طلبة: لا يجزي.
الشيخ: ما يجزي؟
طلبة: ما يجزي.
طالب: أما عموم الآية فقد (... ) الظاهر عدمه.
الشيخ: لا، ما يجزئ هذا؛ لأن التسمية من غيره.
ولهذا لو أن رجلًا كان قائمًا عندك وأنت تأكل؛ قُدِّم الطعام لك، وقال الرجل: باسم الله، وأكلتَ أنت، تكون مسميًّا ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: طيب، ما ينفع هذا.
ولو أنك عند الوضوء قال رجل: باسم الله، وتوضأت أنت، ينفع؟
طلبة: لا.
الشيخ: ولو أن رجلًا عند زوجته فقال واحد: أنت طالق، تطلق ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لأن زوجها ما قال شيئًا.
فالحاصل إذن أن القول لا بد أن يكون من الفاعل؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصيد: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» (14)، «أَرْسَلْتَ» «وَذَكَرْتَ»، وهذا أمر واضح، فلا بد أن تكون التسمية من الفاعل.
فالشروط إذن شروط حل الذبيحة في الذكاة أربعة؛ أهلية المذكي، والثاني الآلة، والثالث قطع الحلقوم والمريء، على الخلاف السابق، والرابع التسمية.
فيه شروط أيضًا غير هذه نذكرها.
أخذنا من قوله: (أهلية المذكي) القصد؛ قصد التذكية.
كذا؟
طلبة: (... ).
طالب: الدين.
الشيخ: الدين؟ الدين من أهلية المذكي.
قصد التذكية، وذكرنا هل يشترط قصد الأكل أو لا؟ في هذا قولان.
الشرط السادس: ألَّا يذبح لغير الله، فإن ذبح لغير الله فإنها لا تحل ولو سمَّى الله، والمراد: ألَّا يذبح لغير الله تعظيمًا لا انتفاعًا، تعظيمًا له؛ مثل: رجل لما قدم البلد زعيم من الزعماء ذبح بين يديه غنمًا أو إبلًا تعظيمًا له، فهنا الذبيحة حرام؛ لأنها ذبحت لغير الله عز وجل، وهذا الرجل مشرك شركًا أكبر ما لم يتب، إن تاب تاب الله عليه.
وقولنا: (لا انتفاعًا) ليخرج به ما لو ذبحه ليأكله ويُضيِّفه إياه، فهذا وإن ذبحه له لكن ليأكله، ففرق بين الذي ذبحه تعظيمًا وفرق بين الذي ذبحه لينتفع به؛ لأن ذبحه له لينتفع به يعتقد أنه في حاجة إليه، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذا ذبحته لأكرمه به ليأكله (... ) له، هذا هل هو كالتعظيم الذي أذبحه تعظيمًا له لإنهار الدم؟ لا، بل هذا بالعكس؛ لأني ذبحته إليه لاحتياجه إلى أكله وانتفاعه به.
طالب: ما روي عن ابن عمر من الصحابة لا يصح؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: أقول: في تحريم ما تركت عليه التسمية نسيانًا لا يصح، وابن عباس صحيح ولا يعلم له مخالف، ما دام ما ثبت عن ابن عمر ومولاه ما نقل، ثم يقول: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121]، قال: الناسي لا يسمى فاسقًا، هكذا يعللها.
الشيخ: إي نعم، ما هو صحيح، لا، هو بلا شك، لكن ﴿وَإِنَّهُ﴾ ما هو الذي ﴿وَإِنَّهُ﴾؟
الطالب: الظاهر الأكل.
الشيخ: الأكل.
الطالب: لكن يقول: يحتمل الأمرين.
الشيخ: كيف يحتمل؟ الاحتمال الثاني مرجوح.
الطالب: لكن هم يقولون: مع ورود الاحتمال يبطل الاستدلال.
الشيخ: ما يبطل -سلمك الله-؛ لأننا لو أبطلنا كل استدلال لأبطلنا كل مذهب أهل السنة والجماعة؛ لأن كل ما ذكر قد يحتمل المعنى الثاني الذي قاله هؤلاء.
الطالب: لكن قوله عن ابن عباس: ولا يُعْلَم له مخالف.
الشيخ: هذا ما هو بصحيح، يقول ابن كثير في الجواب على هذا: إن ابن جرير رحمه الله وجماعة من العلماء يرون أن خلاف الواحد والاثنين ما هو بشيء.
و(يُكْرَهُ) أن يُذْبَحَ بآلةٍ كالَّةٍ، وأن يَحُدَّها والحيوانُ يُبْصِرُه، وأن يُوَجِّهَه إلى غيرِ القِبلةِ، وأن يَكْسِرَ عُنُقَهَ, أو يَسْلُخَه قبلَ أن يَبْرُدَ.
﴿باب الصيد﴾
لا يَحِلُّ الصيدُ المقتولُ في الاصطيادِ إلا بأربعةِ شُروطٍ:
(أحدُها) أن يكونَ الصائدُ من أهلِ الذكاةِ.
(الثاني) الآلةُ وهي نوعان: مُحَدَّدٌ يُشترَطُ فيه ما يُشترَطُ في آلةِ الذبْحِ، وأن يَجْرَحَ فإن قَتَلَه بثِقَلِه لم يُبَحْ، وما ليسَ بِمُحَدَّدٍ كالبُنْدُقِ والعصا والشبَكَةِ والفخِّ لا يَحِلُّ ما قُتِلَ به، والنوعُ الثاني الجارحةُ فيُباحُ ما قَتَلَتْهُ إن كانتْ مُعَلَّمَةً.
(الثالثُ) إرسالُ الآلةِ قاصدًا، فإن استرسَلَ الكلبُ أو غيرُه بنفسِه لم يُبَحْ إلا أن يَزْجُرَه فيَزيدَ في عَدْوِه في طَلَبِه فيَحِلَّ.
(الرابعُ) التسميةُ عندَ إرسالِ السهمِ أو الجارحةِ، فإن تَرَكَها عَمْدًا أو سَهْوًا لم يُبَحْ.
و(يُسَنُّ) أن يَقولَ معها: " اللهُ أكبرُ " كالذكاةِ.
(كِتَابُ الأَيْمَان)
قال المؤلف رحمه الله: (ويكره أن يذبح بآلة كالَّة) (يكره) المكروه عند الفقهاء هو ما نُهِي..
طالب: ما أكملنا الشروط (... ).
الشيخ: إي نعم، أحسنت، تمام، الشروط اللي مرت علينا الآن خمسة.
طالب: ستة.
الشيخ: ستة، طيب؛ الأول: أهلية المذكي، والثاني؟
طلبة: قصد الذكاة.
الشيخ: ويتفرع عليه قصد الذكاة، والثالث: الآلة، والرابع: قطع الحلقوم والمريء، والخامس: التسمية، السادس: ألا يذبح لغير الله، فإن ذبح لغير الله فهي حرام لا تحل، حتى وإن سمى الله؛ يعني: بأن ذبح لصنم أو ذبح لسلطان أو ذبح لرئيس أو ذبح لولي أو لأي أحد ذبحًا يتقرب إليه به ويعظمه فإن الذبيحة حرام؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: 3]؛ يعني: على الأصنام، فما ذبح عليها فهو حرام.
السابع: ألَّا يذكر اسم غير الله عليها، فإن ذكر اسم غير الله عليها فهي حرام؛ سواء ذكره مفردًا، أم مع اسم الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ﴿أُهِلَّ﴾ الإهلال أصله: رفع الصوت، فإذا أهل لغير الله بشيء من الذبائح فهي حرام؛ مثل أن يقول: باسم المسيح، أو باسم الولي فلان، أو باسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أو باسم الشعب، أو باسم الرئيس، أو ما أشبه ذلك؛ فإن الذبيحة حرام لا تحل؛ لأنه أهل لغير الله بها.
فإذا انفرد بذكر غير الله فالأمر واضح، وإن شارك؛ فلأن الشرك إذا قارن العمل أحبطه؛ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]، وعلى هذا فإذا ذُبحت الذبيحة على اسم غير الله منفردًا أو مشاركًا فإنها حرام لا تحل.
هذه سبعة ولَّا ثمانية؟
طالب: سبعة.
الشيخ: سبعة، الثامن: أن يكون الذبح مأذونًا فيه شرعًا، فإن كان غير مأذون فيه فلا يخلو من حالين؛ إما أن يكون غير مأذون فيه لحق الله، وإما أن يكون غير مأذون فيه لحق غير الله.
فالأول -الذي لا يؤذن فيه لحق الله- كالصيد في حال الإحرام أو الصيد في الحرم، فإذا ذبح المحْرِم صيدًا فهو حرام وإن تمت الشروط؛ لأنه لم يؤذن فيه شرعًا، ولقول النبي عليه الصلاة والسلام: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» (1)، بل لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96]، والنبي عليه الصلاة والسلام أهدى إليه الصعبُ بن جثَّامة حمارًا وحشيًّا، فرده عليه وقال: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (2)؛ أي: مُحْرِمون، وقد صاده الصعب بن جثامة للنبي صلى الله عليه وسلم.
وإن كان لحق الغير؛ كالمغصوب والمسروق والمنهوب، وما أشبهه، ففيه للعلماء قولان، هما روايتان عن أحمد؛ قول: إنه لا يحل؛ لأنه غير مأذون فيه، مثل رجل غصب شاة وذبحها فإنها لا تحل؛ لأن هذا الذبح غير مأذون فيه، وكل ما لا يؤذن فيه وهو منقسم إلى صحيح وفاسد فإنه لا ينفذ، هذه قاعدة شرعية: كل ما لم يؤذن فيه وهو منقسم إلى صحيح وفاسد فإنه لا ينفذ.
دليل ذلك: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنُا فَهُوَ رَدٌّ» (3)، فهذا الأمر؛ ذبْح مُلكِ الغير ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون فاسدًا مردودًا.
ذكرنا هذه القاعدة وقلنا: (وهو ينقسم إلى صحيح وفاسد) احترازًا مما لم يؤذن فيه، ولكنه لا يَرِدُ إلا على وجه محرم فإن هذا ينفذ، مثل الظِّهار؛ الظهار غير مأذون فيه ولَّا لا؟ غير مأذون فيه، فينفذ وإن كان محرمًا ومنكرًا، وزورًا؛ لأنه لا ينقسم إلى صحيح وفاسد فكله باطل.
إذن نقول: إذا كان محرمًا لحق غير الله؛ مثل المغصوب والمسروق والمنهوب وما أشبه ذلك ففي حله روايتان عن أحمد، وهما قولان لأهل العلم:
القول الأول: أنها لا تحل؛ لأن هذا الفعل ليس عليه أمر الله ورسوله، وما لم يكن عليه أمر الله ورسوله وهو منقسم إلى صحيح وفاسد فإنه لا ينفذ؛ لحديث عائشة: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنُا فَهُوَ رَدٌّ».
والقول الثاني: أنه يحل؛ أي: المحرَّم لحق الغير أنه يحل؛ وذلك لأن هذا الذبح صادر من أهله، وهذا الحيوان ليس محترمًا لعينه، ولا محرمًا لعينه، لكنه لحق آدمي، فالتحريم والحرمة فيه لغيره، لا له، بخلاف الصيد في الإحرام والصيد في الحرَم فإنه محرم لذاته؛ ولذلك حَرُم صيده وحَرُم أكله.
وهذا الأخير هو المذهب، يقولون: إنه حلال، لكن مع الإثم.
إذا كان حلالًا هل معناه أنه يحل أكله ولَّا ما يحل؟
طالب: يحل.
الشيخ: لا، يحل أكله بمعنى أن هذا الذي غصبه يحل له أن يأكله؟
طالب: لا يحل.
الشيخ: ما يحل، لا من أجل أنه حرام من حيث الذبح، ولكن لأنه مال الغير؛ ولهذا لو غصب لحمًا مذبوحًا ذبحه صاحبه حَرُم أكله ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: حَرُم أكله، إذن لو أذن فيه صاحبه صار حلالًا.
هذه ثمانية شروط للذكاة.
طالب: سبعة.
الشيخ: لا، ثمانية.
طالب: بقي واحدة.
طالب آخر: قصد الأكل.
طالب آخر: إنهار الدم.
الشيخ: قصد الأكل ذكرنا فيه الخلاف، إنهار الدم هذا الآلة.
طالب: قطع الحلقوم.
الشيخ: ذكرناه.
ثمانية شروط.
طالب: ألَّا يذبح لغير الله.
الشيخ: هذا واحد.
وألَّا يذكر اسم غير الله عليه؛ اثنان.
طالب: أن يكون مما تحل ذكاته.
الشيخ: هذا الشرط الأخير: أن يكون مأذونًا فيه.
طالب: ما هو الراجح فيه؟
الشيخ: القول الراجح الحل، لكن مع الإثم.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويكره أن يذبح بآلة كالَّة) أصل الكلل بمعنى التعب، والكالة معناه: التي أنهكها الاستعمال فلم تكن حادَّة.
وقول المؤلف: (يكره) الكراهة عند الفقهاء رحمهم الله هي التي مَنْ فعلها لا يعاقب، ومن تركها لله أثيب.
وعلى هذا فإذا ذبح بالآلة الكالة لم يأثم؛ لأنه مكروه.
الدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحَسْنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتُهُ» (4)، هذا الدليل.
ولكننا إذا رجعنا إلى الدليل وجدنا أن ظاهره يقتضي تحريم الذبح بآلة كالة من وجهين:
الوجه الأول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ» «كَتَبَ»، والكَتْب بمعنى الفرض؛ لأنه يقال على الأمر الواقع اللازم؛ إما شرعًا، وإما قدرًا، ما يأتي الكَتْب في الشيء المستحب، ما يأتي إلا في الشيء اللازم؛ اللازم وقوعه قدرًا، أو اللازم إيقاعه شرعًا.
فمثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105] هذه كتابة قدرية، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ [المجادلة: 21] قدرية، (وكتبنا على بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) كتابة قدرية.
طلبة: ﴿وَقَضَيْنَا﴾.
الشيخ: ﴿وَقَضَيْنَا﴾، إي، إذن لا نستدل بها.
أما الكتابة الشرعية فمثل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178]، وأمثال ذلك.
«كَتَبَ اللَّهُ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ»، إذا رجعنا إلى الاصطلاح الشرعي وجدنا الكتابة لا تكون إلا في الشيء اللازم، وقوله: «كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» عام، ونص على شيء من أفراده يتعلق بما نحن فيه، فقال: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحَسْنُوا الذِّبْحَةَ».
ثم قال في الآلة: «وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ»، اللام هنا للأمر، والأصل في الأمر الوجوب، وإذا وجب إحداد الشفرة صار الذبح بالكالَّة حرامًا، وعلى هذا فالقول الراجح في هذه المسألة أن الذبح بالآلة الكالة حرام.
فإن قلت: كيف تحرم ذلك وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (5)، «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ» وهذه الكالَّة تنهر الدم؟
قلنا: الفعل حرام، والذبيحة حلال، نحن لا نقول: إن الذبيحة تحرم به، لكن يحرم هذا الفعل، أما الذبيحة فقد أنهر الدم؛ ولهذا لو لم يكن عنده إلا هذه الآلة فأُصيبت شاة بموت يذبح بها ولَّا لا؟ نعم، يذبح؛ لأن هذا ضرورة، لا يتوصل إلى حل الذبيحة هذه إلا بهذه الآلة.
فإن قلت: لماذا لا يدع الحرام وتتلف عليه؟
قلنا: لأن مفسدة تركها أعظم من مفسدة تألمها يسيرًا بهذه الآلة الكالة، وتأليم الحيوان لمصلحة الإنسان وارد في الشرع، فهذا الرجل يكوي إبله يَسِمُها، وغنمه يسمها أيضًا، مع أنها تتألم بهذا، لكن لمصلحته، خوفًا من ضياعها، أو اشتباهها بماشية غيره مثلًا، وهذا الرجل يُهدي الإبل أو البقر فيُشعرها، والإشعار: هو أن ينهر الدم يجرحها في سنامها حتى يسيل الدم؛ ليعرف أنها هدي، مع أن في هذا إيلامًا لها، لكن للمصلحة الشرعية في ذلك.
المهم أن القول الراجح تحريم الذبح بالآلة الكالة، ولكن لو ذبح بها فالذبيحة حلال؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ».
ثانيًا قال: (وأن يَحُدَّها والحيوانُ يبصره) (يحدَّها) بالفتح، (وأن يَحُدَّها والحيوان يبصره)، يحد أيش؟ الآلة، (والحيوان يبصره)، جملة (والحيوان يبصره) هذه جملة حالية؛ يعني: والحال أنه يبصره.
لماذا؟ لسببين، نحن ما ذكرنا في الواقع، ذكرنا الدليل السمعي في المسألة الأولى ولم نذكر الدليل النظري، الذبح بالآلة الكالة.
الدليل النظري أن في ذلك إيلامًا لها بدون فائدة أو بدون حاجة في مسألة الذبح بالآلة الكالة.
هذا (أن يَحُدَّها والحيوان يبصره)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تحد الشفار (4)، وأن توارى عن البهائم (6)، أمر بأمرين؛ حد الشفرة، وأيش معنى حدها؟ سنُّها؛ يسنها حتى تكون حديدة سريعة.
وأن توارى عن البهائم، ما هو بحال حدها، حال حدها وفي غير هذه الحال أيضًا، حتى إذا أتيت لتذبحها لا تجيب السكين معك وتشوف، وارها عنها إلا عند الذبح، كما نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله، وهذا ظاهر الحديث، وأن توارى؛ يعني: الشفرة عن البهائم؛ لأنها هي تعرف ربَّها سبحانه وتعالى، وتسبح بحمده، وتعرف الموت؛ ولهذا تهرب، حتى إنه يوجد في بعض الإبل إذا رأت بعيرًا مذبوحًا هربت، ولا يستطيعون أن يمسكوها؛ لأنها تعرف.
فإذا أَتَيْتَ بالسكين، ولا سيما إن حددتها أمامها، معناه أنك روَّعتها، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا أضجع شاة وهو يحد الشفرة، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أَتُرِيدُ أَنْ تُمِيتَهَا مَوْتَاتٍ؟ ! » (7)، يعني معناه: أن هذا يزعجها، ويروعها ترويعًا عظيمًا، حتى يكون كالموت عندها؛ تضجعها وتحد السكين فوقها -والعياذ بالله- هذا ما فيه رحمة.
إذن يكره أن يحدها والحيوان يبصره، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تحد الشفار، وأن توارى عن البهائم.
إذا كان المكان ضيقًا، ولا أتمكن من أن أواريها عنها، وأنا محتاج إلى سَنِّها؟
طالب: نغمي عيونها.
الشيخ: نغطي وجهها، إي نعم، نغطي الوجه، لكن قد تسمع؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما فيه شيء؛ يعني: إذا قدرنا ما هو ممكن، فهذا الظاهر اللي نقوله أن توارى عن البهائم، قد نقول: إنه يشمل المواراة البصرية والسمعية؛ لأنها قد تحس بهذا الشيء.
فالمهم أنه ما أمكنك البعد عن ترويع البهيمة فهو الأولى.
قال: (وأن يوجهه إلى غير القبلة)، (أن يوجهه) يعني: يوجه الحيوان إلى غير القبلة، ولكن لو فعل فلا بأس، والذبيحة حلال.
الدليل على أنه يكره لم يذكر الفقهاء رحمهم الله دليلًا في ذلك، وغاية ما فيه ما ذكر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه حين وجَّه أضحيته، قال: «بِاسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» (8)، حين وجهها؛ يعني: وجهها إلى القبلة، وهذا يدل على أن التوجيه سنة، ولا يلزم من ترك السنة الكراهة، كما ذكره أهل العلم؛ لأنه لو لزم من ترك السنة الكراهة لكان كل إنسان يترك المسنون يكون قد فعل مكروهًا، وليس كذلك، وإنما الكراهة حكم إيجابي لا بد له من دليل، أما مجرد أن أترك السنة فهذا لا يستلزم الكراهة.
ثم إنه قد يقول قائل: إن الرسول صلى الله عليه وسلم وجَّه أضحيتيه؛ لأنه ذبح عبادة وليس ذبح عادة، ومعلوم أن العبادة لها من الخصائص ما ليس للعادة.
فلو أن أحدًا قال: أنا أطالبكم بالدليل على استحباب توجيه الذبيحة إلى القبلة إذا لم تكن من الذبائح المشروعة؛ الذبائح المشروعة مثل: الأضحية، والهدي، والعقيقة.
طالب: والنذر.
الشيخ: النذر، إي نعم، داخل في هذا.
لكن نقول: هذا فعل واحد، فمن فرَّق فيه بين العبادة والعادة فعليه الدليل، وإذا ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم وجَّههما فليكن هذا هو المشروع، إنما القول بالكراهة يحتاج إلى دليل، ولا أعلم للفقهاء رحمهم الله في هذه المسألة دليلًا.
يكره أيضًا: (أن يكسر عنقه قبل أن يبرُد)، والمراد بقوله: (قبل أن يبرد) أي: قبل أن تخرج روحه، لماذا؟
(وأن يَكْسرَ عُنقه أو يسلخَه قبل أن يَبْرُدَ)، قوله: (قبل أن يبرد) عائد على المسألتين جميعًا.
كسر العنق قبل أن يبرد يعني قبل أن يموت فيه إيلام له، ولَّا لا؟ فيه إيلام له؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «لَا تُعْجِلُوا الْأَنْفُسَ»، أو: «لَا تَعْجَّلُوهَا قَبْلَ أَنْ تَزْهَقَ» (9)؛ يعني: قبل أن تخرج بنفسها؛ يعني: لا تفعلوا شيئًا يؤدي إلى سرعة الموت، ما دمتم ذبحتموها ذبحًا يحصل به الموت فقفوا عند ذلك.
فدليل هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عنه، والتعليل: لأن فيه إيلامًا بلا حاجة، وتعليل آخر: لأن فيه إسراعًا لموتها، وقد يكون بموتها توقف الدم وعدم خروجه كله، ومعلوم أنه يُشْرَع إخراج الدم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (5).
كذلك يكره أن (يسلخه) أي: الحيوان، (قبل أن يبرد)، لماذا؟ لعموم الحديث: «لَا تُعْجِلُوا الْأَنْفُسَ قَبْلَ أَنْ تَزْهَقَ»، ولأن فيه إيلامًا بلا حاجة؛ ولهذا الصحيح أن هذا حرام؛ أعني: كسر العنق والسلخ قبل الموت؛ لأنه إيلام بلا حاجة.
فإن قلت: إذا قال الجزار: أنا عندي أغنام كثيرة، وأحب أن أكسر العنق ليسرع الموت إليها؟
الجواب: اذبح هذه، ثم اذبح الأخرى، وهكذا، لو ما ماتت الأولى، ما أحد يمنعك.
فإن قلت: هل الأفضل أن أمسك بأيديها وأرجلها أو الأفضل أن أبقيها ترفس؟
فالثاني أفضل، خلافًا لما يعمله العامة الآن، العامة يرون أن إمساكها لازم، بعضهم يربط عليها كله، هذا خطأ، بل تركها ترفس أحسن، كما نص على ذلك أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، وعللوا ذلك بأنه فيه فائدة في استفراغ خروج الدم.
فيه أيضًا بعض الناس يفعلون إذا أراد أن يذبحها جاب يدها اليسرى ولواها على العنق.
طالب: كل الناس.
الشيخ: إي نعم، هذا أيضًا ما يجوز، ليش؟ لأنه إيلام لها، ما فيه إشكال، يؤلهما أن تمسك يدها وتحطها وراء رقبتها، صعب جدًّا.
ما هي السنة إذن؟
السُّنة -كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام- تطأ برجلك على عنقها، وترفع رأسها وتذبحها (8).
هل على الأيمن ولَّا على الأيسر؟
طلبة: على الأيمن.
طلبة آخرون: على الأيسر.
الشيخ: على الأيسر، الأيسر تراه اسم تفضيل، ليس المراد الجنب الأيسر، على الأيسر؛ يعني: الأسهل، فالإنسان الذي يذبح باليمنى الأيسر أن تكون هي على الأيسر، واللي يذبح باليسرى الأيسر أن تكون هي على الأيمن، ولَّا لا؟
طالب: رأسها يكون على الأيمن.
الشيخ: رأسها على رقبتها سواء يمين ولَّا يسار، لكن الكلام هل تضجع على الجنب الأيمن أو الأيسر؟ والله أعلم.
الشيخ: (... ) السلخ، ما يجوز أن تسلخه إلا أن تبرد.
طالب: والنفخ؟
الشيخ: حتى لو شرع في السلخ وتحركت يجب التوقف.
طالب: ما يدل على عدم (... ) من بعض الصحابة (... )؟
الشيخ: هذه ربما استدل بها من قال: إنها لا تحل.
الطالب: (... ).
الشيخ: واللهِ قد يكون هذا صحيحًا وقد يكون هذا من باب التعزير على هذا الشيء.
طالب: طيب، مثلًا الجزار اللي يذبح غنمًا كثيرة، هي ترى (... ) تذبح، هذا ما يصير فيه إيلام مثلًا (... ).
طالب آخر: أو المسلخ يا شيخ؟
الشيخ: هم قالوا أيضًا: إنه يكره أنه يذبحها والأخرى تنظر، قالوا: لأن هذا يريعها بلا شك.
الطالب: طيب، مثل هذا، فعلهم هذا ما هو.. ؟
الشيخ: هذا ينكر عليهم، يقال: خلوا مكانًا للذبح خاصة.
طالب: عندما أبحنا الذبيحة المغصوبة، كأننا ارتضينا تقسيم المنهي عنه لعينه ولغيره (... ).
الشيخ: يعني: قبل أن يموت؛ لأن الحيوان ما دام فيه الحياة فهو حار، إذا مات برد.
والسلخ تعرفونه ولَّا لا؟ تعرف السلخ؟
طالب: إي، أعلمه.
الشيخ: زين.
[باب الصيد]
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال رحمه الله تعالى: (باب الصيد) (الصيد) مصدر يراد به الفعل، ويراد به المفعول، فيراد به الفعل؛ مثل أن يقول القائل: إنني سأصيد صيدًا، مثل: أكيد كيدًا، على أنه فعل، ويراد به المفعول؛ كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: 96]؛ أي: مصيده.
فأما على الأول فالصيد يعرَّف بأنه اقتناص حيوان مأكول متوحِّش.
فقولنا: (اقتناص) خرج به الذكاة؛ فإنها ليست اقتناصًا؛ لأن الإنسان يذكي الحيوان وهو مطمئن، وعلى سهولة ويسر.
وقولنا: (حيوان مأكول) احترازًا من غير المأكول؛ فإن الإنسان وإن صاده بالسلاح ليس بصيد شرعًا.
وقولنا: (متوحش) احترازًا من غير المتوحش، إلا أنه سبق لنا أن ما نَدَّ من الأهليِّ فحكمه حكم الصيد؛ حكم المتوحش.
وهل الصيد حلال أو حرام؟
نقول: الصيد يقع على ثلاثة أوجه:
تارة يصطاد للحاجة إليه والأكل، فهذا لا شك في جوازه، وهو مما أحله الله عز وجل في كتابه، وثبتت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأجمع عليه المسلمون.
والثاني: أن يصطاد على سبيل اللهو والعبث، وليس بحاجة إلى الأكل، ولا يهمه إذا صاد الصيد وسقط تَرَكه، ليس بحاجة إليه، فهذا مكروه، ولو قيل بتحريمه لكان له وجه؛ لأنه عبث وإضاعة مال وإضاعة وقت.
والوجه الثالث: أن يصطاد على سبيلٍ يؤذي الناس؛ مثل أن يستلزم لصيده الدخول في مزارع الناس وإيذاؤهم، وربما يكون فيه انتهاك لحرماتهم؛ أي: للتطلع إلى نسائهم في أماكنهم، فهذا يكون حرامًا؛ لما يستلزمه من الأذية للمسلمين.
هذا بالنسبة للصيد من حيث هو صيد.
أما آثار الصيد؛ فإن الصيد يبهج النفس ويسرها، ويعطي الإنسان نشاطًا وحيوية لا يعرفها إلا أهل الصيد، فتجدهم يجدون من اللذة والسرور، وإن كانوا يتعبون، ويطاردون الطيور والصيود، ويخرجون إليها في الليالي القارسة والأيام الحارة، لكن هم يجدون في هذا لذة ومتعة.
كذلك أيضًا في الصيد مصلحة تعلُّم الرمي، وتعلم الرمي من الأمور المشروعة، قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» (10)، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا» (11). إذن ففيه مصلحة؛ وهي تعلم الرمي، وتعلم الرمي أمر مشروع.
فصار الآن الصيد من حيث هو صيد يكون على ثلاثة أوجه؛ عبث، وللحاجة والأكل، ومع أذية الناس، فالعبث مكروه، ولو قيل بالتحريم لكان له وجه، وما كان لحاجة فمباح، وما كان يستلزم أذية المسلمين (... ) مزارعهم ومضايقتهم فهذا حرام.
المؤلف رحمه الله في هذا الباب لا يريد أن يتكلم على هذه الناحية، لكن يريد أن يتكلم على شرط حِل الصيد؛ متى يحل الصيد إذا صاده الإنسان؟
يقول المؤلف: (لَا يَحِلُّ الصَّيْدُ الْمَقْتُولُ فِي الاصْطِيَادِ إِلَّا بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ).
فمن الذي يكون من أهل الذكاة؟
طالب: المسلم.
الشيخ: طيب، هذا المسلم.
الطالب: مسلمًا عاقلًا.
الشيخ: المسلم العاقل أو؟
الطالب: أو الكتابي.
الشيخ: أو الكتابي، أو؟ هاتِ، زدْ.
الطالب: أو المراهق.
الشيخ: أو المراهق أو البالغ.
الطالب: أو المرأة.
الشيخ: أو المرأة.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: نعم، أو البالغ؟
الطالب: البالغ (... ).
الشيخ: طيب، أنت قلت: أو المراهق، جيب قبيله؛ أو البالغ، أو الذي تم له ثلاثون سنة!
الطالب: معروف هذا!
طالب آخر: هو المسلم العاقل المميز.
الشيخ: نعم، طيب، بس المسلم؟
طالب: المسلم والكتابي.
الشيخ: طيب، يعني: أن يكون عاقلًا مسلمًا أو كتابيًّا، وطبعًا مميزًا؛ لأنه لا بد أن يكون قاصدًا.
إذن هو المميز العاقل المسلم أو الكتابي، هذا من أهل الذكاة.
فصيد غير الكتابي من الكفار لا يحل، كما لا يحل ذبحه.
صيد غير العاقل؛ لو أن مجنونًا يعبث بآلة سلاح، فثارت هذه الآلة وقتلت صيدًا لا يحل.
يتفرع على هذا أن يكون قاصدًا، فلو أن رجلًا يرمي على هدف من خرق أو عمود أو ما أشبه ذلك، فإذا بصيد يمر فقتله، يحل ولَّا لا؟ لا يحل؛ لعدم القصد؛ لأنه ما قصد.
لكن لو سمى على صيد فأصاب غيره حَلَّ؛ لأنه قصد الصيد؛ مثل أن يرى طيرًا على غصن شجرة، فيرميه قاصدًا هذا الطير، فإذا هو يصيب طيرًا آخر على الشجرة على غصن آخر، فإن ذلك يحل؛ ولهذا لو أنه رمى على فِرْق من الطير، وأصاب عشرة جميعًا، تحل هذه العشرة ولَّا لا؟
طلبة: تحل
الشيخ: تحل، إي نعم؛ لأنه قصد الصيد.
الشرط الثاني: الآلة؛ يعني: لا بد أن يكون الصيد بآلة، الآلة نوعان هنا، فباب الصيد آلته أوسع من باب الذبح؛ لأن آلة الصيد هنا نوعان، بينما هي في الذبح نوع واحد فقط.
الآلة قال: (وهي نوعان: مُحَدَّدٌ يشترطُ فيه ما يشترطُ في آلةِ الذَّبْح) يعني: النوع الأول آلة محددة؛ كالسهم والرصاصة وكذلك السطم، هذا كله محدد يشترط فيه ما يشترط في آلة الذبح، وسبق أن آلة الذبح يشترط فيها أن تكون غير سِنٍّ ولا ظفر، فلو أخذ سنًّا ورمى به وقتل بجرحه ما هو بثقله فإنه لا يحل؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ»، وقال: «إِنَّ السِّنَّ عَظْمٌ، وَالظُّفُرَ مُدَى الْحَبَشَةِ» (5)، فعلى هذا يشترط ألَّا تكون الآلة سنًّا ولا ظفرًا.
يشترط أن تكون حلالًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: فلو جعل سهمًا من الذهب حلَّ، وكذلك لو غصب سهمًا ورمى به حلَّ، على ما سبق؛ لأن هذه الآلة جارحة.
قال: (ويشترط أيضًا أن يَجْرَحَ) أن يجرح الصيد؛ يعني: بحيث يكون قتله للصيد بالجرح، وضد ذلك أن يكون بالثِّقَل، فإذا كان بالثقل فسيأتي -إن شاء الله- أنه لا يحل.
(يُشْتَرط أن يجرح)، ما هو الدليل؟
الدليل ما سبق: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» فإنه شامل، إلا أنه يختلف عن الذبح أن الذبح هناك يشترط قطع الحلقوم والمريء أو الودجين، على حسب الخلاف السابق، أما هنا فيكون في أي موضع، هذا الفرق، وهذا مما يوسع فيه في باب الصيد على باب الذبائح؛ أن محل إنهار الدم هناك الرقبة، أما هذا فليس بمعين، أي مكان.
(فإن قتله بثقله لم يُبَحْ) يعني: الذي ضرب الصيد ما هو جارح؛ ما يجرح، لكن ثقيل، فمن أجل ثقله مات الصيد، فإن الصيد لا يحل؛ لأنه لا بد من الجرح.
ويدل لذلك أيضًا حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيد بالمعراض -يعني شيئًا مثل العصا- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنْ خَزَقَ فَكُلْ، وَإِنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ» (12)، خَزَقَ؛ يعني: نفذ وجرح وشق، «فَكُلْ، وَإِنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ».
وعلى هذا فإذا كان مع الإنسان عصا له رأس مدبب فحدفه على الصيد، فأصاب الصيدَ بهذا المحدد حَلَّ، وإن أصابه بالعرْض لم يحلَّ، ولو مات؟ نعم، ولو مات.
لكن لو أنه حبسه ثم أدركه وفيه حياة؛ يعني: حبسه لما ضربه بعرضه انحبس؛ انكسر مثلًا، أو انهارت قواه، حتى أدركه حيًّا فذبحه فإنه يكون حلالًا.
الدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3]، فاستثنى المذكَّى، فإذا أدركته وفيه حياة فإنه يَحِلُّ.
لكن ما علامة الحياة؟
علامة الحياة أنني إذا ذبحته تحرك؛ هذا قول أنه لا بد من الحركة.
وقيل: علامة الحياة أن يجري منه الدم الأحمر الحار، ما هو بالحار اللي يغلي، لكن الذي ليس ببارد، فإذا سال منه الدم الأحمر الحار وإن لم يتحرك فهو حي، فَيَحِل، وإن لم يسل منه أو سال منه دم أسود بارد فإنه قد مات، وهذا هو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح؛ لأنه إذا خرج الدم الأحمر الحار فقد أنهر الدم، فيكون حلالًا.
إذا جَرَحَ ولكنه لم يمت، ثم أدركتُه حيًّا ومات بعد إدراكي إياه، يحل ولَّا لا؟
ينظر؛ إذا كان الجرح مُوحيًا -يعني قاتلًا له؛ مثل أن يكون جرحًا في قلبه- فهو حلال؛ لأن الحركة التي أدركته عليها حركة مذبوح، كما أن المذبوح إذا ذبحناه يتحرك ويبقى مدة يتحرك، فهذا يحل.
أما إذا كان الجرح غير موحٍ؛ بمعنى أنه أصابه في فخذه، أو أصابه في طرف من أعضائه أو من جسمه، فهذا لا يحل إلا بذكاة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنْ وَجَدَتْهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ» (13)، وإذا كان الجرح موحيًا والحركة حركة مذبوح فقد علمتُ أن الذي قتله سهمي، فيحل.
إذنْ إذا قتله بثقل لم يحل، دليله حديث عدي بن حاتم في الصيد بالمعراض أنه «إِنْ خَزَقَ فَكُلْ، وَإِنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ» (12).
ثم قال: (وما ليس بمحدد -كالبندق والعصا والشبكة والفخ- لا يحل ما قُتل به) (ما ليس بمحدد) منين؟ من الآلة؛ مثل: البُنْدُق؛ البندق هو عبارة عن طين يُدوَّر وييبس، والغالب أنه يكون من الفخار (... ) بثقله؛ لأنه ما ينفذ، فإذا ضربت طائرًا بالبندق؛ سواء حدفت باليد، أو حدفت بالمقلاع، أو حدفت بما يسمى عند الصغار.
طالب: البيدة.
الشيخ: البيدة؟ نحن نسميها نباطة، نشوف اللغات فيها، أنا بعلمكم على لغتي نبَّاطة، طيب وأيش لغتكم أنتم؟
طالب: فلاتية.
الشيخ: فلاتية، طيب.
طالب: نُبِّيلة.
الشيخ: نُبِّيلة، من النبل، طيب، هذه ثلاثة أسماء.
طالب: في مصر: نبل.
الشيخ: نَبِل، هذه عربية فصحى.
طالب: مرجم.
الشيخ: مرجم؟
طالب: مرجم؛ يعني: من يرجم.
الشيخ: طيب، على كل حال هي عبارة عن سلكين من المطاط يوضع أعلاهما في خشبة مثل المحجن، والطرفان الآخران يوضع فيهما قطعة من الجلد تسمى بالقبة، هذه القبة تجعل فيها الحصاة، ثم يأخذه الإنسان يمطها هكذا بالمطاط ويطلقها، تضرب الصيد، ويصطاد بيها الناس كثيرًا، أنا أذكر واحدًا كان زميلنا في يوم الجمعة ما لنا دراسة نروح نطلع للسوق نأخذ عصافير؛ يعني: في صباح الجمعة يمكن يقتل عشرين ثلاثين واحدًا؛ لأنه ما شاء الله إذا قدر على العصفور خلاص عده في الأرض.
إذن هذه هي البندق في الواقع، والرسول عليه الصلاة والسلام نهى عنها، وقال: «إِنَّهَا لَا تَنْكَأُ عَدُوًّا وَلَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَإِنَّمَا تَفْقَأُ الْعَيْنَ، وَتَكْسِرُ السِّنَّ» (14) يعني: ما يستفاد منها؛ العدو لا تنكأه؛ لا تدفعه، والصيد ما تصيده؛ لأنها ما يحل الصيد بها، لو صدته ما يحل، إلا إذا أدركتَهُ حيًّا فذكَّيتَهُ، لكن الصغار الذين يصيدون بها العصافير يستعملون مُدَى الحبشة في ذبحها، إذا طاح العصفور حيًّا وإذا الظفر والٍ.
يحل ولَّا ما يحل؟ ما يحل، مساكين، ما يحل؛ سواء سقطت ميتة، أو سقطت حية وذكاها بالظفر، لكن على كل حال الصغار مرفوع عنهم القلم ولا يُسْأَلون.
إذن نقول: هذا النوع من السلاح نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، وبيَّن أنه لا خير فيه، بل فيه ضرر؛ «تَفْقَأُ الْعَيْنَ وَتَكْسِرُ السِّنَّ».
هل مثلها اللي يسمونها البندق التي بالرصاص؟
لا؛ لأن اللي بالرصاص، الرصاص نوعان؛ رصاص مدبب، هذا كالسهم تمامًا، ورصاص غير مدبب، لكنه لا يقتل بثِقله، وإنما يقتل بنفوذه، فيكون جارحًا.
وقد اختلف العلماء أول ما ظهر البندق بالرصاص؛ فمنهم من حرمه، وقال: إن الصيد به لا يجوز ولا يحل، ولكنهم في آخر الأمر أجمعوا على حل صيده، يقول:
وَمَا بِبُنْدِقِ الرَّصَاصِ صِيدَا
جَوَازُ حِلِّهِ قَدِ اسْتُفِيدَا
أَفْتَى بِهِ وَالِدُنَا الْأَوَّاهُ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ مِنْ فَتْوَاهُ
فالعلماء أول ما ظهر كالعادة إذا ظهرت الأشياء جديدة اختلف الناس فيها، فاختلفوا فيه، ثم بعد ذلك اتفقوا على أنه حلال.
قال:
وَمَا بِبُنْدِقِ الرَّصَاصِ صِيدَا
جَوَازُ حِلِّهِ قَدِ اسْتُفِيدَا
أَفْتَى بِهِ وَالِدُنَا الْأَوَّاهُ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ مِنْ فَتْوَاهُ
الشاهد بالشطر الأخير قوله: انعقد الإجماع، وما زال الناس الآن يرمون بها ويصيدون ويأكلون.
طالب: الشاهد من الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] (... )؟
الشيخ: فتحل.
الطالب: الشاهد؟
الشيخ: الشاهد أن الله حرم النطيحة والموقوذة وما أكل السبع إلا إذا ما ذكي.
الطالب: وهذا من أيهم؟
الشيخ: هذا من الموقوذة.
يقول: (والعَصَا) العصا يصاد به؟ إي نعم، إنسان أقبل عليه طير ومعه عصا، فخبطه هكذا، ثم سقط ميتًا الطائر، يحل ولَّا لا؟ ما يحل؛ لأنه ليس بجرح.
كذلك (الشَّبكَةِ والفَخِّ) هذه أيضًا علمها عندكم، الشبكة ما صفتها؟
طالب: حبال.
طالب آخر: من عصا وآخرها (... ) في هذه الدائرة توضع شبكة.
الشيخ: يعني خيوط؟
الطالب: طرف يفتح، وطرف يغلق، تمسك هكذا.
طالب آخر: مقلاع.
الشيخ: مقلاع، لا، ما هو هذا، المقلاع الظاهر أنه من جنس البندق.
طالب: شيء من الخيوط؛ فتحات مربعة، كبير؛ يعني: إذا طرحها الصياد تفرش المكان، ثم يطرحه على العصافير.
الشيخ: على الصيود.
الطالب: على الصيود.
الشيخ: ثم؟
الطالب: ثم بعد ذلك تحيط بالعصافير، ثم بعد ذلك يأخذهم منها.
الشيخ: طيب، فيه عندنا شبكة نسميها شَرَكًا؛ يحفرون بالجدار حفرة صغيرة ويضعون فيها تمرة، ويستحسن أن يكون فيها حب بُرٍّ، ثم يضعون على فم الحفرة هذه خيطًا يكون تكة، تكاك.
طالب: هذا الفخ.
الشيخ: طيب، يمكن -إن شاء الله- إذا وجدنا حبلًا وصفناه، هذا إذا جاء العصفور دخل رأسه ليأكل من التمرة وجاء بيطير أمسكه الحبل هذا التكاك واشتد على رقبته، ثم يتعلق برقبته؛ العصفور، أحيانًا يدركه الإنسان قبل أن يموت، فيأخذه ويذبحه، أحيانًا يموت قبل أن يدركه الإنسان، فإذا مات لا يحل؛ لأنه خُنِقَ خنقًا.
أما الفخ، فالفخ عبارة -حسب ما أعرف- عبارة عن قنو نخلة يكون مقوسًا هكذا، ويوضع في طرفيه حبل، وهذا الحبل يُبرم يُبرم، ويكون في وسط الحبل عود يلزمه القوس هذا، يلزمه القوس هكذا يكون فيه، ثم يُهْصَر القوس على الأرض ويوضع عليه هذا العود، يصير عبارة عن أي شيء يحركه يطبق عليه.
طالب: حبيلة.
الشيخ: يسمى حُبَّيْلة؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، نحن نعرفه بهذا، يمكن مسألة المادة هل هو حديد ولَّا خشبة، هذا شيء ما يهم.
المهم..
طالب: (... ) ويضغط وهذا يخرج ثم إذا جاء إنسان إذا وطأ عليه طبق عليه.
الشيخ: هذا يسمى عندنا شداخة.
طالب: قلادة نسميه عندنا.
الشيخ: طيب، المهم اللي نعرفه الفخ هو هذا بلغتنا نحن، وطبعًا المدرس يشرح على لغته، وكل واحد منكم يشرح على لغته، ما علينا.
الفخ هو هذا، هذا إذا أصاب الصيد سيموت بغير جرح، فلا يحل ما قُتِل به.
طالب: كيف موته يا شيخ؟ خنقًا؟
الشيخ: يكون خنقًا، نعم.
إذن الآلة يُشْتَرط فيها شرطان:
الشرط الأول: ما يشترط في آلة الذبح؛ أن تكون محددة غير سن ولا ظفر.
الشرط الثاني: أن تجرح، فإن أصابت بعرضها بدون جرح فإنه لا يحل؛ لأنه وقيذ، كما في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه (12).
النوع الثاني من آلة الصيد -وقلت لكم: إن الصيد أوسع من الذبح باعتبار الموضع وباعتبار الآلة- (الثاني: الجارحةُ).
الجارحة مأخوذة من: الجَرْحِ، فهي اسم فاعل من: جَرَحَ، وجَرَح؛ بمعنى: كسب، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 60] أي: ما كسبتم، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4]، ﴿الْجَوَارِحِ﴾ هن الكواسب، فالجارحة هي الكاسبة، والجارحة نوعان؛ جارحة تعدو، وجارحة تطير؛ يعني: تكسب عن طريق العَدْو؛ يعني: الجري بسرعة، أو عن طريق الطيران، فالأول كالكلب، والثاني كالصقر والبازي، وما أشبه ذلك.
أما الكلب فقد ثبت بالنص والإجماع، وأما الطير فالصواب حل ما قتله، كما سنذكر إن شاء الله.
الجارحة قلت: إنها نوعان؛ ما يصيد بعدوه، وما يصيد بطيره.
الأول الذي يكون بالعدو يصيد بنابه، والثاني بمخلبه، وقد سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير (15).
(يباح ما قتلتْه) شوف المؤلف يقول: (ما قتلتْه) ولم يقل: ما جرحتْه، بشرط (إن كانت معلَّمة) يعني: إن كان صاحبها قد علَّمها، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4].
كيف نعرف أنها مُعَلَّمة؟
نعرف أنها مُعَلَّمة؛ بالنسبة لما يصيد بنابه بأن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زُجر، وإذا أمسك لم يأكل، ثلاثة أمور؛ يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زُجِر، وإذا أمسك لم يأكل.
كيف ذلك؟ يسترسل إذا أرسل بمعنى أنه إذا رأى الصيد ما يذهب بنفسه، ما يذهب إلا إذا أرسلته؛ يعني: أغريته بالصيد، وطريق الإغراء يختلف من جماعة إلى جماعة؛ قد يكون طريق الإغراء بأن تذكره باسمه الذي لقبتَه به وتغريه، وقد يكون بالصفير، وقد يكون بأي سبب، هذا حسب اصطلاح المعلمين لهذه الجوارح.
ينزجر إذا زُجِر؛ يعني: أنك إذا قلت: قِفْ، باللغة اللي علمته، ما هو بلازم كلمة (قف) باللغة اللي علمته، يقف.
إذن صار معلمًا ولَّا لا؟ صح، ليش؟ لأنه ما ينطلق إلا بأمري، وإذا أمرتُه أن يقف وقف.
هذا تَعَلُّم.
إذا أمسك لم يأكل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾؛ لأنه إذا أكل إذا أمسك فإنما أمسك على نفسه، فإذا أمسك الصيد أكل نصفه وجاب الباقي، معناه أنه أمسك لنفسه، صح ولَّا لا؟ وإن كان ما يجيب لي إلا الرأس إذا كان شيئًا صغيرًا فكذلك.
لو أكل شيئًا بسيطًا منه فكذلك، بالنسبة لما يصيد بنابه.
وقال بعض العلماء: إنه لا يشترط ألَّا يأكل، الذي يشترط أن يكون مُعَلَّمًا، وأما ألَّا يأكل فهذا يرجع إلى العادة، فإذا أكل الشيء البسيط الذي لا بد للسَّبُع من أكله من فريسته فإن ذلك لا يضر، ولا ينافي أن يكون أمسك عليك؛ لأنه لو أمسك على نفسه لأكلها كلها، لا سيما إذا كانت صغيرة، ولكن الصواب القول الأول.
وفصَّل بعض العلماء؛ فقال: إن كان جائعًا فأكل فإنه يحل ما أتى به مما بقي، وإن كان غير جائع فإنه لا يحل.
وأيش اللي يدرينا أنه جائع ولَّا غير جائع؟ إطعامي إياه، إذا كان ما راح إلا توه متغدي ولَّا متعشي مثلًا فهو شبعان، لكن لو صار له ليلتين ما ذاق شيئًا وصاد هذا الصيد وأكل منه فإن هذا لا يسلم منه شيء من الجوارح أن يأكل، ولكن ظاهر الأحاديث يدل على أنه إذا أكل فلا تأكل، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَأَنَّهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» (12).
وهناك أحاديث أخرى أيضًا، لكنها أقل صحة من هذا الحديث؛ سُئِلَ النبي عليه الصلاة والسلام قال: آكل مما أمسك؟ قال: «كُلْ»، قال: أكل أو لم يأكل؟ قال: «أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ» (16)، فمن العلماء من استدل بهذا الحديث على أنه لا يشترط ألَّا يأكل.
ومن العلماء من فصَّل وجعل الحديثين يتنزلان على حالين؛ يكون «أَكَلَ أَمْ لَمْ يَأْكُلْ» في حال الجوع، واشتراط ألَّا يأكل في حال الشبع، وهذا في الحقيقة جمع بين الدليلين.
بعض العلماء جمع بينهما قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخاطب بالأول رجلًا غنيًّا، يقول: «إِذَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ لَا تَأْكُلْ» (13)، والثاني يخاطب رجلًا فقيرًا؛ لأن الفقير يحتاج إلى الأكل، لكن هذا ليس بصواب؛ لأن المدار الآن هل هذه آلة فعلت مفعولها أو لا؟ ولا فرق بين كون الآكل غنيًّا أو فقيرًا، لكن تنزيله على حالين باعتبار الآلة لا شك أنه جمع قوي.
(... ) رجل عنده كلب فذهب يعدو، ثم ندم صاحب الكلب على إرساله على الصيد فدعاه، لكن الكلب مضى وقتل الصيد، وأيش تقول؟
طالب: لا يحل.
الشيخ: ليش؟ إي، زجره فلم ينزجر، وهو (... ) النهي «لَا تَأْكُلْ» على سبيل الكراهة فقط، ما هو على سبيل التحريم، والثاني على بيان الإباحة؛ على بيان الجواز، وأن النهي ليس للتحريم، لكن أكثر العلماء على أنه يشترط ألَّا يأكل، وهذا هو ظاهر الآية الكريمة؛ لقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4]، اللهم إلا إذا كان جائعًا جوعًا شديدًا؛ كما لو كان له زمن لم يأكل الطعام، فهذا قد يقال: إنه إذا أكل الشيء القليل فإنه لا بأس بأكل ما جاء به.
طالب: لفظ الحديث يا شيخ، الحديث الثاني الحديث الثاني في الترخيص لفظه؟
الشيخ: إي، سأل الرسولَ قال: أكل أو لم يأكل؟ قال: «أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ» (16).
المؤلف يقول: إن ما صيد بالبندق لم يُبَحْ، وإحنا الآن كل الناس يرمون بالبنادق ويجبونه يعطونا (... ).
الشيخ: قصد المؤلف.
طالب: الله أعلم، يقصد -يا شيخ- نوعًا من الطين؛ يعني: كالحجرًا أو شيء من هذا.
الشيخ: إي.
الطالب: الحاصل أنه يختلف يعني.
الشيخ: الحاصل أنه يختلف.
طالب: شيخ البندق المقصود النبلة.
الشيخ: قريبًا مما قال عبدالله، ويش هو البندق الآن؟ لو قالك واحد..
طالب: هو طين يكور أكبر من حمصة الشام.
الشيخ: إي، صحيح، هو طين.
طالب: كيف يرمى؟
الشيخ: يرمى في اليد.
الطالب: مثل الحجر؟
الشيخ: مثل الحجر، وأحيانًا مثل الخذف يحطه كذا، ثم يرميه، المهم أنه ما يحل، أما البندق المعروف فإنهم قد اتفقوا على أنه يقتل بحده ونقوذه، إي نعم.
عندنا الشرط الثالث: تعليم الصيد الذي يصيد بمخلبه يقول العلماء: إنه بشيئين فقط؛ أن يسترسل إذا أُرْسِل، وأن ينزجر إذا دُعِي، ولا يشترط ألَّا يأكل، قالوا: لأن هذا شيء لا يمكن، بالنسبة لما يصيد بمخلبه لا بد أن يأكل، وعلى هذا فإننا نقول: إن قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ مطلق، فيكون التعليم في كل شيء بحسبه، وهذا يرجع إلى أهل العرف.
ما معنى قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾، ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾؟
طالب: مكتسبين.
الشيخ: الجوارح هي الكواسب، لكن ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ وأيش معناه؟ قيل: معنى ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ أي: معلِّمينهن الكَلَب؛ يعني: الأخذ والقتل، وقيل: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ مُغْرين لهن.
وعلى الأول يكون قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ حالًا مؤكدة لعاملها؛ وهي قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾، كأنه قال: وما علمتم مُعَلِّمين، والفائدة منها الإشارة إلى أن هذا المعلِّم لا بد أن يكون عنده علم في تعليم هذه الجوارح وعنده حذق، فيكون مكلِّبًا؛ يعني ذا علم بالتكليب.
يقول المؤلف رحمه الله: (الثَّالِثُ: إِرْسَالُ الآلَةِ قَاصِدًا) (إِرْسَالُ الآلَةِ) أي آلة؟ الآلة بنوعيها؛ سواء كانت بالمحدَّد؛ كالسهم، أم بالمعلَّم؛ كالكلب والصقر.
وقوله: (إِرْسَالُ الآلَةِ) من باب إضافة المصدر إلى مفعوله؛ يعني: أن يرسل الصائد الآلة.
(قاصدًا) هذه حال من الفاعل المحذوف، الفاعل المحذوف فاعل أي شيء؟ أين عامله؟ (إرسال) مصدر، وهنا نقول: الفاعل المحذوف، لماذا لا نقول: المستتر؟ قالوا: لأن المصدر جامد لا يتحمل الضمير، فلا نقول: إن الفاعل مستتر، بل نقول: إن الفاعل محذوف، إي نعم.
(إرسالُ الآلةِ قاصدًا) (قاصدًا) أيش؟ قاصدًا الإرسال ولَّا قاصدًا الصيد؟ المعنيان؛ يعني: يرسلها قاصدًا للإرسال وقاصدًا للصيد.
وعلى هذا فكيفية ذلك إذا رأى الصيد رمى بسهمه، إذا رأى الصيد أرسل الكلب، إذا رأى الصيد أرسل الصقر؛ لأنه لا بد من القصد.
(فإن استرسل الكلبُ أو غيرُه بنفسه لم يُبَح، إلا أن يزجره فيزيد في عَدْوِه بطلبه فيحل) إذا استرسل الكلب أو غيره، ويش غير الكلب؟ الصقر مثلًا، بنفسه لم يحل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ»، «إِذَا أَرْسَلْتَ»، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، فإن قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ إذا قلنا: إن معناه مغرين فهذا يدل على أنه لا بد من قصد الإرسال.
(إن استرسل بنفسه لم يُبَح) مثل: رجل معه كلب صيد ويمشي ولم ينتبه للصيد، لم ينتبه إلا والكلب يعدو –يعدو؛ يعني: انطلق بسرعة- يعدو على الصيد، فالآن هو ما أرسله، لكن كيف يحل؟ ازجره؛ يعني: حُثَّه على الصيد، فإن زاد في عدوه -في طلبه- حلَّ؛ فإن زيادته في العدو تدل على أنه قصد أن يمسك عليك، فحينئذٍ يحل، وهذه حيلة بسيطة، أنا إذا رأيت الكلب انطلق لصيد أغريه زيادة وأزجره، فإذا ازداد عدوه وجاء بالصيد حَلَّ؛ لأن زيادته في العدو تدل على أنه قصد الإمساك علي.
فإن زجرته أريد أن يسرع في العدو، لكنه بقي على ما هو عليه، يحل ولَّا لا؟ لم يحل؛ لأن زجري إياه لم يؤثر عليه، وهو إنما انطلق أولًا لي ولَّا لنفسه؟ لنفسه، إي نعم.
لو قال قائل: قد يكون هذا الكلب بكثرة تعليمه أنه إذا رأى الصيد أُمِر بالانطلاق عليه قد يكون قد تعود هذا، وأنه إنما ذهب بالنيابة عن صاحبه، هذا ممكنٌ ولَّا غير ممكن؟ ممكن، لكننا نقول: ويمكن أيضًا أنه إنما أراد أن يأخذ لنفسه، وإذا اجتمع سببان أحدهما مبيح وحاظر، غُلِّب جانب الحظر.
هذا باعتبار تنزيل هذه المسألة على القواعد.
أما باعتبار النص فالمسألة واضحة؛ لأن الرسول قال عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ» (13)، «إِذَا أَرْسَلْتَ»، وأنا في الحقيقة ما صدت ما دام الكلب هو اللي ذهب وراح بدون علم مني ولا أمر مني فأنا ما صدت في الحقيقة، وإنما الذي صاد الكلب.
لو وكلته وكالة عامة، وقلت: كلما رأيتَ صيدًا فأنت وَكِيلي في الاسترسال؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: صح، هذا ما يصح، ليش؟ لأنه غير عاقل ولا يصح تصرفه، والعَجماء كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» (17)، فإذا كانت ما تضمن معناه أن تصرفاتها باطلة.
(فإن استرسلَ الكلبُ أو غيرُه بنفسِه لم يُبَحْ، إلا أن يَزْجُرَهُ فيزيدَ في عَدْوِه في طَلَبِهِ فَيَحِلَّ)، والسبب ما ذكرت لكم؛ أنه إذا ازداد عدوه بزجره دلَّ هذا على أنه إنما أمسك لصاحبه.
(الرابع: التسميةُ عند إرسالِ السَّهْمِ أو الجارحةِ) (التسمية) أن يقول: باسم الله، وسبق لنا في باب الذكاة أنه لا بد أن يضيف كلمة (اسم) إلى (الله) لفظ الجلالة، وأنه إذا أضافها إلى الرحمن أو العزيز أو الجبار، أو ما أشبه ذلك مما لا يسمى به إلا الله لم يصح، وذكرنا أن الصحيح جواز ذلك، وأن قوله: باسم الله؛ أي: باسم هذا المسمى، فإذا أضيفت كلمة (اسم) إلى ما يختص بالله عز وجل فلا فرق بين لفظ الجلالة وغيره.
قال المؤلف: (عند إرسال السهم أو الجارحة)، شوف عند إرساله، لا عند تعبئته، لو أن رجلًا عند تعبئة السهم سمَّى، وعند إرساله –يعني: عند الرمي- ما سمى فإن ذلك لا يحل؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» (13)، متى ذكر اسم الله عليه؟ عند الإرسال، «إِذَا أَرْسَلْتَ» «وَذَكَرْتَ»، والواو هنا تقتضي الاشتراك والاجتماع في الزمن.
بل قد نقول: إن قوله: «وَذَكَرْتَ» لولا أن الواو لمطلق الجمع لقلنا: إنها تقتضي أن يكون الذِّكر بعد الإرسال، ولكن ليس الأمر كذلك، بل الذِّكر عند الإرسال.
أما الذكر عند التعبئة فإنه لا يفيد، والدليل –يعني: له قياس- لو أن الإنسان حد شفرته، وسمَّى الله عند حدها، وذبح بها، وكان بين الفعلين زمن طويل، ينفع ولَّا لا؟ ما ينفع.
ما تقولون في رجل يكتب على مُدْيَتِه وعلى سهمه: باسم الله، ينفع؟
طلبة: ما ينفع.
الشيخ: ما ينفع؛ لأنه لا بد من النطق.
فإن جعل عنده مسجلًا، وعند الذبح حرك المسجِّل، وإلا عند الإرسال أيضًا حرك المسجل؟
طلبة: ما ينفع.
الشيخ: ما ينفع.
ما رأيكم في المؤذنين الذين قد وضعوا مسجلًا عند الميكروفون، وإذا جاء وقت الأذان فتح المسجل وراح هو للبيت، يجزئ ولَّا لا؟
طلبة: ما يجزئ.
الشيخ: ما يجزئ؛ لأن التسجيل هذا حكاية صوت وليس إنشاء صوت.
يقول: (فإن تركها عمدًا أو سهوًا لم يُبَحْ) (إن تركها) أي: التسمية، (سهوًا أو عمدًا لم يُبَح)، ليش؟ لأن الله يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» (13)، «أَرْسَلْتَ» «وَذَكَرْتَ»، فعلى هذا لو نسي هذا الصائد أن يقول: باسم الله عند إرسال السهم أو عند إرسال الجارحة فإنها لا تحل، وأيش تكون؟ تكون ميتة.
يا جماعة أنا تعبت، ومن الصباح إلى الظهر وأنا أركض وراء هذا الصيد، وهي غزال كبيرة شابة من أحسن ما يكون، تساوي ألفين ريال، ومع الحرص والإشفاق رميت بدون تسمية؛ نسيت، وأيش نقول؟ ما تحل.
وقد مر علينا أنه –أي: المؤلف رحمه الله في باب الذكاة- قال: (إن متروك التسمية سهوًا يحل)، والحقيقة أنه لا فرق بين البابين كما سبق، فإن اشتراط التسمية موجود في الذكاة كما هو موجود في الصيد: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» (5)، وأيضًا فإن الصيد قد يكون الصائد أعذر من الذابح بنسيان التسمية، لماذا؟ (... )
الرجل هذا عندما يرى الصيد، لاحظوا أنه عندما يرى الصيد ينفعل، ويجد في نفسه شفقة عظيمة وإشفاقًا أن يفوته هذا الصيد، تجده يأخذ البندقة بسرعة ولَّا (... ) الصيد بسرعة يذهل؛ يغفل، فهو إلى النسيان أقرب من الذابح الذي يأتي بهدوء ويضجع الذبيحة، أو يعقلها إن كانت بعيرًا ويذبح، هذا يأتي بهدوء ويبعد النسيان في حقه، لكن هذا هو الذي يأتي بسرعة وإشفاق ويكثر النسيان في حقه، ومع ذلك المؤلف رحمه الله لم يعذره.
والحقيقة أنه مصيب في عدم عذره؛ لأن الآية عامة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (13)، «إِذَا أَرْسَلْتَ» «وَذَكَرْتَ»، فكما أن الجارحة إذا استرسلت بنفسها لا يحل الصيد، فكذلك إذا لم تُسَمِّ.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، هم استدلوا بحديث أبي ثعلبة الخشني وعدي بن حاتم: «إِذَا أَرْسَلْتَ» «وَذَكَرْتَ»، ولا فرق.
يقول: (ويسن أن يقول معها: الله أكبر كالذكاة) يُسَن ولَّا يجب؟ يُسَن، والواجب التسمية، أما التكبير فسنة، دليل ذلك: أنه ثبت من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يذبح أضحيته سمَّى وكبر (18).
ولكن هل يقول: اللهم تقبل مني؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لأن هذا ليس ذبح عبادة، نعم، ما يقول: اللهم تقبل مني، لكن يقول: باسم الله والله أكبر.
لو صلى على النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المكان؟
قال العلماء: إنه ليس بسنة؛ لأنه غير مناسب، كالذكاة.
هذه أيضًا شروط الصيد، صارت الشروط أربعة؛ أن يكون الصائد من أهل الذكاة.
الثاني: الآلة.
الثالث: إرسال الآلة قاصدًا.
والرابع: التسمية.
هذه الشروط، هل نشترط هنا ما اشترطناه هناك ألَّا يذكر اسم غير الله؟ نعم، يُشْتَرط، إذن أضفها: خمسة.
هل يشترط ألَّا يهل لغير الله به؟ نعم، إذن ستة.
طالب: كيف؟
الشيخ: قصدي ألَّا يصيد لغير الله؛ يعني: لو أنه صاد تعظيمًا لملك أو رئيس أو وزير أو ما أشبه ذلك فهو ما يحل، ليش؟ لأنه لغير الله.
لو قال قائل: الصعب بن جثَّامة ذهب واصطاد الحمار الوحشي لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟
نقول: هذا تكريمًا للرسول عليه الصلاة والسلام، وليس من باب التعظيم له؛ أي: التقرب إليه بالتعظيم.
وأيش بقي علينا من.. ؟
طالب: ما يشترط يا شيخ.
طالب آخر: (... ) ألا يذكر اسم غير الله عليه.
الشيخ: ذكرناه.
طالب: كونه مأذونًا فيه.
طالب آخر: كونه مما يحل صيده، لا كالهدهد ونحوه، مأذون فيه شرعًا.
الشيخ: إي، أن يكون الصيد مأذونًا فيه، نعم، فإن صاد صيدًا بمكة؛ بالحرم داخل حدود الحرم فإنه لا يحل، أو صاده وهو محرم فإنه لا يحل.
ويشترط أن يكون غير مملوك للغير؟
طالب: نعم.
طلبة: لا.
الشيخ: ما يشترط، ولكن على الخلاف اللي سبق، وعليه فلو أن رجلًا ذهب يتتبع في البلد حمامَ عبادِ الله ويرميهم يحل ولَّا ما يحل؟
طالب: ما يحل.
طالب آخر: يحل مع الإثم.
الشيخ: يحل مع الإثم؛ يحل من حيث الحكم العام، لكن حرام عليه ذلك، إلا على القول الثاني في المسألة في مسألة الذبح فهو يجري هنا.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (كتاب الأيمان) (الأيمان) جمع (يمين)؛ وهو القَسَم، والقَسَم: تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّمٍ على صفة مخصوصة.
ووجه كونه تأكيدًا كأن الحالف يقول: إنه بقدر تعظيمي لهذا المحلوف به أؤكد لك هذا الشيء (... ).
ما تقولون في هذا؟ ما حكم الصيد بالكلب الأسود البهيم؟
طالب: فيه خلاف.
الشيخ: نحن ما ذكرنا اشتراط أن يكون غير أسود؛ ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة؛ فمنهم من قال: لا يحل؛ لأن الكلب الأسود شيطان، ومنهم من قال: يحل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4].
وقالوا أيضًا -فَرْقٌ- بأن الأسود لا يحل اقتناؤه، وإذا كان لا يحل اقتناؤه فلا ينبغي أن يرخص لصاحبه بأكل صيده، وهذا هو الأقرب.
(... ) ما يحل هذا، وأيش تقولون في هذا؟
طلبة: ما يحل.
الشيخ: ما يحل، الظاهر.
طالب: إلا إذا كان قد أطلقه يا شيخ.
الشيخ: لا، ولو أطلقه؛ لأنه ما صاده.
طالب: هو قطعًا من دفاع الكلب يعني.
الشيخ: إي نعم، لا ما يصح، نعم لو صدمه صدمًا، ثم أمسكه وجاء به ميتًا فهذا يحل.
طالب: ولو خنقه يا شيخ؟
الشيخ: كيف خنقه؟
الطالب: خنقه (... ) الكلب.
الشيخ: إي، يعني هل يشترط أن يجرحه ولَّا لا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: الصحيح أنه ليس بشرط، وأنه إذا خنقه يحل.
(... ) لا، ذكرت الدليل والتعليل.
طالب: التعليل فقط يا شيخ.
الشيخ: طيب، من يذكر التعليل؟ (... )
«إِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ» (13).
طالب: ما ذكرته.
الشيخ: ما ذكرته؟ الآن نقوله، إذا كنت ما ذكرته فأنا ناسٍ.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، إذا تغير فهو يكره كراهة من جهة تغيره لا من جهة أنه حرام.
إذن نقول: إذا غاب ووجدته ميتًا ولم أجد إلا أثر سهمي فهو حلال، لماذا؟ التعليل واضح؛ إحالة للحكم على السبب الظاهر، كذا ولَّا لا؟ والأصل عدم وجود سبب آخر يموت به، هذا الأصل.
قد يقول قائل: لعله مات من العطش، لعله مات من الجوع؟
نقول: الحمد لله، ما دام الرسول يقول: «إِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ»، فهذا من نعمة الله عز وجل.
طالب: (... ).
الشيخ: الحديث عام، ولعل هذا من التيسير؛ لأنه حتى لو كانت غير مميتة ومات بها ولو أبطأت فهو لأنه ما ينفع أحد يذكيه، فيكون هذا من باب الترخيص.
طالب: الحديث أيش نصه؟
الشيخ: الحديث يقول عليه الصلاة والسلام: «إِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ».
يقول: الصيد في الوقت الذي تمنع الحكومة من الاصطياد فيه هل يحل أو لا يحل؟
طالب: ينبني على الخلاف.
الشيخ: الظاهر أنه ينبني على الخلاف، نعم، لكن هل يحل أن يصيد، ما هو بحل الصيد، ولَّا ما يحل لنا صيد؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا يحل؛ لأنه يجب علينا طاعة ولي الأمر إلا في المعصية.
(كِتَابُ الأَيْمَان)
واليمينُ التي تَجِبُ بها الكَفَّارَةُ إذا حَنِثَ هي اليمينُ باللهِ، أو صِفةٍ من صفاتِه، أو بالقرآنِ أو بالمصحَفِ، والحَلِفُ بغيرِ اللهِ مُحَرَّمٌ، ولا تَجِبُ به كَفَّارَةٌ.
و(يُشْتَرَطُ) لوُجوبِ الكَفَّارَةِ ثلاثةُ شروطٍ:
(الأَوَّلُ) أن تكونَ اليمينُ مُنعقِدَةً، وهي التي قُصِدَ عَقْدُها على مُستقبَلٍ مُمْكِنٍ،
مدخل
الشيخ: قال المؤلف رحمه الله تعالى: (كِتَابُ الأَيْمَان)، الأَيمان: جمع يمين، وهو القَسَم والحَلِف.
واعلم أن اليمين ينقسم إلى أقسام؛ فقد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًّا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون محرَّمًا، وقد يكون مباحًا، والأصل فيه أنَّ ترك اليمين أَوْلَى، لكن ينقسم إلى هذه الأقسام الخمسة.
وتعريفه -أي اليمين- تأكيد الشيء بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ بصيغة مخصوصة، ووجه كونه تأكيدًا هو أن هذا الحالف كأنه يقول: بمقدار ما في نفسي من تعظيم هذا المحلوف به أنا أؤكد لك هذا الشيء.
فلهذا نقول في التعريف ما أشرتُ إليه: تأكيد الشيء بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ بصيغة مخصوصة، يعني لا بكل صيغة، فلو قلت مثلًا: الله أكبر قَدِم زيدٌ، فقد قَرَنْتَهُ بذِكْرِ مُعَظَّمٍ لكن ليس بصيغة القَسَم، فلا يكون قَسَمًا.
حروف القَسَم ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة، والمشهور منها ثلاثة: الواو، والباء، والتاء، والأم هي الباء، ولهذا تدخل على الْمُقْسَم به مقرُونةً بالفعل، أو ما ينوب منابَه، ومُفْرَدَة، وتدخل على الْمُقْسَم به ظاهرًا ومُضمَرًا، وتدخل كذلك على كل اسم من أسماء الله، أو على كل محلوف به.
مرة ثانية نقول: الباء تدخل على الْمُقْسَم به مع ذكر فِعْل القَسَم أو ما ينوب منابه، وعَدَمِه، وعلى الْمُقْسَم به، سواءٌ كان اسمًا ظاهرًا أو مُضْمَرًا.
ثالثًا: وتدخل على جميع الأسماء، فتقول مثلًا: أُقْسِم بالله على كذا وكذا، هذه ذُكِرَتْ مع فِعْل أيش؟
طالب: القَسَم.
الشيخ: مع فِعْل القَسَم، ودخلتْ على اسم ظاهر، وتقول: بالله لأفعلن، ذُكِرَتْ مع حَذْف فِعْل القَسَم، ودخلتْ على أيش؟
طلبة: اسم ظاهر.
الشيخ: اسم ظاهر.
وتقول: أحْلِف به اللهُ ربي، فدخلتْ على اسم مُضْمَر مع وجود فِعْل القَسَم، وتقول: به الله لأفعلنَّ كذا، دخلتْ (... ) مُضْمَرٍ مع حذف فِعْل القَسَم، فهي إذن أوسع أدوات القَسَم، وتدخل على كل محلوف به، سواءٌ كان اسم (الله)، أو (الرحمن)، أو (العزيز)، أو صفة من صفاته، أو بأي شيء.
(الواو) أكثر استعمالًا منها، ولكنها لا تَقْتَرِن مع فِعْل القَسَم، ولا تدخل إلَّا على الاسم الظاهر فقط، وتدخل على كل اسم مما يُحْلَف به، تقول: والله لأفعلن، والرحمن لأفعلن، كل اسم ظاهر، لكن يأتي معها فِعْل القَسَم ولَّا لا؟
طلبة: ما يأتي.
الشيخ: ما يأتي، فلا تقول: حلفتُ والله لأفعلن، تدخل على الضمير ولَّا لا؟ ما تدخل، ما تدخل إلَّا على الاسم الظاهر، إذن هي أَضْيَق من الباء ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أَضْيَق من جهتين؛ أنه لا يُذْكَر معها فِعْل القَسَم، وأنها لا تدخل..
طلبة: إلَّا على اسم ظاهر.
الشيخ: إلَّا على الاسم، الظاهر ما تدخل على الضمير.
الثالث: التاء؛ التاء لا تدخل إلَّا على لفظ الجلالة فقط، ما تدخل على غيره عند الفقهاء، وقال ابن مالك: والتَّاءُ لله وَرَبّ، فجعلها تدخل على (الله).
طلبة: وعلى (رب).
الشيخ: وعلى (رب)، قال الله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: 57]، ولا تقترن بفِعْل القَسَم، وإذا قلنا: لا تدخل إلَّا على الله، أو على (الله) و (رب)، فمعناه أنها ما تدخل على الضمير، ولَّا لا؟ ولا على بقية الأسماء، إذن هي أَضْيَق حروف القسم؛ لأنها لا يقترن بها فِعْل القسم، ولا يُحْلَف بها إلَّا باسم (الله) أو (رب)، لو قلت: تالرحمنِ، لم يكن قَسَمًا؛ لأنها ما تدخل على الرحمن، فهي صيغة غير صحيحة.
بقي عندنا (هاء)، فإنه يُقْسَم بها أحيانًا، مثل: لا هاللهِ لأفعلن، لا هالله لا أفعل كذا وكذا.
والخامس: الهمزة، آللهِ، وهذه ما تدخل إلَّا على اسم الجلالة فقط، الهمزة الممدودة، وكذلك (هاء).
فهذه حروف القَسَم.
نرجع مرة ثانية، إذن عَرَّفْنا الآن القَسَم ما هو؟
طلبة: توكيد الشيء.
الشيخ: توكيد الشيء.
طلبة: بذكر معَظَّم.
الشيخ: بذكر مُعَظَّم بصيغة مخصوصة، حروفه: الباء..
طلبة: و (الواو).
الشيخ: و (الواو).
طلبة: و (التاء).
الشيخ: و (التاء).
طلبة: و (الهاء).
الشيخ: و (الهاء).
طلبة: و (الهمزة).
الشيخ: و (الهمزة).
(الباء) قلتُ: هي أم الباب؛ لأنها أعَمُّهُنَّ وأشمَلُهُن، ويليها؟
طلبة: (الواو).
الشيخ: (الواو)، ثم..
طلبة: (التاء).
الشيخ: (التاء)، ثم (هاء) و (الهمزة).
أما من جهة حُكْم اليمين، هل ينبغي للإنسان كلما ذكر شيئًا حَلَف عليه، أو ينبغي ألَّا يُكْثِر اليمين؟
نقول: الأصل أنه لا ينبغي إكثار اليمين؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89]، قال بعض العلماء في تفسيرها: أي: لا تُكثِروا الأَيْمَان، ولا شك أن هذا أَوْلَى وأَسْلَم للإنسان، وأَبْرأ لذمته ألَّا يحلف، ولكن مع ذلك قد تكون اليمين حرامًا، وواجبة، ومكروهة، ومستحبة، مباحة هي الأول.
تكون واجبة إذا كان المقصود بها إثباتَ الحق، فإنه يجب عليك أن تُقْسِم إذا كان يتوقف إثبات الحق على اليمين، ولهذا أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يُقْسِم في ثلاثة أمور:
أن يُقْسِم على أن البعث حق، وعلى أن القرآن حق، وعلى أن الساعة ستأتي.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: 53]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: 3]، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7]، فإذا كان يتوقف إثبات الحق وطُمَأْنِينة المخاطَب على اليمين، فاليمين واجبة.
وكذلك تجب اليمين في دعوًى عند الحاكم يُدْفَع بها الظلم، مثل: لو ادُّعِيَ على مال يتيم، ادَّعَى رجلٌ على مال يتيم دعوى باطلة، وتَوَجَّه اليمينُ على وليه، وقلنا بأنه يحلِف فهنا تجب اليمين دَفْعًا للظلم الذي يحصُل على مال هذا اليتيم.
تكون محرَّمة إذا كانت على فعْل محرَّم، سواءٌ كان ذلك لفعل المحرَّم أو لترك الواجب، قال رجل: والله لا أصلي مع الجماعة، حرام؟ إي نعم، هذه حرام ما يجوز، كيف تحلف على شيء محرَّم؟ ! قال: والله لأشربن الخمر، والله ليشربن الخمر، ها؟
طلبة: محرَّم.
الشيخ: هذا حرام، وتكون مستحبة إذا توقف عليها فعل مستحب، وتكون مكروهة إذا توقف عليها فعل مكروه.
والأصل كما قلنا أولًا أنه لا ينبغي للإنسان أن يحلف إلَّا لسبب يدعو لذلك.
اليمين قال المؤلف رحمه الله: (اليَمِينُ الَّتِي تَجِبُ بِهَا الكَفَّارَةُ إِذَا حَنِثَ فِيهَا هِيَ اليَمِينُ بِاللهِ)، أولًا كلمة (كَفَّارَةُ) مأخوذة من الكَفْر، وهو السَّتْر، والكفارة تدل على أن هناك ذَنْبًا يحتاج إلى تكفير، وذلك الذَّنْب هو انتهاكُ حرمةِ الْمُقْسَم به بالحِنْث؛ لأنك إذا قلت: والله لا أفعل كذا، فمعناه: بحق حرمة هذا المحلوف به وتعظيمه لا أفعل هذا الشيء، فإذا فعلتَه ففيه انتهاك، ولهذا سمَّاها الله تعالى: ﴿كَفَّارَةُ﴾ [المائدة: 89].
لكن من رحمة الله تعالى بعباده أنْ رَخَّص لهم في الحِنْث تخفيفًا عليهم، رخَّص لهم في ذلك من باب التخفيف، وإلَّا فإنَّ الأصل وجوب البِرِّ باليمين، ولهذا قال: (إِذَا حَنِثَ)، والحِنْث معناه: الإثم، كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 46]، إذا حَنِث فيها، ما معنى: حَنِث؟ أي: فَعَل ما حَلَف على تركه، أو تَرَك ما حَلَف على فِعْلِه، قال رجل: والله لا أزور فلانًا، فزاره، يسمى هذا؟
طلبة: حِنْث.
الشيخ: حِنْثًا، ماذا فعل؟ فَعَل ما حَلَف..
الطلبة: على تركه.
الشيخ: على تركه، وقال: والله لأزورنَّ فلانًا اليوم، فغابت الشمس ولم يَزُرْه، هذا حَنِث؟
طلبة: نعم، حَنِث.
الشيخ: نوع الحِنْث؟ تَرَك ما حَلَف..
الطلبة: على فِعْله.
الشيخ: على فِعْله.
إذا كان كذلك يقول: (اليَمِينُ الَّتِي تَجِبُ بِهَا الكَفَّارَةُ هِيَ اليَمِينُ بِاللهِ)، يعني (بِاللهِ) أي: بهذا اللفظ، ويَحْتَمِل أن يُراد (بالله) أي: بأي اسم من أسمائه، وهذا أحسن؛ لأنه أشملَ وأعَمّ.
مثال ذلك: واللهِ لأفعلن، والرحمنِ لأفعلن، وربِ العالمين لأفعلن، والخلَّاقِ العليمِ لأفعلن، والمنَّانِ لأفعلن، يَصْلُح ولَّا ما يَصْلح؟ كلها أَيْمَان؛ لأنني حلفت باسم من أسماء الله عزَّ وجل.
ثانيًا: قال: (أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ)، سواءٌ كانت هذه الصفة خبرية، أو ذاتيةً معنوية، أو فعلية، لكنها صفة من صفاته، كوجه الله: أقسمتُ قلتُ: ووجه الله، أو أُقْسِم بوجه الله لأفعلن، يصح؛ لأن الوجه صفة من صفاته، أُقْسِم بعظمة الله لأفعلن كذا، يصح، أُقسم بمجيء الله للفصل بين عباده لأعْدِلَنَّ في القضاء بينكما، يصح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنها؟
طلبة: صفة.
الشيخ: صفة، ما نوع هذه الصفة؟
طلبة: فِعْلية.
الشيخ: فِعْلية، فهمت؟
وينبغي أن يكون القَسَم باسم مناسب للْمُقْسَم عليه، ولهذا تجدون الإقسامات الموجودة في القرآن تجدون بين الْمُقْسَم به وعليه ارتباطًا من حيث المعنى، ومن أراد الاستزادة من ذلك فعليه مراجعة كتاب ابن القيم رحمه الله: التبيان في أقْسام القرآن، أفهمتم الآن؟
إذن القَسَم باسم الله، أو بصفة من صفاته الفِعْلية، أو الذاتية المعنوية، أو الذاتية الخبرية، مِثْل -على الترتيب، نشر مُشَوَّش، تعرفون نشر مُشَوَّش؟ - مِثْل..
طالب: الوجه.
الشيخ: مِثْل الوجه، ها؟
طالب: والعظمة.
الشيخ: نعم، والعظمة.
طالب: والنزول.
الشيخ: والنزول، أو الاستواء.
طالب: والحياة.
الشيخ: والحياة من الذاتية المعنوية.
يقول المؤلف: (أَوْ بِالقُرْآنِ، أَوْ بِالْمُصْحَفِ)، الحَلِف بالقرآن تنعقد به اليمين، ليش؟
طلبة: صفة من الصفات.
الشيخ: صفة من صفات الله، ليش؟
طلبة: كلام الله.
الشيخ: لأنه كلام الله، وكلام الله تعالى صفة من صفاته، لكن نصَّ على القرآن؛ لأن القرآن عند الجَهْمِيَّة مخلوق من المخلوقات، وكذلك عند الأشْعريَّة هو مخلوق من المخلوقات، عرفتم؟ الأشاعرة قالوا قولًا لا يقبله العقل في مسألة الكلام، قالوا: كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وما يُسْمَع فهو حروف وأصوات مخلوقة خلقها الله عز وجل لتُعَبِّر عمَّا في نفسه، وعلى زعمهم يكون القرآن؟
طلبة: مخلوق.
الشيخ: مخلوقًا، وهذا هو السر في أنَّ المؤلف رحمه الله نصَّ على القرآن، وإلَّا فقد يقول قائل: لا حاجة للنص عليه؛ لأنه من صفات الله، لكن نقول: لأن بعض أهل البدع يقولون بأن القرآن مخلوق، أما نحن فنقول: القرآن كلام الله غير مخلوق.
(أَوْ بِالْمُصْحَفِ)، أَحْلِف بالمصحف؟ المصحف أوراق، حبر، إذن الحالف بالمصحف ما يقصد الأوراق هذه، وإلَّا كان يحلف بدفتر فيه أكثر من أوراق المصحف، لكن يقصد أيش؟ الكلام الذي في المصحف، وعليه فإذا قال قائل: إذن يجب أن نُقَيِّد (أَوْ بِالْمُصْحَفِ) ناويًا ما فيه؟
فالجواب: لا حاجة إلى هذا القَيْد؛ لأنه هو المتبادِر، أنَّ الحالف بالمصحف ما يقصد الأوراق والكتابة، وإنما يقصد ما تضمنته هذه الأوراق، وهو كلام الله عز وجل.
القَسَم بآيات الله؟ فيه التفصيل، إن أراد بالآيات الآيات الكونية فإنه لا يجوز؛ لأنها مخلوقة، الشمس من آيات الله، القمر من آيات الله، الليل من آيات الله، النهار من آيات الله، أنفسنا نحن وما تشتمل عليه من آيات الله، فإذا أراد بآيات الله آياته الكونية حَرُمَ اليمين، حَرُمَ القَسَم بها، وإن أراد بها الآيات الشرعية التي هي وَحْيُه الْمُنَزَّل على رُسُلِه فهي كلامه، والحَلِف بها؟
طلبة: جائز.
الشيخ: جائز؛ لأنها من صفاته.
ماذا يريد العامَّة الآن الذين نسمع منهم كثيرًا يقولون: قَسَمًا بآيات الله؟ الظاهر لي -والله أعلم- أنهم يريدون.
طلبة: القرآن.
الشيخ: الآيات الشرعية، القرآن، وعلى هذا فتكون اليمين منعقِدة.
قال المؤلف رحمه الله: (وَالحَلِفُ بِغَيْرِ اللهِ مُحَرَّمٌ)، (غَيْرِ) مضاف إلى (الله)، فيشمل كل مَنْ عدا الله، حتى وإن كان مَلَكًا مُقَرَّبًا أو نبيًّا مُرْسَلًا، ولهذا نقول: الحلف برسول الله صلى الله عليه وسلم حرام ولَّا جائز؟
طلبة: حرام.
الشيخ: حرام، لا شك، الحَلِف بجبريل، وميكائيل، وإسرافيل؟
طلبة: حرام.
الشيخ: حرام؛ لأنه بغير الله، فالحَلِف بغير الله أيًّا كان ذلك الغير محرَّم، أي: ممنوع شرعًا، الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»، اللام في قوله: «لِيَصْمُتْ» فعل أمر للوجوب، يعني: أو ليصمُت عن الحَلِف ولا يحلف، وفي لفظ آخر: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ»، «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» (1).
فإن قلت: الحَلِف بغير الله شرك، والشرك ينبغي أن يُعَبِّر به المؤلف؛ لأنه أعظم وقعًا في النفوس من كلمة؟
طلبة: محرَّم.
الشيخ: محرَّم، صح؟
فالجواب: المؤلف رحمه الله يؤلف في الفقه، ليس يؤلف في التوحيد والعقائد التي يقال فيها: هذا شرك، وهذا توحيد، وإنما يؤلف فيما يجوز وما لا يجوز، أما نوع هذا المحرَّم فالمؤلف لا يريد أن يتكلم فيه؛ لأنَّ محل ذلك كتب العقائد.
ولكن نقول نحن تكميلًا للفائدة: الَحلِف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكبيرة، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: لأَنْ أحلف بالله كاذبًا أحبُّ إليَّ من أن أحلف بغيره صادقًا (2)، قال شيخ الإسلام: لأن سيئة الشرك وإن صَغُرْ أعظم من سيئة المعصية وإن كبرت، وإلَّا فإن الحَلِف بالله كاذبًا محرَّم بلا شك، وهل هو اليمين الغموس أو غيره سيأتي إن شاء الله بيانه، المهم الحَلِف بغير الله محرَّم.
وهل تجب به الكفارة؟
قال المؤلف: (وَلَا تَجِبُ بِهِ الكَفَّارَةٌ)، ليش؟ تخفيفًا عليه، ولَّا لأنَّ يمينه ليست شرعية؟
طلبة: اليمين غير شرعية.
الشيخ: لأن يمينه ليست شرعية، وما ليس بشرعي لا يترتب عليه أثره، «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (3)، فلا يترتب عليه أثره؛ لأنه غير شرعي، وكل ما خالف الشرع فإنه لا أثر له، لكنه قد نقول: هو حرام، أو شرك، أو ما أشبه ذلك.
فإن قلت: الحَلِف بغير الله محرَّم وشرك، ولكن فَعَلَهُ أتقى الناس لله، محمد رسول الله، فإنه جاءه أعرابي وسأله عن شعائر الإسلام فأخبره، ثم قال الرجل: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، أقسم بأنه لا يزيد ولا ينقص، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ» (4)، فكيف نقول: إنَّ الحَلِف بغير الله محرَّم أو شرك، والشرك ممتنع على الأنبياء؛ لأنه ينافي دعوتهم تمامًا؛ إذ إنهم يدْعُون إلى أي شيء؟
طلبة: التوحيد.
الشيخ: إلى التوحيد، والشرك ينافيه ولو كان صغيرًا، إن كان كبيرًا فهو ينافي أصله، وإن كان صغيرًا ينافي كماله، كيف الرسول يحلِف بأَبِيه، «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ»؟
فالجواب: أنَّ من العلماء من قال: إنَّ هذا الحديث محرَّف، وأن أصله: أفلح والله، لكن لَمَّا كانوا في الأول لا يُنقِّطون فإن (أبيه) فيها مثل (الله)، كم فيها من نَبْرة؟ ولَّا نبرتين مع الهاء.
طلبة: نبرتين مع الهاء.
الشيخ: نبرتين مع الهاء، فهي مثل (الله)، لكن قَصُرَت النبرتان، وحُذِف الإِعجام فصارت؟
طلبة: وأبيه.
الشيخ: وأبيه، وهذا غير صحيح، لماذا؟ لأن الأصل عدم التحريف؛ ولأن هذا يفتح علينا بابًا خطيرًا بالنسبة للرُّواة؛ إذ كل شيء لا تقبله نفوسنا نقول: هذا محرَّف، هذا فتح باب شر، ولا يستقيم هذا.
ثانيًا: قالوا: إنَّ هذا قبل النهي عن الحَلِف بالآباء، وأنه كان في الأول كثيرًا شائعًا، والناسُ قد أَلِفُوه، فتأخر النهي عنه، كما تأخر النهي عن الخمر، فإنها لم تحرَّم إلَّا في السنة السادسة من الهجرة، وكذلك الحجاب -حجاب النساء- ما وجب إلَّا في السنة السادسة من الهجرة؛ لأنَّ الشيء المألوف يصعُب على النفس أَنْ تَدَعَهُ في أول الأمر.