الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 8304-8343

العدو على عدوه لا تقبل.
ما رأيكم في الصديق لصديقه، تُقْبَل؟ طلبة: لا.
طالب: تقبل.
الشيخ: مُشْكِل؛ إن قلنا: لا تقبل شهادة الصديق لصديقه، قلنا: كلكم تعادوا، لا يكون بعضكم صديقًا لبعض، إن كان صديقًا لك لا تُقْبَل شهادته، وهذا مشكل، معناه أننا نحث الناس على ألَّا يتصادقوا، وهذا لا يمكن أن يقوله قائل.
ولكن ذهب بعض العلماء، ومنهم ابن عقيل من أصحاب الإمام أحمد رحمه الله قال: إذا كانت الصداقة صداقة قوية تصل إلى حد العشق أو ما أشبه ذلك فإنها لا تُقْبَل شهادته له، لماذا؟ قياسًا عكسيًّا على العدو على عدوه؛ العدو على عدوه ما بينهما صلة، تقول: ما تقبل.
إذن الصديق الحميم الشديد الصداقة لا تُقْبَل شهادته، ليش؟ لأن بعض الناس مع صديقه ينسى كل شيء، ولا يبالي أن يشهد له بالباطل، ولا يهمه، لا سيما إذا وصل الأمر إلى حد العشق، فمثلًا لو يأتي واحد مثل مجنون ليلى، ويشهد لليلى، يُقْبَل؟ الظاهر أنه لا يقبل، فالصداقة إذا كانت قوية جدًّا جدًّا فالتهمة موجودة، وهذا القياس قوي جدًّا بالنسبة للعدو مع عدوه، أما مطلق الصداقة السائدة بين الناس فلا شك أنها ليست بمانع.
ثم اعلم أن هذا الباب -كما قلنا أولًا- مستثنًى من عمومات بعللٍ لا بمسموعات، هذه العلل قد تقوى على تخصيص العموم، وقد تضعف، وقد تتوسط، فهي مع قوة التخصيص مُخصِّصة، ومع ضعف التخصيص لا تُخصِّص قطعًا، ومع التساوي محلُّ نظر، والقاضي في القضية المعينة يمكنه أن يحكم بقبول الشهادة أو ردها في هذه الأمور.
طالب: إذا قلنا: إن (... ) يشهد على ابن نازل خمس درجات، ولَّا أخ لأخيه الأخ لأخيه (... ) أقوى (... ) الابن النازل خمس درجات، كيف؟

الشيخ: هم يقولون: إن الأصل أن الأصول والفروع أنك جزء منهم أو هم جزء منك، الفروع جزء منك والأصول أنت جزء منهم فليس كالأخوة؛ ولهذا الابن النازل بنص الحديث أولى من الأخ الشقيق، في باب التعصيب، إذن الأولى..، إذا كان أولى عرفنا أن صلته بهذا أقوى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا عدو على عدوه) يعني: لا تقبل لوجود التهمة، لكن إذا كان مبرزًا في العدالة في جميع الموانع المذكورة فإنها تُقْبَل؛ لزوال التهمة.
دليل ذلك في العدو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]، ﴿شَنَآنُ﴾ بمعنى: بغض وعداوة، لا تحملكم هذه العداوة والبغض على ترك العدل، ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، فإذا علمنا أن هذا الرجل عادل، فإنه إذا شهد على عدوه تكون شهادته مقبولة، كما إذا حكم عليه.
نحتاج إلى المثال سبق أننا مثلنا لمن يجر إلى نفسه نفعًا بشهادة من؟ الشريك لشريكه فيما هو مشترك فيه، فيما هو مشترك بينهما، أو الورثة بجرح مورِّثهم قبل اندماله.
(يَدفعُ عنها ضررًا) كشهادة العاقلة بجرح شهود الخطأ؛ لأن ذلك يدفع عنهم ضررًا.
قال المؤلف: (كمن شهد على من قذفه أو قطع الطريقَ عليه).
هذان مثالان للعداوة: رجل مقذوف، والمقذوف هو الذي رُمِيَ بزنا أو لواط، ومعروف أن الزنا واللواط يخدشان كرامة الإنسان ويسقطانه من أعين الناس، ويستبيحان عرضه؛ فإن الناس يتكلمون فيه.
فإذا قذف رجلٌ شخصًا بالزنا، ثم في يوم من الأيام شهد المقذوف على من قذفه بالزنا، فإن الشهادة لا تُقْبَل؛ لأن قذفه إياه بالزنا سببٌ للعداوة.

أما من شهد بأن فلانًا قذفه فليس هذا مراد المؤلف؛ لأن هذا ليس بشاهد ولكنه مدعٍ، لو قال: فلان قذفني، ليس هذا مراد المؤلف، مراده: إذا شهد لشخص -مثلًا- على هذا الرجل الذي قذفه فإنها لا تُقْبَل شهادته؛ لأن هذا سبب للعداوة.
(أو قطع الطريق عليه) ما معنى قطع الطريق؟ قطع الطريق: أن يتعرض الإنسان للناس بالسلاح؛ سواء في البر أو في البلد، يتعرض لهم بالسلاح لأجل أخذ المال منهم؛ غصبًا ومجاهرة لا سرقة، هؤلاء قطاع الطريق، كما يكون في البادية في الزمن السابق؛ يقفون للناس على الطرقات، ثم يغصبونهم المال غصبًا مجاهرة، وإذا مانع أحد فإنهم ربما يقتلونه، هؤلاء قطاع الطريق، وقد سبق لنا بيان حدِّهم الذي أوجب الله تعالى عليهم.
لكن هذا رجل شهد على من قطع الطريق عليه، نقول: إن شهادته لا تُقْبَل؛ من أجل التهمة، ولكن -كما أسلفنا- إذا كان الإنسان عدلًا مبرزًا في العدالة لا يمكن أن يشهد إلا بالحق فإن شهادته تقبل.
وقول المؤلف: (كمن شهد) الكاف هنا للتشبيه، وعلى هذا فما ذكره مثال لا حصر.
ثم قال مبينًا حد العداوة: (من سره مساءةُ شخصٍ أو غَمَّه فرحُه فهو عدوه) (أو غمَّه) بالغين، (أو غمَّه فرحُه فهو عدوه) هذه العبارة تعتبر ضابطًا في تعريف العداوة، لكن بشرط أن يكون هذا الشيء لشخص معين إذا أتاه ما يسُرُّه أساء الآخر، وإذا فرح فإنه يغتم.

وليس المراد إذا كان هذا عادة الإنسان في جميع الناس؛ لأنه لو كان كذلك لكان الحاسد لا تُقْبَل شهادته؛ لأن الحاسد -نعوذ بالله من الحسد- يسره مساءة الناس، ويغمه فرحهم، كما قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 32]، كثير من الناس -والعياذ بالله- قلبه مملوءٌ من الحسد، إذا أتى الناس ما يسوؤهم -وإن كان لا علاقة له بهم- فإنه يُسَرُّ، وإذا حصل لهم فرح فإنه يُسَاء ويغتم.
هذا ليس مراد المؤلف، مراده: إذا كان شخصًا معينًا؛ ولهذا قال: (مساءةُ شخصٍ) ولم يقل: (مساءة الشخص) على سبيل العموم.
إذنْ إذا علمنا أن هذا الرجل إذا أصاب فلانًا ما يسوؤه فرح وسُرَّ بذلك، وصار يتحدث للناس: أفرأيتم ما حصل لفلان، وما حصل لفلان، وما حصل لفلان؟ وإذا حصل له سرور وفرح اغتم، يا فلان ليش اليوم محزن؟ قال: لأن فلانًا ربح ربحًا عظيمًا، لماذا محزن اليوم؟ قال: لأن فلانًا نجح.
هذا عدو ولَّا لا؟ عدو؛ لأن الصديق يفرح لفرحك، ويغتم لغمك، أما هذا فعدو.
على كل حال، المسألة هذه -في الحقيقة- لو أنها وُكِلَت إلى القضاة وقيل: إن الحاكم بإمكانه أن يعرف الأمور بالقرائن لكان هذا له وجه؛ لأن الضابط هنا مُشْكِل، فإذا قلنا: إن التهمة هي المانع، فالتهمة قد تقوى وقد تضعف، وضبطها مشكل، لكن لو قلنا: إن القاضي ينظر في كل مسألة وفي كل قضية بعينها ويحكم بما أراه الله عز وجل لكان هذا له وجه.
ثم قال في المؤلف رحمه الله عندي في الشرح يقول: ولا تُقْبَل شهادة من عرف بعصبية وإفراط في حمية؛ كتعصب قبيلة على قبيلة، وإن لم يبلغ رتبة العداوة.

هذه كثيرًا ما تقع، خصوصًا في البادية، بعض الناس -والعياذ بالله- عنده عصبية وحمية لقبيلته، وعصبية وحمية على قبيلة الآخرين، فتجده يشهد لقبيلته؛ سواء كان عالمًا بما شهد به، أم لم يعلم، ويشهد على قبيلة أخرى؛ سواء كان عالمًا، أم لم يعلم، هذا يقول المؤلف: لا تقبل شهادته، فإذا عُرِفَ أن هذا الرجل متعصب لقبيلته يشهد لها بالحق وبالباطل، ومتعصب على قبيلة أخرى يشهد عليها بالحق وبالباطل، فإن شهادته لا تقبل.


ثم قال: (فصل).
وهذا الفصل عقده المؤلف لعدد الشهود، عدد الشهود؛ إما أن يكون أربعة، أو ثلاثة، أو اثنين، أو واحدًا، أو رجلًا وامرأتين، أو رجلًا واحدًا ويمين المدعي، كل هذا سيقوله المؤلف.
الذي لا بد فيه من أربعة هو الزنا، قال: (ولا يُقْبَل في الزنا والإقرارِ به إلا أربعةٌ)، و (أربعة) هذه مؤنثة فيكون المعدود مذكرًا؛ يعني: إلا أربعة رجال، فالزنا لا يُقْبَل فيه إلا أربعة رجال.
دليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ أي: الأربعة، ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13]، فلو شهد ثلاثة وتوقف الرابع فإن الشهادة لا تتم، ونجلد حد القذف أولئك الشهود الثلاثة، أما المتوقف فإننا لا نجلده، ولكن لنا أن نعزره.
لو جاء أربعة يريدون أن يشهدوا على رجل بزنا، وسبق أنه لا بد من التصريح بالزنا، فصرح ثلاثة، قالوا: رأينا ذَكَر الرجل في فرج هذه المرأة، أما الرابع فتوقف، فإن الثلاثة الأولين قَذَفةٌ، يجلدون كلُّ واحد ثمانين جلدة، والرابع يُعزَّر؛ لأنه لم يصرح بالزنا.
لو شهد ثمان نساء لا يُقْبَل؛ لأنه لا مدخل للنساء في الحدود، الحدود ما فيها إلا رجال فقط.
لو شهد أربعة غير بالغين لا تُقْبَل شهادتهم؛ لفوات الشرط وهو البلوغ.
قال: (ويكفي على من أتى بهيمةً رجلان) يعني: لو شهد رجلان على شخص بأنه أتى بهيمة كفى.

وماذا نصنع بهذا الشخص؟ يُعَزَّر، وتُقْتَل البهيمة، فإن كانت له فقد فاتت عليه، وإن كانت لغيره لزمه ضمانها لصاحبها.
إذن أربعة دوله ورجلان.
قال المؤلف: (والإقرار به) الإقرار بالزنا لا بد فيه من أربعة رجال يشهدون بأن فلانًا أقر بالزنا عندهم، فلا يُقْبَل رجلان ولا ثلاثة؛ لأن الإقرار بالزنا موجب للحد، والشهادة تُثْبِت الإقرار، وإذا كانت الشهادة هي التي تثبت الإقرار -وهو موجب للزنا- فلا بد من أربعة رجال يشهدون به.
قال: (ويُقْبَل في بقية الحدود، والقصاص، وما ليس بعقوبة، ولا مال ولا يُقْصَد به المال، ويطلع عليه الرجال غالبًا؛ كنكاح -إلى آخره- رجلان) انتبهوا لهذا، هذا العدد الآن المطلوب أيش؟ رجلان اثنان، النساء لا مدخل لهن فيه، لكن انتبه للشروط، يقول: (الحدود والقصاص) هذان اثنان، (وما ليس بعقوبة، ولا مال ولا يُقْصَد به المال، ويطلع عليه الرجال) هذه ثلاثة.
(ما ليس بعقوبة) لأن العقوبة سبق أنه لا بد فيها من أيش؟ إن كانت زنًا فأربعة رجال.
(ولا مال) لأن المال سيأتي ماذا يكفي فيه، (ولا يُقْصَد به المال) لأنه سيأتي ما يكفي فيه، (ويطلع عليه الرجال) لأنه سيأتي ما يكفي فيه.
كيف ذلك؟ المال وما يُقْصَد به؛ رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي، وسيأتي، لا تقيدونه؛ لأنه مذكور عند المؤلف.
الذي يطَّلع عليه النساء غالبًا يكفي فيه امرأة واحدة، وسيأتي في كلام المؤلف أيضًا.
(كنكاحٍ) النكاح لا بد فيه من رجلين، فلو شهدت به امرأة، بل لو شهد به أربع نساء، قالوا: نشهد أن فلانًا عُقِدَ له على فلانة فإن ذلك لا يُقْبَل.
رجل وامرأتان لا يُقْبَل، لا بد من رجلين.
المثال الثاني: (وطلاقٍ) لا بد فيه من رجلين، فلو شهد به امرأتان لم يُحْكَم به، حتى وإن كانت المرأتان في البيت، لو شهد امرأتان بأن فلانًا طلَّق زوجته وليس عنده إلا المرأتان، فإن الطلاق لا يقع إذا أنكره الزوج؛ إذ لا بد فيه من رجلين.

ما هو الدليل؟ قالوا: الدليل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] ﴿ذَوَيْ﴾، وأما النساء فيقال: ذواتي؛ كما قال الله تعالى: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبأ: 16]، فهذا دليل على أنه لا بد فيه من الرجال.
كذلك أيضًا الرجعة، ما الرجعة؟ الرجعة: إعادة المطلقة إلى النكاح، تكون في الطلاق الأول ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: وفي الثاني؟ طلبة: نعم.
الشيخ: وفي الثالث؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا.
تكون في الطلاق على عوض؟ لا، ما تكون في الطلاق على عوضٍ.
تكون في الفسخ لعيب؟ لا، ما تكون إلا في الطلاق الذي لم يتم به العدد.
قال: (وخلع) الخلع: هو مفارقة الزوجة بعوضٍ؛ منها أو من غيرها، هذا الخلع، سُمِّي بذلك؛ لأن الرجل يخلع زوجته كخلع ثوبه، تأتي المرأة إلى زوجها وتقول: فارقني وأعطيك كذا وكذا من المال، فإذا فارقها بالمال فهذا خلع.
يأتي وليها إلى الزوج ويقول: خالعْ موليتي؛ ابنتي أو أختي أو ما أشبه ذلك، فيوافق ويخلعها على العوض الذي قاله لها، نسمي هذا خلعًا.
يأتي رجل من غير أوليائها ويقول: فارق فلانة بعوض، يصح؟ إي نعم، ولو كان أجنبيًّا.
طالب: يمكن ما توافق؟ الشيخ: وافقت أو ما وافقت؛ لأن الفراق بيد من؟ بيد الزوج، فإذا رضي الزوج فلا بأس.
ولكن هذا الرجل الأجنبي وكذلك الولي أيضًا هل يجوز أن يُقْدِمَ على هذا ويفرق بين الزوج وزوجته؟ الجواب: فيه تفصيل؛ إذا كان المقصود بذلك فك أسر المرأة بأن تكون المرأة قد تعبت من هذا الزوج، ولم تجد خلاصًا إلا أن تأتي إلى وليها أو إلى رجل من أهل الخير والإحسان وتقول: فكني من هذا الزوج، أعطه ما يطلب وليفارقني، جائز هذا ولَّا لا؟ هذا جائز، بل هذا فيه أجر للذي تقدم إلى الزوج بهذا الطلب، هذا واحد، هذا جائز، بل هذا محمود ويشكر عليه.

الثاني: قصد الإضرار بالزوجة؛ رأى أن الحال بينها وبين زوجها مستقيمة، فأراد أن يفرق بينهما، هذا حرام لا شك، و «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ» (1). الثالث: رجل طلب من الزوج هذا من أجل أن يتزوجها، فهذا أيضًا حرام ولا يجوز، ويجب على ولي الأمر أن يمنع هذا الرجل من نكاحها، إذا علم أن الأمر هكذا يجب على ولي الأمر -الأمير، مثلًا- أن يمنع هذا الرجل من نكاحها؛ لأن هذا عدوان، وإذا كان بعض أهل العلم يقول: إن الإنسان إذا خطب المرأة في عدتها حَرُمَت عليه أبدًا، فهذا من باب أولى، وإلا لكان كل واحد يذهب ويفسد أزواج الناس.
فإن قال قائل: الزوج لم يُجْبَر على هذا، والزوجة ما عليها ضرر؛ لأن هذا الرجل متفق معها؛ رآها فأعجبته، وخدعها وخدعته، اتفق وإياها على أن يخلعها من زوجها، فلا عدوان على المرأة، والزوج ما عليه عدوان؛ لأن الأمر بيده، كيف تحرمونه؟ ما الجواب؟ أنتم فاهمون السؤال ولَّا لا؟ أقول: الآن الزوجة موافقة، والزوج غير مجبر، لأنه يقدر أن يقول: لا، الأمر بيده، فلماذا تحرمونه؟ طالب: لأنه قد مع اتفاقه معها قد (... ) زوجها حتى يطلقها.
الشيخ: لا، هي ما (... ) زوجها أبدًا، وزوجها على الطبيعة.
نقول في الجواب على هذا: صحيح أن الأمر بيد الزوج، وصحيح أن الزوجة لم تتضرر؛ لأنها مختارة، ولكن ربما يغري هذا الإنسان الزوج، ويغلب الزوجَ الشحُّ ويوافق، ثم بعد ذلك يندم ندمًا عظيمًا؛ فلهذا نرى أنه حتى في هذه الحال يحرم عليه أن يحاول المخالعة بين الزوج وزوجته، إي نعم (... ).


يكون في أيش؟ في الدماغ؛ ولهذا الأولى أن نقول: هو الذهول عن شيء معلوم، ولا نعين محل الذهول، أن يذهل الإنسان عن شيء معلوم، كان معلومًا له، ثم ذهل ونسي، فنقول: فمتى فعل محرَّمًا ناسيًا فلا شيء عليه، شوف المحرَّم في النسيان كالمحرَّم في الجهل؛ إذا فعله ناسيًا لا شيء عليه أبدًا.

استأذن عليك رجل وأنت تصلي، فقلت: تفضل وأنت تصلي، نسيت أنك في صلاة؟ لا شيء عليك.
صليتَ في ثوب نجس ناسيًا؟ لا شيء عليك؛ لأن هذا فعل محرم، فعلت محرمًا ناسيًا.
ودليل ذلك قال: كمن أكل في الصيام ناسيًا فلا قضاء عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» (2). لو ذكرت وأنت صائم والماء في فمك بعد أن رويت وامتلأ بطنك، ثم بلعته، وقلت: إن كان الأول ما هو مفطر فهذا ما هو مفطر؟ وأيش نقول؟ يفطر؟ طلبة: يفطر.
الشيخ: ليش؟ لأنه شرب بعد أن علم، إي نعم.
طالب: (... ). الشيخ: لا، هو متهاون، أما الذي يجهل يمكن ينطبق على الجهل.
رجل نسي وهو محرم فتطيب؟ طالب: لا شيء عليه.
الشيخ: لا شيء عليه، لكن إذا ذكر تجب عليه إزالته.
نسي وهو محرم فغطى رأسه، لا شيء عليه.
المهم هذه قاعدة واضحة: النسيان في المحرمات يرفع الإثم وما يترتب على ذلك، حتى لو نسي وجامع زوجته وهو محرم أو صائم فلا شيء عليه.
ومتى ترك واجبًا ناسيًا فلا شيء عليه حال نسيانه، ولكن عليه فعله إذا ذكره؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (3). في النسيان؛ نسيتَ أن تفعل شيئًا واجبًا، فأنت حال النسيان لا شيء عليك؛ لأنك معذور، إذا ذكرت وجب عليك فعل ما نسيت، إلا إذا كان هذا الواجب مقيدًا بسبب وزال السبب فإنك لا تقضيه؛ لأنه شُرِعَ لسبب عند هذا السبب وزاد؛ مثل لو نسيت أن تصلي الكسوف حتى انجلى، وقلنا بوجوب الصلاة -صلاة الكسوف- فإنك لا تقضيها؛ لأنها لسبب قد زال، بخلاف الموقَّت؛ الموقَّت قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (4). على أنه قد يقول قائل: حتى صلاة الكسوف إذا نسيها لماذا لا يقضيها؟

نقول: لأنها مقيدة بعلة زال سبب الصلاة فيها؛ وهي قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «صَلُّوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» (5)، انكشف الآن.
فإذن لو قضيت الصلاة لصار هذا بدعة؛ لأنه انتهى، انقضى، بخلاف الموقتة فإنما وقتت لأجل أن تكون في هذا الوقت، ولكن السنة وردت بأنه إذا خرج الوقت فإنك تقضيها ولو بعد خروجه.
والإكراه: إلزام الشخص بما لا يريد؛ هذا الإكراه (... ) بما لا يريد، ولكن هل هذا الإلزام مجرد الأمر، أو لا بد من إرغام على ذلك؟ الثاني: لا بد من إرغام، أما مجرد أن يأمرك، تقول: واللهِ أنا أستحيي أن أخالف أمره، فهذا ليس بإكراه؛ ولهذا كثير من الناس الآن يأتي يستفتي، يقول: واللهِ، أنا طلقت امرأتي مكرهًا؟ كيف مكرهًا؟ قال: واللهِ، جاؤوا ناس لهم جاه عندي، وطلبوا مني هذا الشيء، وألحوا علي وطلقت، وأيش نقول؟ هذا إكراه ولَّا لا؟ هذا ليس بإكراه؛ لأنه ليس بإلزام.
فمن أُكْرِهَ على فعل محرم فلا شيء عليه.
أُكْرِهَ على أن يأكل في رمضان؟ طالب: لا شيء عليه.
الشيخ: لا شيء عليه، ولا قضاء؟ طلبة: ولا قضاء.
الشيخ: طيب، أكره على أن يأكل وهو يصلي؟ طالب: أبطل الصلاة.
طالب آخر: ليس عليه (... ). الشيخ: أبدًا، ما عليه شيء، مكره.
أُكْرِهَ على أن يشم شيئًا في الصلاة؟ طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، واحد معه طيب ومستعجل وهو ما يشم، والذي يصلي يشم، قال له: شم هذا هو زين ولَّا شيء، هذا يقع، وألزمه فشمه، وقال له: زين؟ فأومأ برأسه إي نعم، ذهب واشتراه الآن، تبطل صلاته ولَّا لا؟ طلبة: لا تبطل.
الشيخ: ما تبطل.
لكن إذا لم يكن إكراه؟ طالب: تبطل.
الشيخ: لا، ما تبطل الصلاة، لكن ولا ينبغي أن يفعله؛ لأن هذا حركة وعمل وانشغال قلب، فلا ينبغي أن يفعل هذا، لكن لو فعله فالصلاة لا تبطل.
طالب: إذا تكلم يا شيخ؟

طالب آخر: هذا الرجل اللي ظن الشيء إكراهًا وليس بإكراه وطلق زوجته، فهل المرأة تطلق أم لا؟ هو ظنه إكراه وليس بإكراه فهل تطلق زوجته إذا طلقها؟ الشيخ: إي، تطلق.
الطالب: جاهل.
الشيخ: يترتب الحكم؛ جاهلًا أو عالمًا.
الطالب: (... ). الشيخ: لا، هذا يتعلق بالغير، يترتب الحكم.
طالب: يجينا سائل يسأل (... ) بالنسيان ما نقول: قرائن (... ) قال: شرب الخمر (... ) هذا محرم (... ) المثال لا يوجد أحد من (... )؟ الشيخ: لا، هو ما هو قال: إنه نسي، الغالب أنه ما ينسى أنه محرم، الغالب يعني لو ادعى الإنسان النسيان ودلت القرينة على كذبه، النسيان عذر على كل حال، لكن قد تدل القرينة على أنه كاذب في ادعاء النسيان، إنما لو يقول: نسيت فشربت وأنا أعرف أنها خمر، لكن نسيت فشربت، نسيت أن الخمر هو الذي في هذا الإناء، وأنا أظنه في إناء ثانٍ؛ يعني كان يعرف أنه في هذا الإناء، لكن نسي.
طالب: رجل يصلي وأتاه (... ) ماذا يفعل؟ الشيخ: أتاه أيش؟ الطالب: رجل يصلي في صلاة جهرية يقول له: (... ) هذا.
الشيخ: إي، يقول: نعم.
الطالب: في الصلاة؟ الشيخ: إي، بس ما هو بلسانه، يقول برأسه، يومئ نعم.
الطالب: شيخ، مطلقًا، سواء فرضًا أو نافلة؟ الشيخ: فرضًا أو نافلة، نعم.
طالب: بدون إكراه يا شيخ؟ الشيخ: بدون إكراه، نعم، ما فيه شك.
طالب: الجهل هو عدم العلم، فلو فعل مكلفٌ محرمًا جاهلًا لا شيء عليه، حسب ما ذكر المؤلف، هل يعني ذلك -يا شيخ- أن من يتوسل بالقبور ومن يدعو من دون الله سبحانه وتعالى الأموات والأنبياء والصالحين وغير ذلك وهو جاهل بأن هذا الشيء محرم أو عنده شبهة، هل ينطبق عليه قول المؤلف؟ الشيخ: لا، كلمة (عنده شبهة) غير (جاهل أنه محرم)؛ يعني مثلًا لو فرضنا عاميًّا نشأ في هذا البلد، وهذا البلد يعظمون هذه القبور على أنها ليس فيها شيء إطلاقًا، فهو معذور.
الطالب: معذور يا شيخ؟ الشيخ: معذور، نعم.
الطالب: واللي عنده شبهة؟

الشيخ: ما ندري، إذا كان يسمع أن هذا حرام وأنه شرك، لكن قال: إني أتبع ما عليه آبائي وأجدادي، فهذا غير معذور؛ لأنه عنده شبهة.
أما إذا كان لا يدري ولا أحد بلغه إطلاقًا، ولا يعرف أن هذا شيء، فالله عز وجل يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115]، والآيات في هذا كثيرة، ومرت علينا هذه المسألة، وقلنا: الصحيح أنه لا فرق بين ما يسمونه أصولًا وما يسمونه فروعًا، كله سواء.
(... )


بسم الله الرحمن الرحيم.
هذا الفصل في بيان عدد الشهود، وأعلى بينة في عدد الشهود بينة الزنا، لا يقبل فيها إلا أيش؟ طالب: أربعة رجال.
الشيخ: أربعة رجال، ما الدليل؟ الطالب: فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: لا.
الطالب: فعل عمر رضي الله عنه.
الشيخ: ولا عمر.
طالب: قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13].
الشيخ: طيب، وفيه آية ثانية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: 4]، طيب.
الإقرار بالزنا؟ طالب: الإقرار بالزنا (... ). الشيخ: لا، قصدي إذا شهد شهود على أن فلانًا أقر بأنه زنا عندهم، كم عددًا يشترط؟ الطالب: أربعة.
الشيخ: أربعة، نعم، على المذهب أنه لا بد من أربعة؛ لأن شهادتهم يثبت بها الحد، وقيل: يكفي في ذلك رجلان؛ لأن هذا شهادة على إقرار لا على فعل، وهو رواية عن الإمام أحمد.
بينة القذف ما هي؟ طالب: بينة القذف أن يأتي بأربعة شهداء.
الشيخ: على القذف؟ بينة القذف؛ يعني: رجل ادعى أن فلانًا قذفه، فقلنا: هات بينة، فما بينة القذف؟ الطالب: شاهدان.
الشيخ: سبحان الله! وين؟ طالب: رجلان.

الشيخ: رجلان؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إي.
طالب: أنا قلت: شاهدان.
الشيخ: شاهدان بس.
الطالب: إي نعم، هما رجلان.
الشيخ: على كل حال ما عندك علم؛ لأنك (... ) ما جزمت، لما جزمت عليك أنا ما جزمت أنت.
الطالب: لا، أنا جزمت يا شيخ.
الشيخ: خير إن شاء الله.
طالب: لا يُقْبَل إلا رجلان عدلان.
الشيخ: رجلان عدلان، طيب.
السرقة ما بيِّنَتُها؟ طالب: يكفي رجلان يا شيخ.
الشيخ: لا بد من رجلين؟ ما يكفي رجل وامرأتان؟ الطالب: المرأة لا تصلح في الشهادة.
الشيخ: إذن جميع الحدود لا بد فيها من رجلين، انتبهوا لهذا، كل الحدود من سرقة وقذف وشرب خمر -على القول بأنه حد- كل ما ليس بمال فإنه لا بد فيه من رجلين.
ما تقول في الجرح؟ الشهادة بالجروح؟ طالب: رجلين.
الشيخ: رجلين؟ ما يكفي رجل وامرأتان؟ الطالب: لا.
الشيخ: توافقونه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: خطأ.
الجروح إن أوجبت القصاص فرجلان، وإن أوجبت المال فتكون من شهادة المال.
طالب: (... ). الشيخ: لا، (ويُقْبَلُ في بقية الحدود والقصاص)، هذا القصاص.
طالب: هذا القصاص، يعني (... ). الشيخ: طيب، القصاص يكون في النفس ويكون فيما دونها؛ ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، ويش بعد؟ ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ هذا فيما دون النفس ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ﴾ [المائدة: 45] إلى آخره، فلو ادعى شخص على آخر بأنه فقأ عينه عمدًا فلا بد من رجلين؛ لأنه قصاص، كل ما أوجب القصاص ففيه رجلان.
ما هي بينة الشَّجَّة؟ طالب: رجلان.
الشيخ: رجلان، الشجَّة؟ تعرف الشجَّة؟ الطالب: نعم.
الشيخ: وين هي فيه؟ الطالب: في الرأس.
الشيخ: والوجه؟ الطالب: والوجه، نعم.
الشيخ: طيب، رجلان؟ الطالب: نعم.
الشيخ: بكل حال؟ الطالب: نعم، إذا.. الشيخ: عمدًا.
الطالب: رجلان.
الشيخ: بكل حال؟ الطالب: بكل حال.
طالب: يكفي فيها رجل وامرأتان إذا كانت لا توجب القصاص.

الشيخ: إي، إذا لم توجب قصاصًا فرجل وامرأتان؛ يعني: فبينتها بينة المال، إذا أوجبت القصاص فلا بد من رجلين.
والله أنتم في التطبيق ما هو بجيدين، انتبهوا له.
طلبة: (... ). الشيخ: الله يهديكم، أنا أقول: بالقصاص، عام.
ما هي الشجَّة التي لا توجب القصاص؟ طالب: (... ) هي عشرة أنواع.
الشيخ: طيب، الخمسة الأولى كلها لا توجب القصاص.
الطالب: مثل المأمومة (... ). الشيخ: طيب، المأمومة هذه فيها ثلث الدية، وتصل إلى أم الدماغ ما فيها قصاص، كما مر، إذن بينتها بينة مال.
المُوضِحَة؟ طالب: (... ). الشيخ: الموضحة، لا، فيها قصاص، فبينتها رجلان.
رجل قطع يد إنسان مع المرفق وادَّعى أنه قاطع يده؟ طالب: رجلان.
الشيخ: رجلان؛ لأن فيه قصاصًا.
فإن كانت مقطوعة من نصف الذراع فالمذهب أن فيها المال، وليس فيها قصاص، وحينئذٍ يكون بينتها بينة المال.
خلاصة هذه المسألة مسألة الجنايات: ما أوجب القصاص فلا بد فيه من رجلين، وما أوجب المال فبينته بينة المال، بينة المال ستأتينا.


يقول المؤلف رحمه الله: (وما ليس بعقوبةٍ ولا مالٍ، ولا يُقْصَد به المال ويَطَّلِعُ عليه الرجالُ غالبًا) إلى آخره.
(ما ليس بعقوبة ولا مال)، الثاني: (ولا يُقْصَد به المال ويطلع عليه الرجال غالبًا) يقول: (يُقبلُ فيه رَجُلانِ) هذا أيضًا تابع للأول لا بد فيه من رجلين.
كل دعوى لا تتضمن عقوبة، فإن تضمنت عقوبة فبينتها رجلان، إذا أوجبت العقوبة بينتها بينة المال، كما سبق في الحدود والقصاص.
(ولا مال) إن أوجبت المال فبينتها بينة المال، (لا يُقْصَد به المال) إذا قُصِدَ به المال فبينتها بينة المال.
(ويطَّلع عليه الرجال غالبًا) إذا كان مما لا يطَّلع عليه الرجال غالبًا فليس هذا حكمه، له بينة أخرى، كالذي يطلع عليه النساء.
المهم لا بد أن نعرف محترزات هذه القيود.
(ما ليس بعقوبة) خرج به ما كان عقوبة، وأيش بينته؟ رجلان، كالحدود والقصاص.

(ولا مال) خرج به ما كان مالًا؛ لأن إحنا الآن في النفي (ما ليس بعقوبة).
(ولا مال) خرج به المال، المال بينته بينة المال، وسيأتي.
(ولا يُقْصَد به المال) أيضًا خرج به ما يُقْصَد به المال، فبينته بينة المال، وسيأتي.
(ويطَّلع عليه الرجال غالبًا) خرج به ما يطلع عليه النساء غالبًا، وستأتي بينته في كلام المؤلف.
يقول المؤلف: (كالنكاح والطلاق والرجعة والخلع والنسب والولاء وإيصاء إليه -يعني: في غير مال- يُقْبَل فيه رجلان) أكثر المؤلف من الأمثلة للأهمية.
طالب: (لا يُقْبَل).
الشيخ: لا، (يُقْبَل فيه رجلان) هكذا عندي، وهو كذلك.
نشوف (النكاح).
طلبة: (... ). الشيخ: النكاح ليس عقوبة، ولا مالًا، ولا يُقْصَد به المال، ويطَّلع عليه الرجال.
الطلاق كذلك، الرجعة كذلك، الخلع كذلك.
على أن بعض أهل العلم يقول: إن الطلاق والرجعة مما يطلع عليه النساء غالبًا، وبعضهم يقول: لا، الطلاق لا بد من شهود، والرجعة لا بد من شهود، فيطلع عليها من؟ الرجال، المؤلف مشى على هذا القول.
يقول: (ونسب) النسب؛ يعني: القرابة، الصلة بين إنسانين بولادة، هذا النسب، الصلة بين إنسانين بولادة؛ أي: بسبب الولادة، هذه نسب، فالأخوة نسب، والأبوة طلبة: نسب.
الشيخ: والأمومة نسب، والعمومة نسب.
قال رجل: إن هذا ولدي، ادعى أنه ولده، وليس للولد نسب معروف، فلا تُقْبَل دعوى هذا الرجل إلا برجلين، شاهدين رجلين؛ لأن النسب ليس مالًا، ولا عقوبة، ولا يُقْصَد به المال، ويطلع عليه الرجال غالبًا.
(وولاء) ولاء؛ ادعى شخص أن هذا العتيق ولاؤه له، قال: ولاء هذا العتيق لي، وليس له مولًى معروف، ماذا نقول لهذا المدعي؟ نقول: ائتِ برجلين يشهدان بأن الولاء لك، ويكون لك.
وأظنكم تعرفون الولاء، ما سببه؟ سببه العتق؛ إذا أعتق الإنسان عبدًا مملوكًا صار ولاؤه له.

(وإيصاء) المؤلف رحمه الله أطلق الإيصاء، والشارح قيدها في غير مال، وهذا القيد قد ندعي أنه معلوم من كلام المؤلف، كيف؟ لأنه قال: (ليس بمال ولا يُقْصَد به المال)، وعلى هذا فيكون إيصاء في غير المال.
مثل أن يوصي إليه بالنظر في حق أولاده الصغار، قال: أوصيت إلى فلان يلاحظ أولادي الصغار ويقوم بتربيتهم، أو يوصي إليه بتزويج بناته، على القول بأن ولاية النكاح تُسْتَفاد بالوصاية، والمسألة سبق لنا أن فيها خلافًا، وأن الصحيح أن الولي في النكاح إذا مات سقطت ولايته أصلًا وفرعًا، وأن ولاية النكاح لا تُسْتَفاد بالوصاية، بل هي ولاية شرعية من قِبَل من؟ من قبل الشارع.
على كل حال المذهب أن ولاية النكاح تُسْتَفاد بالوصاية، فيكون قول المؤلف: (إيصاء) يعني: في غير المال؛ مثل إيصاء في النكاح، إيصاء في النظر على الأولاد، لا بد فيه من رجلين، فإذا جاءنا إنسان بعد الموت، وقال: إن ميتكم أوصى إلي بأن أزوج أخواتكم -أي: بناته- فإذا طلبنا البينة منه فكم نطلب؟ نطلب رجلين، لو أتى برجل واحد ما نقبل، لا بد أن يأتي برجلين.


ثم قال المؤلف: (وَيُقْبَل في المال وما يُقْصَد به المال؛ كالبيع، والأجل، والخيار فيه ونحوه) يعني: وشبهه؛ مثل: القرض، والرهن، والغصب، والإجارة، والوقف، والمساقاة، والمزارعة، والشركة.. كل المعاملات المالية، أو ما يتعلق بها من شروط أو أوصاف، كلها تسمى مالًا أو يُقْصَد به المال.
هذه بينتها أوسع البينات، والحكمة أن التعامل بها أكثر المعاملات، لو نَسَبْتَ المعاملات في الأنكحة إلى المعاملات في البيوع، أيهما أكثر؟ طلبة: البيوع.
الشيخ: البيوع؟ الطلبة: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، البيوع بلا شك، يمكن يبيع باليوم مئة مرة، مئة عقد، ولَّا لا؟ إي نعم، لهذا من حكمة الله عز وجل ورحمته أنه وسع البيِّنة في الأموال؛ لكثرة تلبس الناس بها، وهذه من الحكمة، لم يجعل الله البينة رجلين فقط أو ثلاثة، لا، أوسع.

استمعوا إليها يقول المؤلف: (يُقْبَل فيه رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي) ثلاثة أنواع من البينات: رجلان، أو رجل وامرأتان، الدليل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]. رجل ويمين المدعي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشاهد ويمين المدعي (6). فهذه ثلاثة أنواع من البينات كلها تثبت الدعوى في المال.
(كالبيع) نشوف أمثلة المؤلف: البيع مال؟ نعم.
ادعى شخص أن فلانًا باع عليه سيارته، وأنكر فلان أنه باع، نقول للمدعي: هاتِ البينة، ما البينة؟ رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي.
أتى إلينا برجلين يشهدان على وقوع البيع، يُحْكَم له بذلك؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب.
أتى إلينا برجل وامرأتين يُحْكَم له بذلك.
إذا قال قائل: كيف تشهد المرأتان؟ تتكلم المرأة عند القاضي؟ نعم، تتكلم عند القاضي؛ لأن صوتها ليس بعورة.
ما أتى لا برجلين ولا برجل وامرأتين، أتى برجل واحد، قال: ما عندي غير هذا الرجل، نقول: طيب، يحتاج هذا الرجل إلى تقوية، ما هي؟ اليمين، خليه يشهد وأنت تقوي شهادته بيمينك، شوف لماذا يُكْتَفى باليمين؟ لأن اليمين -كما قررنا سابقًا- تكون في جانب أقوى المتداعيين، صح ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، المدعي الآن جانبه صار أقوى من المنكِر؛ لأن المنكِر ليس معه إلا الأصل، الأصل عدم البيع، لكن المدعي الآن صار معه شاهد، والشاهد أقوى من الأصل، فلما قوي جانبه بالشاهد قلنا له: احلف؛ ولهذا لو حلف قبل إقامة الشاهد ما نفع، لا بد أن يأتي أولًا بالشاهد ويشهد، ثم يحلف.
وهل يلزمه أن يحلف أن شاهده صادق، فيقول: واللهِ، لقد باع عليَّ فلان كذا وكذا، ووالله إن شاهدي لصادق؟ لا يلزم؛ لأن تصديق الشاهد أو عدمه يرجع إلى القاضي، ما هو إليك.

فصارت البينات الآن في المال وما يُقْصَد به ثلاثًا.
لو أتى بأربع نساء فإنه لا يُقْبَل، على المشهور من المذهب، ولو أتى بامرأتين ويمين فإنه لا يُقْبَل.
أتى بامرأة ويمين من باب أولى ألَّا يُقْبَل.
وقال بعض أهل العلم: بل إن المرأتين تقومان مقام الرجل إلا في الحدود؛ من أجل الاحتياط لها.
واستدل هؤلاء بعموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ الرَّجُلِ بِشَهَادَةِ امْرَأَتْيِنِ؟ » (7)، وأطلق ولم يُفَصِّل.
ثم إن الله تعالى ذكر العلة في اشتراط العدد في النساء، وهي ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: 282]، ولم يذكر أن العلة المال، العلة أن تقوى المرأة بالمرأة، فتذكِّرها إذا نسيت، وهذا يكون في الشهادة في الأموال وفي غير الأموال، إلا ما سُلِكَ فيه طريق الاحتياط، ويكون كذلك في المرأة معها رجل أو ليس معها رجل.
وهذا القول هو الراجح، القول الصحيح: أن المرأتين تقومان مقام الرجل مطلقًا، إلا في الحدود؛ للاحتياط لها، ولقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4]، فهو نصٌّ صريح في وجوب الذكورية.
فيكون إذن المال يثبت برجلين، وأربع نساء، ورجل وامرأتين، ورجل ويمين، وامرأتين ويمين المدعي، واختار شيخ الإسلام أيضًا وامرأة ويمين المدعي، فقال: إن المرأة إذا كانت ذاكِرةً للشهادة ومتيقنة، فالعلة التي ذكرها الله عزَّ وجل ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ انتفت، فيكون طرق إثبات المال ستة.
فيه سابعة: القرائن الظاهرة، القرائن الظاهرة بينة، وسبق لنا منها أمثلة.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، كرجل هارب بيده غترة، وعلى رأسه غترة، وآخر يلحقه يصوت أصلع، يقول: أعطني غترتي، هنا الظاهر مع من؟ مع المدعي ولَّا مع المدعى عليه؟ مع المدعي، فيحلف مع القرينة الظاهرة.

تنازع الرجل والمرأة في أواني البيت، فقال الرجل: الدِّلال لي، وقالت المرأة: بل هي لي، الظاهر مع من؟ طلبة: مع المرأة.
الشيخ: لا، مع الرجل يا إخوان، الظاهر مع الرجل، هو صاحب الدلال.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم.
طالب: لأنه المنفق عنها ولَّا لأنه صاحب الدلال؟ الشيخ: لا، لأنه صاحب الدلال، لكن لو تنازعا في أمر يحتمل أن تكون مما تأتي به النساء، ومما يأتي به الرجال؛ كالفرش مثلًا، الفرش أحيانًا يجيبها الرجل، وأحيانًا تجيبها المرأة، تحب أن يكون مجلسها أمام النساء جيدًا وطيبًا، وتنازع الرجل والمرأة، فهنا إذا كان يغلب على الظن أنه تبع المرأة تحلف وتأخذه، فصار الآن المال.. شوف قصدي أنا أريد أن أبين لكم أن المال أوسع الأشياء في البينات.
(الأجل) ويش الأجل؟ الأجل في البيع، من الذي يدعي الأجل، هل هو المشتري ولَّا البائع؟ طالب: البائع.
طلبة: (... ). طالب آخر: ينظر.
الشيخ: طيب، يمكن؛ إما البائع، وإما المشتري.
اشترى شخص من فلان بيتًا، وادَّعى أن الثمن مؤجلٌ إلى سنة، وأنكر البائع، فالمدعي هنا من؟ المشتري، نقول: هاتِ بينة، بينتك، كما ذكر المؤلف، قد يكون الذي يدعي التأجيلَ البائعُ، كالسلم -مثلًا- السلم وهو تعجيل الثمن وتأخير المُثمن، من الذي سيدعي الأجل؛ أي: الزيادة في الأجل مثلًا؟ البائع، يقول المشتري: إن أجل السلم إلى سنة، ويقول البائع: بل أجل السلم إلى سنتين.
على كلٍّ، مدعي الأجل -سواء البائع أو المشتري، أو المستأجر أو المؤجر- تكون بينته أحد الثلاثة الأمور التي ذكرها المؤلف؛ لأنه مما يُقْصَد به المال.
القرض، ادعى زيد أنه أقرض شاكرًا مئة ريال، وأنكر شاكر، فنقول للمدعي: هاتِ البينة، ما البينة؟ أحد ثلاثة الأمور اللي ذكرها المؤلف: رجلان، رجل وامرأتان، رجل ويمين المدعي.
طالب: (... ) كذلك القصاص لعله يكون هو أقوى المتداعيين (... ).

الشيخ: نعم، القصاص قد يكون الراجح جانب المدعي، لكن الشارع جعل له خمسين يمينًا في القسامة، تعرف القسامة؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: القسامة لا شك أن الراجح جانب المدعي؛ ولهذا جعل الشارع أيمان المدعين موجبة للقصاص.
طالب: في كل حال تُقْبَل دعوى المدعي إذا أتى بشاهدين رجلين؟ الشيخ: لا يا أخي، سبق لنا يشترط إمكان صحة الدعوى، الأول ما مرت علينا هذه؟ طالب: مرت.
الشيخ: مرت علينا لها شروط ستة أظن؛ منها: إمكان صحة الدعوى، فإذا لم يمكن..، لو ادعى شخص قال: هذا الرجل باع عليَّ بيته منذ أربعين سنة، والرجل مات ولَّا عشرين سنة، تسمع هذه ولَّا لا؟ ما تسمع.
لو ادعى مثلًا قال: إن رئيس الوزراء جاء إليَّ واشترى مني قبضة من العلف، وشالها على رأسه ومشى! تقبل ولَّا لا؟ ما تقبل؛ لأنه عادة لا يمكن هذا.
طالب: طيب لو (... ) ما يأثم اللي (... )؟ الشيخ: لكن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل القرينة الظاهرة مجوزة لليمين (8). الطالب: يعني ما يأثم إذا قويت القرينة.
الشيخ: إي، ما يأثم.
طالب: التي بعدها ما تشمل السبعة أقوال ولَّا فقط البيع؟ الشيخ: أيهم؟ الطالب: (... ) والأجل والخيار.
الشيخ: أبدًا، مثل البيع.
الطالب: السبعة.
الشيخ: لا، على المذهب ثلاث فقط.
الطالب: لكن الراجح؟ الشيخ: الراجح العموم.
طالب: يا شيخ، حديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (8)، (... )؟ الشيخ: وينها؟ الطالب: يعني بعض الصور (... ) أن يكون اليمين أيضًا للمنكر.
الشيخ: لماذا جعل الشارع اليمين على المنكِر؛ لأنه منكِر، ولَّا لقوة جانبه بكون الشيء في يده؟ الطالب: لقوة جانبه.
الشيخ: لقوة جانبه، إذن اليمين تكون في جانب أقوى المتداعيين؛ ولهذا قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشاهد واليمين (9). طالب: شهادة أربع نسوة تكفي في الأموال؟ الشيخ: إي نعم، تكفي.

طالب: يا شيخ، حسب قول الشيخ ابن تيمية يقول: إنه يكفي المرأة ويمين المدعى عليه.
الشيخ: المدعي.
الطالب: المدعي، هل هذا ينطبق في امرأتين بدل رجلين؟ الشيخ: لا، أربع نساء.
الطالب: طيب يا شيخ، نحن قبلنا بدل رجل امرأة؛ يعني إن كانت.. الشيخ: هو رحمه الله يرى أن مسألة الرجل واليمين ما هي ببينة كاملة؛ يعني مثل الأخبار، كالأخبار الدينية، كما أن المرأة تُقْبَل في الأخبار الدينية فهذا مثلها.
طالب: أقول: لماذا جعلنا الأصل مع الرجل في قضية (... ) مع أنه بعض النساء (... )؟ الشيخ: (... ). طالب: لا (... ). الشيخ: عجيب.
طالب: يمكن الآن؟ الشيخ: إي، الآن، شوف لأنا بدنا النساء (... ) ها الحين.
طالب: (... )؟ الشيخ: يخلونه.
طالب: تغير العرف.
الشيخ: تغير العرف، إي نعم.
طالب: نقول: ما الذي جعل -يا شيخ- الأصل مع الرجل؟ الشيخ: هذا هو الظاهر، إلا إذا تغير العرف، مثل إذا كان الأمر الآن تغير العرف وصار اللي (... ) النساء، نمشي مع العرف.


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبق لنا أن عدد الشهود يتفاوت باختلاف المشهود به، فالزنا واللواط والإقرار بهما لا بد فيه من أربعة رجال، والحدود والقصاص ونحوها رجلان، والمال يُقْبَل فيه رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي، وكنا وقفنا أظن على الخيار.
(والخيار فيه) أي: في البيع؛ يعني: بأن يدعي المشتري أو البائع أنه شرط الخيار؛ ليفسخ، فينكر صاحبه، فهنا تكون البينة؛ إما رجلين، أو رجلًا وامرأتين، أو رجلًا ويمين المدعي؛ لأن الخيار مما يُقْصَد به المال.
وقوله: (ونحوه) يعني: نحو هذه الأشياء التي تتعلق بالمال؛ كالقرض، والسَّلَم، والإجارة، والرهن، والوقف، وغير ذلك، كل ما يتعلق بالمال فبينته واحد من أمور ثلاثة؛ وهي: رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي.

وسبق لنا: هل تجزئ المرأتان عن الرجل فيما إذا كان هناك يمين للمدعي؟ ذكرنا أن شيخ الإسلام يرى أنها تجزئ.
وكذلك لو كان أربع نساء، هل تجزئ شهادتهن بدل الرجلين؟ ذكرنا أن في ذلك خلافًا، وأن الراجح قبول ذلك، وأنها تجزئ.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (أو رجل ويمين المدعي).
أما رجلان أو رجل وامرأتان فدليلهما قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]. وأما رجل ويمين المدعي فدليله حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين (10)، قضى؛ يعني: حكم بالشاهد واليمين، وحكم الرسول عليه الصلاة والسلام حكم ودليل؛ لأنه مشرع عليه الصلاة والسلام.
وهل يُقَدَّم الشاهد أو تُقَدَّم اليمين؟ سبق أنه يُقَدَّم الشاهد، فنقول للمدعي: أحضر الشاهد، شهد، نقول: احلف، فلو حلف قبل إحضار الشاهد لم يجزئ، وإنما كان الأمر كذلك؛ لأنه إذا أتى بشاهد فالنصاب لم يتم، نصاب الشهادة لم يتم، لكن ترجح جانبه -أي: جانب المدعي- بإحضار هذا الشاهد، ولما ترجح جانبه صارت اليمين في جانبه؛ لأن اليمين إنما تشرع في جانب أقوى المتداعيين؛ ولهذا مر علينا في القسامة أن اليمين تكون في جانب المدعي؛ لأن معه قرينة ظاهرة تدل على صدقه.
ثم قال رحمه الله تعالى: (وما لا يطَّلع عليه الرجال غالبًا)، قوله: (غالبًا) احترازًا من النادر؛ لأن الرجال قد يطلعون على ما ذكره، لكن الغالب أن الذي يطَّلع على هذه الأمور النساء.

وقوله: (ما) هنا اسم موصول، خبره قوله: (يُقْبَل فيه شهادة امرأة) يعني: الذي لا يطَّلع عليه الرجال غالبًا، (كعيوب النساء تحت الثياب) مثل برص أو نحوه، فعيوب النساء تحت الثياب لا يطَّلع عليها إلا النساء غالبًا، فإذا شهدت امرأة أن هذه الزوجة التي تزوجها الرجل فيها برصٌ تحت ثيابها حكم بثبوته، وحينئذٍ يكون للزوج الفسخ، الخيار، فيفسخ ويرجع بالمهر على من غَرَّه، كما سبق.
كذلك أيضًا (البكارة والثُّيُوبَة) البكارة والثيوبة قد يحصل نزاع بين الزوج والزوجة في كونها بكرًا أم ثيبًا، فشهدت امرأة بوجود البكارة، فتُقْبَل شهادتها في ذلك؛ لأن هذا لا يطَّلع عليه إلا النساء غالبًا، أو شهدت بأنها ثيب فإنها تُقْبَل شهادتها؛ لأن هذا لا يطَّلع عليه إلا النساء غالبًا.
لكن كيف الثيب؟ كيف يعني الدعوى؟ ادعت المرأة أن زوجها لا يقدر على الجماع، فقال الزوج: إنه يقدر، وإنه جامع فعلًا.
نأتي بامرأة تطَّلع على المرأة، اطلعت على المرأة فوجدتها ثيبًا، نحكم بأنها موطوءة ولَّا لا؟ نحكم بأنها موطوءة.
كذلك العكس: لو ادَّعى الرجل أن المرأة ليست بكرًا، وقد اشترط أنها بكر، فقالت هي: بل هي بكر، فأتت بامرأة تشهد، فإننا نقبل شهادتها.
(والحيض) الحيض لا يطَّلع عليه إلا النساء غالبًا، أليس كذلك؟ ولهذا الإنسان لا يعرف أن أمه حائض، ولا أن أخته حائض، ولا عمته، ولا جدته، الذي يطَّلع هن النساء، تجد المرأة تعرف أن هذه المرأة حائض، وأما الرجال فلا يعرفون.
والوِلادةِ، والرَّضاعِ والاستهلالِ ونحوِه تُقْبَلُ فيه شَهادةُ امرأةٍ عَدْلٍ، والرجلُ فيه كالمرأةِ، ومَن أَتَى برَجُلٍ وامرأتينِ أو شاهدٍ ويمينٍ فيما يُوجِبُ القَوَدَ لم يَثْبُتْ به قَوَدٌ ولا مالٌ، وإن أَتَى بذلك في سَرِقَةٍ ثَبَتَ المالُ دونَ القَطْعِ، وإن أتَى بذلك في خُلْعٍ ثَبَتَ له الْعِوَضُ، وتَثْبُتُ البَينونةُ بِمُجَرَّدِ دَعواهُ.
(فصلٌ)

ولا تُقْبَلُ الشهادةُ على الشهادةِ إلا في حقٍّ يُقْبَلُ فيه كِتابُ القاضي إلى القاضي، ولا يُحْكَمُ بها إلا أن تَتَعَذَّرَ شَهادةُ الأَصْلِ بموتٍ أو مَرَضٍ أو غَيبةٍ مسافةَ قَصْرٍ، ولا يَجوزُ لشاهدِ الفرْعِ أن يَشهدَ إلا أن يَسْتَرْعِيَه شاهدُ الأصلِ, فيقولَ: اشْهَدْ على شَهادتِي بكذا.
أو يَسمَعَه يُقِرُّ بها عندَ الحاكمِ أو يَعْزُوَها إلى سببٍ من قَرْضٍ أو بيعٍ أو نحوِه، وإذا رَجَعَ شُهودُ المالِ بعدَ الْحُكْمِ لم يُنْقَضْ ويَلْزَمُهم الضمانُ دُونَ مَن زَكَّاهُم، وإن حَكَمَ بشاهدٍ ويَمينٍ ثم رَجَعَ الشاهدُ غَرِمَ المالَ كُلَّه.

(بابُ اليمينِ في الدعاوَى)

لا يُسْتَحْلَفُ في العباداتِ ولا في حُدودِ اللهِ، ويُسْتَحْلَفُ الْمُنْكِرُ في كلِّ حقٍّ لآدَمِيٍّ إلا النكاحَ والطلاقَ والرَّجْعَةَ والإيلاءَ وأَصْلَ الرِّقِّ والولاءَ الحيض نحتاج إلى الشهادة فيه عندما تدَّعي المرأة أن عدَّتَها انقضت في وقت قصير يَبْعُد أن تنقضي العدة بمثله، فهنا نحتاج إلى بينة تشهد بأن عدتها انقضت بالحيض.
(الولادة) مثلُها أيضًا، لا يطَّلِع على الولادة إلا النساء غالبًا؛ مثل أن تدعي المرأة أنها ولدت وأسقطت، والزوج يقول: لا، وتأتي بامرأة تشهد بأنها أَسْقَطَت ولدًا، فتُقْبَل شهادة امرأة واحدة.
(والرضاع) بأن تشهد امرأة على أن هذا الطفل رَضَع من فلانة خمس رضعات، فتُقْبَل شهادة المرأة الواحدة، حتى وإن كان على فِعْلِها؛ لو شهدت امرأة بأنها أرضعت فلانًا فإنه تقبل شهادتها.
قال: (والاستهلال)، أيش الاستهلال؟ الاستهلال: صُراخ المولود، هذا الاستهلال.

فإذا ادَّعت أن الولد استهلَّ وأنكَرَ غيرها، وأتت بامرأة تشهد بذلك قُبِلَت شهادتها؛ مثاله: امرأة مات عنها زوجها وهي حامل، ولزوجها أخ شقيق، فولدت هذه المرأة ذَكَرًا، إن استَهَلَّ حَجب الأخَّ الشقيق، وإن لم يستهلَّ فإن العصب أو التعصيب للأخ الشقيق، إذا استهل يكون للزوجة الثُمُن، وللمولود هذا الباقي ثم ترجع ترث منه؛ لأنها أمه، وإن لم يَسْتَهِل فللزوجة الربع والباقي للأخ الشقيق الذي هو عَمُّ الجنين، فأتت بامرأة تشهد بأن هذا الطفل لمَّا نزل من بطن أمه صرخ، فتُقْبَل الشهادة ويرث الطفل.
قال: (ونحوِه)؛ مثل عيوب النساء كالقَرَن، والعَفَل، والفَتَق، والاستحاضة، وغير ذلك مما لا يطَّلِع عليه إلا النساء.
يقول: (يُقبَلُ فيه شهادةُ امرأةٍ عَدْلٍ)، (يُقْبَل فيه) أي: في هذا الذي لا يطَّلِع عليه إلا النساء غالبًا (شهادةُ امرأةٍ عدل).
قوله: (عدل) لماذا لم يقل: (عدلة)؟ لأن (عَدْل) مصدر، والمصدر لا يُؤنث، قال ابن مالك: وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرًا فَالْتَزَمُوا الِإفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَا

الجراحة أو الضَّرب أو العدوان في حفل العرس وليس فيه إلا النساء؟ كذلك لا يطلع عليه إلا النساء، فتُقْبَل فيه شهادةُ امرأة.
قال: (والرجل فيه كالمرأة)، معلوم إذا شَهِدَ به الرجل قُبِل من باب أولى؛ لأن شهادة الرجل أقوى من شهادة المرأة، وإنما سومح بشهادة المرأة؛ لأن الغالب أن الرجال لا يطَّلعون على ذلك، فإذا قُدِّر أن رجلًا اطَّلع على هذا فإنه يُقْبَل.
ما هو الدليل لهذه المسألة؟ الدليل قصة المرأة التي شهدت أنها أرضعت المرأة وزوجها، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بفراقها وقال: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ » (1). ثم ذكر المؤلف ثلاث مسائل؛ واحدة يتبعض فيها الحكم بمقتضى الشهادة، والثانية يتبعض بمقتضى الإقرار والشهادة أيضًا، والثالثة لا يتبعض، فقال رحمه الله:

(ومن أتى برجل وامرأتين أو شاهدٍ ويمينٍ فيما يوجب القَوَد لم يثبُت به قَودٌ ولا مال).
شوف، أتى برجل وامرأتين فيما فيه قود، لم يثبت به قود ولا مال؛ مثل: أتى شخص برجل وامرأتين يشهدون بأن فلانًا قاتِلُ هذا الرجل عمدًا، فهنا لا نَقْبَل شهادتهم، ولا يثبت المال؛ لأن هذا من باب القصاص الذي لا يُقْبَل فيه إلَّا رجلان، والمال فرع عن القصاص، فالأصل في العمد هو القصاص.
أتى برجل وامرأتين في مُوضِحَة، يُقْبَل ولَّا لا؟ لا يُقْبَل؛ لأن المُوضِحة فيها قصاص.
أتى برجل وامرأتين في دامغة يُقْبَل.
أولًا: ما هي المُوضحة؟ الموضحة: الشجة في الرأس أو في الوجه التي تُبْرز العظم، توضح العظم؛ هذه موضحة، هذه فيها قصاص؛ لأنه يمكن أن نقتص من الجاني.
الدامغة التي تُوضِح العظم، وتهشمه، وتكسره وتَنْقُل العظام حتى تصل إلى أُمِّ الدماغ، المخ الذي في باطن العظم؛ هذه نسميها دامغة.
طالب: (... ). الشيخ: لا، نسَمِّيها مأمومة، والدامغة هي التي تصل إلى أم الدماغ.
هذه ليس فيها قصاص، فإذا أتى بشاهد ويمين أو برجل وامرأتين فإن الشهادة تُقْبَل، وهذا من الغرائب، لو قيل لك: أيهما أعظم الموضحة، أو المأمومة؟ المأمومة أشدُّ، ومع ذلك المأمومة تُقْبَل الشهادة فيها، والموضحة لا تقبل.
رجل جَنَى على شخص بشجَّة في رأسه أوضحت العظم ولم تتجاوز العظم، فأتى برجل وامرأتين يشهدون أنه شجه في رأسه بهذه الموضحة، فلا تُقْبَل الشهادة.
لماذا؟ لأن الموضحة توجب القصاص، والقصاص ليس بمال.
مثال آخر: رجل ادَّعى على شخص أنه جَرَحه حتى وصل إلى أم دماغه، وأتى بشاهد وامرأتين، برجل وامرأتين.
تُقْبَل الشهادة؟ تقبل الشهادة.
لماذا؟ (... ) والواجب فيها المال، والمال يَثْبُت برجل وامرأتين.
إذن يقول المؤلف: (لم يَثْبُت به قَوَد ولا مال، وإن أتى بذلك في سرقةٍ ثَبَتَ المالُ دون القَطْعِ).

هنا تبعَّض الحكم؛ (إن أتى بذلك) أي: برجل وامرأتين، أو رجل ويمين المدعي؛ ثبت المال دون القطع، إذا أتى به في سرقة، قال: إن فلانًا سَرَق مني مئة درهم.
قلنا له: هات الشهود، فأتى برجل وامرأتين يشهدون بأن فلانًا سرق من فلان مئة درهم.
السرقة توجب شيئين: توجب الحد؛ وهو قطع اليد، وتوجب ضمان المال للمسروق منه، هذا الرجل المسروق منه أتى برجل وامرأتين يشهدون بأن فلانًا سرق منه، ماذا نقول؟ طالب: تُقْبَل في السرقة.
الشيخ: يثبت المال دون القطع؛ يعني: أننا لا نقطع السارق ونضمِّنه المال.
كيف؟ يعني: فعْل واحدٌ يوجب شيئين نثبت أحدهما دون الآخر؟ ! لأن هذا الفعل؛ السرقة يوجب -كما قلت- الحد والضمان؛ الحد لله والضمان للمسروق منه، وهنا قلنا: إنه يثبت المال ولا يثبت القطع.
لماذا؟ نقول: لأن المال وجد فيه نصاب البينة.
ويش بينة المال؟ رجل وامرأتان، وقد وجدوا فثبت.
وأما القطع فهو حَدٌّ لا يثبت إلا برجلين، ولم يوجد رجلان.
وعلى هذا فنصاب الشهادة به لم يتم، وهنا تبعَّض الحكم.
وهكذا القواعد الشرعية: أن الأحكام تتبعض، فما وُجِدَ سببه ثبت، وما لم يوجد لم يثبت.


قال: (وإن أتى بذلك في خُلْعٍ ثَبَت له العِوَض، وتَثْبُت البينونة بمجرد دعواه).
هذا رجل ادعى أن زوجته خالعته بخمسة آلاف.
أتعرفون المخالعة؟ أن يفارقها بعوض؛ ادَّعى أنها خالعته بعشرة آلاف، قلنا له: هات البينة.
أتى برجل وامرأتين.

نقول: يثبت المال ولا يَثْبُت الخلع بالشهادة، يثبت المال لوجود بينة المال، وهي رجل وامرأتان، ولا يثبت الخلع بالشهادة؛ لأن الخلع لا بد فيه من رجلين، ولكن يثبت بطريق آخر وهو إقراره به؛ لأنه ادَّعى أنها خالعته، يكون مقرًّا بذلك ولَّا لا؟ يكون مقرًّا بذلك؛ ولهذا قال: (تَثْبُت البينونة بمجرد دعواه)، شوف بمجرد دعواه تثبت البينونة؛ لأنه لما قال: إنها خالعته، خلاص، الخُلْع يقتضي البينونة؛ أنها لا تحل له إلا بعقد، فهنا الحكم تَبَعَّضَ ولَّا اتفق، لكن بسببين؟ اتفق لكن بسببين؛ المال بسبب الشهود؛ الرجل والمرأتين، والبينونة بإقراره؛ لأنه دعوى وإقرار.
لو ادعى أنها خالعته بعشرة آلاف ريال، وليس عنده إلا امرأة أو امرأتان وأتى بهما، ماذا يثبت؟ طالب: الخلع.
طالب آخر: مقابل الخلع.
الشيخ: لا، لا يثبت المال؛ لأنه لم تتم بينته؛ ما عنده إلا امرأتان، على المذهب ما تكفي، المرأتان لا تكفيان لليمين.
الخلع يَثْبُت؟ طلبة: نعم.
الشيخ: بأيش؟ طلبة: بإقراره.
الشيخ: بإقراره؛ لأنه هو الآن مُقِرٌّ أن المرأة مخالعة وأنها لا تَحِلُّ له؛ يعني: كيف الدقة في الأحكام، ولَّا كان يجيء واحد يقول: كيف تقولون: إنه الآن يثبت الخلع وهو ما أُعطي شيئًا؟ ! نقول: نعم؛ لأنه الآن دعواه الخلع تتضمن شيئين؛ تتضمن إقرارًا على نفسه بالبينونة، ويش بعد؟ ودعوًى على المرأة بالعِوَض؛ الدعوى على المرأة بالعِوَض ما وجدنا بينة، والإقرار بأنها بانت منه نحكم به.
لو ادَّعت هي الخلع؛ ادَّعت أن زوجها خالَعها بعشرة آلاف ريال، وأتت برجل وامرأتين؟ طالب: لا يُقْبَل.
الشيخ: لا يقبل؟ طالب: نعم.
الشيخ: ولا يثبت الخلع؟ طالب: ولا يثبت الخلع.
الشيخ: إي نعم، ولا المال؛ لا يثبت الخلع؛ لأن ثبوت المال عليها فرع عن ثبوت الخلع، والخلع هنا لم يثبت، فصار الخلع إذا ادعاه الرجل وأتى برجل وامرأتين، ما الحكم؟ طالب: المرأة ادعت؟

الشيخ: الرجل ادعى أنه خالع زوجته بعشرة آلاف ريال، وأتى برجل وامرأتين، ويش اللي يثبت؟ الطالب: يثبت الخلع ويثبت المال.
الشيخ: يثبت المال لماذا؟ الطالب: لأنه تم النصاب.
الشيخ: نصاب الشهادة؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: والخلع، ويش اللي ثَبَّته؟ الطالب: إقراره.
الشيخ: إقراره.
أتت به المرأة؟ طالب: أتت به المرأة؟ الشيخ: إي نعم.
المرأة ادعت الخلع على زوجها وأتت برجل وامرأتين، ويش اللي يثبت؟ الطالب: المرأة التي خالعت زوجها.
الشيخ: هي أتت، الآن قالت: إن زوجي هذا مخالعني البارحة، تخانقت أنا وإياه واتفقنا على أنه بيعطني عشرة آلاف ويفكني، وقال: نعم، خالعتك على عشرة آلاف ريال، وجاءت برجل وامرأتين، ويش تقول؟ خلاص نفرِّق بينهما؟ الطالب: نفرق بينهما.
الشيخ: جازم؟ الطالب: جازم.
طالب آخر: لا يثبت يا شيخ.
الشيخ: لا يثبت؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأن الأصل في شهادة المرأة في الخلع أن يشهد له رجلان.
الشيخ: لا مدخل للنساء في الشهادة بالخلع، وحينئذ لم يثبت الخلع فلا يثبت عوضه.


ثم قال المؤلف: (فصل).
هذا الفصل عقده المؤلف رحمه الله للشهادة على الشهادة، ولا يَبْعُد عن أذهانكم تذكُّر كتاب القاضي إلى القاضي؛ هنا فرعان: فرع في الحكم في كتاب القاضي إلى القاضي، وفرع في الشهادة وهو الشهادة على الشهادة.
الشهادة على الشهادة نحتاج إليها، متى؟ لنفرض أن الشهود في مكان بعيد عن مكان القضاء؛ في بادية، والشهود لا يتمكنون أن يذهبوا إلى القاضي.
هذه واحدة.
ثانيًا: ربما يكون الشهود مَرْضَى، هم في البلد لكن مرضى لا يستطيعون الحضور، نحتاج إلى الشهادة على الشهادة، ولَّا لا؟ نحتاج إلى الشهادة على الشهادة.
ربما يكون الشهود الأصل يخافون على أنفسهم إذا شهدوا، فنحتاج إلى الشهادة على الشهادة.
رابعًا: ربما يكون المشهود عليه مِنْ أقارب الشاهد الأصلي، ولا يُحِب أن يتظاهر أمام الناس أنه شاهد عليه، فيحمِّلُ الشهادةَ غيرَهُ.

هذه أربعة أسباب، وربما يكون هناك أسباب أُخَر، المهم أن الحاجة؛ بل الضرورة أحيانًا تدعو إلى الشهادة على الشهادة.
مثالُ الشهادة على الشهادة: أنا أشهد أن زيدًا يطلب عَمرًا مئة ريال، فقلت لآخر: اشْهَد على أني أشهد على أن لزيد على عمرٍو مئة ريال، أو اشهد على شهادتي على عمرو؛ لأن المقصود المعنى، الصياغة ما يهم، المقصود المعنى، فأحملك شهادتي عليه للأسباب التي ذكرناها.
هل الشهادة على الشهادة تجوز في كل شيء؟ لا، بل لا بد فيها من شروط.
يقول: (لا تُقْبَل الشهادةُ على الشهادة إلا في حقٍّ يُقْبَل فيه كتاب القاضي إلى القاضي).
هذا شرط؛ يُشْتَرط للشهادة على الشهادة أن تكون فيما يُقْبَل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وقد سبق أن كتاب القاضي إلى القاضي لا يكون إلا في حقوق الآدميين، أما حقوق الله كالحدود فلا يُقْبَل أن يكتُب القاضي إلى القاضي.
وسبق أيضًا هناك أن القول الراجح صحة كتاب القاضي إلى القاضي حتى في الحدود، وأن هذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإذا كان هذا فرعًا على ذاك فيكون الصحيح هنا صحة الشهادة على الشهادة في الحدود وغيرها.
المهم خذ الشرط الأول؛ الشرط الأول ما هو؟ أن تكون الشهادة على الشهادة في حقٍّ يُقْبَل فيه كتاب القاضي إلى القاضي وهو حق الآدميين.
إذن لو أن رجلًا شهد بقذف، شهد أن فلانًا قذف فلانًا، فقال: أنت زانٍ، وأراد أن يُحمِّل غيره هذه الشهادة، فما الحكم؟ لا تُقْبَل.
طالب: على المذهب يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم، على المذهب، نفرِّع الآن على المذهب؛ لماذا؟ لأنه لا يُقْبَل فيه كتاب القاضي إلى القاضي.
طالب: يا شيخ (... )؟ الشيخ: نعم، يُغَلِّبون فيه الحدود، يدخلونه في الحدود.

ما هي العلة؟ سبق لنا أن العلة في ذلك هو درء الحدود بالشبهات، هذه العلة؛ درء الحدود بالشبهات، ولكن سبق في كتاب الحدود أن هذا الحديث فيه مقال، وأن الشبهات التي أُمِر بدرء الحدود فيها هي التي يُشتَبه في ثبوت مُقْتضِي الحد، وأما أنها كل شبهة فلا.
الشرط الثاني، قال: (ولا يُحْكَم بها إلا أن تتعذَّر شهادة الأصل بموتٍ أو مرضٍ أو غَيبةٍ مسافةَ قصر).
هذا الشرط الثاني؛ أن تتعذر شهادة الأصل، فإن أمكن فإنها لا تُقْبَل الشهادة على الشهادة؛ لماذا؟ لسببين؛ السبب الأول: التطويل؛ لأنك في الشهادة على الشهادة ستحتاج إلى تعديل الأصل والفرع، أو لا؟ وفي الشهادة الأصلية الأصل فقط، أما هذه فستحتاج إلى تعديل الأصل والفرع.
الشرط الأول فهمتموه ولَّا لا؟ أيش الشرط الأول؟ الشرط الأول أن تكون الشهادة على الشهادة في حقوق الآدميين، وإن شئت فقُلْ: في الذي يُقْبَل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وتخلي المسألة محولة على ذلك، كما عبر المؤلف.
الشرط الثاني: تعذَّر الحكم بشهادة الأصل لسببين؛ السبب الأول: أن ذلك يحتاج إلى تطويل، مثلًا: زيد وعمرو يشهدون يبغون يحمِّلون الشهادة بكرًا وخالدًا، هذا الشهادة على الشهادة؛ الاثنان ها دولا يحملون أيضًا اثنين، عند الحكم بشهادة الاثنين سنحتاج إلى تعديل الأصل، من هما الأصل؟ زيد وعمرو، والفرع وهما بكر وخالد، فتطول المسألة، ومعلوم أنه إذا أمكن الاختصار فلا حاجة للتطويل.
أليس كذلك؟ ثانيًا: أنه في التحمُّل ربما يُزاد في الشهادة أو يُنْقَص، احتمال السهو من أربعة أقرب من احتماله من اثنين كذا ولَّا لا؟ فلهذا يكون مع التطويل احتمال التغيير؛ تغيير الشهادة؛ لأن الاثنين اللذين حُمِّلا الشهادة قد يخطئان؛ ولهذا لا يُعْدَل إلى الفرع مع وجود الأصل، فلا بد من أن تتعذَّر شهادة الأصل.
يمكن أن نُشَبِّهَ هذه بالماء والتراب في الطهارة فنقول: إذا وُجد الماء فلا تيمم.

طالب: يا شيخ، كيف حكمنا على الخالع اللي خالع الزوجة؛ قال: إني خالعتك على عشرة آلاف.
حكمنا عليه بالخلع ولَّا حكمنا بالمقتضى عليه؛ لأنه قال: عشرة آلاف؟ كيف المسألة؟ الشيخ: نعم؛ نقول: الآن تعتقد أنها لا تحل لك.
سدا؟ الطالب: بمقتضى عشرة آلاف.
الشيخ: لا، الآن الدعوى عليك دعوى منك على المرأة؛ أنت مُقِرٌّ، لكن المرأة ترى أنت الآن أنها ظلمتك في هذه، أنت الآن ترى أن المرأة قد ظلمتك بجحودها ونكولها، ولَّا تقول: لا أزال أعتقد أن في ذمتها لي عشرة آلاف ريال.
الطالب: نعم، (... ). الشيخ: ما نقول: حكمنا، لو يُعْطى الناس بدعواهم لادَّعى رجالٌ دماء قوم وأموالهم، هذا الرجل الآن في هذه الدعوى يُقِرُّ بشيء ويدَّعي شيئًا، ويش يُقِرُّ؟ طالب: يُقِرُّ بأنه خلع.
الشيخ: يقر بأنه خالع الآن، وأن المرأة لا تحلُّ له، ويدَّعي أن عليها دراهم.
طالب: الشهود يُقَوُّون جانب المرأة.
الشيخ: بس، الشهود وجودهم كالعدم على رأي مَنْ لا يعتبر المرأتين برجل مطلقًا.
طالب: لو أن (... ). الشيخ: إذا تعارضت البينتان؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: تعارضت البينتان، سيأتينا إن شاء الله في الباب اللي بعد هذا.
طالب: (... ). الشيخ: هما غلَّبوا جانب الحدود؟ ما غلَّبوا جانب الحد في باب القاضي؟ أقول: هل تُقْبَل في كتاب القاضي إلى القاضي ولّا لا؟ الطالب: إي، تُقْبَل.
الشيخ: إذا كان تُقْبَل تقبل هنا، لكن ما هي من الحدود.
الطالب: (... ). الشيخ: إي نعم؛ لأن الحدود ما تُقْبَل فيها كتاب القاضي إلى القاضي، كل الحدود سواء كانت حدَّ قذف أو كانت حدَّ زنا أو سرقة ما تُقْبَل في كتابته.
الطالب: (... ) القاضي إلى القاضي؟ الشيخ: هذا على المذهب، القول الثاني أن الحدود ما تُقْبَل مطلقًا.

طالب: شيخ، المؤلف ذكر البكارة والثيوبة والحيض، إذا كان الدليل على هذه المسائل في المرأة التي شهدت أنها أرضعت الزوج وامرأته (1). أقول: وجه اتفاق الدليل على هذه المسائل المتعددة؟ الشيخ: لأن الرضاع لا يطلع عليه إلا النساء، فهذه تُشْبِهُه من باب القياس.
طالب: بالنسبة (... ) لو أن رجلًا دعا قتل آخر وأتى بشاهد.
الشيخ: لو دعا.. ؟ الطالب: لو أن رجلًا (... ) برجل وامرأتين؛ قلنا: لا يثبت لا الحد ولا المال.
الشيخ: لا القصاص ولا المال.
الطالب: ما الفرق بينها وبين السرقة؟ السرقة: المال مبني على ثبوت السرقة؛ يعني: ثبوت الحد وهو قطع اليد، فما الفرق بينهما؟ ولم يُقْبَل في المال ولا يُقْبَل في قطع اليد، فما الفرق بينهما؟ الشيخ: الفرق أن السرقة توجب شيئين؛ توجب مالًا استقلالًا وتوجب قطعًا، أما القود فهو يوجب أحد أمرين؛ إما القصاص وإما المال، والمال فرع عن القصاص (... ).


الطالب: يقول المؤلف رحمه الله تعالى: ولا يجوزُ لشاهدِ الفَرْعِ أن يَشهدَ إلا أن يَسترعيَه شاهدُ الأصلِ، فيقول: اشْهَدْ على شَهادتي بكذا، أو يَسْمَعُه يُقِرُّ بها عند الحاكم، أو يَعْزُوها إلى سَبَبٍ من قَرْضٍ أو بيعٍ أو نحوِه.
وإذا رجع شهود المال بعد الحكم لم يُنْقَضْ ويلزمهم الضمان دون من زكَّاهم، وإن حكم بشاهدٍ ويمينٍ، ثم رجع الشاهد غرم المالَ كُلَّه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ذكرنا أن الشهادة على الشهادة قد يُحْتاج إليها، وذكرنا عدة صور من الحاجة إليها.
الطالب: إذا كان شاهد الأصل غائبًا كأن يكون في سفر، أو إذا كان مثلًا في منطقة بعيدة عن مكان الدعوى، أو إذا كان مثلًا مريضًا، أو مثلًا خاف إذا حضر يكون هناك بينه وبين من سيشهد له يكون في نفسه شيء.
الشيخ: يخاف على نفسه؟ الطالب: يخاف على نفسه، نعم.

الشيخ: ما هي الحقوق التي يُقْبَل فيها الشهادة على الشهادة؟ طالب: على المذهب هي الحقوق التي تُقْبَل فيها كتاب القاضي إلى القاضي.
الشيخ: وهذا هو الشرط الأول.
الشرط الثاني؟ طالب: أن تتعذر شهادة الأصل.
الشيخ: نعم، أن تتعذر شهادة الأصل بموت.
الطالب: لسببين؛ بموت أو مرض أو... الشيخ: أو غير ذلك.
الشرط الثالث أن يسترعيَه شاهد الأصل، والاسترعاء أخذُه من الرعاية، ومعناه أن يطلب منه أن يشهد على شهادته، وهو مأخوذ من قولهم: أرعِني سمعكَ، فلا بد أن يَسترعيَ شاهدُ الأصل شاهدَ الفرع بأن يقول: اشهد على شهادتي على فلان بكذا.
فإن سمعه يتحدث بالشهادة دون أن يقول: اشهد على شهادتي فإنها لا تُقْبَل، ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد على شاهد الأصل؛ لأنه من الجائز أن يكون قد تحدث عن شهادته، ولكنه يتحدث عن أمر مضى وانقضى، وصاحب الحق استوفى حقَّه وما أشبه ذلك، وما دام هذا الاحتمال موجودًا فإنه لا يجوز أن يشهد على شهادته.
يعني: يُشْتَرط أن يسترعيَ شاهدُ الأصل شاهدَ الفرع، ومعنى (يسترعيه) أن يقول له: اشهد على شهادتي على فلان، فإن لم يسترعه فلا تُقْبَل شهادتُه ولا يجوز أن يشهد أيضًا؛ لماذا؟ قال: لاحتمال أن شاهد الأصل يتحدث عن شهادة انتهى مفعولها؛ بأن يكون صاحب الحق قد استوفى حقه أو نحو ذلك، وهذا الاحتمال يمنع القطع بالشهادة.
وقال بعض أهل العلم: لا يُشْتَرط أن يَسْتَرْعِيَه، وأنه إذا سمع شخصًا يقول: أشهدُ أن فلانًا له عند فلان كذا وكذا.
ثم مات هذا القائل وقد سمعه بعض الناس، فللسامع أن يشهد مع أنه لم يسترعِه، وردوا التعليل الأول بأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وما دام سمع هذا الرجلُ فلانًا يشهد بحقٍّ على فلان فله أن يشهد عليه، فيقول: أشهد أن فلانًا يشهد بأن على فلان كذا وكذا، ولا يقول: أَشْهَدَني؛ لأنه لم يُشهده، ولكن يقول: أشهد أن فلانًا يشهد على فلان بكذا وكذا.

فإن استرعاه غير الأصل؛ بأن قال صاحب الحق لشخص: تعال اسمع شهادة فلان بحقي على فلان، ثم جاء وشَهِدَ الشاهد بحق فلان على فلان، وتوفي أو غاب، فله أن يشهد أو لا؟ طالب: له أن يشهد.
طالب آخر: لا.
الشيخ: على المذهب ليس له أن يشهد؛ لأن شاهد الأصل لم يسترعه.
وعلى القول الثاني: له أن يشهد، بل القول هنا أقوى من القول بما إذا لم يسترعِه أحد، فصارت الصور الآن ثلاثًا: الصورة الأولى أن يسترعيه شاهد الأصل، وفي هذه الصورة له أن يشهد قولًا واحدًا.
الصورة الثانية أن يسترعيه صاحب الحق؛ يعني: لا الشاهد، وهذه على المذهب لا تجوز، وعلى ما اختاره صاحب المغني والكافي والشرح تجوز؛ يعني: الموفَّق وابن أخيه عبد الرحمن بن أبي عمر: تجوز.
والثالث ألا يسترعيه أحد، لكنه يسمع أن فلانًا يشهد، ففي هذه الحال فيها خلاف، لكن الخلاف فيها أضعف من الخلاف في المسألة الثانية.
والذي يظهر أن القول الأخير الثالث أنه يجوز أن يشهد، لكن لا يقول: أَشْهَدَني فلان، وإنما يقول: أشهد على شهادة فلان بكذا وكذا.
لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وهذا ما شهد بباطل، قال: أشهد أن فلانًا يشهد على فلان بكذا وكذا.
وأحيانًا ربما لا نجد ما يثبت الحق إلا هذه الشهادة.
قال المؤلف رحمه الله: (ولا يجوزُ لشاهدِ الفَرْعِ أن يَشهدَ إلا أن يَسترعيَه شاهدُ الأصلِ، فيقول: اشْهَدْ على شَهادتي بكذا).
من يقول: اشهد على شهادتي؟ شاهد الأصل يقول: اشهد على شهادتي بكذا، أو يقول: اشهد أني أشهد على أن لفلان على فلان كذا، أو ما أشبه ذلك من العبارات، المهم أن يأتي بلفظ يدل على أنه حمَّله الشهادة، يدل على أنه -أي: شاهد الأصل- حمَّل شاهد الفرع الشهادة.
وهل يشترط أن يكون الفرع رجلين فأكثر على أصل واحد أو يكفي على كل أصل فرع؟ نقول: يكفي على كل أصلٍ فرع؛ فزيد وعمرو أصلان، يشهد على زيدٍ بكرٌ، وعلى عمرٍو خالدٌ.
يجوز ولَّا لا؟ يجوز.
طالب: (... ) المذهب؟

الشيخ: نعم.
نقول: هل يُشْتَرط أن يشهَد على كل أصل فرعان أو يكفي لكي أصل فرع؟ نقول: الثاني؛ مثلًا: عبد الرحمن بن داود وخليل بن سندي هذان أصلان يشهدان بأن لفلان على فلان كذا، هذان أصلان.
الفرعان حجاج وياسر، حجاج فرع لعبد الرحمن، وياسر فرع لخليل.
يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ يعني: يجوز أن يكون لكل أصل فرع.
ويجوز أن يكون لكل أصل فرعان؟ طالب: نعم من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى طبعًا.
ويجوز أن يشهد الفرعان على كل أصل؟ يجوز؛ بمعنى أن حجاجًا وياسرًا يشهدان على عبد الرحمن ويشهدان على خليل.
هاتان صورتان: أن يكون لكل أصل فرع؛ أن يكون الفرعان يشهدان على كلا الأصلين.
هل يجوز أن يشهد على الأصلين فرع واحد؟ لا؛ يعني لا يُكتفَى بشهادة واحدة متحمِّل عن أصلين؛ مثل أن يشهد حجاج على عبد الرحمن وخليل، هنا ما نحكم بالشهادة؛ لأنه واحد.
وقيل: يجوز؛ لأن شهادة الفرع خبر وليست أصلًا، فحجاج مثلًا يقول: أخبرني عبد الرحمن وأخبرني خليل بأنهما يشهدان على فلان بكذا.
قالوا: فيُحْكَم بها، لكن في النفس من هذا شيء.
فتكون الصور الآن ثلاثًا أيضًا: فرعان على أصلين، على كل أصل فرع.
فرعان على أصلين على كل واحد منهما، جائز.
فرع على أصل فيه خلاف، والمذهب: لا يجوز، وهو أقرب.
فرعان على كل أصل؟ من باب أولى.
تكون أربع صور، إي نعم.
طالب: باقٍ الفرع على الأصل.
الشيخ: ذكرناه وذكرنا فيه الخلاف، مع أن السؤال هذا في غير محله.
يقول: (أو يسمعه يُقِرُّ بها عند الحاكم أو يعزوها إلى سبب من قرض، أو بيع، أو نحوه).
فهمنا الاسترعاء، ينوب عن الاسترعاء إذا سمع الفرعُ شاهدَ الأصل يشهد بها عند القاضي؛ يشهد وإن لم يسترعه، وهذا ممكن؟

ممكن: رجل (... ) زيد وعمرو، فطلب القاضي من زيد وهو المدعِي بينة، فأتى بشاهد عند القاضي، وشهد بأن لزيد على عمرو كذا وكذا، وهذا رجل حاضر، لم يحكم القاضي، وتفرَّق الخصمان، ومات الشاهد أو تغيب، فهل لمن سمعه يشهد بها عند القاضي أن يشهد؟ يقول المؤلف: نعم، إذا سمعه يقرُّ بها عند الحاكم فليشهد؛ لأن احتمال أن يكون المشهود عليه قد برئ بعيدٌ؛ السبب أنه بعيد لأنهم وصلوا إلى القاضي، كيف يكون برئ منه وهو يشهد عند القاضي والقاضي لمَّا يحكم بعد؟ إذن هذه مسألة؛ الأول الاسترعاء، والثاني أن يسمع شاهدُ الفرع شاهدَ الأصل يشهد بها عند مَن؟ عند الحاكم؛ يعني: عند القاضي.
شيء ثالث: (أو يَعْزوها إلى سبب)؛ يعني: يسمع شاهدُ الفرع شاهدَ الأصل يشهد بأن لفلان على فلان مئة ريال ثمن ناقة؛ بعير يعني، ثمن بعير.
إذن الأصل شهد وعزا شهادته إلى سبب، ما هو؟ أنه ثمن بعير، شراء الناقة؛ إذن يجوز أن يشهد؛ لأنه لما عزاها إلى سبب ثبتت بهذا السبب، والأصل عدم زوال السبب، الأصل بقاؤه.
فصار الآن هذا الشرط لا بد فيه من أحد أمور ثلاثة؛ هي: الاسترعاء، السماع عند القاضي، أن يعزوها إلى سبب؛ يعزوها أي: شاهد الأصل يعزو شهادته إلى سبب.
قال المؤلف: (مِنْ قرض أو بيعٍ أو نحوِه).
(قرض) بأن يَسْمَع شاهدُ الفرع شاهدَ الأصل يقول: أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم قرضًا، ثم مات الشاهد، فهل لمن سمعه أن يشهد بشهادته؟ الجواب: نعم؛ لماذا؟ لأنه عزاها إلى سبب، قال: قرضًا.
أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم ثمن بعير، يشهد؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه عزاها إلى سبب.
أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم أجرة بيت؛ يشهد.


يقول رحمه الله: (وإذا رجع شهود المال بعد الحكم لم يُنقَض، ويلزمهم الضمان دون مَنْ زكَّاهم).

(إذا رجع شهود المال) يعني: الذين شهدوا بمال لشخص على آخر، رجعوا بعد أن شهدوا، فلا يخلو إما أن يكون قبل الحكم أو بعد الحكم، قبله أو بعده، وهناك حال ثالثة: بعد الاستيفاء؛ فهنا الآن ثلاث حالات: قبل الحكم، بعده وقبل الاستيفاء، بعد الاستيفاء؛ يعني بعد الحكم والاستيفاء.
إذا رجعوا قبل الحكم، فهؤلاء لا ضمان عليهم ولا يُحكَم بشهادتهم؛ مثل: أن يَدَّعي زيد على عمرٍو عشرة آلاف ريال، ويقول: مَنْ شهودك؟ فيقول: عندي شهود اثنان؛ يقوله زيد، وأتى بالشاهدين عند القاضي، ولما صار القاضي يكتب شهادتَهما رجعا، كأنهما كانا شاهدي زور، ثم لما رأيا أن الأمر خطير تراجعا، المهم: رجعا عن الشهادة قَبْلَ حكم القاضي فقالا مثلًا: توهَّمنا أو نسينا أنه قد أوفاه مثلًا، أو ما أشبه ذلك، المهم أن يرجعا لأي سبب كان، فهنا لا يجوز للقاضي أن يحكم بشهادتهما، ولكن هل يُعزَّر هذان الشاهدان الراجعان؟ طالب: حسب شهادتهما.
طالب آخر: يُنْظَر.
الشيخ: يُنْظَر؛ لأنهما قد يتوهمان بأن زيدًا هو الذي شهدا له وهو عمرو، قد ينسيان، المهم إذا لم يُعْلَم أنهما شهدا بزور فلا يُعزَّران.
شهدا بالمال وحكم القاضي بشهادتهما، وقال للمدعِي: حَكمتُ لك على خصمك بكذا وكذا، ثم رجع الشاهدان، فهنا لا يُنقَض؛ لأنه تم.
ولو أننا نقضنا أحكام الحكَّام بمثل هذا لصارت أحكام الحكام لُعبة، لا سيما في زمننا الحاضر، لكان كُلُّ مَنْ حُكِمَ عليه يذهب إلى الشاهدين، ويقول: تعالا، فلان معطيكم شيئًا؟ قالا: لا، ما أعطانا شيئًا، لكن شهدنا بالحق، قال: أنا بأعطيك مثلًا كذا وكذا من الدراهم، فلما قال هذا الكلام تراجعا عن الشهادة، يمكن هذا؛ يعني: كما يمكن لشهداء الزور أن يشهدوا بما لم يكن، يمكن أن يرجعا عما شهدا به.
أقول: لو أننا نقضنا الحكم برجوع الشهود لصارت أحكام القضاة ألعوبة بيد الشهود، فلا يُنْقَض الحكم.

إذا كان بعد الاستيفاء؛ يعني: شهد الشاهدان، وحكم القاضي، واستوفى المحكوم له حقه يُنْقَض أو لا؟ لا ينقض من باب أولى؛ لأنه إذا كان لا يُنْقَض بعد الحكم وقبل الاستيفاء فألا ينقض بعد الاستيفاء من باب أولى.
لكن قال الفقهاء: لو رجع الشاهدان بقصاص بعد الحكم وقبل الاستيفاء لم يُقتَص من المشهود عليه؛ لأن القصاص خطير، لكن تجب الدية، فصار هنا ينقض من وجه ولا ينقض من وجه آخر؛ من جهة القصاص يُنْقَض لعظمه وخطره، من جهة المال التي هي الدية لا يُنْقَض، وهذا هو الذي جعلني أقول: إن الرجوع إما أن يكون قبل الحكم، أو بعده وقبل الاستيفاء، أو بعد الاستيفاء.
ويش اللي يختلف فيه الحكم بينما إذا رجعا بعد الحكم وقبل الاستيفاء؟ القصاص، إذا شهدا بما يوجب القصاص ثم رجعا ولو بعد الحكم فلا قصاص، لكن تلزم الدية؛ دية ذلك العضو الذي شهدا بأنه مستحِقٌّ للقصاص أو مستحَقٌّ في القصاص.
يقول: (ويلزمهم الضمان) يلزم مَن؟ الشاهدان، يلزمهم الضمان في الحال التي يحكم فيها؛ إن كان مالًا فمال، وإن كان غير مال فغير مال، لكن ذكرنا الآن أنهما إذا رجعا قبل الحكم في القصاص فإنه لا ضمان.
إذا رجعا بعد الحكم في القصاص، يحكم؟ نعم، يُقْتَص منهم إذا رجعوا، لكن بشرط أن يقولوا: عمدنا ذلك، فحينئذ يُقْتَص منهم، لو رجع الشهود بما يوجب القصاص بعد القصاص، ثم قالوا: والله إحنا عمدنا أن نشهد بذلك لتقص يد هذا الرجل، حينئذٍ نقول: تقص أيديهم.
إذن إذا رجع شهود المال قبل الحكم فلا حكم ولا ضمان، إذا رجعوا بعد الحكم وقبل الاستيفاء ثبت الحكم وعليهم الضمان، وصاحب الحق يأخذ منهم ولَّا ممن حكم عليه؟ يأخذ منهم لا ممن حكم عليه.
إذا رجعوا بعد الحكم والاستيفاء، فالحكم لا يُنْقَض وعليهم الضمان، من اللي يأخذه منهما في هذه الحال؟ طالب: صاحب المال.
الشيخ: لا، المحكوم عليه؛ لأن صاحب الحق استوفى حقه، يُضَمِّنُهم المحكوم عليه.

قال المؤلف: (دون من زكَّاهم)، يعني: أما مَن زكَّى الشهود فلا يضمن، لماذا؟ لأن المباشِر للتلف أو الغُرم مَنْ؟ الشهود هم المباشرون؛ ولهذا المزكون يقولون: نحن ما نشهد بهذا، لكن نزكي الشهود.
مثاله: ادعى زيد على عمرو بألف ريال، وتحاكما عند القاضي، وشهد شاهدان بأن زيدًا له على عمرٍو ألف ريال، لما أدلى الشاهدان بشهادتهما قال القاضي: من يزكِّيكما؟ فجاء رجلان فزكَّياهما، ثم حكم القاضي، ثم رجع الشهود.
من الذي يُضمَّن؟ الشهود.
والمزكون لا يضُمَّنون؛ لأن الحكم إنما حصل مباشرة بشهادة الشهود، أما المزكون يقولون: كيف تضمنوننا؛ إحنا ما شهدنا؟ ! إحنا شهدنا بأن هؤلاء مزكون، ونحن لا زلنا نشهد بذلك، وحينئذٍ يكون الضمان على الشهود قال: (دونَ من زَكَّاهم).
الضمان على الشهود، لكن لو فُرِضَ أن المشهود له صَدَّق الشهود، فهل يرجع عليهم؟ يعني: مثلًا المشهود له شهد عليه الرجلان.
طلبة: (... ). الشيخ: لا، المشهود له شهد له الرجلان، ثم لما شهد له الرجلان حُكِمَ له، ثم رجعا وصدَّقهما في الرجوع، المشهود له صدقهما في الرجوع؛ فالمال الذي حُكِمَ له به يكون حرامًا عليه بإقراره، وحينئذٍ لا يرجع.
لو قال: نعم، أنا أشهد أن شهادتكما هي صحيحة.
نقول: إذن لا ترجع عليهما؛ لأنك الآن صدقتهما بماذا؟ بالرجوع، هو أقرَّ بصحِّة رجوعهما؛ إذن ليس عليه شيء، يعني: لا يرجع عليهما.

جارٍ التحميل