الظاهر الأول؛ ألف دينار ودرهم، لكن لو قال: ألف دنانير ودراهم، هذا حينئذ يلزمه من الجنسين ما لا يزيد على الألف، ولكن نقول: ألف دنانير ودراهم، إذا لم يُبَيِّن النسبة فهما أنصاف، يعني مناصَفَة، فيلزمه خمس مئة دينار وخمس مئة درهم.
ومثله أيضًا: ألفٌ قُمُصٌ وسراويل، مثلها؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، ألف قميص وسروال.
طلبة: كالأولى.
الشيخ: كالأولى، يعني يلزمه القميص زائدًا السروال، ولهذا قال: (إن فَسَّره بجنس أو أجناس قُبِلَ منه).
يقول: (وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةٍ لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ)، سبحان الله! (لَهُ عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةٍ) يلزمه (ثمانية)؟ نعم؛ لأن الذي بين الواحد والعشرة ثمانية، أليس كذلك؟ واحد أَسْقِطْه، وعشرة أسقطها، يبقى ثمانية، فيلزمه ثمانية ما بين درهم وعشرة.
(وإذا قَالَ: مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إلى عَشَرَةٍ، ومِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ، لَزِمَهُ تِسْعَةٌ).
هاتان صورتان: (مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إلى عَشَرَةٍ) هذه صورة، الثانية: (مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ) يلزمه تسعة.
الصورة الثانية الأمر فيها ظاهر؛ لأنه ذكر ابتداء الغاية وانتهاءها، وابتداء الغاية داخل لا انتهاؤها، (مِن درهم إلى عشرة)، نقول: الدرهم داخل، والعشرة خارجة، فكم يلزمه؟ يلزمه تسعة، واضح، فإنه إذا اجتمعت ابتداء الغاية وانتهاؤها فإن ابتداءها داخل، وانتهاءها غير داخل؛ خارج.
لكن (ما بين درهم إلى عشرة) هذا مُشْكِل؛ لأنك إن قلت: إن انتهاء الغاية خارج، أخرجت العشرة، و (ما بين) البينونة تقتضي أن الطرفين خارج، فإذا قال: (ما بين درهم إلى عشرة) فعلى القاعدة يلزمه ثمانية، وهذا أحد القولين في هذه الصورة، أنه إذا قال: (ما بين درهم إلى عشرة) لا يلزمه إلا ثمانية؛ لأن (درهم) خرج -الأول-، و (عشرة) خرجت؛ لأن (إلى) للغاية، وما بعدها غير داخل.
لكن الذين يقولون بأنه يلزمه تسعة، يقولون: إن الغاية لا يدخل فيها المُغَيَّا إذا ذُكِرَ الابتداء، يعني إذا جاءت (مِن)، أما إذا لم يُذْكَر الابتداء فإن المُغَيَّا داخل، وعلى هذا نقول: (ما بين درهم) يخرج الدرهم وتدخل العشرة، فيلزمه تسعة.
واستدل بعضهم بأن المرافق داخلة في الغسل في قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]؛ لأنها لم تُذكر (مِن)، فلما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ بدون ذكر ابتداء الغاية صارت الغاية داخلة.
وينبغي أن يقال: إن مسألة الإقرارات يُرْجَع فيها إلى العُرف لا إلى ما تقتضيه اللغة؛ لأن الإقرارات مبنية على ما يتعارفه الناس في عاداتهم ونطقهم، وقد سبق لنا في كتاب الأيمان وفي كتاب الوصايا أن العُرف مقدَّم على الحقيقة اللُّغوية، فإذا كان عُرف الناس أنه إذا قال: له ما بين درهم إلى عشرة، يعني ثمانية، فإنه يلزمه ثمانية.
وإذا قال: ما بين درهم إلى عشرة، يعني: إني ما أدري، له من الريال إلى عشرة، فهنا لا يلزمه إلَّا ما عيَّنه المتكلِّم، وهذه تقع كثيرًا، يقول: من الريال إلى عشرة، يعني: ما أتأكد، أنا واجب عَلَيَّ شيء له، لكن هنا ريال إلى العشرة، يمكن هو ريال، ريالين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، ثمانية، تسعة، أو عشرة، فيُرْجَع في هذا إلى العُرف.
ولهذا لو أراد مجموع العدد في قوله: من درهم إلى عشرة، كم يلزمه؟
طالب: عشرة.
الشيخ: لا، خمسة وخمسون، لو أراد مجموع العدد في قوله: من درهم إلى عشرة، يلزمه خمسة وخمسون.
طالب: كيف هذا؟
الشيخ: يقول: واحد واثنان.
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة وثلاثة؟
طلبة: ستة.
الشيخ: ستة وأربعة؟
طلبة: عشرة.
الشيخ: عشرة وخمسة؟
طلبة: خمسة عشر.
الشيخ: خمسة عشر وستة؟
طلبة: واحد وعشرون.
الشيخ: واحد وعشرون وسبعة؟
طلبة: ثمانية وعشرون.
الشيخ: ثمانية وعشرون وثمانية؟
طلبة: ستة وثلاثون.
الشيخ: ستة وثلاثون وتسعة؟
طلبة: خمسة وأربعون.
الشيخ: خمسة وأربعون وعشرة؟
طلبة: خمسة وخمسون.
الشيخ: خمسة وخمسون، إذا قال: أنا أردت مجموع الأعداد من درهم إلى عشرة، قلنا: يلزمك خمسة وخمسون؛ لأنك تجمع واحدًا إلى اثنين إلى ثلاثة إلى آخره حتى تكمله، فصارت المسألة الآن مبنية على ما يُرَاد، وعلى ما جرى به العُرف، فعندنا ثلاث مراتب: ما أراده، وما جرى به العُرف، ثم بعد ذلك الحقيقة اللُّغوية، هذا هو الصحيح في هذه المسائل.
يقول: (وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ أَوْ دِينَارٌ لَزِمَهُ أَحَدُهُما) ويعيِّنُه؛ لأن (أو) للشك، فيُرْجَع في التعيين إلى مَن؟ إلى نفس الْمُقِرّ، فإن (أو) لم تعيِّن أحد الأمرين، قال: (لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ أَوْ دِينَارٌ).
مثاله: سُئِلَ رجل: ما الذي يطلبك فلان؟ قال: والله ما أدري، إما درهم أو دينار، نقول: يرجع في التعيين إلى الْمُقِرّ.
ومن الناحية العملية لو قال الْمُقَرُّ له: أنا متأكِّد أنه دينار، فما هو الورع في هذا الباب؟ الورع أن يدفع له دينارًا؛ لأنه هو شاكٌّ وصاحبه متيقِّن، لا سيما إذا كان الْمُقَرُّ له رجلًا صدوقًا ثقة وأمينًا، فإنه يتأكد عليه حينئذ أن يدفع إليه الدينار.
(وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ تَمْرٌ فِي جِرَابٍ، أَوْ سِكِّينٌ فِي قِرَابٍ، أَوْ فَصٌّ فِي خَاتَمٍ، فَهُوَ مُقِرٌّ بِالأوَّلِ).
انتبه لهذا، إذا قال: له عَلَيَّ تمر في جِرَاب، الجِرَاب: وعاء يُجْعَل فيه التمر، قال: له عَلَيَّ تمر في جِراب، هل هو مُقِرّ بالجِراب، أو بالتمر وحده، أو بهما جميعًا؟ يقول: بالأول؛ بالتمر، فإذا قال: له عَلَيَّ تمر في جِرَاب، قلنا: ما عليك إلا التمر، ثم عاد عَيْن التمر كثيرًا أو قليلًا، لماذا؟ لأنه كثيرًا ما تجري العادة بأن يأتي الإنسان بتمر من شخص يسرقه أو يأخذه خطأ أو ما أشبه ذلك، ويضعه في جِرَاب عنده، هو مالكه، هذا يقع كثيرًا.
(سكين في قِرَاب) ويش يلزمه؟ السكين فقط، أما القِرَاب لا، لماذا؟ لأنه ربما يأخذ سكين شخص خطأ أو سرقة أو غصبًا ثم يضعها في قراب عنده، وهذا كثير، فهو لا يُقِرّ إلا بالأول، بخلاف ما لو قال: سيف في قراب، فإنه مُقِرٌّ بهما جميعًا.
والفرق أن القِرَاب ملازِم للسيف، غالبًا أو دائمًا، لا تجد سيفًا صَلْتًا، لكن السكين غالبًا أنه في غير قِرَاب، كل السكاكين، احنا ما عندنا ولا واحدة من السكاكين فيها قراب، ولا حَقَّة اللحم، أبدًا، ولا الضحايا ولا الهدايا.
المهم أن الفرق بينهما أنه إذا قال: سيف في قِراب، فإن العادة أن السيف ملازم له، لكن السكين الغالب غير ملازمة، مثل ما لو قال: سكين في كرتون، يدخل الكرتون ولّا لا؟ لا يدخل، سكين في دولاب، طبعًا ما يدخل الدولاب، إذن هناك فرق بين الملازِم وغير الملازِم.
يقول المؤلف: (أو فَصٌّ في خاتم ونحوِه).
(فَصٌّ في خاتم) مُقِرٌّ بالأول، ويش هو؟ الفص، والخاتم؟ الخاتم غير مُقِرّ به؛ لأنه ربما يسرق فصًّا ويضعه في خاتمه، وهذا كثير، ولأن الفص تابع للخاتم ولا عكس.
لو قال: خاتم في فَصّ؟
طالب: هذا ما يصير.
الشيخ: ممكن نجعل (في) بمعنى (مع)، فيلزمه خاتم ذو فَصّ، وإلّا صحيح أن الخاتم ما بيكون في جوفه فص، بل بالعكس.
إذا قال: خاتم فيه فص؟
طالب: يلزمه الاثنان.
الشيخ: يلزمه الأمران، إي نعم.
(فهو مُقِرٌّ بالأول).
وإلى هنا انتهى الكلام، وذكرنا أن بعض العلماء ختم الفقه في باب العتق تفاؤلًا بأن يعتقه الله من النار، وبعضهم بالإقرار تفاؤلًا بأن يُقِرَّ بالشهادتين عند الموت، وكل منهما له وجه، وعلى كل حال انتهى هذا الكتاب الآن، والحمد لله رب العالمين.
﴿باب صفة الصلاة﴾
يُسَنُّ القِيامُ عندَ " قَدْ " مِن إقامَتِها وتَسويةُ الصفِّ، ويقولُ " اللهُ أكبرُ " رافعًا يَدَيْهِ مَضْمُومَتَيِ الأصابعِ مَمدودةً حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ كالسجودِ، رافعًا يَدَيْهِ مَضْمُومَتَيِ الأصابعِ مَمدودةً حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ كالسجودِ، ويُسْمِعُ الإمامُ من خلفِه كقراءتِه في أَوَّلَتَي غيرِ الظُّهْرَيْنِ، وغيرُه نفسَه، ثم يَقْبِضُ كُوعَ يُسراهُ تحتَ سُرَّتِه ويَنظُرُ مَسجِدَهُ ثم يقولُ: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ " ثم يَستعيذُ ثم يُبَسْمِلُ سِرًّا وليست من الفاتحةِ، ثم يَقرأُ الفاتحةَ، فإن قَطَعَها بذِكْرٍ أو سكوتٍ غيرِ مشروعَيْنِ وطالَ أو تَرَكَ منها تَشديدةً أو حَرْفًا أو تَرتيبًا لَزِمَ غيرَ مأمومٍ إعادتَها، ويَجْهَرُ الكلُّ بآمينَ في الْجَهْرِيَّةِ ثم يَقرأُ بعدَها سورةً تكونُ في الصبْحِ من طِوالِ الْمُفَصَّلِ وفي الْمَغْرِبِ من قِصارِه وفي الباقي من أَوْسَاطِه، ولا تَصِحُّ الصلاةُ بقراءةٍ خارجةٍ عن مُصْحَفِ عُثمانَ، ثم يَرْكَعُ مُكَبِّرًا رافعًا يَدَيْهِ ويَضَعُهما على رُكبتَيْهِ مُفَرَّجَتَي الأصابعِ مُستويًا ظَهْرُه ويَقولُ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ " ثم يَرفعُ رأسَه ويَدَيْهِ قائلاً إمامٌ ومنفرِدٌ: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وبعدَ قِيامِهما " رَبَّنا ولك الْحَمْدُ، مِلْءَ السماءِ ومِلءَ الأرضِ، ومِلءَ ما شِئْتَ من شيءٍ بَعْدُ " ومأمومٌ في رَفْعِه " رَبَّنا وَلَكَ الْحَمْدُ " فقط، ثم يَخِرُّ مُكَبِّرًا ساجدًا على سبعةِ أعضاءٍ؛ رِجْلَيْهِ ثم رُكْبَتَيْهِ ثم يَدَيْهِ ثم جَبْهَتِه مع أَنْفِه ساجدًا على سبعةِ أعضاءٍ؛ رِجْلَيْهِ ثم رُكْبَتَيْهِ
[باب صفة الصلاة]
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب صفة الصلاة.
يُسَنُّ القيام عند (قد) من إقامتها، وتسوية الصف، ويقول: الله أكبر، رافعًا يديه مضمومَتَيِ الأصابع، ممدودة حذو منكبيه كالسجود، ويُسْمِعُ الإمامُ مَن خلفه كقراءته في أَوَّلَتَيْ غير الظُّهْرَيْنِ، وغيرُه نفسَه، ثم يقبض كوع يُسْرَاه تحت سُرَّتِه، وينظرَ مسجِدَه، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الله سبحانه وتعالى يَسَّرَ أن نقرأ باب صفة الصلاة ليكون دورة كاملة، ونسأل الله أن يَمُنَّ علينا في فهمه وإتمامه، وصفة الصلاة كغيرها من صفات العمل الصالح لا بد للإنسان أن يعرفها؛ لأن من شرط قبول العبادة أن تكون موافقة للشريعة، ولا يمكن أن تعرف الموافقة للشريعة إلا إذا عرفت كيف يتعبد النبي صلى الله عليه وسلم لربه، وكلنا يعلم أن شرط العبادة الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم احتاج العلماء رحمهم الله إلى بيان كيفية الوضوء، بيان كيفية الصلاة، بيان كيفية الحج، حتى يكون الإنسان متأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ولهذا ينبغي لنا عندما نتوضأ أو نصلي أن نستحضر شيئين:
أولا: أننا ممتثلون لأمر الله في ذلك، حتى يكون فعلنا عبادة حقًّا، تذلُّلًا لله عز وجل وطاعةً له، لننتبه لهذا، أننا عندما نقوم للوضوء نمتثل قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] حتى يكون فعلنا تَذَلُّلًا لله عز وجل وطاعة له.
الثانية: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أن نستحضر كأن الرسول عليه الصلاة والسلام أمامنا يتوضأ ونحن نتوضأ كوضوئه، حتى تتحقق المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وينبغي للإنسان قبل أن يحضر لصلاة الجماعة أن يتوضأ في بيته قبل أن يأتي إلى المسجد، ليتوفر له الأجر الكامل، وينوي بخروجه من بيته الخروج إلى الصلاة لا لغيرها، حتى وإن كان صاحب دكان يريد أن يفتح دكانه بعد الصلاة فلتكن نيته لأيش؟
طلبة: للصلاة.
الشيخ: للصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا تَوَضَّأَ الرَّجُلُ وَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا رَفَعَ اللهُ لَهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً».
(1) فائدتان عظيمتان، رفعة درجة وحط خطيئة.
وهل يشترط لحصول هذا الأجر العظيم أن ينوي الإنسان ذلك عند أول خطوة، أو متى خرج للصلاة، وإن غفل عن نية الخطوات حصل له ذلك؟ أرجو الله أن يكون الثاني؛ لأنه كثيرًا ما يغفل الإنسان عن احتساب الخطوات، فإذا كان خرج من بيته للصلاة وإن لم يحتسب الأجر في الخطوات، فإننا نرجو الله عز وجل أن يكتب هذا لنا، أفهمت.
طالب: بلى
الشيخ: يقول المؤلف رحمه الله: (يُسَنُّ القيام عند (قد) من إقامتها)، وهذا في الجماعة، أما المنفرد فيُسَنُّ أن يقوم قبل أن يبدأ بالإقامة، من أجل أن يقيم الصلاة وهو قائم؛ لأن السنة في إقامة الصلاة وفي الأذان أن يكون الإنسان إيش؟
طلبة: قائمًا.
الشيخ: قائمًا، لكن في صلاة الجماعة لا تُقُم حتى يقول المؤذِّن، بل حتى يقول المقيم، سواء المؤذِّن أو غير المؤذِّن، حتى يقول: قد، ونحن ما شاء الله لعجلتنا من حين ما يدخل الإمام وإذ الناس قائمون، حتى إنه ربما بعض الإئمة يقول: إذن أتسنن، أصلي ركعتين، وأُطَوِّل فيهما علشان أيش؟ يبقى هؤلاء قيامًا أو يجلسوا، وهذا من العجب، انتظر حتى يشرع المقيم بالإقامة على الأقل؛ لأنك لا تدري ربما يدخل الإمام المسجد ثم يذكر أنه على غير وضوء، وحينئذ لا بد أن يتوضأ.
وقول المؤلف: (عند (قد) من إقامتها) يعني إذا أقام وكَبَّرَ وقال: حي على الصلاة، حي على الفلاح، لا تقم حتى يقول (قد)، حينئذ تقوم.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله، منهم من قال: إنك تقوم عند قوله (قد)، ومنهم من قال: تقوم عند قوله: حي على الصلاة، ومنهم من قال: لا تقم حتى يُكَبِّر الإمام، ومنهم من يقول: تقوم حين يُكَبِّر التكبيرة الأولى.
والإمام مالك رحمه الله قال: كلٌّ واسع، الأمر في هذا واسع، قم حين يبدأ بالإقامة، قم حين يقول: حي على الصلاة، قم حين يقول: قد قامت، قم حين يكمل، لكن لا تفوِّت تكبيرة الإحرام، الأمر واسع.
(عند (قد) من إقامتها، وتسوية الصف) يقول: وتُسَنُّ تسوية الصف، أن يكون كل واحد من المأمومين على حذاء الآخر.
وبماذا تكون التسوية، هل برؤوس الأقدام، أو بالأعقاب، أو بالأكتاف، أو ماذا؟ تكون بالكِعَاب؛ لأن الكعب هو الذي ينبني عليه الجسد، أما أطراف الأصابع فلا عبرة بها، لأيش؟ لأن بعض الناس طويل الرجل، وبعض الناس قصير الرجل، فإذا ساوى قصير الرجل بأصابع طويل الرجل صار متقدمًا عليه، الأعقاب أيضًا بعض الناس عقبه طويل شوي، وبعض الناس عقبه قصير، وبعض الناس في الوسط.
لكننا لا نعتبر لا العقب ولا رؤوس الأصابع، إنما نعتبر الكعب، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يلصق الواحد منهم كعبه بكعب صاحبه، علشان تحقيق المساواة، والتراصّ.
وهنا مسألة، وهي أن بعض الناس أخيرًا بحرصهم على السنة وتطبيق السنة أخطؤوا في فهم السنة، فصاروا يظنون أن معنى أقوال الصحابة: حتى يلصق الرجل كعبه بكعب أخيه (2)، أن معناها أن تفرج بين رجليك، وهذ غلط، لو كان هذا هو المراد لقال: حتى كان الرجل يفرج بين رجليه، حتى يَمَسَّ كعبُه كعبَ صاحبه، وهذا غير مراد بلا شك، ولو كان هو المراد لبَيَّن.
وإنك لتأتي بعض المساجد يتخذون هذا هو السنة، وعليهم بنطولات، فتجد رجليهم (... ) كدا كأنهم هرم، نعم الأعلى منضم والأسفل متوسع، هذا ما هو صحيح، ولهذا قال عمر رضي الله عنه لأبي موسى: الفهمَ الفهمَ فيما يلقى إليك (3)، لازم أن تفهم النصوص على مرادها، على مراد الله ورسوله.
ولكن هل المراد بالتراصِّ التراصُّ الذي يشق فيه الإنسان على أخيه؟ الجواب: لا؛ لأن هذا يؤذي أخاك، ويفوته مثلًا التورك، ويفوته الجلوس على وجه الطمأنينة، فالمراد بالتراص ألَّا يكون بينكما فُرَج، أما أن ترص حتى إنه يتأذى بهذا فهذا غلط.
قول المؤلف رحمه الله: (تسوية الصف)، أفادنا أن التسوية سُنَّة، ولكنَّ في هذا نظرًا، وكيف تكون التسوية سنة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «عِبَادَ اللهِ -شف يخاطب العباد بالنداء- لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» (4)، وهذا وعيد، والوعيد هل يكون على فوات سنة؟ لا، بل لا يكون إلا على ترك واجب، أو فعل محرَّم.
وانظر إلى قوله: «لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»، قيل: معناه أن يستدير الوجه، فواحد يستدير عن يمين، وواحد يستدير عن يسار، ولا يستطيع ينظر على وجه الاعتدال، يعني تلوى رقبته، وبعضهم يقول: بين وجوهكم، أي: بين قلوبكم، فيكون الوجه هنا بمعنى القصد، ومعلوم أنه إذا اختلفت المقاصد تفرقت الأمة، وحصل الضرر العظيم.
والصحيح أن تسوية الصف واجبة، أولًا: لهذا الحديث الذي فيه الوعيد.
ثانيًا: أن نبينا عليه الصلاة والسلام وقدوتنا وإمامنا كان هو بنفسه يسوِّي الصفوف بيده الكريمة، كأنما يسوي بها القداح (5)، يمسح الصدور والمناكب، ويقول: «سَوُّوا»، ويمشي من أول الصف إلى آخره.
ولما كثرت الأمة في زمن عمر (6) وعثمان، (7) وَكَّلُوا مَن يسوي الصفوف، فإذا أقيمت الصلاة وسوَّاها الوكيل جاء وقال: استوت الصفوف، فيُكَبِّرُون، وهذا يدل على أنهم يعتقدون ذلك واجبًا أو سنة؟
طلبة: واجب.
الشيخ: واجب، ولا شك في الوجوب، كثير من العوام الآن حيث إن الأئمة -سامحهم الله- غفلوا عن هذه المسألة وصاروا يقولون: استووا، كأنك ليش تضرب على الورق وبس، حتى إن بعضهم يقول: استووا، وهو ما يلتفت، حتى سمعت بعض الناس يقول: صلى بي إمام أنا وإياه اثنين، فالتفت قال: استووا، واستووا، ما عندك أحد يجيء، ما هو صحيح هذا.
ولذلك نرى أن الإمام يلتفت ويستقبل الناس بوجهه، ويقول: استووا، كلمة لها معناها، وعلى هذا، إذا كانوا مستوين يحتاج يقول: استووا؟
طلبة: ما يحتاج.
الشيخ: لا، ما يحتاج؛ لأنها ليست كلمة يتعبد الإنسان لله بها، هي كلمة يقصد بها تسوية الصف، فإذا كان الصف مستويًا، كحال اليوم -والحمد لله- بواسطة الخطوط هذه، صارت الصفوف تستوي، ويقل أن تجد أحدًا تقدم أو تأخر، المهم إنك إذا احتجت إلى أن تقول: استووا، فقُلْها لكن بلفظها ومعناها، ما هو مجرد لفظ استووا اعتدلوا.
وكان أول ما فهمت هذا المعنى من شيخنا رحمه الله عبد الرحمن السعدي.
كان أئمتنا في المساجد العادية يقولون: استووا اعتدلوا، ولكنه ما يتكلم حتى لو كان الصف أعوج، لكن شيخنا رحمه الله يقول: تقدموا يمين الصف، تأخروا يمين الصف، وينص على هذا، فاستفدنا بذلك -جزاه الله خيرًا- فائدة كبيرة، أن المسألة ما هي مجرد لفظ.
الخلاصة: أن القول الراجح وجوب تسوية الصف، والمسؤول عن التسوية هم المأمومون أولًا، والمسؤول عن تنفيذ ذلك والإلزام به هو الإمام؛ لأن الإمام راعي في هذ المقام.
(ويقول: الله أكبر)، يعني بعد أن يستوي الصف يقول: الله أكبر، (يقول): هل ترون أنها منصوبة، أو مرفوعة؟
طالب: منصوبة.
الشيخ: ماذا تقولون؟
طالب: مرفوعة يا شيخ.
الشيخ: ماذا تقولون؟
طالب آخر: منصوبة.
طالب آخر: على الحكاية.
طالب آخر: يجوز الوجهان.
الشيخ: يقول: يجب أن تكون مرفوعة؛ لأنها لو كانت منصوبة لكانت معطوفة على المصدر: (يُسَنُّ القيام)، (ويقولَ: الله أكبر)، وعطفها على هذا المصدر صحيح ولَّا غير صحيح؟
طلبة: غير صحيح.
الشيخ: غير صحيح.
لأنا لو نقول: معطوف على القيام لصارت سنة، إذن يجب أن تكون مرفوعة على الاستئناف: (ويقولُ: الله أكبر).
الله أكبر، سبحان الله! أول ما يدخل على الله الإنسان يناجي ربه يقول: الله أكبر، أكبر من كل شيء، ولهذا حذف المفضل عليه لإفادة العموم.
أكبر من كل شيء، وإذا كانت السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن عز وجل كخردلة في كف أحدنا (8)، فإنه لا يمكن أن يتصور الإنسان كبر الرب عز وجل.
وإذا كان له الكبرياء في السماوات والأرض فإنه لن يتصور أحد أن أحدًا أكبر من الله عز وجل قدرًا أو عظمة أو سلطانًا.
إذن الله أكبر بكل معنى الكلمة، أكبر منين؟
طلبة: من كل شيء.
الشيخ: من كل شيء، الدليل؟ حذف المفضل عليه ليفيد العموم، قل: الله أكبر.
وهل يكفي ما كان بمعناها، مثل أن تقول: الله أعظم؟
لا، العبادات توقيفية، والرسول صلى الله عليه وسلم قال للرجل: «استقبل القبلة وكَبِّر» (9)، فنص على ذلك.
فلو قال: الله أَجَلّ، أو الله أعظم، أو أعزّ، أو ما أشبه ذلك، ما يجزئ، لا بد أَكْبَر.
قال أهل العلم: ولو مد الهمزة لم تنعقد الصلاة.
ولو مد همزة (أكبر) لم تنعقد الصلاة، ولو مد الباء لم تنعقد الصلاة؛ لأن المعنى يختلف.
إذا قال: الله أاكبر، ويش صار؟
طلبة: استفهام.
الشيخ: استفهام، ما كَبَّر الله، إذا قال: الله أاكبر ما صح؛ لأنه استفهام أيضًا.
إذا قال: الله أكبار؟ ما صح؛ لأنه يختلف المعنى، يقولون: إن أكبار -بالمد- جمع كَبَر، وهو الطبل -أعوذ بالله- يخلف المعنى كثيرًا، إذن قل: الله أكبر.
وهل يفرق الإمام بين التكبير؛ تكبيرات الانتقال وتكبيرة الإحرام أو لا؟
جرت عادة أئمتنا أنهم يفرِّقون؛ السجود له تكبير، والقيام من التشهد له تكبير، والهبوط إلى الأرض له تكبير.
لكن ما رأيت في هذا سنة، وبحثت، وأوصيت من يبحث من إخواننا المعتنين بالحديث ولم يجدوا، ولا في كلام الفقهاء أيضًا.
غاية ما وجدت في كلام الفقهاء أن بعضهم قال: إن تكبيرة الانتقال من ركن إلى آخر تكون بحسب المسافة، فإذا كبرت من القيام إلى السجود طوِّل التكبير، وإذا قمت من السجود إلى القيام طوِّل التكبير، هكذا.
أما أن يقال: التشهد الأول له تكبير، والتشهد الثاني له تكبير، فهذا ما علمت.
ولقد صليت خلف إمام التشهد الأول يقول: اللاه أكـ. بس، والتشهد الثاني يبين التمام، هذا -سبحان الله- غلط، العبادة ما هي ذوق ولا هوى ولا اجتهاد، العبادة شريعة متبوعة.
ثم إننا وجدنا في الواقع في عدم التمييز بين التكبير وجدنا مصلحة، وهي: أن الإمام يحضر قلبه؛ لأنه بالأول لما كان يفرق بينهن، إذا مده قال المأمومون على طول: سبحان الله، إذا كان أخطأ، لكن الآن ما يقدرون يقولوا شيئًا؛ لأن التكبير واحد، فتجد الإمام يحرص على إحضار قلبه لئلا يقوم في محل القعود، أو يقعد في محل القيام.
كذلك بالنسبة للمأموم؛ المأموم لما كان يخالف التكبير صار عبارة عن آلة متحركة حسب الكهرباء، مئتين وعشرين مع عشرة، نعم، إذا جاءت الله أكبار، لا عجلة، عرف إنه جالس ولَّا قائم، وخلاص قلبه رايح يمين ويسار، وها التكبير هو اللي يدله.
لكن لما صار التكبير واحدًا صار كل واحد من المأمومين يحسب حسابه؛ لأنه يخجل إنه يقوم والناس جالسين أو بالعكس، فصار فيه مصلحة واضحة.
ولو لم يكن من هذا إلا أن السنة لم تَرِد، يعني أنه يكفينا أن نقول: مَن فَرَّقَ بين التكبير فعليه الدليل، وإذا لم تَرِد السنة به فإننا نبقيه واحدًا.
(ويقول: الله أكبر، رافعًا يديه مضمومتي الأصابع ممدودة حذو منكبيه).
(حذو) متعلقة بـ (رافعًا).
(رافعًا يديه مضمومة الأصابع)، هكذا، (ممدودة)، هكذا.
ضد مضمومة الأصابع؟
طلبة: مُفَرَّقَة.
الشيخ: مُفَرَّقَة، ضد ممدودة؟ مضمومة، مقبوضة، كذا، مد الأصابع، وضم بعضها إلى بعض.
(حذو منكبيه)، المنكب: الكتف، وهذه إحدى صفاتها، أي إحدى صفات اليدين عند الرفع.
والسنة جاءت بهذا، وجاءت بأن تكون إلى شحمة الأذنين، وإلى فروع الأذنين، فالأمر إذن واسع، أو يقال: إن السنة كذا وكذا وكذا.
يعني: إما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل هذا وهذا من باب أن الأمر واسع، أو يقال: إنها سنة مشروعة مرة كذا، ومرة كذا، بعض الناس يقول: كذا، انظروا، كذا، حصلت السنة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، بل هذه حركة مكروهة؛ لأن ما هي بسنة، وإن قصد التعبد بها صارت.. ؟
طلبة: بدعة.
الشيخ: بدعة، بعض الناس يربع مرة، هذا أيضًا؟
طالب: غير صحيح.
الشيخ: غلط، بعض الناس كأنه يتوضأ، يمسح ودانه، هل صحيح ولَّا غير صحيح؟
طلبة: غير صحيح.
الشيخ: غير صحيح، ولذلك أرى أن طلبة العلم عليهم مسئولية حول هذا الأمر أن يُبَيِّنُوا للناس، والعوام سريعون، قريبو العاطفة، لكن يحتاجون إلى مَن يُنَبِّهُهم.
طالب: بس شيخ، هكذا صحيح؟
الشيخ: كيف؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، أنا أقول بعض الناس، انتقادًا لا تقريرًا يا أخي، الرسول يرفع فقط.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما هو كذا، لا.
طالب: (... ) وغيرُه نفسَه، ثم يقبض كوع يُسْرَاه تحت سُرَّتِه، وينظر مَسْجِدَه، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك ثم..
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبق لنا أنه يُسَنُّ القيام إلى الصلاة إذا قال المقيم: قد قامت الصلاة.
وبَيَّنَّا أن القول الراجح أن الأمر.. ؟
طلبة: واسع.
الشيخ: واسع، سواء قام عند هذا، أو إذا انتهت الإقامة، أو عند الشروع في الإقامة، لكن المهم أن لا تفوته تكبيرة الإحرام.
وسبق أيضًا أنه يُسَنُّ تسوية الصف، والمخاطَب بذلك المأمومون والإمام، وبَيَّنَّا أن القول الراجح وجوب التسوية.
لكن هل التسوية معناها الاستقامة بالمحاذاة، أو تشمل حتى التراصّ؟
الجواب: الثاني، تشمل حتى التراص، وتشمل كذلك حتى تقارب الصفوف بعضها من بعض؛ لأن الأفضل أن تتقارب الصفوف، إلا إذا كان يلزم من تقاربها تقاطعها، مثل أن يكون لو تقاربوا لكانوا بين الأعمدة، فهنا نقول: لا بأس أن يتأخَّرُوا عن الأعمدة حتى لا تقطع الصفوف، وإلا فالأفضل قرب الإمام من الصف الأول، وقرب الصف الثاني من الصف الأول، وهلم جرًّا.
سبق لنا أنه يقول: الله أكبر، ولا يقول غيرَها، وأنه يرفع يديه على هذا الوصف: (مضمومتي الأصابع، ممدودة حذو منكبيه)، وبَيَّنَّا أن السُّنَّة وردت بهذا، ووردت أيضًا بأن يكون الرفع إلى شحمة الأذنين أو إلى فروع الأذنين.
فإن قال قائل: ما الفائدة، وما هي الحكمة؟
فالجواب من أحد وجهين:
الأول: أنك لا تقُل في المشروعات أو فيما شاء الله: ما الفائدة؟ ما الحكمة؟
أنت عبد مُذَلَّل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].
وعائشة لما سئلت: ما بال الحائض تقضي الصوم دون الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (10)، فلا تسأل، تَعْبُد الله على أي حال.
لكن بعض العلماء استنبط حكمةً اللهُ أَعْلَمُ بها، قال: إن هذا إشارة إلى رفع الحجاب بينك وبين ربك، وهذا يصدق فيما لو قلنا: إنك لا ترفع إلا عند تكبيرة الإحرام، مع أن الرفع يُسَنُّ في مواضع أخرى.
قال المؤلف رحمه الله: (ويُسْمِعُ الإمامُ مَنْ خَلْفَهُ).
من تسوية الصفوف عند بعض العلماء: أن تُخْرِج الصغار من الصفوف الأولى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لِيَلِنِي مِنْكُم أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» (11)، لكن هذا قول ضعيف، والصواب أنه يحرُم أن يؤخَّر الصبيان؛ لأن الصبي تصح صلاته، وقد سبق إلى ما لم يسبق إليه المكلَّف، ولأن في تأخيره تنفيرًا له عن المسجد.
جاء صبي فرِحًا يريد أن يتقدم، تأتي أنت تطرده؟ ! هذا لا شك أنه ينفر، ولأن فيه إحداثًا للعداوة بين هذا الصبي وبين الذي أقامه، ولأن هذا يُحْدِث العداوة أيضًا بين وَلِيِّ الصبي وبين هذا الذي طرده، كل هذه مضارّ ومفاسد.
ومعنى قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ»، معناه، أي: حَثّ العقلاء البالغين على أن يتقدموا.
ولفظ الحديث ليس فيه: لا يَلِنِي إِلَّا، لو قال: لا يَلِنِي إلَّا هؤلاء، قلنا: نعم يُطْرَدُون، وسمعًا وطاعة، لكن قال: «لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى»، فالصواب أنه يحرُم، وهذا هو الذي تقتضيه الأدلة.
قال: (ويُسْمِعُ الإمامُ مَنْ خَلْفَه كقراءته في أَوَّلَتَيْ غير الظُّهْرَيْنِ، وغيرُه نفسَه).
يعني التكبير، (يُسْمِع الإمامُ مَن خلفه)، فيرفع الصوت بالتكبير.
(كقراءته) أي: الإمام.
(في أَوَّلَتَي غير الظهرين)، ما هو؟
طالب: (... )؟
الشيخ: (أَوَّلَتَيْ غير الظهرين).
طالب: صلاة الفجر يا شيخ.
الشيخ: الفجر ركعتان.
طالب: صلاة العشاء.
الشيخ: العشاء.
طالب: إي، وصلاة المغرب.
الشيخ: والمغرب، صحيح، السنة جهر الإمام في التكبير، هكذا قال المؤلف، ولو قيل بوجوب جهر الإمام بالتكبير لكان له وجه؛ لأنه لا يتم، أو لا تتم متابعة المأموم للإمام إلا بأيش؟
طالب: بسماع..
الشيخ: بسماع التكبير، لو قلنا: إن المأموم يرى الإمام، قلنا: هذا ممكن في الصف الأول، لكن إذا كثُرَت الصفوف لا يمكن، فلو قيل بأنه يجب على الإمام أن يجهر بالتكبير لكان له وجه.
وقوله: (كقراءته في أَوَّلَتَيْ غير الظهرين)، أيضًا فإنه يُسْمِع مَن خلفه، هذا هو السنة، والأفضل.
(وغيرُه) يعني: ويُسْمِع غيرَه، أي غير الإمام نفسه، مَن غيرُ الإمام؟
طلبة: المأموم.
الشيخ: المأموم، والمنفرِد يجب أن يُسْمِع نفسه، فإن قال: ولكنه لم يسمع، لم تصح صلاته، يعني يسمع غيره نفسه وجوبًا، فإن لم يسمع نَفْسَه فلا صلاة له، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وهو المذهب.
والقول الثاني: أنه لا يُشْتَرَط إسماع النفس، وأنه متى نطق فإنه يصح ويُعْتَبَر.
(ثم يقبض)، (ثم)، أي: بعد التكبير ورفع اليدين، (يقبض كوع يُسْرَاه تحت سرته) إلى آخره، (يقبض كوع يسراه) بأيش، بيمناه ولّا بيسراه؟
طلبة: لا، بيُمْنَاه.
الشيخ: نعم؟
طالب: بيسراه.
الشيخ: بيُمْنَاه ولَّا بيُسْرَاه؟
طلبة: بِيُمْنَاه، بِيُسْرَاه.
طالب: اليمين (... ).
الشيخ: (يقبض كوعَ يُسْرَاه) نعم، بأيش؟
طلبة: باليمين.
الشيخ: باليمين ولا باليسار؟
طلبة: باليمين.
الشيخ: باليمين، ولا يمكن باليسار، وما هو الكوع؟
طالب: هذا يا شيخ.
الشيخ: هذا الكوع، ولّا ذا؟
طالب: (... ).
الشيخ: هنا؟ لو سئلت أين كوعك، ما تقول؟
طالب: ها هو.
الشيخ: تقول هذا؟
طالب: يا شيخ، (... ). نسيت تعريفه، (... ).
طالب آخر: هذا الكوع، اللي يلي الإبهام الكوع، اللي يلي الخنصر الكرسوع، وبينهما الرسغ.
الشيخ: طيب، جيد.
وعلى هذا قال الناظم:
وَعَظْمٌ يَلِي الْإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي
لِخِنْصِرِهِ الْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ مَا وَسَطْ
وقول المؤلف: (ثم يقبض)، لم أرَ إلى ساعتي هذه، في النصوص أنه قبض، ولكنه وضع.
وفرق بين القبض والوضع، القبض هكذا، الوضع هكذا، فإن ثبت القبض -فوق كل ذي علم عليم- أخذنا به وأخذنا بالوضع، وإن لم يثبت أخذنا بالوضع فقط.
(كوع يسراه تحت سُرَّتِه)، يعني يجعل اليدين تحت السُّرَّة، هكذا، هذا أيضًا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله والفقهاء، وقيل: فوق السرة، وقيل: على الصدر، وهذا أقرب ما يكون؛ لأن كل الأحاديث الواردة في موضع اليدين كلها فيها ضعف، لكن أحسنها على الصدر.
وأما على النحر فلا أصل، يعني اللي يقول هكذا، لا أصل له.
والعجب أن بعض العلماء رحمهم الله قال: على النحر، وفسَّر بذلك قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، وهذا تحريف للقرآن، المراد بالنحر هو أيش؟
طلبة: الذبح.
الشيخ: الذبح.
قال: (وينظر مسجِدَه)، يعني مكان سجوده، وهو قائم ينظر مسجِدَه، وهذا المشهور عند الفقهاء.
وبه فَسَّرَ بعض العلماء قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2] قال: هم الذين ينظرون إلى موضع السجود، استثنى بعض العلماء المأموم، فقال: ينظر إلى الإمام؛ لأن الصحابة كانوا ينظرون للرسول عليه الصلاة والسلام.
واستثنى آخرون الكعبة، قال: إذا كان يشاهد الكعبة فلينظر إلى الكعبة.
أما الأول فالاستثناء له وجه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر يصلي عليه أول ما صنع، وقال: «فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِهِ، وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي» (12)، ولا يمكن يتعلمونها إلا وهم..
طلبة: ينظرون.
الشيخ: يشاهدون، ينظرون إليه.
وحينئذ نقول: إن كان الإمام ممن يُقْتَدَى به في علمه، وينتفع المأموم إذا نظر إليه فلينظر إليه، وإلا فلا.
أما الكعبة فالقول بأنه ينظر إليها ضعيف جدًّا؛ لأنه لا علاقة بين الصلاة وبين الكعبة، هذه واحدة.
ثانيًا: أنه إذا جعل ينظر إلى الكعبة فالناس يطوفون حولها، سوف يشوشوا فكرَه، فالصواب أنه لا ينظر للكعبة.
وقول بعضهم: إن النظر للكعبة عبادة، غير صحيح، من قال: إن النظر للكعبة عبادة؟
نعم لو فُرِضَ أن الإنسان جلس ينظر للكعبة ويتأمل تعظيم هذا البيت، هذا يكون العبادة، ما هو بالنظر المجرد، ولكن بالنظر المقرون بالتأمل.
إذن (ينظر مسجده)، نقول: يُسْتَثْنَى من ذلك المأموم خلف إمام يسترشد بالنظر إليه.
يُسْتَثْنَى من ذلك الكعبة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، وقال بعض العلماء: لا ينظر إلى موضع سجوده، بل ينظر تلقاء وجهه حال قيامه، وينظر إذا ركع قدميه، يعني كأنهم يقولون: دع النظر على طبيعته، وأنت إذا تركت النظر على طبيعته، أين تنظر؟ تلقاء وجهك، وإذا ركعت؟
طالب: أسفل.
الشيخ: أسفل، يعني كأنهم يقولون: إنه ليس هناك عبادة مخصوصة في النظر.
يُسْتَثْنَى من ذلك أيضًا، في حال الإشارة في التشهد، الإشارة في التشهد، كان بَصَرُ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يتجاوز إشارته (13).
يعني مثلًا: إنسان واضع يده على فخذه، أو على رأس الركبة، سوف يشير إذا دعا، كلما دعا أشار بأصبعه، هكذا، مثلًا يقول: رب اغفر لي، اللهم صلِّ على محمد، يشير، في حال الإشارة انظر إلى أصبعك؛ لأن هذه الإشارة إلى علو الله عز وجل، فيجتمع الآن الإشارة بالإصبع إلى علو الله، واتباع القلب لهذه الإشارة، فيستحضر علو الله عز وجل.
قال رحمه الله: (ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك) إلى آخره.
وهذا هو الاستفتاح، واعلم أن الاستفتاح ورد على صفات متعددة، وسيأتينا إن شاء الله بعد أن نفسر الدعاء، «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» (14).
(سبحانك اللهم) أي: تسبيحًا لك، والتسبيح: تنزيه الله جل وعلا عما لا يليق به سبحانه وتعالى، تنزهه عما لا يليق به، والذي لا يليق بالله: النقص، فكل صفة نقص فالله مُنَزَّهٌ عنها؛ العمى، الصمم، الخرس، العجز، كل ذلك قد نُزِّهَ الله عنه، التعب في العمل، يعني النقص في الكمال أيضًا يُنَزَّهُ الله عنه، فهو سبحانه وتعالى لا ينقص كماله، قدرته لا يلحقها عجز، وقوته لا يلحقها ضعف.
الثالث: تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، أي عن مماثلة المخلوقين، فأنت تستحضر، يقول: (سبحانك اللهم) أنك مُنَزِّهٌ لله سبحانه وتعالى عن كل نقص وعيب.
(وبحمدك)، الواو حرف عطف، والباء للمصاحبة.
والمعنى: تسبيحًا مصحوبًا بالحمد، وإذا كان التسبيح يدل على نفي النقص، فالحمد يدل على ثبوت الكمال، فتكون بهذه الجملة (سبحانك اللهم وبحمدك) مُنَزِّهًا لله عن كل ما لا يليق به، مُثْبِتًا له كل صفة كمال.
(تبارك اسمك) يعني أن اسمك ذو بركة، والبركة تُنَالُ به، ولهذا لو ذبح رجلان كل واحد منهما شاة، أحدهما قال: بسم الله، والثاني لم يقل: بسم الله، فالأول تؤكل ذبيحته، والثاني لا تؤكل، هذه بركة، وإذا قال الإنسان عند الوضوء: بسم الله، صار وضوؤه؟
طالب: صحيحًا.
الشيخ: أكمل.
إي نعم، صحيحًا، وإن لم يقل: بسم الله، فوضوؤه؟ ناقص أو باطل، على خلاف بين العلماء.
وإذا أراد أن يبتدئ بشيء مهم فقال: بسم الله، فهو من أسباب بركته.
وإذا أتى الإنسان أهله وقال: بسم الله، اللهم جَنِّبْنَا الشيطان، وجَنِّب الشيطان ما رزقتنا، كان في ذلك بركة، المهم أن اسم الله تُنَالُ به البركة.
(وتعالى جدك)، (تعالى) بمعنى: تعاظَم وتَرَفَّع، والجد بمعنى العظمة.
(ولا إله غيرك)، كلمة التوحيد، أماتني الله وإياكم عليها.
طلبة: آمين.
الشيخ: (ولا إله غيرك)، أي: لا معبود غيرك، والمراد: لا معبود حق غيرك، وإلا فهناك معبودات غير الله، لكن لا مبعود حق غير الله عز وجل.
إذن هذا الاستفتاح ثناء على الله عز وجل محض وإخلاص له، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله له ميزات متعددة في زاد المعاد، فهذا دعاء استفتاح.
فيه دعاء آخر للاستفتاح وهو: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» (15).
هذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستفتح به، حتى إن أبا هريرة يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كبر للصلاة سكت هنيهة -يعني يسيرًا- فقلت له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ (15)
وفي هذا الحديث شاهد على أن الإسرار بالقول يسمى سكوتًا، والإمساك عن القول يسمى سكوتًا، وكلاهما سكوت.
قال: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»، يعني: اجعلها بعيدة عني.
وهذا دعاء أن لا يمس الإنسانُ الخطايا، لا يفعلها.
«اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ»، يعني: أَزِلْهَا عني، كما يُزَالُ الدنس عن الثوب الأبيض، وخص الأبيض؛ لأن الأبيض يظهر فيه الدنس أكثر من غيره.
«اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي»، شوف، بعد التنقية غسل، «اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ»، شوف الترتيب!
أولًا: العصمة من الذنوب، من أين نأخذها؟
طلبة: «بَاعِدْ بَيْنِي».
الشيخ: «بَاعِدْ بَيْنِي».
ثانيًا: التنقية منها، «نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ».
ثالثًا: إزالة آثارها وذلك بالغسل، وقال: «بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ»، الماء معروف إنه يزيل الوسخ، لكن الثلج والبَرَد، مناسبة الثلج والبَرَد هو أن الذنوب آثارها حارة، والحار يداوَى؟
طلبة: بالبارد.
الشيخ: بالبارد، فقال: «بِالْمَاءِ» لإزالة الوسخ، «وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» لتخفيف حرارة الذنوب.
هل نجمع بين هذا و (سبحانك اللهم وبحمدك)؟
لا، أبدًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما سأله أبو هريرة قال: أقول: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ»، ولم يقل: أقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ»، و «اللَّهُمَّ بَاعِدْ»، وعليه فإما أن تقرأ هذا، وإما أن تقرأ هذا.
هناك استفتاح في قيام الليل: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (16).
لكن هذا في صلاة الليل، والله الموفق.
طالب: (... ) منها تشديدةً أو فرضًا أو ترتيبًا لزم غيرَ مأموم إعادتها، ويجهر الكل بـ (آمين) في الجهرية، ثم يقرأ بعدها سورة تكون في الصبح من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه، ولا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان، ثم يركع مُكَبِّرًا رافعًا يديه، ويضعهما على ركبتيه مُفَرَّجَتَيِ الأصابع، مستويًا ظهرُه، ويقول: (سبحان ربي العظيم)، ثم يرفع رأسه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
سبق لنا أن الاستفتاح ورد له عدة أنواع، فهل يجمع بينها؟ قلنا: لا يجمع.
هل يُقْتَصَر على واحد دائمًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: فيه خلاف؛ بعض الأئمة يقول: يقتصر على واحد دائمًا ويختار أوفاها وأكملها، ثم يستمر عليه.
منهم من اختار: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خطَايَايَ»؛ لأنه أصح.
ومنهم من اختار: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ»؛ لأنه أبلغ في الثناء.
وابن القيم في زاد المعاد يُرَجِّحُ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ»، وإن كان من حيث الحديث أقل.
والصحيح: أنه يفعل هذا مرة، وهذا مرة في جميع العبادات المتنوعة، وفوائد ذلك ثلاثة:
الأولى: حفظ السنة في كلا النوعين؛ لأنه لو اقتصر على نوع واحد نُسِيَ الآخر، فإذا صار مرة هذا ومرة هذا حفظ بذلك السنة.
الفائدة الثانية: تمام الاقتداء بالسنة؛ لأنه إذا كان ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا وهذا، فتمام الاقتداء به أن تفعل أنت هذا وهذا؛ لأنك لو اقتصرت على واحد منها أَمَتَّ الثاني، فلم يكن لك الاقتداء التام بالسنة.
الفائدة الثالثة: أن ذلك أقوى في استحضار القلب؛ لأنك لو بقيت على واحد دائمًا صار كأنك ماكينة تتحرك بلا إرادة، ولذلك إذا غفل الإنسان وقد اعتاد نوعًا من هذه الاستفتاحات، ما يدري إلا وهو قد.. ؟
طلبة: (... )، شرع فيه.
الشيخ: قد شرع فيه وانتهى منه، فكوننا نراقب أو نلاحظ فعل هذا مرة وهذا مرة لا شك أنه أدعى للخشوع.
فهذه ثلاث فوائد في فعل العبادات المتنوعة على وجوهها المتنوعة.
لكن لو قال قائل: هل نشترط في ذلك أن لا يُشَوَّشَ على الآخرين؟
نعم، نقول: ربما نشترط هذا، وربما لا نشترط، إن كان الموجودون محصورين، فهذا وإن شُوِّشَ عليهم أول مرة لم يُشَوَّشْ عليهم فيما بعد، فليفعل هذا مرة وهذا مرة.
ومن ذلك: القراءات، تعرفون أن بعض الآيات فيها قراءات متعددة، هل الأفضل أن يقتصر على قراءة واحدة، أو أن يأتي بهذا مرة وهذا مرة؟ الأفضل أن يأتي بهذا مرة وهذا مرة، بشرط أن لا يُشَوِّش، فإن خاف أن يُشَوِّش فلا يقرأ.
الآن: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4] فيها قراءة أخرى، ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فلا يسوغ أن تقرأ بين العوام: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ليش؟ لأنك تُشَوِّش عليهم، ويعتقدون أحد أمرين ولا بد: إما أنك جاهل، وإما أن القرآن كُلٌّ يلعب به، يتلاعب الناس به، فلذلك لا تخرج عن القراءة الموجودة بين أيديهم.
ولقد أحسن المسلمون صنعًا أن صاروا يكتبون المصاحف على قراءة واحدة في الجهات، من أجل أن لا يحصل التشويش.
أفهمنا الآن؟ مَرَّ علينا من الأنواع المتعددة:
رفع اليدين عند التكبير إلى الكتفين، أو شحمة الأذنين، أو أطراف الأذنين، هذه واحدة.
كذلك أيضًا مَرَّ علينا وضع اليدين على الصدر، على السُّرَّة، تحت السرة، ولكننا قلنا: إنه لم ترد أحاديث صحيحة في هذا الباب، وأحسن ما وردت؟
طلبة: على الصدر.
الشيخ: أنها على الصدر.
هذه أيضًا أضفها إلى ما سبق وهي: دعاء الاستفتاح.
قال: (ثم يستعيذ)، يستعيذ، يعني يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وجوبًا أو استحبابًا؟ وجوبًا، على قول بعض العلماء؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98].
وقيل: استحبابًا، وهذا هو المشهور من المذهب، أنه -أعني التعوُّذ- ليس بواجب عند القراءة لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (17).
والاستعاذة ليست من فاتحة الكتاب، لكن للقائل بوجوب الاستعاذة أحيانًا يقول: أنا لا أقول: إنها من الفاتحة، لكن أقول: لا تقرأ إلا مستعيذًا بالله في الصلاة وغيرها.
(ثم يُبَسْمِلُ سرًّا)، يُبَسْمِلُ وجوبًا أو استحبابًا؟
طلبة: وجوبًا، استحبابًا.
الشيخ: إن قلنا: إنها من الفاتحة فوجوبًا، وإن قلنا: ليست منها، وهو مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة ومالك فهو.
طالب: استحبابًا.
الشيخ: أيش؟ استحبابًا، (ثم يُبَسْمِلُ سرًّا)، قال: (وليست من الفاتحة)، نص عليها دفعًا لقول مَن يقول: إنها من الفاتحة، كالإمام الشافعي رحمه الله.
الموجود في المصاحف الآن على أنها من الفاتحة حسب الترقيم، الترقيم يكتبون الرقم واحد عند البسملة، ولكن الصحيح أن أول الآيات في الفاتحة هو قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
(ثم يقرأ الفاتحة) بعد الاستفتاح، والاستعاذة، البسملة، (يقرأ الفاتحة) كاملة من أولها إلى آخرها.
(فإن قطعها بِذِكْرٍ أو سكوت غير مشروعين وطال، أو ترك منها تشديدة أو حرفًا أو ترتيبيًا لزم غيرَ مأموم إعادتُها).
يشترط في قراءة الفاتحة شيئان:
الشيء الأول: الترتيب.
والثاني: الموالاة.
الترتيب: أن لا يُقَدِّم آية على آية، ولا كلمة على كلمة، فلو قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، فهذا لا يصح.
لا بد أن يقرأها مُرَتَّبَة؛ لأن ترتيب الآيات توقيفي بأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليس اجتهاديًّا.
الثاني: أن تكون متوالية.
(فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال) إلى آخره، إن تركها بذكر غير مشروع بأن لما قرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قام يسبح الله عز وجل: سبحان مَن يبعث الناس ليوم لا ريب، سبحان مَن يَذَرُهَا قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، سبحان من ينسف الجبال نسفًا، سبحان من يضع الصراط على شفير جهنم، سبحان من يحاسب الخلائق، سبحان من يضع الموازين.
وجاب كل مشاهد يوم القيامة، ثم قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ماذا تقولون، تبطل أو لا تبطل؟
طلبة: تبطل.
الشيخ: لعدم؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لعدم الموالاة، كذلك لو أنه في أثناء الفاتحة قرأ آيات أخرى من غير الفاتحة فإنها تبطل؛ لعدم الموالاة.
وقوله: (أو سكوت غير مشروع)، السكوت المشروع هو سكوت المأموم فقط، المأموم يسكت، ربما يقرأ آيتين من الفاتحة ثم يشرع الإمام في القراءة، فيسكت لاستماع قراءة الإمام، ثم إن الإمام لما انتهى من القراءة التي بعد الفاتحة سكت، فأتمها المأموم، يصح هذا أو لا؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح أن يبني آخرها على أولها؛ لأن هذا السكوت مشروع، وهذا بناءً على أنه يجب الإنصات لقراءة الإمام حتى في الفاتحة.
والقول الراجح: أن الإنسان يستمر في قراءة الفاتحة ولو قرأ الإمام؛ لأن قراءة الفاتحة ركن حتى على المأموم، وحتى في صلاة الجهر فليقرأها؛ لأنه ربما يؤخِّرها ثم لا يسكت الإمام.
يقول رحمه الله: (أو ترك منها تشديدة).
وقوله: (وطال)، يعني بذلك السكوت، فإن لم يطل بأن سكت يسيرًا ثم استمر فلا، (... ).
(أو ترك منها تشديدة)، تشديدة مثل ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
بعض الأئمة نسمعه يقول: الحمد لله ربِ العالمين، هذا ما يجوز، ليش؟
طالب: ترك تشديدة.
الشيخ: لأنه ترك تشديدة، والحرف المشدد عن حرفين، مثل أيضًا: ﴿إِيَّاكَ﴾، بعض الناس يقول: إيَاك، هذا ترك منها تشديدة.
(أو ترك منها حرفًا)، مثل: الحمد للا رب العالمين.
ويش أسقط؟
طلبة: الهاء.
الشيخ: الهاء، لا تصح؛ لأنه لا بد أن يأتي بها كاملة.
(أو ترتيبًا) تقدم الكلام.
(لزم غيرَ مأموم إعادتُها)، وغير المأموم هو الإمام والمنفرد، أما المأموم فلا يجب عليه إعادتها، بناءً على أن قراءة المأموم في الصلاة سنة وليست بواجبة، وهو المذهب -مذهب الحنابلة- أن قراءة الفاتحة للمأموم سنة وليست بواجبة، وعليه فإذا ترك منها شيئًا من ذلك لم تلزمه الإعادة؛ لأنها ليست واجبة بحقه.
(ويجهر الكل بـ (آمين) في الجهرية)، (يجهر الكل) مَن الكل؟ المأموم والإمام.
يجهران بأ (آمين) في الجهرية، وآمين: اسم فعل دعاء، بمعنى: استجب، فإذا كانت الصلاة في الجهرية فليجهر بها الإمام والمأموم، لكن متى يقولها المأموم؟
يقولها إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]، وعلى هذا فيتفق صوت المأموم وصوت الإمام.
وأما من قال: يقولها إذا انتهى الإمام من التأمين، مستدلًّا بقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» (18)، فغلط؛ لأن قوله: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا» يفسره قوله: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]، فَقُولُوا: آمِين» (19)، وعلى هذا فيكون معنى «إِذَا أَمَّنَ»: إذا بلغ محل التأمين فأَمِّنُوا.
أو المعنى «إِذَا أَمَّنَ»: إذا شرع في التأمين، وكما نعلم أن (إذا) يأتي شرطها للمستقبل وللقرب من المستقبل، ﴿إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ يعني أردت القراءة.
إنما على كل حال المأموم يجهر بـ (آمين) ويقولها مع إمامه، ولهذا جاء في الحديث: «فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غَفَرَ اللهُ»، والملائكة يؤمِّنون إذا أَمَّن الإمام.
(ثم يقرأ بعدها) أي: بعد الفاتحة، (سورة تكون في الصبح من طوال الْمُفَصَّل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه).
الْمُفَصَّل مَن (ق) إلى آخر (الناس)، وسُمِّيَ مفصلًّا لكثرة فواصله، بسبب قِصَر سوره، أوله (ق) وآخره سورة (الناس).
طواله: من (ق) إلى (عم)، وأوساطه: من (عم) إلى (الضحى)، وقصاره: من (الضحى) إلى (آخر القرآن).
وهذا هو الذي ينبغي أن يقرأ الإنسان بهذه السور في الْمُفَصَّل على هذا الوجه: الفجر؟
طلبة: طواله.
الشيخ: من طواله، المغرب مِن؟
طلبة: قصاره.
الشيخ: قصاره، الباقي من أوساطه.
وإنما اختير الْمُفَصَّل ليكون ذلك أسهل في حفظه على المأمومين؛ لأنه إذا تكرر عليهم الْمُفَصَّل حفظوه، وهذا أحسن من كونه يقرأ آيات من السور، حتى إن ابن القيم في زاد المعاد قال: إنه لم يكن من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقرأ آيات من السور لا من أوساطها ولا آخرها، لكنه رحمه الله غفل عن كون أن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر أحيانًا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136] الآية في الركعة الأولى، و ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: 64] الآية في الركعة الثانية.
والأصل أن ما ثبت بالنفل ثبت في الفرض.
فلا يُنْهَى الإنسان أن يقرأ من بعض السور آيات منها، ما ينهى عن ذلك، لكن يقال: الأفضل المحافظة على أيش؟ على الْمُفَصَّل، هذا هو الأفضل.
وقوله رحمه الله: (في المغرب من قصاره)، يعني في غالب الأحيان، وينبغي أن يقرأ من طواله أحيانًا؛ فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور، وقرأ بها في الفجر، قرأ بها في فجر يوم الرجوع من مكة إلى المدينة في حجة الوداع، وسمعت ذلك أم سلمة.
(20)
وقرأ بها في المغرب في المدينة إثر غزوة بدر، وسمعها جبير بن المطعم، وكان من أسرى بدر، يقول رضي الله عنه: لما بلغ قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35] كاد قلبي يطير (21)؛ لأن هذا دليل عقلي لا يمكن الانفكاك عنه ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ الجواب؟
طلبة: لا هذا ولا هذا.
الشيخ: لا هذا ولا هذا، وإذا كان لا هذا ولا هذا فمن خالقهم؟
طلبة: الله.
الشيخ: هو الله عز وجل، فلا بأس أن يقرأ في المغرب من طوال الْمُفَصَّل أحيانًا، بل هو من السنة.
وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ فيها بطُولَى الطُّولَيَيْنِ (22)، أي: بسورة الأعراف.
قال: (وفي الباقي من أوساطه، ولا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان).
(لا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان)؛ لأنه هو المتواتر، وهو الذي قد تلقته الأمة الإسلامية، ومصحف عثمان هو ما تضمَّنَتْهُ القراءات السبع، فـ ﴿مَالِكِ﴾ و ﴿مَلِكِ﴾ من مصحف عثمان، و ﴿تَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] و ﴿تَثَبَّتُوا﴾ من مصحف عثمان، وكل القراءات السبع من مصحف عثمان.
وقوله هذا رحمه الله احترازًا من مصحف ابن مسعود رضي الله عنه وأمثاله.
مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» (23)، وهذا إذن من الرسول صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بأيش؟ بقراءة عبد الله بن مسعود.
فكيف يقول قائل: إذا قرأ بالصلاة بقراءة ابن مسعود التي حَثَّ عليها الرسول صلى الله عليه وسلم بطلت صلاته؟
ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة: أنه لو قرأ بقراءة ابن مسعود أو غيرها مما صح فإن صلاته لا تبطل.
فلو قرأ قولَه تعالى: (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت من أم) فالصلاة صحيحة.
ولو قرأ في كفارة اليمين (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة) فالصلاة صحيحة.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه إذا صحت القراءة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فالقراءة بها صحيحة، ولا تبطل بها الصلاة؛ لأن الكل حق، والكل صحيح.
لكن كما قلت لكم آنفًا: لا يُقْرَأْ بالقراءات عند العوام إذا لم تكن معروفة عندهم في مصاحفهم.
(ولا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان).
لو قرأ تَلْقِينًا يجوز أو لا يجوز؟ تَلْقِينًا يعني: عنده واحد يُلَقِّنُه؛ قل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يجزئ أو لا؟
طلبة: يجزئ.
الشيخ: يجزئ؛ لأنه يَصْدُقُ عليه أنه قرأ، ولأنه يحتاج إليه أحيانًا، أحيانًا يكون مع الإنسان نسيان إما لِكِبَرٍ أو لعاهة أو لحادث وينسى، فيكون عنده ابنه أو ابنته يُذَكِّرُه، يقول قل: الله أكبر، فيقول: الله أكبر.
قل: كذا، ويلقنه حتى ينتهي من الصلاة، فصلاته؟
طلبة: صحيحة.
الشيخ: صحيحة.
قال: (ثم يركع إلى آخره).
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: في قراءة سورة الكهف يوم الجمعة هل يصح وتجزئ إذا لقنها كبير السن؟
الشيخ: إي نعم، يصح، يصدق عليه أنه قرأها.
طالب: سمع الله لمن حمده، وبعد قيامهما: ربنا ولك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد.
فقط، ثم يَخِرُّ مُكَبِّرًا ساجدًا على سبعة أعضاء: رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهتِه مع أنفه، ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.
ذكر المؤلف فيما سبق أن المصلي إذا قرأ الفاتحة يقرأ بعدها سورة، هل هذا على سبيل الوجوب؟
طالب: على سبيل الندب.
الشيخ: ما الدليل؟
طالب: (... ): «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
الشيخ: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، صحيح.
هل كونها على هذا الوجه في الفجر من طواله، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه، وعلى سبيل الوجوب؟
طالب: لا.
الشيخ: لا.
على سبيل؟
الطالب: الندب.
الشيخ: الاستحباب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يركع مُكَبِّرًا رافعًا يديه).
(ثم) يعني بعد أن ينتهي من القراءة، (يركع) يعني يحني ظهره، تعظيمًا لله عز وجل؛ لأن هذه الصيغة تُعَدُّ من التعظيم إلى وقتنا هذا، إذا أراد أحد أن يُعَظِّم شخصًا انحنى له، ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يلاقي أخاه: أينحني له؟ قال: «لَا» (24)؛ لأن هذا لا يكون إلا لله وحده.
(يركع مُكَبِّرًا رافعًا يديه)، ما حد الركوع الواجب؟
قالوا: حد الركوع الواجب أن يمكن متوسطَ اليدين مسُّ ركبتيه بيديه، يعني أن يكون هذا الانحناء بحيث يمكن أن تمس يداه ركبتيه إذا كان متوسط اليدين؛ لأن بعض الناس يداه قصار لا تمس الركبة إلا بانحناء بالغ، وبعض الناس يداه طويلتان تمس ركبتيه بأدنى انحناء، قالوا: فالمعتبَر الوسط.
وقيل: إن الواجب أن يكون إلى الركوع التام أقرب منه إلى الوقوف التام، وهذا جيد.
يعني إذا انحنى قليلًا لا يعد راكعًا، إذا انحنى حتى كان إلى الركوع التام أقرب منه إلى القيام التام فهذا أدنى مجزئ.
يقول رحمه الله: (يركع مُكَبِّرًا)، يكبر حال الْهُوِيِّ، لا قبل ولا بعد، فإن كَبَّر قبل أن يهوي راكعًا لم يصح التكبير، وإن كَبَّر بعد أن وصل الركوع لم يصح التكبير، وإن بدأ قبل أن يهوي، أو أتم بعد أن وصل إلى حد الركوع ففي إجزائه خلاف: فمنهم من يقول: إنه يجزئ.
ومنهم من يقول: إنه لا يجزئ، وأيهما الأرفق؛ أنه يجزئ أو لا يجزئ؟
طلبة: أنه يجزئ.
الشيخ: أنه يجزئ؛ لأن كثيرًا من الأئمة يبدأ التكبير قبل أن يَهْوِي، وكثيرًا منهم يبدأ بعد أن يهوي، ولكن لا يُكْمِل حتى يصل إلى حد الركوع.
وجُهَّال الأئمة لا يُكَبِّر إلا إذا وصل إلى الركوع، وهو راكع، لماذا يا رجل؟
قال: لئلَّا يسابقني المأمومون، علشان إذا سمعوا التكبير وإذا أنا قد ركعت، وهذا اجتهاد في غير محله.
نقول: أن تخطئ لخطأ المأمومين غلط، كَبِّرْ وأنت تهوي، والذي يتقي الله يعرف أنه لا يمكن أن يركع حتى تصل إلى الركوع، والذي لا يتقي الله ما عليك منه.
يقول رحمه الله: (يُكَبِّر)، لو أن أحدًا نسي وأهوى إلى الركوع ووصل الركوع، هل يُكَبِّر؟ لا يُكَبِّر؛ لأنه فاته محله، فلا يُكَبِّر.
لو نسي فَكَبَّرَ قبل أن يهوي، هل يُعَدُّ تاركًا للتكبير؟ نعم، يُعَدُّ تاركًا للتكبير.
لو كَبَّر ثم أهوى وأكمل التكبير وهو مهوي؟ فالمذهب لا يجزئه، وعليه سجود السهو.
والقول الصحيح: أنه يجزئ؛ لمشقة التحرز منه.
يقول: (رافعًا يديه)، إلى أين؟ كما رفعهما عند تكبيرة الإحرام.
(ويضعهما) أي: اليدين، (على ركبتيه، مفرجتي الأصابع، مستويًا ظهره)، فيفرجها هكذا كأنه قابض، كما جاء في الحديث، كالقابض بالركبتين (25).
(مستويًا ظهره): يعني لا مُحْدَوْدِبًا، ولا نازلًا، بل يكون مستويًا كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا، حتى جاء في الرواية: لو صب عليه الماء لاستقر (26).
(ويقول: سبحان ربي العظيم)، سبق لنا معنى سبحان، أي؟
طلبة: تنزيه.
الشيخ: تنزيهًا لله عز وجل.
و(ربي العظيم)، مناسب تمامًا للركوع؛ لأن الركوع تعظيم، فشرع له من القول ما يناسبه (سبحان ربي العظيم).
ويقول: (ثم يرفع رأسه ويديه قائلًا إمام ومنفرد: سمع الله لمن حمده).
(يرفع رأسه ويديه) جميل.
وهل يرفع اليدين إلى الأذنين في الرفع من الركوع؟
نعم، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم (27).
(قائلًا إمام ومنفرد: سمع الله لمن حمده).
(سمع) بمعنى: استجاب.
(لمن حمده) أي: لمن وصفه بالكمال، فالله تعالى يستجيب له، فإن قال قائل: لماذا لا تجعلون سمع بمعنى أدرك الصوت، مثل قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة: 1]؟
فالجواب: لأنه لا يتم السمع في مقابل الحمد والدعاء إلا بالإجابة.
(سمع الله لمن حمده، وبعد قيامهما: ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد).
يقول: (بعد قيامهما: ربنا ولك الحمد)، وفي هذه الجملة أربع صفات نبوية:
«رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» (28).
«رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (29).
«اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ» (30).
«اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (31).
كل هذا ورد، وكما قلنا فيما سبق: ينبغي أن يأتي بهذا تارة وبهذا تارة.
فهذا المؤلف رحمه الله أن المنفرد والإمام يقول حال الرفع: (سمع الله لمن حمده)، وبعد أن يستتم قائمًا يقول: (ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء من بعد)، يعني مما لا نعلمه؛ لأن الكون ليس السماوات والأرض فقط، فيه أكوان ما نعلمها، الجن والنار أخبرنا الله عنهما، وربما أشياء ما ندري عنها.
وقوله: (ملء السماء)، ما معنى (ملء السماء)؟
قيل معناه: أنه حَمْدٌ لو كان أجسامًا لملأ السماء والأرض، فيكون الملء هنا ملئًا حسيًّا.
وقيل: المعنى (مل السماء) يعني: حَمْدًا يوافي كل ما في السماء والأرض؛ لأن الذي في السماء والأرض كله مخلوق لله، وهو مما يُحْمَدُ الله عليه، فيكون المعنى أنه كما أن خَلْقَك ملء السماء والأرض، فحَمْدُك أيضًا على كل ما خلقت يملأ السماء والأرض، وهذا أدق في المعنى وأولى؛ لأنه في الأول لو كان أجسامًا لملأ ذلك، الأجسام قد تكون صغيرة وقد تكون كبيرة، فلا وجه لهذا.
وقال المؤلف: (ومأموم في رفعه: ربنا ولك الحمد، فقط).
المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده، وإنما يقول بدلها: ربنا ولك الحمد.
دليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ»، إلى أن قال: «وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ».
فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (32)؟
طالب: بلى.
الشيخ: فالجواب: بلى، أليس يقول في رفعه: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»؟ بلى، إذن المأموم ليش ما يقول؟
نقول: لأن هذا ورد فيه نص خاص، وهو: «إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (29).
وقوله: (فقط) يعني: لا يزيد على هذه الكلمة، المأموم يرفع قائلًا: ربنا ولك الحمد، وفي حال قيامه يسكت، لا يقول شيئًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، هذا المذهب، لكنه قول ضعيف؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد بقوله: «قُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» في مقابل.
طلبة: سمع الله لمن حمده.
الشيخ: سمع الله لمن حمده، والذكر الذي يكون بعد القيام ثابت للإمام والمأموم والمنفرد، وهو: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» (33).
فالقول بأن المأموم يقف بس ساكتًا قول ضعيف؛ لأنه لا يمكن يسكت المأموم إلا لاستماع قراءة إمامه، إذن الصواب أن الإمام والمنفرد والمأموم كل منهم يقول أيش؟ «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ».
بماذا نجيب عما استدلوا به: «إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»؟
طالب: حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: نقول: هذا في مقابل قول الإمام.
طالب: سمع الله لمن حمده.
الشيخ: سمع الله لمن حمده.
قال المؤلف: (ثم يَخِرُّ مُكَبِّرًا ساجدًا على سبعة أعضاء: رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه).
(يخر)، الخرور يكون من أعلى إلى أسفل، ومنه خرور الماء، خرور النهر، من أعلى إلى أسفل، من القيام إلى السجود.
يقول: (ثم يَخِرُّ مُكَبِّرًا)، يعني: قائلًا: الله أكبر، متى يقولها؟
طلبة: (... ).
الشيخ: فيما بين القيام والسجود.
(ساجدًا على سبعة أعضاء) وجوبًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أُمِرْنَا أَنْ نَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ»، وأشار بيده إلى أنفه.
(34) ليُبَيِّنَ أن الأنف ليس مستقلًّا ولا منعزلًا عن الجبهة، بل هو منها؛ لأننا لو عددنا الأنف مستقلًّا لكانت الأعضاء؟
طلبة: ثمانية.
الشيخ: ثمانية، لكنه تابع للجبهة.
«عَلَى الْجَبْهَةِ -وأشار بيده إلى أنفه- وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ».
فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالأعلى فالأعلى: الجبهة ثم، اليدين، ثم الركبتين، ثم أطراف القدمين، وجوبًا.
وظاهر كلام المؤلف أنه يبدأ بالركبتين قبل اليدين؛ لقوله رحمه الله: (على سبعة أعضاء: رجليه، ثم ركبتيه).
وهذا هو الحق، أنه عند السجود يبدأ بالركبتين قبل اليدين؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يبدأ الإنسان السجود باليدين قبل الركبتين في قوله: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ» (35)، ومعلوم أن البعير إذا برك يُقَدِّم أيش؟
طلبة: يديه.
الشيخ: يُقَدِّم يديه، لو نظرت إليه أول ما يُقَدِّم يديه، فإذا قَدَّمَ الإنسان يديه صار كالبعير إذا برك، ولهذا قال: «وَلْيَضَعْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ» (36)، هذا هو صواب الحديث.
وأما «وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» فهذا يقول ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: إنه منقلب على الراوي، ويتعين أن يكون منقلبًا؛ لأنه لو كان على صواب لكان أول الحديث مناقضًا لآخره: «لَا يَبْرُكُ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ»، تناقض؛ لأنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير، فإذا قال قائل: إذن لماذا لا نعتبر آخر الحديث دون أوله؟
نقول: لا؛ لأن آخره مبني على أوله، فالمعتبر الأول.
فإن قال قائل: البعير يبرك على ركبتيه وهما فين؟
طلبة: في يديه.
الشيخ: في يديه، فإذن يكون الركبتان هما المتأخرتان فـ «لَا يَبْرُكُ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ»؛ لأن البعير يبرك أيش؟ على ركبتيه، فإذا بدأ بالركبتين فقد وقع في النهي؟
الجواب سهل على هذا، الجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير، لو قال: على ما يبرك عليه البعير، لقلنا: لا تسجد على الركبتين، ابدأ باليدين، ولكنه قال: «فَلَا يَبْرُكْ كَمَا»، فالنهي عن أيش؟ عن المشابهة، لا عن العضو الذي يسجد عليه، وهو واضح لمن تأمله، ثم هو أيضًا مناسب للترتيب البدني، الترتيب البدني: الركبتين قبل اليدين.
الرِّجْلَان على الأرض، معروف، ثم الركبتان، ثم اليدان، ثم الجبهة، هذا الترتيب البدني، كما أنه في القيام يبدأ بأيش؟
طلبة: برفع الجبهة.
الشيخ: بالأعلى، بالجبهة، ثم اليدين، ثم الركبتين.
التكبير متى يكون؟ من حين يهوي إلى أن يصل إلى السجود.
ثم جَبْهَتِه مع أَنْفِه ولو مع حائلٍ ليس من أعضاءِ سُجودِه، ويُجافِي عَضُدَيْهِ عن جَنْبَيْهِ وبَطْنَه عن فَخِذَيْه، ويُفَرِّقُ رُكبتَيْهِ ويقولُ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى " ثم يَرفعُ رأسَه مُكَبِّرًا ويَجلِسُ مُفْتَرِشًا يُسراهُ ناصبًا يُمْنَاهُ ويقولُ: " رَبِّ اغْفِرْ لِي "، ويَسْجُدُ الثانيةَ كالأُولى، ثم يَرْفَعُ مُكَبِّرًا ناهضًا على صُدُورِ قَدَمَيْه مُعْتَمِدًا على رُكْبَتَيْهِ إن سَهُلَ، ويُصَلِّي الثانيةَ كذلك ما عدا التحريمةَ والاستفتاحَ والتعوُّذَ ما عدا التحريمةَ والاستفتاحَ والتعوُّذَ وتجديدَ النِّيَّةِ، ثم يَجلِسُ مُفتَرِشًا ويَداهُ على فَخِذَيْهِ يَقْبِضُ خِنْصَرَ الْيُمْنَى وبِنْصَرَها ويُحَلِّقُ إبهامَها مع الوُسْطَى ويُشيرُ بسَبَّابَتِها في تَشَهُّدِه ويَبْسُطُ اليُسرَى ويَقولُ " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ والصلواتُ والطيِّباتُ، السلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورَحمةُ اللهِ وبركاتُه، السلامُ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصالحينَ، أَشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأَشْهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبْدُه ورسولُه " هذا التَّشَهُّدُ الأَوَّلُ، ثم يقولُ " اللهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ كما صَلَّيْتَ على آلِ إبراهيمَ وعلى آلِ محمَّدٍ كما صَلَّيْتَ على آلِ إبراهيمَ إنك حَميدٌ مَجيدٌ،
العضو الذي يسجد عليه، وهو واضح لمن تأمله، ثم هو أيضًا مناسب للترتيب البدني؛ الترتيب البدني: الركبتان قبل اليدين، الرجلان على الأرض معروف، ثم الركبتان، ثم اليدان، ثم الجبهة، هذا الترتيب البدني كما أنه في القيام يبدأ بأيش؟
طلبة: بالجبهة.
الشيخ: بالأعلى؛ بالجبهة، ثم اليدين، ثم الركبتين.
التكبير متى يكون؟
من حين يهوي، إلى أن يصل إلى السجود، فإن تقدم -على المذهب- لا يصح، وإن تأخر لا يصح، والصواب أنه إذا تقدم أو تأخر وصار جزءًا منه أو أكثره حال الهوي فإنه لا يضر إن شاء الله تعالى.
قال: (ثم جبهته مع أنفه، ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده) يعني يجزئه السجود.
(ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده) الحائل يعني الذي يمنع مباشرة المصلي، لكن اشترط المؤلف ألا يكون من أعضاء سجوده، فإن كان من أعضاء سجوده لم يصح، مثال الذي من أعضاء السجود أن يسجد على كفيه، فهنا سجد على حائل لكنه.
طلبة: من أعضاء السجود.
الشيخ: أيش؟
طلبة: من أعضاء السجود.
الشيخ: من أعضاء السجود، فلا يصح؛ إذ إنه يقال في هذا: سجد على ستة أعضاء.
وقوله: (ولو مع حائل) كأنه يشير إلى خلاف؛ لأن الحائل غير أعضاء السجود إما متصل بالإنسان وإما منفصل، فإن كان منفصلًا فلا بأس به؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد على الخمرة، وهي صغيرة بمنزلة المنديل.
وإن كان متصلًا فلا يسجد عليه؛ لقول أنس بن مالك رضي الله عنه: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه وسجد عليه.
وحينئذٍ نقول: الحائل ثلاثة أقسام: قسم لا يصح معه السجود، متى؟
طلبة: إذا كان من أعضاء السجود.
الشيخ: إذا كان من أعضاء السجود.
وقسم لا بأس به إذا كان منفصلًا، وقسم يجوز عند الحاجة، وهو ما إذا كان متصلًا.
هذا ما لم يكن من شعار الرافضة، فإن كان من شعار الرافضة -فإنهم يسجدون على ما يخص الجبهة فقط- هذا لا يجوز أن يستعمله الإنسان، اللهم إلا للضرورة القصوى.
ولهذا نص العلماء على أنه يكره أن يخص جبهته بما يسجد عليه، وعللوا ذلك بأنه من صنيع الرافضة.
ويأتي -إن شاء الله- بقية الكلام على السجود.
طالب: شخص جاء متأخرًا المسجد، صلى في جماعة، مثلًا خلف جماعة، فركع، ولم (... ).
الشيخ: ولم يجهر بالتكبير؟
الطالب: فرفع رأسه (... ).
الشيخ: (... ) غلط.
سمعتم سؤاله؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يقول: إمام نسي أنه إمام، فكبر للركوع، ولما قال: سمع الله لمن حمده، عرف أن وراءه جماعة، فركع من أجل خاطرهم، ركع ركعة ثانية.
نقول: هذا حرام ما يجوز.
لكن ماذا يفعلون؟ نقول: يركعون، ثم يتابعون.
الطالب: يسجد يا شيخ للسهو؟
الشيخ: يسجد للسهو.
طالب: (... ).
طالب: وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
ثم يخر مكبرًا ساجدًا على سبعة أعضاء؛ رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه، ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده، ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، ويفرق ركبتيه، ويقول: سبحان ربي الأعلى.
ثم يرفع رأسه مكبرًا، ويجلس مفترشًا يسراه وناصبًا يمناه، ويقول: ربِّ اغفر لي.
ويسجد الثانية كالأولى.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سألنا أحد الطلبة عن حال اليدين بعد الرفع من الركوع؛ لأن المؤلف ما ذكره -رحمه الله- فسألنا عن ذلك.
فنقول: إن الإمام أحمد -رحمه الله- قال: إن شاء أرسلهما، وإن شاء وضع يده اليمنى على اليسرى، كما قبل الركوع.
فجعله مخيرًا.
واختار بعض العلماء أنه يضع يده اليمنى على اليسرى.
واختار بعضهم أنه لا يضع، حتى وصل إلى أن قال: إنه بدعة.
وسأعلق على كلمة: إنه بدعة.
فهذه ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه يُخَيَّر، وأنه إن أرسل فسنة، وإن وإن وضع فسنة.
وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله، نص عليه، وكأنه -رحمه الله- لما لم يثبت إرسال اليدين، ولا وضع اليد اليمنى على اليسرى، جعل الإنسان مخيرًا؛ لأننا لا نؤمر لا بهذا ولا بهذا.
وأما من قال بالاستحباب فحجته حديث سهل بن سعد، قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.
ووجه الدلالة أن قوله: في الصلاة؛ يعم جميع أجزائها؛ فيخرج منه الركوع؛ لأن وضع اليد أيش؟
طلبة: على الركبتين.
الشيخ: على الركبتين، والسجود لأن اليد على الأرض، والجلوس لأن اليد على الفخذين، فيبقى القيام قبل الركوع، والقيام بعد الركوع.
وهذا اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز.
أما حجة الآخرين الذين يقولون: إنه لا يضع فيقول: إن الأصل إبقاء الجسد على ما هو عليه، حتى يقوم دليل على أنه على خلاف الأصل، ولا دليل في المسألة.
وكأن هذا القول يرمي إلى أنه لا بد من دليل خاص على كل عمل بخصوصه.
فالمسألة من باب الاجتهاد، والواجب على الإنسان أن يأخذ بما ترجح عنده من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
والراجح عندي أنه يضع يده اليمنى على اليسرى بعد الركوع كما (... )؛ لأن حديث سهل بن سعد واضح.
ولكن القول بأنه بدعة صعب؛ لأننا لو بدعنا كل من خالفنا في المسائل الفقهية لم نكد نجد مسألة إلا والعلماء الآخرون فيها مبتدعة، وهذا صعب؛ لأنهم إذا كان إما مصيب وإما مبتدع ما هو بصحيح هذا, فمسائل الاجتهاد الكل منهم مصيب في اجتهاده، لا في موافقة الحق.
انتبهوا! الكل من المجتهدين مصيب في اجتهاده، لا في موافقة الحق؛ لأن الحق واحد، ولا يمكن أن يكون الحق مع الرجل وخصمه أبدًا، لكن الاجتهاد حق، كلٌّ يجتهد، وقد علم كل أناس مشربهم، وهذه نقطة مهمة؛ وهي المسائل الفقهية إذا خالفنا فيه أحد، لا يحق لنا أن نقول: إنه مبتدع.
ما دمنا مجتهدين نحن وهو، كيف نقول: إنه مبتدع وفيه احتمال أننا نحن مبتدعون! أليس كذلك؟ لأنه لا ينزل علينا الوحي.
فإذن نقول: اجتهادنا ليس ملزِمًا له، واجتهاده ليس ملزمًا لنا، والكل مختصمون عند الله عز وجل.
ولكن نقول: المسائل الخلافية التي لها مساغ في الاجتهاد لا يمكن أن نبدع غيرنا فيها.
انتبهوا لهذه النقطة؛ لأنك لو بدَّعت، طالع كتب الفقهاء لا تكاد تجد صفحة إلا وفيها خلاف، إما بين المذاهب، أو بين علماء المذهب الواحد.
لكن نقول: هذا مرجوح، هذا ضعيف، أو ما أشبه ذلك، ولا نبدّع، ولا نُظلّم، هذه المسألة.
المسألة الأخرى: السجود.
سبق لنا البارحة تقرير أنه يقدم الركبتين، وبينا الدلالة على ذلك أثرًا وحسًّا، وقلنا: هذا هو الترتيب الطبيعي؛ أن تنزل الركبتان، ثم اليدان، ثم الوجه، لكن لو فرض أن الرجل ضعيف، أو كثير اللحم، أو معه ألم في ركبتيه، أو كبير -شيخ كبير- ويشق عليه أن ينزل على الركبتين، هل له أن ينزل على اليدين؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم له ذلك؛ لأن الدين يسر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، ومعنى يسر يعني: اسلك الأيسر فهو الدين، ليس هذا خبرًا مجردًا عن معنى، هو له معنى.
الدين يسر فمتى شق عليك شيء وانتقلت إلى آخر ليس فيه نهي فثم الدين، الدين يسر ولله الحمد.
يقول رحمه الله: (ولو مع حائل) ذكرنا أن الحائل بالأمس.
طلبة: ثلاثة أقسام.
الشيخ: ثلاثة أقسام: حائل من أعضاء السجود: فهذا لا يصح معه السجود.
حائل منفصل: جائز، ودليله أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على الخُمْرة.
حائل متصل بالمصلي: هذا جائز عند الحاجة؛ لحديث أنس: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه وسجد عليه.
قال: (ويجافي عضديه عن جنبيه) يعني: يبعدها، ومحل ذلك ما لم يؤذ جاره، فإن كان في الصف وإذا جافى عضديه آذى الذي على جنبه فلا يفعل؛ لأنه لا يمكن أن يُفعل محرم لتحصيل سنة.