الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 7984-8023

ننظر، قال المؤلف: (فالشرعي ما له موضوع في الشرع وموضوع في اللغة) يعني: ما له مدلول في الشرع، ومدلول في اللغة، هذا الشرعي، كأن المؤلف يقول: الشرعي ما اختلفت فيه اللغة والشرع، مثل: الطهارة، الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، البيع، الوقف، وأشياء كثيرة، هذه يختلف فيها الشرع واللغة، ولهذا نقول: الطهارة لغة كذا، وشرعًا كذا، الصلاة لغة كذا، وشرعًا كذا، الزكاة لغة كذا، وشرعًا كذا، الحج لغة كذا، وشرعًا كذا، البيع لغةً كذا، وشرعًا كذا وكذا، هذه الأشياء التي يختلف فيها، يختلف فيها الشرع والعرف ما دمنا مؤمنين فإن كلامنا يُحمل على المعنى الشرعي عند إطلاقه؛ يعني إذا كان ما فيه سبب ولا نية فهو يُحمل على المعنى الشرعي.
فإذا قال قائل: والله لأصلين الآن قبل أذان العشاء، ثم مد يديه إلى السماء يدعو حتى أذن العشاء، فقلنا له: يا رجل، ليش ما صليت؟ قال: أنا صليت، هل يحنث أو لا؟ طلبة: لا يحنث.
الشيخ: أقول: ما فيه نية يا إخواني، لا نية ولا سبب.
طلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث؟ الطلبة: يحنث.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: لأنه ما صلى العشاء.
الشيخ: لأن كلامه يُحمل على المعنى الشرعي، صحيح أن الصلاة في اللغة الدعاء، لكن نحن كمسلمين يُحمل كلامنا على الأمر الشرعي.
قال: والله لأحجن اليوم، ثم ذهب إلى صديق له، وغابت الشمس، يحنث ولَّا ما يحنث؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: لا، انتبهوا.
طلبة: ما يحنث، (... ) الكلام.
الشيخ: إي، لا، ما يحنث، ليش؟ لأن الحج هنا لا يمكن حمله على الشرعي، السبب: نقول: اليوم هو، اليوم نحن الآن الليلة أربعة عشر من شهر جمادى الأولى كيف يبغي يحج؟ طالب: الثانية.
الشيخ: جمادى الأولى يا أخي، وين الثانية؟ طالب: (... ) بالنهار (... ). الشيخ: على كل حال، نقول: هذا لا يحنث؛ لأن في كلامه ما يمتنع حمله على المعنى.
طلبة: الشرعي.
الشيخ: الشرعي، دقيقة، دقيقة؛ لأن في كلامه ما يمنع حمل كلامه على المعنى الشرعي، وهو قوله: اليوم.

أما لو قال: والله لأحجن، وأطلق، لأحجن بس، وأطلق، ثم ذهب إلى صديق له وقال: هذا الحج، الحج في اللغة.
طلبة: القصد.
الشيخ: القصد، وأنا قصدت، نقول: لا يمكن؛ لأن الحج عند الإطلاق -ما دام ما لك نية ولا سبب- يُحمل على أي شيء؟ طلبة: على الشرعي.
الشيخ: على المعنى الشرعي.
طالب: ما يحنث؛ لأنه ما جاء وقت الحج.
الشيخ: لا، قصده ما حج.
الطالب: إذا مضى وقت الحج.
الشيخ: إي، إذا مضى وقت الحج ولم يحج، إي نعم، ولا الآن معلوم، ما هو حاج هذا الوقت.
طالب: في اللغة يا شيخ ما ينبغي تقييد الحج بـ (إلى)؟ هو بمثاله يقول: لأحجن اليوم إلى (... )؟ الشيخ: لا، ما هو شرط.
الطالب: إذا قال: لأحجن اليوم، وسكت ما لها معنى (... ). الشيخ: لا، لها معنى.
الطالب: لكن حججنا اليوم.
الشيخ: إي، لأقصدن اليوم؛ أي شيء عاد أقصده، لأقصدن اليوم أي شيء، فإذا قال: إني أنا قصدت فلانًا، وهذا قصد.
طالب: كل أفعاله تكون بقصد، ممكن يصرفها إلى أي فعل.
الشيخ: ما هو بكيفه، وعلى كل حال، هو على ما يريد.
المهم الآن، إذا كانت الكلمة لها معنى شرعي ومعنى لغوي، نحملها على أيش؟ طلبة: المعنى الشرعي.
الشيخ: على المعنى الشرعي، ولهذا قال: (فالاسم المطلق ينصرف إلى الموضوع الشرعي الصحيح، فإذا حلف لا يبيع أو لا ينكح، فعقد عقدًا فاسدًا لم يحنث)، إي نعم، هذا رجل قال: والله لا أبيع شيئًا اليوم، ثم ذهب فباع خمرًا، يحنث ولَّا لا؟ طلبة: لا يحنث.
الشيخ: ما يحنث؟ طلبة: لا.
الشيخ: لو حملنا البيع على المعنى اللغوي؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: لحنث؛ لأن هذا بيع لغة، هذا لغة بيع، لكن المعنى الشرعي لا يسمي هذا بيعًا؛ لأنه غير صحيح، لا يعتد به شرعًا، فإذن المطلق يحمل على أيش؟ طلبة: المقيد.
الشيخ: لا، على المعنى الشرعي أيش؟ الصحيح.

قال المؤلف رحمه الله: (شرعي، وحقيقي، وعرفي، فالشرعي ما له موضوع في الشرع، وموضوع في اللغة)، مثل: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والإيمان، والإسلام، وما أشبه ذلك، كثير هذا (له موضوع في الشرع وموضوع في اللغة)؛ يعني أنه وضع في الشرع لمعنى، ووضع في اللغة لمعنى آخر يخالف الشرع، فهل نأخذ بالمعنى اللغوي أو بالمعنى الشرعي؟ يقول المؤلف رحمه الله: إنه يؤخذ بالمعنى الشرعي، ما دام قد صدر من مسلم فإنه يؤخذ بالمعنى الشرعي؛ لأن الشرعي لما شاع بين المسلمين صار كالعرفي، فالوضوء مثلًا في اللغة: النظافة، في الشرع: غسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة تعبدًا لله عز وجل، فإذا قال إنسان: والله لا أتوضأ، فذهب إلى الحمام، ونظف جسمه كله، هو من ناحية الشرع توضأ ولَّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا يحنث، وعلى هذا نقول: إنه عند الإطلاق يُحمل الكلام على المعنى الشرعي.
الصلاة، رجل قال: والله لا أصلين اليوم، أو: لا أصلين قبل الظهر، والله لا أصلين قبل الظهر، فدعا، فقيل له: حنثت؛ لأن الصلاة في اللغة.
طلبة: الدعاء.
الشيخ: الدعاء، نقول: لا يحنث؛ لأن الصلاة في اللغة: التعبد لله.
طلبة: (... ). الشيخ: ما يخالف، ما يضر، التعبد لله عز وجل، هذه من الأشياء التي انتقدها الأخ، التعبد لله عز وجل بذات الأقوال والأفعال المعلومة، وعلى هذا فنقول لهذا الرجل: إنك لم تحنث؛ لأن الشيء المطلق يحمل على الشرعي.
كذلك أيضًا، قال: والله لا أبيع شيئًا، فأجَّر إنسانًا سيارته؛ فإنه لا يحنث؛ لأن الأجرة ليست ببيع شرعًا، أو باع دخانًا، دخان (... ) هذا، فإنه لا يحنث، لماذا؟ لأن هذا ليس بيعًا شرعيًّا، بل هو بيع فاسد باطل، أو باع خمرًا، فإنه لا يحنث، أو باع حملًا في بطن فإنه لا يحنث.
وإن قَيَّدَ يمينَه بما يَمْنَعُ الصحَّةَ كأَن حَلَفَ لا يَبيعُ الْخَمْرَ أو الحُرَّ حَنِثَ بصورةِ العَقْدِ.

والحقيقيُّ: هو الذي لم يَغْلِبْ مَجازُه على حقيقتِه كاللحمِ، لو حَلَفَ لا يَأكلُ اللحمَ فأَكَلَ شَحْمًا أو مُخًّا أو كَبِدًا، ونحوَه لم يَحْنَثْ، وإن حَلَفَ لا يَأكُلُ أَدَمًا حَنِثَ بأَكْلِ البيضِ والتمرِ والْمِلحِ والخل والزيتونِ ونحوِه وكلِّ ما يُصْطَبَغُ به، ولا يَلبَسُ شيئًا فلَبِسَ ثوبًا أو دِرْعًا أو جَوْشَنًا أو نَعْلًا حَنِثَ، وإن حَلَفَ لا يُكَلِّمُ إنسانًا حَنِثَ بكلامِ كلِّ إنسانٍ، ولا يَفعلُ شيئًا فوَكَّلَ مَن فَعَلَه حَنِثَ، إلا أن يَنْوِيَ مُباشَرَتَه بنفسِه.
والعرفيُّ: ما اشْتَهَرَ مَجازُه فغَلَبَ الحقيقةَ كالراويةِ والغائطِ ونحوِهما، فتَتَعَلَّقُ اليمينُ بالعُرْفِ، فإذا حَلَفَ على وَطْءِ زوجتِه أو وَطْءِ دارٍ تَعَلَّقَتْ يمينُه بجِمَاعِها وبدخولِ الدارِ، وإن حَلَفَ لا يأكُلُ شَيْئًا فأَكَلَه مستَهْلَكًا في غيرِه كمَنْ حَلَفَ لا يأكلُ سَمْنًا فأَكَلَ خَبيصًا فيه سَمْنٌ لا يَظْهَرُ فيه طَعْمُه، أو لا يَأكُلُ بيضًا فأَكَلَ ناطفًا لم يَحْنَثْ، وإن ظَهَرَ طعمُ شيءٍ من المحلوفِ عليه حَنِثَ.
(فصلٌ) وإن حَلَفَ لا يَفعلُ شيئًا ككلامِ زيدٍ ودخولِ دارٍ ونحوِه ففَعَلَه مُكْرَهًا لم يَحْنَثْ، وإن حَلَفَ على نفسِه أو غيرِه مِمَّن يَقْصِدُ مَنْعَه كالزوجةِ والولدِ, ألَّا يَفعلَ شيئًا ففَعلَه ناسيًا أو جاهلاً حَنِثَ, في الطلاقِ والعَتاقِ فقطْ، وعلى مَن لا يَمتنِعُ بيمينِه من سُلطانٍ وغيرِه ففَعَلَه حَنِثَ مُطْلَقًا، وإن فَعَلَ هو أو غيرُه ممن قَصَدَ مَنْعَه بعضَ ما حَلَفَ على كلِّه لم يَحْنَثْ ما لم تكنْ له نِيَّةٌ.

﴿باب النذر﴾ لا يَصِحُّ إلا مِن بالغٍ عاقلٍ ولو كافرًا، و (الصحيحُ) من خمسةِ أقسامٍ: (المطلَقُ) مثلَ أن يَقولَ: " للهِ عليَّ نَذْرٌ " ولم يُسَمِّ شيئًا فيَلزَمُه كَفَّارَةُ يَمينٍ.

الثاني (نَذْرُ اللَّجاجِ والغضَبِ) وهو تَعليقُ نَذْرِه بشرْطٍ يَقْصِدُ الْمَنْعَ منه أو الْحَمْلَ عليه أو باع مجهولًا في عدده أو كيفيته أو نوعه فإنه لا يحنث؛ لأن هذا وإن سُمِّي بيعًا في اللغة، لكنه في الشرع لا يسمى بيعًا، فلا يحنث.
يقول المؤلف: (وإن قيد يمينه بما يمنع الصحة؛ كأن حلف لا يبيع الخمر) إلى آخره، يعني: إذا حلف ألَّا يفعل شيئًا وقيَّده بلفظ يدل على الفساد فإنه يحنث وإن كان فاسدًا؛ مثل أن يقول: واللهِ لا أبيع الخمر، ثم باع، فهذا من الناحية الشرعية ليس ببيع؛ لأنه فاسد، لكن الرجل لم يأتِ به مطلقًا، بل قيَّده بأمر تنتفي معه الصحة؛ حيث قال: واللهِ لا أبيع الخمر، فإذا باعه حنث.
فإن قال قائل: كيف تُحَنِّثونه وهذا التصرف ليس ببيع شرعي؟ قلنا: إنه قيده بأمر معين، فبمجرد وجود ذلك الأمر المعين يحنث؛ ولهذا قال المؤلف: (حنث بصورة العقد)، شوف (بصورة)؛ لأن هذا عقد صوري، والمؤلف قيَّد يمينه بماذا؟ بأمر صوري؛ لأن قوله: واللهِ لا أبيع الخمر، كلمة (لا أبيع) لا يمكن أن توافق من الناحية الشرعية؛ لأن الخمر -شرعًا- لا يُبَاع، فنحمله إذا تعذر حمله على الحقيقة، والمعنى حملناه على الصورة، فنقول: بمجرد أن يبيع الخمر يحنث.
وبناءً عليه فالمثال الذي مثَّلنا آنفًا -وهو بيع الدخان- إذا قال: واللهِ لا أبيع الدخان فباعه فإنه يحنث، لا لأنه بيع، ولكن لأنه صورة ما حلف عليه.
لو قال: واللهِ لا أبيع بربًا، فذهب وباع بالربا، يحنث؟ الطلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث، ليش؟ لأنه قيَّد اليمين بشيء يمنع الصحة، فيُحْمَل على الصورة.
أما لو قال: واللهِ لا أبيع، فباع دينارًا بدينارين فإنه لا يحنث؛ لأنه أطلق، والمطلق يُحْمَل على الشرعي الصحيح، واضح يا جماعة ولَّا لا؟ طالب: واضح.
الشيخ: طيب.

وقال بعض العلماء: إنه لا يحنث إذا باع ما يحرم بيعه ولو قيَّده بما يمنع الصحة؛ لوجود التناقض؛ لأن قوله: لا أبيع الخمر، كلمة (أبيع) تناقض (الخمر).
وعلى هذا فنقول: هذا وإن باع الخمر فليس ببيع.
فمن نظر إلى الصورة حنَّثه، ومن نظر إلى الحقيقة لم يحنِّثْه، والمسألة فيها قولان للعلماء، لكن المذهب -كما ترون- يقولون: إنه يحنث بصورة العقد.
لو قال: واللهِ لا أبيع حمل بعيري الذي في بطنها، ثم باعه؟ طالب: على المذهب يحنث.
الشيخ: على المذهب يحنث.
ليش؟ الطالب: صورة العقد.
الشيخ: لأنه يحنث بصورة العقد؛ لأنه قيَّد يمينه بما يمنع الصحة؛ أي: قرنه بشيء لا يمكن أن يصح معه العقد، فيحمل على الصورة.
تأجير الدكان لشخص ليعمل فيه محرمًا؛ مثل أن يؤجره ليتعامل فيه بالربا، الإجارة حرام ولَّا لا؟ طالب: حرام.
الشيخ: حرام، والعقد غير صحيح.
فإذا قال قائل: واللهِ لا أوجر دكاني لمن يتعامل فيه بالربا، ثم أجَّره، على المذهب؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث بصورة العقد، بمجرد ما عقد الإجارة هذه يحنث؛ لأنه قيَّدها بما يمنع الصحة.
وعلى القول الثاني لا يحنث؛ لأن هذا ليس بإجارة، فهو وإن سماه إجارةً فإنه شرعًا لا يسمى إجارةً.
لكن المذهب يغلِّبون الصورة ويؤاخذونه بلفظه، وهذا القول الثاني يُغَلِّب المعنى، ويقول: هذا ليس بإجارة شرعية، وفي المسألة الأولى: ليس ببيع شرعي.
إذن، المؤلف يقول: (حنث بصورة العقد).
(الحقيقي) يقول: (هو الذي)..، أنا عندي حاط الشرح (هو الذي لم يغلب مجازه على حقيقته)، كذا عندكم؟ طلبة: إي نعم.
الشيخ: (هو الذي لم يغلب مجازُه على حقيقتِه؛ كاللحم).

أولًا يجب أن نعرف أن العلماء ذكروا أن من العيب التعريف بالعدم أو بالنفي؛ لأن التعريف بالعدم أو بالنفي ما يعطي الصورة؛ لأنه يقتضي رفع هذا المنفي، ولكن ما الذي يحل محله؟ إذا قيل: (لم يغلب مجازُه على حقيقتِه) هذا تعريف بالنفي، وهو لا يحدد المعرَّف، المعرَّف لا بد أن يكون عن طريق الإثبات؛ الإيجاب، أما النفي فإنه -كما قيل- نفي؛ عدم.
ولهذا التعريف الصواب لـ (الحقيقي) أن يقال: هو اللفظ المستعمل في حقيقته اللغوية، هذا التعريف، مستعمل في الحقيقة اللغوية، أو إن شئت فقل: اللفظ الذي اسْتُعْمِل فيما وُضِعَ له لغةً، هذا هو الحقيقي.
فإذا لم يكن لهذا اللفظ حقيقة شرعية حملناه على الحقيقة اللغوية، مثاله: (اللحم)، كلمة اللحم هي حقيقةً: الهبر، تعرفون الهبر؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، هذا هو اللحم في الحقيقة اللغوية، أما الكرش والكبد والطحال والشحم والودك وما أشبه ذلك فليس بلحم حسب اللغة العربية؛ ولهذا قال المؤلف: (لو حلف لا يأكل اللحم فأكل شحمًا)، قال: واللهِ لا آكل لحمًا أبدًا، فجاؤوا إليه بسنام بعير فأكل حتى شبع من هذا السنام، يحنث ولَّا لا؟ طلبة: لا يحنث.
الشيخ: ليش؟ لأن هذا في اللغة العربية ليس بلحم، هذا شحم، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: 146]، وهذا يقتضي أن الشحوم غير اللحوم، وإنما هي بعض من الحيوان؛ ولهذا قال: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾، فهذا الرجل لا يحنث.
كذلك لو أكل مخًّا، هو يؤكل المخ؟ طلبة: إي نعم.
طالب: (... ) أحلى من اللحم.
الشيخ: إي نعم، أكل مخًّا، قال: والله لا آكل اللحم، فأكل مخًّا، فإنه لا يحنث؛ لأن المخ لا يسمى لحمًا.
أكل كبدًا لا يحنث أيضًا؛ لأن الكبد في اللغة العربية ليست بلحم.

أكل نحوه؛ مثل: الكلية والكرش والأمعاء والطحال ونحو ذلك، أشياء كثيرة من هذا، هذه لا تسمى لحمًا فلا يحنث، تغليبًا لماذا؟ طالب: للغة.
الشيخ: للحقيقة اللغوية، تغليبًا للحقيقة اللغوية.
لكن لو عُلِمَ أن الغرض من ذلك تجنب الدسم، لو كانت نيته تجنب الدسم، فأكل من هذه الأشياء؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث؛ لأن النية مقدمة.
مثال ذلك: رجل مريض قال له الطبيب: لا تأكل اللحم، ليش؟ ليتجنب الدسم، فهذا إذا أكل الشحم صار أشد ضررًا من اللحم أو المخ أو ما أشبه ذلك، أشد من اللحم، فإذا علم أن المراد تجنب أيش؟ طالب: الدسم.
الشيخ: الدسم فإنه يحنث بأكل هذه الأشياء.
طالب: أخرج لحم الرأس.
الشيخ: كيف؟ الطالب: لم يحنث به.
الشيخ: إي؛ لأن لحم الرأس عندهم ما هو لحم.
الطالب: كيف ما هو بلحم؟ ! الشيخ: إي.
الطالب: هو أحسن لحم.
الشيخ: نعم، ولكن هو في اللغة، الآن لو أوصيك تجيب لي لحم، قلت: يا فلان، خذ اشترِ لي لحمًا، ورحت وجمعت لي من لحوم الرؤوس.
طالب: (... ). الشيخ: الظاهر أنه ما هو بلحم؛ ولهذا يختلف عن اللحم الثاني في طعمه وفي خلقته، فهو مختلف، إي نعم.
طالب: أنت ذكرت أن العلماء يقدحون إذا جاء التعريف في نفي.
الشيخ: إي.
الطالب: وهذا ليس على الإطلاق؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عرَّف الأول والظاهر والباطن بنفي.
الشيخ: إي.
الطالب: فلا يكون على الإطلاق.
الشيخ: أحسنت، إحنا أتينا ذاك اليوم قلنا لكم: إنه عرفه بالنفي من باب توكيد الإثبات؛ لأنه قال: هو الأول قال: «أَنْتَ الْأَوَّلُ» فأثبت، ثم قال: «الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ» (1)؛ لتأكيد النفي؛ لئلا يُظَن أن الأولية نسبية، إي نعم، أحسنت.
طالب: (... ). الشيخ: إي، لكن ما هي ببيع عند الإطلاق.
طالب: (... ).

الشيخ: لا، هو شوف -سلمك الله- هذا..، الظاهر أن هذا قريب من سؤال الأخ بدر، إي نعم، نقول: هو إذا كان الأمر مرتبًا على معنى هو يعم، مثلما ذكرنا لكم تو، إذا كان المقصود باللحم تجنب الدسم صار عامًّا، فلحم الخنزير -مثلًا- لأنه رجس، والرجسية موجودة في لحمه وشحمه وكبده وغير ذلك، «تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ» العلة موجودة في الجميع، وهكذا، إي نعم.
طالب: (... ) القول الصحيح أن يقال -سلمك الله-: لا أبيع اليوم خمرًا على القول.. الشيخ: القول الثاني.
طالب: لا يحنث؛ لأنه لا يسمى بيعًا؛ يعني هذا في أصل اليمين على أنها لا تنعقد أو فيما لو فعلها؟ الشيخ: لا، هو فيما لو فعله.
الطالب: طيب، هل تنعقد اليمين؟ لأنه يعتبر لغوًا، إذا قال: لا أبيع اليوم خمرًا، فعلى قولهم أن هذه اليمين لا تنعقد؛ لأنه لا يحل.. الشيخ: لا، هم يقولون: إنها تنعقد، لكنها لاغية، مو لأنها غير منعقدة، لأنها على أمر مستقبل ممكن؛ ممكن واقعًا، لكن شرعًا غير ممكن، فلهذا نقول: إنها منعقدة، لكن لو فعل لم يحنث؛ يعني: لا يُتَصور فيها الحنث؛ لأنها مستحيلة شرعًا، ولهذا لو نوى قال: لا أبيع الخمر؛ يعني: ولو كان خمرًا انعقدت وحنث.
(فأكل شحمًا أو مخًّا أو كبدًا أو نحوه لم يحنث)، لكن إذا نوى بذلك تجنب الدسم يحنث بأكل هذه؛ اعتبارًا بالنية أو بالسبب.
لو حلف قال: واللهِ لا آكل اللحم؛ لمرض كان فيه يناقضه الدهن، فإنا نقول: لا يأكل هذه الأشياء، إن أكلها حنث.
ثم قال: (ومن حلف لا يأكل أُدُمًا حنث بأكل البيض والتمر والملح والخل والزيتون ونحوه، وكل ما يصطبغ به عادةً).
قال: واللهِ لا آكل الأدم؛ يعني: الإدام الذي يؤدم به الخبز، يحنث بهذه الأشياء.
البيض ليش؟ قال: واللهِ ما آكل إدامًا، فأكل بيضًا؛ لأنه يؤتدم به، فالإنسان يغمس الخبزة في البيض ويأكل.
لو أكل بيضًا لم يُطْبَخ ولم يُقْلَ، يحنث؟ طلبة: لا يحنث.
الشيخ: طيب، هل الناس يصطبغون به أم لا؟

طلبة: لا.
الشيخ: ما يصطبغون، لا، فيه ناس يصطبغون به، فيه ناس يصطبغون بالبيض الني.
طالب: كيف يصطبغون؟ الشيخ: يعني: يغط فيه الخبزة ويأكله، إذن يحنث؛ لأنه يُصْطَبَغ به، وهو ظاهر كلام المؤلف؛ لأنه قال: (بأكل البيض) ولم يقل: مطبوخًا، ولا مقليًّا.
حنث بأكل التمر، قال: والله ما آكل إدامًا وأكل تمرًا، يحنث؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟ طالب: هو أيضًا إدام.
الشيخ: يؤتدم بالتمر؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إي، كيف يؤتدم؟ أنتم شايفين أحد يغط الخبز بالتمر؟ طالب: لا، يضع التمر.. الشيخ: يضع التمر في الخبزة ويأكلها، طيب، وسيأتينا -إن شاء الله- بحث في هذه المسألة.
يقول كذلك: حنث بأكل الملح، سبحان الله، الملح؟ ! هو يؤتدم به الملح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يؤتدم به؟ الطلبة: إي.
الشيخ: طيب، ما يخالف.
(والخل) نعم واضح، «نِعْمَ الإدام الخل» (2). (والزيتون) يؤتدم به؟ الزيتون؟ طلبة: إي نعم.
طالب: يستعمل يوميًّا.
الشيخ: الصغير والكبير، كله يؤتدم به.
(ونحوه) يقول عندي: كالجبن واللبن، في الشرح، الجبن يُؤْتَدَم به بلا شك، واللبن يُؤْتَدَم به.
ثم قال عبارة عامة: (وكل ما يُصْطَبغ به) ومعنى (يصطبغ) أي: يُؤْتَدَم به؛ يعني: يُجْعَل إدامًا، قال الله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: 20].
وسمي الإدام صبغًا؛ لأنه يصبغ الطعام، فإنك إذا غمستها في شيء أسود مثلًا صارت سوداء، وفي شيء أحمر صارت حمراء، وهكذا، فهو صبغ للطعام الذي يُؤْتَدَم به فيه.
قال: (وكل ما يُصْطَبغ به) نشوف هل هناك شيء غير هذا يُصْطَبَغ به؟ طلبة: نعم.
الشيخ: مثل؟ طالب: العسل.
الشيخ: الزيت، العسل، الأقط، القرع، اللحم، كثير، المربى.
طالب: الأقط يا شيخ؟ الشيخ: طيب، إي الأقط يُؤْتَدَم به، إن كان جديدًا طريًّا هو يغمس فيه تغميس، وإلا يدق إذا كان يابسًا ويوضع فيه ماء ويُؤْتَدَم به.
طالب: ويش الأقط؟

الشيخ: الأقط: البقل، عرفته؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم.
(وإن حلف لا يلبس شيئًا) شوف (لا يلبس شيئًا)، (شيئًا) نكرة ولَّا معرفة؟ طلبة: نكرة.
الشيخ: في سياق النفي فتفيد العموم، قال: واللهِ لا ألبس شيئًا.
(فلبس ثوبًا) يحنث، السروال يحنث؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: التُّبَّان؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث، طيب.
طالب: التُّبَّان (... ). الشيخ: التُّبَّان هو سروال ليس له أكمام، قصير جدًّا.
طالب: (... ). الشيخ: لا، ما هو (... )؛ يعني: ما له أكمام طويلة، يسمونه هاف أظن، زين، طيب.
كذلك أيضًا: لبس درعًا؟ طالب: يحنث.
الشيخ: نعم، يحنث، الدرع اللي يلبسونه في الحرب، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾، شوف ﴿لَبُوسٍ﴾ ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: 80]، وقال تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: 11] يعني دروعًا سابغات، الدرع عبارة عن ثوب منسوج من حلق الحديد يلبسه الإنسان؛ علشان إذا جت الرماح أو السكاكين ما تمضي فيه.
لَبِسَ جَوْشَنًا، الجَوْشَن نوع من الدروع، هو درع، لكنه على صفة خاصة به، فيُسَمَّى جوشنًا.
كذلك لَبِسَ طاقية؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب غترة؟ طالب: يحنث.
الشيخ: يحنث، (أو نعلًا حنث)، جوارب؟ زين، إذن كل ما يلبس.
طيب، صلى على حصير.
طلبة: ما يحنث.
الشيخ: طيب، إذا كان ما يحنث كيف نجيب عن حديث أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسوَّد من طول ما لُبِس (3)، فيه رواية: ما لَبِث (4)، لكن فيه رواية: ما لُبِس، قال العلماء: إن اللباس هنا بمعنى الاستعمال، لباس كل شيء بحسبه، ولكنه في اللغة العربية لا يسمى لباسًا.
(حلف لا يكلم إنسانًا حنث بكلام كل إنسان) نشوف الكلية الآن هي عائدة على الإنسان ولَّا عائدة على الكلام؟ هل المعنى: بكل كلامِ إنسانٍ، أو المعنى: بكلام كلِّ إنسانٍ؟ طالب: الأول.

الشيخ: الأول، هذا مراده؛ لأنه قال: (لا يكلم إنسانًا)، ما يحتاج يقول: كل إنسان، اللهم إلا أن يريد أن يبين أن (إنسانًا) هنا نكرة في سياق النفي فَتَعُم.
على كل حال، قال: واللهِ لا أكلم إنسانًا، يحنث بكل ما يُسَمَّى كلامًا، كل ما يُسَمَّى كلامًا يحنث، وسواء كلم إنسانًا كبيرًا أو صغيرًا، أو ذكرًا أو أنثى، أو حرًّا أو عبدًا، كل إنسان، قال: يا فلان، يحنث؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يا فلان، طيب، قال: فلان، يحنث؟ طلبة: نعم.
الشيخ: قال: (قِ)، يحنث؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث.
طالب: فعل أمر، يحنث.
الشيخ: طيب، فعل أمر، من: وَقَى يَقِي، كذا؟ قال... طلبة: لا يحنث.
الشيخ: ليش؟ طالب: لأنه لا يسمى كلامًا.
الشيخ: هذا ليس كلامًا؛ ولهذا لو قال هذا في الصلاة ما بطلت صلاته، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «إِنَّ هَذَهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» (5)، وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يتنحنح لعلي بن أبي طالب إذا دخل عليه (6). طيب، أشار؟ طلبة: لا يحنث.
الشيخ: لا يحنث، قال: والله لا أكلم فلانًا، هذا اليمين، فجاء فلان وقال له: أين زيد؟ الطلبة: ما يحنث.
الشيخ: ما يحنث؟ الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، صحيح؛ لأن هذا ليس بكلام؛ ولهذا يقول المؤلف: (بكلام) وقلت لكم: إن المراد بكل كلام إنسان، أي إنسان.
طيب، لو قال له: وخر عني، اقترب منه، فقال: وخر عني؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: زين، طيب.
(ولا يفعل شيئًا فوكَّل من فعله حنث)، نعم؛ لأن الوكيل قائم مقام الموكل، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم وكَّلَ عليَّ بن أبي طالب أنْ ينحر إِبِلَه التي أهداها (7). فلو قال: واللهِ لا أبيع بيتي، حلف، قال: واللهِ ما أبيع بيتي، فوكَّل شخصًا يبيع البيت، ما تقولون؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث؛ لأن الوكيل قائم مقام الموكِّل.

قال: واللهِ لا أذبح بعيري، فوكَّل إنسانًا يذبحه، يحنث.
قال: واللهِ لا أركب السيارة، فوكَّل شخصًا يركبها.
طلبة: ما يحنث.
الشيخ: ليش؟ طالب: ما فيها وكالة.
الشيخ: لأن هذا ما هو بفعل، إلا إذا كان قصده: واللهِ لا أركب السيارة زائرًا فلانًا، فوكَّل شخصًا يركبها ليزور فلانًا، فهنا يحنث.
يقول المؤلف: (إلا أن ينوي مباشرته بنفسه) قال: واللهِ لا أبيع بيتي، ناويًا: لا أباشر بيعه بنفسي، فهنا إذا وكَّل من يبيعه لا يحنث؛ لأن النية مقدَّمة، كما مر، ما دام يقول: إني نويت بقولي: والله لا أبيع بيتي؛ يعني: لا أباشر البيع، نقول: أنت وما نويت.
لكن قد يقول قائل: ما فائدته من هذا؟ إذا قال: نويت ألَّا أباشر البيع بنفسي، هل له غرض؟ نقول: نعم، ربما يكون له غرض؛ يعني: يرى أنه لو باعه هو بنفسه يمكن بعض الناس يتهاون في إيفاء الثمن، إذا صار هو اللي باعه، يقول: هذا رجل طيِّب، متى ما رزقني الله وفيته، لكن إذا باعه واحد آخر يلح عليه يقول: أعطني القيمة.
كذلك لو قال: واللهِ لا أشتري سيارة فلان، ووكَّل واحدًا يشتريها، وقال: أنا نويت لا أباشر الشراء، نقول في هذه الحال: لا يحنث.
فإذا قال قائل: ما غرضه؟ نقول: له غرض؛ يخشى إذا ذهب إلى فلان يقول: بعْ سيارتك علي، يقول: خذها بدون ثمن، أو أنها تساوي عشرة ويقول: أبيعها عليك بثمانية مثلًا، لكن إذا جاءت من طريق آخر فإن البائع سوف يستوفي الثمن كاملًا.
المهم إذا حلف ألَّا يفعل شيئًا فوكَّل من يفعله حَنِثَ، إلا أن ينوي مباشرته بنفسه.
قال: واللهِ لا أصلي الضحى ركعتين، ثم وكَّل شخصًا يصلي عنه؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: يصح؟ الطلبة: لا.
الشيخ: نقول: ما صحت الوكالة، ولو صلى هذا الرجل عنه لا يحنث؛ لأنه لا يستفيد من هذه الصلاة شيئًا.
ثم قال المؤلف: (والعرفيُّ: ما اشتهر مجازه فغلب على الحقيقة فتتعلق اليمين بالعرف).

إذن في الواقع ليت المؤلف قدَّم هذه المسألة، هذا العرف، العرفي يقول: (ما اشتهر مجازه فغلب على الحقيقة) يعني: هو الذي استعمله الناس في عرفهم، فتُحْمَل اليمين على العرف، مقدمًا على اللغة، إذا اشتهر بين الناس وغلب على اللغة، ومراد المؤلف بـ (الحقيقة) هنا (فغلب على الحقيقة) يعني: الحقيقة اللغوية، اشتهر هذا المعنى بين الناس، وهُجِرَت الحقيقة اللغوية.
يقول المؤلف: (فتتعلق اليمين بالعرف)، ويُحْمَل اللفظ على معناه العرفي، حتى وإن كان له في اللغة معنًى، ولكنه هجر واشتهر بين الناس المعنى الآخر فإنه يقدم العرف.
إذن يُقَدم الشرع، ثم العرف، ثم اللغة، لماذا؟ لأن الناس يعاملون بنياتهم، ولا شك أن العامي إذا أطلق الكلمة فإنما يريد معناها العرفي، ما يعرف اللغة العربية، نحن الآن دائمًا تشكل علينا ألفاظ لغوية نرجع إلى القاموس أو لسان العرب أو ما أشبه ذلك، فالعامي ما يعرف اللغة العربية، فيكون العرف مقدمًا؛ لأنه هو المَنْوِيُّ ظاهرًا، مثاله: الراوية.
طالب: الرواية.
الشيخ: كالرواية؟ لا، كالراوية، الألف قبل الواو، كالراوية، الراوية، ويش الراوية؟ الراوية: مبالغة في الراوي؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، الراوية تطلق في اللغة العربية على التي تحمل الماء، وهو البعير، البعير اللي يستسقى عليه يسمى راوية، هذا في اللغة، ومنه في لغتنا العامية الرَّوَّايَة: المرأة التي تروي الماء، لكنه في العرف تطلق الراوية على المزادة، المزادة: هي عبارة عن جلد يُشَق، ويؤتى بجلد آخر مثله ويلحم بعضهما ببعض، فيكون بدل ما كان قربةً واحدة يكون قربتين، مفهوم الآن ولَّا لا؟ الشاة إذا دُبِغَ جلدها صار قربة ماء، الراوية يشق الجلد حتى ينسطح هكذا، ثم يؤتى بجلد آخر مشقوق لينسطح، ثم يخاط بعضهما مع بعض، يخرز بعضهما مع بعض علشان يصير أكبر.
طالب: موجودة.
الشيخ: موجودة الآن؟ الطالب: بعض الناس (... ). طالب آخر: (... ).

الشيخ: إي، (... )، طيب، على كل حال، هذه الراوية.
فإذا قال: والله لا أشتري راويةً، فذهب فاشترى هذه الراوية اللي هي القربة الكبيرة، يحنث ولَّا لا؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: ليش؟ طالب: لأن العرف.. الشيخ: لأن هذا هو العرف.
ولو اشترى بعيرًا؟ طلبة: لا يحنث.
الشيخ: لم يحنث، إلا إن نواه فالنية مقدمة.
كذلك أيضًا (الغائط)، الغائط في اللغة: المكان المطمئن؛ يعني: المنخفض، هذا الغائط، وعندنا الآن يقول: ماء غويط؛ يعني: عميق، فالغائط في اللغة: المكان المطمئن المنخفض، في العرف: الخارج المستقذر من الدبر، هذا الغائط.
فإذا قال قائل: واللهِ لا أنظر إلى غائط، وذهب إلى مكان منخفض وخلَّى عيونه بهذا المكان المنخفض، ينظر إليه، يحنث ولَّا لا؟ طلبة: لا يحنث.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: العرف.
الشيخ: العرف نقل الحقيقة إلى الخارج المستقذر.
كذلك أيضًا يقول: (ونحوهما فتتعلق اليمين بالعرف) نحوهما مثل أيش؟ جيبوا لي أشياء العرف يخالف اللغة فيها.
طالب: القَحْبَة.
الشيخ: إي، ويش القحبة؟ طالب: (... ) الكحة.
طالب آخر: في اللغة: المرأة العجوز، في العرف.. الشيخ: الزانية، طيب.
كذلك أيضًا الشاة؛ الشاة عندنا في العرف أيش هي؟ الأنثى من الضأن، ولَّا لا؟ يقال: شاة وخروف، صح ولَّا لا؟ طيب، في اللغة العربية أعم من هذا؛ ولهذا لو جاء رجل بعنز، معروفة العنز؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، قال: هذه شاة، ويش يقولون له العوام؟ يقولون: ما تشوف أنت! شوف قرونه، وشوف ما لها لية ولا شيء، ويش لون تقول: شاة؟ ! يسمونها أيش؟ عنز، لكن في اللغة يطلق عليها شاة.
فإذا قال: واللهِ لأشترين لضيوفي شاةً، ثم ذهب واشترى عنزًا، يحنث ولَّا لا؟ طلبة: إي نعم.
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟ يحنث؛ لأنه ما بر بيمينه، هو قال: واللهِ لأشترين لهم شاةً، فذهب فاشترى عنزًا.
طلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث، ما برَّ بيمينه؛ لأن الشاة في العرف هي أنثى الضأن.

فيه شيء بعد أخرى؟ الدابة؛ الدابة في اللغة لكل ما دَبَّ على الأرض، حتى الذي له سبع وسبعون رِجلًا، والذي ليس له إلا رجلان ثنتان.
فيه دودة طويلة نسميها أم سبع وسبعين رجلًا، ولكن ما أدري عاد الحقيقة كم؟ طالب: عدناها.
الشيخ: عديتها، كم وصلن؟ الطالب: تعدوا الخمسين، اثنين وخمسين أظن.
الشيخ: إي، طيب، أم اثنين وخمسين رجلًا، أو أم رجلين، أو اللي تمشي على بطنها، كل هذه دابة، دليل ذلك قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: 45]، هذه الدابة تعم كل شيء، وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6].
فما هي الدابة في العرف؟ طالب: ذوات الأربع.
الشيخ: ذوات الأربع، على عرف، وعلى عرف آخر: الحمار خاصة، يقول: أنت دابة، يعني؟ طالب: حمار.
الشيخ: أنت حمار، طيب.
(فتتعلق اليمين بالعرف) عَلِّل، لماذا؟ لأنه هو الغالب، وهو المعروف عند العامة، وإذا كان هو الغالب المعروف عند العامة فإن النية تنصرف إليه.
قد تتفق اللغة والعرف والشرع، إذا اتفقت هذه الثلاثة فالأمر واضح، كلها تتفق، إذا اختلفت قُدِّم الشرع، ثم العرف، ثم اللغة.
(وإن حلف على وطء زوجته أو وطء دار تعلقت يمينه بجماعها وبدخول الدار) معلوم، رجل قال: واللهِ لا أطأ زوجتي، فذهب وجامعها، ماذا نقول له؟ حنثت، فقال: كيف احنث؟ الوطء أني أطأها بقدمي، أنا الآن ما وطأتها بقدمي، نقول: لكن العرف غلب على اللغة.
ولو قال: واللهِ لأطأن زوجتي؛ إثبات، فقالت له زوجته: ما فعلت شيئًا، فقال: ألم أطأ على قدمك؟ وطئت على قدمك، ويش نقول؟ طالب: لا يحنث.
الشيخ: هل بر بيمينه ولَّا لا؟ طالب: ما بر.
الشيخ: قال: واللهِ لأطأن زوجتي، فوطئ على قدمها، بَرَّ ولَّا لا؟ طلبة: لا، ما بَرَّ.

الشيخ: ما بَرَّ؛ لأنه يتعلق الحكم بالجماع؛ إذ إن الحقيقة -وهي الوطء بالقدم- هُجِرَ وصار العرف أن وطء الزوجة جماعها.
وطء الدار؟ طلبة: دخوله.
الشيخ: دخول الدار، معلوم، والظاهر أنها حتى هذا يمكن في اللغة العربية، متعذر أن الإنسان يطأ الدار كلها بقدمه، السبب لأن الدار أكبر من القدم، الإنسان يقدر ينقل رجله من مكان إلى مكان إلى أن يتم، لكن هذا بعيد، فإذا قال: واللهِ لا أطأ هذه الدار، ثم دخلها؟ طالب: يحنث.
الشيخ: يحنث؟ الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، دخلها محمولًا، قال لواحد: أنا -واللهِ- حالف ما أطأ الدار، لكن تعالَ شيلني، يحنث؟ طلبة: يحنث.
طالب: (... ) دخلها.
الشيخ: إي، يحنث.
طالب: لأنها باختياره.
الشيخ: دعنا من النية، أنت تقول: نية، هذا شيء آخر، لكنه ما له نية، نقول: إذا دخلتها؛ سواء وطئتها دخلت برجلك أو محمولًا أو على أي وجه كنت فإنك تحنث؛ لأن هذا هو معنى وطء الدار، وهذا مشهور عند الناس، يقول: واللهِ ما أطأ هذا المحل، واللهِ ما أطأ دار فلان، واللهِ ما أطأ دكان فلان مثلًا، فيتعلق بدخوله.
قال: (وإن حلف لا يأكل شيئًا فأكله مستهلكًا في غيره لم يحنث) وهذا فيه فائدة عظيمة، قال: واللهِ لا آكل شيئًا، خُلِطَ هذا الشيء اللي حلف ما يأكله في شيء آخر، لكن استهلك؛ اضمحل هذا الشيء، لم يبق له أثر؛ لا طعم، ولا ريح، ولا تأثير، فإنه لا يحنث؛ مثل أن يكون فيه -مثلًا- يجعل جزءًا من مئة جزء، أو جزأين من مئة، أو ثلاثة من مئة، أو ما أشبه ذلك بحيث لا يؤثر فإنه لا يحنث.
ولنفرض أنه قال: واللهِ لا أشرب هذا الشيء، فخلطه بماء، واضمحل هذا الشيء في الماء؛ لأن الشيء قليل والماء كثير، اضمحل، صار ما له أثر إطلاقًا، يحنث ولَّا لا؟ طلبة: لا يحنث.

الشيخ: لا يحنث؛ لأن ذاك استهلك وزال، زال أثره وطعمه ولونه، ودليل ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى طَعْمِهِ، أَوْ لَوْنِهِ، أَوْ رِيحِهِ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ» (8)، ومن هنا نعرف أن ما يقال عنه من الأطياب: إنه قد خلط بكحول -بأشياء مسكرة- أنه إذا كان هذا الخلط جزءًا يسيرًا فإنه؟ طالب: لا يؤثر.
الشيخ: لا أثر له، لا يجعله خمرًا، ولا نجسًا، على رأي من ينجسه، وإن كان الصواب أن الخمر -أصلًا- ليس بنجس.
إذا قال قائل في المسألة الأخيرة: ماذا نصنع بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»، «مَا أَسْكَرَ مِنْهُ الفَرَقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» (9)، ماذا نصنع بهذا الحديث؟ نقول: معنى الحديث: أنه لو كان هناك شراب إن شربت قليلًا منه لم تسكر، وإن شربت كثيرًا سكرت، فإنه يحرم عليك القليل والكثير، حتى القليل الذي لا يسكرك يحرم عليك؛ لأن شرب هذا القليل الذي لا يسكر يتدرج به الإنسان إلى أن يشرب كثيرًا يسكر، وليس معنى الحديث: ما اختلط فيه قليل من مسكر فإنه يحرم، ليس هذا معنى الحديث، ولا يمكن أن يُفْهَم الحديث على هذا الوجه، بل معنى الحديث: أن هذا الشراب إن كان أنك إذا أكثرت منه سكرت فقليله حرام.
وإن كان إذا شربت منه القليل سكرت؟ طلبة: من باب أولى.
الشيخ: إي من باب أولى.
يقال: إن هذه البيرة الموجودة بالسوق أن فيها خلط من الكحول، يقال هكذا، نبنيها على هذه المسألة؛ إن كان الخلط يسيرًا فإنه لا يؤثر، إذا كان هذا الخلط يسيرًا بحيث يستهلك في الشعير الذي فيها فإنه لا يؤثر، وإن كان كثيرًا فإنه يحرم قليلُها وكثيرُها.
لو قال قائل: إن الإنسان لو شرب منها خمسة قوارير تبلتع، ويش معنى تبلتع؟ طالب: سكر.
الشيخ: لا، ما هو سكر، لكن يمل ويسترخي أعصابه.
طالب: (... ) شرب خمسة (... ).

الشيخ: إي، نقول: هذا ما هو دليل على أنه يسكر؛ لأن الإنسان إذا شرب كثيرًا حتى من الماء يتبلتع، تجده إذا شرب -مثلًا- خمسة كيسان من الماء.. طالب: (... ). الشيخ: إي، أو تسلقى، ينبطح ينشق بطنه، لكن يتسلقى، طيب.
على كل حال، الميزان لهذه المسألة يا إخواني، الميزان هو أنه إذا اختلط شيء بآخر واستهلك فيه ولم يظهر له أثر فوجوده كعدمه، وهذه المسألة كما رأيتم.
(كمن حلف لا يأكل سمنًا فأكل خبيصًا فيه سمن) قال: واللهِ لا آكل سمنًا، فأكل خبيصًا فيه سمن لا يظهر فيه طعمه لم يحنث، ويش هو الخبيص؟ الخبيص: شيء يُخْبَص، من القرصان أو شبهه، ويُخَلَّى فيه السمن، لكن هذا الخبيص -خبيص بمعنى مخبوص- هذا الخبيص لا يظهر فيه أثر السمن، فإنه لا يحنث.
كذلك أيضًا حلف (لا يأكل بيضًا فأكل ناطفًا لم يحنث) ليش؟ لأنه لا يُسَمَّى بيضًا، لكن ويش هو الناطف؟ طالب: أظن الكيك.
الشيخ: يمكن أقرب ما هو الكيك، إي نعم، الكيك أظنه أقسام؛ كيك يكون أكثره بيض، وكيك يكون أكثره طحين، إذا صار أكثره طحينًا والبيض انغمس فيه واستهلك فإنه لا يحنث، وأما إذا كان أكثره البيض أو مساويًا أو ظهر فيه أثره فإنه يحنث.
قال: (وإن ظهر طعمُ شيءٍ من المحلوف عليه حنث)، لماذا؟ لأنه فعل ما حلف عليه، فيكون حانثًا.
خلاصة الفصل هذا: أنه إذا لم توجد مرتبة من المراتب الثلاث السابقة في الفصل الأول نرجع إلى ما يتناوله الاسم في حقيقته، وهو ثلاثة أقسام: شرعي، وعرفي، ولغوي، فيُقَدَّم الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي.
طالب: شيخ، إذا إنسان انتقل من دولة إلى دولة أخرى، فهل يؤاخذ بالعرف على دولته التي انتقل منها ولَّا الدولة الثانية؟

الشيخ: هو على كل حال أنه بيرجع إلى نيته، وفي ظني أن الإنسان اللي يعرف لغة سابقة شبَّ عليها أنه ما براح ينوي غيرها، أنت الآن عندك أشياء؛ كلمات تطلقها على معانٍ ما نعرفها نحن، ونحن كذلك عندنا أشياء ما تعرفها أنت، فلو حلفت على الشيء الذي تعرفه ولا نعرفه، نؤاخذك بلغتنا ولَّا بلغتك؟ الطالب: بلغتي.
الشيخ: بلغتك أنت، إي نعم.
طالب: إذا حلف ألَّا يكلم فلانًا، كلمه بغضب ولم ينو.
الشيخ: ولم أيش؟ الطالب: لا نية له أنه لا يكلمه (... )، إنما كلمه غاضبًا، حلف ألَّا يكلمه.
الشيخ: وهو أيش نيته؟ الطالب: ما نوى شيئًا.
الشيخ: خلاص.
الطالب: لكن الآن يحتاج إلى كلامه بغضب وردع (... )؟ الشيخ: إي نعم، حسب نيته؛ إن كان نيته ألَّا يكلمه برضًا فإن كلام التوبيخ والغضب لا يحنث به وإن كان غضبًا؛ ولهذا أهل النار يكلمهم الله عز وجل يقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108] مع أنه لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم.
الطالب: لكن العرف.
الشيخ: يعني لا يكلمهم كلام رحمة.
الطالب: ما يقدم العرف في هذا؟ الناس ما يرون أن الإنسان إذا تكلم على أحد بغضب.
الشيخ: يهاشه يعني.
الطالب: يهاشه، ما يرى أنه يكلمه، بل يزيد قساوة عليه.
الشيخ: ما أدري، ويش تقولون؟ الطالب: هذا العرف صحيح.
طالب آخر: أراد ألَّا يكلمه.
الشيخ: يعني قال: والله لا أكلم هذا الرجل.
الطالب: أراد ألَّا يكلمه هجرانًا.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: هدفه تأديب.
طالب آخر: غير الهجران.
الشيخ: على كل حال إذا كان هذا العرف الحمد لله ما.. الطالب: (... ). الشيخ: إي، نمشي عليه.
طالب: قيدنا اليمين بالصحة؛ يعني قلنا: القيد إذا قيدنا اليمين.
الشيخ: بما يمنع الصحة.
الطالب: بما يمنع الصحة، وهذا الرجل قال: واللهِ لا أشرب الخمر، أو لا أبيع الخمر.
الشيخ: لا أبيع، ما هو (... ). الطالب: هو باع قلنا: يحنث؛ ليس لأن البيع فاسد، وإنما لعدم الصحة.
الشيخ: لصورة العقد.

الطالب: لعدم.. الشيخ: لوجود صورة العقد.
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم.
الطالب: طيب، هذا من الأول نقول: إنه يحنث؛ لأن -أصلًا- حلفانه هذا باطل ومستهزئ، نقول له: كفِّر في الحال، يعني.. الشيخ: يعني تقول: إذا حلف على شيء مستحيل شرعًا فهو كالمستحيل عقلًا.
الطالب: نعم.
الشيخ: لا، ما يصير هذا.
الطالب: لأن الله يحرم الخمر.
الشيخ: لو كان كذلك ما صح قول الرسول: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» (10)، اليمين حتى على فعل المحرم قد تكون اليمين على فعل المحرَّم، فنقول: لا تفعل المحرَّم وكفِّرْ.
الطالب: طيب، هذا حلف على أنه شرب.. الشيخ: حلف قال: واللهِ لأبيعن الخمر، نقول: انعقدت اليمين الآن، لكن لا تبعِ الخمر، حرام عليك تبيعه، وعليك أن تكفر، لكن هذا الرجل باعه، قال: أنا واللهِ عليَّ حلف أني أبيع الخمر، نقول: إذا بعته حنثت، إي نعم.
الطالب: لصورة العقد فقط؟ الشيخ: لصورة العقد، فيه قول ثانٍ -كما أشرنا إليه قبل- أنه لا يحنث؛ لأن هذا ليس بيعًا شرعًا، حتى لو كانت صورته صورة البيع فليس ببيع، فلا يحنث.
طالب: ما الراجح؟ الشيخ: المذهب الظاهر أنه أقرب للصواب.
طالب: شيخ، جوزنا المستهلك في الشيء يجوز نبيعه، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (11)، فسمَّاه حرامًا؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: (... ) على قليله؟ الشيخ: لأنه وسيلة، ما هو حرام لعينه، لكن لأنه وسيلة؛ ولأن هذا الشراب الآن لم يسكر لا لأنه لا قوة فيه إسكارية، فيه القوة الإسكارية، لكنه لقلة ما تناول الإنسان منه لم يسكر.

«مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ» هذا الشراب في حد ذاته مسكر، ولَّا لا؟ فيه قوة الإسكار، لكن إذا أخذت منه جزءًا قليلًا لم تسكر، لا لأنه ليس بمسكر، ولكن لقلة ما أخذت، فنقول: هذا الذي يسكر كثيره هو نفسه حرام الآن، هو حرام؛ لأنه صالح للإسكار، ففيه القوة الإسكارية.
طالب: (... ) ما يتأثر.
الشيخ: يتأثر، قطعًا، فيه الآن أدوية مخلوطة بكحول؛ يعني ضروري أنها تخلط، لكن جزء بسيط ولا تؤثر، لو يأكل الواحد منها شيئًا كبيرًا، إلا لقوتها المادية الأخرى.


(وإن حلف لا يفعل شيئًا -ككلام زيد، ودخول دار ونحوه- ففعله مكرهًا لم يحنث) قال: واللهِ لا أدخل هذه الدار، فأُكْرِهَ على دخولها، سواء حُمِلَ فأدخل، أو قيل له: ادخل وإلا حبسناك، أو قتلناك، أو أخذنا مالك، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يحنث؛ لأنه سبق أن من شروط وجوب الكفارة أن يكون حنثه مختارًا فيه، أن يحنث مختارًا، وهذا مبني على قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]، فإذا كان هذا الذي أُكْرِهَ على الكفر ففعله أو قاله وقلبه مطمئن بالإيمان لا يكفر، فكذلك هذا الذي أُكْرِهَ على الحنث؛ لأن الحنث مبني على الإثم في الأصل، كما مر، فإذا كان لا يأثم بالإكراه فكذلك لا يحنث بالإكراه.
وقوله: (ودخول دار ونحوه) هذه أمثلة؛ مثل حلف: ألَّا يلبس ثوبًا، حلف: ألَّا يخرج إلى السوق، حلف: ألَّا يذهب إلى المدرسة، وفُعِلَ به هذا مكرهًا فلا حنث عليه؛ ولهذا قال: (لم يحنث).
(وإن حلف على نفسه أو غيره ممن يمتنع بيمينه ويقصد منعه -كالزوجة والولد- ألَّا يفعل شيئًا، ففعله ناسيًا أو جاهلًا حنث في الطلاق والعتاق فقط).

إذا حلف على نفسه ألَّا يفعل شيئًا، ففعله ناسيًا أو جاهلًا فلا حنث عليه؛ لأنه لو فعل المحرم ناسيًا أو جاهلًا فلا إثم عليه، فكذلك إذا فعل المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلًا فلا حنث عليه؛ لأن الحنث مبني على التأثيم، فمتى كان الإنسان يأثم في الحكم الشرعي حنث في اليمين، وإذا كان لا يأثم لم يحنث.
فهذا رجل حلف على نفسه، قال: واللهِ، لا ألبس هذا الثوب، ثم جاء في الليل فلبسه وهو لا يدري أنه المحلوف عليه؟ طلبة: فلا حنث عليه.
الشيخ: لا حنث؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يعني ليس عليه كفارة؛ لأن من شروط وجوب الكفارة -كما سبق- أن يحنث عالمًا ذاكرًا مختارًا.
وأصله قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]. كذلك لو فعله ناسيًا؛ لبس الثوب الذي حلف ألَّا يلبسه ناسيًا أنه حلف، فإنه لا كفارة عليه؛ لم يحنث.
إذا قال قائل: ما هو الدليل؟ نقول: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، والحنث مبني على التأثيم بالفعل.
التعليل: لأن من شرط وجوب الكفارة أن يحنث عالمًا ذاكرًا مختارًا.
إذا حلف على نفسه في طلاق؛ بأن قال: إن لبست هذا الثوب فزوجتي طالق، هذا يمين، ثم لبسه ناسيًا، تطلق؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، على كلام المؤلف تطلق؛ لأنه قال: (حنث في الطلاق والعتاق) فتطلق.
قال: إن فعلت كذا فعبدي حرٌّ، قصده لأجل أن يلزم نفسه بعدم الفعل، هذا يمين، ففعله ناسيًا، فالعبد يعتق.
وكذلك لو لبسه؛ قال: إن لبست هذا الثوب فعبدي حرٌّ فلبسه جاهلًا أنه الثوب الذي حلف عليه فإن العبد يعتق، وإن كان طلاقًا فإن المرأة تطلق.
لماذا؟ يقولون: لأن هذا يتضمن حقًّا لآدمي، وحقوق الآدميين لا تسقط؛ لا بالجهل، ولا بالنسيان، ما تسقط بالجهل والنسيان، الإكراه فيه تفصيل، لكن نقول: لا تسقط بالجهل والنسيان.

نقول: أما كون العتق حقًّا للآدمي فهذا قد يقال: إنه حق للآدمي؛ لأن العبد يحب أن يتحرر ويعتق، ويسلم من الرق، لكن كون الطلاق حقًّا لآدمي، قد تقول المرأة: أنا لا أحب أن أطلق، وتبكي من الطلاق، أليس كذلك؟ ويكون الطلاق عندها أكره من كل شيء، فكيف نلزمه أن يفعل ما تكره وهي تقول: لا أريد الطلاق؟ ! ولذلك كان القول الراجح أننا متى أجرينا الطلاق والعتاق مجرى اليمين صار لهما حكم اليمين؛ إذ كيف نجريهما مجرى اليمين في الكفارة، ثم لا نجريهما مجرى اليمين في الحنث؟ ! هذا تناقض.
فالصواب أنه لا حنث عليه؛ لا في الطلاق، ولا في العتق، ولا في النذر، ولا في اليمين.
فلو قال: إن لبست هذا الثوب فزوجتي طالق، ثم لبسه ناسيًا فلا حنث عليه؛ لا تطلق الزوجة.
إن لبست هذا الثوب فعبدي حر، ثم لبسه ناسيًا، فالعبد لا يعتق.
لماذا؟ نقول: لأننا لما أجرينا هذا الأمر مجرى اليمين فالواجب (... ) والنسيان، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو رواية عن الإمام أحمد، قال شيخ الإسلام: إن رواتها عن الإمام أحمد كرواة التفرقة؛ يعني أن الإمام أحمد تساوت عنه الروايات في ذلك.
هذا إذا حلف على نفسه؛ حلف على نفسه يمينًا، وحلف على نفسه بالطلاق، وحلف على نفسه بالعتق، فنقول: المذهب يفرِّقون بين اليمين والطلاق والعتق فيما إذا فعل الشيء المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلًا، فيقولون في الطلاق والعتق: يحنث، فيقع الطلاق والعتق، ويقولون في اليمين بالله: لا يحنث، والصحيح أنه لا فرق، وأنه لا يحنث فيهما كما لا يحنث في اليمين؛ لأننا أجريناهما الآن مجرى اليمين، هذا إذا حلف على نفسه.

إذا حلف على غيره ألَّا يفعل شيئًا بيمين أو طلاق أو عتق، والمؤلف أسقط النذر وحكمه حكم اليمين، إذا حلف على غيره فلا يخلو ذلك الغير؛ إما أن يكون ممن يمتنع بيمينه، أو ممن لا يمتنع؛ يعني: إما أن يكون هذا المحلوف عليه مما جرت به العادة أنه يمتنع بيمينه لقرابة، أو زوجية، أو صداقة، ويش معنى ذلك؟ يعني إذا كان هذا الغير مما جرت العادة أنني إذا حلفت عليه برَّ بيميني، هذه حال.
الحال الثانية: أن يكون هذا الغير ممن لا يمتنع بيمينه، ولا يهتم بها.
إذا كان هذا الغير ممن يمتنع بيمينه ويبر بيمينه ولا يخالفه، بأي سبب لا يخالفه؟ طلبة: لقرابة.
الشيخ: لقرابة أو زوجية أو صداقة؛ ولهذا المؤلف يقول: (كالزوجة والولد) وهنا الكاف للتشبيه، وهذا على سبيل التمثيل، حلف على زوجته ألَّا تفعل شيئًا، ففعلته ناسيةً أو جاهلةً، حلف على ولده -ابن أو بنت- ألَّا يفعل شيئًا، ففعله ناسيًا أو جاهلًا، فهذا الغير حكمه حكم نفس الحالف؛ يعني كأنه نفسه، إذن إذا فعله ناسيًا أو جاهلًا في اليمين بالله؟ طالب: لا يحنث.
الشيخ: لا يحنث، في العتق والطلاق يحنث.
نضرب أمثلة: قال لابنه: إن فعلت كذا فأمك طالق، ففعله الولد ناسيًا، فهل تطلق؟ تطلق، على المذهب.
قال -يقول لولده-: إن فعلتَ كذا فعبدي حر، ففعله ناسيًا؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث؟ طالب: نعم.
الشيخ: ويعتق العبد، كما لو كان ذلك في نفسه، والصحيح أنه لا يحنث، كما لو كان هذا يمينًا بالله عز وجل.
قال: (وعلى من لا يمتنع بيمينه حنث مطلقًا) يعني: حلف على شخص لا يمتنع بيمينه، ولا يهتم بيمينه، ولا يحاول أن يرضيه بالبر بيمينه، ففعل المحلوف عليه، فإنه يحنث مطلقًا، (مطلقًا) ويش معنى (مطلقًا)؟ يقول العلماء: إن الإطلاق إذا قيل: مطلقًا فإنه يُفْهَم معناه مما سبق، أو مما لحق، هنا نفهمه مما سبق؛ يعني: حنث مطلقًا في اليمين، ويش بعد؟ والطلاق والعتق؛ عالمًا أو جاهلًا، ذاكرًا أو ناسيًا، ولا فرق.

طالب: (... ). الشيخ: هو المؤلف تكلم على ما إذا كان عالمًا أو جاهلًا.
مثال ذلك: جاء إنسان في السوق ورأى واحدًا يبغي يحمل على رأسه حزمة علف، قال: واللهِ لا تحملها، في السوق، أجنبي منه، ما يعرفه ولا يعرفه، كل واحد منهما لا يعرف الآخر، قال: واللهِ ما تحملها، ثم إن الرجل المحلوف عليه نسي فحملها، يحنث ذاك؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث الحالف، كيف يحنث؟ ناسٍ؟ نقول: لأن الأصل أنه ليس له إلزامه، هذا الحالف ليس له إلزام هذا المحلوف عليه، فيكون اليمين هنا بمنزلة الشرط المحض، فمتى وُجِدَ المشروط وُجِدَ الشرط، أو إن شئت قل: متى وُجِدَ الشرط وُجِدَ المشروط؛ لأن حقيقة الأمر أن اليمين تشبه الشرط، فإذا قال له: واللهِ لا تحمله -وهو ممن لا يمتنع بيمينه ولا يهتم بها- فحمله ناسيًا، قلنا: عليك الحنث، الكفارة، ليش؟ لأنه ليس لك حق الإلزام، فصار يمينك بمنزلة الشرط المحض، فإذا وُجِدَ الشرط -وهو حمله هذا العلف الذي حلفت عليه- وُجِدَ المشروط؛ وهو الكفارة.
وظاهر كلام المؤلف أنه يحنث مطلقًا؛ سواء قصد الإلزام أو قصد الإكرام، أحيانًا يقصد إكرامه، يجي بيشيله يقول: واللهِ ما تشيله، أنا اللي بأشيله، قصده الإكرام، فإذا شاله المحلوف عليه -حمله- فإنه يحنث على المذهب وإن كان قصد الإكرام.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه إذا قصد الإكرام فإنه لا يحنث بالمخالفة، بناءً على أن الحنث في اليمين مبني على الحنث في الحكم، وإذا قُصِدَ الإكرام وحصلت المخالفة، فإن المخالف لا يعد عاصيًا، الكلام مفهوم ولا غير مفهوم؟ طلبة: مفهوم.
طالب: غير مفهوم.
الشيخ: طيب، غير مفهوم، ما يخالف، أنا قلت لهذا الرجل لما رأيته يريد أن يحمل الحمل على رأسه: واللهِ لا تحمله، قصدي ألزمه ألَّا يحمل، فحمله، أحنث ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: أحنث، واضح؛ لأنني حين حلفت قصدت إلزامه ألَّا يحمل.

قلت لهذا الرجل لما رأيته يريد أن يحمل على رأسه: واللهِ لا تحمله، أريد إكرامه عن حمل هذا الشيء، ولكنه حمله، يحنث ولَّا لا؟ طلبة: على المذهب يحنث.
الشيخ: على المذهب يحنث، الحالف يحنث، ليش؟ لأن المحلوف عليه خالفه؛ فعل المحلوف عليه.
يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يحنث الحالف في هذه الصورة إذا قصد الإكرام، ليش؟ قال: لأنه لم يقصد إلزامه، بل قصد إكرامه واحترامه، وهذا حصل بمجرد الحلف؛ لأن حلفه ألَّا يحمل هذا إكراما له حصل وظهر، قال؛ ولأن أصل الحنث مبني على المخالفة في الحكم، فكما لا يكون عاصيًا من خالف في باب الإكرام، فلا يكون حانثًا من خالف في الإكرام في اليمين، واستدل لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أبا بكر حين جاء وهو يصلي بالناس، وأراد أن يتأخر، أمره أن يبقى، ولكن تأخر (12)، فهل أبو بكر كان عاصيًا في هذه الحال؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما عصى، لا يريد أن يعصي الرسول عليه الصلاة والسلام، بل يريد أن يعظم النبي صلى الله عليه وسلم.


(وعلى من لا يمتنع بيمينه من سلطان وغيره ففعله حنث مطلقًا).
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.
إذا حلف الإنسان على شخص لم تجر العادة بأن يمتنع بيمينه لكونه لا سلطة له عليه، فإنه إذا فعل المحلوف عليه حنث مطلقًا، (حنث) الفاعل يعود على من؟ يعود على الحالف، لا على المحنِّث؛ بأن قال لرجل ليس بينه وبينه علاقة أو لرجل لا يمكن أن يحلف عليه بقصد الامتناع، حلف عليه ألَّا يفعل شيئًا، قال: واللهِ ما تفعل هذا الشيء، فهو يحنث مطلقًا؛ يعني سواء فعله جاهلًا أو ناسيًا، أو عالمًا أو ذاكرًا.

واعلم أن الناس يختلفون في هذه المسألة، فلو رأيت رجلين يتنازعان فأردت أن تصلح بينهما، يتنازعان في مشكلة قدرها ألف درهم، فأصلحت بينهما على أن يدفع أحدهما للثاني خمس مئة درهم، كم خمس مئة بالنسبة للألف؟ نصف، قال: لا، ما أقبل، لازم يعطيني الألف كلها، وإلا شكوته، فقلت: واللهِ لتأخذن الخمس مئة، هل هذا يمتنع بيمينك؟ طالب: لا يمتنع.
الشيخ: بالسوق، ما بينك وبينه علاقة إطلاقًا، لا يمتنع بيمينك، إذا لم يفعل حنثت مطلقًا؛ لأن من لا يمتنع بيمينك لا يصح توجيه المنع إليه، وأصل اليمين مبناها على المنع والحث، هذا أصله، أو التصديق أو التكذيب.
لكن ربما يكون هذان المتنازعان لو جاءهما زيد ممن له وجاهة في البلد وكلمة ربما يقبل المصالحة ويمتنع بيمينه، وحينئذٍ يختلف الأمر باختلاف الناس؛ يعني لو جاء -مثلًا- إلى هذا الشخص المنازع لأخيه جاء رجل له شرف وجاه في المدينة، وقال: واللهِ لتقبلن الخمس مئة، فكثير من الناس يستحيي ويخجل أن يخالف يمين هذا الرجل الذي له شرف وجاه في المدينة، وربما يؤمِّل أنه إذا وافقه فسوف يعطيه أكثر مما ادعى؛ لأنه رجل كريم وله شرف وجاه، فهذا قد نقول: إنه يمتنع بيمينه، ويكون حكمه حكم الولد والزوجة ونحوهما.
ثم قال المؤلف: (وإن فعل هو أو غيره ممن قصد منعه بعض ما حلف على كله لم يحنث، ما لم تكن له نية)، إذا فعل بعض ما حلف عليه فلا حنث عليه؛ مثل أن يقول: واللهِ لآكلن هذا الرغيف، فأكل بعضه، فإنه يحنث ولَّا لا؟ طلبة: لا يحنث.
الشيخ: أكل بعضه يحنث؛ لأنه يمكن أكله، قال: واللهِ لا آكل هذا الرغيف، شوف: لا آكل، ففعل، أكل بعضه، يحنث ولَّا لا؟ طلبة: لا يحنث.
الشيخ: لا يحنث، إلا إذا كان له نية، قال: واللهِ لا آكل هذا الرغيف -الرغيف: الخبزة- فأكل نصفها، فإنه لا يحنث، ليش؟ طالب: لم يأكله.

الشيخ: لأنه لم يأكله؛ لم يأكل الرغيف، إلا إذا كان له نية، النية ويش ما هي؟ نية يعني: نوى ألَّا يذوقه؛ ألَّا يذوق هذا الرغيف؛ يعني يقول: واللهِ ما آكل هذا الرغيف، قصده ما يذوقه، فأكل بعضه، فإنه يحنث؛ لأنه سبق لنا في أول باب الأيمان أنه يرجع أول ما يُرْجَع إلى نية الحالف إذا احتملها اللفظ، وهنا يحتملها اللفظ.
مثال ذلك: أعطاك رجل رغيفًا، فقال: كل هذا الرغيف، قلت: واللهِ لا آكله، هذا نيتك أنك لا تذوقه، فحينئذٍ إذا أكلت منه قليلًا أو كثيرًا حنثت.
كذلك إذا كان هناك قرينة تدل على أنه أراد البعض فإنه يحنث؛ مثل أن يقول: واللهِ لا أشرب ماء هذا النهر، فأخذ بكأس صغيرة وشرب، يحنث؟ طلبة: نعم.
طلبة آخرون: لا.
الشيخ: يحنث؟ طالب: لا يحنث.
الشيخ: لا، يحنث يا أخي؛ لأن القرينة تدل على ذلك، هل يمكن أن يريد بقوله: واللهِ لا أشرب ماء هذا النهر أنه لا يشرب كل الماء؛ ماء النهر؟ ما يمكن أبدًا، إذن فالقرينة تدل على أنه لا يشرب منه؛ لا قليلًا ولا كثيرًا.
قال: واللهِ لا أشرب هذه القربة، فصب منها كأسًا فشرب؟ طلبة: لا يحنث.
طلبة آخرون: يحنث.
الشيخ: لا يحنث يا إخوان، لماذا؟ لا يمكن، ما هو بيشربها اليوم.
طالب: لم يشربها كلها.
الشيخ: إي نعم، ما شربها كلها فلا يحنث.
لكن لو قائل: ما يمكن يشرب القربة جميعًا، نقول: نعم، جميعًا ما يمكن يشربها، لكن يمكن يشربها في خلال عشرة أيام، شهر، حسب الوقت، لكن النهر يمكن يشربه؟ طلبة: أبدًا.
الشيخ: أبدًا، لو يبقى إلى يوم القيامة ما هو بشارب النهر.
وعلى هذا فنقول: إنه إذا كان له نية أنه لا يشرب أو لا يأكل الكل أو البعض فعلى نيته، إذا كان هناك قرينة فعلى حسب القرينة.
فهمنا في الشرب، واللهِ لا أشرب هذا النهر، وشرب منه يحنث؛ لأن القرينة تدل على أنه لا يريد أن يشرب جميع ماء النهر.
لو فرض أنه قال: واللهِ لا آكل خبز هذا البلد، فأكل خبزة منه؟ طلبة: يحنث.
طلبة آخرون: لا يحنث.

الشيخ: يحنث، إي نعم.
طالب: القرينة تدل.. الشيخ: يحنث؛ لأن القرينة تدل على ذلك؛ لأنه من المعلوم أنه ما هو براح يأكل خبز البلد كله، لا اليوم ولا بعد اليوم، فالقرينة تدل على أن المعنى: لا يأكل منه.
لا آكل خبز هذا الخباز، كذلك، إذا أكل خبزة واحدة يحنث؛ لأن القرينة تدل على ذلك؛ لأنه عين هذا الخباز، يمكن هذا الخباز أنه ما يجيد الخبز؛ يجعله نيًّا، أو لا يجعل فيه ملحًا، أو ما أشبه ذلك من الأسباب التي جعلته يحلف ألَّا يأكل خبزه.
وهذه المسألة في الحقيقة فرع عما سبق؛ وهي أنه يرجع إلى نية الحالف إذا احتملها اللفظ، ثم إلى سبب اليمين، ثم إلى التعيين، ثم إلى ما يتناوله الاسم، هذه أربع مراتب، وتنبني أيمان الحالفين كلها على هذه المراتب الأربعة.


[باب النذر] ثم قال المؤلف: (باب النذر)، النذر لغةً: الإيجاب، يقال: نذرت هذا على نفسي؛ أي: أوجبت، فهو في اللغة الإيجاب، أما في الشرع فهو إيجاب خاص، وهو إلزام المكلف نفسه شيئًا يملكه غير محال.
وينعقد بالقول، وليس له صيغة معينة، بل كل ما دلَّ على الالتزام فهو نذر؛ سواء قال: للهِ علي عهد، أو للهِ علي نذر، أو ما أشبه ذلك مما يدل على الالتزام؛ مثل: للهِ عليَّ أن أفعل كذا، وإن لم يقل: نذر، أو عهد، للهِ عليَّ أن أفعل كذا.
فالنذر في اللغة: الإيجاب، وفي الشرع: إلزام المكلف نفسه شيئًا يملكه غير محال، وينعقد بكل ما دل عليه؛ أي: كل ما دل على الإلزام.
وحكم النذر حكمه مكروه، بل مال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى تحريمه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر، وقال: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ قَدَرًا» (13)، ولو شاء الله أن يفعل لفعل؛ سواء نذرت أم لم تنذر.
وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عنه وبيَّن أنه ليس فيه فائدة؛ لا شرعية ولا قدرية، لا شرعية فهو لا يأتي بخير، ولا قدرية فهو لا يرد قدرًا، فإن القول بتحريمه قوي.

أما الوفاء به فإنه ينقسم إلى أقسام ستأتي -إن شاء الله تعالى- ستأتي إلى أنه ينقسم الوفاء به إلى خمسة أقسام.
إحنا قلنا: إلزام مكلف، من هو المكلف؟ البالغ العاقل، فلو قال الصبي الذي لم يبلغ: للهِ علي نذر أن أفعل كذا وكذا، فإنه لا ينعقد النذر؛ لأن الصغير ليس أهلًا للإيجاب شرعًا؛ لأنه قد رُفِعَ عنه القلم، وعلى هذا فلا بد أن يكون مكلفًا.
لو نذر شيئًا لا يملكه فإن النذر لا ينعقد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» (14). لو نذر أن يعتق الحر فإنه لا ينعقد، لماذا؟ لأن هذا شيء محال.
لو نذر أن يطير فإنه لا ينعقد؛ لأنه محال.
قال المؤلف: (لا يصح إلا من بالغ عاقل)، الدليل: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ، وَالْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَالنَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» (15). قال: (ولو كافرًا) وهذه إشارة خلاف، قوله: (ولو كافرًا) يعني: ولو كان الناذر كافرًا فإن نذره ينعقد، فإن وفى به في حال كفره برئت ذمته، وإن لم يفِ به لزمه أن يوفي به بعد إسلامه؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أعتكف ليلة -أو قال: يومًا- في المسجد الحرام في الجاهلية؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» (16)، والأمر هنا للوجوب، وإيجاب الوفاء عليه في نذره فرع عن صحته؛ لأنه لو كان غير صحيح ما وجب الوفاء به، فإن إيجاب الوفاء فرع عن الصحة.
وقوله: (ولو كافرًا) إشارة خلاف، ولكن الصحيح ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله؛ لحديث عمر.
ثم قال المؤلف: (والصحيح منه خمسة أقسام) الصحيح من النذر مراده: الذي ينعقد من النذر خمسة أقسام، وأما الذي لا ينعقد فهو ما عدا هذه الخمسة، وإن شئت فقل: هو ما لم تتم شروط انعقاده.

فمثلًا لو قال قائل: للهِ عليَّ نذر أن أصوم أمس، فهذا لا ينعقد؛ لأنه محال؛ إذ إن صوم يوم أمس قد مضى.
لو قال صغير: للهِ علي نذر أن أصوم، لم ينعقد أيضًا، فلا يدخل في الصحيح.
فقول المؤلف: (الصحيح منه) يحترز به عما لم ينعقد؛ لأن ما لم ينعقد لا حكم له.
خمسة أقسام: الأول: (المطلق)، المطلق يعني: الذي لم يعين فيه شيء، بأن (يقول: لله علي نذر) فقط، هذا مطلق، لماذا سميناه مطلقًا؟ لأنه لم يُعَيَّن فيه شيء، رجل قال: للهِ علي نذر؛ سواء همَّ أن يعين أم لم يهم؛ لأنه قد يقول: للهِ علي نذر، وفي نفسه أن يعين شيئًا، ثم يتراجع ولا يتكلم، وقد لا يهم بشيء من الأصل، يقول: للهِ علي نذر، فقط.
نقول: يلزمه كفارة يمين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة بن عامر: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَارَةُ يَمِينٍ» (17)، وأخرج مسلم بدون ذكر: «إِذَا لَمْ يُسَمَّ» فقال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَارَةُ يَمِينٍ» بدون ذكر: «إِذَا لَمْ يُسَمَّ» (18)، لكن رواه ابن ماجة بلفظ: «إِذَا لَمْ يُسَمَّ»، انتبه، كفارة اليمين ما هي؟ طلبة: (... ). الشيخ: أو إطعام.
طالب: عشرة مساكين.
الشيخ: أو كسوتهم، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة، هذا واحد.
(الثاني: نذرُ اللجاجِ والغضبِ) هذا النذر من باب إضافة الشيء إلى سببه؛ يعني: النذر الذي سببه اللجاج؛ أي: الخصومة، أو المنازعة، أو ما أشبه ذلك، والغضب ظاهر؛ غليان دم القلب وفوران الدم، فينفعل الإنسان، وينذر.
لكن ما تعريفه؟ قال: (وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه، أو الحمل عليه، أو التصديق أو التكذيب) يعني: أن يعلق الإنسان نذره بشرط يقصد المنع منه؛ مثل أن يقول: إن فعلت كذا فلِلَّهِ علي نذر أن أصوم سنة، ويش غرضه بهذا؟ غرضه أن يمنع نفسه من ذلك؛ لأنه إذا تذكر صيام السنة امتنع.

أو يقول إنسان لمن يمتنع بيمينه: إن فعلت كذا، يخاطب -مثلًا- ابنه يقول: إن فعلت كذا فلِلَّهِ علي نذر أن أصوم سنة، هذا أيضًا يسمى نذر اللجاج والغضب، قصد بذلك المنع.
(أو الحمل عليه) عكس (المنع منه) يعني: ينذر ليحمل نفسه على الفعل؛ مثل أن يقول: إن لم أفعل كذا فعبيدي أحرار، وأملاكي وقف، ونقودي هبة، كل شيء خلاص.
هذا الرجل يقول: إن لم أفعل كذا.. أو الْحَمْلَ عليه أو التصديقَ أو التكذيبَ، فيُخَيَّرُ بينَ فِعْلِه وبينَ كَفَّارَةِ يمينٍ.
الثالثُ (نذْرُ المباحِ) كلُبْسِ ثوبِه وركوبِ دابَّتِه, فحُكْمُه كالثاني، وإن نَذَرَ مَكروهًا من طلاقٍ أو غيرِه استُحِبَّ أن يُكفِّر ولا يَفعلُه.
الرابعُ (نَذْرُ المعصيةِ) كشُربِ خَمْرٍ وصومِ يومِ الحيضِ والنحرِ, فلا يَجوزُ الوَفاءُ به ويُكَفِّرُ.
الخامسُ (نَذْرُ التَّبَرُّرِ) مُطْلَقًا أو معَلَّقًا، كفِعلِ الصلاةِ والصيامِ والحَجِّ ونحوِه, كقولِه: " إن شَفَى اللهُ مَرِيضِي أو سَلِمَ مالي الغائبُ فللهِ علَيَّ كذا " فوُجِدَ الشرطُ لزَمِهَ الوَفاءُ به, إلا إذا نَذَرَ الصدقَةَ بمالِه كلِّه أو بِمُسَمًّى منه يَزيدُ على ثُلُثِ الكلِّ؛ فإنه يجزئه قَدْرُ الثلُثِ، وفيما عداها يَلْزَمُه الْمُسَمَّى، ومَن نَذَرَ صومَ شهرٍ لزِمَه التتابُعُ, وإن نَذَرَ أيَّامًا مَعدودةً لم يَلْزَمْه إلا بشَرْطٍ أو نِيَّةٍ.
هذا الرجل يقول: إن لم أفعل كذا فكذا، ويش المقصود؟ المقصود حمل نفسه على الفعل، هذا نقول: نسميه نذر، اللجاج والغضب، يسميه العلماء اسمًا خاصًّا، ولا مشاحة في الاصطلاح، ما دام سموه نذر اللجاج والغضب، وإن لم يكن فيه لجاج وغضب، فنحن نقول ما قالوا، ونسميه بما سموه، هذا أقصد أيش: (الحمل عليه).

(أو التصديق أو التكذيب)، التصديق بأن يحدثنا بحديث، قلنا: هذا صحيح؟ قال: صحيح، قلنا: ما هو صحيح؟ هذا ليس بصحيح، قال: لله عليَّ نذر إن كان كذبًا أن أصوم سنة، لماذا قال هذا الكلام؟ تصديقًا لقوله، نعم، هذا نقول: قَصَدَ بهذا تصديق قوله.
(أو التكذيب) بالعكس؛ بأن يحدثه شخص بشيء، يقول: لا، كذاب أنت، كيف كذاب؟ قال: نعم، إن كان ما تقوله صدقًا فعبيدي أحرار، هذا ويش المقصود؟ التكذيب؛ يعني يؤكد أنه يُكذِّب هذا الرجل بهذا القول.
يقول العلماء: إن هذا حكمه حكم اليمين، كما قال المؤلف رحمه الله، يقول المؤلف رحمه الله: (فيخير بين فعله وكفارة يمين)، كاليمين؛ يعني كما لو حلفت على شيء، فإن فعلته فلا كفارة، وإن لم تفعله فعليك الكفارة، المهم نقول: هذا النذر إن شئت فافعل ما نذرت، وإن شئت فكفِّر كفارة يمين، أعرفتم.
لماذا؟ يعني هل هناك دليل يدل على ذلك؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: إذا نذرت، حديث النبي صلى الله عليه وسلم: إذا نذر شيء ورأى خيرًا منه (... ). الشيخ: هذا في اليمين.
طالب: «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (1). الشيخ: إي، هذا المؤلف استدل بهذا الحديث الذي رواه سعيد في سننه: «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»، أما من جهة التعليل فقالوا: إن هذا بمعنى اليمين؛ لأنه لم يقصد بهذا النذر إلا المنع، أو الحمل، أو التصديق، أو التكذيب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (2). إذن نضرب مثالًا حتى نعرف كيف التخيير، هذا رجل قال: لله عليَّ نذر إن فعلتُ كذا أن أصوم ثلاثة أيام، ففعل، هل يلزمه صيام ثلاثة أيام؟ أو كفارة يمين؟ يخير، إن شاء صام ثلاثة أيام، وإن شاء كفر كفارة يمين؛ لأن هذا النذر حكمه حكم اليمين.
إذا قلنا: إن حكمه حكم اليمين، فهل الأوْلى أن يفعل أو الأولى أن يُكفِّر؟

نقول: سبق لنا أن المسألة بحسب المحلوف عليه، إن كان خيرًا، فالأفضل أن يفعل، وهنا في الغالب أنه خير؛ لأنه نذر، لكن مع ذلك لئلا نلزمه، نقول: أنت مُخيَّر بين فعلك، وكفارة اليمين.
(الثالث: نذر المباح كلبس ثوبه، وركوب دابته فحكمه كالثاني) ويش يعمل؟ يُخيَّر بين فعله وكفارة اليمين، نذر المباح بأن قال رجل: لله عليَّ نذر أن ألبس هذا الثوب؛ يعني مثلًا أمه رأت ثوبه هذا وسخًا، قالت: يا بني، لا تخرج بثوبك الوسخ إلى السوق، لا تخرج، قال: لله عليَّ نذر لألبسنه وأخرج.
طلبة: نذر معصية.
الشيخ: لا، ما هو معصية، إذا لم يكن فيه مضرة على الأم ما هو معصية، ماذا نقول؟ إذن نقول: نخلي الزوجة -بدل ما تتوه المسألة- نقول له الآن: أنت بأيش؟ بالخيار؛ إن شئت فالبس الثوب واخرج، وإن شئت فكفِّر كفارة يمين.
من هذا النوع ما يفعله بعض الناس، يقول: إذا نجحت فلله عليَّ نذر أن أذبح شاة، فهل يلزمه أن يذبح الشاة؟ أو نقول: يخير بين ذبحها وكفارة اليمين؟ طلبة: يخير.
الشيخ: أو في ذلك تفصيل؟ معلوم، التفصيل زين.
إذا كان قصد بذبح الشاة التصدق بها شكرًا لله على النعمة، فهذا طاعة، ويجب عليه أن يُوفي به، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وإذا قصد بذلك إظهار الفرح -أن يذبحها ويدعو إخوانه وأصدقاءه- فهو يخير بين فعله وكفارة اليمين؛ لأن هذا من باب المباح، وليس من باب الطاعة، وهذا يُسأل عنه كثيرًا، أما لو قال: إن نجحت فلله عليَّ نذر أن أصوم ثلاثة أيام، فهذا أيش؟ طالب: طاعة.
الشيخ: هذا طاعة، معروف؛ لأن الصوم قربة، لكن الذبح -ذبح الشاة، وأكل لحمها، والعزيمة عليها- هذا أيش؟ هذا من قسم المباح.
ركوب الدابة؟ ركوب الدابة كذلك، قال: لله عليَّ نذر أن أركب هذا البعير، أو أن أركب هذه السيارة، نقول: هذا نذر مباح؛ إن شئت فاركب، وإن شئت فلا تركب، وعليك كفارة يمين.

والقاعدة الآن: إذا نذر مباحًا -يعني شيئًا مباحًا- فعلًا له أو تركًا له، فهو يُخيَّر بين أن يُوفي بنذره، أو يُكفِّر كفارة يمين.
قال المؤلف: (ومن نذر مكروهًا من طلاق أو غيره استُحبَّ أن يُكفِّر ولا يفعله)، (إذا نذر مكروهًا من طلاق) الطلاق مكروه؟ الأصل فيه الكراهة، الأصل في الطلاق الكراهة، ولكنه قد يُستحب، وقد يجب، وقد يحرم، وقد يُباح؛ يعني الطلاق تجري فيه الأحكام الخمسة، لكن الأصل فيه؟ طلبة: الكراهة.
الشيخ: الكراهة، فإذا نذر إنسان أن يطلق زوجته، قال: لله عليَّ نذر أن أطلق هذه الزوجة، نقول له: الأفضل أن تُكفِّر كفارة يمين ولا تُطلِّق.
(أو غيره) غير الطلاق، مثل؛ قال: لله عليَّ نذر أن آكل بصلًا، أكْل البصل مكروه، نقول: الأفضل ألا تأكل، وتُكفِّر.
قال: لله عليَّ نذر أن آكل ثومًا؟ طلبة: مثله.
الشيخ: مثله؟ طيب، قال: لله عليَّ أن آكل فولًا؟ طلبة: مباح.
الشيخ: ويش حكمه؟ الطلبة: يُخيَّر.
الشيخ: يخير بين فعله وكفارة اليمين، ما شاء الله، ضبطتم.
يقول المؤلف رحمه الله: (استحب أن يكفر ولا يفعله، الرابع: نذر المعصية) أن ينذر معصية لله عز وجل، مثَّل المؤلف لذلك بقوله: (كشرب الخمر)، نذر إنسان أن يشرب الخمر -أعوذ بالله- هذا نذر معصية، فجاء ليشرب الخمر فقلنا له: اتقِ الله، هذا حرام، و «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ» (3). قال: إني نذرت، نقول له: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» (4). إذن لا يجوز الوفاء به.
قال: لله عليَّ نذر أن أضرب فلانًا، بدون سبب؟ طلبة: معصية.
الشيخ: معصية؟ نقول: كَفِّر.
طالب: ولا تفعل.
الشيخ: ولا تفعل.
فإن قال له فلان: ما يخالف، اضربني؟ اضربني يقول.
طلبة: مباح.
الشيخ: ربما يقول؟ طالب: حقه هذا.
الشيخ: يكون أسقط حقه، لكن في الأصل هو من نذر المعصية.

يقول المؤلف رحمه الله: (كشرب خمر، وصوم يوم الحيض)، امرأة قالت: لله عليَّ نذر أن تصوم أول يوم من حيضها، نقول: هذا حرام؛ لأن الحائض يحرم عليها الصوم بإجماع المسلمين، استنادًا إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ » (5)، فهذه المرأة نقول: لا يمكن أن تصوم يوم الحيض.
مثال ثالث، قال: (ويوم النحر)، قال: لله عليَّ نذر أن أصوم يوم النحر، نقول: هذا حرام، معصية؟ طلبة: معصية.
الشيخ: وهل هناك عبارة أعم من قول المؤلف: (يوم النحر)؟ يوم العيدين؛ لأن يوم الفطر كيوم النحر، فيه أيضًا أيام أخرى يحرم صومها؟ طلبة: أيام التشريق.
الشيخ: أيام التشريق، المهم إذا نذر صوم يوم يحرم صومه، فهذا نذر معصية، فلا يجوز الوفاء به.
نذر ألا يكلم عمه؟ طلبة: معصية.
الشيخ: معصية؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: يحرم الوفاء به؟ قال المؤلف رحمه الله: (فلا يجوز الوفاء به ويُكفِّر) لا يجوز الوفاء به؛ لما أشرنا إليه آنفًا، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» (4)، التعليل: ولأنه لو جاز أن يُوفي بهذا النذر لكان كل من أراد أن يفعل معصية نذرها، وقلنا له: افعلها، وهذا يؤدي إلى انتهاك حرمات الله، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ»، ولكن يقول: (يُكَفِّر)، كيف يكفر؟ طلبة: كفارة يمين.

الشيخ: كفارة يمين، يكفر كفارة يمين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (1)، وهذا الحديث احتج به الإمام أحمد رحمه الله، وإسحاق بن راهويه، وصححه الطحاوي، خلافًا لقول النووي رحمه الله: إنه ضعيف باتفاق المحدثين، النووي ضعفه، لكن الإمام أحمد احتج به، واحتجاجه به يدل على صحته عنده، وكذلك صححه الطحاوي، وهو من الأئمة الذين يعتبر تصحيحهم، وعلى هذا فالحديث صحيح، ويحتج به.
لكن جمهور أهل العلم قالوا: إن نذر المعصية لا كفارة فيه، يحرم الوفاء به، ولا يُكفِّر، واحتجوا بحديث عائشة الذي أشرنا إليه آنفًا، وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِي اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» (4). ولكن نقول: إنه ما دام قد ورد حديث فيه زيادة وهو صحيح فإنه يجب الأخذ بهذه الزيادة، ويش الزيادة؟ طلبة: كفارة اليمين، الكفارة.
الشيخ: كفارة اليمين، «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
فنقول: يُكفِّر؛ ولأن المعنى يقتضي ذلك؛ لأن هذا الرجل نذر فلم يفعل، نذر نذرًا فلم يفعل، ونحن نقول: نذره انعقد؛ لأنه ألزم نفسه به، ولا يمكن أن يُوفي به؛ لأنه معصية، وحينئذٍ يكون نذر نذرًا لم يوفه، فعليه الكفارة، كما لو حلف أن يفعل معصيةً فإننا نقول له: لا تفعلها، وعليك كفارة يمين، فما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله، وإن كان من مفرداته، أقرب إلى الصواب؛ بأنه لا يفعل المعصية، وعليه كفارة يمين.
ولكن هل يقضي ذلك اليوم ويُكفِّر لفوات محله، أو لا يقضي؟ ظاهر الحديث أنه لا يقضي، وأن عليه الكفارة فقط، يعني مثلًا قال: والله لأصومن يوم العيد، قلنا: لا يجوز أن تصوم، لكن هل يلزمه أن يصوم يومًا بدله مع الكفارة -كما هو المذهب- أو لا يلزمه؟ ظاهر النص أنه لا يلزمه؛ لأن أصل التعيين كان محرمًا ومعصية.

الفقهاء -رحمهم الله- يفرقون، يقولون: إذا كان المنع لمعنى يتعلق بالفاعل فإنه لا قضاء، وإن كان لمعنى يتعلق بالزمان أو المكان فإن عليه القضاء.
نذرت امرأة أن تصوم يوم الحيض، تصوم؟ طلبة: لا تصوم.
الشيخ: لا تصوم، عليها؟ طلبة: كفارة.
الشيخ: كفارة يمين، تقضي؟ طلبة: لا تقضي.
الشيخ: لا تقضي، ليش؟ لأنه لمعنى يتعلق بالفاعل، فلا قضاء عليها.
أما إذا نذر أن يصوم يوم العيد، فهنا الرجل مثلًا أو المرأة التي نذرت أن تصوم يوم العيد، لا تصوم لا لمعنى فيها، ولكن لمعنى يتعلق بالزمن، أو المكان أيضًا، المكان مثل لو نذر أن يصلي في المقبرة، قلنا: لا تُصلِّ؛ لأن هذا حرام، ولكن هل تقضي أو لا تقضي؟ فيه الخلاف، فعلى المذهب تقضي وعليك كفارة يمين؛ لأن هذا المعنى يتعلق بالمكان.
رجل نذر أن يتعامل بالربا، ما تقولون؟ طلبة: لا يعمل.. حرام عليه.
الشيخ: حرام عليه، وعليه.
طلبة: كفارة.
الشيخ: كفارة يمين، حرام عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» (4)، وعليه كفارة يمين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (1). قال المؤلف: (الخامس: نذر التبرر مطلقًا).
طالب: الراجح؟ الشيخ: الراجح أنه لا قضاء عليه، لا يعصي الله، وعليه كفارة.
طالب: الراجح؟ الشيخ: الراجح -قلت لكم- الراجح، الراجح أنه لا يقضي، سواء تعلق بالزمان أو المكان أو الفاعل، وعليه كفارة يمين؛ لأن الأصل أن هذا النظر لم ينعقد.
قال: (الخامس: نذر التبرر مطلقًا أو معلقًا)، التبرر: فِعل البِرِّ، التطوع: فعل أيش؟ طلبة: الطاعة.
الشيخ: الطاعة، والتنسُّك: فِعل النسك، فمعنى التبرر يعني فعل البِرِّ، (نذْر التبرر) هو بمعنى قولنا: نذر الطاعة؛ لأن الطاعة بر.

يقول: (مطلقًا أو معلقًا) مثل، قال: (كفعل الصلاة والصيام والحج ونحوه) مثل: الصدقة، والعمرة، عيادة المريض، اتباع الجنائز، وهكذا، كثير، نذر الطاعة يجب الوفاء به.
قال المؤلف رحمه الله تعالى.. ما ذكره هو، المهم يجب الوفاء به؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (4)، وظاهر كلام المؤلف أنه يشمل الواجب وغير الواجب، يشمل الواجب وغيره، كيف الواجب وغيره؟ الصلاة: منها فرض، ومنها تطوع، فإذا قال: لله عليَّ نذر أن أصلي الظهر، صارت واجبة عليه من وجهين، ما هما؟ الواجب بأصل الشرع، والواجب بالنذر، قال: لله عليَّ نذر أن أؤدي زكاة مالي.
طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك، صار واجبًا عليه من وجهين: الشرع والنذر، افرض أنه ما زكى، لم يُزكِّ، يجب عليه كفارة يمين، كذا ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لو لم ينذر؛ لم يجب عليه كفارة اليمين، لكنه يأثم بترك الزكاة، واضح؟ هذا هو فائدة قولنا: إن النذر يتعلق بالواجب.
طالب: تحصيل حاصل.
الشيخ: ما هو تحصيل حاصل.
الطالب: الصلاة؟ الشيخ: لا، الصلاة ربما ما ترد علينا؛ لأن الصلاة ما يمكن يتركها إلا كفر، لكن الزكاة، الصوم، الحج، فالمهم أن نذر الواجب صحيح، وفائدة قولنا بالصحة أنه يجب عليه من وجهين بحيث لو تركه لوجبت عليه الكفارة مع الإثم، ثم هو أيضًا يأثم إثمًا أكثر مما لو لم ينذر؛ لأنه إذا نذر صار واجبًا عليه من الوجهين، فهذا هو فائدة قولنا أنه يتعلق النذر بالواجب.
يجب عليه فعله، لكن سواء كان مطلقًا أو معلقًا، المطلق: مثل قوله: لله عليَّ نذر أن أصلي ركعتين، بس هكذا قال، نقول: هذا مطلق ولَّا لا؟ لله عليَّ نذر أن أقرأ جزءًا من القرآن؟ طلبة: مطلق.

جارٍ التحميل