الشيخ: لا بخصوص السبب، وحينئذٍ نجيب على هذا فنقول: الخصوصية نوعان: خصوصية شخصية، وخصوصية نوعية، نوع وشخص؛ فالخصوصية الشخصية أن تقول: هذا الحكم خاص بهذا الرجل لا يتعداه إلى غيره، هذا يحتاج إلى دليل، وهذا هو الذي تقول فيه: العبرة بعموم اللفظ.
طلبة: لا بخصوص السبب.
الشيخ: لا، بخصوص السبب، فآية اللعان وردت في قصة رجل معين، آية الظهار كذلك، فهل العبرة بالعموم أو بالخصوص؟
طالب: بالعموم.
الشيخ: بالعموم، كل أحد يثبت له هذا الحكم.
النوع الثاني من الخصوصية: الخصوصية النوعية، وإن شئت فقل: الخصوصية الحالية؛ يعني التي لا يثبت بها العموم إلا لمن كان مثل هذا الشخص؛ أي مثل حاله، أو مثل نوعه، فيقال: ليس من البر الصوم في السفر، لمن؟
طلبة: لمن شق عليه.
الشيخ: لمن شق عليه، كهذا الرجل، ولا يعم كل إنسان صام، فهذا هو التفصيل في شرط أن يكون مقيمًا.
فيه الشرط الخامس: الخلو من الموانع، وهذا خاص بالنساء؛ فالحائض لا يلزمها الصوم، والنفساء لا يلزمها الصوم؛ ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقررًا ذلك: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» (10)، فلا يلزمها الصوم إجماعًا، ولا يصح منها إجماعًا، ويلزمها قضاؤه إجماعًا، ثلاث إجماعات؛ أن الصوم.
طالب: لا يلزمها.
الشيخ: لا يلزمها، وأنه.
طالب:.
لا يصح منها.
الشيخ: لا يصح منها، وأنها تقضيه، والنفساء كالحائض في هذا.
ثم قال المؤلف: (وإذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه)، يعني: وإن لم يكن حال الفطر من أهل الوجوب، ولهذا قال: في أثنائه، أي أثناء النهار (أهلًا لوجوبه)، (إذا قامت البينة)، البينة في دخول الشهر واحد أو متعدد؟
طلبة: (... ).
الشيخ: واحد.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، البينة، ما أقول متى يجب الصوم، واحد، إذا قامت البينة في أثناء النهار مثل أن يكون الذي رآه في مكان بعيد، فحضر إلى القاضي في أثناء النهار، وشهد، يقول المؤلف: (وجب الإمساك والقضاء)، أما وجوب الإمساك فلا شك فيه، ودليله أن النبي صلى الله عليه وسلم حين وجب صوم عاشوراء أمر المسلمين بالإمساك في أثناء النهار، أمرهم بالإمساك في أثناء النهار فأمسكوا؛ ولأن هذا اليوم من رمضان فهو يوم محترم، له حرمته، فلا يمكن أن ينتهك بالفطر.
وأما القضاء فيلزم؛ لأن من شرط صيام الفرض أن يُنوى قبل الفجر؛ لأنه إذا لم يُنوَ إلا في أثناء اليوم صار الصائم صائمًا نصف يوم إذا قام في نصف اليوم، إذا نوى في نصف اليوم صار صائمًا نصف يوم فلا يجزئ، وعلى هذا فيلزمه القضاء لهذه العلة.
أما وجوب الإمساك فلا أعلم هل فيه مخالف أم لا؛ لأنه لا شك قول جمهور العلماء، ودليله واضح، وأما وجوب القضاء فليس فيه دليل، ولكن فيه تعليل وهو عدم النية قبل الفجر، فإذا كانت النية من أثناء اليوم لم يَصدُق عليه أنه صام يومًا، بل صام بعض اليوم؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (11).
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى أنه لا قضاء، يجب الإمساك دون القضاء، وعلَّل ما ذهب إليه أن هؤلاء الذين كانوا يأكلون ويشربون قبل ثبوته بالبينة كانوا يأكلون ويشربون بأمر الله، بإذن الله، قد أحله الله لهم، فهم لم ينتهكوا حرمة، بل هم جاهلون بها، بكون هذا اليوم من رمضان، فيدخلون في عموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وبناءً على قوله: لو لم تقُم البينة إلا بعد الغروب؛ غروب ذلك اليوم لم يلزمهم قضاؤه، فإذا كان الشهر تسعًا وعشرين فقد صاموا بالفعل، كم؟
طلبة: ثمانية وعشرين.
الشيخ: ثمانية وعشرين يومًا.
وأجاب عن قولنا باشتراط النية من قبل الفجر بأن النية تتبع العلم، وأن الله لا يكلف أحدًا أن ينوي ما لم يعلم، والعلم لم يحصل إلا.
طالب: بعد (... ).
الشيخ: في أثناء النهار، فلو أنه نوى بعد العلم ولو بلحظة، يعني لو أخَّر النية بعد العلم لم يصح صومه لا شك، لكن الرجل من حين أن علم نوى، ولا يُكلَّف أن ينوي قبل أن يعلم.
وفيه أيضًا القياس على من أكل قبل غروب الشمس ظانًّا غروبها، ثم تبين أنها لم تغرب، أو من أكل شاكًّا في طلوع الفجر، ثم تبين أنه قد طلع الفجر فإن صومه صحيح.
ولا شك أن تعليله قوي رحمه الله، لكن يرجح قول الجمهور عندي أن من أفطر قبل غروب الشمس ظانًّا غروبها، أو أكل بعد طلوع الفجر ظانًّا أن الليل باقٍ كان عنده نية؛ نية الصوم، فأكل في آخر النهار ظنًّا أن الوقت قد انقضى، أما هؤلاء فليس عندهم نية أصلًا، ولهذا كان الخلاف في المسألتين الأخيرتين في من أكل قبل الغروب أو بعد طلوع الفجر كان أشهر من الخلاف في المسألة الأولى، والمسألة الخَطْب فيها يسير، فكون الإنسان يقضي يومًا ويُبرئ ذمته عن يقين خير من كونه يأخذ بقول شيخ الإسلام رحمه الله، وإن كان له حظ قوي من النظر فيكون في الحقيقة مخاطر.
وقوله: (على كل من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه) ومن كان من قبل هذا اليوم أهلًا للوجوب؟
طلبة: من باب أوْلى.
الشيخ: من باب أوْلى، مثال الذي يكون في أثنائها للوجوب: صبي بلغ في أثناء النهار، ثم قامت البينة فيلزمه.
طالب: الإمساك.
الشيخ: الإمساك؛ لأنه صار في أثناء اليوم من أهل.
طلبة: الوجوب.
الشيخ: من أهل الوجوب، وكذلك لو فُرض أنه قامت البينة وهو لم يبلغ، لكن بلغ بعد قيام البينة فإنه يلزمه الإمساك؛ لأنه صار أهلًا للوجوب، ولكن سيأتينا الخلاف فيما إذا طرأ شرط الوجوب في أثناء النهار، هل يلزم القضاء أو لا يلزم؟ سيأتي إن شاء الله.
(على كل من صار في أثنائه أهلًا لوجوبه، وكذا حائض ونفساء طهُرتا ومسافر قدم مفطرًا) هذه ثلاث مسائل: حائض طهُرت في أثناء النهار، ماذا يلزمها على كلام المؤلف؟
طلبة: الإمساك.
الشيخ: الإمساك والقضاء، نفساء طهرت في أثناء النهار يلزمها الإمساك والقضاء، مسافر قدم مفطرًا، يلزمه الإمساك والقضاء، لماذا؟ لأنه بزوال المانع صار من أهل الوجوب، فألزمناه بالإمساك، ولكونه متلبسًا بمانع في أول النهار وليس من أهل الوجوب ألزمناه بالقضاء، وهذه المسألة فيها عن أحمد روايتان: رواية ما ذهب إليه المؤلف، ورواية أخرى لا يلزمه الإمساك في هذه الصورة، لكن عليهم القضاء، والفرق بينهم وبين ما إذا قامت البينة في أثناء النهار أن هؤلاء لهم الفطر في أول النهار ظاهرًا وباطنًا، هؤلاء الثلاثة لهم الفطر في أول النهار.
طلبة: ظاهرًا وباطنًا.
الشيخ: ظاهرًا وباطنًا، فاليوم في حقهم غير محترم، لكن إذا قامت البينة في أثناء النهار، وكان الرجل في أول النهار قد أكل وشرب، فإن له الفطر ظاهرًا لا باطنًا؛ لأنه لو علم في أن أول النهار من الشهر لزمه.
طلبة: الصوم.
الشيخ: الإمساك، بخلاف من قدم من السفر وهو مفطر، أو طهرت الحائض والنفساء، فإنهم يعلمون أن اليوم من رمضان، لكن لا حُرمة لهذا اليوم في حقهم، ولهذا ذكر صاحب المغني عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: من أكل في أول اليوم فليأكل في آخره، يعني من حل له الأكل في أول اليوم حل له الأكل في آخر اليوم، وهذا هو الصحيح، الصحيح أن المسافر إذا قدم لبلده مفطرًا فإنه لا يلزمه الإمساك، وأن الحائض إذا طهرت مفطرة لا يلزمها الإمساك، العبارة سليمة؟ الحائض إذا طهرت مفطرة.
طلبة: (... ).
الشيخ: هذا لا يستقيم، لأنك إذا قلت: الحائض إذا طهرت مفطرة مفهومه إذا طهرت صائمة، وهذا لا يستقيم، ولهذا الحائض يقول المؤلف حائض ونفساء طهرتا، ومسافر قدم مفطرًا، فقيد المسافر بكونه مفطرًا بخلاف الحائض والنفساء؛ لأنه لا يمكن بحقهما الصوم، فإذا طهرت الحائض لم يلزمها الإمساك، وإذا طهرت النفساء لم يلزمها الإمساك، وحينئذٍ يمكن أن نأتي بمسألة معاياة؛ يعني (لُغْز)، فيقال: رجل بالغ عاقل قادر مسلم في بلده جاز أن يجامع زوجته في نهار رمضان.
طالب: قدم مسافرًا.
الشيخ: مسافر قدم مفطرًا على امرأته التي طهرت من الحيض، فيجوز له أن يجامعها؛ لأن كل واحد منهما لا يلزمه الإمساك.
هذه المسائل الثلاث يمكن أن نعبر عنها بعبارة عامة فنقول: إذا زال مانع الوجوب في أثناء النهار، فهل يلزم القضاء؟ الجواب؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، هل يلزم الإمساك؟
طلبة: لا.
الشيخ: فيه خلاف؛ المذهب نعم، يلزم الإمساك، والصحيح لا يلزم الإمساك، وعرفتم التعليل؛ أن هؤلاء الثلاثة ليس لهذا اليوم حرمة في حقهم؛ لأنهم يجوز لهم الأكل في أول النهار ظاهرًا وباطنًا.
المريض إذا برئ في أثناء النهار.
طلبة: (... ).
الشيخ: وهو مفطر.
طالب: (... ).
الشيخ: مثلهم.
طالب: (... ).
الشيخ: لأنه زال مانع الوجوب كالمسافر إذا قدم مفطرًا.
رجل اضطر إلى الفطر لإنقاذ غريق؟ غريق أو حريق، قال: لا أستطيع أن أنقذه وأنا صائم، أنا تعبان، قلنا: يجب عليك أن تفطر لإنقاذه، فأفطر لإنقاذه، هل نقول: إذا أنقذه يلزمه الإمساك؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: لا؟ لماذا؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لأن هذا الرجل حلَّ له الفطر لسبب مباح، فلا يلزمه، امرأة أفطرت خوفًا على رضيعها؛ لأنها ترضعه، وفي أثناء النهار مات الرضيع.
طلبة: لا يلزمها.
الشيخ: يلزمها الإمساك؟
طلبة: لا يلزمها.
الشيخ: ينبني على الخلاف.
طالب: على القول الصحيح؟
الشيخ: على القول الصحيح: لا يلزمها، إذن يُعنون عن هذه المسائل بماذا؟
طلبة: (... ).
الشيخ: إذا زال مانع الوجوب هل يلزم الإمساك؟ الجواب الصحيح أن نقول: الصحيح لا، والمذهب؟
طلبة: يلزم.
الشيخ: يلزم، طيب، ما دخل؟
طلبة: (... ) المؤذن.
طالب آخر: شيخ، هل يشترط بالنسبة إلى النية بصورة جماعية، ولا لكل صوم نية.
الشيخ: إي، يسأل: يقول: هل يجب لكل صوم نية أو تكفي نية رمضان في أوله؟
الصحيح أنه يُكتفى بنية واحدة من أول الشهر ما لم يوجد عذر يبيح الفطر في أثناء الشهر فيفطر فإنه لا بد من تجديد النية.
طالب: شيخ، إذا قامت البينة في أثناء النهار (... ).
الشيخ: يسأل: يقول: إذا قامت البينة في أثناء النهار، وقلنا بوجوب الإمساك والقضاء، فما فائدة الإمساك؟ فائدة الإمساك أن الأصل في هذا الرجل أن يمسك، لكن رُفع عنه الوجوب من أجل الجهل فتبين الآن أنه يلزمه الإمساك، وبقي النظر لماذا لا يجزئ الإمساك بعض النهار؛ لأنه غير عالم، فقلنا: إن هذا الرجل لم ينوِ من أول، من قبل الفجر.
طالب: (... ) في آخر الوقت، وأنه لا يجوز له أن (... ) لأنه معذور، لا يجوز له أن (... )؛ لأنه معذور (... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: وأما لو تعمد التأخير لآخر الوقت فإنه، فإنه لا يجوز له (... ) يجوز له (... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: ليش؟ لأنه ما وجب عليه، النائم ما يجب عليه.
الشيخ: نعم؛ لأن النائم لم تجب عليه الصلاة إلا حين استيقاظه.
طالب: الفرق بينها وبين مسألة الإمساك لمن وجدت البينة على أن رُئي الهلال في ليلة رمضان.
الشيخ: يعني في أثناء النهار، ما الفرق بين هذا وبين ما إذا قامت البينة في أثناء النهار.
هكذا؟
الطالب: شيء ثانٍ، شيخ، ألزمنا مثلًا شيخ (... ) قلنا: إن الراجح.
الشيخ: اترك الشيء الثاني، الآن؟
الطالب: نحن قلنا: صيام يوم الشك يحرم، وأنه لو صامه يبطل ولا يصح.
الشيخ: نعم.
الطالب: (... ) لو نام عن الصيام يوم الشك، فلما تبين.
الشيخ: ليس هذا يوم شك.
الطالب: يوم ثلاثين.
الشيخ: ليس هذا يوم شك.
الطالب: لا.
الشيخ: قد يكون عندهم ليس شك، قد يكون الجو صافيًا، وقد يكون يظنون أن اليوم هذا تسع وعشرين.
الطالب: طيب، (... ).
الشيخ: الفرق بين المسألة هذه والمسألة الأولى أن النائم معذور بنومه، مرفوع عنه القلم، وهذا معذور بجهله؛ ولذلك لا نُؤثِّمه ولا نقول: تأثم بأكلك وشربك بفعل المفسد، هذا مفسد في الصوم، لكن نقول: لما لم يوجد الشرط وهو نية الصوم من أول النهار فسد المشروط؟
الطالب: مريض يا شيخ يضره الصوم، هل يعتبر صومه منهيًّا عنه؟
الشيخ: نعم.
الطالب: المذهب هل يقضي ولا يقبل صومه؛ لأنه منهي عنه (... )؟
الشيخ: لا، يقولون: إن هذا النهي لا يعود إلى ذات العبادة، يعود إلى ضرر (... ).
الطالب: (... ) المذهب (... ).
الشيخ: لا، ما يرون هذا؛ لأن الضرر عندهم، الضرر ممنوع في الصلاة وغير الصلاة، ويحتمل أنه إذا قالوا بالتحريم، لكنهم لا يقولون بالتحريم أبدًا، المذهب ما رأيتهم قالوا بتحريم الصوم على المريض، لكن القاعدة: إذا ثبت التحريم -ولو لضرره- فإنه يقتضي أن يبطل صومه، هذه القاعدة.
طالب: (... ). النهي لم يعُد (... ).
الشيخ: إي نعم، رجع إلى أمر خارج، وهو ضرر الرجل به، مثل الحرير، الحرير يعود إلى أمر خارج وهو يكون محرمًا على الرجال؛ لأنهم ليسوا أهلًا للبس الحرير.
الطالب: ويش الحكم؟
الشيخ: الحكم لو قالوا بالتحريم يلزم على قاعدتهم ألا يصح.
الطالب: وما الصحيح يا شيخ أنه يصح؟ وهو صحيح (... ).
الشيخ: الظاهر أنه يصح؛ لأن هذا الأمر خارج.
طالب: ويأثم؟
الشيخ: يأثم ما فيه شك، يأثم.
طالب: شيخ، ليس من عادته أن يصوم يومًا من الأيام المعتادة، ثم صام مثلًا يوم الإثنين أو الخميس، وقال: إن كان غدًا صومًا فهو يوم من رمضان، وإن لم يكن صومًا فهو يوم عادي.
الشيخ: فهو نفل.
الطالب: فهو نفل.
الشيخ: نعم.
طالب: وهو ليس من عادته أن يصوم.
الشيخ: نعم، عند شيخ الإسلام يصح، وعلى المذهب لا يصح.
الطالب: (... ).
الشيخ: والله أرى أنه ما يجعل (... ) إن كان من رمضان فهو فرض، وإلا فليس بفرض، ولا يمنح لهذا اليوم، لكن مثل لو صادف مثل الليلة الأخيرة.
الطالب: (... ).
الشيخ: لو قال: أنا أصوم يوم الإثنين إن كان من رمضان فهو فرضي، وإن كان من غير رمضان فهو نفل، فهذا عند الشيخ يصح.
طالب: بس هذا يا شيخ تقدم رمضان به وهو مو من عادته؛ ليس من عادته.
الشيخ: إي، لكن فيه احتمال أن يكون من رمضان.
الطالب: مو بصوم شك؟
الشيخ: لا، يوم الشك الذي نشك في دخوله من أجل غيم أو قتر.
طالب: أحسن الله إليكم، في مسألة إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار قلتم: لا نعلم خلافًا في وجوب الإمساك.
الشيخ: نعم.
الطالب: أحسن الله إليكم، إن كان بعض العلماء ذكر رواية، ولا أدري هل تصح أو لا؛ بأنه لا إمساك، واستدلوا بقول ابن مسعود: من أكل في أول النهار فليأكل في آخره (12).
الشيخ: نعم.
الطالب: وكانوا عللوا بأن الاستدام أفضل من الابتداء، فهل هذا؟
الشيخ: لا، ما هو صحيح، أولًا: معنى كلام ابن مسعود: من حلَّ له الأكل.
الطالب: وهذا ينطبق في مسألة الحائض والنفساء؟
الشيخ: إي نعم، والمسافر، ولا ينطبق على هذا.
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، والثاني أنه لما تبين من رمضان ما صار يوم شك، ولا صار سابقًا عليه بيوم أو يومين، صار الآن من رمضان حسب الواقع.
طالب: وإن لم يكن من رمضان (... ).
الشيخ: نعم؟ إي، إذا كان من عادته أن يصوم يوم الإثنين فلا يدخل.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، سيدخل في النهي، لكن هو ما صام يوم الإثنين، صام لاحتمال أن يكون من رمضان، فاشترط في نيته إن كان من رمضان فهو فرْض وإلا فهو نفل؛ لأن فيه احتمالًا أنه يكون من رمضان، فإذا تبين من رمضان صح، وإن لم يتبين يكون داخلًا في النهي.
طالب: يعني نقول: الأوْلى أنك لا تصوم؟
الشيخ: إي نعم، الأوْلى ألا يصوم ما فيه شك.
قال أبو بكر لعمر رضي الله عنه: يا عمر، إن لله حقًّا في الليل لا يقبله في النهار، وحق في النهار لا يقبله في الليل، وإنها لا تُقبل نافلة حتى تؤدَّى فريضة (13)، إي نعم، ويش السؤال؟
الطالب: يمكن توضيح المسألة، ما معنى كلمة؟
الشيخ: يعني معناه أنه إذا أخَّر الإنسان عمل النهار إلى الليل لم يُقبل، كما لو أخَّر صلاة الظهر فصلَّاها في المغرب ما صحت ولا قُبلت، ولو أخَّر صلاة العشاء إلى النهار لم تُقبل.
قوله: لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، هذا ليس على إطلاقه؛ لأن من الفرائض ما يكون موسعًا فتصح النافلة فيه، فصلاة الظهر مثلًا فريضة، ويجوز للإنسان أن يتنفَّل ما بين الأذان والإقامة؛ لأن الوقت واسع، لكن لو ضاق الوقت على صلاة الفريضة لم تُقبل النافلة.
الطالب: كالفائتة يا شيخ؟
الشيخ: كالفائتة أو مثلًا رمضان، بقي على شعبان أربعة أيام، وعليه أربعة أيام، ما يصح.
يقول: نحن طلاب، نتردد من المجمعة كل يوم، أنتم ممن تتردد من المجمعة؟
طالب: (... ).
الشيخ: وتدركنا صلاة الظهر في بريدة، فهل لنا أن نجمع مع صلاة العصر جمع تقديم، وهل تقصر الصلاة؟ علمًا أن بلدنا يبعد عن بريدة مئة وتسعة وثلاثين كيلو متر؟
والله الأحوط ألا يفعلوا؛ لأن هذا لا يعد سفرًا، يأتون يؤدون الدرس ويرجعون، وإن فعلوا فلا بأس.
يقول: صاحب قطع غيار ثلاجات وبعض القطع يحول عليها الحول، وبعضها يتجدد بالشهر، أعني أنه يشتري بالقيمة التي بيعت بها قطع غيار أخرى، فهل القطع التي تتجدد عليها زكاة أو تُستأنف بها حولًا جديدًا؟
الجواب: لا يُستأنف بها حول جديد؛ لأن عروض التجارة كل واحد منها جديد يقع بدل الأول، كذلك أيضًا إذا تغيرت التجارة من قطع غيار إلى ملابس في أثناء الحول، فهل يبتدئ حولًا جديدًا أم يكمل الحول؟ الجواب؟
طلبة: يكمل الحول.
الشيخ: إي، يكمل الحول، كالأول؛ لأن عروض التجارة بعضها يقع بدلًا عن بعض.
امرأة حاضت بعد أن أحرمت وجماعتها لن ينتظروا حتى تطهر؛ لأنهم يريدون العودة إلى مناطقهم لأعمال لديهم، فماذا تعمل؟
إذا كانت قد اشترطت: أن محلي حيث حبستني، فإنها تحل ولا شيء عليها، ولهذا ينبغي للمرأة -لو تنبهون النساء- ينبغي للمرأة التي حول الحيض أن تنبه على هذا، ويقال: اشترطي أن محلي حيث حبستني؛ لتكون في سعة، وإن لم تشترط، فإن كان يمكن رجوعها لإكمال عمرتها مثل أن يكون بلدها قريبًا، وإذا طهرت سهل أن ترجع فعلت، وإن لم يمكن تلجَّمت -يعني لبست حفاظة حتى لا يتسرب الدم إلى المسجد- وطافت من أجل الضرورة.
طالب: تطوف وهي حائض يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، تطوف وهي حائض للضرورة؛ لأنها الآن ما يمكنها أن ترجع، أما إذا كان يمكن ولو بعد أسبوع أو أسبوعين فلا تفعل.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي.
الطالب: نصحح الصوم له وهو في أول النهار، هل يكون آثمًا؟
الشيخ: لا ما هو آثم هنا، ما دام أنه يتوقع دخول الشهر، هو غير آثم.
الطالب: يتوقع كل واحد قرب رمضان يصوم.
الشيخ: ستأتينا المسألة في زاد المستقنع، ونبين كلام الشيخ رحمه الله، شيخ الإسلام يقول: هذا جائز ولا بأس به، «إِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (14).
طالب: بالنسبة إلى (... )؟
الشيخ: لا، يأمره به.
ما حكم الذي يخجع وعيه، ويطلق زوجته؟
نقول: اللي يخجع وعيه ويطلق زوجته إذا كان من شدة الغضب فلا طلاق عليه.
طالب: (... ) الصغار (... )، الأمر الشرعي (... ).
الشيخ: لا، الأولى ألا يضربوا، لكنهم يلزمون به.
الطالب: والمذهب؟
الشيخ: المذهب يجوزون الضرب، لكن الضرب إنما ورد في الصلاة.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، الصبيان، ما هو قلنا: من الشروط أن يكون بالغًا عاقلًا.
الطالب: حديث صيام يوم عاشوراء؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مناديًا: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ أَفْطَرَ فَلْيُمْسِكْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ» (15). فالحديث (... )، وأنهم أصبحوا صائمين، ولم ينووا عن عاشوراء (... ).
الشيخ: نعم، ويش تقولون في هذا؟ شيخ الإسلام استدل بهذا، لكن ليس فيه دليل؛ لأن هذا تجدد الوجوب شرعًا، أما مسألة رؤية الهلال، فالهلال شرط للوجوب، وليس التكليف حدث من جديد، العلم برؤية الهلال شرط للوجوب، وأما قصة عاشوراء هو أصلًا لم يجب إلا حين أوجبه الرسول عليه الصلاة والسلام.
طالب: أحسن الله إليكم، ذكر الفقهاء مسألة وقالوا: إنه يعاني بها، وهي إذا كان كبير مسافر ومريض يقول: فأفطر فإنه لا قضاء عليهم ولا فدية.
الشيخ: الكبير الذي لا يقدر على الصوم.
الطالب: نعم، لا قضاء ولا فدية.
الشيخ: إذا سافر، إي نعم، يقول: لا قضاء عليه ولا فدية، ولكن هذا القول ضعيف جدًّا؛ وذلك لأن هذا الرجل ليس أهلًا لوجوب الصوم، الواجب عليه الفدية، ويستوي فيها السفر والحضر، والذي يسقط عن المسافر هو الصوم، وهذا أصلًا ليس واجبًا عليه.
الطالب: الفدية واجبة بكل حال.
الشيخ: واجبة نعم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، إذا أراد شخص أن يسافر بعد طلوع الفجر، فهل يجوز له الفطر قبل السفر؛ لأنه ليس من أهل الوجوب؟ بنيته له، سيسافر.
الشيخ: كيف ليس من أهل الوجوب؟
الطالب: سيسافر.
الشيخ: ولكنه سيسافر من بلده، ولَّا من البلد التي سافر إليها؟
الطالب: من بلده.
الشيخ: من بلده ما يجوز حتى يخرج من البلد، إلى الآن ما صار مسافرًا.
الطالب: سيسافر، يعني هو..
الشيخ: سيسافر، لكن هل هو الآن على سفر؟ ولا على نية السفر؟
الطالب: على نية السفر.
الشيخ: إي، الآية ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: 185].
طالب: جزاك الله خيرًا، إذا واحد رأى الهلال وحده ورد قوله فيلزمه الصوم؛ فكيف نجمع بين هذا القول وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» (16)، الناس لا يصومون وهو يصوم، فهذا خالف إجماع الأمة؟
الشيخ: أولًا: بارك الله فيك الحديث: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ»، هم ما اجتمعوا على ضلالة؛ لأن هذا الرجل مخالف، عرفت؟ وهذا الحديث أيضًا في صحته نظر، بعضهم حسَّنه وبعضهم ضعفه، لكن ظاهر القرآن مثل قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: 115] أن الإجماع حجة.
الطالب: دليل وجوب الإمساك يا شيخ حديث صوم عاشوراء (... ) صوم عاشوراء نسخ صومه (... ) الواجب (... ) فكيف نقول رمضان؟ نقيس على رمضان؟
الشيخ: شيخ الإسلام ما يستدل به على وجوب الإمساك، وجوب الإمساك ما فيه إشكال، يستدل به على عدم وجوب القضاء.
الطالب: وجه الدلالة؟
الشيخ: وجه الدلالة أن الرسول ما ألزم الذين لم يمسكوا إلا في أثناء النهار ما ألزمهم بالقضاء.
الطالب: هذا في يوم عاشوراء.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف نقيس على رمضان؟
الشيخ: إي، هذا قبل أن ينسخ، ما ألزمهم.
الطالب: (... ).
الشيخ: ما يخالف، لكن حين كان واجبًا لم يلزمه بالقضاء، ما قال: ومن كان مفطرًا فليقضِ، بل أمره بالإمساك دون القضاء.
الطالب: (... ) يوم عاشوراء هذا؟
الشيخ: إي، لكن حين كان واجبًا فحكمه حكم رمضان، يعني قبل أن يُنسخ؛ لأن هذا الإيجاب قبل أن يُنسخ.
طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ؛ بالنسبة للإدام لطعام المفدي، هل على سبيل الاستحباب أم على سبيل الوجوب؟
الشيخ: أحسن، ما هو على سبيل الوجوب.
الطالب: استحباب.
طالب آخر: شيخ، قدم رجل من سفر على زوجة له لم تُبيِّت النية، له أن يجامعها؟
الشيخ: لا، هي يلزمها الإمساك.
الطالب: ما بيَّتت النية.
الشيخ: إي، ولو ما بيتت، يلزمها الإمساك.
الطالب: ولو جامعها؟
الشيخ: ما يجوز يجامعها، إذا جامعها أفسد.
الطالب: (... ).
الشيخ: ما يجوز، ولا يجوز ترضع.
الطالب: جاهلة.
الشيخ: لازم يمازح في الشيء، إذا كانت جاهلة ما عليها شيء.
طالب: شيخ، ما صحة من يقول: أنه يثبت رؤية الهلال قبل غروب الشمس؟
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: يعني بمجرد يرى الهلال قبل غروب الشمس ويثبت أنه غدًا صيام.
الشيخ: يعني قصدك يُرى قبل طلوع الشمس في المشرق؟
الطالب: لا، الغروب أنه يرى الهلال، ما هو بلازم بعد الغروب.
الشيخ: لا، هو لا يثبت رؤيته إلا بعد الغروب.
الطالب: والدليل؟
الشيخ: الدليل، هذا الهلال شرعًا وعرفًا؛ لأنه لو غاب قبلها ما صار، ما هل ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: 12] وهو القمر، فإذا غاب قبل الشمس ما صار له سلطان.
الطالب: بالنسبة لإنقاذ غريق، هذا يصير أمرًا اضطراريًّا (... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: (... ).
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: (... ) عندي إشكال الفرق بين (... ).
الشيخ: يعني أنت ودك أن الذي أنقذ الغريق نأمره بالإمساك؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، ما يصح؛ لأن الآن هذا الرجل حلَّ له الفطر، كامرأة مثلًا في أثناء النهار جاع صبيها، ولم يقبل ثدي غيرها، ولا يمكن أن ترضعه إلا بعد أن تفطر.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، واضح.
الطالب: شيخ الإسلام استدل بقاعدة: أن العبادات لا تلزم قبل بلوغها المكلف، كيف تجيب عن هذا يا شيخ؟
الشيخ: نجيب عن هذا قبل بلوغ المكلَّف الحكم الشرعي، أما سبب الوجوب فلا يدخل في هذا؛ لأن لو قال قائل: أنا ما علمت أن الشمس زالت، هل نسقط عنه صلاة الظهر؟
وهذا مراده، إن ما تلزم قبل العلم؛ يعني العلم بالحكم الشرعي، لا العلم بسبب الوجوب، ويش ها الكلام هذا، ويش تقول؟
طالب: مصرف الزكاة يا شيخ، قلتم: ممكن الإنفاق على طلاب العلم من مصرف في سبيل الله، فهل الإنفاق على بناء مدرسة أو مستشفى في بلد إسلامي يعاني من التنصير يدخل في هذا الإطار؟
الشيخ: لا، ما يدخل في هذا، هذه من أعمال البر العامة، لكن مسألة العلم جهاد في سبيل الله؛ لأن الدين الإسلامي يقوم بالعلم والجهاد.
الطالب: بناء مدرسة مش علم؟
الشيخ: لا، بناء المدرسة سكن لطلاب العلم.
طالب: شيخ، لو قال: ما عندنا إلا الزكاة يا شيخ، نحن نتبرع.
الشيخ: لا يتبرعون، يصرفون الزكاة في مصارفها.
الطالب: شيخ، سؤال (... ) أوردتم الرجل لا يجامع امرأته (... ).
الشيخ: لو حدث عن جهل ما عليهم شيء، القاعدة: أن كل محظور فعله الإنسان جاهلًا فلا شيء عليه.
الطالب: لو فعله، هو لم يذكر هذا الأمر، نسي (... ).
الشيخ: كيف لو؟
الطالب: جامع امرأته، ثم تذكر هذا أنه نسي الصوم؟
الشيخ: ما يخالف، ما عليه شيء.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، (... )؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وإذا تبين (... ).
الشيخ: يتحرى ويصوم.
الطالب: وإذا تبين (... ).
الشيخ: عند الفقهاء يقولون: إن تبين أنه وافق الشهر أو بعده أجزأ، وإن تبين أنه قبله لم يجزئ.
طالب: رجل عليه صوم واجب من قضاء أو نذر في غير رمضان، وفي أثناء النهار أبدل هذه النية من صوم واجب إلى صوم نفل، ثم بعد العصر أو شيء من ذلك جاءه ضيف فأكل معه، هل عليه شيء؟
الشيخ: إي نعم، نقول: إن الواجب إذا شرع فيه الإنسان لا يمكن أن يحوله إلى نفل.
الطالب: قياسًا على الصلاة.
الشيخ: قياسًا على الصلاة وغيرها، والأصل أنه من شرع في واجب لزمه المضي فيه.
طالب: لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينًا، ويُسن لمريض يضره، ولمسافر يقصر، وإن نوى حاضر صوم يوم، ثم سافر في أثنائه فله الفطر، وإن أفطرت حامل، أو مرضع خوفًا على أنفسهما قضتاهُ فقط، وعلى ولديهما قضتاه، وأطعمتا لكل يوم مسكينًا، ومن نوى الصوم، ثم جُنَّ أو أُغمي عليه جميعَ النهار، ولم يفق جزءًا منه لم يصح صومه، لا إن نام جميع النهار.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا شروط من يلزمه الصوم وأنها؟
طالب: يلزمه الصوم.
الشيخ: نعم.
الطالب: مسلم.
الشيخ: نعم.
الطالب: مكلف.
الشيخ: نعم.
الطالب: مقيم.
الشيخ: نعم.
الطالب: المعافى، لا يكون مريضًا.
طالب آخر: القادر.
الشيخ: القادر، طيب، المكلَّف يعني البالغ العاقل، فالشروط إذن: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والإقامة، والقدرة، وفيه سادس: الخلو من الموانع؛ يعني ألا تكون المرأة حائضًا ولا نفساء.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن أفطر لكِبر أو مرض لا يُرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينًا)، (مَنْ أفطر لكبر): اللام هنا للتعليل؛ أي من أجل الكبر، وهو التقدم في السن، يتقدم في السن، ثم يعجز عن الصوم.
الطالب: إذا قامت البينة يا شيخ في أثناء النهار وجب الإمساك.
الشيخ: ما يخالف، يقول: (إذا قامت البينة في أثناء النهار وجب الإمساك والقضاء على كل من صار في أثنائه -أي في أثناء النهار- أهلًا لوجوبه)، أي: لوجوب الصوم، مثل صغير بلغ في أثناء النهار يجب عليه الإمساك، مجنون عقل في أثناء النهار يجب عليه الإمساك؛ لوجود سبب الوجوب في أثناء النهار، فإذا وجد السبب وجد أيش؟ المسبب، فإذا بلغ الصبي وجب عليه أن يمسك حتى لو كان قد أكل أو شرب في أول النهار فإنه يلزمه الإمساك.
وكذلك أيضًا يلزمه على المذهب القضاء، والصحيح أن القضاء لا يلزمه؛ وذلك لعدم وجود سبب الوجوب في أول النهار، فهو في أول النهار غير مكلَّف، فإذا وُجِد سبب التكليف في أثناء النهار وجب عليه الإمساك فقط، وكذلك المجنون، لو كان الرجل مجنونًا، ثم عقل في أثناء النهار في رمضان فإنه يجب عليه الإمساك لوجود سبب الوجوب وهو العقل.
قال المؤلف: (والقضاء) يعني ويجب عليه القضاء، وهذا أحد القولين في المسألة، قالوا: يجب عليه الإمساك؛ لأنه صار أهلًا للوجوب، ويجب عليه القضاء؛ لأنه لم ينوِ من أول النهار، ولهذا لو كان صائمًا، وبلغ في أثناء النهار، فإنه لا يلزمه القضاء؛ لأنه قد نوى الصوم من أول النهار، ولكن الكلام على من نوى في أثناء النهار.
والصحيح أنه لا يلزمه القضاء لعدم تكليفه، وعُلم من كلام المؤلف أن من علم أنه يبلغ غدًا فإنه لا يلزمه الصوم، من أين يؤخذ؟
من قوله: (في أثناء النهار وجب الإمساك)، فإذا قدرنا أن هذا الشخص يعلم أنه غدًا يتم له خمس عشرة سنة -أي يبلغ في أثناء النهار- فإنه لا يلزمه الإمساك لعدم التكليف، وكذلك من علم أنه يقدم بلده غدًا فإنه لا يلزمه الصوم، في المسألة الأولى يعلم أنه يبلغ غدًا لا يلزمه الصوم، وكذلك إذا علم أنه يقدم غدًا فإنه لا يلزمه الصوم.
قال: (وكذا حائض ونفساء طهُرتا)، (وكذا) أي وكمن صار في أثنائه أهلًا للوجوب، حائض ونفساء طهُرتا، من المعلوم أن الحائض والنفساء لا يجب عليهما الصوم، ولا يصح منهما أيضًا، لا يصح من الحائض والنفساء الصوم، فإذا طهُرتا في أثناء النهار، فماذا يجب؟ يقول المؤلف: إنه يلزمهما شيئان: الأول: الإمساك، والثاني؟
طلبة: القضاء.
الشيخ: القضاء، الإمساك لزوال المانع، والقضاء لعدم النية من أول النهار.
وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو أحد القولين في المسألة؛ للعلة التي سمعتم، والقول الثاني: أنهما لا يلزمهما الإمساك؛ وذلك لأن النهار في حقهما غير محترم؛ إذ إنه يجوز لهما الفطر في أول النهار ظاهرًا أيش؟
طلبة: وباطنًا.
الشيخ: ظاهرًا وباطنًا، فلا يلزمهما الإمساك، والإمساك هنا لا يستفيدان به شيئًا، وإنما هو مجرد حِرمان، فالقول الراجح في هذه المسألة -أي فيما إذا طهُرت الحائض أو النفساء- أنه لا يلزمهما الإمساك، ولكن يلزمهما القضاء؛ لأنهما لم يصوما هذا اليوم.
قال: (ومسافر قدم مفطرًا) أي: يلزمه الإمساك والقضاء، يلزمه الإمساك لزوال المانع من الوجوب؛ وهو السفر، ويلزمه القضاء؛ لأنه لم ينوِ من أول النهار؛ أي من قبل الفجر، وبناءً على ذلك -أي على هذا التعليل- لو أن المسافر نوى الصوم من قبل الفجر، ثم قدم البلد فصيامه صحيح، ولا يلزمه القضاء؛ لأنه نوى الصوم.
وعُلم من كلام المؤلف أنه لا يلزم المسافر إذا عَلِم أنه يقدم غدًا أن يصوم، وهذا أحد القولين في المسألة وهو الصحيح.
والمذهب أنه يلزمه أن يصوم؛ لأنه يعلم أنه سيزول المانع غدًا، ويلزمه الإمساك، ولكن القول الصحيح أنه لا يلزمه الصوم، المسافر إذا قدم مفطرًا يلزمه على كلام المؤلف شيئان: الإمساك، والقضاء، الإمساك لزوال المانع من وجوب الصوم، والقضاء؛ لأنه لم يتم له صوم ذلك اليوم فيلزمه قضاؤه.
والقول الثاني في المسألة: أنه لا يلزمه الإمساك، وإنما يلزمه القضاء؛ لأن هذا يجوز له أن يُفطر في أول النهار ظاهرًا وباطنًا، وعليه فيكون الفرق بين هاتين المسألتين والمسألة الأولى أو المسألتين الأوليين، الفرق بينهما أنه في المسألتين الأوليين وجد سبب الوجوب، وفي الأخريين زال المانع، فالفرق بينهما إذن أن المسألتين الأوليين من باب وجود سبب الوجوب، والأخريين من باب زوال المانع، وإلا فإن الحائض والنفساء والمسافر كل منهم يلزمه الصوم، فسبب الوجوب متحقق بحقه، لكن وُجد المانع، فنحن نقول: هؤلاء الثلاثة لا يجب عليهم الصوم لوجود المانع، فإذا كان يحل لهم الأكل والشرب في أول النهار، فليكن كذلك في آخر النهار.
وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما ذكره عنه في المغني: مَن أكل أول النهار فليأكل آخر النهار (12).
هنا مسألة الثالثة مثل هذه وهي ما إذا برئ المريض فإنه يلزمه على المذهب الإمساك والقضاء، إذا برئ في أثناء النهار، لزمه الإمساك لزوال المانع، والقضاء؛ لأنه لم ينوِ من قبل الفجر، والصحيح أنه لا يلزمه الإمساك، وإنما يلزمه القضاء فقط، فهذه ثلاث مسائل، بل أربع مسائل: الحائض إذا طهرت في أثناء النهار، النُّفساء إذا طهرت في أثناء النهار، المسافر إذا قدم مفطرًا، المريض إذا برئ مفطرًا، فهؤلاء الأربعة كلهم يلزمهم شيئان: الإمساك، والقضاء، والصحيح أنه لا يلزمهم إلا القضاء.
وبناء على ذلك لو قدم الإنسان بلده مفطرًا ووجد امرأته قد اغتسلت من الحيض لطُهرها في أثناء النهار فإنه يجوز له جماعها، وعليه يلغز بها فيقال: رجلٌ مكلَّف، بالغ، عاقل، مقيم، قادر جاز له أن يجامع في أثناء النهار في رمضان، فما هذه الصورة؟ نقول: هذه الصورة فيما إذا قدم المسافر مفطرًا ووجد امرأته قد طهرت من الحيض في أثناء النهار، فإنه يجوز له أن يجامعها ولا شيء عليه، وهذا هو القول الراجح كما علمتم.
بقي علينا فيما لو علم أنه يفطر غدًا، أنا قلت قبل قليل: إنه يلزمه الإمساك، ولكن الصحيح أنه لا يلزمه الإمساك حتى على المذهب، لماذا؟ لأنه ليس بمكلَّف، لعدم وجود سبب الوجوب، بخلاف من علم أنه يقدم غدًا فإنه يلزمه الإمساك؛ لأن سبب الوجوب موجود في حقه فلزمه، والصحيح في المسألتين أنه لا يلزمه الإمساك فيهما.
خلاصة البحث هذا:
أولًا: إذا تجدد سبب الوجوب.
والثاني: إذا زال المانع.
فالمسألة الأولى إذا تجدَّد سبب الوجوب فإنه.
طالب: يجب الإمساك.
الشيخ: يجب الإمساك، ولا يجب القضاء على الصحيح، والمذهب يجب الإمساك والقضاء، مثاله: من بلغ في أثناء النهار، أو مجنون عقل في أثناء النهار.
المسألة الثانية: إذا زال المانع في أثناء النهار فالمذهب يلزم الإمساك والقضاء، والصحيح أنه يلزم القضاء دون الإمساك.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ومن أفطر لكِبر أو مرض لا يرجى برؤه أطعم لكل يوم مسكينًا)، (من أفطر لكِبر): اللام هنا للتعليل؛ أي بسبب الكبر، فإن الإنسان إذا كبر يشق عليه الصوم، والكبر لا يُرجى برؤه، أليس كذلك؟ لأن الرجوع إلى الشباب مُتعذِّر:
لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئًا لَيْتُ
لَيْتَ شَبَابًا بُوعَ فَاشْتَرَيْتُ
فالكبير لا يمكن أن يرجع شابًّا، فإذا أفطر لكبر..
ومَن أَفْطَرَ لكِبَرٍ أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه أَطْعَمَ لكلِّ يومٍ مِسكينًا، وسُنَّ لمريضٍ يَضُرُّه، ولمسافرٍ يَقْصُرُ، وإن نَوَى حاضرٌ صومَ يومٍ ثم سافرَ في أثنائِه فَلَه الفِطْرُ، وإن أَفْطَرَتْ حاملٌ أو مُرْضِعٌ خَوفًا على أنفسِهما قَضَتَاهُ فقطْ، وعلى وَلَدَيْهما قَضَتَا وأَطْعَمَتَا لكلِّ يومٍ مِسكينًا، ومَن نَوَى الصومَ ثم جُنَّ أو أُغْمِيَ عليه جميعَ النهارِ ولم يُفِقْ جزءًا منه لم يَصِحَّ صَوْمُه، لا إن نامَ جميعَ النهارِ، ويَلْزَمُ الْمُغْمَى عليه القضاءُ فقط
لأنه ليس بمكلَّف؛ لعدمِ وجودِ سَبَبِ الوجوبِ، بخلافِ مَنْ عَلِمَ أنه يقدم غدًا فإنه يَلْزمُهُ الإمساك؛ لأن سببَ الوجوبِ موجودٌ في حقِّه فلَزِمَهُ، والصحيح في المسألتينِ أنه لا يَلْزمه الإمساكُ فيهما.
خلاصةُ البحثِ هذا:
أولًا: إذا تجدَّد سببُ الوجوب، والثاني: إذا زالَ المانع.
في المسألة الأولى: إذا تجدَّدَ سببُ الوجوبِ فإنه يجبُ الإمساك، ولا يجب القضاءُ على الصحيح، والمذهب: يجب الإمساكُ والقضاءُ، مثاله: مَنْ بَلَغَ في أثناء النهار، أو مجنونٌ عقلَ في أثناء النهار.
المسألة الثانية: إذا زالَ المانعُ في أثناء النهار فالمذهب: يَلْزم الإمساكُ والقضاءُ.
والصحيحُ أنه يَلْزم القضاءُ دون الإمساك.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ومَنْ أفطرَ لِكِبَرٍ أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَطْعَمَ لكُلِّ يومٍ مسكينًا).
(مَنْ أَفْطَرَ لِكِبَرٍ) اللام هنا للتعليل؛ أي: بسببِ الكِبَر؛ فإنَّ الإنسانَ إذا كَبِر يشقُّ عليه الصوم، والكِبَر لا يُرجَى بُرْؤُهُ، أليس كذلك؟ لأنَّ الرجوع إلى الشباب متعذِّر.
لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئًا لَيْتُ
لَيْتَ شَبَابًا بُوعَ فَاشْتَرَيْتُ
فالكبير لا يُمكن أنْ يرجع شابًّا، فإذا أفطرَ لِكِبَرٍ فإنه ميؤوسٌ مِن قُدرته على الصوم فيَلْزمه الفدية.
كذلك مَنْ أفطرَ لمرضٍ لا يُرجَى بُرْؤُهُ، ويُمثِّل كثيرٌ من العلماء فيما سبق بالسِّلِّ؛ يقولون: إنه لا يُرجَى بُرْؤُه، لكن المثال في الوقت الحاضر غير صحيحٍ، لماذا؟ لأن السِّلَّ صار مما يُمكن بُرْؤُه، لكنْ يُمكن أنْ نُمثِّل في الوقت الحاضر بأيش؟
طلبة: بالسرطان.
الشيخ: بالسرطان، نسأل الله العافية؛ فإنَّ السرطان لا يُرجَى بُرْؤُه، فإذا مَرِضَ الإنسانُ بمرضِ السرطانِ وعَجَزَ عن الصومِ صار حُكمه حكْمَ الكبير الذي لا يستطيع الصوم، يَلْزمه فديةٌ عن كل يوم.
وهنا نحتاج إلى أمرينِ:
الأمر الأول: ما وجْهُ سقوطِ الصومِ عنه؟
فيُقال: وجْهُ السقوطِ عدمُ القُدرة، وليس كالمريض الذي قال الله تعالى فيه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]؛ لأن المريض يُرجَى بُرْؤُهُ وهذا لا يُرجَى، فسقط وجوبُ الصومِ عنه للعجزِ عنه.
المسألة الثانية: ما هو الدليلُ على وجوب الفِدية؟ لأنَّه إذا سَقَطَ عنه وجوبُ الصومِ للعجْزِ عنه فإنه قد امتثلَ أمرَ اللهِ في قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، فما الدليلُ على وجوب الفِدية؟
قُلْنا: الدليلُ على ذلك أنَّ ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال في الشيخِ والشيخةِ -يعني الكبيرينِ- إذا لم يُطِيقا الصومَ: يُطعِمانِ عن كلِّ يومٍ مسكينًا (1)، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]، استدلَّ بهذه الآية، الحكْم صادرٌ من صحابيٍّ، ومعلومٌ خلافُ العلماء في قول الصحابي هلْ هو حُجَّةٌ أو ليس بِحُجَّة، لكنه هنا قولُ صحابيٍّ في تفسير آيةٍ، وإذا كان في تفسير الآية فقد ذهب بعضُ العلماء إلى أنَّ تفسير الصحابيِّ له حُكْم الرفعِ، وإنْ كان هذا القولُ ضعيفًا، لكنْ لا شكَّ أنه إذا حَكَمَ واستدلَّ بالآية فإن استدلاله بالآيات أصحُّ من استدلالِ غيرِهِ، فما وجْهُ الدلالة من الآية؟ إذْ يُمكن لكلِّ واحدٍ أن يقول: إنَّ الآية يقول الله فيها: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾، والكبير لا يُطيق، فكيف استدلَّ ابنُ عباسٍ بهذه الآية على الذي لا يُطيق؟
نقول: استدلالُ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما بهذه الآية استدلالٌ عميقٌ جدًّا، وَجْهُهُ أنَّ الله قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، فجعلَ الفِديةَ معادِلةً للصوم، وهذا في أول الأمر لَمَّا كان الناسُ مُخَيَّرينَ بين الصومِ والفديةِ، فلمَّا تعذَّرَ أحدُ البَدَلينِ ثبتَ الآخَرُ؛ لَمَّا تعذَّر الصومُ ثبتت الفديةُ، فهو استدلالٌ يدلُّ على عُمْقِ فَهْمِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما، وإلَّا فإنَّ مَنْ أخذَ بظاهرِ الآيةِ يقول: الآيةُ ما تدلُّ على هذا، الآيةُ تدلُّ على أنَّ الذي يُطيق إمَّا أنْ يفدي وإمَّا أنْ يصوم، والصومُ خيرٌ.
لكنْ نقول: وجْهُ ذلك أنه لَمَّا جعلَ اللَّهُ سبحانه وتعالى الفديةَ عديلًا للصوم في مقامِ التخييرِ دلَّ ذلك على أنها تكون بَدَلًا عنه عند العجزِ عنه، وهذا واضح.
وعلى هذا فمَنْ أفطر لكِبَرٍ أو مرضٍ لا يُرجَى بُرْؤُه فإنه يُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا.
ولكنْ ما الذي يُطْعَم؟
يُطْعَمُ كلُّ ما يُسمَّى طعامًا مِن تمرٍ أو بُرٍّ أو رُزٍّ أو غيرِه.
وكمْ؟
نقول: هنا لم يُقَدَّر ما يُعْطَى، المعطَى غيرُ مقدَّرٍ، فيُرجَع فيه إلى العُرف، إلى ما يَحْصُل به الإطعامُ، وكان أنس بن مالكٍ رضي الله عنه لَمَّا كَبِرَ كان يجمع ثلاثينَ فقيرًا فيُطعمهم خبزًا وأُدْمًا، وعلى هذا فإذا غَدَّى المساكينَ أو عَشَّاهم كفى، فإذا جمعَ ثلاثينَ فقيرًا في آخِرِ يومٍ من رمضان وعشَّاهم كفاه عن الفدية.
وقال بعضُ العلماء: لا يصحُّ الإطعامُ، بلْ لا بدَّ من التمليك.
وعليه فقالوا: إنَّ الواجب مُدٌّ من البُرِّ أو نصفُ صاعٍ مِن غيره.
وقيل: بل الواجب نصفُ صاعٍ من أيِّ طعامٍ كان.
فالذين قالوا بالأول قالوا: إن مُدَّ البُرِّ يُساوي نصفَ صاعٍ من الشعير؛ لأنه أطيبُ وأغلى في نفوسِ الناس.
والذين قالوا بأنه نصفُ صاعٍ على كلِّ حالٍ قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عُجرة في فِدية الأذى: «أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصفُ صَاعٍ» (2). قالوا: وهذا نصٌّ في تقدير النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيُقاس عليه كلُّ فديةٍ وتكون نصفَ صاعٍ.
ثم ما المرادُ بنصف الصاع؟ هلْ يُرجَعُ في الصاعِ إلى العُرف، أو يُرجَعُ فيه إلى الصاعِ النبويِّ؟
لم أعلم أنَّ أحدًا من العلماء قال: إنه يُرجَع في الصاع إلى العُرف.
بينما الدراهمُ والدنانيرُ ذهبَ شيخ الإسلام إلى أنه يُرجَع فيها إلى العُرف؛ يعني نِصاب الدراهم كمْ مِن درهمٍ؟
طلبة: (... ).
الشيخ: مِئتا درهمٍ؛ قال في حديث أنس بن مالكٍ الذي كَتَبَهُ أبو بكرٍ قال: وفي الرِّقَةِ في كلِّ مِئَتَيْ درهمٍ ربعُ العُشْرِ (3). فمِن العلماء مَن قال: المرادُ بمئتي الدرهم خمسُ أواقٍ.
فاعتبر الوزنَ، ومنهم مَن اعتبرَ العددَ كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقال: الدرهمُ ما سَمَّاهُ الناسُ درهمًا، ولو كان كالْجَمَلِ في كِبَرِهِ أو كان كنصفِ التمرةِ مَثَلًا، العبرةُ بالعدد.
لكن الأصواع -حتى عند شيخ الإسلام رحمه الله- لم يرجع فيها إلى العُرف، بل رجع فيها إلى الصاعِ؛ صاعِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى هذا فنقول: نصفُ صاعٍ مِن صاعِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد حرَّرَ عُلماؤنا -رحمهم الله- الصاعَ المعروفَ الآن بين أيدينا هنا في القصيم فوجدوه يزيد على الصاعِ النبويِّ رُبعًا؛ يعني أضِفْ إلى الصاعِ النبويِّ رُبعَهُ يَكُن الصاعُ الحاضرُ؛ أي إنَّ الصاعَ النبويَّ أربعةُ أخماسِ الصاعِ الموجود، فَهِمْتُمْ؟ صاعُنا الموجودُ خمسةُ أمدادٍ نبويةٍ، وصاعُ الرسولِ أربعةُ أمدادٍ نبويةٍ.
الخلاصة الآن: مَنْ عَجَزَ عن الصوم عجزًا لا يُرْجَى زوالُهُ وجبَ عليه الإطعامُ، ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، وهلْ يُجزِئ أنْ يُغدِّيَهُمْ أو يُعَشِّيَهُمْ أمْ لا بدَّ مِن التمليك؟ على قولينِ، والراجح أنه يُجزئ.
طالب: (... )؟
الشيخ: الراجحُ أنه يُجزئ الإطعامُ ويُجزئ التمليكُ.
قال: (وسُنَّ لمريضٍ يضرُّهُ، ولمسافرٍ يَقْصُر).
(سُنَّ) الضمير يعود على؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا.
طالب: الفِطر.
الشيخ: الفِطر؛ لأنه قال: أفطر؛ وَمَنْ عَجَزَ عنه لكِبَرٍ لا يُرجَى بُرْؤُه أطعمَ لكلِّ يومٍ مسكينًا؛ يعني: وأفطرَ.
(وسُنَّ) يعني الفِطر (لمريضٍ يضرُّهُ)؛ فإذا كان الإنسانُ مريضًا يضرُّه الصومُ فالإفطارُ في حقِّهِ سُنَّةٌ، هكذا قال المؤلف رحمه الله؛ وذلك أنَّه إذا لم يُفطِر فقد عَدَلَ عن رُخصةِ اللهِ سبحانه وتعالى، والعدولُ عن رُخصةِ اللهِ خطأٌ، فالذي ينبغي للإنسانِ أنْ يَقْبل رُخصةَ اللهِ.
والصحيحُ في هذه المسألة أنَّه إذا كان يضرُّه فإنَّ الصومَ حرامٌ والفِطرَ واجبٌ، هذا هو الصحيح؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، والنهي هنا يشمل القتلَ الذي هو إزهاقُ الرُّوحِ، ويشمل ما فيه ضررٌ، والدليلُ على أنه يشمل ما فيه ضررٌ حديثُ عمرو بن العاص رضي الله عنه أنَّه صلَّى بأصحابِهِ وعليه جَنابةٌ، لكنه خاف البردَ فتيمَّمَ، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ»؟ قال: يا رسولَ اللهِ، ذكرتُ قولَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ –يعني: وإنِّي خِفْتُ البردَ- فأقرَّهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على ذلك (4).
فالصوابُ أنَّ المريضَ بالنسبةِ للصومِ ينقسمُ إلى أقسامٍ:
الأول: مَنْ لا يتأثَّر بالصوم؛ مِثل الزُّكامِ اليسيرِ، وجعِ الرأسِ اليسيرِ، وجعِ الضِّرسِ، وما أَشْبه ذلك؛ فهذا لا يَحِلُّ له أن يُفطر، وإنْ كان بعضُ العلماء قال: يَحِلُّ له؛ لعموم قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا﴾ [البقرة: 185]. ولكننا نقول: إنَّ هذا الحكْمَ مُعَلَّلٌ بعِلَّةٍ وهي أنْ يكون الفِطر أَرْفَقَ له، فحينئذٍ له الفِطر، أمَّا إذا كان لا يتأثَّر فإنه لا يجوز له الفِطر ويجب عليه الصوم.
الحالُ الثانية: المريضُ الذي يشقُّ عليه الصومُ ولا يضرُّهُ، فهذا يُكره له أنْ يصوم، ويُسَنُّ له أن يُفطر.
الحالُ الثالثة: أنْ يضرَّهُ الصومُ؛ كرجُلٍ مصابٍ بمرضِ الكُلَى أو بمرضِ السُّكَّرِ وما أَشْبَهَ ذلك؛ فالصومُ عليه حرامٌ، ولا يحلُّ له أنْ يصوم.
ولكنْ لو صامَ في هذه الحالِ هلْ يُجزئه الصوم؟
قال أبو محمَّدٍ ابنُ حزمٍ رحمه الله: لا يُجزِئه الصوم؛ لأن الله تعالى جعلَ للمريض عِدَّةً من أيامٍ أُخَر، فإذا صامَ في مرضِهِ فهو كالقادرِ الذي يصومُ في شعبان؛ لأنه لم يأتِ وقتُ صومِهِ بعدُ، وقْتُ صومِهِ إذا عُوفِيَ، فإذا صامَ في مرضِهِ فقد صامَ قبل وقْتِهِ فلا يُجزئه، وحينئذٍ يَلْزمه القضاء.
وقولُ أبي محمدٍ على القاعدة المشهورة أنَّ ما نُهِيَ عنه لِذَاتِهِ فإنه لا يُجزئ، لا يَقَعُ مُجزِئًا، فإذا قُلنا بالتحريم فإنَّ مقتضى القواعدِ أنه إذا صامَ لا يُجزِئُهُ؛ لأنه صومٌ مَنْهِيٌّ عنه كالصوم في أيامِ التشريقِ وكالصوم في أيامِ العيدينِ لا يَحِلُّ ولا يصِحُّ، وبهذا نعرفُ خطأ بعضِ المجتهدين المرضى الذين يشقُّ عليهم الصومُ، وربما يضرُّهم الصومُ، ولكنهم يأبَوْن أنْ يُفطِروا، نقول: هؤلاء أخطؤوا حيثُ لم يَقْبلوا كَرَمَ اللهِ عز وجل، لم يَقْبلوا رُخصته وأضرُّوا بأنفسهم، واللهُ عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
إذَنالصوابُ في قول المؤلف: (وسُنَّ لمريضٍ يضرُّهُ)، الصواب أيش؟
ويجبُ على مريضٍ يضرُّه.
يعني: يجبُ الفِطْر على مريضٍ يضرُّه.
قال: (ولِمُسافِرٍ يَقْصُر).
يعني: يُسَنُّ الفِطر لمسافِرٍ يَقْصُر، وهو الذي يكون سفرُهُ بالغًا لِمسافةِ القَصْر، فأمَّا المسافرُ سفرًا قصيرًا فإنه لا يُفطِر.
وسَفَرُ القصْرِ على المذهب وعلى رأي جمهور العلماء مُقدَّرٌ بالمسافة؛ مسيرةُ يومينِ قاصِدَيْنِ للإبل، وهي ستَّةَ عشر فرسخًا، ومقدارها بالكيلو: واحدٌ وثمانون كيلو وثلاث مئة وأظُنُّ سبعةَ عَشَرَ مترًا أو نحو هذا، بالتقريب لا بالتحديد؛ لأن التحديدَ صعبٌ ولا يُمكن، لكنْ بالتقريب.
فعلى هذا نقول: إذا نوى الإنسانُ سفرًا يَبْلُغُ هذه المسافةَ فإنه مسافرٌ يقصُر، وحينئذٍ يُسَنُّ له أنْ يُفطِر.
فإذا قال قائلٌ: لو صامَ فهلْ يأثم بذلك؟
نقول أيضًا في هذه المسألة: المسافرُ له ثلاثُ حالات:
الحالُ الأولى: ألَّا يتأثَّر بالصوم إطلاقًا؛ مِثْل أنْ يكون في أيامِ البراد، في أيامِ الشتاء، النهارُ قصيرٌ والجوُّ مناسبٌ، ولا يتأثَّر صامَ أو أفطرَ، فهُنا اختلفَ العلماءُ رحمهم الله هل الفِطْر أفضل، أو الصوم أفضل، أو أنَّ الصوم مكروهٌ، أو أنَّ الصومَ حرامٌ؛ فعلى رأي أبي محمدٍ؟
طلبة: الصومُ حرامٌ.
الشيخ: الصومُ حرامٌ، ولو صامَ لم يُجزِئه، ولكنَّ هذا قولٌ بعيدٌ من الصواب، الصوابُ أنَّ هذا من باب الرخصةِ، والدليلُ على هذا أنَّ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم معه يصومون ويُفطرون، ولَمْ يَعِب الصائمُ على المفطِر ولا المفطِر على الصائم (5)، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام نفسُهُ يصوم.
ولكن الصواب في هذه المسألةِ أنَّ للإنسان المسافر حالات:
الأولى: ألَّا يكون في صومه مَزِيَّةٌ على فِطْره ولا عَكْس، ففي هذه الحال نقول: الصومُ أفضلُ على القول الراجح، وهو مذهب الشافعي رحمه الله، الصوم أفضل لأدلَّةٍ:
أولا: أنَّ هذا فِعْلُ الرسولِ عليه الصلاة والسلام؛ قال أبو الدرداء رضي الله عنه: كُنَّا مع النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في رمضانَ في يومٍ شديدِ الحرِّ، حتى إنَّ أَحَدَنا لَيَضَعُ يديهِ على رأسِهِ مِنْ شدَّةِ الحرِّ، وما فينا صائمٌ إلَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رَوَاحة (6). هذه واحدة.
ثانيًا: أنه أسرعُ في إبراءِ الذِّمَّةِ؛ لأن القضاء يتأخَّر، والأداء -وهو الصيامُ في رمضانَ- يتقدَّم.
ثالثًا: أنه أسهلُ على المكلَّف غالبًا؛ لأن صومَهُ مع الناس وفِطْرَهُ مع الناس أسهلُ مِن أنْ يستأنفَ الصومَ بَعْدُ كما هو مجرَّبٌ ومعروفٌ.
رابعًا: أنه يُدرِك الزمنَ الفاضلَ، وهو رمضانُ، فإنَّ رمضانَ أفضلُ من غيرِهِ لأنه محلُّ الوجوب.
فلهذه الأوجُهِ يترجَّحُ ما ذهبَ إليه الشافعيُّ رحمه الله: أنَّ الصومَ أفضلُ في حقِّ مَنْ يكون الصومُ والفِطْرُ عنده سواءً.
الحالُ الثانية: أنْ يكون الفِطر أَرْفَقَ به، فهُنا نقول: الفِطر أفضلُ.
وإذا شقَّ عليه بعضَ الشيءِ صارَ الصومُ في حقِّهِ مكروهًا؛ لأن ارتكابه المشقَّةَ مع وجودِ الرخصةِ يُشْعِر بالعدولِ أو بالعزوفِ عن رُخصة الله عز وجل.
الحالُ الثالثة: أنْ يشقَّ عليه مشقَّةً شديدةً غيرَ محتمَلةٍ، فهنا يكون الصومُ في حقِّهِ حرامًا، ودليلُ ذلك أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام لَمَّا شُكِي إليه أنَّ الناسَ قَدْ شقَّ عليهم الصيامُ وأنَّهم ينتظرون ما يفعل؛ دعا بماءٍ بعد العصرِ وهو على بعيرِهِ عليه الصلاة والسلام فأَخَذهُ وشَرِبهُ والناسُ ينظرون إليه، ثم قيل له بعد ذلك: إن بعضَ الناسِ قد صامَ.
فقال: «أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» (7). فوصفهم بأيش؟ بالعِصيان، فهذا ما يظهرُ لنا من الأدلَّةِ في صوم المسافر.
وهُنا مسألةٌ: لو سافرَ مَنْ لا يستطيعُ الصومَ لكِبَرٍ أو مرضٍ لا يُرجى بُرْؤُهُ فماذا يصنع؟ هو الآن لا يصومُ سواء في البلدِ أو في السفرِ، ولا يُرجى زوالُ المانعِ في حقِّهِ، فقال بعضُ الفقهاء: إنه لا صومَ عليه ولا فِديةَ؛ لأنه مسافرٌ، والفديةُ بَدَلٌ عن الصومِ، والصومُ يسقطُ في السفر، ولا صومَ عليه لأنه عاجزٌ.
ولكنَّ هذا القولَ عليلٌ، أو هذا التعليل عليلٌ؛ لأنَّ هذا الذي على هذه الحال -يعني لا يُرجَى زوالُ عَجْزِهِ- لم يكن الصومُ واجبًا في حقِّهِ أصلًا، وإنما الواجبُ أيش؟ الفديةُ، والفديةُ لا فرقَ فيها بين السفرِ والحضرِ، وعلى هذا فإذا سافرَ مَنْ لا يُرجَى زوالُ المانعِ في حقِّهِ فإنه كالمقيم يَلْزمه فِديةٌ؛ أنْ يُطعِم عن كلِّ يومٍ مسكينًا، والقولُ بأنه يسقطُ عنه الصومُ والفديةُ قولٌ ضعيفٌ جدًّا؛ لأن العِلَّةَ فيه عليلةٌ كما سمعتم.
طالب: ابن حزمٍ -رحمه الله- بم يُجِيبُ عن صيامِ رسولِ الله وصيامِ صحابةِ رسولِ الله؟
الشيخ: نعم، واللهِ لا أعلمُ ماذا يُجيب، لكن الآن لا أرى جوابًا سديدًا له.
الطالب: لا يكون يقصد الصيامَ الذي فيه مشقَّة.
الشيخ: لا، مُطْلَقًَا.
طالب: مجرَّد الصيام؟
الشيخ: مُطْلَقًا.
الطالب: حديثٌ في صحيح مسلم؛ حديثُ عبد الله بن عمر المازنيِّ أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أصومُ في السفرِ ولا يشقُّ عليَّ.
فقال: «إِنْ أَفْطَرْتَ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَإِنْ صُمْتَ فَلَا بَأْسَ عَلَيْكَ» (8).
وأيضًا يا شيخ عمومُ حديثِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» (9)، (... ) حتى ولو كان فيه مشقَّةٌ.
الشيخ: ولو لم يكنْ فيه مشقَّةٌ.
أمَّا حديثُ المازنيِّ ففيه نَظَرٌ، وأمَّا الحديثُ الثاني فلأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قاله في حالٍ فيها مشقَّةٌ؛ فإنه رأى رجُلًا قد ظُلِّلَ عليه وحولَهُ زِحامٌ، فقال: «مَا هَذَا؟ ». قالوا: صائمٌ.
فبناءً على هذه الحالِ قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ».
طالب: والحديثُ الأوَّلُ؟
الشيخ: الحديثُ الأوَّلُ يحتاجُ إلى نظرٍ.
طالب: بارك الله فيكم، لو قال لنا قائلٌ: إني لا أُسلِّمُ بالاستدلالِ بحديثِ أَنَسٍ؛ لأن هذا يومٌ شديدُ الحرِّ.
الشيخ: أيش؟
الطالب: لو قال لنا قائلٌ: إنَّ الاستدلالَ بحديثِ أَنَسٍ في الصومِ الذي لا يشقُّ غيرُ مُسَلَّمٍ به.
الشيخ: أيش حديث أَنَس؟
الطالب: حديثُ أَنَسٍ قال: كُنَّا في سفرٍ..
الشيخ: أبي الدرداء.
الطالب: أبي الدرداء.. في يومٍ شديدِ الحرِّ، ولم يكنْ صائم إلَّا النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن أبي رواحة.
الشيخ: عبد الله بن رواحة.
الطالب: عبد الله بن رواحة.
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا الصومُ يشقُّ جدًّا، (... ) يا شيخ غير واضح.
الشيخ: ليش؟ الرسولُ صامَ.
الطالب: الصوم الذي لا يشقُّ.
الشيخ: الرسولُ صامَ، وهلْ يفعلُ الأفضلَ أو غيرَ الأفضلِ؟
الطالب: لا شكَّ أنه يفعلُ الأفضلَ.
الشيخ: نعم، هذا هو.
طالب: (... ) «إِنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي»، فالنبيُّ لا يشقُّ عليه الصومُ.
الشيخ: معه ابنُ رواحة.
الطالب: وقوله: "شديد الحرِّ"، هذا يمكن.. الصوم هنا شاقٌّ جدًّا؟
الشيخ: هو لا شكَّ أنَّه لو صار شديدَ الحرِّ صار يشقُّ على الناس؛ مسافرونَ وفي شِدَّةِ الحرِّ يشقُّ عليهم.
طالب: أحسن الله إليكم، هلْ (... ) تقسيم صوم المسافر على من وافق سفرُهُ يومَ نَفْلِهِ، يوم صيامِ نَفْل؟
الشيخ: الظاهرُ أنَّهُ لا ينطبقُ؛ لأن صومَ النفْلِ ليس فيه إلزامٌ، لكنْ إذا كان يشقُّ عليه مشقَّةً غيرَ محتمَلَةٍ يقال: لا تفعلْ، ارفُقْ.
كما قال الرسولُ عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاص: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» (10)، ثم هذا الصومُ الذي تصومُهُ نفْلًًا يُمكن أنْ تقضيه في يومٍ آخَر.
الطالب: (... ) ما يُكْرَه يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما يُكْرَه.
طالب: المريض إذا صام صِيامه مُحَرَّم لا يعني شيئًا في ذاته.
كيف نجاوب عن الكلام هذا؟
الشيخ: أن نقول: إنَّه إذا حَرُمَ الصومُ على المسافرِ ثم صامَ، فإنَّ المتوجِّهَ على القواعدِ أنَّ صومَهُ لا يصِحُّ، إي نعم.
طالب: والجوابُ عن هذا؟
الشيخ: هو يقول: لا يصِحُّ.
الطالب: إي، والجواب عليه أن نقول: يصح، أو: صومه لا يصح؟
الشيخ: الأفضل ما نقول: (... )، نقول: مُقْتضَى القواعدِ أنَّه لا يصِحُّ.
الطالب: أحسن الله إليك، الكبيرُ والمريضُ الذي لا يُرجَى بُرْؤُهُ إنْ أَعْسَرَ يا شيخ، الفدية هل تسقطُ عنه؟
الشيخ: إي، هذا سؤالٌ وجيهٌ؛ يقول: إذا أَعْسَرَ المريضُ الذي لا يُرجَى بُرْؤُهُ أو الكبيرُ، فماذا يكون عليه؟ هل يسقطُ عنه؟
الشيخ: نقول: نَعَمْ، يسقطُ، القاعدةُ عندنا أنَّه لا واجبَ مع عَجْزٍ، كلُّ الواجباتِ تسقطُ بالعَجْز، لكنْ إنْ كان لها بَدَلٌ وجبَ بَدَلُها، وإنْ لم يكنْ لها بَدَلٌ سقطتْ إلى غيرِ شيءٍ، ومعلومٌ أنَّ الإطعامَ في المريضِ الذي لا يُرجى بُرْؤُهُ والشيخِ الكبيرِ ليس له بَدَلٌ.
الطالب: لو صامَ عنه غيرُهُ (... )؟
الشيخ: عندَ شيخِ الإسلامِ -رحمه الله- أنه جائزٌ؛ لو تطوَّعَ إنسانٌ وصامَ عنه في غيرِ رمضانَ؛ لأن رمضانَ ما يُمكن أن يصومَ أحدٌ عن أحدٍ، لكنْ في غيرِ رمضان، ولكنَّ الصحيحَ أنه لا يصِحُّ أنْ يصومَ أحدٌ عن أحدٍ حيٍّ أبدًا.
طالب: (... ) النبيُّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قال: «أُولَئِكَ العُصَاةُ» (7) ما أَمَرهم أنْ (... ) صومَ هذا اليوم.
الشيخ: ما الذي أدراك؟
الطالب: ما نُقِلَ إلينا.
الشيخ: وعدمُ النقْلِ ليس نقلًا للعدم، ما دام عندنا القاعدة الشرعية وهي أنَّ الشيءَ المنهيَّ عنه لا يمكن أن يصحَّ؛ لأن هذا فيه مضادَّةٌ لأمْر الله، إذا كان الله قد نَهَى عنه فمعناه أنَّ الله لا يرضاه.
طالب: (... ) السفر لضرورةٍ أو لحاجةٍ أو السفر للنزهة؟
الشيخ: إي نعم، السفرُ سواءٌ كان مشروعًا أو مباحًا كالنُّزْهةِ وشبهها لا فَرْقَ.
بَقِيَ السفر المحرَّم أو المكروه، هل يترخَّصُ فيه الإنسانُ بقَصْرِ الصلاةِ والفِطْرِ في رمضانَ وما أَشْبَهَ ذلك؟
فيه قولانِ للعلماء؛ فمذهبُ أبي حنيفة رحمه الله -واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية- أنَّه يترخَّصُ حتى في السفرِ المحرَّمِ، ولكن الصحيح أنَّ السفرَ المحرَّمَ لا رُخْصةَ فيه؛ لأنه يُمْكن للمسافرِ أنْ يتخلَّصَ منه، بماذا؟ بالتوبة؛ نقول: تُبْ وتَرَخَّصْ.
لكنْ لو سافرَ ليُفطِرَ، هل له أنْ يُفطِر؟
لا، ليس له أنْ يُفطِرَ؛ لأنه أراد أنْ يتحيَّلَ على إسقاطِ الواجبِ، والتحيُّلُ على إسقاطِ الواجباتِ لا يُسْقِطُها، فيَحْرُمُ عليه السفرُ ويَحْرُمُ عليه الفِطْرُ، كلاهما يَحْرُمانِ.
طالب: تزوَّجَ في رمضان يا شيخ (... ) يجامع زوجته (... )، فقالوا: يسافر.. ؟
الشيخ: إذَنْ سافر لأيش؟ ليُجامع، فيَحْرُم عليه.
طالب: الفشل الكلوي لماذا لا نجعلُه مثل السرطان؛ لأنه يتعذَّر وجودُ الكلية الصالحة؟
الشيخ: على كلِّ حالٍ، ما يُمْكن أنْ نُعيِّن مرضًا معيَّنًا، مِثْل كلِّ شيءٍ لا يُرجى بُرْؤُه، فالْحُكْمُ واحدٌ، لكنْ فيه مرض الكلَى غير فشل الكلَى، أحيانًا يكون مرض الكلَى تحتاج الكلية إلى الشرب دائمًا، إي نعم.
طالب: مسألة التمليك (... )؟
الشيخ: الإطعام.
الطالب: (... ) التفريق بين البُرِّ و..
الشيخ: وغيره، نعم.
الطالب: هاتِ الصحيح في هذا.
الشيخ: جمهور العلماء على التفريق، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وبعض العلماء قال: إنه لا فرقَ.
ولا شكَّ أن الأحوط أنْ يُقال: إنه لا فرقَ.
هذا الأحوط.
الطالب: الرز العادي يا شيخ.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: مو مثل الشعير الآن، مثل البُر.
الشيخ: مثل البُر أو أحسن، إي نعم.
الطالب: (... ) نِصف (... ) رُبع؟
الشيخ: الأحوطُ أنْ يكون النصف، ولكنْ لو قُلنا بالرُّبع فلا بأس.
طالب: (... ) في نهار رمضان، (... ) يَلْزمُهُ القضاءُ.
الشيخ: لا.
الطالب: يَلْزمه الإمساك ولا يَلْزمه القضاء.
الشيخ: نعم.
الطالب: (... ) يَلْزمه القضاء.
الشيخ: يَلْزمه القضاء! لا، لا يُمْكن، أمَّا أنَّ عندك وهمًا.
طالب: يا شيخ، المريض الذي يشقُّ عليه، نأخذُ بقولِه أو بقولِ الطبيب؟
الشيخ: لا، بقوله هو؛ الطبيب ما يعلم أنه يشقُّ عليه أو لا يشقُّ.
الطالب: قد يعلم أنَّه يضرُّه.
الشيخ: لا، الضرر يؤخذ بقولِ الطبيب.
طالب: (يجبُ صومُ رمضانَ برؤيةِ هلالِهِ، فإنْ لَمْ يُرَ مَعَ صَحْوِ ليلةِ الثلاثينَ).
الشيخ: (... ) نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
يقول المؤلف: (كتابُ الصيام)، فما هو الصيامُ في اللغة وفي الشرع؟
طالب: في اللغة معناه الإمساك، وفي الشرع (... ) من طلوع الشمس.
الشيخ: لا.
الطالب: هو الإمساك عن الأمور (... ) الشرع.
الشيخ: لا.
طالب: هو التعبُّد لله سبحانه وتعالى بالامتناعِ عن الأكلِ والشُّربِ والجماعِ ومستلزمات الإفطار من طلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ.
الشيخ: الأكل والشُّرب وسائر المفطراتِ، التعبُّد لله تعالى بالإمساك عن الأكلِ والشُّربِ وسائرِ المفطراتِ مِن.. كمِّلْ.
الطالب: مِن طلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ.
الشيخ: إلى غروبِ الشمسِ، أحسنت.
متى فُرِضَ الصيامُ؟
طالب: برؤية الهلال.
الشيخ: لا، متى فُرِض في الشرع الإسلاميِّ؟
الطالب: السنة الثالثة من الهجرة.
الشيخ: السنة الثالثة من الهجرة، إي، السنة الثالثة؟
طالب: السنة الثانية.
الشيخ: الثانية!
طالب: السنة الثامنة.
الشيخ: الثامنة! هذه ثلاثة أقوال: الثالثة، والثانية، والثامنة.
طالب: السنة الثانية في شعبان.
الشيخ: السنة الثامنة؟ !
الطالب: الثانية.
الشيخ: الثانية في شعبان.
طالب: الثانية.
الشيخ: الثانية، نعم، وهذه بالإجماع، في السنة الثانية بالإجماع، فصامَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تسعَ رمضاناتٍ إجماعًا، نعم، اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه.
طيب، كيف كان فَرْضُهُ أولًا؟
طالب: كان بالتخيير، إنْ شاء صامَ وإنْ شاء أفطرَ.
الشيخ: وإذا أفطرَ فماذا يصنع؟ عَنْ.. ؟
الطالب: عَنْ كلِّ مسكينٍ رُبع صاعٍ.
الشيخ: عن كلِّ يومٍ.
الطالب: مسكينًا.
الشيخ: مسكينًا.
ما هي الحكمة في أنه فُرِضَ على التخيير ثم الإلزام؟
طالب: (... ) التدريج (... ).
الشيخ: أحسنتَ، التدريج بالتشريع؛ ليَقْبل الناسُ الشريعةَ شيئًا فشيئًا.
هل له نظيرٌ في التدريج؟
طالب: الخمر.
الشيخ: الخمر، كيف كان تدريجه؟
الطالب: أولًا الإباحة.
الشيخ: الإباحة.
الطالب: (... ) تحريمه (... ).
الشيخ: ثم التعريضُ بالتحريم.
الطالب: ثم تحريمه في وقتٍ، وهو وقتُ الصلاةِ.
الشيخ: نعم.
الطالب: ثم تحريمه (... ).
الشيخ: أحسنت، أربعُ مراحل: الإباحةُ، ثم التعريضُ بالتحريمِ، ثم تحريمه في وقتٍ معيَّنٍ، ثم تحريمه في جميع الأوقات.
بماذا يثبتُ دخولُ رمضانَ؟
طالب: برؤية عدلٍ.
الشيخ: برؤية عدلٍ.
الطالب: بإكمال..
الشيخ: شعبانَ.
أو؟ المذهب؟
طالب: إذا كانتْ ليلتُه فيها غيمٌ أو قَتَر.
الشيخ: إذا كانتْ ليلةُ الثلاثين من شعبانَ فيها غيمٌ أو قَتَرٌ فيُحكَم بدخوله حُكْمًا ظنِّيًّا لا قطعيًّا.
إذَنْ يُصام بواحدٍ من أمورٍ ثلاثةٍ: شهادة رَجُلينِ أو رَجُلٍ؛ رَجُلانِ أو رَجُلٌ بَيِّنَةٌ، أو إكمال شعبانَ ثلاثين، أو الغيم ليلةَ الثلاثين من شعبان.
إذا رُئِي في بلدٍ فهلْ يَلْزمُ جميعَ الناسِ الصومُ؟
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما التفصيل؟
الطالب: التفصيل، فيه أقوالٌ كثيرةٌ.
الشيخ: التفصيل فيه أقوالٌ! الأقوال غير التفصيل.
الطالب: فيه تفصيل.
الشيخ: الأقوال غير التفصيل، فهلْ أنت تريد: فيه خِلاف؟ يعني بكلمة "فيه تفصيل" يعني: فيه خِلاف؟
الطالب: أردتُ أن أقول: إنه فيه خِلاف.
الشيخ: فيه خِلافٌ.
ما الذي مشى عليه المؤلف؟
طالب: الذي مشى عليه المؤلف أنَّه إذا رآه أهلُ بلدٍ صامَ الناسُ كلُّهم.
الشيخ: أحسنتَ.
طيب، ما هو الدليلُ على هذا الحكم؟
طالب: إذا رآه أهلُ بلدٍ؟
الشيخ: إذا رآه أهلُ بلدٍ لَزِمَ الناسَ كلَّهم الصومُ، فما هو الدليل؟
الطالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (11)، وقوله صلى الله عليه وسلم..
الشيخ: وجْهُ الدلالةِ من الحديث: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»؟
الطالب: أنَّه إذا رآهُ المسلمون في منطقةٍ ما فهذه الرؤية تعُمُّ سائرَ المسلمين (... ).
الشيخ: إي، يعني الخطاب عامٌّ، «صُومُوا» أيُّها المسلمون «لِرُؤْيَتِهِ» أي: إذا رُئِيَ للأُمَّة.
طيب، القولُ الثاني؟
طالب: أنَّه لا يصومُ إلَّا أهلُ الْمَطْلعِ.
الشيخ: كيف؟
الطالب: إذا اشتركَ أُناسٌ في مَطْلعٍ واحدٍ يصومون.
الشيخ: إذا اتَّفقت المطالعُ في البلادِ وجبَ الصومُ، وإن اختلفتْ؟
الطالب: وإن اختلفتْ فكلُّ أُناسٍ لهم رؤيتُهم.
الشيخ: طيب، ما حُجَّة هذا القول؟
طالب: أنَّ اتفاقَ المسلمين في المطالعِ، إذا اختلفت المطالعُ فهم لا (... ) قول الرسولِ صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»؛ وجْهُ الدلالة أنَّ عند اختلاف المطالعِ لا يكون رؤيةٌ للمختلفين في المطالع، (... ) لا يكون رؤية لهم.
الشيخ: ذكرْنا فيه دليلًا من القرآن والسُّنَّة والقياس.
الطالب: قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، فأولئك الذين لم يتَّفقوا في المطالعِ لم يشهدوا الشهر.
الشيخ: لا حقيقةً ولا حُكْمًا.
طيب، هذا من القرآن.
من السُّنَّة؟
طالب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، هؤلاء لم يَرَوْهُ، والقياس..
الشيخ: وإذا رأيتموه؟
الطالب: (... ).
الشيخ: وهؤلاء لم يَرَوْهُ، تمام.
القياس؟
طالب: قالوا: إنَّ الاختلافَ حسب التوقيتِ اليوميِّ؛ فأهلُ المشرقِ يُفطرون قبل أهلِ المغربِ، أيضًا اختلاف المطالعِ في رؤية الهلال.
الشيخ: في التوقيتِ الشهريِّ، إذا كان بالإجماعِ أنَّ الاختلافَ في التوقيتِ اليوميِّ يختلف فيه الحكْمُ فكذلك الشهريُّ؛ إذْ لا فرقَ، تمام.
فيه قول ثالث؛ فيها ستَّةُ أقوالٍ، لكن أصولها ثلاثةٌ.
قول ثالث؟
طالب: أنَّ الناسَ تَبَعٌ لإمامهم؛ إذا صامَ صاموا، وإذا لم يَصُمْ (... ).
الشيخ: طيب ما حجة هذا القول؟
الطالب: الصومُ يومَ يصومُ الناسُ والفِطرُ حين يُفطِرون.
الشيخ: نعم، هذا من حيث النص.
من حيث المعنى؟
الطالب: من حيث المعنى: أنَّ الإمامَ هو الذي يَثْبتُ عن طريقه الصيامُ بالنسبة لعامَّةِ الناسِ، هو الذي يأمرهم بالصيام.
الشيخ: أنَّ الإمامَ هو المسؤولُ عن هذه الأشياءِ فيكونُ الحكمُ إليه، ولأنَّ هذا.. لو لم نَقُل بذلك لأدَّى إلى الخلافِ بين الناس والنزاعِ والعداوةِ والبغضاءِ؛ مثلما سمعْنا في بعضِ البلاد هذا العامَ؛ فيه ناس مِن هذا البلد خرجوا أفطَرُوا معنا وخرجوا وصَلَّوا العيد، والآخرون صائمون، ما يجوز هذا، هذا لا يجوز.
طالب: (... ).
الشيخ: على كلِّ حالٍ هُمْ تَبَعٌ للإمام، لكن الإمام ماذا يعمل؟ الإمام يجب عليه -على القول الراجح- أنْ يعمل بالقول باختلافِ المطالع.
صاموا بشهادة واحدٍ ثلاثين يومًا ولم يرَوا الهلال، ماذا يصنعون؟
الطالب: (... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: أتَمُّوا الشهر..
الشيخ: أتَمُّوا ثلاثين؛ شَهِدَ واحدٌ بأنه رأى الهلالَ ليلةَ الأحدِ، فصاموا إلى أن صاموا يوم الاثنينِ الْمُوفِي الثلاثينَ، ليلةَ الثلاثاء طلبوا الهلالَ ما رأوه، فماذا يصنعون؟
الطالب: على رأي المؤلف: إذا لم يَرَوْا هلالَ ثلاثين فإنهم يصومون.
الشيخ: يصومون واحدًا وثلاثين يومًا؟ ! وإنْ أَبَى العامَّةُ قالوا: الشهر ما يزيد على ثلاثين يومًا، ما احنا بصايمين.
الطالب: (... ) إذا أتَمُّوا ثلاثين ولم يَرَوا الهلالَ (... ) حتى يَرَوا الهلالَ.
الشيخ: طيب، لماذا؟
الطالب: لأنهم لم يَرَوا الهلالَ.
الشيخ: طيب صاموا ثلاثين يومًا.
الطالب: النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (11).
الشيخ: طيب، صُمْنا لرؤيته ولا يزيدُ الشهرُ على ثلاثين يومًا.
طالب: لأن شهرَ رمضانَ يَثْبت بشهادة رجُل واحد.
الشيخ: إي نعم، لأنَّ دخول الشهرِ يَثْبتُ بواحدٍ وخروجه لا يَثْبتُ إلَّا باثنينِ.
طيب، هل هناك رأيٌ آخرُ في المسألة؟
طالب: القول الثاني أنه يجبُ عليهم الصيام.
الشيخ: الصيام، هذا الذي نحن نتكلَّم عليه.
الطالب: الإفطار.
الشيخ: يجب عليهم الفطر، ليش؟
الطالب: لأن الشهرَ لا يزيدُ على ثلاثين.
الشيخ: لأن دخولَ الشهرِ ثبتَ بمقتضى دليلٍ شرعيٍّ، ولا يُمْكن أنْ يزيد على ثلاثين يومًا، ويَثْبتُ تَبَعًا ما لا يَثْبتُ استقلالًا؛ فإذا كان دخول شوال لا يَثْبتُ إلَّا باثنينِ، لكن خروج رمضان تَبَعًا لدخوله يَثْبتُ به الحكْم، وهذا القول هو الصحيح.
طيب هنا مسألة قريبة من هذا: لو أن رجلًا صامَ برؤية بلدٍ ثم سافرَ إلى بلدٍ آخر قد صاموا بعد البلدِ الذي صامَ فيه بيومٍ، وأتمَّ هو ثلاثين، ولم يُرَ الهلالُ في البلد الثاني، فهلْ يصومُ معهم أو يُفطِر؟
طالب: يصوم معهم.
الشيخ: يصوم معهم؟ هو صامَ ثلاثين.
الطالب: لا، يصومُ تبعًا للبلد الذي هو فيه.
الشيخ: طيب.
طالب: (... ).
الشيخ: افرضْ أنهم ما اتَّحدوا في المطالع، أو أنهم اتَّحدوا ولكن رؤيةَ البلدِ الذي صامَ فيه غيرُ حقيقية.
الطالب: البلد الأول إذا أتمَّ ثلاثين أفطرَ.
الشيخ: إذا أتمَّ ثلاثين أفطرَ.
الطالب: إذا أفطروا في بلدِه.
الشيخ: ما أَفْطروا، هم عندهم اليوم تسعٌ وعشرون، هو صام اليوم ثلاثين.
الطالب: البلد الأول.
الشيخ: البلد الأول صار أفطرَ.
الطالب: (... ).
الشيخ: يُفطِر وفي البلد الثاني صائمون؟ !
الطالب: (... ).
الشيخ: نعم.
طالب: يُفطِر ولكنْ سِرًّا.
الشيخ: يُفطِر سِرًّا؛ لأنه أتمَّ ثلاثين، ويكون سِرًّا لئلَّا يخالف الجماعة.
إذَنْ عندنا قولانِ: قولٌ مجزومٌ به وهو أنه يُفطِر سِرًّا، وقولٌ متردَّدٌ فيه؛ لأن صاحبه لم ترسخ قدمُهُ هل يصوم معهم أو لا؟ فما ترون؟
طالب: يصوم.
الشيخ: ها؟
الطالب: (... ) يفطر سرًّا.
الشيخ: نعم، القولُ بأنه يُفطِر سرًّا له وجْهٌ لا شكَّ، لكنْ أرجحُ منه أنه يصومُ معهم ولو زادَ على ثلاثين يومًا، يصوم؛ لأنه الآن هذا المكان اللِّي هو فيه لم يَثْبتْ خروج رمضان، وهذا أقربُ إلى الصواب، وربما يُقاس على ما إذا سافرَ الإنسانُ نهارًا من بلدٍ إلى بلدٍ آخر يتأخَّر غروبُ الشمسِ فيه، هلْ يُفطِر إذا غربت الشمسُ في البلد الذي ارتحلَ منه ولَّا يبقى حتى تغيب الشمس في البلد هذا؟
طلبة: يبقى (... ).
الشيخ: يَبْقى حتى تغيب الشمسُ في البلد هذا، إي نعم، طيب.
طالب: ما بينهم فرق؟
الشيخ: لا، ما بينهم فرق.
الطالب: (... ) اليوم ما زاد، هو يوم (... ) صيام يوم (... ).
الشيخ: وهذا زاد ساعات؛ لأن اليوم في البلدِ الذي ارتحلَ منه اثنتا عشرة ساعة، واليوم في البلد الذي وصلَ إليه اثنتا عشرة ساعة، فهو اثنتا عشرة ساعةً -اليوم- في البلدينِ.
طالب: شيخ (... ) فيمن صلى الظُّهر.
الشيخ: (... ) خلاص أخطأنا، أنا أخطأت إني راجعتها.
الطالب: (... ).
الشيخ: (... ) نناقشها بعد ذلك.
طيب، على كلِّ حالٍ هذا الأرجحُ، ولكنْ فيه قول أنَّه يُفطِر سِرًّا اعتبارًا بالبلد الذي انتقلَ منه، والمذهبُ أنَّه يُفطِر سِرًّا، ليش؟ لأنهم يقولون: إذا رُئِي في مكانٍ لَزِمَ جميعَ الناسِ حكْمُ الصومِ أو الفِطر، وقضى أنَّ الفِطْر في المكان الذي انتقلَ منه قد ثَبَتَ.
هناك فرقٌ بين وجودِ سببِ الوجوبِ وبين زوال المانعِ، فنريدُ صُوَرًا تبيِّنُ هذا الشيءَ.
طالب: زوال المانعِ (... ) حائض تَطْهُر (... ).
الشيخ: الحائض تَطْهُر، هذا زوالُ المانع، فإذا زالَ المانعُ في أثناءِ النهار فما الحكْمُ على ما جرى عليه المؤلف؟
الطالب: (... ) أنه يَلْزمها الإمساك.
الشيخ: أنه يَلْزم الإمساك؟ ! اصبر ما وصلنا إلى الصحيح، يَلْزم الإمساكُ والقضاءُ.
لماذا يَلْزم الإمساك؟
الطالب: (... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: من اليوم (... ).
الشيخ: إي، لكنْ لماذا يَلْزمها الإمساك؟
الطالب: يَلْزمها الإمساك (... ).
الشيخ: أيش؟ لأنَّ لأنَّ.
الطالب: لأنَّ (... ) من رمضان (... ).
الشيخ: يعني لِحُرمةِ الزمن، تمام.
ولماذا يَلْزمها القضاء؟
الطالب: (... ).
الشيخ: صحيح؛ لأنَّ صوم هذاك اليوم ليس بصحيح، إمساكُها لا يُعَدُّ صومًا.
طيب، هلْ هناك قولٌ آخَر؟
طالب: القول الآخَر أن (... ).
الشيخ: نعم.
ما هو حُجَّة لُزومِ القضاءِ عليها؟
الطالب: لأنَّها لَمْ تَصُمْ.
الشيخ: لأنَّها لَمْ تَصُمْ.
وما هو حُجَّة عدمِ الإمساك؟
الطالب: لأن هذا زوالُ مانع (... ).
الشيخ: لا، ما يُمْكن تعلِّل بالحكْم.
الطالب: (... ).
الشيخ: إذا قال مِثْل ما قال الأخ، لو قال: هذا الزمن محترم.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، صحيح قاله، لكنْ نريد تعليلًا بيِّنًا؛ لأن كلام ابن مسعودٍ رضي الله عنه حُكْم، لكن نريد توجيهَ هذا الحكْم.
طالب: لأنها أفطرتْ بعُذْرٍ شرعيٍّ (... ) ليس له حُرمةٌ.
الشيخ: أحسنت، لأنها أفطرتْ بعُذرٍ شرعيٍّ، والنهارُ بالنسبة إليها ليس له حُرمة؛ لأنه يُباح لها الفِطْرُ ظاهرًا وباطنًا، هذا القول هو الراجح، هذا القول هو الصحيح، وقد سبق.
طيب، نريد مِثالًا لِمَا حَدَثَ فيه سببُ الوجوب.
طالب: إذا بلغ الصبي.
الشيخ: بلوغ الصبي، نعم؛ إذا بَلَغَ الصبيُّ في أثناء النهارِ فقد وُجِد سببُ الوجوبِ في أثناء النهار، فماذا يَلْزم؟
الطالب: يَلْزمه الإمساك.
الشيخ: يلزمه الإمساك.
طيب على كلام المؤلف؟
الطالب: يَلْزمه الإمساكُ والقضاءُ.
الشيخ: يَلْزمه الإمساكُ والقضاءُ، تمام.
لماذا يَلْزمه الإمساك؟
طالب: لأنه قامتْ عليه البيِّنة (... ).
الشيخ: لا يا شيخ، البيِّنة قامتْ من الليل، اليوم رابع من الشهر.
الطالب: قامتْ عليه البيِّنة، لأنه لم يجبْ عليه الصوم.. لأنه قامتْ عليه البيِّنة.
الشيخ: لا، البيِّنة قائمة، اليوم الرابع من الشهر، ما قامت البيِّنة في أثناء النهارِ، نحن الآن في رمضان.
الطالب: لأنه وُجِد سبب الوجوب.
الشيخ: يعني لأنه كُلِّفَ فلَزِمه الصومُ أو الإمساكُ.
طيب، ولماذا يَلْزمه القضاء؟
طالب: ما صام من اليوم الجديد (... ).
الشيخ: لأنه زمن الوجوب؟ طيب، لو صامَ من الفجر هل يَلْزمه القضاء؟ لو صامَ من الفجر وبَلَغَ في أثناء النهار؟
الطالب: (... ) على قول (... ) يَلْزمه (... ).
الشيخ: صامَ من الفجر مع الناس.
الطالب: لأنه ليس من أهل الوجوب.
الشيخ: إذا صحَّ التعليلُ الذي ذكرتَ فالحكمُ -كما قُلْتَ- أنَّه يَلْزمه القضاء؛ لأنه في أول النهار ليس من أهل الوجوب.
لكن هلْ هذا التعليل هو الصحيح؟
طالب: لأنه لم يَنْوِ من الفجر.
الشيخ: نعم، يعني لم يَصُمْ من أول النهار، صحيح.
طيب، فيه قول آخَر في المسألة؟
طالب: (... ).
الشيخ: أنه يَلْزمه الإمساكُ ولا يَلْزمه القضاءُ، نعم.
لماذا يلزمه الإمساك؟
لأنه صار من أهل الوجوب، فلزِمه الإمساكُ، كما لو قامت البيِّنة في أثناء..
طيب، ولماذا لا يَلْزمه القضاء؟
طالب: لأنه لم يكن (... ) للوجوب من أول النهار.
الشيخ: تمام؛ لأنه ليس من أهل الوجوبِ من أول النهار، فلا يَلْزمه القضاءُ، وهذا القول هو الراجح أنَّه يَلْزمه الإمساكُ ولا يَلْزمه القضاءُ.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، يَلْزمه الأمساكُ، سبحان الله!
طالب: (... ).
الشيخ: هذا صبيٌّ بَلَغَ في أثناء النهارِ يَلْزمه الإمساكُ ولا يَلْزمه القضاءُ، وهذا اللِّي علَّل الأخ.
طالب: (... )؟
الشيخ: (... ) غير مكلَّفة.
الطالب: الحائض؟
الشيخ: الحائض قُلنا: زوال مانع، وهذا الآن نقرِّر الفرقَ بين زوالِ المانعِ ووجود سببِ الوجوبِ، بينهما فرقٌ.
طيب، ما حُكم الصوم بالنسبة للمسافر؟
طالب: فيه ثلاث حالات.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: اللِّي ما يتأثر بالصوم، يعني ما يشقُّ عليه أبدًا (... ).
الشيخ: اصبرْ، أعطِنا حالات وبعدين نشوف الأحكام.
الطالب: (... ).
الشيخ: مشقَّة محتمَلة؛ يعني ليست شديدة.
الطالب: (... ).
الشيخ: نعم، تمام، الأول؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا.
طالب: المسافر الذي لا يتأثَّر، مَثَلًا لا يشقُّ عليه الصومُ، فهذا لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز أنْ يُفطر؟
الطالب: المسافر الذي لا يشقُّ عليه الصوم.
الشيخ: نعم.
الطالب: (... ) فيجوز له أنْ يصوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صامَ هذا، النبيُّ صلى الله عليه وسلم..
الشيخ: يعني الفِطْر والصوم في حقِّهِ سواء؟
الطالب: الفِطْر والصوم، نعم.. لا، المسافر.
الشيخ: رجلٌ مسافرٌ ولا يشقُّ عليه الصومُ أبدًا.
الطالب: فله أنْ يصوم.
الشيخ: له، وله أنْ؟
الطالب: يُفطر.
الشيخ: يعني كلاهما على حدٍ سواء.
طيب، كأنَّ الناسَ يريدون أنْ يعارضوك.
طالب: الصومُ أفضلُ له.
الشيخ: الصومُ أفضل، والمسألة خلافية فيها رأيٌ أنَّ الفِطْر أفضل.
طيب، لماذا فضَّلنا الصوم؟
طالب: كي يصومَ مع الناس.