الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 8104-8143

الشيخ: لا، الصحيح أنه ليس بشرط، فإذا كان أخرس تُفْهَم إشارته، أو كان يكتب فإن قضاءه صحيح.
(مُجْتَهِدًا)؟ طالب: نعم.
الشيخ: نعم، صحيح، يُشترط أن يكون مجتهدًا ولو في مذهبه، فإن لم نجد مجتهدًا نصبنا مُقَلِّدًا؛ للضرورة.


يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (وإذا حَكَّمَ اثْنَانِ بينهما رجلًا يَصْلُحُ للقضاء نَفَذَ حُكْمُهُ في المال والحدود واللِّعان وغيرها).
(إذا حَكَّمَ) أي: جعلاه حكمًا، وتحكيم غير القاضي ثابت في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35]، فأَصْل التحكيم ثابت بالقرآن، كذلك عمر وأُبَيُّ بن كعب رضي الله عنهما تحاكما إلى زيد بن ثابت فحَكَم بينهما (2). وقول المؤلف: (إذا حَكَّمَ اثْنَانِ) هذا على سبيل المثال، فلو حَكَّم أربعةٌ رجلًا يجوز؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز.
وقوله: (وإذا حَكَّمَ اثْنَانِ رجلًا)، كلمة (رجل) وَصْف طَرْدي؛ يعني: ليس بقَيْد، صح؟ طالب: لا يا شيخ.
الشيخ: لو حَكَّمَ امرأةً أو حَكَّمَت امرأتان امرأةً فإن ذلك لا بأس به، وهو جائز، فلو فُرِضَ أن امرأةً عندها علم وأمانة وثقة ومعرفة فتحاكم إليها رجلان فحَكَمَت بينهما فلا بأس، وما المانع؟ لأن هذه الولاية ليست ولاية عامة حتى نقول: لا بد فيه من الذكورية، إنما هو رجلان أو خصمان اتفقا على أن يكون الحَكَمُ بينهما هذه المرأة، وهذا التحكيم يُشبه المصالحة من بعض الوجوه.
قال: (إذا حَكَّمَ اثْنَانِ رَجُلًا يَصْلُحُ للقضاء) لو حَكَّم أحدُ الخصمين صاحبه، الآن الذي فهمنا من كلام المؤلف (حَكَّمَ اثْنَانِ رَجُلًا) أن هناك مُدَّعيًا ومُدَّعًى عليه وحَكَمًا، لكن لو أن أَحَدَ المُدَّعِيَيْن حَكَّم الآخر، أيجوز ذلك أو لا؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا، الصحيح أنه يجوز، وإن كان ظاهر كلام المؤلف عدم الجواز، لكن الصحيح الجواز.

فلو أن رجلًا ادَّعَى على شخص شيئًا ما، فقال له هذا الشخص: حَكِّم نفسك، أنا أرضى أن تحكم لي أو عليَّ، فما المانع؟ ما فيه مانع.
فإذا قال قائل: إن فيه مانعًا؛ لأن المدَّعِي قد حَكَمَ لنفسه بالحق؛ لأنه ادَّعاه؟ قلنا: إن الإنسان قد تختلف حاله عند التحكيم عن حاله عند الدعوى، فيدَّعي على الإنسان شيئًا، ثم إذا قال: أنا ما عندي مانع، أنا أحَكِّمك، لا شك أنه سيتراجع عن دعواه، سيتراجع؛ إما لكونه يخجل ويستحيي، أو لكونه يخاف الله عز وجل، ويهاب الحكم بغير الحق، بخلاف الدعوى.
على كل حال لا مانع من أن أحد الخصمين يقول للآخر: أنت الحَكَم، وإذا جعله حَكَمًا لنفسه أو عليها فلا بأس.
قال المؤلف: (رَجُلًا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ) أي: تتوافر فيه صفات القاضي العشر؛ لأنه لا يصلح للقضاء إلَّا مَن اتَّصف بتلك الصفات، وهذا الشرط الذي اشترطه المؤلف فيه نَظَرٌ ظاهر، والفرق بين المُحَكَّم والمنصوبِ من قِبَل ولي الأمر ظاهر؛ لأن المُحَكَّم إنما يحكم في قضية معينة لخصم معين، ليست ولايته عامَّة حتى نقول: لا بد فيها من توافر الشروط السابقة، أمَّا القاضي المنصوب من قِبَل ولي الأمر فحكمه عام، يتحاكم الناس إليه؛ سَواء حكَّماه أم لم يحكِّماه، أما المُحَكَّم فإنه يَنْظُر في قضية معينة لخصم معيَّن، فكيف نشترط الشروط العشرة؟ ! إذا قال رجلان: نحن نرضى هذا الإنسان وإنْ كان عبدًا، كيف نقول: لا يصلح للحكم؟ إذا قال هذان الخصمان: نحن نرضى أن نحكِّمه وإنْ كان أعمى، فما المانع؟ إذا قال هذان الخصمان: نحن نرضى أن نحكِّمه ولو كان مُقَلِّدًا، فما المانع؟

لأن غاية ما فيه أنهما رضِياه مصلِحًا بينهما، أو كالمصلح بينهما؛ ولهذا نصَّ على هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: إنه لا يُشترط في المُحَكَّم ما يُشترط في القاضي، والفرق بينهما -كما قلت- هو أن الحاكم منصوبٌ من قِبَل ولي الأمر فحكومته ولاية، وأما هذا فهو مُحَكَّم من قِبَل خَصْم معين في قضية معينة، فهو يُشْبِه المُصلِح بين خصمين.
قال المؤلف: (نَفَذَ حُكْمُهُ فِي الْمَالِ) كيف بالمال؟ مثل أيش؟ (نَفَذَ حُكْمُهُ فِي الْمَالِ) (... ) في ذمتك لي مئة درهم، والثاني يقول: ليس عندي شيء، قال: طيب، مَنْ ترضى؟ نروح للقاضي؟ قال: لا، ما إحنا رحنا للمحكمة نفتضح، مَنْ ترضى يحكم بيننا؟ قال: أرضى أن يحكم بيننا فلان، فذهبا إلى فلان وحَكَم بينهما بما تقتضيه الشريعة، يجوز ولَّا لا؟ طلبة: نعم، يجوز.
الشيخ: يجوز، ويَنْفُذُ الحكم.
فإن اتفقا عليه أنْ يحكم بينهما، ثم رجع أحدهما عن ذلك وامتنع، بعد أن اتفقا على أن يحكم بينهما فلان قال أحدهما للآخر: أنا تراجعت عن ذلك، وأريد أن يحكم بيننا القاضي.
طالب: ننظر.
الشيخ: هل له ذلك؟ طالب: لا.
الشيخ: نقول: يُنظَر في هذا؛ إن كان قد شرع في الحُكْم فلا يملك الرجوع، إن كان المُحَكَّم قد شرع في الحُكْم فإنه لا يملك الرجوع، لماذا؟ لأنه ربما يتراجع إذا تبين له مِنْ كلام المُحَكَّم أن الحق عليه، أما إذا كان قبل ذلك فلا بأس، إذا كان قبل أن يتحاكما -أي: قبل أن يصلا إلى مجلس الحكم- فلا بأس في هذا.
على كل حال نقول: إذا شرع المُحَكَّم في القضية فلا رجوع، وقبل شروعه في القضية يجوز الرجوع.
(ونفذ حُكْمُهُ في الْحُدُودِ)، هل هناك حدٌّ يكون بين المتخاصمَيْن؟ الجواب: نعم؛ مثل حد القذف، فإن حدَّ القذف يكون بين المتخاصمَيْن.

رجل قذف رجلًا فادَّعَى عليه المقذوف أنه قذفه، فقال: أبدًا ما قذفتك، قال: مَنْ يحكم بيننا؟ قال: فلان، فذهبا إلى فلان وحَكَم بالقذف، وأن القاذف يُجلد ثمانين جلدة إذا كان المقذوف محصنًا، أو يُعَزَّر إن كان المقذوف غير محصن، ينفذ ولَّا لا؟ ينفذ.
طيب، ما يخالف، هو الآن نقول: إذا نَفَذ، فكيف نُنَفِّذه؟ يُنَفَّذ نفس القاضي المُحَكَّم يقوم بتنفيذه؛ سواءٌ كان في بيت المقذوف أو في بيت القاذف، إنما لا يمكن أن يقيمه عَلَنًا؛ لأن هذا يحصل فيه تلاعب وفوضى.
نفذ حُكْمُه أيضًا في اللِّعَان، اللِّعان مرَّ علينا حقيقته؛ وهو أن الرجل يقذف زوجته بالزنا -والعياذ بالله- فيقول: إنها زنت، هذا لا يخلو من أحوال: الحال الأولى: أن تُقِرَّ.
الحال الثانية: أن تُنْكِر ويأتي بشهود.
الحال الثالثة: أن تُنْكِر ولا يأتي بشهود.
الحال الرابعة: أن تسكت؛ لا تُقِر ولا تُنْكِر.
الحال الأولى: إذا أقرَّت، قال: إنها زَنَت وأقرَّت، ماذا نعمل؟ طالب: يقام عليها الحد.
الشيخ: نقيم عليها حدَّ الزنا.
أنكرت، ولم يأتِ بشهود، نقول له: إما أن تُلاعن، أو تُحَد حدَّ القذف ثمانين جلدة.
أنكرت، ولكن أتى بشهود، يُقام عليها الحد.
سكتت، ماذا نصنع؟ على القول الراجح نقيم عليها الحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ إلى آخره [النور: 8]، وقيل: تُحبَس إلى أن تُقر، أو تُلاعِن، أو يأتي ببينة.
على كل حال، رجلٌ قذف امرأته بالزنا، فطالبته قالت له: ثبِّتْ، وإلَّا أنا أطلب أن تُحَدَّ حدَّ القذف، فقال: إلى أي أحدٍ تريدين أن نرجِع؟ قالت: نرجِع إلى فلان فنُحَكِّمُه، فتحاكما عنده، وقضى باللِّعان بينهما، يجوز ولَّا لا؟ يجوز، قال: (وَاللِّعَانِ وَغَيْرِهَا).
طالب: (... ) القاضي (... ). الشيخ: ما حاجة للقاضي، هذا الرجل هو القاضي.

يقول: (وَغَيْرِهَا)، ويش غيرها؟ كالحقوق الزوجية مثلًا، كالميراث، كالودائع، كالرُّهون، كالأوقاف، كل شيء، المهم أنهما إذا حَكَّما رجلًا صار هذا المُحَكَّم كالقاضي المنصوب مِنْ قِبَل ولي الأمر؛ يَنْفُذ حكمه في كل شيء.


[باب آدب القاضي] ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب آداب القاضي).
(آداب القاضي) يعني: أخلاقه التي يُطالَب أن يكون عليها، هذه الآداب، فالآداب هي الأخلاق، (آداب القاضي) يعني: الأخلاق التي يُطالَب أن يكون عليها؛ إمَّا وجوبًا، وإمَّا استحبابًا.
والقاضي مَنْ؟ هو المنصوب مِنْ قِبَل ولي الأمر ليقضي بين الناس، ولا يزال مسمًّى بهذا الاسم إلى يومنا.
قال: (يَنْبَغِي أن يَكُونَ قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ) كلمة (يَنْبَغِي) إذا جاءت في كلام الفقهاء فهي بمعنى: يُستَحَب، وإذا جاءت في كلام الله فالمعنى أنها ممتنع، إذا جاءت بصيغة النفي في كلام الله أو في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم فمعناها الممتنع.
مثاله قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: 92]، ويش معنى (ما ينبغي)؟ يعني: ما يَحْسُن أن يكون له ولد، أو لا؟ المعنى: ما يمكن؛ يعني أنه يمتنع غاية الامتناع، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ» (3) يعني: يمتنع عليه النوم.
أما كلمة (ينبغي) في كلام الفقهاء فهي بمعنى: يُستحب، إذا قالوا: لا ينبغي؛ لا يُسْتَحب، إذا قالوا: ينبغي؛ يعني: يُسْتَحب.
لكن هذا في اصطلاح الفقهاء على سبيل العموم، أما الإمام أحمد رحمه الله فإن أصحابه يقولون: إذا قال: لا ينبغي، فهو للكراهة، وقد يكون للتحريم.
قال: (يَنْبَغِي أن يَكُونَ قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ) هذان وصفان؛ أحدهما ثبوتي، والثاني سَلْبي، الثبوتي أن يكون قويًّا؛ يعني: له شخصية وله سلطان، لا يكون ضعيفًا أمام الخصوم.

(مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ) هذه صفة سَلبية؛ يعني: لا يكون بقوته عنيفًا، لماذا؟ لأنه إذا كان ضعيفًا ضاعت الحقوق، وإنْ كان عنيفًا هابَه صاحب الحق، ولم يستطع أن يدلي بحجته؛ ولهذا قال بعدها: (لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ) ينبغي أن يكون لينًا؛ لأنه لو كان غليظ القلب فظًّا لهابه صاحب الحق، وتلعثم، وعجز عن إظهار حجته، ولو كان ضعيفًا لضاعت الحقوق، ولَعِب عليه أهل الباطل، وصار الخصوم عنده يتناقدون كما تتناقد الدِّيَكَة؛ إذا حضرتَ مجلسه وإذا الصَّخب واللَّغط والشَّتم والسَّب، وهو ساكتٌ يتفرج، هذا قوي ولَّا لا؟ طلبة: ضعيف.
الشيخ: هذا ضعيف، ولا ينبغي أن يكون القاضي على هذا الوجه.
وإذا كان عنيفًا فالأمر أيضًا مُشْكِل؛ لأن العنيف يهابه صاحب الحق، ولا يستطيع أن يتكلم، فيكون الإنسان بَيْن بَيْن؛ قويًّا من غير عنف، وليِّنًا من غير ضعف.
فإن قال قائل: هذه صفات يَجْبُل الله العبد عليها، يعني ما الإنسان (... ) صار عنيفًا، وإن جَبَلَه على الضعف صار ضعيفًا، ليس أمرًا مكتسبًا، بل هو أمر غريزي، كيف تطالبونه بأمر غريزي ما يستطيع أن يتخلق به؟ الجواب: جميع الأخلاق الغريزية أو الصفات الغريزية يمكن أن تتغير بالاكتساب، ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: يمكن أن تتغير بالاكتساب، كثير من الناس يكون -مثلًا- عنيفًا وشديدًا، ثم يصاحب رجلًًا ليِّنًا فيَلِين به، ويأخذ من أخلاقه ولَّا لا؟ وكثير من الناس يكون ضعيفًا، ما عنده شخصية، لكن يتمرن على تقوية شخصيته حتى يكون قويًّا.
فالفقهاء رحمهم الله ما طلبوا من الإنسان شيئًا مستحيلًا، طلبوا أمرًا إن كان قد جُبِل عليه فذلك المطلوب، إن لم يُجبل عليه يحاول اكتسابه.
وعلى هذا يُحْمَل قول الرسول عليه الصلاة والسلام لمن قال: أوصني، قال: «لَا تَغْضَبْ»، أوصني، قال: «لَا تَغْضَبْ»، هل الرسول عليه الصلاة والسلام نهاه عن أمر جِبِلِّي مطبوع عليه الإنسان؟

الجواب: لا؛ لأن النهي عما لا يمكن تنفيذه طَلَبُ مُحالٍ، وتكليف بما لا يستطيع، لكن «لَا تَغْضَبْ» يعني: لا تعوِّد نفسك الغضب.
هذا أيضًا القاضي الذي أمرناه أو طلبنا منه أن يكون قويًّا من غير عنف ليِّنًا من غير ضعف، إذا قال: واللهِ، هذه جِبلَّتي، أنا رجل غضوب وشديد وعنيف، ويش نقول له؟ نقول: عَوِّدْ نفسك، والآخر الضعيف: يا رجل، تَقَوَّ، خلِّ لك هيبة عند الخصم، قال: هذا اللي أعطانا الله، ويش نقول له؟ نقول: عوِّد نفسك القوة، حتى يكون مجلسك محترمًا غير ملعوب فيه.
قال المؤلف: (حَلِيمًا) يعني: بعيد الغضب، أو بطيء الغضب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَغْضَبْ» (4) وأحقُّ الناس بهذه الوصية مَنْ؟ طلبة: القاضي.
الشيخ: القضاة؛ لأنه إذا كان سريع الغضب، فإن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، فتنْتفخ أوداجه وتحمَّر عيناه، ويقف شعره، ولا يستطيع أن يتصور المسألة، ولا تطبيقها على الأحكام الشرعية، ولَّا لا؟ نعم؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» (5)، فالذي ينبغي أن يكون حليمًا، لكن يكون حليمًا في موضع الحِلْم، ومُعاقِبًا في موضع العقوبة؛ لأنا إذا قلنا: كن حليمًا في كل شيء، معناه كتَّفْنَاه، ما يتحرك، فينبغي أن يكون حليمًا في الموضع الذي يكون فيه الحِلْم من الحكمة.
يقول الشاعر: أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا

فإذا كان الإنسان حليمًا في موضع الحِلْم وأَخَّاذًا بالعقوبة في موضع الأخذ، فهذا هو الكمال؛ ولهذا ربنا عز وجل قال: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 98].

قال: (ذَا أَنَاةٍ)، أَنَاةٍ؛ يعني: تُؤَدَة وعدم تسرعٍ، يكون متأنِّيًا فلا يتعجَّل في الحكم، ضدُّ ذلك المتسرعُ في الحكم؛ لأن المقام مقام يحتاج إلى تأنٍّ ليتصور المسألة من كل الجوانب، ثم يطبِّقها على الأدلة الشرعية، وهذا يحتاج إلى تأنٍّ وعدم تسرع.
ما تقولون في قاضٍ حضر إليه خصمان، فقال أحدهما: أدَّعِي على فلان بمئة درهم، قال له القاضي: يلَّا، قُمْ سلِّم له المئة، هذا قاضٍ ذو أناة ولَّا لا؟ أبدًا، ما هو ذو أناة، هذا متسرِّع، بل لا بد أن يتأنَّى القاضي.
وهذه الصفة أيضًا نقول فيها -كما قلنا في الحِلْم-: قد يكون التأني مفوِّتًا للفرصة، فإذا كان التَّأني يفوِّت الفرصة فلا ينبغي أن يتأنَّى؛ لأنه إذا كان التَّأنِّي مفوِّتًا للفرصة كان التَّأنِّي مَضْيَعَةً للحزْم، ولَّا لا؟ وَرُبَّمَا فَاتَ قَوْمًا جُلُّ أَمْرِهِمُ مَعَ التَّأَنِّي وَكَانَ الرَّأْيُ لَوْ عَجِلُوا

فالإنسان قد يكون الرأي والحزم أن يبادر.
(وَفِطْنَةٍ) وهذه بَعْدُ مشكلة، يكون فَطِنًا، لا بد أن يكون ذا فطنة ونباهة وفِراسة، وهذه من الآداب المستحبة ولَّا الواجبة؟ كل هذه من المستحبة على ما قال المؤلف رحمه الله: يكون عنده انتباه في الحكم، انظر إلى سليمان عليه الصلاة والسلام لمَّا تحاكمت إليه المرأتان في ابن إحداهما دعا بالسكين ليَشُقَّه، فقالت الكبرى: نعم، يا نبي الله، أرضى بهذا الحكم، وقالت الصغرى: لا، هو ولدها يا نبي الله، ولا تشقه، فقضى به لِمَنْ؟ للصغرى، هذا من الانتباه والفطنة.
وقد ذكر ابن القيم في الطرق الحكمية قضايا كثيرة من هذا النوع تدلُّ على فطنة بعض القضاة وذكائهم.
ومنها أن رجلين اختصما في أَرض، فقال أحدهما للقاضي: إنه قد أعطاني الأرض مُزارَعةً بالنصف، ويش معنى المُزارَعة؟ طالب: يزرعها.

الشيخ: يعني: أزرعها أنا وله نصف الزَّرع، فقال صاحبه: أبدًا، ما أعطيتها إياه، القاضي عنده فِطْنَة، بفراسته رأى أن الصواب مع المُدَّعي الذي قال: إنك قد أعطيتنيها مزارعة، فقال للمُدَّعِي: هل لك عليه بَيِّنَة أنه عَقَد هذا العقد معك؟ قال: لا، ما عندي بَيِّنَة، قال: طيب، إذا ما عندك بَيِّنَة فليس لك حق، والرجل حتى لو ثبت أنه قد عقد لك المزارعة فهذه القليب -يعني: البستان- وقف، والرجل اختار للوقْف ما هو أنفع، فهو أعطاك إياه بالنصف، وجاءه آخر وقال: أنا يكفيني الثلث، وما دام البئر وقْفًا فأيهما أحسن لصاحب الوقْف، الثلث أو النصف؟ طالب: الثلثان.
الشيخ: الثلثان؛ يعني: أحسن أن يكون الثلث للزارع، والثلثان لصاحب البئر، وهذا رجل ناظِر وقْف وسيحتاط للوقْف، ما تقول؟ يقول القاضي لصاحب القليب: ما تقول؟ أليس الأمر كذلك؟ قال: بلى، هذه فِراسة، فقال القاضي لصاحب البئر: أعطِ المزارع البئر، والقول ما قاله المزارع.
فمثل هذه الأشياء؛ يعني: كون القاضي يُوهِم خلاف الواقع لأجل استنباط الحكم من المُدَّعَى عليه أو من المُدَّعِي هذا من الفطنة التي ينبغي أن يكون القاضي عليها.
طالب: إذا قلنا يا شيخ: إن المُحَكِّم هو الذي يقيم الحدود، أليس هذا افتئات على الإمام ونحن نقول: إن الحدود لا يقيمها إلَّا الإمام؟ الشيخ: إي نعم، الحدود التي لله -كالزِّنا- هذه للإمام، والحدود التي للآدميين -كالقذف- هذه للآدمي.
طالب: (... ) المحكم الذي يحكم بين اثنين (... ) في الزنا؟ الشيخ: لا، ما له يحكم في ثبوت الزنا أو انتفائه.
طالب: قلت: في بعض الحدود؟ الشيخ: الحدود الجنس، مراده الجنس، الجنس يشمل الواحد.
طالب: مثال على الأناة، القول بالتأنِّي؟

الشيخ: ذكرنا ضدَّ المتأني المتسرِّع، قلنا: لو تحاكم إليه خصمان فأدْلى المدَّعِي بحجَّته، فقال القاضي: نعم، يلَّا يا مدَّعًى عليه أعطِه حقه، تسرع، التأنِّي يصبر وينتظر، ويدرس القضية من جميع الجوانب، خصوصًا بعض القضايا المعقدة، أما المسائل البسيطة هذه يَبُت فيها، لكن بعض المسائل المعقدة؛ مثل: مواريث منذ زمن طويل، أو مسائل دماء، أو أشياء تحتاج إلى احتياط هذه يجب أن يحتاط فيها.
طالب: طيب، مثلًا تحكيم العَوام هل هذا جائز؟ لأن فيه بعض العوام يجعلون (... ) قاضيًا؟ الشيخ: إي، هذه المسألة لا بد أن يكون صالحًا للحُكْم؛ بأنْ يكون عنده علم بالشَّرع، أمَّا لو حَكَّم شخصًا عامِّيَّا يحكم بما اعتادته القبيلة فهذا لا يُحَكَّم.
الطالب: بعضهم عامي ولا يعرف الشرع، لكن عنده فِراسة، وعنده يعني من الفِراسة والفِطنة؟ الشيخ: هذه لا يجعلها حُكْمًا، يجعلها من باب المصالحة، إي نعم، لا يجعلها حُكْمًا.
طالب: (... ) يشترط القاضي ما يحكم بينهم إلا بكذا وكذا (... )، ليس تطوعًا، بل عبادة؟ الشيخ: ما هو بصحيح، كلامهم هذا ما هو بصحيح.
الطالب: في الصلاة؟ الشيخ: أقول: كلام الفقهاء رحمهم الله في هذه المسألة غير صحيح؛ يعني الفقهاء يقولون: لو قال القاضي للخصمين: لا أقضي بينكما إلَّا إذا أعطيتموني مئة ريال، مثلًا، فهذا إن كان له رزقٌ من بيت المال فلا شك أن هذا حرام عليه؛ لأنه يشبه هدايا.
طلبة: رشوة.

الشيخ: الغُلول، يشبه هدايا الغُلول، وإن لم يكن له شيء من بيت المال فهذا قال بعض الفقهاء: يجوز أن يسأل ما يدفع به حاجته، والصحيح أنه لا يجوز؛ لأن هذا يفتح باب شرٍّ، ربما القاضي يحكم لِمَنْ يعطيه أكثر، وربما تَرِد عليه قضيتان، فيقول لصاحب القضية الأولى: فلان أعطاني ألفين ريال، وأنت ما أعطيتني إلَّا ألفًا، اصبر حتى أقضي لفلان، ففيها مفسدة عظيمة، فالصواب أن هذا ممنوع، وأن القاضي إذا لم يكن له رزق من بيت المال، فإن كان القضاء فرض عين عليه تعيَّن عليه أن يفعل؛ لأنه من العبادات، وإن لم يكن فَرْض عَيْن فله أن يقول: لا أقضي.
طالب: (... ) مسألة الصلاة؟ الشيخ: الفرق بينهما أن الصلاة عبادة محضة، وهذه فيها حق مالي، ما تتمحض أنها عبادة محضة، ولكن الصحيح أنه لا يجوز، حتى لو من باب الأموال.
طالب: إذا كان المُحَكِّم هذا أقام حد القذف -مثلًا- على رجل فمات هذا الرجل في يده.
الشيخ: مات؟ الطالب: مات هذا اللي عليه الحد، (... ) جلدة مات، فهل يضمن هذا الرجل؟ الشيخ: طيب، لماذا مات؟ الطالب: مات من الجلد مثلًا.
الشيخ: يعني أنه تعدَّى فيه؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: نعم، يضمَنُه، يعني -مثلًا- لمَّا أراد أن يحُدَّه أتى بخشبة كبيرة وقال: أبغي أجلدك الآن ثمانين جلدة، ثمانون جلدة بخشبة كبيرة تموته، فهذا عليه الضمان.
طالب: لا -يا شيخ- إذا كان الجلد عاديًّا يعني ما.. الشيخ: لا، إذا كان ما فيه تعدٍّ ولا تفريط ما يضمن.
الطالب: لكن في دولة مثلًا ما ترى.. الشيخ: مَنْ مات في حَدٍّ -ما مرت علينا هذه؟ - فالحقُّ قَتَلَه، مَنْ مات في حَدٍّ فالحقُّ قَتَلَه.
(... ) إذا قال قائل: هذه الأخلاق أليست غرائز؛ يعني: أخلاق طبيعية، بعض الناس يكون عنيفًا، بعض الناس يكون حليمًا، بعض الناس يكون متأنيًا، بعض الناس يكون عَجِلًا؟

فالجواب: أن يقال: نعم، لا شك أنها غرائز، لكن يمكن أن تُكتَسَب، يمكن أن يُمَرِّن الإنسان نفسه على الحِلْم والتَّأني وعدم التسرُّع، وعلى الرفق واللِين، وكم مِن أُناس كانوا ذوي عنف شديد وغِلظة، لكنْ بالعلم والأخلاق والآداب وتمرين أنفسهم كانوا على الوجه الذي ينبغي، فالإنسان يُعَوِّد نفسه؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لمَّا قال: أوصني، قال: «لَا تَغْضَبْ» (4). قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وَلْيَكُنْ مَجْلِسُهُ فِي وَسْطِ الْبَلَدِ)، (وَسْطِ) بمعنى: متوسط الشيء، و (الوَسَط) بالفتح: الخِيار، فليكن المجلس في وسْط البلد؛ لأنه قاضٍ لأهل البلد كلِّهم، فلو كان في جانب منه؛ لشَقَّ على أهل الجانب الآخر، وعلى هذا فينُظر إلى قَصَبة البلد -يعني وسطها- فيكون مجلس القاضي هناك؛ سواءٌ كان في بيته أو مكتب آخر.
(فَسِيحًا)، هذه خبر آخر لـ (يَكُنْ)؛ يعني: وليكن فسيحًا؛ لأنَّه قد تكثُر الخصوم فيضيق بهم، ولأن المكان الفسيح أوسع للصدر وأشرح، فكلَّما كان المكان فسيحًا كان انبساط الإنسان فيه أكثر، وصدره أرحب وأوسع.
قال رحمه الله تعالى: (وَيَعْدِلُ) من هنا بدأت الآداب الواجبة، قال: (وَيَعْدِلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ) الجملة الاستئنافية هنا (وَيَعْدِلُ) خبر بمعنى الأمر؛ يعني: يجب عليه أن يعدل بين الخصمين؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (6)، فأمر بالعدل بين الأولاد، وكذلك بين غيرهم ممن يتساوون في الحقوق، فيجب أن يعدل بين الخصمين.

وقوله: (بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ) يشمل ما إذا كانا كافرَيْن أو مسلمَيْن، أو أحدهما كافر والآخر مسلم، فيجب عليه أن يعدل بينهما؛ لأن المقام مقام حُكْم، يستوي فيه جميع أفراد المحكوم عليهم أو لهم، فيجب أن يعدل بين الخصمين أيًّا كانت ديانتهما.
(فِي لَحْظِهِ، وَلَفْظِهِ، وَمَجْلِسِهِ، وَدُخُولِهِمَا عَلَيْهِ) طيب، كم هذه؟ طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة.
يعدل بينهما (فِي لَحْظِهِ) يعني: النظر إليهما، يجب أن يعدل بين الخصمين في النظر إليهما، لا ينظر إلى أحدهما نظرة رضًا وإلى الآخر نظرة غضب؛ إذا نظر إلى أحدهما فإذا عيْناه تتطاير شررًا، وإذا نظر إلى الآخر وإذا عيْناه باردتان، هذا لا يجوز؛ لأن الذي ينظر إليه النظر الأول -وإن كان محقًّا- سوف يهاب ويخشى، فيجب أن ينظر إليهما نظرة واحدة؛ سواءٌ اقتضت الحال أن ينظر إليهما نَظَر غضب، أو نَظَر رضًا، المهم ألَّا يختلف نظره للخصمين.
(فِي لَحْظِهِ وَلَفْظِهِ) اللفظ أيضًا يجب أن يعدِل بينهما فيه؛ فلا يُلَيِّنُه لأحدهما، ويغَلِّظُه للآخر، لا يقول لأحدهما -إذا سلَّم عليه-: أهلًا، وعليكم السلام، مرحبًا، كيف الأولاد؟ كيف الأهل؟ ويش لون السوق اليوم؟ -إذا كان تاجرًا- ويش لون عساك نجحت؟ -إذا كان طالب- وما أشبه ذلك، والآخر إذا سلَّم عليه: عليكم السلام (... ) وبأنفه أيضًا، هذا لا يجوز.
أيضًا لا يجوز أن يحتفِي بأحدهما فيسأله عن حاله وماله وأهله، والثاني لا يسأله، حتى لو كان قريبه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لنفرض أن أحد الخصمين قريبه وأنَّه لم يره من زمن بعيد، فأراد أن يسأله عن أهله لأنهم أقاربه، يجوز؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن يمكن أن يسأله في مكان آخر، أما هنا فالناس سواء؛ لا يجوز أن يُفضِّل أحدهما على الآخر في اللفظ.

لو كانا سواءً في اللفظ -يعني: في حروفه وعدد كلماته- لكن يتكلم على أحدهما بنهْرٍ وشدَّة، والثاني برفق ولين، إذن في اللفظ؛ من حيث عدد الكلمات، ومن حيث كيفيته، ونبرات الصوت.
كذلك أيضًا (مَجْلِسِهِ) يعني: ما يخلِّي واحدًا على اليمين، وواحد يقول: روح هناك، أو واحد يقول: تعالَ هنا على الفراش، والثاني: روح هناك على الخصاف، ما يمكن، يكون المجلس واحدًا في الدنوِّ منه، وكذلك في نوع ما يجلس عليه؛ فلا يُفَضِّل أحدهما على الآخر.
ويُحْكَى أن بعض القضاة دخل عليه رجل وحده فجلس إلى جنبه فأكرمه القاضي، أكرمه وسأله واحتفى به، فدخل رجل آخر فجلس جلوسًا عاديًّا في المكان فقال: يا شيخ، هذا أنا أدعي على فلان بكذا وكذا، قال: أنت خصم؟ قال: نعم، قال: قُمْ عن هذا المكان، اجلس مع صاحبك، وهكذا يجب أن يعدل بين الخصمين في مجلسه.
كذلك في (دُخُولِهِمَا عَلَيْهِ) لا يقدِّم أحدهما على الآخر، بل يدخلان جميعًا، فلا يَقُلْ لأحدهما -مثلًا- إذا وقف أمامه عند الباب: تفضل يا فلان، بل يدخلان جميعًا، أو يختصمان فيما بينهما؛ إن قدَّم أحدهما الآخر فالحق لهما، لكن باعتبار أن القاضي يُدخِلُ أحدهما قبل الآخر هذا لا يجوز؛ لأن هذا خلاف العدل، ولا شك أن المقام مقام عدل، وأنه لو خولف العدل في هذا المكان لأفضى إلى بطلان حُجَّة مَنْ له الحُجَّة، وانتصار مَنْ ليس له حُجَّة، فالواجب العدل.
فإنْ كان الباب لا يَسَع إلَّا واحدًا؟ طلبة: قرعة.
الشيخ: يقرع بينهما، إلَّا إذا اختار أحدهما أن يقدِّم صاحبه فالحق لهما.
فإن قلت: أفلا نقدِّم الأكبر؟ قلنا: لا، المقام مقام عدل، ما نقدِّم الأكبر، ولا نقدِّم الأقرب، ولا نقدِّم الأشرف، ولا نقدِّم الأوضع، بل نقول: الحق لكما أن تدخلا جميعًا، واختصِما فيما بينكما.
هذه أربعة أشياء يجب عليه أن يعدل بين الخصمين فيها.
في السلام؛ إذا سلَّم أحدهما فهل يَرُدُّ عليه السلام، أو ينتظر لعل الآخر يسلِّم؟

طالب: يرد السلام.
الشيخ: يرد السلام؛ لأن هذا سَبَق حقه بفِعْله، الذي سلَّم سَبَق حقُّ الرَّد عليه بفعله، بفِعْل الخصم، ما هو بفعلي أنا، فإذا سلَّم يقول: واللهِ، ما أرد عليك السلام إلى أن يسلم صاحبك علشان أعدِل بينكما، هذا لا يجوز، إذا سلَّم فرُدَّ عليه السلام.
سلَّم أو سلَّم أحدهما واكتفى به الآخر، ثم جلسا، فانبسط إليه أحد الخصمين، وقام يسأله: كيف أنت؟ كيف حالك؟ ويش (... ) اللي معك؟ ويش لون عيونك؟ ويش لون آذانك؟ ويش لون سنونك؟ ويش نقول؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: هل يقول: اسكت؟ ولَّا يسكت حتى ينظر إلى الخصم الآخر؟ طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، إن سكَّته مصيبة الحقيقة، وإنْ سَكَت للآخر حتى يُعَدِّد مثل ما عدَّد الأول ضاع عليه الوقت، فإذن نقول: مِنْ يوم يأتي بالشيء الذي لا بد منه عند السلام والتحية يقول: ما قضيتكما؟ فيبادر؛ حتى لا يضيع عليه الوقت.
صار من الآداب الواجبة أيش؟ طالب: أربعة.
الشيخ: العدل، لا، ما هي أربعة، العدل في هذه الأمور، وفي غيرها أيضًا، لكن المؤلف نصَّ على هذه الأمور؛ لأنَّها أدقُّ شيء في الموضوع، وربما لا يُلقِي لها بعض القضاة بالًا ولا يهتم بها، وأمَّا العدل في كيفية الحكم وفي تلقي الحُجَّة وفي المُحاجَّة فهذا أمر لا شك فيه، هذا أمر واجب، وسيأتي -إنْ شاء الله- باب طريق الحكم وصفته، كيف يقول للخصمين، وكيف يرتِّب القضية، لكن ذَكَر هذه الأشياء؛ لأنه إذا وجب العدل فيها وجب فيما هو أَوْلَى منها.

قال: (وَيَنبَغِي أن يُحضِر مَجلِسَهُ فُقَهاء المذاهِبِ وَيُشاوِرُهم فيما يُشكِلُ عليه) (وَيَنبَغِي أن يُحضِر مَجلِسَهُ فُقَهاء المذاهِبِ) فإذا كان في البلد عدة مذاهب فينبغي أن يُحضِر مجلسه فقهاء المذاهب، كم في البلد من مذاهب؟ قالوا: فيه خمسة مذاهب؛ شافعي ومالكي وحنفي وحنبلي وظاهري -مثلًا- يقول: يلا جمعوا لي من كل واحد فقيهًا يحضرون عندي؛ مِنْ أجل إذا أشكل عليه شيء شاورهم في مجلس الحكم.
هكذا قال المؤلف رحمه الله تبعًا لغيره من فقهاء المذهب أنه ينبغي للقاضي أن يُحْضِر الفقهاء ليشاورهم فيما يُشْكِل عليه، والصحيح أن هذا ليس بمستحب، بل ترْكُه هو المستحب؛ لأن إحضار الفقهاء فيه عدة محاذير: المحذور الأول: أن من القضايا ما يحبُّ الخَصمان أن يكون سرًّا لا يطَّلِع عليه أحد، فإذا أحضر أُناسًا قد لا يحتاج إليهم، قد لا تُشكِل عليه المسألة فيحتاج إلى مشاورتهم، فإذا أحضر أحدًا فإن الخصمين يخجلان من ذلك.
ثانيًا: أنه قد يكون بعض الفقهاء من الثرثارين المتكلمين، الذي يحرص على أن يخطف كلمة فينظر إلى أكبر مجلس فيجلس متربعًا ويتحدَّث؛ حضرتُ عند القاضي، وحضر عنده فلان بن فلان، وقال فلان كذا، وقال الآخر كذا، وعَلَتْ أصواتهم عند القاضي، وسكَّتهم القاضي، ثم عادوا، ثم يذكر كل القضية، فتنتشر قضايا المسلمين بين الناس، يبدأ الناس يعلِكون فيها ويلفِظون.
ثالثًا: أن في ذلك إضعافًا لجانب القاضي، كيف هذا؟ يقولون: هذا القاضي ما يقضي إلَّا والناس عنده -الفقهاء- معناه أنه ما عنده علم، ولَّا لا؟ فيضعف جانب القاضي أمام الناس، وإذا ضَعُفَ جانب القاضي أمام الناس أصبحت أحكامه مُهلهلةً، وكل إنسان يستطيع أن يعترض عليه.

رابعًا: أنه إذا اختار فقهاء المذاهب كان في هذا إظهارٌ للفُرْقَة بين الناس؛ لأننا نحب أن نُقَلِّل الخلاف ما استطعنا، وألَّا نقول: ويش مذهب فلان؟ وأنت على أي مذهب؟ وما أشبه هذا، فإن الواجب أن يُحْشَر الناس كلهم بقدر الاستطاعة على قول واحد، وهو ما دلَّ عليه كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، أما أن نُظهِر الفُرْقة بين الناس بالفِرَق فهذا أمر لا ينبغي.
ولهذا دائمًا بعض العامَّة يجون يستفتون يقولون: أبغيك تفتينا على مذهب الشافعي، على مذهب الحنفي، وما أشبه ذلك، نقول لهم: المذاهب كلها سواء، كلُّها ترجع إلى شيء واحد؛ كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم.
واحد من هذه المحاذير يكفي بأنْ نقول: إنه لا ينبغي أن يُحْضِر مجلِسَه الفقهاء.
ماذا يصنع فيما يُشْكِل عليه؟ يُرجئ المسألة، نحن نقول: ليس كل قاضٍ يكون مستعدًا للعلم بكل ما يَرِدُ عليه من قضية، ولكن إذا أشكَل عليه شيء فالواجب عليه أن يُرجئ الحكم، ويقول للخصمين: اذهبا وأتيا بعد يوم، أو يومين، أو ثلاثة، حسب ما يظن أن المسألة تتطلبه من وقت، ثم يراجعها بنفسه، ويشاور العلماء الذين في بلده، أو الذين في خارج بلده، مثل وقتنا الحاضر، يستطيع القاضي -وهو في مجلس الحكم- أن يتصل بأي عالِم يثق بعلمه ويشاوره ويحكم، أليس كذلك؟ طالب: بلى.
الشيخ: طيب، إذن ما قاله المؤلف هذا فيه نظر، بل هو ضعيف، والصواب أنه لا ينبغي.
قال المؤلف: (وَيَحْرُمُ الْقَضَاءُ وَهُوَ غَضْبَانُ كَثِيرًا) هذا من الآداب الواجبة؛ وهو تجنب القضاء في حال الغضب الشديد، فالقضاء في حال الغضب الشديد محرَّمٌ، والغضب -كلنا يعرفه- انفعال يحدث للنفس بسبب ما يثيرها من مخالفة الهوى، فتجد الرجل تنتفخ أوداجه، وتحمَرُّ عيناه ووجهه، ويقف شعره، ويفقد وعيه أحيانًا، أحيانًا تصل الحال بالغضبان إلى ألَّا يدري أفي السماء هو أم في الأرض؟ ولا يدري ما يتكلم به.

والغضب ثلاثة أقسام: غاية، وابتداء، ووسط، الابتداء هذا لا يضر؛ لأنه ما مِنْ إنسان يخلو منه إلَّا نادرًا، والغاية لا حكم لمن اتَّصفَ بها -أي بغاية الغضب- في أي قول يقوله، والوسط محل خلاف بين العلماء.
ونضرب لذلك مثلًا في رجل طلَّق وهو غضبان؛ إن كان في أول الغضب فطلاقه واقع نافذ، إن كان في غايته فطلاقه غير نافذ ولا واقع، وهذان موضعان متفق عليهما، الثالث: إذا طلَّق في الغضب المتوسط فللعلماء في ذلك قولان مشهوران، أصحَّهُما أن الطلاق لا يقع؛ لأن هذا الرجل الغضبان يجد من نفسه أن شيئًا يُرغِمه، هو يَعِي نفسه ويدري ما يقول، ويدري أنه في الأرض، لكن كأن شيئًا يضطره ويُرْغِمْه إلى أن يطلق، وقد جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (7). الغضب الذي يَحْرُم على القاضي القضاء فيه أيُّ الأنواع الثلاثة؟ طلبة: الغاية، والوسط.
الشيخ: الغاية والوسط يحرم عليه القضاء في هذه الحال.
الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ»، أو «لَا يَقْضِيَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (5)، هذا الدليل.
التعليل أن الغضبان لا يَتصور القضية تصورًا تامًّا، ولا يتصور تطبيقها على النصوص الشرعية تطبيقًا تامًّا، والحُكْم لا بد أن يتصور الإنسان القضية، ثم يتصور انطباق الأدلة عليها؛ لأن الحُكْم على الشيء فرعٌ عن تصوره، والحُكْم على الشيء لا بد من معرفة الموجِب للحكم، والغضبان لا يتصور ذلك؛ لا القضية، ولا انطباق الأحكام عليها؛ فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي بين اثنين وهو غضبان.
وأيضًا إذا كان الغضب مِنْ أحد الخصمين -هو الذي أثار غضب القاضي- فهنا محذورٌ ثالث؛ وهو أنه قد يحمله غضبه على هذا الخصم بأنْ يحكم عليه، مع أن الحق له، ففي هذا المحذورات الثلاثة.
فيَحْرُم القضاء وهو غضبان بالدليل، ويش بعد؟

طلبة: والتعليل.
الشيخ: والتعليل.
وقول المؤلف: (غَضْبَانُ كَثِيرًا) يفيد أنه إذا كان الغضب يسيرًا في ابتدائه فلا يَحرُم القضاء، وقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم وهو غضبان، في قصة الأنصاري مع الزبير بن العوام رضي الله عنه في المَسِيل الذي تنازعا فيه، تنازعا فيه عند النبي صلى الله عليه وسلم في مَسِيل كان يأتي على حائط الزبير قبل حائط الأنصاري، فكان الزبير رضي الله عنه يسقي منه ويَدَع البقية لجاره الأنصاري، فاشتكى الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترافعا إليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير: «أَسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْهُ إِلَى جَارِكَ»، (أسْقِ) أمر مطلق يقتضي أنه يسقي زرعه مجرد سَقْي؛ مجرد سَقْي يكفيه، ثم يرسل إلى الجار، فالأنصاري -عفا الله عنه- قال: أنْ كان ابنَ عمتك يا رسول الله؟ شوف أخذته العزة بالاثم، والإنسان بشر، وإلَّا مَنْ يتهم الرسول عليه الصلاة والسلام بمثل هذا الاتهام؟ ! فغضب النبي عليه الصلاة والسلام، غضِب انتقامًا لنفسه ولَّا انتقامًا لله؟ طلبة: انتقامًا لله.
الشيخ: انتقامًا لله؛ لأنه يحكم بأمر الله وشرعه، ما هو بنفسه وهواه، غضِب، ثم قال: «يَا زُبَيْرُ، أَسْقِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْجَدْرِ، ثُمَّ أَرْسِلْهُ إِلَى جَارِكَ» (8)، فاحتفظ النبي صلى الله عليه وسلم للزبير بحقه حين أغضبه الأنصاري، لكنَّ هذا غضبٌ يسير لا يمنع تصور الحُكْم، فلا يمنع تصور القضية، ولا انطباق الحُكْم الشرعي عليها.
(وَيَحْرُمُ الْقَضَاءُ وَهُوَ غَضْبَانُ كَثِيرًا) عرفتم الدليل المفهوم ولَّا لا؟ دليل المنطوق؟ «لَا يَقْضِيَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (5)، دليل المفهوم قصة الزبير مع الأنصاري رضي الله عنه.

قال المؤلف: (أَوْ حَاقِنٌ) يعني: لا يقضي وهو حاقن، الحاقن: المحصور بالبول، أو حاقب: المحصور بالغائط، لا يقضينَّ بين اثنين في هذه الحال، لماذا؟ لأن هذه الحال تشبه حال الغضب في عدم تصور القضية وانطباق الحكم الشرعي عليها، إنسان حصران مَرَّة، يجيئه الخصمان يتخاصمون عنده، الواجب عليه أن يقول لهما: انصرفا، أو امكثا حتى أقضي الحاجة، أما أن يحاول القضاء بينهما في هذه الحال فحرام عليه.
قال المؤلف: (أَوْ فِي شِدَّةِ جُوعٍ) أيضًا يَحرُم القضاء عليه في شدة الجوع، حتى وإنْ كان سببه الصيام، لو جاءا يتحاكمان إليه في آخر النهار وهو جائع جوعًا شديدًا، نقول: لا تحكم بينهما، ولا تقضِ بينهما.
إذا صرفهما هل يستفيد من ذلك بأنْ يأكل؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا يستفيد؛ لأنه ما آكل إلَّا إذا غربت الشمس، لكنه يستفيد ألَّا يخطئ في الحُكْم، بخلاف الإنسان المصلي إذا كان شديد الجوع وهو صائم، نقول: لا تصلِّ حتى تُفْطِر وتأكل، لا؛ لأن الصلاة يفوت وقتها، أما الحُكْم بين اثنين فإنه لا يفوت وقته.
كذلك: (أَوْ في شِدَّة عَطَشٍ)، عطشان جدًّا، نقول: لا تقضِ بين اثنين، لماذا؟ لأن ذهنه مُشوش، عطشان، ما هو عطش بس يشتهي الماء، عطش شديد، نقول: لا تقضِ، إلى متى؟ إلى أن يشرب، ثم يقضي بينهما.
كذلك: (أَوْ فِي شِدَّةِ هَمٍّ)، وهذا أمر خفي، في شدة هم الإنسان بشر؛ تعتريه هموم في بعض الأحيان، لأسباب خارجية، أو أسباب أهلية، أو أسباب داخلية في نفسه؛ لأن الإنسان ضعيف وبشر، فإذا كان في شدة همٍّ وجاءه الاثنان ها ذول، قالوا له: نبغيك تقضي بيننا، واللهِ -يا جماعة- أنا الآن فكري مشغول، عندي هموم كثيرة، الخصمان قالوا له: وسِّع صدرك، يتمكن من هذا؟ طلبة: لا.
الشيخ: ما يتمكن؛ لأن هذا أمر يعتري الإنسان غصْبًا عنه لا يريده، فهنا نقول: لا تقضِ بين اثنين وأنت في شدَّة هَم.

ومثله أيضًا لو كان في شدَّة هَمٍّ أمرٍ في أهله؛ كما لو كان عنده مريض مرضًا مُدْنِفًا، ما له فكر أنه يبقى يقضي للناس، أو كان مشغولًا في أمر خارج؛ مثل أن سمع انتصار أحد مِن الكفار على أحد من المسلمين، فانشغل فكره بذلك، فحينئذٍ يَنتظر حتى يزول ذلك الهم.
المهم صار الهمُّ -سواء كان من الخارج أو في أهله أو في نفسه- فإنه لا يتعرض للقضاء في هذه الحال.
(أَوْ فِي شِدَّةِ مَلَل) كيف مَلَل؟ إي نعم، مَلَل، تعبان، مِن الساعة الثامنة صباحًا وهو يقضي بين ها الناس، وصابر على أذاهم وأصواتهم وصخبهم ولغبهم، لمَّا جاءت الساعة الثانية إلَّا ربع جاء الخصمان، قال: يا جماعة، أنا الحين تعبت، مال، قالوا: ولو، باقٍ على الوقت ربع ساعة، لازم تجلس، له أن يعتذر ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: له يعتذر، بل يجب أن يعتذر؛ لأن الإنسان بشر، بينما يأتي القاضي في بعض الأيام من أول الدوام إلى آخره ما جاءه أحد.
فالمهم أنه إذا كان في شدة ملل فإنه يحرُم عليه أن يقضي بين اثنين، والعلَّة هي العلَّة في مسألة القضاء.
قال: (أَوْ فِي شِدَّةِ كَسَل) كسل؟ ويش الكسل (... )؟ طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، يعني مثلما يقول الناس: ميِّت حِيلَه، كسلان، وفيه نوم، وينعس، وكل شيء، والخصوم، كل خصم فهو أعمى أصَّم، لكنه أَبْكَم ولَّا ينطق؟ ينطق، الخصم أعمى أصم، لكن نُطْقه لسانه عن عشرة، قالوا له: كيف يا أخي؟ كيف أنت عندك كسل؟ خليك نشيط، قال: واللهِ أنا كسلان، أنا البارحة ما نمت إلَّا الساعة ثلاث قبل الفجر، بساعة إلَّا عشر، ما أستطيع، لو أرغموه على أن يقضي ويش نقول؟ لا يجوز؛ لأن هذا حق لله.
لو قالوا: إحنا راضين بكسلك، بس احكم باللي تبغي، ولو هو على خطأ، يقول: لا، ما يجوز.
(أَوْ فِي شِدَّةِ نُعَاسٍ) مثلها أيضًا النعاس؟ طالب: أشد.
طالب آخر: نعم.
الشيخ: إي نعم، النعاس يمكن يكون أشد بعد.
طالب: (... ) يهذري.

الشيخ: إي نعم، ربما أنهم يتكلمون معه وهو يحلم، فيجيبهم بما يحلم به.
فالمهم إذا كان في شدة نعاس لا يجوز القضاء، إلى متى؟ حتى يزول النعاس.
لو قالوا له: إحنا نجيبلك شاي وقهوة، يصلح؟ يقول: جيبوا ونشوف، إي نعم.
أو بَرْدٍ مؤلِمٍ أو حَرٍّ مُزْعِجٍ، وإن خالَفَ فأصابَ الحقَّ نَفَذَ، ويَحْرُمُ قَبُولُ رِشْوَةٍ وكذا هَدِيَّةٌ إلا مِمَّنْ كان يُهادِيه قبلَ وِلايتِه إذا لم تَكُنْ له حُكومةٌ.
و(يُسْتَحَبُّ) أن لا يَحْكُمَ إلا بِحَضْرَةِ الشهودِ، ولا يَنْفُذُ حكمُه لنفسِه, ولا لِمَن لا تُقْبَلُ شَهادتُه له، ومَن ادَّعَى على غيرِ بَرْزَةٍ لم تُحْضَرْ وأُمِرَتْ بالتوكِيلِ، وإن لَزِمَها يمينٌ أَرْسَلَ مَن يُحَلِّفُها، وكذا المريضُ.

﴿باب طريق الحكم وصفته﴾: إذا حَضَرَ إليه خَصمانِ قالَ: أَيُّكُما الْمُدَّعِي؟ فإن سَكَتَ حتى يَبدأَ جازَ، فمَن سَبَقَ بالدَّعوى قَدَّمَه، فإن أَقَرَّ له حَكَمَ له عليه، وإن أَنْكَرَ قالَ للمُدَّعِي: إن كان لك بَيِّنَةٌ فأَحْضِرْها إن شِئْتَ.
فإن أَحْضَرَها سَمِعَها وحَكَمَ بها، ولا يَحْكُمُ بعلْمِه، وإن قالَ الْمُدَّعِي: ما لي بَيِّنَةٌ.
أَعْلَمَه الحاكمُ أنَّ له اليمينَ على خَصْمِه على صِفةِ جوابِه، فإن سألَ إحلافَه أَحْلَفَه، وخَلَّى سبيلَه، ولا يُعْتَدُّ بيمينِه قبلَ مسألةِ الْمُدَّعِي، وإن نَكَلَ قَضَى عليه، فيقولُ: إن حَلَفْتَ وإلا قَضَيْتُ عليك.
فإن لم يَحْلِفْ قَضَى عليه، وإن حَلَفَ المنكِرُ ثم أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً حَكَمَ بها، ولم تَكُنِ اليمينُ مُزيلةً للحَقِّ.

إنسان جاءه الخصوم وهو توَّه متوضئ، والزمن زمن شتاء بارد، قال لهم: يا جماعة، خلُّوني أتدفَّأ؛ لأن الآن فيه بَرْد عظيم.
الخصوم ويش يقولون؟ يقولون: أبدًا، اقعُد اقْضِ بيننا، وإذا قضيت بيننا نسيت البرد، لأنك تبغي تحتمي، فتنسى البرد، لازم.
يقول: لا، أذهب وأتدفأ ولَّا ألبس زيادة ثياب وأجيء أقضي بينكم.
(حَرٍّ مُزعِجٍ)، يمكن هذا؟ شوف؛ الحر قال: (مزعج)، والبرد (مؤلم)؛ لأن البرد قارس يقرس البدن، ولهذا يتشنَّج الإنسان أحيانًا، والحر مُزعِج؛ البدن يمتدُّ، ولكنه يُزعج الإنسان، فيه حَرٌّ شديدٌ جدًّا ولا فيه مكيِّف ولا مروحة، والمهَفَّة متكسرة -المروحة اليدوية هذه- ما عنده شيء، تعبان، قالوا: لازم تقضي.
ويش يقول لهم؟ يقول: انتظِروا إلى آخِر النهار، انتظِروا أروح أتروَّش وأتنشَّط وأجيء.
لأن الحر المزعج لا يجوز معه أيش؟ الطلبة: القضاء.
الشيخ: القضاء.
كل هذه الأحوال التي ذكرها المؤلف مَقِيسةٌ على قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَقْضِي الْحَاكِمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (1). إذَنْ كُلُّ حالٍ تعتري القاضي تكون حائلًا بينه وبين تصوُّر القضية أو انطباق الأحكام الشرعية عليها فإنه يَحْرُم عليه القضاءُ فيها حتى يزول هذا السبب؛ لأن الحكم يدور مع عِلَّته وجودًا وعدمًا.
طالب: شيخ، أحيانًا المصلحةُ تقتضي أن القاضي يغلب على أحد الخصمين، سواء في لَحْظِه أو لَفْظِه، وذلك كأنْ يكون أحدُ الخصمين شريرًا، أو شديدًا، أو رجلًا ذا بأس؟ الشيخ: أبدًا، لا يجوز، إلَّا إذا خالف في مجلس الحكْم.
الطالب: كيف شيخ؟ الشيخ: إذا خالف في مجلس الحكْم؟ الطالب: نعم.

الشيخ: يعني بمعنى: لو تطاول على القاضي أو على خَصْمه في مجلس الحكْم فله أن يُوَبِّخه؛ يعني إذا فعل ما يقتضي التوبيخ في مجلس الحكْم فله أن يوبِّخه؛ لأن ظهور العدل هنا واضحٌ، أمَّا على حسب حالٍ كان يعلمها مِن قبل؛ يقول: الحمد لله جاء به اللهُ في هذا المجلس، أبغي أهينه.
هذا حرام.
الطالب: أقول فيه القُضاة في وقتنا الحاضر في حضورهم (... ) إذا (... ) مَثَلًا في أحد هذه الأوقات (... ) في أحد هذه الأوقات فهلْ يُعفى من الحضور، مع العلم أن (... )؟ الشيخ: لا، كيف يُعفى من الحضور، لا تفتح الباب للقُضاة يا أخي.
الطالب: (... ). الشيخ: دَعْهُم، هم أعلمُ بأنفسهم.
طالب: إذا حَكَم يا شيخ وهو على أحد هذه الأحوال؟ الشيخ: إي بيجيء، خلُّوه يجيء، يمكن لَكأنَّه بين يديك الآن.
طالب: يُستثنى من العدل (... ) إذا كان مسلم وكافر (... ). الشيخ: خطأ هذا، ما هو صحيح، الصحيح كلام المؤلف؛ العموم.
طالب: إذا كان الخصمان واحدٌ شريرٌ معروفٌ بالشر، والآخَر عفيفٌ ونزيهٌ ومتَّقٍ، هل تكون معاملة القاضي لهما معاملة واحدة؟ الشيخ: أبدًا في الحكْم معاملة واحدة، ويش أبْلَغ من الكافر والمسلم، كافرٌ عدوُّ الله وعدوُّ القاضي وعدوُّ الخصم وعدوُّ كلِّ مسلم، كل مسلم في الأرض أو في السماء فالكافر عدوُّه، ومع ذلك يجب عليه العدل بينهما في مسألة الحكْم، ما فيه -أبدًا- ما فيه اختلاف، لكنْ إذا أساءَ في مجلس الحكْم فله أنْ يوبِّخه وأنْ يطلب -مَثَلًا- من الشرطيِّ أن يضربه أو ما أشْبَهَ ذلك.
طالب: (... ) إذا قرر بمسألة في القضاء هل يَلْزم (... ) بالدليل؟

الشيخ: أبدًا، ما يحتاج، إذا حَكَم ليس للخصم أن يطالبه بالدليل، لو فُتِح هذا الباب ما بقي حُكْمٌ إلا ويُعترض؛ يسأل يقول: وين الدليل؟ إذا قال: الدليل كذا وكذا.
قال: هل تُثبت أنه ما فيه تخصيص؟ يمكن فيه حديث يخصِّصه، يمكن فيه حديث يَنْسفه، يمكن فيه حديث يُقيِّده.
ثم يفتح عليه أبوابًا كثيرة، والأصل أن القاضي موثوقٌ به.
طالب: أقول: هذا يدلُّ على أن القاضي يتعرَّض للجوع والعطش والحرِّ الشديد (... ) يؤدِّي إلى مُحَرَّم.. الشيخ: إي نعم، ما أدَّى إلى مَنْع الحقِّ فهو حرامٌ، إي، وأمَّا مسألة الْحَرِّ فليس بيده.
طالب: (... ). الشيخ: ما هو بيده الْحَر، الجوعُ والعطشُ في يده، فنقول: يجب عليك أنك إذا كنتَ كثيرَ الشُّرب للماء كثيرَ العطش؛ استصحِبْ معك جرَّةً فيها ماء؛ تجيء كلَّما عطشتَ تشرب.
طالب: شيخ، إذا كان أحدُ الخصمين من أهل الاجتهاد فتناظَرَ مع القاضي وأقْنَعَه بالْحُجَّة، فهل له أن يأخذ به؟ الشيخ: أبدًا، ليس له ذلك، لكنْ له أن يتكلَّم مع القاضي في مجلسٍ آخَر.
الطالب: جرت المناظرة بينهما؟ الشيخ: أبدًا، للقاضي أن يمنعها.


(... ) (فأصابَ الحقَّ نَفَذ).
(إنْ خالَفَ) أي: القاضي إنْ خالَفَ وحَكَم في هذه الأحوال التي لا يَحِلُّ له فيها الحكْم فأصابَ الحقَّ نَفَذ حُكْمه.
فإن قال قائل: كيف ينفذ وهو مُحَرَّم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (2)، أفليست القاعدة أنَّ مِثل هذا يوجب بُطْلان الحكْم، كما لو عَقَد على امرأةٍ عقدًا محرَّمًا فإن العقد يَبْطل؟ فالجواب أن يقال: إنه إنما نُهِيَ عن ذلك خوفًا من مخالفة الصواب، فإذا وقعت الإصابةُ فهذا هو المطلوب.

إذَنْ هنا نقول: هذا لم يخرجْ عن القاعدة؛ وهي أنَّ الشيء المحرَّم لا ينفذ ولا يصِحُّ؛ لأن العِلَّة التي من أجْلها حُرِّمَ انتفتْ؛ حيث إنه أصابَ الصواب، ولهذا قال: (إنْ خالَفَ فأصابَ الحقَّ نَفَذ).
فإنْ لم يُصِبِ الحقَّ فإنه لا ينفذ؛ لأنه على غير حُكْم الله ورسوله، هذا الرجُل أساءَ فحَكَم في حال الغضبِ أو الجوعِ أو ما أشْبَهَ ذلك ولم يُصِب الحقَّ، فهو ليس مُصِيبًا لا في إقدامه على الحكْم ولا في حُكْمه، فيكون الحكْم باطلًا.
قال: (ويَحْرُم قَبُولُ رشْوةٍ)، وهي مثلثة الراء؛ يقال: رِشوة، والثاني؟ طلبة: رَشوة.
الشيخ: رَشوة، والثالث؟ طالب: رُشوة.
الشيخ: رُشوة، وهي مأخوذةٌ من الرِّشاء، وهو الحبْل الذي يُعقَد به الدَّلو لاستخراج الماء، والرِّشاء يتوصَّل به الإنسانُ إلى مقصوده.
الرِّشاء ويش مقصوده؟ طلبة: الماء.
الشيخ: الماء.
الرِّشْوة: بَذْل شيءٍ يتوصَّل به الإنسانُ إلى المقصود، فكلُّ مَن بذَلَ شيئًا يتوصَّل به إلى المقصود فهو راشٍ، لكن الرِّشوة في الحكْم لا تجوز، وهي أنْ يبذُلَ الخصْم للقاضي شيئًا يتوصَّل به إلى أن يحكم له القاضي بما ادَّعاه أو يرفعَ عنه الحكْم فيما كان عليه؛ لأن اللِّي يُعطِي الرِّشوة تارةً يريد أنْ يُحكَم له بما ادَّعاه، وتارةً يريد أن يُرفعَ عنه ما ادُّعِيَ عليه.
وبينهما فرق؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، إذا كان الخصم يدَّعي أنه يطلب فلانًا مئة ألفٍ ودفع إلى القاضي رشوةً؛ فهذا يريد من القاضي أنْ يحكم له بما ادَّعاه، وإذا كان الخصم قد ادُّعِيَ عليه بمئة ألفٍ وأعطى القاضي دراهم؛ فهذا يريد من القاضي أنْ يرفع عنه ما ادُّعِيَ عليه، وفي كلتا الصورتين الرشوة محرَّمة: أولًا: للحديث الصحيح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لَعَنَ الراشِيَ والمرتشيَ (3)، واللعنُ هو الطَّرد والإبعاد عن رحمة الله، وهذا يقتضي أن تكون الرشوة من كبائر الذنوب.

وثانيًا: أنَّ فيها فساد الخلْق؛ فإن الناس إذا كانوا يُحكَم لهم بحسب الرشوة فَسَدَ الناس، صاروا يتباهَون فيها أيُّهم أكثر رشوة، فإذا كان الخصمُ إذا أعطى ألفًا حُكِمَ له وإذا أعطى ثمان مئةٍ لم يُحكَم له، ويش يعطي؟ طلبة: ألفًا.
الشيخ: يعطي ألفًا، وإذا ظنَّ أنَّ خصمه سيعطي ألفًا أعطى ألفين، وهكذا، ففسد الناس.
ثالثًا: أنها سببٌ لتغيير حُكم الله عز وجل، كيف ذلك؟ لأنه -بطبيعة الحال- النفس حيَّافةٌ ميَّالةٌ، تميلُ إلى من أحسنَ إليها، فإذا أُعطِيَ رشوة حَكَم بغير ما أَنْزل الله، فكان في هذا تغييرٌ لِحُكْم الله عز وجل.
رابعًا: أن فيها ظُلْمًا وجَوْرًا؛ لأنه إذا حَكَم للراشي على خصمه بغير حقٍّ فقد ظلمَ الخصم، ولا شكَّ أنَّ الظُّلم ظلماتٌ يوم القيامة، وأنَّ الجور من أسباب البلايا العامَّة كالقحط وغيره.
خامسًا: أنَّ فيها أكلًا للمال بالباطل أو تسليطًا على أكْل المالِ بالباطل، كيف ذلك؟ هل مِن حقِّ القاضي أنْ يأخذ شيئًا على حُكْمه؟ لا؛ لأننا نقول: هذا الذي أخذه القاضي إمَّا أن يحمله على الحكم بالحقِّ، والحكم بالحقِّ لا يجوز أن يأخذ عليه عِوَضًا دنيويًّا، وإمَّا أنْ يحمله على الحكم بخلاف الحقِّ، وهذا أشَدُّ وأشَدُّ، فكان أخْذُ الرشوة أكلًا للمال بالباطل، وبذلُها إعانةً لأكل المال بالباطل.
وبالرشوة ضياعُ الأمانات، وهذا معنًى سادسٌ؛ أنَّ فيها ضياع الأمانات، وأنَّ الإنسان لا يؤتَمَن، والحكم لا يؤتَمَن، والإنسانُ لا يدري أيُحكَم له بما معه من الحقِّ أو يُحكَم عليه، وهذا فسادٌ عظيمٌ، لذلك استحقَّ الراشي والمرتشي لعنةَ الله، والعياذُ بالله.
ولكنْ ما تقولون فيما لو تعذَّر إعطاءُ المستحِقِّ حقَّه إلا ببذْلِ دراهم، هل يدخل هذا في الرشوة ولَّا لا؟

نقول: نعم، هي رشوة؛ لأن الإنسان يريد أنْ يتوصَّل إلى حقِّه، لكن إثمها على الآخذ دون المعطي؛ لأن المعطي إنما بَذَلها ليستخرج حقَّه؛ لأن حقَّه يضيع إذا لم يبذل ذلك، ويكون اللعن على المرتشي؛ الآخذ، وقد نصَّ على ذلك أهلُ العلم رحمهم الله وبيَّنوا أن مَن بَذَل شيئًا للوصول إلى حقِّه فليس عليه شيء، ماذا يصنع؟ ويوجد الآن مَن يقول للإنسان المطالِب بحقِّه: إمَّا أنْ تعطيني كذا وكذا -صراحةً- وإلَّا فاصبرْ.
-إلى متى؟ -اصبِرْ.
صَبَر أسبوعًا جاء ليمه، قال: يلَّا، تبغي تعطيني؟ قال: لا.
قال: اصبِرْ.
جاء الأسبوع الثاني، تبغي تعطيني؟ -لا.
-اصبِرْ.
وهكذا حتى يَمَلَّ ويعطيه غصْبًا عليه، وهذا -في الحقيقة- أمْرٌ مُرٌّ ومفسِدٌ للخَلْق ولأديانهم وأبدانهم؛ لأنهم يأكلون السُّحتَ والعياذُ بالله، حتى إنه حكى لي شخصٌ أن له معاملةً في إحدى الدوائر، وكان يتردَّد ويتردَّد، وكل واحد من الكُتَّاب يقول له: اصبِرْ.
وذا يرحِّله للثاني، وذا يرحِّله للثالث، وهكذا، وتَعِب، صادفَ أنه خرج يومًا من هذه الدائرة، لاقاه واحد من أصحابه: ويش عندك يا فلان تتردَّد على هذا؟ قال: عندي كذا وكذا؛ معاملة منتهية، ما بقي عليها إلا شيء بسيط، وإني عجزت، لا تتيسَّر.
قال: تبغيها تتيسَّر؟ قال: نعم.
قال: تعال.
ما يروح معه، قال للقهوتي: تعال، هذه مئتان وخمسون ريالًا، دوك ها المعاملة تكفي أنك تسهِّل لنا، شوف رقمها وتاريخها.
قال: ابشِرْ، ابشِرْ، أنتم -إن شاء الله- إذا صليتم الظهر فوتوا.
يقول: واللهِ نطلع بين مصدِّق ومكذِّب.
يقول: صلينا الظهر وجئنا وإلا المعاملة بيده خالصة.
قال: لو دريت صنعته أعطيته ألفين وخمسين ما هو بمئتين وخمسين، أتردَّد لمدة، وأنا بس شو أقول يعني الآن، والعياذُ بالله، دناءة؛ يعني رشوة بسيطة مشَّت الحال.
طالب: لكن (... ) يا شيخ يعطي ولا دخْلَ له في ذلك.
الشيخ: إي، لكن نفعتْ.
الطالب: (... ).

الشيخ: نفعت، فالمهمُّ أن الرشوة فسادٌ للمجتمع في الواقع، ولهذا يَحْرُم على القاضي أن يأخذ الرشوة مطْلقًا.
فإنْ كان القاضي ليس له رزقٌ من بيت المال -يعني ما عنده راتب من بيت المال؛ من الدولة- وهو إنسان ما عنده مال وبيع ومشترى، وقال للخصمين: لا أقضي بينكما إلا بكذا وكذا.
حسب القضية؛ إنْ كانت كبيرة قال: أقضي بينكما بشيءٍ كثير، إذا كانت صغيرة: بشيء صغير، يجوز ولَّا لا؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: فيه خلاف؛ المشهور من المذهب أنه يجوز، والصحيح أنه لا يجوز؛ لأن هذا أخذُ عِوَضٍ على أمرٍ واجبٍ عليه؛ فإن الحكْم بين الناس واجبٌ، وهو إذا عوَّدَ نفْسَه هذا هل سيقتصد على مقدار الكفاية؟ أبدًا، سيطمع، وإذا جعل الْجُعْل -مَثَلًا- على الألفِ خمسةً في اليوم الأول، جعل على الألف في اليوم الثاني عشرةً، وازداد طمعًا، فالصواب أن هذا لا يجوز، ويُقال له: اتَّقِ اللهَ بقدْر ما تستطيع، اعملْ في السوق واقضِ بين الناس في وقتٍ آخَر.
لكن هذه المسألة التي الآن فرضْناها هي نادرةُ الوقوعِ جدًّا، وفي عهدنا -ولله الحمد كما تشاهدون- القضاةُ لهم أرزاقٌ من بيت المال أكثرُ من كفايتهم.
قال: (وكذا هديَّةٌ، إلَّا مِمَّنْ كان يُهاديه قَبْل ولايتِهِ إذا لم تكنْ له حكومة).
يعني يَحْرُم على القاضي أن يَقْبل هديَّة، إذا أهدى له إنسانٌ فلا يجوز أن يَقْبل الهدية مطْلَقًا، سواء كان لهذا الْمُهدي حكومة أمْ لم يكن، وعلى هذا فإذا انتصبَ رجُلٌ للقضاء اليومَ الثلاثاء، ففي يوم الاثنين أمس يجوز أنْ يَقْبل هديَّتي، أمَّا اليوم فلا يجوز أن يَقْبل هديَّةً إلا بشرطين؛ قال: (إلَّا مِمَّنْ كان يُهاديه قَبْل ولايتِهِ إذا لم تكنْ له حكومة) شرطين: أن يكون لهذا الْمُهدي عادة، يُهدي إلى هذا القاضي قبل أن يتولَّى القضاء.
والثاني: ألَّا يكون له حكومة، فإنْ كان له حكومةٌ فلا يجوز أن يقبل هديَّته ولو كان مِمَّن يهاديه قبل ولايته.

فعندنا الآن ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: هديَّة من شخصٍ يهاديه قبل ولايته وليس له حكومة، حُكْمها؟ الطلبة: جائزة.
الشيخ: جائزة؛ يعني جَرَت العادةُ أنه إذا قَدِم من سفرٍ أهدى عليه هديَّة، إذا حصلتْ عنده مناسبة أهدى عليه هديَّة وما أَشْبَهَ ذلك وليس له حكومة، هذا لا بأس به؛ لبُعْده بُعدًا تامًّا عن الرشوة، والأصل الحِلُّ.
ثانيًا: رجُلٌ أهدى إليه هديَّة، وليس مِمَّن عادته أن يهاديه، وليس له حكومة، فالمذهب: لا يجوز، كما صرَّح به المؤلف، لا يجوز؛ لأنه ليس له عادة، والقول الثاني: أنه يجوز.
المرتبة الثالثة: أن يهاديه وله حكومة ولم تكنْ عادتُه أن يهاديه.
طلبة: هذا حرام.
الشيخ: هذا حرامٌ ولا يجوز.
فيه مرتبة رابعة: أن يكون له حكومة ويهاديه، وهو مِمَّن جرت عادتُه بمهاداته مِن قَبْل، فهذا لا يجوز، ما دام له حكومةٌ فلا يجوز.
فالمراتب إذَنْ أربعة؛ واحدةٌ تجوز وهي أن يكون مِمَّن يهاديه قَبْل ولايته وليس له حكومة، والثلاثة الباقية -على المذهب- لا تجوز، والصحيح أن الهدية إذا لم تكن له حكومة وإنْ كان مِمَّن لا يهاديه من قَبْل لا بأس بها.
بقي علينا إذا كان هذا الرجل مِمَّن يهاديه قَبْل ولايته فأهدى إليه هديَّة، وكان له حكومة، لكنْ ما عَلِم بها القاضي، ثم عَلِم بعد ذلك، فهل يجب على القاضي أن يردَّها؟ الجواب: نعم، لو فرضْنا -مَثَلًا- أنَّ هذا الرجل كان يُهادي القاضي مِن قَبْل، وكان لديه حكومة للقاضي غدًا محوَّلة من قِبَل الشرطة مَثَلًا، هذا الرجل في الليل اشترى له شحنة جح؛ حبحب؛ بطيخ، فاشتراها في الليل، وراح وعلى طول أعطاها القاضيَ، لكن القاضي ما عَلِم، وهو مِمَّن جرت عادتُه بأنه يُهاديه، فلمَّا كان في الصباح وإذا الرجل قد جاء بخصمه، فما الواجب عليه؟

الواجب أن يردَّها؛ لأنها حرامٌ عليه، له حكومة، وهذه قد جرتْ من القضاة السابقين -كما نُحَدَّث عنهم- القريبين؛ رجلٌ أُهدِيَ له طاس، تعرفون الطاس (... )؟ طلبة: غضارة.
الشيخ: غضارة من التين، لَمَّا جاء القاضي وإذا هذه الطاسة من التين، قال: منين؟ ما شاء الله، منين جاب الله لنا هذه؟ قالوا: هذه جاء بها فلان.
قال: إي، رُدُّوها عليه.
-كيف نردُّها عليه يا ابن الحلال! تين وطيِّب ومستوي.
قال: هذا بينه وبين واحد مشكلة، وباكِر يبغون يتقاضون عندي.
شوف سبحان الله العظيم! وردَّها عليه، مع أن الحكومة ما بدأتْ، لكن هو عارف، خابر أن بينهم مشكلة، قال: هذا الرجل جاء بها يبغي هذه مثل العَلَف؛ مثل وقافة البقرة على ما يقولون، هذه ما يمكن أخْذها.
على كل حال الهدية لها شرطان على المذهب وهما: أن تكون مِمَّن عادتُه المهاداة قبل الولاية، والثاني: ألَّا يكون له حكومة.


يقول المؤلف: (ويُستحَبُّ ألَّا يحكم إلَّا بحضرة الشهود).
يُستحَبُّ للقاضي ألَّا يحكم إلا بحضرة الشهود، ويجوز أن يحكم بغيبتهم ولَّا لا؟ نعم، يجوز، إذا أدَّوا الشهادةَ وضَبَط شهادتهم وحَكَمَ في غَيْبتهم فلا بأس، لكن الأفضل ألَّا يحكم إلا بحضرتهم؛ لأن الشهود هم الطريق التي توصل إلى الحكْم؛ لولا شهادتهم ما حَكَم، فإذَنْ ينبغي أن يكون حُكْمه في حال حضور هؤلاء الذين يستخرج بهم الحق، ولأن هذا أضْبَط حتى لا يميل يمينًا أو شمالًا؛ لأنه ربما ينسى بعض فقرات الشهادة، ولأن هذا أيضًا أقربُ إلى ثبوت الشهود؛ لأن الشهود ربما قد يكون بعضُهم شَهِدَ بزورٍ، فإذا رأى أن الحكْم سيثبتُ بناءً على شهادته ربما يتراجع، فهذه ثلاثُ عِلَلٍ لاستحباب حضور الشهود إلى حُكْم القاضي.
قال: (ولا يَنْفذ حُكْمه لنفْسِهِ ولا لِمَنْ لا تُقْبَل شهادتُه له).
نعم، حُكْم القاضي لنفسه لا يُقْبل، كيف حُكْم القاضي لنفسه؟ يمكن يُتَصَوَّر هذا؟

يكون بينه وبين شخصٍ خصومةٌ، ويقول: أنا من نتحاكم أنا وإياك لنفسي عند نفسي.
ما يصلح هذا.
طيب، فإن رضي بذلك الخصم وقال: أنت الْحَكَم وفيك الخصومة؟ الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟ لأن الحقَّ له.
وهذه أحيانًا تَرِد؛ يعني يكون الخصمُ -خَصْم القاضي- واثقًا من القاضي فيقول: أنت الْحَكَم، وأنا أثِقُ بأمانتك ودِينك وعلمك.
فإذا رضي بذلك فلا حرج.
كذلك لا يحكم (لِمَنْ لا تُقْبَل شهادتُه له) مِثْل أبيه، وولده، وزوجته، لا يُقبَل أن يَحْكم لهم؛ لأن الحكْم -كما مرَّ علينا- يتضمَّن الشهادة؛ لأن الحاكم كأنه يقول: أشهدُ أنَّ الحقَّ لفلان على فلان.
فإذا حَكَم لأبيه أو أُمِّه أو زوجته أو غيرهم مِمَّن لا تُقبل شهادتُه لهم فإن هذا كالشهادة، لا يَنْفذ حكمُه.
وهل يَنْفذ حُكْمه على نفسه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]. طيب، هل يُقْبل حُكمه أو يَنْفذ حُكمه على من لا تُقْبل شهادتُه له؟ الجواب: نعم، كما تُقبل شهادتُه عليهم يُقبل حُكمه عليهم.


ثم قال المؤلف: (ومَن ادَّعى على غير بَرْزةٍ لم تحضُر وأُمِرتْ بالتوكيل، وإنْ لَزِمَها يمينٌ أَرسَلَ مَنْ يُحَلِّفها، وكذا المريض).

(مَن ادَّعى على غير بَرْزةٍ) يعني: مَن ادَّعى على امرأةٍ غيرِ بَرْزة.
غير البَرْزة: هي التي لا تَبْرُز للرجال؛ لأنكم تعرفون النساء بعضُهنَّ صاحبة خِبَاءٍ ما تَبْرز للرجال، وبعضُهنَّ رِجاليَّة -كما يقول الناس- تَبْرز للرجال وتتكلَّم مع الناس ولا يُهِمُّها، فمَن ادَّعى على بَرْزةٍ فإنها تُحضَر كالرجل، ومَن ادَّعى على غير بَرْزة؛ امرأة ما تخرج للسوق ولا تَبْرز للرجال، فإنها لا تُحضَر، لماذا؟ لأن ذلك يشقُّ عليها، ولأنها ربما مع الحياء والخجل لا تستطيع أن تعبِّر عمَّا في نفسها من الْحُجَّة، أليس كذلك؟ امرأة ما تخرج للرجال، كيف تخرج أمام القاضي وتدافع عن نفسها؟ ! لا يمكن، لهذا نقول: إذا ادَّعى على غير بَرْزةٍ لم تحضُر.
(وأُمِرَتْ بالتوكيل) يعني القاضي يُرسِل لها، وفي عصرنا يهتف إليها بالهاتف بأن توكِّل شخصًا يُخاصم عنها.
وأفادنا المؤلف رحمه الله أنه يجوز التوكيل في الخصومة، وهو كذلك، وقد مرَّ علينا هذا في باب الوكالة، فيجوز أن توكِّل شخصًا يُخاصم عنها.
طيب، وهلْ لها أن تختار رجُلًا أَلْحَنَ مِن خصمها؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لها أنْ تختار؛ لأنها تريد أن تدافع عن نفسها ما ادُّعِيَ عليها، أو تُثبت لنفسها ما ادَّعتْه، فلها أنْ تختار رجُلًا أَلْحَن مِن خصمها وأقوى حُجَّةً بشرط أن تعتقد أنها على حقٍّ، أمَّا إذا كانت تعلم أنها على باطلٍ فلا يجوز الخصومة أصلًا، لكنْ إذا كانت تعلم أنها على حقٍّ فلها أن توكِّل مَن هو أَلْحَن من خصمها.
يقول: (وأُمِرتْ بالتوكيل، وإنْ لَزِمَها يمينٌ أَرسَلَ مَنْ يُحَلِّفها).
(إنْ لَزِمَها) أي: غير البَرْزة.
(إنْ لَزِمَها يمين) يعني أنها وكَّلتْ، وحَضَر الوكيل وتخاصَمَ مع خَصْمها، فقال خصمُها: أدَّعِي على فلانة بعشرة آلاف ريال.
قال له القاضي: أين البيِّنة؟ قال: ما عندي بيِّنة.
ويش يبقى؟ طلبة: اليمين.

الشيخ: يبقى اليمين.
هل يُحَلَّف الوكيل؟ لا، لا يُحَلَّف الوكيل؛ لأن الأيمان لا تدخلها النيابة والوكالة، لكنْ يُرسِل القاضي إنسانًا ثقةً يُحَلِّف المرأة، ولا بدَّ أن يكون هذا الرسول مِمَّن تُقْبَل شهادتُه عليها ولها، يعني ما يُرسِل والدها؛ لأن والدها متَّهمٌ؛ ربما يقول والدها: إنها حلفتْ.
وهي لم تحلف.
طيب، أرسلَ من يُحَلِّفها وحلفتْ، يَحْكم ببراءتها ولَّا لا؟ يحكم ببراءتها فيقول: حضر عندي فلانٌ وكيلًا لفلانة، وفلانٌ أصيلًا عن نفسه، وادَّعى الثاني على موكِّلة الأولِ كذا وكذا ولم يأتِ ببيِّنة، وأرسلْتُ مَنْ يُحَلِّفها فحلفتْ أمامه، وبناءً على ذلك أحكُم ببراءتها.
قال: (وكذا المريض).
يعني أن المريض لو لَزِمَه اليمين ولا يستطيع أنْ يَحضر بنفسه إلى مجلس الحكْم فإنه يُرسَل مَنْ يُحَلِّفه، وليس كلُّ مريضٍ يُفْعَل به هكذا، بل المريضُ الذي لا يستطيع الحضور إلى مجلس الحكْم، فالمرض إذَنْ نوعان: نوعٌ يستطيع معه أنْ يحضر بمجلس الحكْم فيَلْزمه الحضور، ونوعٌ آخَر لا يستطيع فلا يَلْزمه الحضور ويُقال له: وكِّلْ، وإذا لَزِمَه اليمينُ أُرْسِلَ مَن يُحَلِّفه.
طالب: (... ) ما يُفرَّق بين إذا كان الحقُّ هذا يتضرَّر به أو لا يتضرَّر به؟ الشيخ: لا، لا يُفَرَّق، ما دام أنه ثابت له ما يُفَرَّق.
الطالب: ما يُتوصَّل إلى (... ) ترتب عليه (... ).. ؟ الشيخ: يعني افرض -مَثَلًا- أني أنا لي -مَثَلًا- حقٌّ عشرة آلاف ريال، وأنا غنِيٌّ عندي ملايين الدراهم، ما تهمُّني هذه لو راحتْ عنك، هل يعني أن أَبْذل شيئًا أستخرج به حقي.
طالب: إذا لم يتعيَّن، إذا كان القضاء فَرْض كفاية، يعني فيه غيره لكنْ هو أَخَذ ليقضي، لم يقْضِ ليأخذ، فليس في هذا (... ). الشيخ: لا بأس، أَخَذ ليقضي، لا بأس، نقول: لك أنْ تأخذ، لكن أنْ تقول للناس: لا أقضي بينكما إلا بِجُعْلٍ.
هذا ما يَصلح.

الطالب: ما يشترط أُجرةً إذا كان لم يجب عليه، لم يتعيَّن.. ؟ الشيخ: على مَن يشترط الأُجرة؟ الطالب: على الخصمين.
الشيخ: ما يجوز؛ لأن هذا مُشْكِل، يؤدِّي إلى الفساد، لكنْ نعم هو الغالب -هذا أنها مسألة قلتُ لكم: إنها نادرة- الغالب أن فيه ولي أمرٍ يدبِّر الناس، فيقول لوليِّ الأمر: إذا كان ما في بيت المال رزْق لي فأنت افرضْ على الخصمين، يكون شيئًا معلومًا من قِبَل مَن فوقه؛ من وليِّ الأمر: أنَّ كلَّ إنسانٍ يجلس إلى القاضي فعليه كذا وكذا.
مثلما يوجد الآن في البلاد الأخرى؛ يوجد كل مَن يحضر إلى المستشفى ويُكشَف عليه يُسَلِّم شيئًا، هذه إذا فُرِضتْ من وليِّ الأمر ما فيها شيء.
طالب: شيخ، دَفْع الرشوة لهؤلاء يا شيخ ألا يكون فيه إقرار لهم؟ فلماذا لا نقول: إن الإنسان يتقي الله عز وجل ويصبر على هذه البلوى، مثل كثيرٍ من الأمور التي لا يمكن أن تتحقق للإنسان إلا بمعصية الله.
الشيخ: نعم، هو صحيح، لا شك أن فيه نوعًا من الفساد، ولكن ما ذنبي أنا، يبغي يضيع حقي، ولَّا صحيح أنه لو حصل أنه يفعل مِثْل ما قيل: إنه فُعِل، والله أعلم؛ فيه واحد أعطى مسؤولًا ما رشوة، وكَتَب على الورق اللِّي هو أعطاه كَتَب إشارة خفِيَّة ما يعلم بها ذاك، لكنْ هو يعلم بها، ومِن يومها جاء المسؤول وأَخَذ ها الربطة هذه، ربطة الدراهم، حطَّها في جيبه.
هذاك مرتِّب حاله على أنه يذهب على الشرطة ويضبط هذا الرجل، بينما هو عنده ويتكلم (... ) وهذا، جاءوا الشرطة وقال: هذا الرجل أبى أن يمشِّي معاملتي إلا برشوة، فأعطيتُه الرشوة، والعلامة كذا وكذا على كلِّ ورقة.
وأُخِذَ أَخْذ عزيز مقتدر، هذا إذا حَصَل طيِّب، يجب أن يسوِّي الناس، لو الناس -الله يهدينا وإيَّاهم- لو الناس يتساعدون في هذه الأمور ويتحيَّلوا هذه الحِيَل نفع.


[باب طريق الحكم وصفته] بسم الله الرحمن الرحيم.

طريق الشيء هو ما يوصِل إلى الشيء، ومنه طريق البلد؛ لأنه يوصِل إلى البلد.
و(الحكْم) هو الفَصْل في الخصومات؛ يعني: باب الطريق الذي نتوصَّل به إلى الحكْم بين الناس؛ يعني: كيف تحكم؟ هذا المعنى؛ كيف تحكم؟ سَبَق لنا أن الخصمين يدخلان على القاضي، وأنه يجب عليه أنْ يعدل بينهما في لفْظِه، ولَحْظِه، ودخولِهما عليه، ومجلسِه؛ في أربعة أشياء، فإذا دَخَلا عليه على هذه الصِّفة فكيف يتوصَّل إلى الحكْم بينهما؟ يقول المؤلف: (إذا حَضَر إليه خصمانِ قال: أيُّكُما المدَّعِي.
فإن سَكَتَ حتى يُبدأ جازَ).
حَضَر الخصمان وجلسَا بين يديه، فهو يُخيَّر؛ إن شاء قال: أيُّكما المدَّعي؟ طيب، لو قال بدل (أيُّكما المدَّعِي): (ويش عندكم؟ )، يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ لأن هذه ألفاظ ليست للتعبُّد، المهم أن يسألهم: أيُّكما المدَّعي؟ وإنْ قال كلمةً سواها تؤدِّي معناها فلا بأس، هذا واحد.
أو يسكت؛ هو لا حاجة له، الحاجة لهما، فيسكت حتى يبدأا هما، فصار إذا حضر إليه الخصمان يُخيَّر بين أن يسألهما أو يسكت.
لكنْ إذا تساكتوا إلى متى؟ القاضي يكون عنده معاملات ينظر فيها، وإنْ خاف أن يظنَّ المدَّعيان أنه مشغولٌ عنهما فليترك النظر ليُفسح لهما المجال في الكلام، المهم إذا سَكَت فلا بأس.
ولكنْ لا شكَّ أن المؤلف لا يريد من القاضي أنْ يسكت إلى ما لا نهاية له؛ لأن هذا ضياعٌ لوقته ولوقتهما، لكنْ يسكت مدَّةً يرى أنهما لو أرادا أن يتكلَّما لَتكلَّما، فإذا مضت مدَّةٌ لو أرادا أن يتكلَّما لتكلَّما قال لهما: ما عندكما؟ لأنهما أيضًا قد يسكتان هيبةً للمقام، أليس كذلك؟ لا سيَّما إذا كان القاضي مَهِيبًا.
المهم أن الفقهاء رحمهم الله يقولون: إن القاضي إذا حَضَر إليه الخصمان يُخَيَّر بين أن يسألهما وبين أن يسكت حتى يبدأا.
يقول: (فمَنْ سَبَقَ بالدَّعْوى قَدَّمَهُ).

وهذا فيما إذا ما كانت الدعوى من الجانبين؛ أيْ إن كلَّ واحدٍ منهما يدَّعي على الآخَر، فإن مَن سَبَقَ بالدعوى يقدِّمه، والغالب أنَّ الدعوى تكون من جانبٍ واحدٍ، الغالب أن الخصمين أحدُهما مدَّعٍ والآخَر مدَّعًى عليه، فقول المؤلف: (مَن سَبَق بالدَّعوى قدَّمه) هذا فيما إذا كان لكلِّ واحدٍ منهما دعوى على الآخَر، فإنْ لم يكن دعوى على الآخَر فمعلومٌ أنَّ المدَّعِي هو الذي يتكلم.
يقول: (فمَنْ سَبَق بالدَّعوى قدَّمَهُ، فإنْ أقَرَّ له حَكَمَ له عليه).
(إنْ أقَرَّ) الفاعل يعود على المدَّعَى عليه، (له) الضمير يعود على المدَّعِي؛ أي: فإن (أقَرَّ) المدَّعَى عليه (له) أي: للمدَّعِي (حَكَم) أي: القاضي (له) أي: للمدَّعِي (عليه) أي: على المدَّعَى عليه.
وأظنُّ هذه واضحة؛ حَضَر إليه زيدٌ وعمرٌو، فقال: أيُّكما المدَّعِي؟ أو سكتَ حتى بدأ أحدُهما، فقال زيدٌ: أدَّعِي على عمرو بمائة ألف ريال.
قال: ما تقول يا عمرو؟ قال: نعم، صحيح، له عليَّ مائة ألف ريال.
حَكَمَ له عليه.
لكن هل تظنُّون أن هذا أَمْرٌ يَقَع؟ هذا ما يَقَع إلا نادرًا؛ لأنه لو كان يريد أن يُقِرَّ ما احتاجوا يأتون للقاضي، إلَّا في مسألة ذَكَرها ابن القيم في الطرق الحكمية؛ يقول: فيه واحد كلَّما ادُّعِيَ عليه عند القاضي أقَرَّ، ثم يقول: أنا ما أقدر، ما عندي شيء.
ثم يؤمر فيُحبَس، ثم يجيء أبوه ويفديه ويعطي المدَّعِي ما ادَّعاه ويطلِّع ولده من السجن.
يقول: فجاء ذاتَ يومٍ إلى قاضٍ من القضاة وادُّعِيَ عليه بدراهم كثيرة، وعلى طول أقَرَّ، القاضي كأنه يعني اشتبهَ عليه الأمر؛ كيف يُقِرُّ على طول بهذه الدعوى! فما لبث أنْ جاء أبوه يشكو يقول: هذا ابني أنْفَدَ مالي؛ يُقيم مَن يدَّعِي عليه بدعوى كبيرة، ثم يُقِرُّ، ثم يُحبَس ليُسَلِّم المدَّعَى به فأفتديه، ثم يأخذ المالَ نصفه له ونصفه للمدَّعِي، فأتعبَني.
فقال: الحمد لله، إذَنْ فِراستي ما خابتْ.

على كلِّ حالٍ نقول: هذا الأمر نادرُ الوقوع، لا يكون إلَّا -اللهمَّ- إلَّا لحيلةٍ.
لكنْ قد يقول إنسان: يمكن أن يقع هذا؛ مِثْل أن يكون الرجل في أول أمْرِهِ يريد أن يأكل المالَ بالباطل، فلمَّا حَضَرَ عند القاضي تذكَّر حضوره بين يَدَيِ الله مع خصمه.
أليس كذلك؟ طلبة: نعم.
الشيخ: فلمَّا تذكَّر هذا لانَ قلبُه وقال: إذَنْ أُقِرُّ بالحقِّ هنا ليؤخَذَ مِنِّي قَبْل أن يؤخَذَ مِن عملي الصالح.
هذا يمكن ولَّا لا؟ يمكن.
ثانيًا: ربما يكون هذا المدَّعَى عليه قد نَسِيَ فأنكر، أو ادَّعَى الوفاء -مَثَلًا- ثم أثناء جلوسِهِ عند القاضي تذكَّر، هذا أيضًا يمكن ولَّا ما يمكن؟ طالب: يمكن.
الشيخ: يمكن، المهمُّ -على كل حالٍ- إذا أقرَّ له حَكَمَ له عليه، بإقراره ولَّا بالدعوى؟ الطلبة: بإقراره.
الشيخ: بإقراره.
(وإنْ أَنْكَرَ) مَن اللِّي أَنْكر؟ (أَنْكَرَ) أي: المدَّعَى عليه، (قال) يعني الحاكم (للمدَّعِي: إنْ كان لك بيِّنةٌ فأَحْضِرْها إنْ شِئْتَ).
طيب، إذا أَنْكر المدَّعَى عليه يُطالَب، المرتبة الثانية.
شوف الآن ادِّعاء المدَّعِي: المرتبة الأولى: أقرَّ المدَّعَى عليه، يحكم عليه ولَّا لا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: (أَنْكَرَ) نتحوَّل إلى المرتبة الثانية؛ يقول القاضي للمدَّعِي: (إنْ كان لك بيِّنةٌ فأَحْضِرْها إنْ شئتَ).
شوف التلطُّف مع الخصوم؛ لا يقول: أَحْضِرْ بيِّنتك.
يقول: (أَحْضِرها إنْ شِئت)؛ لئلَّا يكون في ذلك إلزامٌ للمدَّعِي، بل يقول: (إنْ شِئْتَ).
طيب، لو قال كلمةً غير هذه كأنْ قال: يا فلان، عندك بيِّنة؟ فهاتِها.
بهذا اللفظ؟ لا بأس.
قال: عندك شهود؟ جِئ بهم؟ لا بأس.
ليش؟ لأن المقصود المعنى؛ إذْ إنَّ هذه ألفاظٌ ليست للتعبُّد، فأيُّ لفظٍ حصلَ به المعنى كفى.
قال: (فإنْ أَحْضَرَها) إنْ أَحْضَرَها مَن؟ المدَّعِي (سَمِعَها) مَن اللِّي يسمعها؟ الطلبة: القاضي.
الشيخ: القاضي، (وحَكَمَ بها).

(سَمِعَها وحَكَم بها)، (سَمِعَها) بمعنى أنه يَقْبل الكلام؛ يقول: شهادتُكُما صحيحة.
(حَكَم بها) يعني يقول: وثَبَت لديَّ أنَّ لفلانٍ على فلانٍ كذا وكذا.
السماع سابق على الحكْم ولَّا لا؟ الطلبة: نعم، سابق.
الشيخ: السماعُ سابق.
وقول المؤلف: (إنْ أَحْضَرَها سَمِعَها) ظاهره أنه يسمعها مُطْلقًا، ولكنه مقيَّدٌ بما إذا كانت البيِّنة ذات عدْلٍ، فإنْ كان القاضي يعلم أن هذه البيِّنة ليست ذات عدْلٍ فإنه لا يسمعها أصلًا، وإذا لم يسمعها لم يحكم بها.
وهنا هل يجوز للقاضي أنْ يحكم بعلمه أو أنْ يعتمد على علمه في عدالة الشهود إذا كان يعرفهما، أو لا يعتمد على علمه ويطلب تزكيتهما؟ الجواب: يعتمد على علمه؛ فإذا كان يعرف الشاهدَيْنِ وأنهما عَدْلانِ فلا يحتاج إلى طلبِ تزكيتهما من المدَّعِي، لا يحتاج؛ لأنه يعلم عدالتهما، أمَّا إذا كان يعلم أنهما غير عَدْلينِ فإنه لا يسمعها، بل يردُّهما ولا يسمع.
طيب، إذَنْ (سَمِعَها) متى؟ إذا عَلِم العدالة؛ عدالتهما.
طيب، وهل يجوز أنْ يمتحنهما بأنْ يُكَرِّر عليهما السؤال: ويش لون كذا؟ ويش لون باع عليه؟ وفي أيِّ وقت؟ وفي أيِّ مكان؟ وهل هو غضبان ولَّا راضٍ؟ وهل هو توَّه قام من النوم ولَّا (... ) من النوم؟ وما أشبَهَ ذلك، يجوز؟ نقول: ما يجوز يُعَنِّت الشاهدَينِ؛ لأن هذا يؤدِّي إلى كراهة الناسِ الشهادةَ، ولأنه إذا عنَّتَهما فإنَّ بعض الناسِ ليس عنده تلك القوة، ربما يتضعضع ويتضاعف في أداء الشهادة، فلا يجوز تعنيتُهما ولا انتهارُهما ولا امتحانُهما، إلَّا إذا صار عنده شكٌّ فلا بأس أنْ يفرِّقَ الشهودَ ويطلبَ مِن كلِّ واحدٍ شهادةً، وينظر هل تتناقض الشهادةُ أو لا.
قال: (وحَكَم بها).
طبعًا الحكْم بها بعد تمامِ شروطِ الحكْم بأنْ يتَّضِحَ له الحكْم الشرعي، وإلَّا فلْينتظِرْ.
قال: (ولا يَحْكُم بعِلْمه).

يعني: لو تخاصَمَ إليه اثنان وهو يعلم أن المدَّعِي صادقٌ فيما ادَّعاه فهلْ يحكم بعلمه؟ المؤلف يقول: (لا يَحْكُم بعِلْمه)، لو كان يعلم مِثْل الشمس أنه صادقٌ ما يحكم بعلمه، ويش يعمل؟ قال للمدَّعِي: عندك بيِّنة؟ قال: ما عندي بيِّنة.
وهو يعلم أنه لو طلبَ من المدَّعَى عليه اليمينَ لَحَلَفَ، ولكنَّه يعلم أنَّ الأمر كما قال المدَّعِي، فهلْ يحكم بعلمه؟ يقول المؤلف: لا؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» (4). ولم يَقُل: بنحو ما أعلم.
فجعل الحكم مبنيًّا على الأمور الحسِّيَّة الظاهرة، لماذا؟ لئلَّا يكون القاضي محلَّ تهمة؛ لأنه إذا حَكَمَ بعلمه والناسُ قالوا: حَكَمَ لفلانٍ على فلانٍ وهو مدَّعٍ بدون شهودٍ يعلمهم الناس.
يتَّهمونه ولَّا لا؟ يتَّهمونه.
ثم لو فتحْنا البابَ وقُلنا: إن هذا القاضي مِن أَعْدل عبادِ الله ولا يحكم إلا بالحقِّ.
يأتي قاضٍ آخَر ويَحْكُم بالباطل ويقول: هذا الذي أعلمُهُ.
أوْ لا؟ ما يمكن هذا؟ لو فتحْنا الحكْم بالعلم لكان كلُّ قاضٍ (... ) ادَّعى فلانٌ على فلانٍ كذا وكذا، وأنا أعلم أنَّ المدَّعِي صادقٌ، وقد حكمْتُ له بما ادَّعاه على خصمه.
وهو يكذب، ما يعلم، يمكن هذا يوجد ولَّا ما يمكن؟ يمكن، فلو فُتِحَ الحكم للقاضي بعلمه لفسدتْ أحوالُ الناس؛ لأنه ليس كلُّ إنسانٍ يكون ثقةً، فسَدُّ البابِ هو الأَوْلى.
فإذَنْ لا يجوز الحكْم بالعلم للدليل والتعليل، ويش الدليل؟ «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» (4)، لا: بنحوِ ما أعلم، فالقضاءُ مبنيٌّ على الأمور الظاهرة.
التعليل؟ لو فُتِحَ البابُ لكان القاضي محلَّ تهمةٍ، ولَدَخَلَ فيه مَنْ لا يُوثق.
طيب، إذا تحاكَمَ إلَيَّ خصمانِ وأنا أعلمُ أنَّ الحقَّ مع المدَّعِي عِلْمَ اليقين؛ لأن المدَّعَى عليه البارحةَ جاء ليمِّي ومُقِرٌّ عندي، مُقِرٌّ، ما فيه إشكالٌ عندي، فماذا أعمل؟

جارٍ التحميل