ما هو العقل الذي نفاه الله سبحانه وتعالى عن المشركين، أهو عقل إدراك أم عقل الرشد؟
عقل الرشد، أما عقل الإدراك فإنهم عقلاء من حيث الإدراك؛ ولهذا يُطَالَبون بالإسلام وتقوم عليهم الحجة، ولو كانوا مجانين لم تقم عليهم الحجة.
العقل هنا - (الثاني: العقل) - هل المراد به عقل الإدراك أو عقل الرشد؟
المراد به عقل الإدراك؛ ولهذا تُقْبَل شهادة الإنسان ولو كان سفيهًا، المراد عقل الإدراك، وهو ما يحصل به الميز.
ضد العقل: المجنون، وإنما اشْتُرِط العقل في الشهادة؛ لأنه لا يمكن إدراك الأشياء حفظًا ولا إنهاءً إلا بالعقل؛ لأنه هو الذي يحصل به الميز.
ضده: الجنون والعته؛ ولهذا قال: (فلا تُقْبَل شهادة مجنون ولا معتوه) المجنون: مسلوب العقل، اللي ما له عقل بالكلية، والمعتوه: الذي له عقل، لكنه مغلوب عليه، ما يميز ذاك التمييز البيِّن، فهو كالطفل الذي لا يميز، أو ربما نقول: كالطفل الذي يميز، لكن ليس عنده ذاك الإدراك الجيد.
فلا تُقْبَل شهادة المجنون الذي ليس له عقل بالكلية، ولا تقبل شهادة المعتوه الذي له شيء من العقل، لكنه مختل، ما يستطيع أن يتصرف التصرف الكامل؛ وذلك لأنهم ليس عندهم ما يعقلون به الإدراك ولا الإنهاء، وهو الأداء؛ فلهذا لا تُقْبَل شهادة المجانين ولا المعتوهين.
(وتُقْبَل ممن يخنق أحيانًا في حال إفاقته) (تُقْبَل) الضمير يعود على الشهادة، (ممن يخنق أحيانًا) يعني: يجن أحيانًا، (في حال إفاقته) أداءً أو تحملًا؟ أداء وتحملًا؛ لأنه لا يمكن أن يتحمل وهو مجنون، ولا يمكن أن يؤدي وهو مجنون، لكن إذا تحمل في حال الصحو وأدَّى في حال الصحو فشهادته مقبولة؛ لزوال المانع الذي به تُرد الشهادة.
السكران تُقْبَل شهادته؟ لا تُقْبَل شهادته؛ لأنه ليس له عقل؛ لا تحملًا، ولا أداءً، ولكن إذا صحا فإنها تُقْبَل شهادته إن تحمل وهو صاحٍ.
المسحور مثله، ما دام فاقد العقل بأي شيء من الأسباب فإنه لا تُقْبَل شهادته؛ لا تحملًا، ولا أداءً.
(الثالث: الكلام) وهو النطق، وضده: الخرس.
اشْتُرِطَ الكلام؛ لأن الشهادة تحتاج إليه في حال الأداء، وإذا لم يكن متكلمًا كيف يؤدي؟ !
فإن قلت: يؤدي بالإشارة، قلنا: الإشارة لا تعطي الأمر اليقيني، والشهادة يُشْتَرط فيها اليقين؛ ولهذا قال المؤلف: (فلا تُقْبَل شهادة الأخرس) وهو الذي لا ينطق، والغالب أن الأخرس لا يسمع، هذا الغالب، وعلى هذا فلا يمكن أن يشهد بالمسموع؛ لأنه لا يسمع، لكن يمكن يشهد بالمرئي؟ يمكن، ومع ذلك لا تُقْبَل شهادته ولو فُهِمَت إشارته إلا إذا أداها بخطه.
وقول المؤلف: (ولو فُهِمَت إشارته) (لو) هذه إشارة خلاف؛ فإن من أهل العلم من يقول: إذا فُهِمَت إشارة الأخرس فإنها تُقْبَل؛ لأن الشارع اعتبر الإشارة في الأمور كلها، كما ذكر ذلك البخاري في ترجمة له، كل الأمور يمكن أن تدخل فيها الإشارة؛ العبادات والمعاملات وكل شيء، فإذا فُهِمَت الإشارة حصل اليقين.
أرأيتم لو قيل للأخرس: أتشهد أن لهذا على هذا عشرة ريالات، فقال هكذا برأسه؟ يقين هذا ولَّا غير يقين؟
هذا يقين، كما لو نطق هو، فالقول بأن اليقين يتعذر في شهادة الأخرس غير صحيح، بل اليقين يمكن أن يُتَيَقَّن حتى في شهادة الأخرس، وحتى لو لم نقل: عنده عشرة، لو قال -يشير-: لهذا على هذا، ثم قال: عشر مرات، وأيش نفهم؟
طلبة: مئة ريال.
الشيخ: مئة ريال.
طالب: ما قال: ريال.
الشيخ: آه، بس بقينا يمكن يقول الواحد: مئة قرش أو مئة دينار، يُجَاب ريال، ويشار له به، وتُفْهَم الإشارة.
المهم أن القول الراجح المتعين: أن شهادة الأخرس تُقْبَل إذا فُهِمَت إشارته.
ويدل لذلك أننا لو قلنا: لا تُفْهَم، ضاع الحق، ومشكل، نحن عندنا جانبان في الواقع: جانب المدعى عليه وجانب المدعي.
فلو قال قائل: إذا عملت بشهادة الأخرس أضررت المدعى عليه؛ لأنك حكمت عليه بما لا يُتَيَقَّن؟
نقول: وإذا لم نقبل شهادته أضررنا بجانب مَنْ؟ بجانب المدعي، فأهملنا حقه، فعندنا الآن جانبان كلاهما لا بد من مراعاته، فإذا فُهمت إشارة الأخرس فما المانع من قبولها؟ ! الحقيقة أنه لا مانع، وأنه يتعين على القاضي وعلى غير القاضي ممن حكم بين الناس أن يحكم بشهادة الأخرس إذا فُهِمَت إشارته؛ ولهذا قال المؤلف: (إلا إذا أداها بخطه) إذا أداها بخطه فإنها تُقْبَل؛ لأن الخط يفيد اليقين ويعمل به شرعًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ»، (1) وفي القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة: 282]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقيم بالكتابة الحجة على القبائل، بإرسال الكتاب إلى رؤساء القبائل يدعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا، وإلا قاتلهم (5).
إذن فالكتابة حجة شرعية بالقرآن والسنة، فهذا الأخرس إذا أدى شهادته بخطه نقبلها؛ لأن الخط يفيد اليقين، وهذا واضح، فصار الأخرس له ثلاث مراتب:
ألَّا يكون ممن تُفْهَم إشارته ولا كتابته، فهذا لا تُقْبَل، قولًا واحدًا؛ للشك في مدلول هذه الشهادة.
ثانيًا: أن يكون ممن يُعْرَف خطه ويؤدي الشهادة بخطه، فهذا يُقْبَل، قولًا واحدًا.
الثالث: أن يكون ممن تُعْرَف إشارته وتُفْهَم، فهذا محل خلاف بين العلماء؛ فالمشهور من المذهب أنها لا تُقْبَل، والصحيح الذي لا شك فيه أنها تُقْبَل.
قال المؤلف: (الرابع: الإسلام) نعم، الإسلام شرط لقبول الشهادة؛ لأنه إذا كانت العدالة شرطًا فالإسلام أساس العدالة؛ ولهذا يضيف تعالى الشهود إلى ضمير المخاطبين وهم المؤمنون: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]، ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، إذا كان الفاسق يجب علينا أن نتبين في خبره ولا نقبله، فما بالك بالكافر؟ !
فلا بد من أن يكون الشاهد مسلمًا، بدلالة القرآن والنظر الصحيح؛ النظر الصحيح أن الكافر محل الخيانة وغير مأمون؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118]، الكفار يسعون بكل جهد أن يكون عملنا خبالًا ضائعًا لا خير فيه، ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ﴾ يعني: لا يألونكم جهدًا، ﴿خَبَالًا﴾ يعني: أن تقعوا في الخبال، والخبال هو الذي يتصرف بغير عقل، ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ ما شق عليكم.
إذن لا تقبل شهادة الكافر.
إذا كان الكافر مبرزًا في العدالة؛ يعني: في الصدق، والكافر قد يكون صدوقًا، نقبل ولَّا لا؟ لا نقبل.
لو جاءت شهادة الكافر بواسطة التصوير، كافر معه كاميرا صوَّر المشهد؟
طالب: تُقْبَل يا شيخ.
طلبة: (... ).
الشيخ: طيب، أنا عندي أن التصوير في الواقع عرضٌ لصورة الحال؛ يعني لو أعطانا الصورة ولا يتكلم، نفهم الصورة ولَّا لا؟ نفهمها، كأن هذا رفع لنا القضية برُمتها؛ يعني: رفع لنا صورة الواقع، فهنا لا نعتمد على خبره، نعتمد على أيش؟ على الصورة التي أمامنا، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، ونحن إذا تبينا بواسطة الصورة ما المانع؟ !
واحد عفريت كافر معه آلة شريط فيديو، سلَّطه على هؤلاء القوم الذين يتقاتلون، وأعطانا الصورة تمامًا، نشوفهم يتقاتلون، ويزعق بعضهم على بعض، ونعرف وجوههم، ثم نقول: واللهِ، هذا ما هو مقبول؛ لأن الذي التقط الصورة كافر، ثم نقول: هذا مقتضى دين الإسلام! أعوذ بالله، لو نقول هذا الكلام صاحت علينا الأمم، وأيش ها الدين الإسلام هذا الذي لا يقبل الحقائق المنقولة؟ ! ما هو صحيح هذا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: إذن، شهادة الكافر إذا كانت مستندة على مجرد خبره فهي غير مقبولة، لا شك، ولا هو مؤتمن، لكن إذا كان يصور لنا الواقع صورة لا ارتياب فيها فنحن لا نقبل خبره هو، لكن نقبل ما أمامنا.
ولهذا افرض لو جاء صبي، الآن نفرض المسألة بالصبي، صغير له أربع عشرة سنة، لكن ما شاء الله جرمه عن أبو أربعين سنة، إلا أنه ما أنبت ولا أنزل، له أربع عشرة سنة، وجاء يشهد، نقبل شهادته؟
طالب: لا.
الشيخ: ما نقبلها؟
طالب: لا.
الشيخ: طيب، صور لنا الواقع بالفيديو وجابه لنا؟
طلبة: نقبله.
الشيخ: نقبله، لكن من أجل خبره ولَّا من أجل أن الواقع أمامنا نشاهده؟
الطلبة: الواقع.
الشيخ: من أجل أن الواقع أمامنا نشاهده، ما فيه إشكال هذا؛ ولهذا القرآن: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، شوف كلمة (تبينوا)؛ يعني: اطلبوا البيان حتى يتبين لكم الأمر، فإذا تبين الأمر فما المانع من القبول؟
المؤلف يقول: (الإسلام) الدليل: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]، هذا دليل من الأثر.
دليل من النظر: أن الكافر غير مؤتمن على دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، الدليل أنه غير مؤتمن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118]. لكن إذا قال قائل: وجدنا في القرآن قبول شهادة غير المسلم؟ وين؟ أين في القرآن؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 106]، واضح، إلى هنا ما فيه إشكال، ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يعني: من المسلمين، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، أيش ﴿غَيْرِكُمْ﴾؟ غير المسلمين؛ يعني: أو شهادة..، ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ هذا خبر المبتدأ، ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ معطوف عليه؛ يعني: أو شهادة هذه الوصية، ﴿آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، بشرط ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾، يعني: سافرتم، ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ يعني: جاءكم الموت، وهذان الآخران من غيركم موجودان عندكم، فأشهدوهما على الوصية، مع أن الوصية فيها ضرر على الورثة؛ لأنه سيُقْتَطَع جزء من المال لهذه الوصية؛ يعني اثنين جاؤونا من غير المسلمين فيه رجل كان معهم في السفر ومات وأوصاهم، قال: إني أشهدكما أني أوصيت بثلث مالي يُصرف في كذا وكذا، نقبل شهادتهما وهما كافران، مع أن فيه..، الآن فيه إضرار بمن؟ إضرار بالورثة، لكن نقبل هذا، بنص القرآن.
شوف الآية فيها احتياطٌ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، لكن متى؟ ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يعني: فإن لم ترتابوا فلا حاجة إلى الحبس، وهذا يدل على أننا قد لا نرتاب في شهادة الكافر، فيكون في هذا تأييد لما أسلفنا من قبل في مسألة ما لو نَقَل الحادث بالصورة.
﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: من بعد صلاة العصر، والمراد بالحبس: أن نأتي بهما ونوقفهما، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ يعني: أننا ما شهدنا من أجل شيء من الدنيا أو حظوظ من الدنيا ولو كان أقرب قريب إلينا، ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إذن لَمِنَ الآثِمِينَ﴾.
ففي هذه الآية دليل واضح على قبول شهادة غير المسلم في وصيةٍ في سفر لم يحضر غيرهما من المسلمين، هل نحكم بهذا ولَّا لا؟
غصبًا علينا نحكم، غصبًا علينا شرعًا، ويجب أن نرضى بذلك شرعًا ونحكم به؛ لأن الذي قال ذلك هو الله عز وجل، وإذا حصل منا ارتياب نلجأ إلى الإقسام الذي ذكره الله عز وجل.
فهذه المسألة مستثناة.
ولكن القضية التي وقعت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كان الشاهدان رجلين يهوديين، فهل يُشْتَرط أن يكون هذا الغير من أهل الكتاب؛ لأنه قال: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، أو لا يُشْتَرط؟
إذا نظرنا إلى القرآن الكريم وجدنا أنه لا يُشْتَرط، الدليل ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، ولم يقل: من أهل الكتاب، مع أن الله عز وجل إذا أراد تخصيص أهل الكتاب بالحكم خصص؛ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5]، ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5]، لكن هنا قال: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾.
فإن قلت..
فلا تُقْبَلُ شهادةُ فاسقٍ، الثاني: استعمالُ المُرُوءةِ، وهو فِعْلُ ما يُجَمِّلُه ويُزَيِّنُه، واجتنابُ ما يُدَنِّسُه ويَشِينُه، ومتى زَالَت الْمَوانِعُ فبَلَغَ الصبيُّ وعَقَلَ المجنونُ وأَسْلَمَ الكافرُ وتابَ الفاسقُ, قُبِلَتْ شَهادتُهم.
(بابُ مَوانعِ الشهادةِ وعددِ الشهودِ)
لا تُقْبَلُ شَهادةُ عَمُودَيِ النسَبِ بعضِهم لبعضٍ، ولا شَهادةُ أَحَدِ الزوجينِ لصاحبِه، وتُقْبَلُ عليهم، ولا مَن يَجُرُّ إلى نفسِه نَفْعًا أو يَدْفَعُ عنها ضَرَرًا،
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
شروط من تقبل شهادته؟
طالب: ستة شروط؛ الأول: البلوغ، والثاني: العقل، والثالث: الإسلام، والكلام، والحفظ، والعدالة.
الشيخ: ست، نعم.
العدالة ذكر المؤلف أنه يعتبر لها شيئان؟
طالب: يتطلب شيئين: استقامة الدين، واستقامة المروءة، فأما استقامة الدين فهي أداء الحقوق الواجبة لله عز وجل.
الشيخ: أداء الفرائض.
الطالب: أداء الفرائض بسننها الرواتب.
الشيخ: نعم، واجتناب؟
الطالب: واجتناب ما نهى الله عز وجل عنه، واستقامة..
الشيخ: بأيش؟ اجتناب المناهي كلها ولَّا؟
الطالب: إي، ألا يكون طبعًا مبتلى بكبيرة، ولا مُصِرًّا على صغيرة.
الشيخ: طيب، زين.
الطالب: واستقامة..
الشيخ: إذن العدالة يعتبر لها شيئان: الأول: الصلاة في الدين، والثاني: استعمال المروءة.
وأصل العدالة في اللغة: الاستقامة، وفي الشرع: استقامة الدين والمروءة.
ما هي الكبيرة عند شيخ الإسلام ابن تيمية؟
طالب: هي ما رُتِّب عليه حد في الدنيا أو عقوبة في الآخرة، كالزنا والقتل.
الشيخ: لا.
طالب آخر: هو ما قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بوعيد خاص؟
الشيخ: إي، يعني ما رُتِّب عليه عقوبة خاصة دينية أو دنيوية.
طيب، ما تقولون فيمن لا يحب لأخيه ما يحبه لنفسه؟
طالب: كبيرة.
الشيخ: كبيرة.
ما الذي رُتِّب عليها؟
الطالب: كبيرة.
الشيخ: ويش اللي رتب عليها في الشرع علشان نعرف أنها كبيرة؟
الطالب: لا تقبل شهادته.
الشيخ: لا، العقوبة التي رتبت عليها في الشرع، ما هي؟
الطالب: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ».
الشيخ: نعم، نفي الإيمان: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (1). طيب، ويش مثال الصغيرة؟
طالب: الْمُصِرُّ على الصغيرة كحالق اللحية.
الشيخ: حلْق اللحية، إذا لم يصر عليه.
النظر للمرأة الأجنبية؟
الطالب: (... ).
الشيخ: طيب، التحدث معها لتمتع أو تلذذ.
الطالب: صغيرة.
الشيخ: هذا أيضًا من الصغائر، لكن إن أصر على ذلك صار من كبائر الذنوب.
لماذا جعل العلماء الإصرار على الصغائر من الكبائر؟
طالب: قالوا: لأن إصرار الرجل على الصغيرة فيه استهانة بأمر الله سبحانه وتعالى، فهذا يدل على أن الرجل مستهين، وهذا يلحقها بالكبائر.
الشيخ: نعم، استهانة الإنسان بالله، وبأوامره لا شك أنه ينافي العدالة.
الطالب: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: 135]، وهم يصرون..
الشيخ: إي، هذا في مقام المدح، لكن هل الإصرار يدل على القدح؟ ربما نقول باعتبار المفهوم: إذا مدح هؤلاء فهو ذام لضدهم.
هل تقبل شهادة الفاسق؟
طالب: لا تقبل.
الشيخ: لا تقبل؟
الطالب: إي نعم، على قول المؤلف.
الشيخ: ويش الدليل؟ ما هو؟
الطالب: لأنه ليس مستقيمًا، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
الشيخ: لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، ولم يقل: فاقبلوا خبره.
ولا نرد خبره؟
الطالب: إي، لا نرد خبره.
الشيخ: بل؟
الطالب: بالقرائن.
الشيخ: بل نتبين.
يقول المؤلف: (فلا تقبل شهادة فاسق).
هذه الفاء للتفريع، والجملة مفرعة على ما سبق، من قوله: بألا يفعل كبيرة ولا يُصر على صغيرة أو (ولا يدمن على صغيرة) يقول: (فلا تقبل شهادة الفاسق)، سواء كان فسقه بالأفعال أو بالأقوال أو بالاعتقاد؛ لأن الفسق قد يكون بالأقوال كالقذف مثلًا، فإن القذف من كبائر الذنوب، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23].
الفعل مثاله كالزنا، وشرب الخمر، والسرقة؛ فهذه من الأفعال المفَسِّقة.
الاعتقاد: ذكر بعض العلماء ضابطًا في الاعتقاد، فقال: كل بدعة مُكفِّرة للمجتهد فهي مُفسِّقة للمُقلِّد.
وللننظر هذه العبارة في الحقيقة حلوة؛ لأنها ضابط واضح: كل بدعة مكفرة للمجتهد فهي مُفسِّقة للمقلد؛ لأن المجتهد يقولها، ويناظر عليها، وربما يدعو إليها، والْمُقَلِّد لا يعلم، مُقلِّد، فنقول: هو فاسق.
هكذا أطلق بعض العلماء، وهي عبارة -كما قلت لكم- حلوة؛ لأنها ضابط واضح، ولكنه خالفه آخرون وقالوا: إن المقلِّد لا يخلو، إما أن يعتقد أن ما قاله هذا هو الحق؛ لأنه لا يعرف غيره، فهذا لا يمكن أن نحكم بفسقه؛ لأنه اتقى الله ما استطاع، ولا يستطيع أكثر من ذلك، ليس عنده في بلده إلا هؤلاء العلماء، ولا يسمع قولًا يخالف قولهم، أو قولًا يُدَّعى أنه الحق وهو مخالف لقولهم، فكيف نفسقه وهو قد اتقى الله ما استطاع؟ !
ولكن نقول: من تعصب لهم فحينئذٍ نُفسِّقه؛ يعني لو قيل له: الحق كذا، قال: لا، مشايخي يقولون: كذا وكذا، فهذا لا شك أننا نُفسِّقه؛ لأنه يشبه قول المشركين الذين يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22]، والآية الثانية: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23].
على كل حال مثل لو قال قائل بخلق القرآن، وأن القرآن مخلوق بائن من الله عز وجل، فإن كثيرًا من السلف أطلق عليه القول بالكفر، وقال: إنه إذا قال: إن القرآن مخلوق فقد كذَّب قول الله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: 166]، فجعله -سبحانه وتعالى- نازلًا بالعلم لا مخلوقًا بالقدرة، وإذا كان نازلًا بالعلم لم يكن مخلوقًا بالقدرة، وإذا قلنا: إنه مخلوق صار تكذيبًا لقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، وحينئذٍ يكون كافرًا.
كذلك من قال: إن الله تعالى بذاته في كل مكان، فهذا كافر ولا شك في كفره، فيكون الذي يقلده في هذا فاسقًا بشرط أن يعرض عليه الحق، ولكنه يصر ويتعصب لرأي متبوعه.
كذلك من قال: إن الله سبحانه وتعالى ليس فوق، ولا تحت، ولا يمينًا، ولا شمالًا، ولا متصلًا، ولا منفصلًا، فهو أيضًا كافر؛ لأن هذا حقيقة العدم.
المهم أننا نتتبع أقوال أهل العلم في البدعة الْمُكَفِّرة، فإذا صار الإنسان المجتهد الذي نصب نفسه للفتوى والتعليم يقول بهذه المكفرة، فالمقلد له بعد أن يُعرض عليه الحق يكون فاسقًا.
طالب: دون الكفر يا شيخ الفسق؟
الشيخ: نعم.
الطالب: الفسق دون الكفر؟
الشيخ: إي، ما فيه شك (... ).
(الثاني: استعمال المروءة) (الثاني) مما يعتبر في العدالة: (استعمال المروءة)، ما هي المروءة؟
المروءة: التخلق بالأخلاق الفاضلة، وإن كان في الشرح يقول: المروءة هي الإنسانية، أن يكون الإنسان متخلقًا بالأخلاق التي ليس عليه فيها مثلب، ولا أحد ينتقده، وهذه ترجع للدين ولَّا للعادة؟ هذه ترجع للعادة، وقد يكون بعضها دينًا، لكن أصلها العادة.
فالمروءة هي ما تعارف الناس حسنه؛ هذه المروءة: ما تعارف الناس حسنه أو على حسنه فهي مروءة، وما تعارفوا على قبحه فهو خلاف المروءة.
وإذا كان هذا، فإن مرجع المروءة إلى العادة في الواقع، فقد يكون هذا العمل مثلًا مُخلًّا بالمروءة عند قوم، غير مخل بالمروءة عند آخرين، وقد يكون مُخِلًّا بالمروءة في زمن غير مُخِلٍّ بها في زمن آخر، ما دمنا أرجعنا المروءة إلى العادة، وهي: ما تعارف الناس على حسنه، فحينئذٍ تكون المسألة بحسب عادات الناس.
مثلًا قال العلماء: من الإخلال بالمروءة أن ينام الإنسان بين الجالسين، إذا نام الواحد بين الجالسين فهذا سقطت مروءته، ليش؟ خلاف المعتاد، وإذا خرج عن مستوى الجالسين سقطت مروءته، وهذه تهمنا: إذا خرج عن مستوى الجالسين، يعني الصف مثلًا وهو تقدم ولا تأخر، سقطت مروءته؛ يعني بعض الناس يُشدد، وإذا مضغ العلك أمام الناس سقطت مروءته، وإذا أكل في السوق سقطت مروءته.
هذه ما دمنا عرفنا فيما سبق أن الضابط في المروءة هو ما تعارف الناس على حُسنه فهو مروءة، وما تعارف الناس على قبحه فهو خلاف المروءة.
ننظر الآن، هل مثل هذه الأمثلة مخالف لما يعتاده الناس؟
ينظر؛ يعني الواحد بين أصحابه يمكن ينام ولَّا لا؟ هو معهم في البر في نزهة، وما أشبه ذلك، هم جالسون وهو نائم، ما يقال: هذا خلاف المروءة، لكن لو يجي واحد منكم الآن (... ) بهذا، مروءة ولَّا غير مروءة؟ قطعًا غير مروءة، تختلف المسألة، أليس كذلك؟
مد الرجل، يقول: مد الرجل بين الجالسين خلاف المروءة.
نقول: هذا صحيح؟ لا، ما هو صحيح إطلاقًا، ولا غير صحيح إطلاقًا، حسب العادة، قد تكون بين إخوانك وأصحابك -ويقولون: عند الأحباب تسقط العادات- وتمد رجلك، ولكن قد تكون في مجلس موقر ما تمد رجلك، لو مددت رجلك لكان كل الناس يعيبونك.
إذن فالمسألة تختلف، ويذكر أن أبا حنيفة رحمه الله كان يقرر، فجاء ذلك الرجل المهيب بهيئته، وكان قد مد رجله بين أصحابه، فكف رجله؛ ظنًّا منه أن هذا الرجل من أكابر العلماء، وجعل يقرر، أظنه يقرر في أوقات النهي.
طالب: لا، في الصيام.
الشيخ: أو في صيام رمضان، المهم تكلم تكلم، فقال هذا الذي يظن أنه شيخ: أرأيت لو طلعت الشمس قبل الفجر؟ ! يقولون: إنه مد رجله، وقال: إذن يمد أبو حنيفة رجله ولا يبالي! الله أعلم، هل هذا صحيح ولَّا لا؟
على كل حال، هذه المسألة ما دمنا ربطناها بالعرف، فهي تختلف باختلاف الأعراف.
حده المؤلف، قال: (وهو فعل ما يُجمِّله ويزينه، واجتناب ما يدنسه ويشينه).
لاحظ، فعل ما يجمله عند الناس ويزينه، مثل: الكرم يُجمِّل ولَّا لا؟ نعم، الجود بالنفس -وهو الشجاعة- يُجمِّل، طلاقة الوجه، الانبساط إلى الناس، وما أشبه ذلك، كل هذا يجمل.
إذن هو من المروءة بلا شك، ويختلف، ربما نقول لهذا الرجل: إذا لم يفعل هذا فقد فعل ما يشينه، والآخر لا نقول: يفعل ما يشينه، كما لو رأينا رجلًا متصدرًا للبلد، ومن أعيان البلد، ولكنه لا يعطي البلد حقها من استقبال الناس الزائرين ولا سيما الكبراء مثلًا، بل يدس رأسه في الرمل، نقول: هذا أخطأ، لكن لو ييجي واحد من عامة الناس، ما يسلم على من قدم للبلد من الوجهاء والأعيان؛ فإنه لا يعد مخالفًا للمروءة.
المهم، كل شيء يُجمِّل الإنسان ويزينه بين الناس فهو من المروءة.
(واجتناب ما يدنسه ويشينه)
نأخذ أمثلة من كلام المؤلف، يقول: (ما يُجمِّله ويزِينه عادةً)، انتبه لكلمة (عادةً)، كالسخاء وحسن الخلق، (واجتناب ما يدنسه ويشينه) عادة من الأمور الدنية المزرية به، فلا شهادة لمصافع، ويش المصافع؟
طلبة: (... ).
الشيخ: إي، يتصافعون، نعم، المصافعة، الآن نقرأ عليكم الشرح علشان الأمثلة.
لمصافع من الصفع.
طيب هل من ذلك الملاكمة؟ إي نعم، مثلها أو أشد منها، إذن الملاكمة خلاف المروءة.
(ولا متمسخر) بمن؟ بالناس، يتمسخر بهم، ويحكي زيهم بالقول أو بالفعل، فإن كان متمسخرًا بالنساء يحكي زيهن صار مع مخالفة المروءة واقعًا في المحرم، من كبائر الذنوب.
(ولا لرقاص)، ويش معنى رقَّاص؟ يعني يرقص، إي نعم، موجود هذا؟ إي موجود.
طالب: في النساء.
الشيخ: النساء لا، في الرجال رقَّاص، يمكن يوجد.
(ولا لِمُغَنٍّ): المغني قد سقطت مروءته، بل فيه شيء آخر من الناحية الدينية، لم يستقم دينه إذا كان الغناء محرمًا، إذا كان محرمًا ففيه محظوران هما: عدم صلاح الدين، وعدم المروءة، أما إذا كان الغناء غير محرم، وغنى في موضع لا ينبغي أن يغني فيه، ويعد خلاف المروءة، فهو خلاف المروءة؛ يعني لو جاء حادي الإبل الذي يحدو على الإبل، وصار يحدو في السفر، جائز ولَّا لا؟
جائز؛ لأن الرسول أقره عليه الصلاة والسلام (2)، لو جاء عامل ينقل الحصى، ويحفر الأرض، ويغني على عمله ليتقوى جائز أيضًا، الصحابة كانوا يحفرون الخندق وينشدون، والرسول عليه الصلاة والسلام معهم ينشد:
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
..................................
حتى إنه يقول:
..................................
وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
ويمد بها صوته صلى الله عليه وسلم، وهم يقولون: لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ لَذَاكَ مِنَّا الْعَمَلُ الْمُضَلَّلُ
ينشدون بها، فهذا نقول: لا بأس، لكن لو جاء هذا المغنِّي الحادي، أو العامل، جالس مع الناس، ويرفع صوته بالحداء وهم يتغدون مثلًا، ويش يكون هذا؟ هذا خلاف المروءة.
فتبين الآن أن قول المؤلف: (مُغَنٍّ) ليس على إطلاقه، بل فيه تفصيل.
المغني بأغانٍ محرمة لموضوعها؛ لأنه أيضًا الأغنية قد تكون محرمة من أجل موضوعها، يكون موضوعًا ساقطًا هابطًا، هذا مخالف للمروءة، ومخالف أيضًا للدين، خلل في الدين والمروءة.
المغني غناء مباحًا إذا استعمله في موضع لا يُذَمُّ عليه، فإنه لا يُسقط المروءة، في موضع غير مناسب فإنه يُسقط المروءة.
(وطفيلي).
ويش هو الطفيلي؟ الطفيلي يقولون: هو الذي يدخل على الناس بدون دعوة، سمع أن فلانًا عنده وليمة فذهب إليه، عازم الناس فذهب إليه؛ هذا نسميه طفيليًّا، ما تقبل شهادته، لماذا؟ لمخالفة المروءة، لكن إذا علمت من صاحبك أنه يفرح بمجيئك، فهل هذا طفيلي؟ لا، هذا ليس بطفيلي، بل هو من المروءة والتواضع، وكثيرًا ما يقول بعض الناس: رب صدفة خير من ميعاد، كثير من الناس إذا جئت إليه بدون دعوة يكون أحب إليه ويفرح كثيرًا، ويظهر عليه أثر الفرح.
إذن الطفيلي هو الذي يفاجئ القوم بدون دعوة.
ولا فرق بين أن يكونوا على الطعام أو على غير الطعام، لو مثلًا: ناس بالبر، ما فيه أبواب ولا شيء، جالسون على الطعام، فإذا بالطفيلي يأتي، ويقول: سلام عليكم، نقول: عليكم السلام؟
طالب: لا نرد عليه.
الشيخ: طيب، نرد عليه أو ما نرد عليه، على كل حال هناك بعض العلماء يقول: لا سلام على آكل، ومن سلم في غير موضع السلام فليس له رد، لكن هذا نقول: طفيلي، وإن لم يكن هناك أبواب؛ لأنه يفاجئ القوم عند تقديم الطعام ليُضيِّق عليهم.
(ومتزي بزي يُسخر منه)، كثير هذا ولَّا لا؟ موجود؟
طالب: البنطلون.
الشيخ: لا، ما يسخر منه الآن البنطلون، لكن غيره، مثل واحد حطله قرونًا على رأسه، وحطله مثلًا جناحين على أيمنه وأيسره ولا شيء، ويوجد هذا أظن فيما يسمى بأفلام الكرتون، أو لا؟ يوجد هذا أيضًا، نسمع عنهم أنهم يجيبون أشكالًا وألوانًا.
(ولا لمن يأكل بالسوق) إلا في المواضع المعدة للأكل مثل: المطاعم.
(إلا شيئًا يسيرًا كلقمة وتفاحة)، هذا لا بأس به، مع أنه في الحقيقة بالنسبة لنا نحن هنا تسقط مروءته، لا يا أخي، لو تيجي تمشي بالسوق، وجاي إلى المسجد تبغي تصلي وأنت بالسوق ومعك تفاحة تأكلها قدام الناس، ويش يقول هذا؟ يمكن يقول: هذا الرجل أصابه جنون، ويمشي وراءه ليحدث شيئًا أكبر من هذا، لكن لو أنت على المطعم ما يعد هذا مخالفًا للمروءة.
يقول: (ولا لمن يمد رجله بمجمع الناس)، مرت علينا هذه.
(ولا لمن ينام بين الجالسين)، مرت علينا.
(ونحوه)، ولكن في الكتب الأخرى يقولون: إن من خرج عن مستوى الجلوس فإنه تسقط مروءته.
تحبون نطبق هذا الرأي؟
طالب: على العرف.
الشيخ: على العرف، طيب.
قال: (ومتى زالت الموانع، فبلغ الصبي، وعقل المجنون، وأسلم الكافر، وتاب الفاسق قُبلت شهادتهم)
انتبهوا هذه أربعة شروط إنما تعتبر حال الأداء، بل ثلاثة، نشوف الآن.
متى بلغ الصبي وهو متحمل في حال الصغر، إذن قولنا: فيما سبق البلوغ، هذا شرط للأداء ولا للتحمل؟ للأداء.
طيب، ما الذي يُشترط في التحمل في جانب هذا الشرط؟
الذي يُشترط التمييز في جانب هذا الشرط، لا بد من التمييز، لكن البلوغ شرط للأداء، فهذا صبي تحمَّل وله عشر سنوات، وضبط القصة، ولم يؤدِّ إلا بعد أن بلغ وقد بلغ بإنبات العانة، وله اثنتا عشرة سنة، تُقبل؟
طالب: (... ).
الشيخ: لما يتحمل العشر سنوات تُقبل، كذا؟ هذا معنى قوله: (بلغ الصبي).
(عقل المجنون) لكن يشترط، العقل شرط في التحمل والأداء.
إذن كيف يقول: (عقل المجنون)؟
نقول: هذا شخص تحمل وهو عاقل، ثم جُنَّ، ثم عقل، لا نقول: إن هذا الجنون يُبطل شهادته، بل نقول: إذا أدى بعد عقله قبِلنا شهادته، ومثله رجل أصيب بحادث، فاختل عقله، ثم عافاه الله عز وجل، لا نقول: إن هذا الاختلال ينسخ الذاكرة السابقة ولا نقبلها، ولا نقبلها -أي شهادَته- بل نقول: إنها تُقبل؛ لأن هذا الشاهد تحمَّل وهو عاقل، وأدى وهو عاقل.
(وأسلم الكافر) أسلم الكافر، إي نعم، تحمل متى؟
طالب: وهو كافر.
الشيخ: وأدى؟
الطالب: وهو مسلم.
الشيخ: تُقبل ولَّا لا؟
الطالب: تُقبل.
الشيخ: تحمل وهو مسلم، وأدى وهو كافر؟
طلبة: لا تُقبل.
الشيخ: لا تُقبل، تمام.
يقول: (وتاب الفاسق) فإنها تقبل شهادته؛ يعني رجل تحمل وهو فاسق، لا يصلي مع الجماعة مثلًا، لكن هداه الله عز وجل، وصار يصلي مع الجماعة، نقبل شهادته.
إذن العدالة والإسلام والبلوغ شرط لأيش؟ للأداء، شرط للأداء لا للتحمل.
الأخرس؛ يعني الكلام؛ يعني ينبغي أن نقول: هو أيضًا شرط للأداء فقط، أما التحمُّل، فلو تحمل وهو أخرس، وأدى وهو ناطق فشهادته مقبولة، حتى على المذهب، أما على القول الصحيح فقد تقدم التفصيل في ذلك، لكن على المذهب لو تحمل وهو أخرس وأدى وهو ناطق قُبلت شهادته، فصار الكلام إذن شرطًا للأداء ولَّا للتحمل؟ للأداء فقط، انتبهوا للشروط الآن، عندنا أربعة شروط من ستة شرط للتحمل فقط، أما الأداء فكل الستة شرط.
البلوغ شرط للأداء؟ ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: فإن تحمل بالغًا وأدى صغيرًا؟ ما يصير؟
طلبة: ما يصير.
الشيخ: أبدًا؟
الطلبة: أبدًا.
الشيخ: صحيح، ما يصير.
تحمل فاسقًا وأدَّى عدلًا؟
الطلبة: تُقبل.
الشيخ: تُقبل.
تحمل عدلًا وأدى فاسقًا؟
الطلبة: لا تقبل.
الشيخ: لا تقبل.
قال المؤلف: (قُبلت شهادته).
أهم شيء عندنا في هذا الباب مسألة العدالة؛ لأننا لو طبقنا ما ذكره الفقهاء -رحمهم الله- فيما يعتبر للعدالة، لو طبقناه على مجتمع المسلمين اليوم لم نجد أحدًا إلا نادرًا، وحينئذٍ تضيع الحقوق.
وإذا رجعنا إلى مستند الفقهاء في اشتراط العدالة وجدنا ذلك في آيتين أو أكثر من آيتين، لكن معناها واحد: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
وعند التأمل قد لا يكون في الآيتين دليل على ما اشترطه الفقهاء، كيف ذلك؟ لأن الله قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾، أي: صاحبي عدل، ولا يلزم من كونهما صاحبي عدل أن يتصفا بالعدالة المطلقة، بل يمكن أن نقول: إن معنى الآية: أشهدوا ذوي عدل في شهادته، فمتى كان ذا عدل في الشهادة فإنه يُقبل، ودينه لمن؟ دينه لله عز وجل؛ ولهذا لو كان الإنسان مخالفًا للعدالة في الكذب فإننا لا نقبله بلا شك، لماذا؟
لأن الشهادة تعتمد اعتمادًا كليًّا على الصِّدْق في النقل، وإذا كان هذا الإنسان كاذبًا معروفًا بالكذب فهذا لا نقبل شهادته، لماذا؟ لأن هذا الوصف -وهو الكذب- مُخلٌّ بأصل الشهادة، فإن الشهادة مبنية على الصدق في الخبر، وهي خبر في الواقع، فإذا كان كاذبًا فلا شك أن هذا يخل بشهادته ولا نقبلها، أما لو كان الرجل يحلق لحيته، لكن نعلم أنه في باب الأخبار لا يمكن أن يكذب، نعرفه، صدوق، قد ماشيناه وتتبعنا أخباره، فكيف نقول: إننا نرد خبره؟ !
رجل يغتاب الناس، والغيبة كما عرفنا أولًا من كبائر الذنوب تخدش العدالة، ولو مرة واحدة، لكن مع كونه يغتاب الناس هو صدوق الخبر، لا يمكن يكذب، هل نرد شهادته؟ على المذهب نرد شهادته، لكن على القول الراجح: لا، وحينئذٍ نقول: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: في الشهادة.
على أنه يمكن أن يقال أيضًا وجه آخر رد به من رد على كلام الفقهاء، قال: إن الله يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، هذا في ابتداء الشهادة والتحمُّل، لا تختر إلا عدلًا، هذا عند التحمل، لكن عند الأداء نقبل كل من قامت القرينة على صدقه، وفرق بين التحمل الذي يريد أن يختار شهودًا يعتمد عليهم وبين إنسان أتى بشهود فيما بعد ليُثبت بهم الحق، فيفرِّق هؤلاء العلماء بين أيش؟ التحمل والأداء؛ فالتحمل لا بد أن نختار ذوي العدل لئلا يقع إشكال في المستقبل، أو رد للشهادة، لكن عند الأداء هذا يُنظر في القضية المعينة.
أما بالنسبة للفاسق، فالفاسق لم يأمر الله برد خبره، الله عز وجل ما أمر برد الخبر، ويش قال؟ قال: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، فإذا شهد الفاسق بما دلت القرينة على صدقه، فقد تبينا وتبين لنا أنه أيش؟ صادق، تبين أنه صادق، وإذا شهد فاسقانِ قوي خبرهما ولَّا لا؟ نعم، يقوى خبرهما إذا لم يكن بينهما مواطأة، بأن كان كل واحد منهما بعيدًا عن الآخر، فشهدا في قضية معينة، فلا شك أن خبرهما يقوي بعضه بعضًا، ولهذا حتى عند علماء المصطلح إذا روى اثنان ضعيفان؛ فإنه يقوى الحديث.
فالحاصل أن الآيتين ليس فيهما دليل على أن العدالة هي ما ذكره الفقهاء رحمهم الله، وأقول: العدالة في الشهادة، أما العدالة في الولاية فهي شيء آخر؛ لأن الولي مُنفِّذ وآمِر، والشاهد طريق إلى الحق فقط، ما عنده التنفيذ، فيجب أن نشترط في الولي أكثر مما نشترط في الشاهد.
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، العدالة قد تكون ظاهرة وقد تكون باطنة.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، العدالة ظاهرًا وباطنًا في بعض المواضع لا تُشترط، يعني في بعض المواضع يشترط العدالة ظاهرًا فقط، كولاية النكاح والشهادة به والأذان، والشهادة في رؤية رمضان، وأشياء يجي سبع أو ثماني صور يُكتفى بها بالعدالة الظاهرة فقط.
(... )
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
السؤال الأول في باب القسمة: لماذا وضع العلماء باب القسمة في كتاب القضاء، ولم يضعوه في كتاب البيوع؟
طالب: لأنها تحتاج في الغالب إلى القاضي.
الشيخ: نعم، صح؛ ولأن القاسم؟
الطالب: ولأن القاسم قد يعين القاضي؛ فلذلك تكون لها علاقة بالقضاء.
الشيخ: إي، صح، وأيضًا القاسم كالحاكم يقسم بينهما.
يقول العلماء: إن القسمة تنقسم إلى قسمين؟
طالب: قسمة تراضٍ وقسمة إجبار.
الشيخ: نعم، ويش معنى تراض؟
الطالب: تراض أن (... ) فيها جميع الشركاء.
الشيخ: معناها لا تقسم إلا برضا جميع الشركاء.
وإجبار؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إجبار ويش معناها؟ قسمة إجبار؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، ما أريد متى تكون، إنما ويش معنى؟ لماذا سميت إجبارًا؟
الطالب: (... ) لأنها فيها ضرر.
الشيخ: لا؛ يعني ليه سميناها قسمة تراضٍ؟ لأنها لا تقسم إلا برضا الشركاء جميعًا، هذه لماذا سميناها قسمة إجبار؟
الطالب: (... ).
الشيخ: أنت قلت قسمين: تراضٍ وإجبار.
طالب: يا شيخ، تراضٍ وإجبار؛ لأنه يرضى أحد الطرفين والباقي يجبر عليه.
الشيخ: لأنه يُجبر الممتنع منها، سميت قسمة إجبار؛ لأنها لا يشترط فيها التراضي بل يُجبر الممتنع منها.
متى تكون القسمة قسمة تراضٍ؟
طالب: تكون القسمة قسمة تراضٍ؟
الشيخ: نعم.
الطالب: برضا الطرفين.
الشيخ: إي، متى تكون؟
الطالب: تكون بلا رد عوض.
الشيخ: لا.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، ما هو (... ). يعني متى تكون القسمة قسمة تراضٍ؟ بمعنى: متى نقول: إنه لا يُقسم إلا برضا الشركاء جميعًا؟
الطالب: إذا كان في هذه القسمة ضرر.
الشيخ: نعم، أو؟
الطالب: أو رد عوض.
الشيخ: أو رد عوض، صح، هذا الضابط: إذا فيها الضرر، أو رد عوض فالقسمة قسمة تراضٍ، ما يُقسم إلا برضا الجميع.
ويش مثاله؟
طالب: مثال قسمة التراضي؟
الشيخ: إي.
الطالب: مثل السيارات الجديدة (... ) سيارات متشابهة.
الشيخ: لا، قسمة تراضٍ اللي هي ما تقسم إلا برضا الجميع.
الطالب: مثال: له أرض كبيرة وهي على شارع وعلى الشارع (... ).
الشيخ: إلى الآن ما اتضحت الصورة في الحديث.
طالب: (... ) ما ينتفع بها الاثنان؛ فهي لا تقسم إلا برضا الشركاء.
الشيخ: إي، صح.
حجاج يقول: أرض صغيرة يتضرر أحد الطرفين بقسمتها، لا ينتفع بها، هل هذا هو الضابط للضرر الحاصل بالقسمة أو هناك ضابط آخر؟
طالب: ضابط آخر (... ).
الشيخ: صح، أن الضرر المانع هو نقص القيمة (... ). وبينهما فرق.
قسمة الإجبار؟
طالب: (... ) أرض كبيرة ما هي مستوية كـ.. ما فيها شارع (... ).
الشيخ: لا، فيها بناء، وأجزاؤها متفقة، هذه؟
الطالب: (... ).
الشيخ: صح، وإذا أبى أحدهما؟
الطالب: يجبر.
الشيخ: يجبر.
ما تقول في سيف بين اثنين طلب أحدهما قسمته، هل يجبر الممتنع؟ سيف؟
طالب: لا يجبر.
الشيخ: ليش؟
الطالب: (... ).
الشيخ: ولا ضرر.
الطالب: (... ).
الشيخ: المهم جاءك اثنان يسألان يقولان: بيننا سيف امتنع أحدنا من قسمته، فهل يُجبر الآخر أو لا؟
طالب: لا يجبر.
الشيخ: إي، إذن ما يُقسم بالتراضي.
تراضيا أن يُقسم، هل يقسم أو لا؟
طالب: إذا كانا متراضين؟
الشيخ: إي.
إذا قسمنا الـ...
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، رد عوض، ويش تقول: تراضيا أن يقسم، وهذا يلزم أن نكسر السيف؟
طالب: نعم، ما نمكنهما.
الشيخ: ما نمكنهما، ويش تقولون؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صح، لماذا لا نمكنهما والحق لهما؟
الطلبة: هذا سفه.
طالب: إضاعة مال.
الشيخ: هذا سفه وإضاعة مال.
أي النوعين من القسمة في حكم البيع أو في حكم الإفراز؟
طالب: (... ).
الشيخ: عندنا قسمة تراضٍ وقسمة إجبار، أيهما الذي في معنى البيع ويدخل فيه أحكام البيع؟
الطالب: التراضي يا شيخ.
الشيخ: اللي في حكم البيع هو التراضي؟
الطالب: إي، التراضي يا شيخ.
الشيخ: متأكد؟
الطالب: إي.
الشيخ: صح؟
طلبة: صح.
الشيخ: إي، صحيح.
الذي في حكم الإفراز أو التي هي إفراز فقط؟
طالب: الإجبار.
الشيخ: قسمة الإجبار، بناءً على ذلك يجوز أن يتقاسم اثنان، أو يتقاسم سبعة لحم الأضاحي في البعير، ضحى سبعة في بعير، يجوز أن يقتسموا لحمه، أو لا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لأن هذه إفراز لا بيع، ولو قلنا: إنها بيع ما جاز؛ لأن الأضاحي لا تباع.
في القسمة التي هي تراضٍ إذا امتنع أحدهما عن القسمة، والثاني قال: لا يمكن أن نبقى شركاء؛ لأننا تعبنا، هذا شريك مُتعِب، وطلب أن يُباع هذا المشترَك، فهل يُجاب؟
طالب: يجاب.
الشيخ: لا، اللي وراء.
طالب: نعم، يجاب.
الشيخ: تقليدًا ولا؟
طالب: لا يجاب يا شيخ.
الشيخ: أنت فاهم السؤال؟ إذا كانت القسمة قسمة تراضٍ؟
الطالب: ولم يرضَ أحدهما.
الشيخ: ولم يرضَ أحدهما، والثاني قال: أنا ما أصبر على هذه الشركة، وأريد أن تُباع؟
الطالب: ما تباع يا شيخ.
الشيخ: ما تباع.
طالب: (... ).
الشيخ: على أيش؟
الطالب: على أي شيء (... ).
الشيخ: يعني إذن تُباع إجبارًا عكس ما قال عبد الله؟ ويش تقولون؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صح، ويش يسوي هذا؟ يبغي من الشركة، والقسمة ما هي ممكنة الآن؛ لأنه يلحقهما الضرر.
ما بقي إلا البيع.
قال أحدهما: أنا أطلب البيع، وقال الثاني: أنا أطلب التأجير، تؤجر من بيننا، والثاني قال: تُباع؟
طالب: قال تؤجر والثاني قال؟
الشيخ: تباع.
الطالب: نوافق الذي يقول: تؤجر.
الشيخ: نوافق الذي يقول: تؤجر؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، إذا قال زميله أو شريكه: حتى في التأجير بيتعبني في الأجرة، يروح للمستأجر، ويأخذ الإيجار كله، ويخليه، ويتعبني؟
الطالب: (... ).
الشيخ: ويش تقول؟
طالب: تباع.
الشيخ: تباع، وإن اتفقا على الأجرة؟ على التأجير فلا بأس.
ها الحين، بيننا أرض صغيرة لا يمكن قسمتها، القسمة في الأرض الصغيرة ويش هي تراضٍ ولَّا إجبار؟
طلبة: تراضٍ.
الشيخ: تراضٍ، ما يمكن قسمها الآن، كل منهم قال: أنا ما أرضى بالضرر، لكن أحدهما قال: ما أنا ببايع، والثاني قال: بأبيع، أفتك من الشركة هذه، من نجيب؟
الطلبة: أن نبيع.
الشيخ: قول من يقول نبيع، تُباع الأرض وتقسم الدراهم، وكل يأخذ نصيبه.
لماذا يُجبر على البيع؟ من أجل اندفاع الضرر بالشركة.
قلنا: أحدهما قال: أنا أريد البيع والثاني قال: أنا أريد التأجير، ويبقى ملكنا في الأرض، ما إحنا ببايعين الأرض، نؤجرها، ما دام أنت ما تبغي أن نشترك فيها نؤجرها ونقتسم الأجرة.
فقال الثاني: لا، أنا أريد أن تباع.
مَنْ نجيب؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، من طلب البيع، لماذا؟
طالب: قطعًا للنزاع.
الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا هو اللي يقطع النزاع، وإلا يبقى النزاع بينهما دائمًا.
أما الذي لا ضرر في قسمته ولا ردّ عوض، فبمجرد ما يطلب أحد الشركاء القسمة أيش؟ يُقسم ويُجبر الممتنع ولا ننظر له رضي ولَّا ما رضي.
ما تقول في القاسم إذا نصبه الشركاء بأجر، إذا (... ) أجَّره على قدر الأملاك أو على قدر الشركاء؟
طالب: على قول المؤلف على قدر الأملاك، والصحيح أنه على حسب ما يشترطا عليه، وإن لم يشترطا شيئًا فالأصل أنه على قدْر الأملاك.
الشيخ: نعم، طيب.
الطالب: على قدر الملاك.
الشيخ: على قدر الْمُلَّاك، نعم.
الدعاوى والبينات، نريد الضابط لتعريف المدعي؟
طالب: المدعي على المذهب من إذا استشهد لم (... ).
الشيخ: يعني من إذا سكت تُرِك؟
الطالب: نعم.
الشيخ: والمدعى عليه؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: المدعى عليه إذا سكت لم يُترك، والمدَّعي من؟ إذا سكت تُرِك.
أيهما الذي يُطالَب بالبينة؟
طالب: الذي يطالب بالبينة؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: المدعى عليه، لا، المدعي لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ» (3).
الشيخ: تداعى رجلان في عين بيد أحدهما، فلمن تكون؟
طالب: على قول المؤلف تكون.. الأصل في يد المدعى عليه.
الشيخ: تكون للمدَّعى عليه؟
الطالب: للمدعى عليه؛ لأنها في يده.
الشيخ: تكون له؟
الطالب: له نعم.
الشيخ: بيمينه، ولَّا بدون يمين؟
الطالب: لا، بدون يمين، الأصل أنها عنده.
الشيخ: بدون يمين؟
الطالب: بدون يمين، اليمين على المدعي.
الشيخ: حلف المدعي تُعطى إياه؟
الطالب: والله إذا كان فيه قرينة يا شيخ (... ).
طالب آخر: (... ) ما عليه يمين.
الشيخ: لمن تكون؟
الطالب: تكون للمدعي.
الشيخ: للمدعي؟
الطالب: لمن في يده يا شيخ.
الشيخ: لمن هي في يده، ما عليه يمين.
الطالب: إي.
الشيخ: اللي هو في يده ويش نسميه؟ مدعي ولا مُدعًى عليه؟
الطالب: مدعى عليه.
الشيخ: مدعى عليه.
أقول كما قال هو.
لو كان عنده بينة أنها له، هذا المدعى عليه عنده بينة شهود أنها له، هل نحلفه لعموم الحديث: «الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (4)، أو نكتفي بالبينة؛ لأنها أقوى من اليمين؟
طالب: لا يحلف.
الشيخ: لا يحلف؟ ويش نسوي بالحديث: «الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»؟
الطالب: اليمين على المدعي.
الشيخ: المدعي يقول: ما عندي بينة، أنا أقول: هذه لي، هذا الكتاب الذي بيده لي بس ما عندي بينة.
الذي بيده الكتاب جاب شهود أنه له، قال: هذا يشهد أني شاريه من المكتبة الفولانية، هل يحلف المدعى عليه اللي عنده الكتاب ولَّا ما يحلف؟ أنت متصور المسألة زين؟ هذا الكتاب اللي معك ويش هو هذا؟
الطالب: حاشية.
الشيخ: حاشية أيش؟
الطالب: الروض المربع.
الشيخ: قال حجاج: إنها لي، حجاج يقول لك: هذه لي، وقلت أنت: هذه ما هي لك، وعندي شهود، عبد الرحمن بن داود وخالد (... ) يشهدان بأني اشتريتها من مكتبة الغرباء، تحلف أنت معهم ولَّا لا؟
الطالب: لا، البينة معي.
الشيخ: تحلف ولَّا لا؟
الطالب: لا، ما أحلف.
الشيخ: ما تحلف.
الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» وهو حجاج، «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» وهو أنت، كيف نجيب على هذا الحديث إذا قلنا: لا تحلف؟
طالب: (... ).
الشيخ: نعم؛ لأن البينة أقوى من اليمين، ولهذا صار في جانب المدعي.
ادعى شخص على آخر بأن هذا الذي بيده له؟ السؤال لك: ادعى شخص عليك بأن الكتاب اللي معك له وأتى ببينة، وأنكرت أن يكون له، وأتيت ببينة، فمن نُقدِّم؟
طالب: نقدم الذي بيده الكتاب مع اليمين.
الشيخ: كيف؟ هو ذاك المدعي جاب بينة؟
الطالب: نقول: الأصل الكتاب للذي في يده.
الشيخ: لكن هذا جاب شهودًا بأنه له؟
الطالب: نقول: يحلف به؛ لأن الرسول قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (4).
الشيخ: أحسنت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» وأنا أتيت ببينة، أعطني الكتاب.
الطالب: باليمين للذي في يده، يعني يحلف اليمين ويقول: هو لي الكتاب للذي في يده، (... )؛ لأنه قد تكون البينة يعني (... ) جايب شهود غير الذي، لو ما كان له الكتاب لما..
الشيخ: نصورها الآن بصورة شبه واقعية: ادعيت عليك أن الكتاب اللي بيدك الآن -وأظنه زاد المستقنع- أنه لي، وجيبت سامي وياسر يشهدان بأنه لي، وأنت جبت عبد الله السليم وعبد الله الزيداني يشهدان أنه لك، ويش نسوي؟ القاضي ويش يسوي الآن؟ يحكم لي ولَّا لك؟
الطالب: يحكم للذي في يده الكتاب مع اليمين؛ لأن الأصل أنه معه.
الشيخ: طيب، قلت أنا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» وأنا الآن أتيت ببينة، تقدح في سامي وياسر؟ أجب؟
الطالب: نعم.
الشيخ: تقدح فيهما؟
الطالب: لا، لا أقدح فيهما.
الشيخ: طيب، إذن أتيت ببينة.
الطالب: الله أعلم.
طالب: الكتاب يعني للمدعي هو (... ).
الشيخ: إي، ويش يُسمى المدعي عند العلماء؟ في هذه المسألة له اسم خاص عندهم.
الطالب: (... ).
طالب: الخارج.
الشيخ: يُسمى الخارج عندهم، إذن يُقضى به لي على المذهب، ولهذا قال: قُضي للخارج ببينته.
وعبد الله السليم وعبد الله الزيداني يقول المؤلف: لغط بينة الداخل، تلغى شهادتهما.
طيب، هل فيه رأي آخر؟
طالب: الدليل؟
الشيخ: الدليل جبناه.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، طيب فيه قول آخر؟
طالب: القول الآخر: (... ).
الشيخ: يعني القول الثاني: تتعارض البينتان فتلغيان، ويبقى شيبة بيده المدعى به العين أقوى يكون، فيحلف ويأخذه، طيب، أيهما أرجح؟
طالب: على المذهب.
الشيخ: أيهما أرجح؟
الطالب: لا أدري.
الشيخ: ما تدري، من يعرف المرجح؟
طالب: الراجح هو القول الثاني.
الشيخ: أنه يقضى للداخل.
الطالب: للداخل، نعم.
الشيخ: للداخل بيمينه، تعارض البينتان وتسقطان.
طيب، وما الذي يرجحه؟
الطالب: يرجحه أن هذا هو (... ).
الشيخ: للأرجح منه.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: والأرجح من بيده.
طالب: (... ).
الشيخ: طيب، كيف تجيب عن «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي»؟
طالب: إنما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بناءً على أن المدعى عليه ليس معه بينة.
الشيخ: بدليل؟
الطالب: بدليل أن المدعى عليه ليس له بينة؟
الشيخ: إي نعم؛ يعني ما هو الدليل على أن الصورة التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي ما إذا لم يكن للمنكر بينة؟
طالب: بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
الشيخ: نعم، صح، وأنتم تقولون: إذا أتى ببينة فليس عليه يمين.
إذن فالمسألة مفروضة في الحديث فيما إذا لم يكن للمنكر بينة.
طالب: (... ).
الشيخ: الشهود أيهم؟ شهود الداخل ولَّا الخارج؟
الطالب: لا، شهود الداخل، ربما يشهدون (... ).
الشيخ: زين، وذلك يقول مثله، يقول: ربما شهود الخارج على ملك سابق وانتقل، هي لو أُرِّخت البينتان اتضح الأمر، لو كانت البينتان مُؤرَّختين صار الأمر واضحًا.
الطالب: الأصل أن نقول (... ).
الشيخ: إذن هذا هو، هذا هو القول الراجح، أنه يقبل الداخل.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، رددناه، الآن رددتها أنا، ورددناه من قبل أظن، قلنا: يمكن بعد انتقال الملك من هذا إلى هذا إلا لو كانت البينتان مؤرختين.
طالب: لو كان يا شيخ أن الأصل أن الملك للذي (... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: أقول: الأصل أنها للذي عنده البينة.
الشيخ: بيده.
الطالب: إي، بيده، هذا الأصل أنه باقٍ على ملكه، والشهداء أيضًا يُرجِّحون على هذا، يشهدون له على الأصل.
الشيخ: إذن تُرَجِّح القول الثاني.
الطالب: إي، أنا أرجح أن الذي عنده هو (... ).
الشيخ: زين.
ما هي الشهادات أو بعبارة أصح، بعبارة أخرى: ما الفرق بين الشهادة والإقرار والدعوى؟
طالب: الشهادة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: أن يُقر لغيره على غيره.
الشيخ: أن يقر كذا؟
الطالب: يضيف الشيء لغيره على غيره.
الشيخ: نعم، صح.
الطالب: والإقرار أن يضيف الشيء لغيره على نفسه.
الشيخ: زين.
الطالب: والدعوى أن يضيف شيئًا لنفسه على غيره.
الشيخ: صحيح.
إذن من هنا نأخذ تعريف الشهادة، ما هي؟
الطالب: أن يضيف الشيء لغيره على غيره.
الشيخ: أن يضيف الإنسان شيئًا لغيره على غيره صح.
الشهادة لها حكم حين التحمل وحين الأداء، ما حكمها؟
طالب: فرض كفاية.
الشيخ: حال التحمل ولَّا حال الأداء؟
الطالب: حال التحمل (... ).
الشيخ: هو إذا قلنا: فرض كفاية عرفنا أنه إذا لم يوجد تعين.
الطالب: تعين نعم.
الشيخ: لا، الكلام على أنه هل أن التحمل والأداء كلاهما فرض كفاية أم يختلفان؟
الطالب: عند التحمل فرض كفاية إلا إذا لم يوجد إلا هو فإنه (... ).
الشيخ: هذه ما (... ) ليش؟ لأنه كل فرض كفاية إذا لم يوجد سواه تعين عليه.
الطالب: وأما عند التحمل.
الشيخ: عند؟
الطالب: عند الأداء فهو فرض عين.
الشيخ: فهي فرض عين، كذا؟
الطالب: على ما شهد.
الشيخ: إي نعم، على ما شهد طبعًا.
ما هو الدليل على أنها فرض كفاية؟
طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282].
الشيخ: نعم، قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، نعم، صح.
الدليل على أنها فرض عين؟
طالب: قوله تعالى: (... ).
الشيخ: لا.
طالب: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾.
الشيخ: كمِّل.
الطالب: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.
الشيخ: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283]، صح.
قلنا: إن بعض العلماء يقول: إنها فرض كفاية في الموضعين؛ في التحمل والأداء، لكن ما ذهب إليه المؤلف أرجح، يقول المؤلف: إنه من شرط الشهادة.
طالب: (... ).
الشيخ: هذا في الأداء ولَّا لا؟
الطالب: لا، لكن هو قال هنا فرض عين إطلاقًا.
الشيخ: صحيح، وهو كذلك، هو أصلًا إذا لم يُدع ما يشهد، بل نحن ذكرنا في الشرح إذا لم يُدع، فهل الأفضل أن يشهد أو يُنتظر حتى يدعى؟ وأجبنا في هذا.
الطالب: قلنا: إذا دعي هو وغيره له أن يعتذر.
الشيخ: لا، هذا على القول بأنه فرض كفاية، له أن يعتذر.
إذا قلنا: فرض عين لو يكونون عشرة لازم يحضر.
يقول المؤلف: لا يجوز أن يشهد إلا بما يعلمه، فما هي طرق العلم في باب الشهادات؟
طالب: طرق العلم خمسة: السمع، والبصر، والشم، والذوق، والنطق.
الشيخ: وغيره، باقٍ واحدة في باب الشهادة.
الطالب: وإذا تعذرت هذه (... ) بالاستفاضة.
الشيخ: الاستفاضة فيما يتعذر علمه بدونه.
صح، هذه خمسة، ستة طرق.
الشم بأي شيء؟
طالب: أن يشهد أن (... ).
الشيخ: يعني إذا الشم في الروائح؟ كذا؟ طيب، البصر؟
طالب: في المبصرات.
الشيخ: في المبصرات؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، في المبصرات.
إذن شهادة الأعمى فيما طريقه البصر لا تُقبل، لماذا؟
الطالب: لأنه متعذر.
الشيخ: لأنه متعذر، زين.
السمع؟
طالب: السمع في المسموعات.
الشيخ: في المسموعات.
الطالب: يسمع صوتًا، ويقول: هذا صوت فلان (... ).
الشيخ: يشهد به.
إي، صح.
إذن لو شهد الأصم بما طريقه السمع؟
الطالب: لا تُقبل للتعذر.
الشيخ: لا تُقبل؛ لأنه لا يمكن أن يسمع.
نعم، الذوق؟
طالب: بما يتذوق (... ).
الشيخ: نعم، أو قوله أو متغير الطعم لقدمه أو ما أشبه ذلك.
طيب، لو شهد من لا ذوق عنده؟
الطالب: لا تُقبل الشهادة.
الشيخ: لا تُقبل.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، هو ما مر علينا في الجنايات أنه قد يجني على الشخص فيفقد ذوقه؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، مر علينا.
طيب، في اللمس؟
طالب: ما يلمس مثل الساخن والبارد، أو (... ) واللين.
الشيخ: طيب، نبضات القلب؟
طالب: باللمس يا شيخ.
الشيخ: باللمس؟
طالب: بالسمع.
طالب: باللمس وقوة (... ).
الشيخ: لا، باللمس الظاهر، يعني مثلًا لو أنه ادعى على شخص بأنه كسر ماله وهرب، ومسكه واحد وشاف قلبه يرجف، وقال: أبدًا، أنا أمشي على هوني، يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟
طالب: يمكن.
الشيخ: يمكن، ولهذا أحيانًا إذا أحد من اللصوص مثلًا سرق، ثم حدف بنفسه على قوم نيام ونام كأنه من أحد النيام، يجي الرجل المختبر ويمشي على ها النيام ويضع يده على صدورهم، إذا شاف اللي قلبه يخفق قال: امسكوا هذا الرجل، هذا هو صاحبكم.
طالب: لو عنده ضيق تنفس يا شيخ؟ !
الشيخ: يُنظر.
طالب: أو يخاف؟ !
الشيخ: لا، أبدًا ما يخاف إلا المجرم.
إذا شهد بعقد من العقود، فهل يُشترط ذِكْر شروطه أو لا؟
طالب: إذن أيش؟
الشيخ: إذا شهد بعقد من العقود، هل يُشترط ذكر الشروط ولَّا لا؟
الطالب: إذا شهد على عقد من العقود؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يشترط (... ).
الشيخ: هل يشترط أن يذكر الشروط ومثلًا شهد أن فلانًا باع على فلان شيئًا، هل يُشترط أن يذكر شروط البيع ولَّا لا؟
الطالب: إي نعم، يشترط.
الشيخ: يشترط، لماذا؟
الطالب: (... ).
الشيخ: (... ) وإلا أنا الآن أشهد، أشهد أن فلانًا قال: بعت عليك هذا الشيء الفلاني.
قال لك: قبلت.
(... ).
الطالب: (... ).
الشيخ: والله أنت قاربت، لكن لما..
طالب: (... ).
الشيخ: لا، أنا أقول الآن بناء على قول الأخ أنه لازم من ذكر الشروط.
الطالب: لا، ليس بلازم.
الشيخ: ليس لازم، إذن خالفت أنت الآن.
الطالب: إي نعم، لا أوافق.
الشيخ: لم توافقوه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هذا قول ثان جديد.
طيب على قول الأخ أنه لا بد من ذكر الشروط، ما هي العلة؟
طالب: لا بد من ذكر الشروط؟
الشيخ: إي.
الطالب: لأنه قد يحصل نزاع (... ).
الشيخ: نعم.
طالب: نعم؛ لأنه قد يكون هذا؛ لأن العقد الذي شهد عليه قد يكون ينقص به الشروط فيكون شهد على عقد غير صحيح، فإذا ذكر شروطه في العقد دل على صحة العقد ودل على (... ).
الشيخ: طيب.
طالب: نقول: ربما يعتقد (... ).
الشيخ: إي، صح، إي نعم، هذا التعليل على المذهب، يقول: لأنه ربما أنه يظن أن هذا ليس بشرط وهو شرط فيشهد بالصحة.
طالب: (... ).
الشيخ: طيب، القول الثاني في المسألة: أنه لا يشترط ذكر الشروط؛ لأن الشاهد ليس يشهد بصحة العقد، إنما يشهد بالعقد، أنا أشهد بأنه تم العقد، إذا فيه مانع من الصحة أو اختلاف شروط فليدَّعِ المدعي -إما البائع ولَّا المشتري- يدعي أنه فيه فوات شرط أو وجود مانع، وحينئذٍ يُنظر في القضية، وهذا القول قلنا: إنه هو الراجح.
طالب: القول الثاني (... ).
الشيخ: إي نعم، لكن الصحيح العموم.
طيب، الذي تُقبل شهادته لا بد فيه من شروط، كم من شروط؟
طالب: ستة.
الشيخ: وهي؟
الطالب: البلوغ، العقل، الكلام، الإسلام، الحِفْظ، العدالة.
الشيخ: هذه الشروط الستة، هل هي شروط للأداء أو للتحمل؟
طالب: في الأداء.
الشيخ: في الأداء فقط؟
الطالب: لا، وبعضها في التحمل.
الشيخ: بعضها في التحمل والأداء، وبعضها في الأداء فقط.
طيب، فصِّل؟
الطالب: هناك أربعة شروط لا بد أن تكون في التحمل، والستة في الأداء؛ أما الشروط التي تكون في التحمل هي: أن يكون حافظًا.
الشيخ: الحفظ؟
الطالب: الحفظ نعم، وكذلك البلوغ؛ أن يكون مُميِّزًا.
الشيخ: لا، مميزًا، ما هي عندنا.
الطالب: البلوغ، على قول المؤلف: البلوغ والعقل.
الشيخ: العقل لا بد في التحمل والأداء، البلوغ في التحمل والأداء؟
الطالب: نعم، التمييز؛ يعني أن يكون مميزًا.
الشيخ: لا، دعنا من التمييز، انتهينا منها، خلِّه جانبًا.
الآن الشروط اللي قالها ستة ما فيها تمييز.
الطالب: الراجح فيها التمييز.
الشيخ: اترك الراجح.
الطالب: (... ).
الشيخ: طيب.
طالب: أولًا: البلوغ.
الشيخ: البلوغ الآن يقول خالد إنه شرط في الأداء لا في التحمل.
الطالب: ثانيًا: العقل.
الشيخ: العقل شرط في التحمل والأداء.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، نريد الذي يكون شرطًا في الأداء دون التحمل.
الطالب: البلوغ والحفظ.
الشيخ: لا، الحفظ فيهما جميعًا.
الطالب: الإسلام.
الشيخ: والإسلام، والعدالة.
الطالب: والعدالة.
الشيخ: نعم، بقي واحد.
طالب: العقل؟
الشيخ: لا، العقل فيهما.
طالب: الكلام.
الشيخ: الكلام، كذا؟ هذه أربعة شروط في الأداء.
لو تحمل وهو صغير وأدى وهو بالغ، صح؟
طلبة: صح.
الشيخ: طيب، وهو فاسق وأدى وهو عدل؟
الطلبة: صح.
الشيخ: قُبل.
وهو كافر وأدَّى وهو مسلم؟
الطلبة: قُبل.
الشيخ: وهو أخرس وأدَّى وهو متكلم؟
الطلبة: قبل.
(... )
[باب موانع الشهادة وعدد الشهود]
الشيخ: والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا ذكر شروط قبول الشهادة، وأنها تنقسم إلى قسمين: قسم منها شروط للتحمل والأداء، وقسم منها شروط للأداء فقط.
قال: (باب موانع الشهادة وعدد الشهود) هذا الباب تضمن مسألتين؛ المسألة الأولى: موانع الشهادة؛ يعني الموانع التي تمنع من قبول شهادة الشاهد مع استكمال الشروط، والموانع في اللغة جمع (مانِع)، وهو الشيء الحائل دون الشيء، يسمى مانعًا.
وأما في الاصطلاح فإن المانع هو الذي يحصل لوجوده العدم، أو يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه العدَم، عكس الشرط؛ الشرط: يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود، أما المانع فبالعكس، فإذا تمت شروط الشاهد السابقة الستة بقي علينا شيء آخر: وهو انتفاء الموانع، إذا انتفت الموانع قبلنا شهادته وحكمنا بها، وإن وُجِد واحد من الموانع رددنا شهادته.
هل الأصل وجود المانع أو عدم المانع؟
الأصل عدم المانع، وعندنا نصوص عامة للشروط التي تجب في الشاهد، وننظر الآن هذه الموانع التي ذكرها المؤلف، هل هي وجيهة بحيث يمكن أن نخصص بها تلك العمومات أو لا؟
لننظر، يقول المؤلف: (لا تقبل شهادة عمودي النسب بعضهم لبعض).
يريد بـ (عمودي النسب) الأصول والفروع، الأصول من الأمهات، والآباء، والجدات، والأجداد.
هؤلاء أصول، وسموا أصولًا؛ لأن الإنسان يتفرع منهم.
والعمود الثاني: الفروع، وهذا هو العمود النازل، والأول العمود الصاعد.
هذا العمود النازل هم الفروع؛ يعني: الأبناء، والبنات، وأولاد الأبناء، وأولاد البنات وإن نزلوا.
هؤلاء لا تُقبل شهادة بعضهم لبعض وإن كانوا عدولًا، وإن تمت فيهم الشروط الستة السابقة، فلو شهد أبٌ لابنه لم تُقبل شهادته، أو ابن لأبيه لم تُقبل شهادته، أو شهد ولد لأمه لم تُقبل شهادته، أو أم لولدها لم تُقبل شهادتها.
المهم أن هذا مانع، فما هو الدليل على كونه مانعًا؟
يقول: الدليل قوة التهمة؛ لأن الإنسان متهم إذا شهد لأصله، أو شهد لفرعه، فإذا كان متهمًا فإن ذلك يمنع من قبول شهادته لاحتمال أن يكون قد حابى أصوله أو فروعه.
إذن الدليل على أن هذا مانع هو تعليل وليس دليلًا من الكتاب والسنة، ولكنه تعليل، وهو قوة التهمة، أليس كذلك؟ قوة التهمة.
إذا علمنا أن التهمة معدومة؛ لكون الأب أو الأم مبرزًا في العدالة، لا يمكن أن تلحقه تهمة، فهل نقبل الشهادة أو لا؟
كلام المؤلف يقول: لا، ما نقبل الشهادة، حتى لو كان الأب من أعدل عباد الله، أو الابن من أعدل عباد الله، فإنه لا تقبل شهادته؛ لأن كونه في هذه المرتبة من العدالة أمر نادر، والنادر لا حكم له، فالعبرة بالأغلب، والأغلب أن الإنسان تلحقه التهمة فيما إذا شهد لأصوله أو فروعه، ولا سيما في عصرنا الحاضر الذي غلبت فيه العاطفة على جانب العقل والدين عند كثير من الناس.
فيه قول آخر في المسألة: أنها تقبل شهادة الأصول لفروعهم، والفروع لأصولهم إذا انتفت التهمة، وأن العبرة في كل قضية بعينها.
وجه ذلك: أن العمومات الدالة على قبول شهادة العدل لا يُستثنى منها شيء، إلا بدليل واضح بَيِّن يمكننا أن نقابل به عند السؤال، وإلا فإن الله يقول: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]، وهؤلاء من رجالنا، ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، وهؤلاء من ذوي العدل، سواء قلنا: إن العدل استقامة الدين والمروءة مطلقًا، أو قلنا: إن العدل هو العدل في تلك الشهادة المعينة كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، فنقول: إذا كان هذا الأب مبرزًا في العدالة، لا يمكن أن يشهد لابنه إلا بشيء هو الواقع، نعلم هذا من حاله، فنقول: هذا الرجل ذو عدل في هذه الشهادة؛ لأنه متهم ولا غير متهم؟ غير متهم، فننظر إلى كل قضية بعينها، لا سيما إذا وُجِدت قرائن تؤيد ما شهدوا به، فإن هذا يكون نورًا على نور.
فعلى هذا القول نقول: هل الأصل القبول أو الأصل المانع؟
طالب: القبول.
طالب آخر: على الأصل القبول.
الشيخ: لاحظوا، إذا قلنا: الأصل القبول صرنا لا نرد شهادتهم حتى نعلم التهمة.
إذا قلنا: الأصل المانع، صرنا نمنع شهادتهم حتى توجد قرينة قوية، وهي بروزه في العدالة بحيث لا يشهد إلا بما هو حق.
طالب: الثاني.
الشيخ: إي، الظاهر أن الأصل التهمة، لا سيما في زمننا هذا، وبناءً على ذلك نقول: إذا ثبت أنه مُبرِّز بالعدالة، وأنه لا يمكن أن يشهد إلا بالحق، فحينئذٍ أيش؟ تُقبل الشهادة.
هل تقبل الشهادة عليهم؟ الشهادة على الأصول والفروع؟
تُقبل الشهادة عليهم بنص القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]، وهذه ما فيها إشكال، تُقبل الشهادة عليهم للآية الكريمة؛ ولأن التهمة منتفية غالبًا، أو لازمًا؟
طلبة: غالبًا.
الشيخ: يعني ممكن واحد يشهد على ابنه بالزور؟
طالب: قليل.
الشيخ: يمكن، إي نعم، يكون بينه وبين ولده سوء تفاهم مثلًا وخصام، وعداوة شديدة، ويشهد عليه.
طالب: لكن هذا خلاف الأصل.
الشيخ: إي نعم، بس نحن نقول: لازم أو غالب؟ قلتم: غالبًا.
إذن الشهادة للأصول والفروع على القول الراجح، أنه إذا صار الأصل أو الفرع أيش؟ مُبرِّزًا في العدالة لا تلحقه تهمة، فإن الواجب قبول شهادته إذا تمت به الشروط؛ لأنه ما فيه دليل، ما فيه إلا التعليل، والتعليل إذا انتفى انتفى الحكم.
قال المؤلف: (ولا شهادة أحد الزوجين لصاحبه) الزوجة تشهد لزوجها أو الزوج يشهد لزوجته، ما تُقبل.
الزوج رجل ذو عدْل، والمرأة امرأة ذات عدل؟ نقول: لا تُقبل، لماذا؟
للتهمة؛ لأن شهادة الزوج لزوجته متهم بها، وشهادة الزوجة لزوجها متهم، وهذا هو الغالب، وغلبته أقل من غلبة الأصول والفروع؛ لأن العداوة بين الأزواج كثيرة أكثر من العداوة بين القرابات، كثيرة جدًّا، فإذا شهد أحد الزوجين لصاحبه لم يُقبل، ونقول في هذه المسألة كما قلنا في المسألة الأولى، بل أولى أنه إذا كان الزوج أو الزوجة مبرزًا في العدالة، فإن الشهادة تُقبل، لو علمنا أن هذا الرجل لا يمكن أن يشهد لزوجته إلا بما هو الحق، فإننا نقبل شهادته لها، أو علمنا بأن هذه الزوجة لا يمكن أن تشهد لزوجها إلا بما هو الحق فإننا نقبل شهادتها.
وهل الأصل المانع أو عدمه؟
نقول -كما سبق-: الأصل المانع، حتى يوجد دليل يدل على امتناع شهادة الزوج لزوجته بغير الحق وبالعكس.
وقول المؤلف: (أحد الزوجين) هل يشترط الدخول، أو وإن كان قبل الدخول؟
وإن كان قبل الدخول، فإذا شهد لها وقد عقد عليها فإنها لا تُقبل.
المخطوبة هل يُقبل أن يشهد لها؟
ليست زوجة، لكن ربما تكون التهمة أقوى، أنه يشهد لها من أجل تمضي في القبول.
نقول: ولو كان؛ يعني ولو كان هذا أمرًا واقعًا، أنه قد يشهد لمخطوبته من أجل أن تمضي في القبول فإننا نقبله.
نعم، لو وُجِدت قرائن تكذبه فهذا شيء آخر، لكن من حيث هو خاطب، فإن ذلك لا يمنع قبول شهادته لمخطوبته ولا شهادتها له أيضًا.
طيب، الْمُطَلَّقة؟
المطلقة إن كانت قد انتهت عدتها، فلا شك في قبول شهادته لها؛ لأنه لا علاقة بينه وبينها، وإن كانت في العدة، فإن كانت رجعية فحكمها كالزوجة لا تُقبل شهادته لها، وإن كانت بائنًا فمحل نظر؛ لأنك إن نظرت إلى أنها معتدة له قلت: إنها مشتغلة ببعض متعلقات النكاح، ولها نوع صلة بالزوج، وإن قلت: إنها بائن قلت: انقطعت العلاقة بينهما.
إذا كانت الزوجة قد ماتت، تُقبل شهادته لها؟
طلبة: (... ).
الشيخ: مُلك.
طالب: ما تقبل شهادته.
الشيخ: انتبهوا، ماتت الله المستعان؟
طالب: تُقبل.
طالب آخر: مع التفصيل.
الشيخ: فيه تهمة من جهة أخرى، في الإرْث إذا كان يشهد بمال سيجر إلى نفسه نفعًا، أو يدفع عنها ضررًا.
إذن انتهينا من كلام أحد الزوجين لصاحبه، وقلنا: إننا نقول فيه كما قلنا في شهادة الأصول والفروع أنه إذا كان مُبَرِّزًا في العدالة فإنها تقبل؛ لأن هذا هو مقتضى عمومات الكتاب والسنة.
طالب: (... ) القول الراجح؟
الشيخ: ذكرنا، البائن قلنا: محل نظر.
قال: (وتقبل عليهم) على مَنْ؟ على الأصول، والفروع، والزوجين، فتقبل شهادة الزوج على زوجته، والزوجة على زوجها، مثل أن يشهد على زوجته بأنها باعت ملكها على فلان أو بأنها اعتدت على فلان، وأتلفت ماله، أو ما أشبه ذلك، نقول: هذا جائز ولَّا لا؟
طالب: جائز.
الشيخ: انتبهوا، اعتدت على مال فلان فأتلفته، شهد عليها، جائز؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لأنه يشهد؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: أنها باعت ملكها على فلان؟ لا يشهد؛ لأن البيع ما هو على الإنسان، البيع له وقد يكون عليه؛ لأنه له حيث سيطالب المشتري بماذا؟ بالثمن، وعليه حيث سيطالبه المشتري بالسلعة.
قال: (ولا من يجر إلى نفسه نفعًا) يعني ولا تُقبل شهادة من يجر إلى نفسه نفعًا.
(أو يدفع عنها ضررًا) من يجر إلى نفسه نفعًا لا تُقبل شهادته، مثل أن يشهد الشريك في مال مشترك، شريكان في مال، فباع أحدهما المال المشترك، ثم إن الأشياء نزلت فادعى المشتري أنه ما اشترى، والشريك يدعي أنه باع أو لا؟ أنه باع على هذا الذي أنكر، فشهد الشريك لشريكه فلا يقبل.
لماذا؟ لأنه يجر إلى نفسه نفعًا؛ لأنه إذا تم البيع استفاد هو؛ لأنه شريك، فلا تقبل شهادة الشريك فيما هو شريك فيه لشريكه.
كذلك لو شهد الورثة بجرح الموروث قبل اندماله، ثم مات الموروث من الجرح؛ فإن شهادتهم لا تقبل، لماذا؟ لأنهم سيجرون إلى أنفسهم نفعًا بهذه الشهادة.
ما هو النفع؟ الدية.
أو يَدْفَعُ عنها ضَرَرًا، ولا عَدُوٍّ على عَدُوِّه كمَن شَهِدَ على مَن قَذَفَه أو قَطَعَ الطريقَ عليه، ومَن سَرَّه مُساءَةَ شخصٍ أو غَمَّه فَرَحُه فهو عَدُوُّه.
(فصلٌ)
ولا يُقْبَلُ في الزنا والإقرارِ به إلا أربعةٌ، ويَكْفِي على مَن أتى بَهيمةً رَجُلانِ، ويُقْبَلُ في بَقيَّةِ الْحُدودِ والقِصاصِ وما ليس بعُقوبةٍ ولا مالٍ ولا يُقْصَدُ به المالُ ويَطَّلِعُ عليه الرجالُ غالبًا كنِكاحٍ وطلاقٍ ورَجْعَةٍ وخُلْعٍ ونَسَبٍ ووَلاءٍ وإيصاءٍ إليه يُقْبَلُ فيه رجلان، ويُقْبَلُ في المالِ وما يُقْصَدُ به كالبيعِ والأَجَلِ والخِيارِ فيه ونحوِه رجلان أو رجلٌ وامرأتان أو رجلٌ ويَمينُ الْمُدَّعِي، وما لا يَطَّلِعُ عليه الرجالُ غالبًا كعيوبِ النساءِ تحتَ الثيابِ والبَكَارَةِ والثُّيُوبَةِ والْحَيْضِ
الدية ستكون لهم، ولَّا لا؟ ستكون لهم، شهدوا أن زيدًا هو الذي جرح مُوَرِّثهم جرحًا مميتًا، ومات المشهود له، نقول: شهادتكم ما تقبل.
كيف ما تقبل؟ قال: نعم؛ لأنهم لما شهدوا الآن يجُرُّون إلى أنفسهم نفعًا؛ إذ سيلزم الجارح دية الميت، وإذا لزمته الدية من يرثها؟ هؤلاء الذين شهدوا، فلا تقبل شهادتهم؛ لأنهم يجُرُّون إلى أنفسهم نفعًا.
ويش صورة المسألة؟
طالب: صورتها يا شيخ أن (... ).
الشيخ: طيب.
طالب: إذا كان الشاهد..
الشيخ: ويش مثال من يجر لنفسه نفعًا؟ المثال الأول بسيط، مسألة الشريك هذه واضحة، ما هي مشكلة.
الطالب: المسألة الثانية: ورثة شهدوا على رجل أنه جرح مُوَرِّثهم قبل مماته، لا تقبل شهادتهم؛ لأنهم يجرون بذلك نفعًا إلى أنفسهم؛ حيث تلزم الذي شهدوا عليه الدية.
الشيخ: وهم الذين سيرثونها.
طالب: ما معنى (اندماله)؟
الشيخ: اندماله؛ يعني: برؤه.
إذن -يا جماعة- فهمنا مثالين لمن يجر إلى نفسه نفعًا.
قال المؤلف: (أو يدفع عنها ضررًا) شهد إنسان شهادة تستلزم أن يدفع ضررًا عن نفسه، ما تقبل.
ليش؟ لأنه متَّهم، العلة التهمة، كل الموانع هي العلة؛ التهمة.
مثاله: جَرْحُ العاقلةِ شهودَ قتلِ الخطأ.
يحتاج إلى ترجمة هذا؟
طلبة: إي.
الشيخ: طيب، إنسان قتل شخصًا خطأ؛ غصبًا، يبغي يرمي صيدًا ورماه فأصاب إنسانًا ومات، الجناية الآن خطأ، الدية على من؟ الدية على العاقلة، حصلت الدعوى عند الحاكم فأنكر القاتلُ، قال: أبدًا، ما قتلته، فجاء أولياء الميت المقتول بشهود يشهدون بأن فلانًا هو الذي قتله خطأً، عاقلة القاتل قالوا: هؤلاء الشهود فسقة ما تقبل شهادتهم، لماذا يشهدون بهذه الشهادة؟ لئلا يثبت القتل، فتلزمهم الدية.
إذن شهادتهم هذه تتضمن دفع ضرر عنهم، فلا تقبل شهادتهم.
طالب: ويش (العاقلة) يا شيخ؟
الشيخ: العاقلة هم عصبة القاتل؛ يعني: أبناؤه وآباؤه وإخوانه وأعمامه وبنوهم، هذه العاقلة.
الإنسان إذا قتل خطأً ما عليه شيء من الدية، الدية على عاقلته، بنو عمه وغيرهم يحملون إياها.
من يأتي بالمثال لنا؟
طالب: قتل خطأ، فطلب ورثة الميت الدية، وعندما حضروا إلى القاضي أنكروا، فعندما أتوا هؤلاء بالبينة ورثة الميت قدموا البينة التي قتل بها..
الشيخ: تشهد أنه هو القاتل.
الطالب: تبين أنه هو القاتل، وأتى هذا القاتل بشهود أن هذا الشيء الذي قتل به ليس ملكه؛ يعني: قتله بمسدس..
الشيخ: لا.
طالب: قاتل قتل خطأ، جاب شهود (... ) قتل خطأ، فشهادة هؤلاء لا تقبل؛ لأنه لا (... ).
الشيخ: لا، إلى الآن.
طالب: عندما أتى ورثة..
الشيخ: هذا رجل يرمي صيدًا، يصيد، فأصاب إنسانًا وقتله.
الطالب: أتى ورثة المقتول (... )، فشهدوا على هذا القاتل.
الشيخ: لا، ما شهدوا، ورثة المقتول.
الطالب: القاتل خطأ عندما أتوا إلى القاضي أنكروا أنه قتله، فأتوا الشهود -شهود المقتول- وعصبته قالوا: إنه هو القاتل.
الشيخ: زين، ني أتى ورثة المقتول بشهود يشهدون أنه قتل مُوَرِّثهم، كذا ولَّا لا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: واضح يا جماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صحيح.
الطالب: فأتى هو بشهود أنهم فسقة.
الشيخ: لا، سبحان الله!
طالب: العاقلة لما الشهود شهدوا أن مورثهم قتل ابنهم أو ما أشبه ذلك أتت العاقلة وقالت للقاضي: إن هؤلاء الشهود فسقة.
الشيخ: جرحوهم.
الطالب: مانع من موانع الشهادة، فجرحوهم، فرد شهادتهم.
الشيخ: شهادة العاقلة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لأنهم؟
الطالب: يدفعون عن أنفسهم (... ).
الشيخ: زين، صح.
طالب: مثال يا شيخ؟
الشيخ: طيب.
أعيد المثال مرة ثانية: رجل يصطاد صيدًا، فأصاب إنسانًا فقتله ومات، هذا أول دور من أدوار القصة، فطالب أولياء المقتول القاتل بأن يدفع الدية، فأنكر القاتل يقول: ما قتلته، فأتى أولياء المقتول بشهود يشهدون بأن هذا الرجل قتل مورِّث هؤلاء خطأً، هذا الدور الثاني، فقامت عاقلة القاتل، لما ثبت عليه القتل بالشهود هؤلاء قامت العاقلة -عاقلة القاتل- وقالت: هؤلاء الشهود فسقة؛ يشربون الخمر، ويزنون، ويأكلون الربا، وجرحوهم، تقبل؟
طلبة: لا تقبل.
الشيخ: لا تقبل شهادة العاقلة بجرح هؤلاء الشهود، لماذا؟ لأنه إذا ثبت القتل أُلْزِمُوا بالدية، ألزم العاقلة هذه بالدية، فإذا شهدوا بجرح الشهود معناه أنهم يدفعون عن أنفسهم ضررًا، وحينئذٍ لا تقبل.
وهذا مثال لا حصر، فالقاعدة اللي عليها العمدة: كلما كان الإنسان يدفع بشهادته ضررًا عن نفسه فإن شهادته لا تقبل.
المهم أن نقول: كلما كان الشاهد يشهد شهادة تتضمن دفع ضرر عن نفسه فإنها لا تقبل، التهمة فيها واضحة ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم.
قال المؤلف رحمه الله: (ولا عدوٍّ على عدوه) ما تقبل شهادة العدو على عدوه، لماذا؟ لأنه متهم، هذا عدوه يشهد عليه؟ ! متهم، كلٌّ يقول..، حتى نفس المشهود عليه يقول: هذا عدوي، ما تقبل شهادته.
لكن المراد بالعداوة هنا عداوة الدنيا لا عداوة الدين؛ لأنه لو كانت عداوة الدين لم نقبل شهادة السُّني على البدعي؛ لأن السني عدو للبدعي، تقبل شهادته عليه ولَّا ما تقبل؟ تقبل، لكن العداوة لغير الدين لا تقبل شهادة العدو على عدوه، وسيمثل المؤلف لهذا، لماذا؟ لأنه مُتَّهم، كل إنسان عدو لشخص وده أنه يلحقه الضرر؛ فلهذا لا نقبل شهادته.
وإذا كان السبب في ذلك التهمة فإننا نرجع إلى ما قلنا في الأصول والفروع؛ وهو: إذا كان هذا العدو مبرِّزًا في العدالة، لا يمكن أن يشهد على أي إنسان إلا بحق حتى ولو كان عدوه فإننا نقبل شهادته، لماذا؟ لعمومات الكتاب والسنة.
هل تقبل شهادة العدو لعدوه؟
طالب: نعم.
طلبة: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى أيش؟ أنها تقبل ولَّا ما تقبل؟
طلبة: تقبل.
الشيخ: ويش هي الأولوية اللي أنتم قلتم؟ أولى من أيش؟
طالب: أولى من.. عدوه.
الشيخ: إي، غلط، هذا التعبير غلط.
طلبة: (... ).
الشيخ: إي، لا، ما تصلح.
طلبة: (... ).
طالب: ينظر إلى حاله.
الشيخ: هذا تحريف.
المهم أن نقول: هل تقبل شهادة العدو لعدوه؟ نقول: نعم، ما نقول: أولى، ولَّا: غير أولى، لماذا؟ لزوال التهمة، ما فيه تهمة.
وقال بعض أهل العلم: لا تقبل شهادة العدو لعدوه؛ لأنه يُخْشَى أن يحابيه لِيَسْلَم من شرِّه، يُخْشَى أن يحابي عدوه لِيَسْلَم من شرِّه، وما قول الشاعر عنا ببعيد:
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شِيْءٍ وِإِنْ هَانَا يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا
من أساء إليهم أحسنوا إليه، ومن ظلمهم غفروا له.
ربما يقول قائل: إنه إذا شهد لعدوه يُتَّهم، يُتَّهم في أيش؟ بدفع الضرر.
ثم يقول هذا القائل من أهل العلم: أليست الشريعة المطهَّرة قد أتت بدفع الأموال للأعداء الذين يُخاف شرهم من الزكاة؛ المؤلفة قلوبهم؟
طلبة: بلى.
الشيخ: طيب، إذن يمكن للإنسان أن يشهد لعدوه بقصد دفع شره؛ لهذا لا تُقْبَل لعدوه، ولا على عدوه.
ولكن على كل حال هذا التعليل وإن كان مَليحًا، لكن فيه بعض الشيء من النظر؛ لأننا نقول: احتمال أن يشهد لعدوه من باب المحاباة ودفع الضرر هذا شيء بعيد، وإلا يقع، ما فيه إشكال، لكنه بعيد، والأشياء والاحتمالات العقلية لا تأتي في مثل هذه المسائل العلمية والعملية، لو أردنا أن نأتي بالاحتمالات العقلية كان يقول: حتى الشهود العدول الذين ليس فيهم موانع يمكن أن يخطئوا، يمكن أن ينسوا، يمكن أن تحدث عداوة بينهم وبين المشهود عليه.