع، لو لم يثبت الشهر لم يصم، وعلى هذا فينبغي لنا إذا نمنا قبل أن يأتي الخبر في ليلة الثلاثين من شعبان، أن ننوي بأنفسنا أنه إن كان غدًا من رمضان فنحن صائمون، وإن كان بالنية على سبيل العموم نية كل مسلم لكن تعيينها أحسن؛ يقول في نفسه: إن كان غداً من رمضان فهو فرضي.
لو قال ذلك ليلة الثلاثين من رمضان وقال: إن كان غداً من رمضان فأنا صائم، وإلَّا فأنا مفطر؟ طالب: بس ما يحتاج (... ). الشيخ: هو قال هكذا: إن كان غدًا من رمضان، ليلة الثلاثين من رمضان، فيه احتمال ألا يكون، إن كان غدًا من رمضان، يعني فأنا صائم، وإلَّا فأنا مفطر، يقولون: إن هذا جائز، والواقع أن هذا فيه تردد في النية لكنه مبني على ثبوت؟ طلبة: الشهر.

الشيخ: ثبوت الشهر، فإذا كان كذلك فينبغي أن يكون في أول الشهر كما كان في آخره، لكن هم يُفَرِّقُون بأنه في أول الشهر الأصل عدم الصوم؛ لأنه لم يثبت دخول الشهر، وهنا بالعكس الأصل أيش؟ طلبة: الصوم.
الشيخ: الأصل الصوم، الأصل أن غدا الثلاثين من رمضان، ولكن هل هذا التفريق فَرْق مؤثر؟ هو في الواقع غير مؤثر بالنسبة للتردد، كلاهما متردد، والاحتمال في كليهما وارد، فيوم الثلاثين من شعبان فيه التردد: هل يكون من رمضان أو لا؟ ويوم الثلاثين من رمضان فيه التردد: هل يكون من رمضان أو لا؟ لكن الفرق عندهم هو ما سمِعتم.
ثم قال: (ومن نوى الإفطار أفطر)؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (2) فما دام ناويًا للصوم فهو صائم، وإذا نوى الإفطار؟ طلبة: أفطر.
الشيخ: أفطر، صار مفطرًا، ولأن الصوم نية، ليس شيئًا يفعل، بل هو نية، فإذا نوى الإفطار أفطر، كما لو نوى قطع الصلاة فإنها أيش؟ طلبة: تنقطع.
الشيخ: تنقطع الصلاة، ولكن ما معنى قول المؤلف: (أفطر) معناه: انحلَّتْ نيته، وفسد يومه، لكن لو نواه بعد ذلك نفلًا في أثناء النهار، لو نواه نفلًا أيجوز هذا أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز، إلَّا أن يكون في رمضان، فإن كان في رمضان فإنه لا يجوز.
مثال آخر: إنسان صام يومًا نفلًا، ثم نوى الإفطار، ثم قيل له: كيف تفطر؟ ما بقي من الوقت إلا قليل أقل من نصف اليوم، قال: إذن هَوَّنْت، أنا صائم، هل يُكتب له يوم؟ أو من النية الثانية؟ طلبة: من النية الثانية.
الشيخ: من النية الثانية؛ لأنه قطع النية الأولى وصار مُفْطِرًا، لكن يصح أن ينوي النفل من أثناء النهار، إلَّا إذا كان في رمضان فإن رمضان لا يصح فيه صوم أي يوم.
طالب: بارك الله فيكم، نوى أن يفطر، لكن مثلًا ما وجد أكلا، نوى أن يفطر ما وجد أكلًا، فأتم صيامه فرضًا، هل يصح هذا الفرض؟ الشيخ: ما يصح؛ لأنه نوى الفطر.
الطالب: لكن ما نوى (... ).

الشيخ: أما لو نوى أن يُفْطِر بمعنى أنه يقول: إن وجدتُ ماء شربت، أو إن وجدتُ طعامًا أكلت، ولكنه ما فعل فإنه لا يُفْطِر، والفرق أن الأول جزم بالقطع، والثاني عزم على فعل المحظور، ولم؟ طلبة: يفعله.
الشيخ: ولم يفعله.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا (... ) السابقة أن الإنسان لو عمل رياء عملًا صالحًا (... ) رياء فإنه ليس له من الأجر شيء، ولكن لو تاب إلى الله عز وجل واحتسب العمل مرة أخرى فإن له الأجر.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فما الفرق بينه وبين الذي في أثناء النهار وجد طعامًا؟ الشيخ: لأن هذا الصوم يوم.
الطالب: وجد طعام فنوى الصيام فلماذا قلنا: له نصف الأجر أو نصف (... ). الشيخ: لأنه يصح النفل بنية من النهار كما جاء في الحديث.
الطالب: أقصد الأجر.
الشيخ: كيف؟ الأجر ما له إلا من نصف اليوم.
الطالب: لأني ياشيخ أقول: إنه يحتسب بعد أن تاب.
الشيخ: في الرياء يعني؟ الطالب: يعني عمل عملًا من الأعمال الصالحة رياء، ثم تاب إلى الله.
الشيخ: تاب متى؟ الطالب: تاب بعد العمل واحتسبه مرة أخرى (... ) الأجر.
الشيخ: لا، ما وصله أجر، إذا تاب يسقط عنه الإثم فقط.
الطالب: وليس له.
الشيخ: وليس له أجر.
طالب: أفطر في أثناء رمضان لعذر، ثم نام من بعد العصر ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس؟ الشيخ: يقول: لو أنه أفطر لعذر في رمضان، ثم نام من بعد العصر ولم يستيقظ إلا بعد الفجر غدًا؟ طالب: إذا صام يومًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: نوى صيامه، ثم (... ). الشيخ: إي نعم لكن من نيته؟ الطالب: أن يصوم.
الشيخ: أن يستمر يعني، يكفي، على القول الذي رجحناه يكفي.
طالب: شيخ، بالنسبة (... ). الشيخ: أنتم فاهمون السؤال هذا؟ طالب: لا ما هو واضح ياشيخ.

الشيخ: يقول: رجل مسافر، والمسافر له أن يفطر في رمضان، أفطر يومًا أو يومين، ثم بدا له أن يصوم، ونوى الصوم بقية الشهر، ثم في يوم من الأيام نام من بعد العصر إلى بعد الفجر، هل يصح يومه هذا؟ يصح صوم يومه هذا أو لا؟ على القول الذي رجحناه يصح؛ لأنه نوى الاستمرار في الصوم إلى آخر الشهر.
طالب: شيخ، إذا قلنا: إنه يفطر، هل (... ) وهو في رمضان أن يمسك أو لا؟ الشيخ: سؤال جيد، يقول: لو نوى الإفطار في رمضان قلنا: إنه يُفطر، لكن هل يجوز له أن يستمر في الفطر يأكل ويشرب؟ نقول: إن كان يباح له الفطر فلا بأس، كالمريض مثلًا أو المسافر، وإن كان لا يباح له الفطر، فإنه يلزمه الإمساك والقضاء.
والقاعدة في هذه المسألة: أن كل من أفطر لعذر فإن له الأكل بقية نهاره، لو أفطر لإنقاذ معصوم في رمضان وأنقذه فهل يلزمه الإمساك بقية اليوم؟ الطالب: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه؛ لأن هذا اليوم في حقه لا يلزمه صومه، فلا يلزمه الإمساك، خلافًا لما يظنه بعض الناس أنه إذا أفطر لإنقاذ معصوم وأنقذ المعصوم، فقد انتهت الحاجة إلى الأكل والشرب فيلزمه الإمساك، هذا ليس بصحيح.
والقاعدة الآن: من أفطر لغير عذر في رمضان أيش؟ الطالب: وجب عليه الإمساك.
الشيخ: وجب عليه الإمساك بقية اليوم مع الإثم، ومن أفطر لعذر فلا إثم عليه، ولا يلزمه الإمساك.
طالب: الفرق بينه وبين الصلاة.
الشيخ: أيش؟ الطالب: الصلاة يقطعها؟ ينوي قطع الصلاة ثم يكمل (... ) وألا يستمر؟ الشيخ: لا، انقطعت خلاص.
الطالب: (... ). الشيخ: أي صيام؟ الطالب: لو نوى (... ). الشيخ: لو نوى قطع الصيام انقطع الصوم.
الطالب: (... ). الشيخ: إذا نوى الإفطار لعذر شرعي في رمضان أفطر ويأكل ويشرب.
طالب: لكن من غير عذر.
الشيخ: لا، بغير عذر يلزمه الإمساك، في رمضان خاصة احترامًا للزمن.
طالب: ما الفرق بينه وبين الصلاة؟ الشيخ: الصلاة ما فيها زمن محدد.
طالب: (... ). الشيخ: أيضًا (... ).

طالب: من أفطر لغير عذر يا شيخ.
الشيخ: نعم، السؤال.
طالب: إذا كان صائمًا في رمضان، ونوى السفر، وأراد السفر، ونوى الإفطار بعد أن يخرج من العمران، ثم حصل له شيء فترك السفر فهل تنقطع؟ الشيخ: ما تنقطع.
الطالب: ما ينقطع الصيام؟ الشيخ: يستمر.
الطالب: يستمر في الصيام.
الشيخ: إي نعم.
الشيخ: لأنه ما نوى الإفطار، نوى الإفطار إذا سافر.
طالب: أحسن الله إليك ياشيخ، من أفطر لغير عذر هل يلزمه القضاء مع الإثم؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: والحديث ياشيخ «مَنْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ» لا يقوى له.
الشيخ: «لَمْ يَقْضِهِ صَوْمُ الدَّهْرِ» (10). الطالب: نعم.
الشيخ: هذا أولًا ضعيف، والثاني على تقدير صحته لم يقضه صوم الدهر، يعني بمعنى أنه لا يمكن أن يكون كالذي أدَّاه في وقته، أما من لم يصم أصلًا فهذا لا يُقبل منه ولا يقضي، لو قضى لم يُقبل منه.
عرفت الفرق؟ يعني رجل تعمد ألا يصوم يومين من رمضان، ولم يصم، هذا نقول: لا يقضي؛ لأنه لو قضى لم ينفعه؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (11) لكن من شرع في صوم اليوم ثم أفسده لزمه القضاء، والفرق أنه لما شرع فيه ألزم نفسه به، فصار في حقه كالنذر، فيلزمه القضاء، بخلاف من لم يشرع أصلًا.
طالب: بارك الله فيك، ما تستطيع أن تحصي الأيام التي تجب فيها النية قبل الفجر، يعني الأيام التي فرض.
الشيخ: كل صوم واجب.
الطالب: مثل يعني الكفارة قصدي.
الشيخ: لا، الكفارة لازم من قبل الفجر، سواء كفارة ظهار أو كفارة قتل أو جماع في رمضان أو كفارة يمين أو نذر، القاعدة: كل صوم واجب لا بد أن ينوي قبل الفجر.
طالب: شيخ شرطتم أن العبادة التي نيتها متتابعة.
الشيخ: أيش؟

الطالب: إذا كان فيه تتابع في العبادة فيكفي النية في أولها، النية في أول العبادة بالنسبة للحديث ياشيخ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصَّوْمَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» (4) الرد عليه؟ الشيخ: الرد على هذا أنَّا نُبَيِّتُه مو قبل الفجر فقط، من قبل يومين، ما هو بقبل الفجر فقط، انتهى؛ لأن هذا قد أشار قبلك.
طالب: (... ) ذكرنا الراجح أن (... ). الشيخ: أيش؟ الطالب: الراجح أن ما يشترط فيه التتابع يكفي نية واحدة هل هذا ينطبق على الصوم؟ وهل الصوم يشترط فيه التتابع؟ الشيخ: هل أيش؟ الطالب: هل الصوم يشترط فيه التتابع؟ الشيخ: بعضه يشترط وبعضه لا يُشترط، صيام شهرين متتابعين يُشترط، رمضان يُشترط.
الطالب: من سافر ينقطع (... )؟ الشيخ: ذكرنا إنه إذا قطعها بالسفر لا بد من تجديد النية.
الطالب: وهذه القاعدة ما الدليل عليها؟ الشيخ: (... ) استثنينا أنه ما لم يوجد سبب شرعي يبيح الفطر فلا بد من استئناف النية.
الطالب: دليلنا على هذه القاعدة، أليس هو التتابع؟ الشيخ: الدليل لأن الإنسان نوى هذا، من الأصل ناو يصوم من واحد رمضان إلى ثلاثين من رمضان، أو إلى تسع وعشرين.
الطالب: ما هو بقياس على الحج أو على الصلاة؟ الشيخ: لا، هو مستقل بنفسه، ما يحتاج قياس، «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، لكن مراد الحديث: لو نويت في أثناء النهار وهو صوم واجب ما أجزأ؛ لأنه لا يقال: إنك صمت يومًا.
(... ) في أثناء النهار فما توجيهكم لذلك؟ توجيهنا لهذا أن عاشوراء لم يؤمر به إلا في ذلك الوقت، وأما صوم النفل فقد أُمر به من قبل، أخذنا ثلاثة الآن؟


[باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة]

طالب: أو استعط، أو احتقن، أو اكتحل بما يصل إلى حلقه، أو أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان غير إحليله، أو استقاء، أو استمنى، أو باشر فأمنى، أو أمذى، أو كرر النظر فأنزل، أو حجم، أو احتجم وظهر دم، وظهر دم عامدًا ذاكرًا لصومه، فسد، لا ناسيًا أو مكرهًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، قال المؤلف: (باب ما يفسد الصوم ويوجب الكفارة).
والمفسد للصوم يسمى عند العلماء المُفطرات، وأصولها ثلاثة؛ ذكرها الله عز وجل في قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] هذه أصول المُفطرات، وقد أجمع العلماء على مدلول هذه الثلاثة، وما سوى ذلك فيأتي -إن شاء الله- الكلام فيه.
أولًا: الأكل: الأكل: إدخال الشيء إلى المعدة عن طريق الفم، وقولنا: إدخال الشيء يشمل ما ينفع وما يضر، وما لا يضر ولا ينفع، ما ينفع كاللحم والخبز والسَّوِيق، وما أشبه ذلك، وما يضر: كأكل الحشيشة، والخمر يسمى شربًا، وما أشبهها، وما لا نفع فيه ولا ضرر مثل أن يبتلع الإنسان خَرَزَة، خرزة سبحة أو نحوها، فهذا لا ينفع ولا يضر، ومع ذلك يكون مُفطرا، ووجه العموم إطلاق الآية: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، وهذا يسمى أكلًا.
وقال بعض أهل العلم: إن ما لا يغذي لا فِطر بأكله، وبناءً على هذا فإن بلع الخرزة لا يُفطر، أو الحصاة، أو ما أشبهها، والصحيح أنه عام، وأن كل ما ابتلعه الإنسان من نافع أو ضار أو ما لا نفع فيه ولا ضرر فإنه مُفطر لإطلاق الآية، هذه واحدة.

الثانية: (أو شرب)، الشرب يشمل ما ينفع وما يضر، ويمكن أن نقول: ما لا نفع فيه ولا ضرر، إن كان فلنقله، المهم أنه يشمل كل ما يُشرب من ماء أو مرق أو لبن أو دم أو دخان أو غير ذلك، كل ما يُشرب فهو داخل في قول المؤلف: (أو شرب).
قال: (أو استعط)، استعط يعني تناول السَّعُوط، والسَّعُوط ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف، فإنه أيضا مُفطر؛ لأن الأنف مَنْفَذ يصل إلى المعدة، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للَقيط بن صَبِرة: «بَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (12)، فقوله صلى الله عليه وسلم: «إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» يدل على أن الصائم لا يبالغ في الاستنشاق، ولا نعلم لهذا علة إلَّا أن المبالغة تكون سببًا لوصول الماء إلى المعدة، وهذا مخل بالصوم، وعلى هذا فنقول: كل ما وصل إلى المعدة عن طريق الأنف فإنه مُفطر، ودليله ما ذكرناه من حديث لَقيط بن صَبِرة رضي الله عنه.

قال المؤلف: (أو احتقن)، الاحتقان هو إدخال الأدوية عن طريق الدُّبُر، وهو معروف، ولا يزال معروفًا، فإذا احتقن فإنه يُفْطِر بذلك، لماذا؟ لأن العلة وصول الشيء إلى الجوف، والحقنة تصل إلى الجوف، يعني تصل إلى شيء مجوف في الإنسان، تصل إلى الأمعاء فتكون مُفَطِّرة، بناء على أن العلة وصول الطعام والشراب إلى الجوف، فإذا وصل إلى الجوف عن طريق الفم أو الأنف أو أي منفذ كان فإنه يكون مُفَطِّرًا، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وعليه أكثر أهل العلم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: لا فِطْر بذلك، أن الحقنة لا تفطر لأنها لا يُطلق عليها اسم الأكل والشرب، لا لغة ولا عرفًا.

وليس هناك دليل في الكتاب والسُّنَّة أن مناط الحكم وصول الشيء إلى الجوف، لو كان هناك دليل لقلنا: كل ما وصل إلى الجوف من أي منفذ كان فإنه مُفَطِّر، لكن الكتاب والسُّنَّة دلَّا على شيء معين، وهو الأكل والشرب، وهذا ليس أكلًا ولا شربًا، لا عرفًا ولا لغة، وليس مناط الحكم أن يصل الشيء إلى الجوف حتى نقول: إن هذا مُفَطِّر، لكن بعض العلماء المعاصرين يقول: إن الحقنة إذا وصلت إلى الأمعاء فإن البدن يمتصها عن طريق الأمعاء الدقيقة، وإذا امتصها انتفع منها، فكان ما يصل إلى هذه الأمعاء الدقيقة كالذي يصل إلى المعدة من حيث التغذي به، وهذا من حيث المعنى قد يكون قويًّا، لكن قد يقول قائل: إن العلة في تفطير الصائم بالأكل والشرب ليست مجرد التغذية، وإنما هي التغذية مع التلذذ بالأكل والشرب، فتكون العلة مركبةً من جزأين، أحدهما: وصول الشيء إلى الجوف، والثاني: التلذذ بالأكل والشرب؛ لأن التلذذ بالأكل والشرب مما تطلبه النفوس، والدليل على هذا أن المريض إذا غُذِّي بالإبر لمدة يومين ثلاثة تجده في أشد ما يكون شوقًا إلى الطعام والشراب، مع أنه متغذٍّ، فلقائل أن يقول: ليست العلة هي وصول الشيء إلى الجوف، بل العلة مركبة من شيئين: أحدهما ذلك، والثاني التلذذ.
وبناء على هذا -وليس هذا ببعيد- نقول: إن الحقنة لا تُفَطِّر مطلقًا، ولو كان الجسم يتغذى بها عن طريق الأمعاء الدقيقة، فيكون القول الراجح في هذه المسألة قول شيخ الإسلام ابن تيمية مطلقًا، ولا التفات إلى ما قاله بعض المعاصرين وهو أن الحقنة لا تُفَطِّر.
ومن الحقن المعروفة الآن ما يوضع في الدبُر عند شدة الحمى، فإن هذا معروف عند الأطباء، ومنها أيضًا ما يُدْخَل في الدبر من أجل العلم بحرارة المريض وما أشبه ذلك، فكل هذا لا يُفَطِّر.

ثم لدينا قاعدة مهمة لطالب العلم، وهي أننا إذا شككنا في الشيء أَمُفَطِّر هو أم لا فما الأصل؟ الأصل عدم الفطر، فلا نجرؤ على أن نُفْسِد عبادة مُتَعَبِّد لله إلا بدليل واضح يكون لنا حجة عند الله عز وجل، فالحقنة مثلا لا شك أنها ليست أكلًا ولا شربًا، ولا يحصل بها ما يحصل بالأكل والشرب من التلذذ، فلذلك لا نُلحِقها بالأكل والشرب إلَّا بشيء نعتمد عليه بَيِّن وواضح.
قال: (أو اكتحل بما يصل إلى حلقه) (اكتحل) الكحل معروف، اكتحل بما يصل إلى الحلق، فإنه يُفَطِّر؛ لأنه وصل إلى شيء مجوف في الإنسان وهو الحلق، هذا هو تعليل من قال: إن الكحل يُفَطِّر، ولكن هذا التعليل فيه نظر، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى أن الكحل لا يفطر ولو وصل طعم الكحل إلى حلقه، وقال: إن هذا لا يسمى أكلًا ولا شربًا ولا بمعنى الأكل والشرب، ولا يحصل به ما يحصل بالأكل والشرب، وليس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديث صحيح صريح يدل على أن الكحل مُفَطِّر، والأصل عدم التفطير وسلامة العبادة حتى يثبت لدينا ما يُفْسِدها، وما ذهب إليه رحمه الله هو الصحيح، وأن الكحل لا يفطر ولو وجد الإنسان طعمه في حلقه، وبناءً على ذلك لو أنه قطر في عينه وهو صائم فوجد الطعم في حلقه فإنه لا يُفْطِر لذلك بناءً على ما اختاره شيخ الإسلام، وهو حق إن شاء الله.
قال: (أو أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان غير إحليله)، إذا أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان -غير الإحليل- فإنه يفطر بذلك، فلو أن الإنسان أدخل منظارًا إلى المعدة حتى وصل إلى المعدة فإنه يكون بذلك مُفْطِرًا، والصحيح أنه لا يُفْطِر بهذا إلا أن يكون في هذا المنظار دهن أو نحوه يصل إلى المعدة بواسطة هذا المنظار، فإنه يكون بذلك مُفْطِرًا، ولا يجوز استعماله في الصوم الواجب إلَّا للضرورة.

لو أن الإنسان كان له فتحة في بطنه وأدخل إلى بطنه شيئًا عن طريق هذه الفتحة، هل يفطر بذلك أو لا؟ نقول: على ما مشى عليه المؤلف: يُفْطِر، وعلى القول الثاني: لا يُفْطِر.
نقول: إذا أدخل إلى جوفه شيئًا من أي موضع كان غير الإحليل، الإحليل يعني الذَّكَر، لو أدخل عن طريق الذَّكَر خيطًا فيه طعم دواء فإنه لا يُفْطِر بذلك، لماذا؟ لأن الذكر لا يصل إلى الجوف ما دخل عن طريقه، فإن البول إنما يخرج رشحًا، هكذا علل الفقهاء -رحمهم الله- البول يجتمع في المثانة، وإذا أراد أن يخرج فإنه يخرج رشحًا، هكذا يقولون.
وقد يقال: إن في هذا نظرًا؛ لأن البول إذا أراد الله أن يخرج فإنه ينفتح، تنفتح المثانة وينزل البول، وهذا يدل على أنه يصل إلى المثانة، لكن يقولون: إن المثانة أيضا لا تتصل بالبدن؛ لأن الماء ينزل إليها عن طريق الرشح؛ لأنه ليس لها إلا ثقب واحد، والحمد لله نحن نقول: إننا في غنى عن هذه التعليلات؛ بماذا؟ طلبة: (... ). الشيخ: بالأصل أن المُفَطِّر هو الأكل والشرب، وما أُدْخِل من طريق الإحليل لا يسمى أكلًا ولا شربًا، وإذا كانت الحقنة -وهي التي تُدْخَل عن طريق الدبر- لا تفطر فما دخل عن طريق الإحليل من باب أَوْلَى.

قال المؤلف: (أوِ استقاء)، استقاء يعني استدعى القيء، ولكن لا بد من قيد: استقاء فقاء، فلو استدعى القيء ولكنه لم يقئ فإن صومه لا يفسد، بل لا يفسد إلا إذا استقاء فقاء، ولا فرق بين أن يكون القيء قليلًا أو كثيرًا ما دام قيئًا، أما ما خرج بالتعتعة من الحلق فإنه لا يُفَطِّر، لا يُفَطِّر إلَّا ما خرج من المعدة، سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ، وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ» (13) ذرعه يعني غلبه.
واستدعاء القيء له طرق: النظر والشم والعصر والجذب، هذه أربعة أشياء، وربما نقول: السمع أيضًا، أما النظر فأن ينظر الإنسان شيئًا كريهًا فتتقزز نفسُه ثم يتقيأ، وأما الشم فظاهر؛ يشم رائحة كريهة فيتقيأ، وأما العصر فأن يعصر بطنه عصرًا شديدًا إلى فوق ثم يتقيأ، وأما الجذب فأن يدخل أصبعه في فمه حتى يصل إلى أقصى حلقه ثم يتقيأ، والسمع ربما يسمع شيئا كريهًا، وبعض الناس نفسه قريبة فيتقيأ، المهم إذا غَلَبَه القيء فلا شيء عليه، وإن تعمده هو فعليه القضاء، والدليل حديث أبي هريرة، وقال بعض العلماء: إنه لا فطر بالقيء ولو تعمده؛ بناء على قاعدة قَعَّدوها، وهي: الفطر مما دخل لا مما خرج، والوضوء مما خرج لا مما دخل، قاعدتان متقابلتان.
وبناء على هذه القاعدة التي ليست بصحيحة قالوا: إنه لا نقض بأكل لحم الإبل، لا ينتقض الوضوء؛ لأن لحم الإبل داخل وليس بخارج، ولا فساد للصوم بأيش؟ طالب: بالقيء.

الشيخ: بالقيء والحجامة؛ لأن هذا خارج وليس بداخل.
ولكن من المعلوم أن هذا رأي يقابل النص، ويعارض النص، والرأي المقابل للنص المعارض له رأي فاسد، لا عبرة به، نقول لصاحبه: ﴿أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 140]، ما دام هذا حكم الله فإنه خير من الرأي، ولكن مع ذلك نحن قلناه لنبين لكم أن من العلماء من يذهب مذهبًا غريبًا، القاعدتان أول ما يسمعهما الإنسان يقول: ما أحلاهما، ولكن إذا كانتا تخالفان النص فلا خير فيهما.
يقول رحمه الله: (أو استمنى)، استمنى يعني طلب خروج المني بأي وسيلة، ولكن سيذكر المؤلف في الآخِر (فأمنى، أو أمذى)، إذا استمنى يعني استدعى المني سواء بيده أو بالتدلُّك على الأرض أو ما أشبه ذلك حتى أنزل، فإن صومه يفسد بذلك، وهذا ما عليه الأئمة الأربعة رحمهم الله؛ مالك والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وأبى الظاهرية ذلك وقالوا: لا فطر بالاستمناء ولو أمنى، أين الدليل من القرآن والسُّنَّة على أنه يُفْطِر بذلك؟ فإن أصول المُفَطِّرات كم؟ طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، وليس هذا منها، فيحتاج إلى دليل، ولا يمكن أن نُفْسِد عبادة عباد الله إلَّا؟ طلبة: بدليل.

جارٍ التحميل