الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 8184-8223

فتعلم اللغات غير العربية إذا كان لحاجة لا بأس به، إذا كان لغير حاجة فهو لغو وإضاعة وقت، ويُخْشَى منه محبة أصحاب هذه اللغة.
إذا كان ليستبدل به اللغة العربية؛ فهذا إما مكروه وإما محرم.
والأول المباح قد يجب أحيانًا، كما إذا كان تعلم هذه اللغة وسيلة إلى إبلاغهم دين الله؛ فإن التعلم حينئذٍ يكون واجبًا؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.


طالب: الشهود إذا كانوا (... ) أسأل الله (... ) أو (... ) هل يردهما القاضي، ولَّا لازم.. ؟ الشيخ: أما على المذهب فيردهم.
وعلى القول الثاني أن العبرة بما يرضاه الناس؛ فإن بعض الذين يشربون الدخان، أو يحلقون لحاهم، تجدهم في باب الشهادة من أشدِّ الناس ثقة وأمانة.
هذا معلوم ولَّا لا؟ مشاهد.
طالب: نادر.
الشيخ: لا، ما هو نادر.
الطالب: نادر والله، كيف واحد يعني (... )؟ الشيخ: إي نعم، هو على كل حال موجود، أنا أعرف واحدًا -غفر الله له- يشرب الدخان، مبتلًى به، لكنه مستقيم في دينه وخلقه وتهجده ومبادرته إلى المسجد، ومعاملته أيضًا، أنتم ستقولون: واحد من كم؟ طالب: ملايين.
الشيخ: لكن، لا، ما هم ملايين، ما فيه ملايين إلا بمكة.
طالب: ملايين يا شيخ.
الشيخ: على كل حال، هذه المسألة.
يعني لا، قد يكون هشًّا في دينه، خصوصًا مسألة التي ابتلي بها الناس الآن مسألة الدخان وحلق اللحية.
لكنه في مسألة الشهادة ما يمكن يكذب أبدًا.
فإذا قلنا بأن المرجع إلى ما يرضاه الناس، كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة الأداء استرحنا.
والله أنا أعتقد لو تنخل الناس الآن بمنخل، هل تجد واحدًا سالمًا من الغيبة؟ الظاهر لي أنا والعلم عند الله إنه يعتبر عدالة البينة ظاهرًا وباطنًا، أعتقد والله أعلم إنه يمكن عشرة في المئة يسلمون.
طلبة: أبدًا، (... ). الشيخ: أكثر.
طلبة: (... ). طالب: هل من شروط العدالة أنه ما يرتكب معصية.
الشيخ: إي، معلوم، أن لا يفعل كبيرة، ولا يُصِرُّ على صغيرة.

طالب: كل المعاصي؟ الشيخ: كل المعاصي.
الطالب: (... ) الصحابة (... )؟ الشيخ: الصحابة عدول؛ لأن لهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما صدر منهم.
كما مر علينا في العقيدة.


(ولا يقبل في الترجمة والتزكية).
(تزكية) يعني: نسبة الشيء إلى الزكاء، والزكاء هو العدالة، وضده: الشقاء وهو الفسق.
(التزكية) معناها أن يُنْسَب الإنسان إلى الزكاء، فيقال: هذا زكي.
(التزكية) لا بد فيها من عدلين على كلام المؤلف، وعلى المذهب حسب الشهادة، إن كان شهد في أمر لا بد فيه من أربعة، فلا بد في التزكية من أربعة، وعلى القول الثاني اختيار شيخ الإسلام أنه يكفي فيها واحد؛ لأن التزكية تعريف بحال المُزكي، ما هي شهادة، تعريف بحاله، فإذا زُكِّي كفى في ذلك واحد، ثم يُحكم بشهادته.
(التزكية) مثل أن يقول: فلان عدل، فلان ثقة، وما أشبه ذلك.
فإن قال: لا أعلم عليه إلا خيرًا، ففي كون هذا تزكية قولان لأهل العلم: منهم من قال: إن هذا ليس بتزكية؛ لأنه نفى علم الشر، ونفيُ العلم لا يدل على العدم، فهذا الرجل الذي قال: لا أعلم إلا خيرًا.
نقول: صحيح، هو ما يعلم إلا خيرًا، ولكن قد يكون هذا الذي قيل فيه: لا نعلم عليه إلا خيرًا، يعمل شرًا لا يطلع عليه هذا الذي قال فيه: لا نعلم عليه إلا خيرًا.
فلا تكون تزكية؛ لأن المزكي يُشْتَرط فيه شروط سنذكرها إن شاء الله تعالى.
وقال بعض العلماء: إنها تزكية؛ اعتبارًا بظاهر الحال، ولعل هذا الخلاف، لعله يومئ إلى الخلاف في ما سبق؛ هل الأصل في المسلم العدالة، أو الأصل عدم العدالة؟ وسبق الخلاف في هذا.
أما إذا قال: ثقة، أو مقبول الشهادة، أو عدل، أو ثبت، أو ما أشبه ذلك، فهذه تزكية بلا شك.
يشترط في المزكي أن يكون أمينًا، فإن لم يكن أمينًا فإن تزكيته لا تُقْبَل؛ لأنه هو نفسه يحتاج إلى من يزكيه.

والشرط الثاني: أن يكون ذا خبرة بباطن حال المُزكَّى، أن يكون ذا خبرة بباطن حاله؛ بحيث نعلم أن بينه وبينه رابطة؛ إما صحبة، وإما جوار، وإما معاملة طويلة، تعرف بها حال المُزكَّى، فلا بد من خبرة.
وهل يُزَكِّي بالاستفاضة؟ الجواب: نعم، له أن يزكي بالاستفاضة، مثل أن يستفيض عند الناس أن هذا الرجل رجل مستقيم الخلق والدين، فيشهد هو بعدالته بناء على الاستفاضة.
ولا بد من القول بجواز التزكية بالاستفاضة؛ لأننا الآن نحن نزكي الإمام أحمد بن حنبل، والإمام الشافعي، والإمام أبي حنيفة، والإمام مالكًا، هل نحن عاشرناهم؟ طالب: لا.
الشيخ: لا، ما عاشرناهم، ولا صاحبناهم، ولكن بالاستفاضة، أمر مستفيض، حتى لو ما راجعنا كلام الناس فيهم فإنهم عندنا ثقات عدول؛ بناءً على الاستفاضة.
فصار الآن، يشترط في المزكِّي أن يكون أمينًا، وأن يكون ذا خبرة بباطن حال المُزكَّى، إلا أن يشهد أو إلا أن يزكي بناء على الاستفاضة فيكفي أن يكون هذا الشيء مستفيضًا عند الناس.
ولا بد أيضًا في الجرح من عدلين يشهدان بجرحه.
الجرح نوعان: نوع مُفَسَّر، ونوع مُجمل مبهم.
الجرح المبهم أن يقول: فلان فاسق، فلان غير مقبول الشهادة، وما أشبه ذلك، هذا جرح مبهم.
والجرح المفسر أن يقول: فلان يشرب الخمر، أو فلان يزني، أو فلان يغش الناس، أو فلان يغتاب الناس، هذا جرح مفسر.
الجرح بنوعيه لا يُقْبَل إلا من ثقة، لا بد أن يكون أمينًا، وأن يكون عالمًا بحال المجروح؛ أي: ذا خبرة بحاله، أو شاهدًا بما اشتهر من جرحه، يعني أن الشهادة بالجرح كالشهادة بالتزكية، فلا بد فيها إذن من عدلين.
والخلاف في التزكية كالخلاف في الترجمة؛ لأن كلًا منها لا من الترجمة.. والتعريفِ والرسالةِ إلا قولُ عَدْلَيْنِ، ويُحْكَمُ على الغائبِ إذا ثَبَتَ عليه الحقُّ وإن ادَّعَى على حاضرٍ في البلدِ غائبٍ عن مَجْلِسِ الحكمِ وأتى ببَيِّنَةٍ لم تُسْمَع الدَّعْوَى ولا البَيِّنَةُ.

(بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي)

يُقْبَلُ كتابُ القاضي إلى القاضي في كلِّ حقٍّ حتى القذفِ، لا في حدودِ اللهِ كحدِّ الزنا ونحوِه، ويُقْبَلُ فيما حَكَمَ به ليُنْفِذَه وإن كان في بلدٍ واحدٍ، ولا يُقْبَلُ فيما ثَبَتَ عندَه ليَحْكُمَ به إلا أن يكونَ بينَهما مسافةُ القَصْرٍ، ويَجوزُ أن يَكْتُبَ إلى قاضٍ مُعَيَّنٍ وإلى كلِّ مَن يَصِلُ إليه كتابُه من قُضاةِ المسلمينَ, ولا يُقْبَلُ إلا أن يُشْهِدَ به القاضي الكاتبُ شاهدينِ, فيقرؤه عليهما ثم يَقولُ: اشْهَدَا أنَّ هذا كتابِي إلى فُلانٍ ابنِ فلانٍ.
ثم يَدْفَعُه إليهما.

(بَابُ القِسْمَةِ)

لا تَجوزُ قِسمةُ الأملاكِ - التي لا تَنقسِمُ إلا بضَرَرٍ أو رَدِّ عِوَضٍ - إلا برضا الشُّركاءِ، كالدُّورِ الصغارِ والحمَّامِ والطاحونِ الصغيرينِ والأرضِ التي لا تَتَعَدَّلُ بأجزاءٍ ولا قِيمةٍ المعنى في اللغة المترجم بها عن المترجم عنها، والمزكِّي والجارح كذلك يخبر بحال هذا الشيء، فهو مُعرِّف في الواقع، ولهذا اختار شيخ الإسلام في المسائل هذه كلها أن الواحد العدل يكفي.
(التعريف) يكفي في التعريف أيضًا -على كلام المؤلف- شاهدان.
ويش معنى التعريف؟ التعريف بأن هذا فلان ابن فلان، وهو في الحقيقة تعريف بالمحكوم له، والمحكوم عليه، والمحكوم به -ثلاثة- هكذا؟ طالب: المحكوم له، والمحكوم به، والمحكوم عليه.
الشيخ: المحكوم له هو الذي يثبت له الحق، وعليه؛ عليه الحق، وبه؛ المدَّعَى به.
فمثلًا تخاصم رجلان في هذا الكتاب، المحكوم له هو الذي يستحق هذا الكتاب، وعليه: الذي لا يستحقه، وبه: هذا الكتاب.
كيف التعريف؟

التعريف أن يقول الحاكم: أنا ما أعرفكم، كيف بكتب تخاصم عندي فلان وفلان وفلان، وأنا ما أعرفكم؟ ! يجيبون واحدًا يعرفهم، يقول: هذا المدَّعِي اسمه فلان ابن فلان ابن فلان، المدَّعَى عليه اسمه فلان ابن فلان ابن فلان، المدَّعَى به، يقول: نعم، هذا الكتاب أنا أعرف أن هذا هو المدَّعَى به، وهذا هو الذي حصل عليه النزاع بينهما.
فصار التعريف عند الحاكم له ثلاثة أطراف، أيش؟ طالب: له وعليه وبه.
الشيخ: أيش له وعليه وبه؟ محكوم له، وعليه، وبه، كل هذه تحتاج إلى تعريف، فإذا عرَّفَها واحد -على رأي شيخ الإسلام- كفى، وعلى ما في هذا المؤلف لا بد من اثنين، وعلى المذهب ينبني على الشهادة، فإن كان التعريف فيما يُشْتَرَط فيه أربعة في الشهود فلا بد من أربعة، إلى آخره.
(الرسالة)، الرسالة أيضًا لها عدة صور، منها ما سيأتي -إن شاء الله- في كتاب القاضي إلى القاضي أن يُرْسِل أحد القضاة كتابًا إلى قاضٍ آخر، لا بد فيها من عَدْلَيْن يحملان الكتاب ويوصِلانه إلى المكتوب إليه، ويَشهدان به.
شوف كيف؟ أنتم لا تتصورون الحال فيما سبق كالحال الآن، الآن يكفي في الرسالة أنه يكتب الكتاب ويسجِّله في البريد، ويضع عليه الرقعة الحمراء، وينتهي، لكن فيما سبق ما فيه بريد، إذا أراد القاضي أن يكتب إلى قاضٍ آخر، كتب الكتاب، ثم جاب اثنين يقرأه عليهما ويُشَهِّدهم بما فيه، ثم يقول: خذوه روحوا به إلى فلان، إذا وصلَا إلى القاضي المكتوب إليه يَشهدان بأن هذا كتاب فلان القاضي إليك أيها القاضي الثاني.
لا بد فيها من عدلين.
فيها أيضًا صورة ثانية -في الرسالة-: الرسالة إذا بعث الحاكم مَن يبحث عن حال الشهود فإنه لا بد فيه من عدلين.
كيف يبحث عن حال الشهود؟ سبق لنا أن القاضي إذا جهل حال الشهود يسأل عنهم، فإذا بعث مَن يسأل عنهما لا بد أن يكون المبعوث رَجُلَيْن على ما مشى عليه المؤلف، واختار شيخ الإسلام -رحمه الله- في هذا أيضًا أنه يكفي واحد.

فعندنا الآن: الترجمة، والتزكية، والجرح، والتعريف، والرسالة، كم هذه؟ خمسة أشياء، المذهب: حكمها في التعدد حكم الشهادة، والذي مشى عليه المؤلف أنه يكفي فيها رجلان، والذي اختاره شيخ الإسلام أنه يكفي فيها واحد؛ لأن المقصود فيها البيان والتعريف، فهي خبر وليست بشهادة، ولهذا تصح حتى بالكتابة، وعلى القول بأنها شهادة لا بد من المشافهة، يعني معناه أنه لو كتب أحد معروف الخط إلى القاضي بأني أُزَكِّي فلان ابن فلان، كفى عند شيخ الإسلام، وعلى المذهب لا يكفي؛ لأن الشهادة لا بد فيها من المشافَهة.
قال المؤلف: (إلا قول عَدْلَيْن).
ويش إعراب (قول عدلين)؟ (إلا قولُ) أو (إلا قولَ)؟ طالب: نائب فاعل.
الشيخ: نائب فاعل، ليش؟ طالب: نائب فاعل لـ (يقبل).
الشيخ: لـ (يقبل)، (ولا يُقْبَلُ) في كذا وكذا وكذا (إلا قولُ عدلين) فهي نائب فاعل، الاستثناء إذن؟ طالب: مُفَرَّغ.
الشيخ: مُفَرَّغ، صح.
وقوله: (عدلين)، العدل في اللغة: الاستقامة، ويطلق على المستقيم نفسه؛ لأنه مصدر، والمصدر يصح أن يُنعَت به، ويوصَف به، كما قال ابن مالك: وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرَا فَالْتَزَمُوا الْإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيرَا

وكذلك يُخْبَرُ به مفرَدًا ولو عن جماعة.
وأما المراد بالعدل هنا في الاصطلاح: فهو مَن استقام في دينه ومروءته، هذا العدل: مَن استقام في دينه ومروءته؛ أما في دينه فأن يؤدي الفرائض، وأن يجتنب الكبائر والإصرارَ على الصغائر، ثلاثة.
الأول: يؤدي الفرائض، ثانيًا: يجتنب الكبائر، ثالثًا: يجتنب الإصرار على الصغائر، فلو فعل كبيرة واحدة ولم يَتُب منها لم يكن عدلًا، وإن فعل صغيرة فقط ولم يُصِرَّ فهو عدْل، فإن أصَرَّ فليس بعدل، وإن ترك شيئًا من الفرائض فليس بعدل، الفرائض المؤكَّدة اللازمة، كبِرِّ الوالدين مثلًا، وصلة الأرحام، والفرائض الخمس، الصلوات إذا ترك واحدة وقلنا بأنه لا يكفر، فإنه ليس بعدل.

وبناءً على هذا القول في تعريف العدل يكون الذي يحلق لحيته ليس بعدل، إذا شهد لا تُقْبَل شهادته؛ لأنه مُصِرٌّ على صغيرة، والذي يشرب الدخان ليس بعدل؛ لأنه مُصِرٌّ على صغيرة، والذي يغتاب الناس -ولو مرة واحدة ولم يتُب- ليس بعدل؛ لأنه فَعَلَ كبيرة.
إذا طبَّقنا هذا التعريف في العدالة على حال الناس اليوم فأظنك لا تكاد تجد إلا واحدًا في المائة، يعني عشرة في الألف! على كل حال، المهم أنه نادر أن يوجد مَن يتصف بالعدالة على هذا التفسير، لكن الذي يُقَلِّد المذهب لا بد أن يمشي على هذا.
من استقام في مروءته، الاستقامة في المروءة ألَّا يفعل ما يُخِلُّ بالمروءة، يعني بالشرف والعادات، فإن فَعَلَ ما يُخِلُّ بذلك فليس بعدل، ولو كان مستقيم الدين، ومثَّلوا له بالذي يأكل في السوق، ويشرب في السوق، ويمشي جاعلًا مِشْلَحَهُ على طرف، يسحب معه طرفًا ومرتفع من طرف آخر، ويُصَلِّع، يُصَلِّع يعني: ما يكون عليه غُتْرَة ولا طاقية، لكن طبعًا في بلد هذا عُرفهم كل هؤلاء مخالِفُون للمروءة، ومنه أيضًا أن يُنَقِّم الفصفص في مجالس ذوي الهيئات والمروءة.
وكل هذا ما دمنا نقول: إنها مخالفة العادات، يتغير ولّا ما يتغير؟ يتغير بحسب العادات، في زمن مضى لا يمكن أن تجد أحدًا معه إبريق شاي يتقهوى بالسوق أبدًا، والآن كثير، يتقهوون في السوق قهوة شاهي وقهوة مُر، وربما يجيبون أيضًا فُطُورًا، ولا يُعَد هذا مخالفًا للمروءة، كان في الزمن السابق ما يمكن تلقى أحدًا يُصَلِّع إطلاقًا، حتى الصغار يشترون لهم طاقية ويلبسونهم إياها، الآن خَفَّ الأمر، يعني الصغار اللي لهم مثلًا عشرون سنة فأقل يمشي في السوق مُصَلِّع ما على باله، الأول ما يمكن، حتى كان الأول لو أن الإنسان يترك لبس الْمِشْلَح وهو كبير لَعَدَّهُ الناس مخالفًا للمروءة، ولكن الآن تغيَّرت الحال.

على كل حال إذا كانت المروءة مقيَّدة بالعادات فإنها سوف تتغير بتغير العادات، بخلاف المعلَّق بالشرع فإنه لا يتغير، ثابت إلى يوم القيامة.
مَن العدل اصطلاحًا؟ من استقام في دينه ومروءته.
الاستقامة في الدين تتضمن ثلاثة أشياء: القيام بالفرائض، اجتناب الكبائر، عدم الإصرار على الصغائر.


قال المؤلف رحمه الله: (ويُحْكَم على الغائب إذا ثبت عليه الحق).
طالب: (... ). الشيخ: بيجينا إن شاء الله في الشهادات.
(يُحْكَم على الغائب إذا ثبت عليه الحق).
الغائب إما أن يكون في البلد، أو خارج البلد، والذي في البلد إما أن يكون مُستَتِرًا مختفيًا، أو غير مستتر، يعني يخرج يروح يأتي مع الناس، فالأقسام ثلاثة: غائب في البلد غير مُسْتَتِر، يعني: غائب ما هو حاضر في مجلس الحكم لكنه غير مُسْتَتِر.
والثاني: مُسْتَتِر، متخفٍّ، يعني مثل ما يقول العامة عندنا: مُتَغَبٍّ عن الناس.
والثالث: غائب عن البلد خارج البلد.
يقول المؤلف: (يُحْكَم على الغائب إذا ثبت عليه الحق).
المراد بالغائب هنا: الغائب عن البلد، أو الذي في البلد لكنه مُسْتَتِر مُخْتَفٍ، ما يمكن الوصول إليه، ففي هذين الحالين يُحْكَم على الغائب إذا ثبت عليه الحق، فإذا جاء رجل إلى القاضي، وقال: أنا أدَّعِي على فلان ابن فلان بمئة ريال مثلًا، قال: طيب وين هو؟ قال: في مكة، يَحْكُم عليه، إذا جاء المدَّعِي بشهود اثنين يَحْكُم عليه، أعرفتم؟ لأن الغَيْبة هنا بعيدة؛ مسافة قصر، وإذا كانت بعيدة مسافة قصر حُكِم عليه إذا ثبت عليه الحق.
فإن ادعى على هذا الغائب، وقال: أنا أدَّعِي عليه بمئة ريال، قال له: طيب، الشهود؟ قال: ما عندي شهود، لكن حَلِّفْه، ويش يقول القاضي؟ يقول: أَحْضِرْهُ وحَلِّفه، لكن متى يُحْكَم؟ إذا ثبت عليه الحق.

إذا كانت عينًا بأن قال: أنا أدَّعِي على فلان أنه باع عليَّ بيته.
قال: جيب شهود، قال: هذا الشهود حضروا، يحكم عليه ولَّا لا؟ يحكم عليه؛ لأن الحق الآن ثبت، ادَّعَى وأتى ببيِّنة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (1)، وأحضر البينة، فيُحْكَم عليه.
هذا الذي ذكره المؤلف حكمٌ يحتاج إلى دليل، الدليل قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم لهند بنت عتبة أن تأخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها وولدها بالمعروف، حيث جاءت إليه تقول: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي، فقال: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعرُوفِ» (2)، فحَكَمَ عليه وهو غائب، قالوا: هذا دليل على أنه يُحْكَم على الغائب.
أما التعليل فلأننا لو لم نحكم له لضاع حقه؛ لأن هذا غائب ما ندري هل يحضر، أو لا يحضر، أو يموت، وكذلك إذا كان في البلد لكنه مستتر مُتَغَبٍّ عن الناس، فإن استتاره أيضًا يدل على أنه مُبْطِل، فلهذا لا نُضَيِّع حق هذا الرجل الذي ثبت له الحق، بل نحكم له به، أعرفتم؟ هذا المذهب.
وفي المسألة خلاف، الخلاف الذي في المسألة يقول: إنه لا يُقْضَى على الغائب، الدليل؛ قالوا: عندنا دليل من القرآن، ودليل من السنة، ودليل من النظر، فزادوا على الأوَّلِين بدليل القرآن.

أما القرآن فقالوا: إن الظاهر من قصة داود عليه الصلاة والسلام أن الله سبحانه وتعالى لَامَهُ حيث حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع حجة الآخر، وذلك في القصة التالية: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: 21، 22]، ثم قال المدَّعِي: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: 23]، هذه صورة الدعوى.
الحكم: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص: 24]، ولم يسمع حجة الخصم.
ففي هذ القصة أن داود عليه الصلاة والسلام احتجب عن رعيته بعبادته الخاصة، بدليل قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾، مع أن الله تعالى جعله خليفة يحكم بين الناس، والموظَّف لا يشتغل بما يشغله عن وظيفته، فإذا كان الله عز وجل قد كَلَّفَه أن يقوم بهذه المهمة، فلا ينبغي أن يختص الوقت لنفسه، ولهذا جاؤوا ووجدوا المحراب -مكان صلاته- مغلقًا، فتسوَّروا؛ لأنهم أصحاب حاجة.
ثانيًا: أن داود عليه الصلاة والسلام حكم قبل أن يُدْلِيَ الخصم بحجته التي يدافع بها عن نفسه، بمجرد ما قال: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ إلى آخره، قال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾، وهذا يدل على أنه لا يُحكَم لأحد إلا بسماع حجة صاحبه.
ولكن قد يقول القائلون بالحكم على الغائب: إن هذا حاضر، فسماع حجته سهل، بخلاف الغائب، لكن قد ورد في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَقْضِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الْآخَرِ» (3)، وهذا الحديث فيه مقال، لكن بعضهم حَسَّنه.

أما النظر فقالوا: إنه لا يمكن أن يُحْكَم لهذا الحاضر على الغائب؛ لاحتمال أن يكون قد قضاه حقه، فإذا قال: أنا أدعي عليه بمئة ريال، وأتى بالشهود، أتى بالشهود؟ أليس من الجائز أن يكون الخصم المدَّعَى عليه قد أوفى هذه المئة؟ جائز، فإذا كان جائزًا فإنه إذا وُجِدَ الاحتمال بطل الاستدلال، ما دام وُجِدَ الآن احتمال أن يكون قد قضاها، فهذه البينة صادقة فيما شهدت به، لكن احتمال القضاء وارد، يعني يبطل الحكم، بمعنى إذن يجب الانتظار في الحكم حتى ننظر ما عنده.
والحقيقة أن القولين كل منهما له وجهة نظر، وعلى هذا فالذي أرى أنه يُرجَع إلى رأي الحاكم في هذه المسألة، قد يجد الحاكم من القرائن ما يقتضي الحكم على الغائب؛ لكون هذا المدَّعِي رجلًا ثقةً عدلًا لا يمكن أن يدعي ما ليس له، والمدَّعَى عليه بخلاف ذلك، يمكن أنه رجل هارب من القضاء إلى بلد آخر، أو مُسْتَتِر لِئَلَّا يُعْلَم به، فإذا كان عنده من القرائن ما يدل على صحة دعوى المدَّعِي فليحكم بذلك، إذا لم يكن عنده قرائن فالواجب أن يُمْسِك ولا يحكم حتى يَنظر حجة الخصم؛ لاحتمال أنه قضاه.
فإن قلت: نحتاج إلى الجواب عن حديث مَن؟ هند بنت عتبة.
فالجواب عن ذلك سهل جدًّا، أن يقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أفتاها ولم يحكم لها، فهي فتوى، والفتوى غير الحكم، ويدل على أن ذلك ليس بحكم؛ أولًا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطالبها بالبيِّنة، ولو كان من باب الحكم.. أيش؟ لطالبها بالبينة؛ لأن البينة على المدَّعِي، فلما لم يطلبها عُلِمَ أنه أفتاها بمقتضى قولها فقط، فتوى.
ثانيًا: أن ذلك كان في مكة، وكان أبو سفيان حاضرًا في مكة ولم يَخْتَفِ، فلو كان قضاءً لأحضره النبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا أجاب النووي رحمه الله -وهو جواب صحيح- ما دام أبو سفيان حاضرًا ولم يختفِ، فلو كان قضاء لقال: أين أبو سفيان؟

ولا يقال: لعل الرسول صلى الله عليه وسلم حكم بعلمه في قضية أبي سفيان، وأن أبا سفيان كان مشهورًا في قومه بالبخل؛ لأننا قلنا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» (4)، كما مر علينا، فحديث هند ليس فيه دليل على القضاء على الغائب.
فيما إذا قلنا بجواز القضاء على الغائب سواء مطلقًا -كما هو المذهب- أو بحسب القرائن -كما هو المختار عندي- فإنه يجب أن نحتاط للمُدَّعَى عليه، كيف نحتاط؟ أن نقول للمُدَّعِي: احلف أنه ما قضاك، لماذا نُحَلِّفُه؟ لاحتمال القضاء، نقول: الشهود نعم شهدوا بأصل الحق، لكن فيه احتمال أنه قضاك من غير علم الشهود، فاحتياطًا لحق الغائب نقول: احلف أنه لم يَقْضِكَ.
وفي العين، إذا كان المدَّعَى به عينًا، نحتاط أيضًا ونقول للمُدَّعِي: نحن نحكم لك، لكن نريد منك كفيلًا مليئًا أو رَهْنًا مُحْرِزًا فنسلمك العين، إذن نطلب منه أيش؟ إما كفيلًا مليئًا وإما رَهْنًا مُحْرِزًا.
كيف كفيل مليء؟ نقول: جيب واحدًا غنيًّا يضمنك أنه إذا تَبَيَّن أن العين ليست لك تُسَلِّمها أو تُسَلِّم بدلها، إذا لم تجد أعطنا رهنًا من مالك رهنًا يُحْرِز يكفي لإيجاد بدل هذه العين المدَّعَى بها ونسلِّمك العين، وفي هذا حماية لحق مَن؟ لحق المدَّعَى عليه؛ لاحتمال أن تكون هذه الدعوى قد انتهى مفعولها.
الخلاف الآن في قضاء الغائب: أولًا: في أصل المسألة قولان لأهل العلم؛ قول أنه لا يُحْكَم حتى يحضر، وقول آخر أنه يُحْكَم وإن لم يحضر.
وعرفتم أدلة كل قول، ورجَّحْنا أنه يُحْكَم عليه بالقرائن، إذا دلَّت القرائن على صدق المدَّعِي حُكِم على المدَّعَى عليه.
وفي هذه الحال لا بد أن نحتاط للمُدَّعَى عليه، فإن كان المدَّعَى به دَيْنًا حلَّفْنَاه أنه لم يَقْضِه، وإن كان عينًا قلنا له: العين تبقى محبوسة ولا نسلمك إياها إلا بكفيل مليء أو رهن مُحْرِز.-

طالب: (... ) الغائب هذا (... ) نحكم عليه ثقة، يكون رجلًا ثقة مشهورًا بين الناس وهو غائب، هل نحكم عليه؟ الشيخ: إحنا ما قلنا: ننظر للقرائن؟ إذا كان الغائب ثقة والمدَّعِي الآن وسط ما هو ثقة، ما نحكم، إذا ترددنا فيهما ما نحكم أيضًا، ما نحكم على القول الراجح حتى يترجح جانب المدَّعِي.
طالب: (... ). الشيخ: الصحيح أنه ما يحتاج، إلا إذا طالت المدة، أو قيل: إنه تغيَّر، وإلَّا الأصل بقاء الأصل.
طالب: أليست ملازمته -الغريم المدَّعِي- لأجل عدم إحضار شهود له؟ الشيخ: كله، من هذا ومن هذا.
الطالب: قول شيخ الإسلام إذا كان في (... ) ألا يعارض (... ). الشيخ: لا، ما يعارض؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72].
الطالب: (... ). الشيخ: هو مولود على الفطرة، لكن إذا كَبِر ربما يتغير.
الطالب: في فطرته ليس ظلومًا جهولًا؟ الشيخ: لا، هو مولود على الفطرة التي هي التوحيد، لكن لا يلزم من كونه على التوحيد ألَّا يظلم نفسه.
الطالب: (... ). الشيخ: لا، ما هو بالظاهر؛ لأن الذين آمنوا قد يكونون خِلْقَتهم ما هي حسنة، لا، ﴿فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]، التقويم في الخَلْق والخُلُق، لكن ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 5] حتى في الخُلُق أيضًا والدين.
الطالب: ما يعارض.. الشيخ: والله الذي يظهر لي أن الأصل فيمن جُهِل ألَّا تُقبل؛ لأن الله اشترط ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ [الطلاق: 2].
طالب: شيخ، عموم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالدَّلِيلُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (1)، ما تدل على لزوم وجود المدَّعَى عليه حتى لو كان ينكر هذا يمكن أن يحلف أو.. الشيخ: يعني تدل على أنه ما تسمع الدعوى حتى يحضر؟ الطالب: إي، يعني أنه ما يُحْكَم عليه إلا.. الشيخ: إي، قد يتضرر المدعِي في الإنظار، وهذاك أيضًا ربما يكون غائبًا ويتأخر حضوره.

الطالب: نعم، نحن نجعل القاعدة أنه ما يُحْكَم عليه وهو غائب إلا إذا كانت هناك أشياء كضرر وما إلى ذلك تجعلنا نحكم عليه.
الشيخ: لا، هوالصحيح كما قلت: إنه ما يجوز القضاء على الغائب إلا إذا وُجِدَت قرائن تدل على صدق المدَّعِي، هذا هو الأصل، يعني على الإطلاق المذهب ليس بصحيح، يعني ضعيف.
طالب: رجال الحديث الْحُفَّاظ يقولون: الضعيف (... ) باب الشهادة والتعريف (... ). الشيخ: لا، واحد، هذا متَّفَق عليه؛ لأن هذا خبر يتعلق بالدين، مسألة الرواة يكفي الجرح الواحد؛ لأنه خبر ديني، ما هو مثل هذا خبر مال.
الطالب: (... ) رجل مليء أو يضع رهنًا ولا نلزم المدَّعِي إنه يتعب في ملاحقته.
الشيخ: هو قد يكون المدَّعَى به غير عين، يعني لو فُرِض أن المدَّعَى به عينًا ربما نقول كما قلت؛ أنها تُحْبَس حتى يأتي بالجرح، لكن قد يكون المدَّعَى به دَيْنًا.
الطالب: كيف نجيب رجلًا مليئًا ولا.. الشيخ: أبدًا، ما يجيب رجلًا مليئًا، كيف يجيب رجلًا مليئًا، ما ثبت عليه حتى يجيب رجلًا مليئًا.
طالب: إذا المدَّعَى عليه جرح الشهود وطالبه القاضي بالبينة، فقال: إن أحدهم مثلًا يسافر إلى بلد كفار معروفة مثلًا بالفسق والفجور، فهل هذه تكون بينة؟ الشيخ: أبدًا، تبطل، إذا مضت ثلاثة أيام ما جاب، خلاص، يُحْكَم للمُدَّعِي (... )، فإننا لا نسلم إليه المال (... ).


قال: (وَإِن ادَّعَى على حاضر في البلد غائب عن مجلس الحكم).
بقي علينا أن نبحث هذه المسألة الخلافية والاستدلال بحديث هند بنت عتبة، يعني لو قال قائل: كيف يستدل هؤلاء العلماء بهذا الحديث وعدم الدلالة فيه واضحة؟

فالجواب أن هذه المسألة ليست أول مسألة يكون الدليل فيها واضحًا ويحصل فيها الخلاف، ما أكثر المسائل التي فيها الخلاف والأدلة فيها واضحة، وما أكثر المسائل التي يستدل قائلوها بأدلة من القرآن والسنة وليس فيها دليل؛ لأن الله عز وجل يؤتي فضله مَن يشاء، فكما أن هذا غني وهذا فقير، وهذا حسن الخُلُق وهذا سيئ الخُلُق، وهذا طويل وهذا قصير، وهذا جميل وهذا قبيح، فكذلك في الفهم، وإلا فإن الإنسان بأدنى تأمل يتبين له أن قصة هند لا تدل على الحكم (... ) لا سيما أن الصورة التي وقعت فيها لا يَحْكُم بها على الغائب مَن استدل بها؛ لأنهم لا يحكمون على الغائب إلا ببينة؛ لأنه لا يمكن ثبوت الحق مع غَيْبَة المدَّعَى عليه إلا ببينة؛ لأن الإقرار متعذِّر ليس حاضرًا هو، فلا بد من البينة، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلبها.
يقول: (وإن ادَّعَى على حاضرٍ في البلدِ غائب عن مَجْلسِ الحُكم).
قوله: (إن ادَّعى) يعني إنسان، (على حاضر في البلد) لكن غائب عن مجلس الحكم، مثل الرجل في أطراف البلد المدَّعَى عليه غائب عن مجلس الحكم فادَّعَى بأنه يطلبه ألف درهم، قال: أنا أطلب فلانًا ألف درهم، وفلان في طرف البلد، وأتى المدَّعِي ببينة، فهنا لا نسمع الدعوى، ولا نسمع البينة.
يقول القاضي للمدَّعِي: اذهب، لا أسمع دعواك، أَحْضِر خصمك لأنظر في الدعوى، لماذا؟ لأن المدَّعَى عليه الآن لا يصعب إحضاره، بكل سهولة يذهب إليه ويقول: يلَّا أنا وأنت إلى الحاكم، أو يستعدي عليه الشُّرَط، أو ما أشبه ذلك، المهم أن إحضار المدَّعَى عليه في هذه الصورة صعب؟ غير مُتَعَذِّر ولا مُتَعَسِّر.
فلهذا لا تُسْمَع الدعوى ولا البينة؛ لأن سماع الدعوى ليس فيه إلا إضاعة الوقت، وشَغْل القاضي بما لا فائدة فيه، القاضي لو سمع الدعوى الآن وقال: نعم أشوف أيش الدعوى، ماذا يستفيد؟ هل يمكن يقضي عليه؟ ! ما يمكن يقضي عليه؛ لأنه حاضر في البلد.

إلا إذا كان مُسْتَتِرًا مختفيًا، يعني بأن ذهبنا إلى بيته ولم نجده، ذهبنا إلى مكان عمله ولم نجده، مثل ما يوجد الآن إذا فَلَّسَ الإنسان صار يختفي، يذهب من بيت إلى بيت ولّا يطلع بَرَّه، المهم أنه مُسْتَتِر، هو ما عُرِفَ أنه غاب عن البلد، لكنه مُسْتَتِر، طلبناه في بيته فلم نجده، في عمله لم نجده، في مسجده ما وجدناه، مستتر، فالمستتر في حكم الغائب، فتُسْمَع الدعوى والبينة ويُحْكَم عليه؛ لأن غيابه يدل على أن الدعوى عليه صحيحة، وأنه تغيَّب لئلا يدركه الحق.
وهذا يَرِد كثيرًا فيما إذا كسدت الأسواق، وضرَّت ببعض الناس، تجدهم لكثرة ديونهم لا يستطيعون مقابلة الناس، يهربون من مكان إلى مكان، فمثل هؤلاء ما نقول: والله دوله حاضرين ما نحكم عليهم ولا نسمع الدعوى عليه إلا بحضورهم، هذا فيه إضاعة للوقت.
قال: (وأتى ببينة لم تُسْمَع الدعوى ولا البينة).
وهذا واضح، كلام المؤلف واضح؛ لما قلنا؛ لأن إحضاره ليس بصعب ولا مُتَعَذِّر.


[باب كتاب القاضي إلى القاضي] ثم قال المؤلف: (بَابُ كِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي).
(كتاب القاضي إلى القاضي) لا يعني به المؤلف أن يكتب القاضي إلى القاضي يقول: كيف حالك؟ ويش شأن الخصوم عندك؟ عسى ما هي كثيرة، عسى ما عليك تعب، ما يريد هذا؛ لأن هذا ما.. هو كتاب شخص إلى شخص، ما له تعلق بالقضاء، لكن كتاب القاضي إلى القاضي فيما يتعلق بالقضاء.
كتاب القاضي إلى القاضي له صورتان؛ الصورة الأولى: أن يكتب إلى القاضي فيما ثبت عنده ليحكم به القاضي المكتوب إليه، والصورة الثانية: أن يكتب إلى القاضي فيما حكم به ليُنَفِّذه، فهاتان صورتان.
الصورة الأولى: فيما ثبت عنده، عند مَن؟ عند الكاتب، ليحكم به مَن؟ المكتوب إليه.

والثانية: فيما حكم به الكاتب ليُنَفِّذه المكتوب إليه، وهذا في الغالب ما تدعو الحاجة إليه، إلا إذا كانت العين المدَّعَى بها عقارًا، وكانت في بلد المكتوب إليه مثلًا، فإن القاضي قد يحتاج إلى ذلك، أو يكون أحد المدَّعِيَيْن في بلد القاضي المكتوب إليه، فيثْبُت عند القاضي دعوى المدَّعِي، ويحكم بالثبوت إلى القاضي الآخر ليحكم بذلك.
ما فائدة شَغْل القاضي الكاتِب بالكتابة؟ لماذا لا نقول: حَوِّلهم إلى القاضي المكتوب إليه من الأصل قبل أن تُثَبِّت الحكم؟ نقول: الفائدة أنه قد يكون القاضي المكتوب إليه أكثر عملًا من الكاتب، ويكون هذا أكثر فراغًا، فيطلب الشهود، ويُحَرِّر الدعوى، ويكتب كل ما تحتاج إليه القضية، ويكتب عدالة الشهود، وكل شيء؛ لأجل تُقَدَّم إلى القاضي المكتوب إليه ما بقي عليها إلا الحكم، وهذا لا شك أن فيه مصلحة للمكتوب إليه ظاهرة، وفيه أيضًا راحة للخصوم، بدل ما يذهبون إلى القاضي المكتوب إليه وتبقى معاملتهم أسبوعًا أو أسبوعين، أو شهرًا أو شهرين، أو سنة أو سنتين، أو قرنًا أو قرنين، تكون في –يمكن- ساعة أو ساعتين، وهذا أسهل للناس، ولا تتعجبوا إذا قلت: قرنًا أو قرنين! فيه قضايا لها خمسون سنة ومئة سنة إلى الآن ما بُتَّ فيها، ما هي غريبة؛ لأنه أحيانًا تأتي قضايا معقَّدَة، ألم تعلموا أن بعض الصكوك تكون أكبر من الباب هذا، شفت الباب هذا؟ تكون أكبر منه، بل بعض الصكوك تُجَلَّد مجلَّدات، حتى إن القاضي يبقى أسبوعًا يقراه ويقول، قال لي بعض القضاة: إذا وصلت إلى آخرها وأنا ناسٍ أولها، صحيح؛ لأن بعضها يكون معقَّدًا، من ورثة ومبيعات، وهذا أكثر ما تكون في العقارات.
على كل حال كتاب القاضي إلى القاضي فيه فائدة، ولّا لا؟ فيه فائدة تسهيل الأمر على القاضي المكتوب إليه، وتسهيل الأمر على مَن؟ على الخصوم.
ولكن لكتابة القاضي إلى القاضي شروط.

يقول المؤلف رحمه الله: (يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي فِي كُلِّ حَقٍّ حَتَّى القَذْفِ).
(في كل حق)، يعني: في كل حق لآدمي.
(حَتَّى القَذْفِ)، و (حتى) إشارة خلاف، لكن ذكر بعض المتأخِّرين أن العلماء إذا قالوا: (حتى)، فالخلاف ضعيف، وإذا قالوا: (إن) فالخلاف قوي، وإذا قالوا: (لو) فالخلاف أقوى، وهذا اصطلاح أَغْلَبِيّ، ما هو دائمًا.
(حتى القَذْفِ)، القذف هل هو حق لله أو لآدمي؟ اختلف فيه العلماء؛ فقيل: إنه حق للآدمي، وقيل: إنه حق لله عز وجل؛ فمن قال: إنه حق لآدمي، قال: هو كسائر الحقوق، يُقْبَل فيه كتاب القاضي إلى القاضي.
ومن قال: حق لله، قال: لا يُقْبَل فيه كتاب القاضي إلى القاضي.
ولكن المؤلف يقول: إنه يُقْبَل فيه كتاب القاضي إلى القاضي؛ لأن فيه شائبتين؛ شائبة حق الله، وشائبة حق الآدمي، وهي في حق الآدمي أظهر؛ لأن الذي يتلطَّخ بالقذف وتُسَاءُ سمعته مَن؟ الآدمي، إذن هو حق يَثْلِم عرضه، فصار مضافًا إلى حقوق الآدميين.
(حتى القَذْفِ)، مثال ذلك: تداعَى فلان وفلان في عين، ادَّعَى أنه باعها عليه، وذاك مُنْكِر، فأتى ذلك ببيِّنة، المدَّعِي، فثبت عند القاضي، ثبتت الدعوى وحرَّرها، وكتب الشهود، ثم دفع الخصمين إلى القاضي المكتوب إليه، يمكن هذا ولَّا لا؟ يمكن؛ لأن هذا حق أيش؟ حق آدمي، فيُقْبَل، إذا وصلت القضية إلى القاضي المكتوب إليه نظر فيها والخصمان بين يديه، ثم حكم بما تقتضيه الحال.
تداعيَا عَيْنًا، وأتى المدَّعِي ببيِّنة أنها له.
(... )

ولكن العين لم تُحضر في مجلس الحكم، فحكم القاضي بأن العين للمدَّعِي، بمقتضى أيش؟ بمقتضى البيِّنَة، ولكن ليست العين حاضرة حتى يُلْزِم المدَّعَى عليه بتسليمها للمدَّعِي، العين موجودة في طرف القاضي المكتوب إليه، فكتب إلى القاضي بأنه تداعى عندي فلان وفلان بكذا وكذا، وأن البينة قامت للمُدَّعِي بما ادَّعَى به، وحَكَمْتُ بأن العين للمدَّعِي، فنفِّذْ حكمي هذا.
إذا وصلت إلى القاضي ويش يعمل؟ يُنفِّذ ولَّا ينظر في القضية؟ ينفِّذ، وليس له الحق أن ينظر في القضية أبدًا، يمَشِّيها على طول، وعلى ذمة مَن؟ القاضي الأول.
في القذف ادَّعَى زيد على عمرو بأنه قَذَفَه، فطلب القاضي من المدَّعِي البينة، فأتى بشاهدين يشهدان بأنه قَذَفَه، ولكنه كَرِهَ أن يحكم عليه، ليش؟ قال: لأنه ابن عمي؛ لأن المدَّعَى عليه ابن عمه، ولو أحكُم عليه صار بيني وبينه قطيعة رحم، فأنا أرفع القضية إلى القاضي الثاني بأنه ثبت عندي كذا وكذا فاحكم، تصل إلى القاضي المكتوب إليه، ينظر فيها، ثم إذا اقتضى نظره أن يحكم حكم.
الصورة الثانية فيما حَكَمَ به لينفِّذه القاضي المكتوب إليه: حكم الرجل بالقضية، ثبت الحكم عنده وحكم لفلان بأنه يجب عليه ثمانون جلدة، حد القذف، لكن لا يحب أن ينفِّذه هو، أو يخشى أن ينفِّذَه من سطوة المحكوم عليه، فكتب به إلى القاضي الثاني: والله قد ثبت عندي كذا كذا، وحكمتُ به، فنَفِّذْه، القاضي ينفِّذه.
ويشبه هذه القضية من بعض الوجوه كتابة القضاة اليوم إلى الأمراء، أو إلى الشُّرَط لتنفيذ ما حكم به القاضي.
يقول المؤلف رحمه الله: إذن يُشْتَرَط في كتاب القاضي إلى القاضي أن يكون في حقوق مَن؟ في حقوق الآدميين، سواء كانت الحقوق في أعيان، أو في منافع، أو في قذف.

يقول: (لا في حدود الله، كحد الزنا ونحوه)، هذا ما فيها كتاب القاضي إلى القاضي، لو ثبت عند القاضي ما يكتب به إلى القاضي الثاني، ليش؟ قال: لأن في هذا نشرًا للفواحش، بدلًا ما كانت القضية لا يعلمها إلا فلان القاضي الكاتب، صارت الآن ستصل إلى القاضي الثاني، وتُكْتَب في سجلاته، ويكون في هذا نشر للجرائم، وإشاعة للفاحشة، وحينئذٍ لا يُقْبَل كتاب القاضي إلى القاضي فيما هو من حق الله عزّ وجل، كحد الزنا، شرب الخمر، وما أشبه ذلك.
وظاهر كلام المؤلف أن التعزيرات يُقْبَل فيها كتاب القاضي إلى القاضي، والحقيقة أن الذي يُوجِب التعزير فيه أيضًا إشاعة؛ القذف بغير الزنا يوجِب التعزير، ترك صلاة الجماعة يوجِب التعزير، وما أشبه ذلك، وإذا نشرناها بين الناس انتشرت.
ولهذا كان القول الثاني في هذه المسألة -وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ومذهب مالك- أن كتابة القاضي إلى القاضي تجوز حتى في حقوق الله، حتى في حد الزنا، وشرب الخمر، والسرقة، وترك الصلاة، وغير ذلك، حتى فيما يوجِب التعزير.
وأجابوا عن قولهم: إن الحدود ينبغي فيها الستر؛ إن هذا الرجل الذي فعل ما يقتضي الحكم عليه هو الذي فضح نفسه، وإقامة الحد عليه أمام الناس فيها نشر لجريمته، والحاجة إلى كتاب القاضي إلى القاضي فيما هو من حقوق الله واقعة كما هي في حقوق الآدميين.
قد يكون هذا الذي شرب الخمر ابن عم للقاضي، وثبت عليه شرب الخمر، ولا يستطيع أن يحكم هو على ابن عمه بالجَلْد، أو يستطيع أن يحكم لكن لا يستطيع أن ينفِّذ، يرفع الأمر إلى قاضٍ أقوى منه مركزًا وسلطة.
فالصواب ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أن كتاب القاضي إلى القاضي مقبول في كل ما يَنْفُذ فيه حكم القاضي من الحقوق التي لله والتي لعباد الله، فإنه يُقْبَل فيها كتاب القاضي إلى القاضي.


يقول المؤلف رحمه الله: (وَيُقْبَلُ فِيمَا حَكَمَ بِهِ لِيُنَفِّذَهُ، وَإِنْ كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِيَحْكُمَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُما مَسَافَةُ القَصْر).
ذكرنا في أول الكلام أن كتاب القاضي إلى القاضي له صورتان؛ الأولى: أن يكتب فيما ثبت عنده ليحكم به القاضي المكتوب إليه، والثانية: أن يكتب فيما حكم به لينفِّذَه.
يُشْتَرَط في الكتابة فيما ثبت عنده ليحكم به القاضي المكتوب إليه أن يكون بينهما مسافة قصر، أي بين القاضي الكاتب والمكتوب إليه، فلا تُقْبَل كتابة القاضي إلى القاضي فيما ثبت عنده ليحكم به إذا كانَا في بلد واحد، أو في بلدين متقارِبَيْنِ ليس بينهما مسافة قصر.
فيما حكم به لينفِّذه تُقْبَل الكتابة ولو لم يكن بينهما مسافة القصر، ولو كانَا في بلد واحد، ولو كان أحدهما في المحكمة الكبرى، والثاني في المحكمة المستعجلة مثلًا، أعرفتم الآن؟ صار بين الصورتين فرق، ويش الفرق؟ الفرق إذا كتب فيما ثبت عنده ليحكم به القاضي المكتوب إليه فلا يُقْبَل إلا أن يكون بينهما مسافة قصر، يعني ليسَا في بلد واحد، بل في مكانَيْنِ بينهما مسافة قصر، أعرفتم؟ إذا كتب فيما حكم به لينفِّذه القاضي المكتوب إليه، فإن ذلك ليس بشرط، يُقْبَل ولو كانَا في بلد واحد.
نلخص الموضوع: لا يُقْبَل كتاب القاضي إلى القاضي فيما يتعلق بحق الله، سواء فيما ثبت عنده ليحكم به، أو فيما حكم به لينفِّذه، كذا ولّا لا؟ يُقْبَل في حقوق الآدميين سواء فيما ثبت عنده ليحكم به أو فيما حكم به لينفِّذَه.
يُشْتَرَط فيما إذا كتب فيما ثبت عنده ليحكم به ألَّا يكونَا في بلد واحد، يعني أن يكون بينهما مسافة قصر.
رجل كتب إلى القاضي فيما ثبت عنده ليحكم به، يعني إذا سمع القضية وأثبتها ولم يَبْقَ إلا الحكم، فكتب بالثبوت إلى قاضٍ آخر في طرف البلد؟ لا يصح ولا يُقْبَل، لماذا؟

قالوا: لإمكان الخصمين أن يذهبنا إلى القاضي المكتوب إليه، ليش يجيئون يتداعون عند هذا؟ بإمكانهم يذهبان إلى القاضي المكتوب إليه ويتحاكمان عنده.
كتب فيما ثبت عنده ليحكم به إلى قاضٍ في الرياض وهو في عُنَيْزَة، يُقْبَل؟ طالب: لا، ما يقبل.
الشيخ: لماذا؟ طالب: بينهما مسافة قصر.
الشيخ: لأن بينهما مسافة قصر، وذهاب المتخاصِمَيْنِ إلى ذاك قد يكون فيه مشقة، يمكن فيه تعطُّل أي تعطيل.
فإذا قال قائل: هذا التعليل يَصْدُق أيضًا فيما إذا كتب فيما حكم به لينفِّذه؟ أجابوا عن ذلك قالوا: لأنه إذا كتب فيما حكم به صار هذا من باب حكم القاضي، وحكمُ القاضي يجب تنفيذه على القريب والبعيد، والقضية الآن منتهية، لم يَبْقَ إلا التنفيذ، فلا فرق بين القريب والبعيد.
حَرَّرْتُم المذهب الآن تمامًا؟ صار المذهب: إذا كتب فيما ثبت عنده ليحكم به القاضي المكتوب إليه فلا بد أن يكون بينهما مسافة قصر.
التعليل: لأنه لا داعي إلى هذه الكتابة ما دام القاضي المكتوب إليه قريبًا؛ لإمكان الخصمين أن يتحاكمَا عنده.
أما إذا كتب فيما حكم به ليُنَفِّذَه القاضي المكتوب إليه فهذا جائز وإن كانَا في بلد واحد، لماذا؟ قالوا: لأن حكم الحاكم -القاضي حكم الآن، انتهى- يجب تنفيذه على القريب وعلى البعيد، هذا هو التعليل في الفرق بين الكتابة بالثبوت والكتابة بالحكم للتنفيذ.
وخرَّج شيخ الإسلام -رحمه الله- أنه يجوز أن يكتب فيما ثبت عنده ليحكم به وإن كانَا في بلد واحد، وقال: إن العلة في جواز الكتابة هي التخفيف على القاضي المكتوب إليه، وعلى أيش؟ وعلى الْخَصْمَيْنِ، كما ذكرنا لكم قريبًا.

ثم فيه أيضًا دفع إحراج بالنسبة للقاضي، أيش؟ الكاتب، للقاضي الكاتب؛ لأنه كما أشرنا قد يتحرَّج أن يحكم على ابن عمه، أو على أخيه، أو على أبيه، أو ما أشبه ذلك، فيكتب القضية ويدفعها إلى قاضٍ آخر يحكم بها، فكيف نقول: إنه لا يصح ذلك إذا كانَا في بلد واحد، أو في بلدين متقاربين ليس بينهما مسافة قصر؟ ! والصحيح ما خَرَّجَه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأنه لا فرق بين الصورتين، وأن كتابة القاضي إلى القاضي جائزة، وإن كانَا في بلد واحد مطلَقًا، جائزة مطلقًا، هذا هو القول الصحيح.
أنتم الآن يبدو لي أنكم ما تصوَّرْتم المسألة جيدًا، ولكن ستكونون قضاة إن أراد الله وتعرفون الحاجة إلى هذه المسائل، تعرفون أنها مهمة جدًّا، ويتسمَّى في عرف المتأخرين استخلافًا، استخلاف يعني أن القاضي الكاتب استخلف القاضي المكتوب إليه، كما يستخلف الإمام في الصلاة مَن يُتِمّ الصلاة بهم إذا سبقه الحدَث، أو مطلقًا على القول الراجح.
المهم، فهمنا الآن كتاب القاضي للقاضي، له صورتان تتفقان في أنه لا يُكْتَب فيهما في حد من حدود الله، ويُكْتَب فيهما في حقوق الآدميين.
وتختلفان في أن الكتابة بالثبوت يُشْتَرَط ألَّا يكونَا في بلد واحد، بل لا بد أن يكون بينهما مسافة قصر، والكتابة بالحكم لا يُشْتَرَط فيها ذلك.
والفرق ما سمعتم؛ أن الكتابة بالحكم من باب تنفيذ حكم القاضي، وهو واجب -أي تنفيذ حكم القاضي- على كل مَن بلغه حكمه، سواء كان قريبًا أم بعيدًا.
وذكرنا أن شيخ الإسلام رحمه الله يخالف في المسألتين، ويقول: تجوز الكتابة في حدود الله، وكذلك فيما إذا كانَا في بلد واحد مطلقًا.
(... ) قال المؤلف رحمه الله: (وَيَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى قَاضٍ مُعيَّنٍ، وَإِلَى كُلِّ مَنْ يَصِلُ إِلَيْهِ كِتَابُهُ مِنْ قُضَاةِ المُسْلِمِينَ).

يعني أن الكتابة قد تكون عامة، وقد تكون خاصة، كتابة القاضي إلى القاضي قد تكون عامة، فيكتب: من فلان ابن فلان القاضي في المحكمة الفلانية إلى كل مَن يصل إليه كتابي من قضاة المسلمين.
هذه عامة ولّا خاصة؟ عامة.
أو يكتب: من فلان ابن فلان القاضي في المحكمة الفلانية إلى فلان ابن فلان القاضي في المحكمة الفلانية، وهذه إلى قاضٍ خاص، قاضٍ معيَّن.
والتعيين قد يكون بالاسم، وقد يكون بالوصف، فإذا قال: للقاضي في المحكمة الفلانية، فإن القاضي الذي فيها ينفِّذ الحكم، أو يحكم -كما في الصورتين- وقد يكون مُعَيَّنًا بشخصه، فيقول: إلى فلان ابن فلان القاضي بالمحكمة الفلانية، فإذا قُدِّر أن في المحكمة المكتوب إليها عدة قضاة، وقد قال: القاضي فلان ابن فلان القاضي بالمحكمة الفلانية؛ فإنه يختص به، أما إذا قال: إلى القاضي في المحكمة الفلانية، وفيها عدة قضاة، فإن أي قاضٍ منهم يصل إليه الكتاب يجب عليه العمل به.
يقول: (ويجوز أن يكتب إلى قاضٍ مُعَيَّنٍ، وإلى كلِّ مَن يَصِلُ إليه كتابُه من قُضَاةِ المسلمين).
ونظير هذا في الحديث الإجازة؛ إجازة الرواية عن الشخص، تكون عامة وتكون خاصة؛ فالعامة أن يقول: أجزْتُ كلَّ مَن سمع مرويَّاتي أن يرويها عني، هذه عامة، والخاصة أن يقول: أجزتُ لفلان ابن فلان أن يروي عني جميع مسموعاتي، فالمهم أن هذا شيء معمول به لدى القضاة الحكَّام، ولدى الرواة، أي أنه قد يكون الشيء عامًّا، وقد يكون خاصًّا.
إذا وصل كتاب القاضي إلى القاضي فإنه يجب عليه أن ينفِّذه؛ لأنه كالقضية التي وصلت إليه، فلا يجوز أن يتخلف عنها، ولأنه لو جاز أن يرفض لتعطَّلَت أحكام الناس، وصار هذا يكتب وهذا يرفض، ولأنه لو جاز أن يرفض لساءت ظنون الناس بالقضاة، فقالوا: إن القضاة لا يثق بعضُهم ببعض، ولهذا يرفض كل واحد منهم كتابة الآخر إليه، فلهذا إذا وصل كتاب القاضي إلى القاضي لزمه العمل به.

نعم، لو فُرِضَ أن القاضي المكتوب إليه عجز عن ذلك فله أن يُحِيلَها ويردها على صاحبها.
يقول: (ولا يُقْبَل)، يعني: لا يُقْبَل كتاب القاضي إلى القاضي.
(إلا أن يُشْهِد به القاضي الكاتبُ شاهدين، فيقرؤه عليهما، ثم يقول: اشهدَا أن هذا كتابي إلى فلان ابن فلان، ثم يدفعه إليهما).
يعني أن القاضي إذا كتب الكتاب إلى القاضي الآخر لا بد من اعتبار هذه الأمور: أولًا: أن يُشْهِد عليه شاهِدَيْن، يأتي برجلين ويقرؤه عليهما حتى يضبطا معناه، فإن أشكلت عليهما كلمة فيه وجب عليهما الاستفسار، فيقولان للقاضي: ويش معنى هذه الكلمة؟ فإذا ضبطَا الكتاب ومعناه، قال: اشهدَا أن هذا كتابي إلى فلان ابن فلان، فيشهدان بذلك، ثم يدفعه إليهما، ويقول: اذهبَا به، والأَوْلَى ألَّا يدفعه إلَّا مختومًا؛ لأنه أولى وأسلم من التغيير، فإذا ختمه -يعني غَلَّفَه وحَطَّ عليه الختم- صار هذا أسلم من التغيير؛ إذ من الجائز أن هذين الشاهدين يغيِّران فيه، فالاحتياط أن يختمه ويسلِّمه إليهما.
فإن بعث به واحدًا فقط فإنه لا يصح، إلا على قول سبق أن ذكرناه، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يكفي إرسال واحد.
كذلك لو أعطاهما إياه مختومًا، ما قرأ عليهما، ظَرَّف الكتاب وختمه وقال: خُذَا هذا الكتاب إلى فلان ابن فلان، فإنه لا يصح على المذهب ولا يُقْبَل حتى يقرأه عليهما؛ لأنهما بمنزلة الشاهِدَيْن، والشاهد لا بد أن يعلم بما شهد به.

ولكن الصحيح بلا شك أنه يكفي أن يعطِيَهما إياه مختومًا، بل لو قيل: إن هذا أولى لكان أولى؛ لأجل ألَّا يطلعَا على ما فيه، فإن بعض الناس إذا اطَّلع على شيء من مثل هذه الأمور يذهب ويتزيَّن به في المجالس، يقول: كتب القاضي فلان إلى فلان بكذا وكذا، يعني اسمعوا يا ناس بأنني أتصل بالقضاة، وأعرف أحوالهم! هكذا بعض الناس، بعض الناس إذا جلس عند أمير ولَّا عند قاضٍ وجرى بينهم أمور سرية يمكن يفشيها قبل أن يخرج من عتبة الغرفة، علشان يقولون: ما شاء الله، هذا الرجل يطَّلِع على أسرار القضاة، وعلى أسرار الأمراء، وعلى أسرار الوزراء، ما شاء الله عليه.
لكن هو موثوق ولّا غير موثوق؟ هذا غير موثوق.
المهم أنه لو قيل بأن الأولى ألَّا يقرأ عليهما الكتاب لكان ذلك أولى.
ثم إن هذه الأمور التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله الظاهر أنه عفى عليها الدهر، أصبحت الآن المسألة تُرْسَل بطريق البريد المسجَّل تسجيلًا رسميًّا بعَدَدٍ وتاريخ، وهذا من أحفظ ما يكون، بل فيه الآن أصبح شيء أعجب من هذا؛ يكتب القاضي الكتاب ويضعه على شيء ويكلِّم صاحبه اللي بالجهة، بأمريكا مثلًا، يكلم صاحبه يقول: ترى عندي ليك خط شغَّل الماكينة، ويشغِّلها، ثم نفس الكتاب هذا يجده أمامه، الكتاب هذا ما ينسحب ويطير بالهواء، أو لا؟ هو يطير أوراقه، هذه تطير ولّا.. ؟ ما تطير أوراقه، أوراقه مكانها، لكن تتحول كما هي بالضبط.
طالب: (... ). الشيخ: لا يا أخي، لا، لازم، لا بد، ثم يجده هناك بالكتابة، أنا أذكر ما أدري أيش اسمه.
طالب: فاكس.
الشيخ: (... ) ما علينا منه، المهم أننا مرة كنا بمكان واحتاجوا إلى معاملة في بلد آخر بعيد عن البلد اللي احنا فيها، في خلال يمكن عشر دقائق فتَّشُوا عنها هناك ما بقينا إلا جت على طول.
إذن كتاب القاضي إلى القاضي بهذه الطريق أضبط ولّا لا؟

أضبط وأسلم، أسلم من الضياع، وأسلم من التعديل أو التبديل، وأسرع، فالحمد لله الذي علَّم الإنسان ما لم يعلم، الآن أصبحت الأمور -ولله الحمد- فيها سهولة في كل شيء، لكن كلام الفقهاء رحمهم الله إنما قالوا هذه الأمور وهذه التحرُّزَات بناء على زمن كانوا فيه، ولكل زمان رجال ودولة.


[باب القسمة] ثم قال المؤلف: (بَابُ القِسْمَةِ).
(القسمة) اسم مِن قَسَمْتُ الشيء، إذا جعلته أقسامًا، فالواحد يمكن يُجعل كم؟ اثنين، أو ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة، المهم إذا جعلت الشيء أقسامًا فهذا هو القسمة.
القسمة تنقسم إلى أقسام كما سيذكر المؤلف، ولكن هنا سؤال: لماذا جعل المؤلف باب القسمة هنا؟ أليس من الأجدر أن يُجْعَل في باب الشركة؛ لمناسبة قَسْم الشريكين ما بينهما، أو أن يُجعل في باب الأضحية؛ لأنه قد يشترك اثنان في بقرة أو في بعير ويحتاجان إلى القَسْم، أو في باب الميراث -في باب الفرائض- أو ما أشبه ذلك؟ الواقع أن له مناسبة في عدة أبواب، يكون مثلًا في الأضحية، ويكون في الفرائض، ويكون في الوصايا، ويكون في الأوقاف، ويكون في الشَّرِكات، له مناسبات في كثير من أبواب الفقه، لكن ذكروه هنا؛ لأن القِسمة تحتاج إلى قاسم في الغالب، هذا القاسم إما أن يكون منصوبًا من قِبَل الشريكين، فيكون كالرجل الذي يُحَكِّمه الخصمان، وقد سبق لنا في كتاب القضاء -في أوله- أنه إذا حكَّم اثنان رجلًا يصلح بينهما للقضاء، فإنه يَنفُذ الحكم، وإما أن يكون القاسم عن طريق القاضي، هو الذي يَنْصِبه، فتكون المسألة لها علاقة بالقضاء، ولهذا جعلوا الفقهاء رحمهم الله -غالب الفقهاء- جعلوا باب القسمة في هذا المكان، أي في طَيّ كتاب القضاء؛ لأن مناسبته فيه ظاهرة، وليست الأبواب التي لها مساس بالقِسمة، ليس بعضها أولى من بعض، فلذلك نقلوه إلى هذا المكان.

إذن المناسبة أن القسمة بين المشتَرِكَيْن كالقضاء بين الخصمين؛ لأنه فُصِل بينهما، ومُيِّزَ حق كل واحد من الآخر، ثم إن كانت بقاسم منصوب من قِبَلِهما فهي كالرجل يُحكِّمه الخصمان، وإن كانت بقاسم منصوب من قِبل القاضي فلها ارتباط بالقضاء.
القسمة يقول المؤلف: إنها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: قسمة تَرَاضٍ، وهي القسمة التي لا تُنَفَّذ إلا برضا الشركاء كلهم، هذه قسمة التراضي.
وقسمة إجبار: القسمة التي لا يُشْتَرَطُ فيها التراضي، بل مَن امتنع من الشركاء أُجْبِرَ.
بدأ المؤلف بقسمة التراضي، فقال: (لا تجوز قسمة الأملاك التي لا تنقسم إلا بضررٍ أو ردِّ عِوَض إلا برضا الشركاء كلهم).
هذا الضابط لِمَا قِسمته قسمة تراضٍ، كل مشترَك بين شخصين فأكثر لا ينقسم إلَّا بضرر أو بِرَدّ عِوَض، فإنه لا ينفَّذ إلا برضا الشركاء كلهم، عرفتم هذه؟ ما نوع هذه القسمة؟ قسمة أيش؟ قسمة تراضٍ، ضابطها: أن يكون المشترَك لا ينقسم إلا بضرر أو رَدّ عِوَض، فهذه لا بد من رضا الشركاء كلهم، لماذا؟ لأنه إذا كان فيها ضرر فلا يمكن أن يُضارَّ أحد إلا إذا رضي بالضرر على نفسه، وهو عاقل بالغ رشيد، ولأنها إذا احتاجت إلى رَدّ عِوَض صارت بمنزلة البيع، والبيع لا بد فيه من التراضي، فهي إن احتاجت إلى رد عِوَض فهي كالبيع، يعني فيها عِوَض ومُعَوَّض، والبيع لا بد فيه من الرضا، وإن كان فيها ضرر فلا يُضَارّ أحد إلا برضاه، وبشرط أن يكون أيضًا بالغًا عاقلًا رشيدًا.
إذا قال قائل: ما هو الضرر (بضررٍ)؟ هل هو الضرر البدني أو الضرر (... )؟ اختلف الفقهاء في الضرر المانع من القسمة، فقال بعضهم: الضرر هو ألَّا ينتفع أحدهم بنصيبه إذا قُسِمَ، هذا هو الضرر.
وقال بعضهم: بل الضرر هو نقص القيمة بالقسمة.

مثال ذلك: هذه أرض مشترَكة بين شخصين؛ لأحدهما سدس وللآخر خمسة أسداس، إذا قسمناها لم تَنْقُص القيمة، هي قيمتها ستة آلاف، حتى لو قُسِمَت، فقيمتها ستة آلاف، لكن إذا قسمناها أسداسًا فإن صاحب السدس لا ينتفع بسدسه؛ لأن السدس عبارة عن أربعة أمتار، كم هي من متر؟ أربعة وعشرون مترًا، إذا قسمناها أسداسًا صار السدس أربعة أمتار، أربعة أمتار ماذا ينتفع به الإنسان؟ ويش بها ينتفع؟ يحط غرفة؟ ويش يسوِّي؟ للمنام، للأكل، للشرب؟ طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، المهم أنه ما ينتفع بها، نقول: هذه قسمة إجبار ولّا تراضٍ؟ قسمة تراضٍ عند مَن يقول: إن الضرر هو ألَّا ينتفع أحدهم بنصيبه إذا قُسِم، وقسمة إجبار عند مَن يقول: إن الضرر نقص القيمة بالقسمة، وهذه لم تنقص، قيمتها ستة آلاف، حتى هذا السدس الذي قُسِم لو بِيعَ يساوي ألفًا، لو بيع هذا القسم السدس يساوي ألفًا، ولو بِيعَت جميعها تساوي ستة آلاف، فهي لا تنقص قيمتها بالقسمة.
عرفتم الفرق بين القولين الآن ولّا لا؟ معروف للجميع.
ما هو الضرر في كلام المؤلف؟ يقول: الضرر هو ألَّا ينتفع أحدهم بنصيبه إذا قُسِمَ، سواء اختلفت القيمة أو ما اختلفت.
والقول الثاني: أن الضرر هو نقص القيمة بالقسمة.
فعلى هذا، لو فُرِض أن هذه الأرض ست مئة متر، صاحب السدس إذا قُسِم له نصيبه كم اللي بيجيه؟ مئة متر، يمكن ينتفع بها ولّا لا؟ نعم يمكن ينتفع بها، لكن القيمة تنقص، لما كانت ست مئة صارت تساوي ستين ألفًا، ولما قُسِمت صار هذا السدس لا يساوي إلا خمسة آلاف، النقص كم؟ النصف، نقص النصف ما هو هَيِّن.
على الرأي الذي يقول: إن الضرر هو ألَّا ينتفع أحدهم بنصيبه بعد القسمة، تكون القسمة هنا إجبارًا؛ لأنه ينتفع بنصيبه.

وعلى القول الثاني الذي يقول: إن الضرر المانع من القسمة هو نقص القيمة بالقسمة، نقول: القسمة هنا من باب قسمة التراضي، إن رضي صاحب السدس أن يخرَّج له مئة متر، فإنا نقسم له، إن لم يرضَ فلا قسمة.
إذا كان السدس مئة متر ولا تنقص القيمة بذلك، ما تقولون؟ الطلبة: إجبار.
الشيخ: فهي قسمة إجبار على القولين جميعًا.
أيهما المذهب؟ المذهب أن الضرر هو نقص القيمة بالقسمة، ولا يلتفتون إلى الانتفاع وعدم الانتفاع، يكون الضرر المانع من الإجبار هو نقص القيمة بالقسمة.
إذا قال قائل: كيف تُجْبِرُونَه على القسمة في الحال التي ليس فيها ضرر ولا رَدّ عِوَض، ليش تجبرونه؟ يمكن أنا أحب إلي أن أبقى على شراكتي؟ نقول: لكن الثاني يقول: أنا ما أبغيك، أنا ما أريدك ولا أبغي بقربك، ولا أشوفك ولا تشوفني، ويش لون تبغيني أصير معك في مكان واحد، ماذا نقول؟ نقول للثاني: هذا أمر يحصل في البقاء على الشركة ضرر بينكما، المسْلِم ينبغي أن يكون أخَا المسلم، وأنتما في بقائكما على هذه الحال لن تزدادَا إلا عداوة وبغضاء، والشارع يحارب كل ما يوجب العداوة والبغضاء بين المسلمين، فانفصال بعضكما عن بعض أَقْوَم لدينكما وأسلَم لعِرضكما، فهذه فائدة عظيمة.
ثم إنك أنت يا صاحب السدس لم تتضرر، لا بالقيمة -إن قلنا بالقيمة- ولا بالانتفاع -إن قلنا: المدار على الانتفاع-.
(رد عِوَض).
فرضنا أن هذه أرض بين شريكين لا يمكن أن تتعدل بأجزاء ولا قيمة، إلا بِرَدّ عِوَض، يعني فيها مثلًا جبال، فيها أودية، فيها أشجار، ما يمكن نعدِّلها أبدًا بالسهام، إن قسمناها نصفين صارت الأرض هذه أحسن من هذه، إن قسمناها ثلثين، قلنا: نعطي الرديئة الثلثين، ما تعدلت أيضًا، ما تتعدل إلا إذا جعلنا للناقص عِوَضًا عن الكامل، هذه أيضًا قسمتها قسمة أيش؟ تراضٍ، إذا رضي الطرفان وإلا فلا، وإلا تبقى وتُبَاع جميعًا.

لماذا هي قسمة تراض؟ لأن فيها عوضًا، ما يمكن تتعدل إلا إذا أضفنا على الناقص دراهم وصاحب الناقص يقول: ما أنا مستني دراهم، وكذلك صاحب الكامل يقول: أنا ما أبغي يحط علي زِيد دراهم.
فالمهم أن هذه القسمة نقول: هي قسمة تراضٍ؛ لأن فيها عِوَضًا ومُعَوَّضًا، فهي شبيهة بالبيع، ولا يجوز البيع إلا بالتراضي.
شوف الأمثلة، نأخذ الأمثلة التي قالها المؤلف: (كالدُّورِ الصِّغَار)، الدور الصغار يمكن تنقسم بلا ضرر؟ هذه ما تنقسم بلا ضرر، لا تنقسم إلا بـ..، إذا كان هذا بيتًا فيه حجرة نوم، وحجرة أكل، ومطبخ، والشريكان اثنان، غرفة النوم عرض مترين بطول مترين ونصف، يلَّا نسدِّس السريرين، ولّا؟ المطبخ ويش نقول؟ متر في متر، يلَّا نسدِّس الغاز والمركب والبدور والصحن.
غرفة الطعام، مترين في مترين! هذه دار صغيرة، يمكن قسمها ولّا ما يمكن؟ ما يمكن قسمها أبدًا، وأنتم لا تتعجبوا من هذا، أنا أذكر لكم فيها، في (... ) هذه اللي عندنا في بيوت مما سبق، إذا دخل الإنسان في قبة على طول فيها الجمل، ورحله ومعلفه فوق سطح هذه الحجرة لمجلس الرجال ومقطوع عليها خياش، في الجانب الآخر المرأة وأواني البيت.
المرأة أيضًا تعلِّف للبعير، تعرفون التعليف؟ إي نعم، يجيبون عرفد ويحطُّون عليه قت تطوِّيه عليه وتنزِّله مع فِرْج على البعير ويأكل، شوف! هذا المكان للرجل وأهله وضيفه وبعيره، إي نعم! فلا تتعجبوا إذا قلنا: الدور الصغير مثلما قدمنا لكم بالأمتار، إي نعم.
من هذا يقول: (والحمَّام)، الحمَّام أيضًا لا يمكن قسمه، حَمَّام بين دارين مشترَك، أنا بيتي جنوبًا وبيتك شمالًا، وبينهما الحمام مشترك بيننا، يمكن قسمه ولّا ما يمكن؟ طبعًا غالبًا الحمام صغير ما يمكن قَسْمه.
كذلك أيضًا: (الطاحون)، الطاحون، ما عندنا أظن أحدًا يعرف الطاحون؟ طلبة: (... ). الشيخ: الطاحون، هذا صغير ولّا كبير؟ طلبة: صغير.

الشيخ: صغير، ما يمكن قَسْمه، ثم إذا كان الجهاز اللي فيه الطحن أيضًا موجودًا لا يمكن أن يُقْسَم.
طالب: (... ). الشيخ: الطاحون محل الطحن.
الطالب: الرَّحَى ولّا محله.
الشيخ: الرَّحَى والمحل، لكن المؤلف يقول: (الحَمَّام والطاحون الصغيرين)، يعني إذن فيه طاحون وحمام كبيران يمكن قسمهما.
يقول: (وَالأَرْضِ الَّتِي لَا تَتَعَدَّلُ بِأَجْزَاءٍ وَلَا قِيمَةٍ)، يعني: ما تتعدل إلا بعِوَض، وأفادنا المؤلف أن تعديل السهام في الأرض تارة يكون بالأجزاء، وتارة يكون بالقيمة.
كيف بالأجزاء وبالقيمة؟ أحيانًا يكون بالأجزاء بأن نضيف جزءًا من الأرض على الأرض الأخرى لتتساوى، هذا بالقيمة.
طالب: بالأجزاء.
الشيخ: لا، بالقيمة، التعديل بالأجزاء أن يكون كل واحد منهم له جزء معين منها ويمكن قسْمها على حسب الأجزاء، فتتعدل بالأجزاء.
الأرض التي تتعدل بالقيمة بأن يقال مثلًا: جانب الأرض هذا طيب، وجانب الأرض هذا رديء، وهي بالأنصاف بيننا، لو عَدَّلْناها بالأجزاء لم نتمكن، ما يمكن نعدِّلها إلا إذا أضفنا إلى أحد السهام شيئًا من المال، نقول: هذه الأرض قسمتها قسمة تراضٍ ولّا إجبار؟ تراضٍ؛ لأنها ما تتعدل لا بالأجزاء ولا بالقيمة.
التعديل بالقيمة قالوا: بأن نجعل أحد السهمين للمشتركَيْنِ سواء أزيد من السهم الثاني، المساحة مثلًا ست مئة متر، والأرض بيننا نصفين، لو عَدَّلْنَاها بالأجزاء كان ثلاث مئة وثلاث مئة، ما تتعدل؛ لأن بعضها طيِّب وبعضها غير طيِّب، بعضها فيه بئر، وبعضها ما فيه بئر، نعدلها بالقيمة.
القيمة قالوا: الأرض الطيبة نخليها ثلثًا، والرديئة ثلثين، اللي فيها البئر نخليها ثلثًا، والتي ما فيها البئر نخلِّيها ثلثين.
هذه نسميها مُعَدَّلَة بالقيمة؛ لأن قيمة الثلثين تعادل..

التي لا تَتَعَدَّلُ بأجزاءٍ ولا قِيمةٍ كبِناءٍ أو بِئْرٍ في بعضِها، فهذه القِسمةُ في حُكْمِ البيعِ، ولا يُجْبَرُ مَن امْتَنَعَ من قِسْمَتِها، وأمَّا ما لا ضَرَرَ ولا رَدَّ عِوَضٍ في قِسمتِه كالقَرْيَةِ والبُستانِ والدارِ الكبيرةِ والأرضِ والدكاكينِ الواسعةِ والْمَكيلِ والموزونِ من جِنْسٍ واحدٍ كالأدهانِ والألبانِ، ونحوِها, إذا طَلَبَ الشريكُ قِسمتَها أُجْبِرَ الآخَرُ عليها، وهذه القِسمةُ إفرازٌ لا بَيْعٌ، ويَجوزُ للشُّركاءِ أن يَتقاسَمُوا بأنفسِهم، وبقَاسِمٍ يَنْصِبُونه، أو يَسألونَ الحاكِمَ نصْبَه، وأُجْرَتُه على قَدْرِ الأملاكِ، فإذا اقْتَسَموا أو اقْتَرَعوا لزِمَت القِسمةُ، وكيف اقْتَرَعوا جازَ.

﴿باب الدعاوى والبينات﴾ الْمُدَّعِي مَن إذا سَكَتَ تُرِكَ، والمدَّعَى عليه مَن إذا سَكَتَ لم يُتْرَكْ، ولا تَصِحُّ الدَّعْوى والإنكارُ إلا مِن جائزِ التَّصَرُّفِ، وإذا تَداعَيَا عَيْنًا بيدِ أحدِهما فَهِيَ له بيمينه، إلا أن تكونَ له بَيِّنَةٌ فلا يَحْلِفُ، وإن أقامَ كلُّ واحدٍ بَيِّنَةً أنها له قُضِيَ للخارجِ ببَيِّنَتِه ولُغِيَتْ بَيِّنَةُ الداخلِ.
تعادل قيمة الثلث.
يقول: (كبناء أو بئر في بعضها)، الكاف هنا الظاهر أنها للتعليل، والكاف للتعليل جائزة ولَّا لا؟ قال ابن مالك: شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ يُعْنَى...................... فقوله: (لا تتعدل بأجزاء ولا قيمة) كأنه قيل: لماذا؟ قال: (لبناء أو بئر في بعضها).
وأيش لون بناء في بعضها؟ يعني هذه الأرض مشتركة بيننا، وقد بنينا في طرف منها مما يلي الشارع، بنينا فيها فيلا، دارًا، ما يمكن نعدِّلها الآن إلا بإضافة دراهم على الجزء الثاني لما فيه الدار، مما تتعدل لا بأجزاء ولا بقيمة، نقول: هذه قسمتها قسمة تراضٍ.

كذلك إذا كان في بعضها بئر، ولا يمكن تتعدل بالأجزاء بأن نقسم البئر مثلًا، ويكون لواحد منا نصفه وللثاني نصفه، فهذه أيضًا قسمتها قسمة تراضٍ.
والحاصل أن كل شيء يحتاج إلى زيادة عِوَض فقسمته قِسمة تراضٍ، ولهذا قال المؤلف: (فهذه القسمة في حُكم البيع، ولا يجبر من امتنع من قسمتها).


قال: (وأما ما لا ضرر، ولا رد عِوض في قسمته، كالقرية)، فهذه قسمتها إجبار، الذي ليس فيه ضرر، ولا رد عوض من أحد الطرفين (كالقرية)، كيف القرية؟ يمكن أن يشترك اثنان في قرية؟ إي، يمكن أن يشترك اثنان في قرية، يبنيان بناءات، مباني كثيرة، ويؤجِّرانها على الناس.
إذن اشتركا في قرية، ممكن، هذه قسمتها قسمة إجبار؛ لأن ما فيها ضرر.
طالب: المسجد أهل سنة وروافض، مسجد واحد، وبعدين اختلفوا في الصلاة، هل يقسمون المسجد؟ الشيخ: المسجد ليس ملكًا حتى يُقسم.
الطالب: هذا يعني يقسم يصلون على حالهم ودول يصلون على حالهم.
الشيخ: لا، ما يقسم، الواجب أن يُقال: المسجد للمسلمين عمومًا، فاللي منكم مسلم يجب أن يصلي فيه، واللي ما هو مسلم يصلي بال.. الطالب: وراء الإمام هذا يكره الإمام، ودول يكره الإمام.
الشيخ: طيب، إذا كرهوا الإمام نشوف السبب، إذا كان هناك سبب شرعي لكراهة الإمام فيُزال الإمام.
طالب: يا شيخ، مقصود المؤلف بكتاب القاضي إلى القاضي بالشاهدين، هل عليه دليل؟ الشيخ: إي نعم، يقول: لأن هذا القاضي الكاتِب كأنه يُشهِد هذين الرجلين، يشهدهما، فهما متحملان تحمل شهادة، لكن الحقيقة الصحيح خلاف ذلك، الرسول صلى الله عليه وسلم كان يُرسل بكتبه إلى الملوك، إلا أن يوجبون هذا أنه من باب الدعوة، والدعوة خبر ديني يُكتفى فيه بالواحد.
طالب: (... ). الشيخ: بيجينا إن شاء الله، لا بد من القرعة.
طالب: بالنسبة للقاضي، إذا أرسل قاضٍ كتابًا إلى قاضٍ آخر، هل للقاضي الآخر أن يُعدِّل مثلًا في الحكم إذا كان..

الشيخ: لا، أبدًا، القاضي المكتوب إليه ما يُعدِّل في الحكم، ما دام الأول قد حكم به، فهذا ما عليه إلا التنفيذ.
الطالب: إذا كان مثلًا لا يرى هذا الحكم؟ الشيخ: ما عليه، ما يلزمه، يُنفِّذ.
طالب: القاضي المكتوب إليه، الكاتب، إذا حكم بشيء ودفعه إلى القاضي المكتوب إليه، لماذا لا نقول له: أنت احكُم، ولا تخف لومة لائم في الله؟ يعني قلنا: إنه (... ). الشيخ: من؟ الطالب: الكاتب.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لماذا يدفع إلى المكتوب إليه وقد ثبت عنده الحكم وينفذه؟ الشيخ: لا، هو الغالب أنه إذا ثبت عنده الشيء ما يحكم به، إذا صار يريد أن يجعلها على القاضي الآخر؛ لأن بعض القضاة قد لا يثق من نفسه تمام الثقة، فيكتب الصورة كاملة ويدفعها للآخر، أما الذي أشرت إليه، فالناس يختلفون، فهو يقول: ما دام الحكم ليس واجبًا عليَّ الآن، أنا سأدفعه إلى حاكم مثلي أو أعلم مني بالقضاء، وأسلم من الشر.
وهذه مسائل لا يمكن أن تحكم فيها حكمًا عامًّا؛ لأنها مسائل فرضية، قضايا أعيان تختلف.
طالب: بالنسبة للأرض؛ إذا كانت مثلًا الأرض أرضًا طيبة وأرضًا غير طيبة، طبعًا مشتركة، فتراضى مثلًا الأطراف على أن يكون القسمة (... ) بينهما، فهل يكون فيه ضرر على الورثة يعني الباقي.. ؟ الشيخ: أبدًا، ما دام الرجلان بالِغين عاقِلين رشيدين، فإذا رضِيَ مَنْ عليه الضرر أو النقص بالضرر أو النقص فلا حرج.
الطالب: يعني ما يكون ضررًا على الورثة؟ الشيخ: الورثة، ما بعد صاروا ورثة، يمكن يموتون كلهم قبله، ويصير هو الوارث، إلى الآن ما صاروا ورثة.
طالب: إذا كان الأرض (... )، ولا بد أن يزيد الآخر على أحدهما.
الشيخ: يزيده أيش؟ الطالب: يزيد إن قُسمت بالنصف، يزيد الآخر، يأخذ البيت، فهل تُقسم بالأجزاء والقيمة سواء؟

الشيخ: لا، هذه يمكن أن تُعدَّل بالقيمة؛ لأن بالأجزاء مع وجود البيت فيها ما يمكن، إلا إذا كان البيت كبيرًا، ويمكن يجي القسم على نصف البيت، يكون نصفه مع جانب الأخ هذا، نصفه مع الجانب الآخر، يمكن.
الطالب: يجمع القيمة كذلك؟ الشيخ: لا، إذا كانت الأرض نفسها ما فيها فرق، إنما الفرق من هذا البناء، وكان يمكن أن نأتي بالقسمة مع نصف البيت، فهذه ما فيها تعديل، هذه قسمتها إجبار؛ لأن ما فيها تعديل.
الطالب: طيب، يُجمع بين الأجزاء والقيمة سواء (... ) معينة؟ الشيخ: ما يمكن يجمع؛ لأنك لو اعتبرت الأجزاء، فمعناه أن القيمة غير مختلفة.
طالب: (... ). الشيخ: لا، ما يستطيع به، حقه ثابت، لكن هذا بالقسم، والضرر يمكن الخروج منه بأن تباع من بين الطرفين، وكل واحد يأخذ نصفه.
(... )


خلوه يدعي عليكم، وبعدين ننظر في الموضوع، أما تدَّعي عليه أنه يدَّعي، الحق له، هو اللي يدورك الآن، ما هو أنت اللي بتدوره، لكن بعض العلماء يقول: تُسمع الدعوى المقلوبة لأجل أن يكف عن أذيته؛ لأن هذا الخصم اللي بيدَّعي عليه، الآن كل صباح يطرق عليه الباب: أعطني المئة ألف ريال اللي أنا أطلبها.
يمكن هذا ولَّا لا؟ المهم على كل حال يقول بعض العلماء: إنها تسمع الدعوى المقلوبة لأجل دفع أذية المدعي، (... ) يا إما يثبت عليَّ، ولا أبرأ منه، وبعدين إذا جاء واعتدى عليَّ.
إي نعم، المذهب لا تُسمع ولا يُلتفت إلى هذا الرجل، وقال له: روح وراك، إذا جاء وادعى عليك نظرنا في قضيتك.
أنه لا يُوافَق، ولكن الصحيح أن الحق له، وأنه إذا طلب المتضرر القسمة وجب على الآخر الإجابة.
طالب: (... ). الشيخ: لا تُقسم إلا برضا الشركاء كلهم.

ثم انتقل المؤلف إلى القسم الثاني، وهو قسمة الإجبار، فقال: (وأما ما لا ضرر، ولا رد عِوضٍ في قسمته كالقرية، والبستان، والدار الكبيرة، والأرض، والدكاكين الواسعة، والمكيل والموزون من جنس واحد كالأدهان، والألبان ونحوهما، إذا طلب الشريك قسمتها أُجبِر الآخر عليها).
هذا القسم الثاني من قسمي القسمة: قسمة الإجبار، وسُمِّيت قسمة الإجبار؛ لأنها لا تتوقف على رضا الشركاء، بل يُجبر من امتنع، ضابطها: كُلُّ قِسمة ليس فيها ضرر، ولا رد عِوَض فهي قسمة إجبار.
وضرب المؤلف لهذا أمثلة، قال: (كالقرية).
قرية، هل يمكن أن تكون قرية بين شركاء؟ نعم، يمكن يجتمع جماعة، ويشتروا أرضًا ويخططوها ويبنوها، ثم يسكنها الناس، فتكون هنا قرية بين شركاء، هذه القرية كبيرة يمكن أن يقول الشريك لشريكه: لك النصف هذا، ولي النصف هذا.
كذلك أيضًا: (البستان) البستان الكبير الذي إذا قسم لا يتضرر أحد بقسمته؛ بحيث لو قسمناه ما تنقص قيمته على القول بأن الضرر هو نقْص القيمة، أو بحيث إذا قسمناه لم يفت الانتفاع بما قُسم، على القول الثاني الذي يقول: إن الضرر هو فوْت الانتفاع.
يقول: (الدار الكبيرة)، الدار الكبيرة تنقسم بلا ضرر؟ نعم، تنقسم بلا ضرر، لكن بشرط أن تكون حجراتها متساوية، أما لو كانت حجراتها غير متساوية، مثل أن يكون بعضها مجلسًا للرجال، وبعضها مطعمًا لهم، والبعض الآخر مطبخ، والبعض الثاني صالة للنساء، وهذه لو قُسمت لحصل الضرر، ولو جُعل أحدهما للآخر لاحتاجت إلى رد عوض.
فهنا نقول: القِسْمة قِسمة تراضٍ، إنما لو كانت دارًا كبيرة يمكن أن نقسمها، وفي كل جانب منها منافعه، فالقسمة قسمة إجبار.
كذلك: (الأرض) الواسعة (والدكاكين الواسعة) يمكن قسمتها بلا ضرر؟ طالب: نعم، يمكن.
الشيخ: طيب، كذلك: (المكيل والموزون من جنس واحد، كالأدهان، والألبان، ونحوهما).

الأدهان والألبان مكيلة ولَّا موزونة؟ مكيلة، فمثلًا: بيني وبينك تنكة من السمن، وأردنا أن نقسمها؛ يجبر الممتنع أو لا؟ يُجبر؛ لأن هذه يمكن تعديها بالكيل، يُؤتى بإناء، ويُغرف لك غرفة ولي غرفة حتى تنتهي، فتمكن القسمة.
الألبان مثلها، بيننا سطل لبن، يمكن قسمته، يؤخذ إناء لي وإناء لك، وهكذا حتى ينتهي، يمكن قسمته.
وقول المؤلف: (ونحوها) مثل البر، والرز، والقهوة، والسكر، واللحم، كل هذه يمكن قسمتها أو لا؟ بالكيل إن كانت مكيلة، وبالوزن إن كانت موزونة، ويُجبر الآخر عليها.
قال: (إذا طلب الشريك قسمتها أُجبر الآخر عليها) لو قال: والله أنا أحب قربك، وأحب مشاركتك، وأحب أن أبقى أنا وإياك شركاء، خلِّ الشركة تبقى؟ فقال: لا، أنا لا أحب قُرْبك، ولا مشاركتك، وأحمد الله أن الله فرَّق بيني وبينك.
إي نعم، بعض الشركاء مُشكل، يجبر ولَّا لا؟ نعم، يُجبر الآخر.
طيب بينهما سيارة يُجبر الممتنع من القسمة؟ طلبة: لا، تراضي.. طالب: يمكن بينهما.
الشيخ: تراضٍ، صح؟ الطالب: تراضٍ.
الشيخ: لو رضيا بقسمتها؟ الطالب: ما نوافقهما.
الشيخ: نعم، لا يوافقون عليها؛ لأنه لا يُمكن قسمة السيارة إلا بإتلافها، وهذا سفه! إذن ما الطريق إلى فك الشركة؟ الطريق إلى فك الشركة أن تُباع.
بينهما سيارات متعددة، نقول: هذه السيارات إذا كانت من جنس واحد، وليس فيها عيب، كلها جديدة، فقسمتها إجبار؛ لأنه لا ضرر على أحدهما، وإن كانت مختلفة الأجناس أو بعضها معيب وبعضها سليم، ولا يمكن قسمتها بالإفراز فإنها تراضٍ.
فالمهم الآن القاعدة -والحمد لله- واضحة.
قال: (وهذه القسمة إفراز لا بيع)، أفادنا المؤلف بقوله: (وهذه) الإشارة تعود إلى أقرب مذكور، فيعني بـ (هذه) قسمة الإجبار.
(إفراز) يعني تمييز لحق كل شريك من حق شريكه، تمييز فقط.

(لا بيع) ولهذا لم يشترط فيها التراضي، ولا يثبت لها أحكام البيع، فليس فيها خيار مجلس، ويجوز قسم لحم الأضاحي والهدايا، مع أن بيع لحم الأضاحي والهدايا يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز، لكن هنا تجوز القسمة؛ لأن هذه ليست بيعة، ما فيها ضرر ولا رد عوض، ما هي إلا إفراز أي تمييز وفصل حق كل شريك من شريكه، فهي إفراز لا بيع.
فقوله: (لا بيع) يعني لا يثبت فيها شيء من أحكام البيع.
إذن تجوز بعد أذان الجمعة الثاني؟ طالب: لا، ما تجوز.
الشيخ: تجوز.
الطالب: على قول.
الشيخ: تجوز؛ لأنها ما هي ببيع، ما دامت لا تشغله.
طيب، تجوز في المسجد؟ طالب: نعم.
الشيخ: تجوز في المسجد، لو مثلًا بيني وبينك صاعان من الرز، كيس، وقسمناه في المسجد ما فيه مانع؛ لأن هذه ليست بيعًا، وإنما هي إفراز وتمييز لنصيب كل واحد من الآخر، وبيني وبينك درزن دفاتر، الدرزن كم؟ اثنتا عشرة حبة، فقسمناها في المسجد، جائز؟ طلبة: نعم، جائز.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: لأنها ليست بيعًا.
الشيخ: لأنها ليست بيعًا.
المهم أن قوله: (لا بيع) يُستفاد منه أنها لا يثبت لها أحكام البيع أبدًا.

ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم).
نعم، يجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم، لكن بشرط أن يكون لديهم معرفة في القسمة لتخرج عن شبه القمار، انتبهوا، يجوز أن يتقاسموا بأنفسهم يقول: تعالَ، أنا وإياك شركاء في هذا البُرِّ، نبغي نقسمه، شركاء في هذه الأرض، نبغي نقسمها، يجوز ولَّا لا؟ يجوز، لكن قلنا: بشرْط أن يكون لديهم معرفة في القسمة، لماذا؟ لتخرج عن شبه القمار، كيف ذلك؟ لأنه لو لم يكن عندهم معرفة بالقسمة لاحتمل احتمالًا كبيرًا أن تكون الأرض بينهما نصفين، ثم يقسمانها أثلاثًا؛ لأنهم ما يعرفون، ما يدبِّرون القسمة، يمكن يحطون ثلثًا وثلثين، ويكون هذا في رأيهم أنصافًا، وحينئذٍ عندما نُقرع للتمييز يكون أحدهما إما غانمًا وإما غارمًا، إن حصل له الثلثان فهو غانم، وإن حصل له الثلث فهو غارم.
إذن لا بد أن يكون لديهم معرفة، فإن قالا: نحن راضيانِ بذلك، قلنا: هذا لا يجوز حتى ولو رضيتما؛ يعني حتى المتسابقين فيما لا يجوز فيه السبق، يقولانِ: نحن متراضيان، حتى المتبايعان بيعًا ربويًّا، يقولان: نحن متراضيان، ونحن لا يمكن أن يكون رضانا مخالفًا لرضا الشرع، بل لا بد أن يكون تابعًا.
إذن نقول: يجوز أن يتقاسموا بأنفسهم بشرط أن يكون لديهم معرفة بالقِسمة.
قال: (أو بقاسِم) عندكم (أو) ولَّا (وبقاسم)؟ طالب: (وبقاسم)؟ الشيخ: (وبقاسم) يعني ويجوز أيضًا أن يتقاسموا بقاسِم (ينصبونه أو يسألوا الحاكم نَصْبه).
طيب، في كلام المؤلف لَحْن أين هو؟ طالب: (يسألوا).
الشيخ: (يسألوا)؛ حيث حذف النون بدون سبب للحذف.
طالب: (... ). الشيخ: يا إخوان، أنا عندي نسخة ما فيها، والنسخة الصحيحة ما فيها.
طالب: لا، معطوف على (... ).

جارٍ التحميل