فالذي تبيَّنَ من السُّنة أن الشرط هو أنْ يأكل بدون حَمْل، وألا يرمي الشجر؛ ألا يرميها رميًا، بل يأخذ بيده أو إذا كان قد تساقطَ في الأرض، وأيضًا يُشترط أنْ ينادي صاحبه ثلاثًا، إنْ أجابه استأذنَ، وإلَّا أكَلَ، هذا الذي دلَّ عليه الحديث، وهو مما ذهبَ إليه الإمامُ أحمد رحمه الله.
وذهب الجمهور إلى أنَّ ذلك ليس بجائز، وحملوا الأحاديث على أول الإسلام أو أول الهجرة حين كان الناسُ فقراء محتاجين، وأمَّا مع عدم الحاجة فلا يجوز، ولكن الصحيح أنه عامٌّ (... ).
فإذا قلت: هل لهذا القول حظٌّ من النظر بعد أنْ كان له حظٌّ من الأثر؟
فالجواب: نعم، وهو أنَّ هذا مما جرت العادةُ بالتسامح فيه، ثم إن ظاهر كلام المؤلف أنه لا فرقَ بين كَوْن الإنسانِ ابنَ سبيلٍ أو كان مقيمًا، حتى في الحوائط التي في البلد لا بأس إذا مررْتَ أن تأخذ.
ولكنْ جرت العادةُ عندنا هنا في القصيم أنهم قد يبيعون ثمرةَ النخلِ على رجُلٍ آخَر، (... ) هل يبقى الحكم ثابتًا حتى ولو كان قد اشتراها رجُلٌ آخَر؟ أو نقول: لَمَّا اشتراها مَلَكها، والسُّنة إنما جاءت بالنسبة لصاحب الحائط؟ هذا هو الأقرب، وأنَّ اشتراء الرجُل لها يكون بمنزلة حيازة صاحب الحائط لها، فإذا علمْنا أن هذا النخل قد بِيع ثمرُه فإننا لا نأكل منه.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وتجبُ ضِيافةُ المسلمِ المجتازِ به في القُرى يومًا وليلةً).
(تجب) هذا بيانُ أحكامِ الضيافة، والضيافة: أنْ يتلقَّى الإنسانُ مَن قدم إليه فيُكرمه، ويُنزله بيتَه، ويقدِّم له الأكل، هذه الضيافة، وهي من محاسن الدين الإسلامي، وقد سَبَقَنا إليها إبراهيم عليه الصلاة والسلام كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: 24] ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾: الذين أكرمَهم إبراهيم، ولا يمتنع أن يقال أيضًا: والذين أكرمَهم الله عز وجل بكونهم ملائكة.
فحُكم الضيافة واجب، وإكرام الضيفِ أيضًا واجب، وهو أمرٌ زائدٌ على مطْلَق الضيافة؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» (7)؛ أي: مَن كان يؤمن إيمانًا كاملًا فلْيُكرِم ضيفه.
وإكرام الضيفِ بما جرتْ به العادةُ يختلف باختلاف الناس، الضيف أو الْمُضِيف؟
طلبة: الْمُضِيف.
الشيخ: أو الجميع؟
الطلبة: الجميع.
الشيخ: الجميع في الواقع، أمَّا الْمُضيف فلقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7] فإذا نزلَ شخصٌ ضيفًا على رجُلٍ غنِيٍّ فإنه يُكرمه بما وسَّع الله عليه، وإذا نزلَ بإنسانٍ فقيرٍ فيُكرمه بما قدر عليه؛ قد ينزل هذا الرجل على شخصٍ غنيٍّ ويكون إكرامُه بأن يذبح له ذبيحةً ويدعو مَنْ حوله، وقد ينزل على آخَر ويكون إكرامُه بأنْ يقدِّم له صحنًا من التمر، ليش؟ لأن هذا كالأول عنده مال وميسِّر الله عليه، وهذا فقير.
كذلك باعتبار الضيف؛ فالضيوف ليسوا على حدٍّ سواء؛ ينزل بك ضيفٌ صاحبٌ لك ليس بينك وبينه شيءٌ من التكلُّف تُكرِمه، ينزل عليك ضيفٌ كبيرٌ عند الناس في ماله، في عِلْمه، في سلطانه، تُكرمه بما يليق به، وينزل شخصٌ من سِطَة الناس تُكرِمه أيضًا بما يليق به.
إذَنْ فالإكرام يختلف بحسب حال الْمُضِيف والضيف.
واضح؟
ومن الإكرام أيضًا ألَّا تقدِّر عليه قِراهُ، كما فَعَل إبراهيم؛ إبراهيمُ لما نزلَ به الملائكة راغ إلى أهله، قال العلماء: انطلقَ مسرعًا بِخُفية حتى لا يقولوا شيئًا؛ لأنه جرت العادةُ أن الضيف إذا أراد الْمُضيف أن يُكرمه قام يحلف: واللهِ لا تفعل كذا، لا تفعل كذا.
فإبراهيم ذهبَ مسرعًا بِخُفية وجاء بعجلٍ حنيذٍ، حنيذ سمين أيضًا.
بعضُ الناسِ يُكرم، ثم إذا قدم الغداء: تفضَّل والله يحيك، واللهِ ما وجدْنا ها اللحم هذا إلا اليوم، الكيلو بعشرة، اللحم غالٍ اليوم، لكنْ أنتم أهلٌ لذلك.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، يقول: كثِّروا، هل هذا فيه مِنَّة ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: فيه مِنَّة.
أو يقول: واللهِ أنا ما لقيت ها الشاة هذه إلا بمئتي ريال، دوَّرت ذبَّاح (... ) أذبحها بخمسين ريالًا.
وما أشبه ذلك؛ هذا لا يجوز، ولهذا قال العلماء: يُكرَه تقويمُ الطعام أمامَ الضيف؛ يقول: اشتريت هذا بكذا واشتريت هذا بكذا؛ لأنه مهما كان الأمر سوف ينكسر خاطره، ولا يمكن أن يخرج وهو مبسوط من هذا العمل.
إذَن الإكرام ويش قلنا؟ يكون بحسب حال الضيف والْمُضيف، ومن الإكرام ألَّا تُقوِّم الطعام أمام الضيف؛ لأن ذلك يكسر خاطره ويكون فيه مِنَّة عليه.
المؤلف اشترط؛ قال: (ضيافة المسلم)، فخرج به الكافِر، وهو عامٌّ للكافر الذمِّي والحربي والمستأمِن والْمُعاهَد، وهذا هو المشهور من المذهب؛ حيث اشترطوا أنْ يكون الضيف مسلمًا.
ولكن الصحيح أنه يعُمُّ المسلمَ وغيرَ المسلم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» (7)، ولم يقيِّده بأخيه؛ ما قال: أخاه.
«فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ»، وهو عامٌّ، فإذا نزل بك الذمِّي، وجب عليك أن تُكرمه بضيافته.
قال: (المجتاز به).
(المجتاز) يعني الذي مرَّ وهو مسافر.
طالب: عابر السبيل.
الشيخ: لا، (المجتاز) يعني الذي مرَّ؛ يعني: مرَّ بك وهو مسافر، وأمَّا المقيم فإنه ليس له حقُّ ضيافة؛ لو كان المقيم له حقُّ الضيافة لكان ما أكثرَ المقيمين الذين يقرعون الأبواب، يقول: السلام عليكم، أنا ضيفك اليوم.
نقول: لا بدَّ أن يكون مجتازًا؛ أي: مسافرًا ومارًّا، حتى لو كان مسافرًا مقيمًا يومين أو ثلاثة أو أكثر أو أربعة فلا حقَّ له في ذلك، لا بدَّ أن يكون مجتازًا.
ويقول: (في القُرى) دون الأمصار.
القرى: البلاد الصغيرة، والأمصار: البلاد الكبيرة.
لماذا؟
قالوا: لأن القرى هي مظِنَّة الحاجة، والأمصار بلادٌ كبيرةٌ فيها مطاعم وفيها فنادق وفيها أشياء يستغني بها الإنسان عن الضيافة، وهذا أيضًا خلاف القولِ الصحيح؛ لأن الحديث عامٌّ، وكم مِن إنسان يأتي إلى الأمصار فيها الفنادق وفيها المطاعم، فيها كل شيء، لكنْ يربأ بنفسه أنْ يذهب إليها، يكرهها، فينزل ضيفًا على صديقٍ أو على إنسانٍ معروف، فنقول: إذا نزل به قال: واللهِ روح شوف، البلاد كلُّها فنادق، كلُّها مطاعم! (... )، فإذا نزل بك ضيفٌ ولو في الأمصار فالصحيح الوجوب.
أيضًا يقول الشارح: (ولا يجب أنْ يُنزله ببيته)، ما يجب أن ينزله ببيته، يعني لو نزل بك الضيف، تقول: الله يحييك، إذا جاءت الساعة واحدة ونصف ائت للغداء، ولو صادفت الساعة ثمان ائت للعشاء، ولو صادفت الساعة خمس ائت للفطور.
- طيب أنا أبقى بالبيت وأنام وأستريح؟
- قال: لا، ما يمكن.
- أين أذهب؟
- بكيفك.
حتى في القرى ما يجب أن يُنزله ببيته، نعم، ويش يقول؟ عندنا مَثَل عامِّي يقول: المسجد أدفأ لك.
إذا قال: ما يخالف، المساجد الآن تُغلق بالليل، أين أذهب؟ على كلِّ حال، الصحيح أنه يجب أن يُنزله في بيته؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطانا كلمةً جامعةً مانعةً واضحةً وهي: «فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» (7)، وليس من الإكرام أنه إذا تعشَّى أو تغدَّى تقول له: يلَّا اطلع.
هذا ليس من الإكرام.
إذَن نقول: يجب إكرامُه بما جرتْ به العادة في طعامه وشرابه ومنامه، والحديث عامٌّ.
مناسبة ذِكْر الضيافة في كتاب الأطعمة، ويش المناسبة؟ هذا من باب الاستطراد: لما ذَكَر ما حُرِّم لحقِّ الله من الحيوانات السابقة وغيرها، ثم ذَكَر ما يتعلَّق باحترام مال المسلم، ذَكَر أيضًا الضيافة، فهذا وجْه المناسبة.
والحاصل أنَّ الضيافة واجبة بشروط: أن يكون الضيف مسلمًا.
والشرط الثاني: أن يكون مسافرًا.
والشرط الثالث: أن يكون في القُرى.
والرابع: المدة.
نسيناها، وهي يومٌ وليلةٌ؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ».
قالوا: وما جائزتُه يا رسول الله؟ قال: «يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ».
أو: «يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ» (7).
فالشروط إذَن أربعة.
بعد اليومِ والليلة إلى ثلاثةٍ صدقةٌ؛ يعني: إكرامُه من يوم وليلة إلى ثلاثة صدقةٌ، وما عدا ذلك فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ فَيُحْرِجَهُ» (8). شوف كلام الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَحِلُّ لَهُ» للضيف «أَنْ يَثْوِيَ» أي: يبقى «فَيُحْرِجَهُ».
إذَن الضيفُ إذا بَقِيَ ثلاثة أيامٍ يُغادر ولا يبقى، علَّل الرسولُ عليه الصلاة والسلام قال: «فَيُحْرِجَهُ»، فعُلِم من هذا التعليل حِكمةُ الحكْم وهو أنه لا يَثْوي عنده، وأنه إذا كان لا يُحرجه فلا بأس؛ لأنه فيه بعض الناس لو يبقى عندك أشهُرًا فأنت مسرورٌ منه، ولا سِيَّما إذا كان ضيفًا على العُزَّاب، العُزَّاب يحبون أنْ ينزل عندهم الضيف لأنه يؤنسهم، وليس هناك مَحْرم في البيت، مَحْرم يعني: حريم يخجلْن ويتعبْن من الضيف.
فالمهمُّ أنَّ قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «فَيُحْرِجَهُ» يفيد أنه إذا لم يكنْ فيه إحراجٌ فلا بأس أن يبقى الضيف ولو فوق ثلاثة أيام.
انتهى الباب.
نحن ذكرْنا أن المذهب في مسألة البيت نقول: المذهب أنَّه لا يجب إنزاله في البيت، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لكن بشرط أنْ يجد مأوى، أمَّا إذا لم يجد مأوى فلا بدَّ من إنزاله بالبيت؛ لو فرضْنا في أيام الشتاء ما يجد مأوى فيجب أن ينزل بالبيت.
والصحيح أنه يجب إنزاله بالبيت ولو وجد مأوى، حتى لو كان فيه مساجد مفتوحة فإنه يجب إنزاله بالبيت؛ لأن هذا من إكرامه.
طالب: (... ) هذا، هذا الشرط حتى على المذهب؟
الشيخ: أنه ما يوجد مأوى؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه حينئذٍ يكون فرض كفاية، إيواؤه الآن فرضُ كفاية لا بدَّ منه.
(... )
بحائط ولا ناظر، لكن مكتوب: ممنوع الأكل.
طلبة: (... ).
الشيخ: هذا ما يجوز؛ لأن المراتب في الحقيقة ثلاث: إمَّا أنْ نعرف أنه يرضى وهو قال للناس؛ لأنه فيه ناس -جزاهم الله خيرًا- يقولون: اللي ينزل.. أنا أذكُر واحدًا عندنا يقول: الذي ينزل عندنا في دار (... )، حِظار يستظل الناس فيه، وقال: الذي ينزل في هذا الحِظار فله أن يأكل من النخل؛ هذا واضح أن الأكل جائز.
والثاني بالعكس، كاتبٌ -كما قلت-: ممنوع الأكل.
فهذا لا يُؤكل منه.
والثالث ما ندري عنه، لا فيه رضا ولا مَنْع، فهو جائزٌ بالشروط التي سمعتم؛ الأربعة (... ).
نعم، نخل.
طلبة: (... ).
الشيخ: يجوز أكله؟
طالب: نعم.
طلبة: (... ).
الشيخ: إلا، الأكل جائزٌ، لكنه ما فيه حَمْل (... ).
[باب الذكاة]
تبارك وتعالى: (بَابُ الذَّكَاةِ).
الذَّكاة يعني: الذبح، وأصلُها من الذكاء، وهو الحِدَّة والنفوذ، ووجْه الارتباط بين الذبح وبين ذلك أنَّ الذبح يكون بآلةٍ تكون حادَّةً ونافذةً، ومنه الذكاء؛ لأن الذكيَّ يكون حادَّ الذهن ونافذ البصيرة.
فالذكاة إذَن مأخوذةٌ من الذكاء، وأصله: الحِدَّة والنفوذ.
أمَّا في الشرع فإننا نقول: هو إنهارُ الدم من بهيمةٍ تَحِلُّ، إمَّا في العُنُق وإمَّا في سائر الجسد.
إنهارُ الدمِ من حيوانٍ مأكولٍ إمَّا في العُنُق إنْ كان مقدورًا عليه، أو في أيِّ محلٍّ كان من بَدَنه إن كان غيرَ مقدور عليه.
وحكمه أنه شرطٌ لحِلِّ الحيوان المباح، الذكاةُ شرطٌ لحِلِّ الحيوان المباح، فكلُّ حيوانٍ مباحٍ فإنه لا يحلُّ إلا بذكاة.
وهل يشمل ذلك ما أُبيحَ للضرورة؟ يعني مثلًا لو أنَّ إنسانًا احتاج؛ اضطُرَّ إلى حمارٍ مَثَلًا، فهل لا بدَّ لحِلِّه من الذكاة؟
الجواب: نعم، لا نقول: إن هذا في الأصل حرامٌ فيحِلُّ سواء ذكَّيته أو خنقته أو أصبته في أيِّ موضعٍ من بدنه.
بل نقول: إنه لَمَّا أُبيح للضرورة صار حُكمه حكم ما أُحِلَّ لغير ضرورة.
يقول المؤلف رحمه الله: (لا يُباح شيءٌ من الحيوانِ المقدورِ عليه بغير ذكاة).
(لا يُباح) يعني: لا يحِلُّ.
وقوله: (شيءٌ من الحيوانِ المقدورِ عليه بغير ذكاة).
قوله: (المقدور عليه) فيه نَظَر؛ لأننا ذكرْنا قبل قليلٍ تعريفَ الذكاة الشامل للمقدور عليه والمعجوز عنه، وأنَّ الذكاة إنهارُ الدم من حيوانٍ مأكولٍ، إمَّا في الرقبة، وإمَّا في أيِّ موضعٍ كان من بدنه عند العجز، وحينئذٍ لا نحتاج إلى تقييد ذلك بقولنا: (المقدور عليه)؛ لأن الذكاة تكون حتى في غير المقدور عليه، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في كلام المؤلف وغيره.
يقول: (بغير ذكاةٍ إلا الجراد والسمك).
فإن قلتَ: ما هو الدليل على أنَّه لا يحِلُّ؟
فالدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3]، فاشترط اللهُ الذكاةَ، إذا اشترطَ اللهُ الذكاةَ لحِلِّ هذه التي أصابها سببُ الموت فكذلك غيرُها من باب أَوْلى؛ لأننا نقول: إذا كانت هذه التي أصيبتْ بسبب الموت لا تحِلُّ إلا بذكاةٍ، فالتي لم تُصَبْ من باب أَوْلى؛ لأنه إذا لم يُعْفَ عن الذكاة في هذه التي أُصيبتْ بسبب الموت فألَّا يُعفى عنها فيما سواها من باب أَوْلى، وحينئذٍ لا يحلُّ إلا بذكاة.
والحكمة من ذلك.. يعني نحن الآن عرفْنا الدليل، فما هو التعليل؟
التعليل: ما أجمعَ عليه الأطباء من أنَّ احتقان الدم في الحيوان مُضِرٌّ جدًّا في الصحة، ويسبِّب أمراضًا عسيرة البُرء، وحينئذٍ نعرف حِكْمة الشارع في إيجاب الذكاة.
ولهذا هذه الأشياء شوف: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ هذه الخمس أُصيبتْ بما يُميتُها، يعني ما ماتتْ حتفَ أنْفها، ومع ذلك لم تحلَّ، لماذا؟ لاحتقان الدم فيها.
وما أكله السبع سيأتينا -إنْ شاء الله- بيانُ وجْه عدم حِلِّه؛ لأنه -أي: السبع- ليس أهلًا للذكاة كما سيأتي.
يقول المؤلف رحمه الله: (إلَّا الجراد والسمك وكل ما لا يعيشُ إلَّا في الماء) فهذه تحِلُّ.
(إلَّا الجراد) فيحلُّ بدون ذكاةٍ، مع أن الجراد لا يعيش إلا في البَرِّ لكنه يحلُّ بغير ذكاةٍ، لماذا؟
أولًا: في الدليل قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ»، وهذا يُروى من حديث ابن عمر موقوفًا عليه (9)، ومرفوعًا بسندٍ ضعيف (10)، لكنْ حتى لو كان موقوفًا عليه فله حكمُ الرفع؛ لأن هذه الصيغة من الصحابي يُحكَم لها بالرفع.
أمَّا الحكمة من حِلِّ الجراد فلأنَّ الجراد ليس فيه دمٌ حتى يحتاج إلى إنهاره.
ولَّا فيه دم؟
طالب: فيه دم شوي.
الشيخ: لا، ما فيه دم أبدًا، لا شوي ولا كثير.
نقول: الجراد للنصِّ والتعليل، التعليل ليش؟ لأنه ليس فيها دمٌ يحتاج إلى إنهار، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (11)، وأظنُّه مرَّ علينا في باب الآنية أنَّ بعض العلماء قال: لا بدَّ من أن يموت بسببٍ من الإنسان، وإنه لو مات بدون سببٍ من الإنسان فإنه لا يحلُّ.
لكنه قول ضعيف.
قال: (والسمك) السمك أين يعيش؟
طلبة: في الماء.
الشيخ: يعيش في الماء، وعلى هذا فقول المؤلف: (وكل ما لا يعيش إلَّا في الماء) من باب عطف العامِّ على الخاص، فكل شيء لا يعيش إلا في الماء فإنه يحِلُّ بدون ذكاة.
الدليل من القرآن قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96]، ومن السُّنة ما في حديث أبي عبيدة الطويل؛ الذين بَعَثهم النبيُّ عليه الصلاة والسلام في سَرِيَّةٍ وأعطاهم تمرًا، ونفد التمرُ وجاعوا، حتى قيَّض اللهُ لهم حوتًا كبيرًا يسمى العنبر وجدوه على الساحل، وكان عظيمَ الجسم، حتى إنه ليجلس النَّفَر في قحف عينه فيسعهم من كِبَرِهِ، وحتى إنهم أخذوا ضلعًا من أضلاعه ونصبوه هكذا، ورحلوا أكبرَ جملٍ عندهم فمرَّ من تحت الضلع، فشبعوا وأكلوا، وأتوا بشيءٍ منه إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم (12).
كذلك أيضًا حديث ابن عمر الآنف الذِّكر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، أَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ» (10)، فصار في هذا -في حِلِّ السمكِ والحوتِ بغير ذكاة- دليلٌ من الكتاب ومن السُّنة.
حتى وإنْ كان فيه دم؟
نعم، وإنْ كان فيه دم، ومعلومٌ أنَّ السمك الكبير فيه دم، فإذَنْ ولو كان فيه دم.
فإن قلتَ: لماذا وهو فيه دمٌ محتقِنٌ، وأنت علَّلتَ قبل قليل تحريمَ الميتة وشبهها بأن فيها دمًا محتقِنًا ضارًّا؟
قلنا: إنَّ الضررَ وانتفاءَ الضررِ بيد مَن بيده النفع والضرُّ، وهو الله عز وجل، وإذا أباح اللهُ لعباده مَيْتته فإننا نجزم بأن دمه المحتقِن لا يضرُّ، وهي من حكمة الله عز وجل؛ ذلك لأن الحصول على السمك حتى نذكِّيه أمرٌ متعسِّر أو متعذِّر، فلذلك كان من حكمة الله عز وجل أنْ أباح لعباده هذا السمك بدون ذكاة.
إذَنْ كلُّ حيوانٍ مباحٍ يُشترط لحلِّه أيش؟ الذكاة، إلَّا حيوان البحر والجراد، لو وجدْنا غير الجراد مما أباح اللهُ وليس فيه دمٌ، فحُكمه حكم الجراد.
فيه الآن أشياء نجدها في المزارع شبيهة بالجراد تطير، هذه أيضًا إذا أُخِذ منها شيءٌ وجُمِع منها شيءٌ وأُكِلَ بعد أنْ يُشوى بالنار أو يُغلى بالماء صار حلالًا.
قال: (ويُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ).
ظاهر كلام المؤلف الحصر وأنَّ الشروط أربعة، ولكنْ سيأتينا إن شاء الله تعالى بعد الكلام عليها أنَّ هناك شروطًا أكثر من أربعةٍ تبلغ إلى عشرة تقريبًا.
أولًا: قال المؤلف: (أهليَّةُ الْمُذَكِّي)، وذلك بأنْ يجتمع فيه وصْفانِ: العقل، والدين.
أمَّا العقل فقال: (بأنْ يكون عاقلًا)، والعقل معروف؛ هو ما يعقِل به الإنسانُ الأشياءَ، وضِدُّه: مَن لا عقْلَ معه سواء كان مجنونًا أو مُبَرْسَمًا أو سَكرانًا أو دون التمييز، المهمُّ أنه لا عقْلَ له ولا تمييز، هذا لا تصحُّ ذكاتُه، مَنْ ليس بعاقلٍ لا تصحُّ ذكاتُه.
فلو أنَّ طفلًا دون التمييز أمسك عصفورًا وذبحه وهو لا يدري، ليس عنده تمييزٌ؛ فإن هذا العصفور لا يحلُّ، لماذا؟
طالب: غير عاقل.
الشيخ: غير عاقل.
ولو أنَّ مجنونًا سَطَا على شاةٍ وذبحها برقبتها فإنها لا تحِلُّ؛ لأنه ليس له عَقْلٌ.
لماذا يُشترط العقل؟
قالوا: لأنه لا بدَّ من قَصْد التذكية؛ لأن الله يقول: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3]، والفعل لا بدَّ فيه من قصْدٍ، وغيرُ العاقل ليس له قصْدٌ، والله عز وجل يقول: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، غير العاقل ليس له قصْدٌ.
مِن هنا نأخذ شرطًا وهو قَصْدُ التذكية؛ يعني زيادةً على العقلِ نشترطُ أنْ يقصد التذكية، فإنْ لم يقصدها؛ مِثل لو أن إنسانًا أمسك بسكينٍ ليقطع حبلًا، وكان الحبل مرتفعًا على رقبة شاةٍ، وهو بقوة اتكائه على الحبل انقطع الحبلُ بسرعة، ونزلت السكين على رقبة الشاة وقطعتْها، تحِلُّ ولَّا ما تحِلُّ؟
طلبة: ما تحِلُّ.
الشيخ: ليش؟ لأنه لم يقصد التذكية.
إذَنْ أضِفْ إلى هذا الشرط شرطًا آخر وهو قصد التذكية، فإن لم يقصد التذكية فإنها لا تحِلُّ، ويمكن أنْ يؤخذ هذا الشرط من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، وغير العاقل لا يُنسب إليه فِعْل.
هل يُشترط مع ذلك قصدُ التذكية للأكل، أو إذا قَصَدَ التذكيةَ لغرضٍ غير الأكل حلَّت الذبيحة؟
في هذا قولان لأهل العلم: منهم مَن قال: إنه لا بدَّ أن يقصد الأكلَ، فإنْ لم يقصد الأكلَ لم تحِلَّ الذبيحة، لماذا؟
قال: لأن الذبح إيلامٌ وإتلافٌ.
إيلامٌ للحيوان ولّا لا؟ هو يتألَّم الحيوان ما فيه شك، إيلامٌ وإتلافُ مالٍ؛ إيلامٌ لحيوانٍ وإتلافٌ لمالٍ، وإذا لم يقصد الإنسانُ الأكلَ لا يحِلُّ له أن يؤذي الحيوان وأنْ يُتلف المال.
أيُّ صورةٍ لا يمكن أنْ يقصد الأكل؟
مِثل إنسانٍ عنده شاةٌ كثيرةُ الثُّغاءِ، وهو يريد أنْ ينام، وعجز؛ لا ينام منها، فقال: هذه التي آذتْنِي، لأذهبنَّ وأذبحها، فذهب وذبحها لا لقصْدِ الأكل.
أو رجل آخَر أيضًا حصل فيه نزاع بينه وبين أحدٍ في شاةٍ، فقال: واللهِ هذه التي أدَّتْ بي إلى هذا النزاع، واللهِ لأذبحنَّها.
فذبحها لقصْدِ حَلِّ يمينه، ما هو قصد يأكلها.
فمِن العلماء مَن قال: إنها لا تحِلُّ.
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ومنهم مَن قال: إنها تحِلُّ؛ لأنه قَصَد التذكيةَ، وقَصْدُ التذكيةِ قصْدٌ صحيحٌ سواءٌ قَصَدَ الانتفاعَ بها بالأكل أو قَصَدَ حَلَّ يمينه أو قَصَدَ اندفاعَ ضررِها.
فتولَّد الآن من هذا الشرط، ويش تولَّد؟
تولَّد شرطانِ: قصْدُ التذكية، وهل يُشترط قصد الأكل أو لا يُشترط على الخلاف الذي سمعتم، والظاهر لي من النصوص أنه إذا قَصَدَ التذكية فإنها تحِلُّ وإنْ لم يقصد الأكل.
على أنَّ لقائلٍ أن يقول: إن عموم قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ مستثنًى من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، ومعلومٌ أن التحريم هنا تحريمٌ للأكل، فيكون المعنى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ للأكل، أعرفتم؟
فالمهمُّ أنَّ اختيار شيخ الإسلام -رحمه الله- له قوة بلا شكٍّ من النظر، لكن الذي يظهر أنَّ الأخذ بالعموم أَرْفق بالناس.
لو أنَّ رجُلًا صالَ عليه جَمَل، بيأكله ها الجمل، وكان معه سيفٌ، فأراد أنْ يدفع عن نفسه فقال: باسم الله.
وضربه دفاعًا عن النفس حتى أصابَ منحره أو مذبحه، يحِلُّ ولَّا ما يحِلُّ؟
طالب: على الخلاف.
طالب آخَر: إذا نظرْنا إلى (... ) لا يحِلُّ.
الشيخ: لا، هذا ما يحِلُّ على القولينِ، ليش؟ لأنه ما قصدَ التذكية، قصدَ الدفاعَ عن نفسه، ولهذا لا يُهِمُّه أن يضربه في رقبته، في رأسه، في ظهره، ما يُهِمُّه.
أمَّا لو قصدَ التذكية؛ قال: هذا ما دام صالَ عليَّ بأذبحه ذبحًا وأقصد التذكية، لكنْ مع قصْدِ دفْع الصول، فهُنا ينبني على الخلاف، أعرفتم الآن؟
إذَنْ لا بدَّ من القَصْد (أنْ يكون عاقلًا)، وقلنا: إن أهليَّة المذكِّي تدور على أمرين: العقل والدين.
ما هو الدين؟
قال المؤلف: (مُسْلِمًا أو كتابيًّا).
المسلم هنا: مَن دان بشريعة محمدٍ صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذه الشريعة نَسختْ جميعَ الأديان، كلُّ الأديانِ الآن باطلةٌ ما عدا شريعة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ومَن زَعَمَ أنَّ دينًا غير الإسلام قائمٌ اليوم مقبولٌ عند الله فهو كافرٌ مرتدٌّ؛ لأنه كذَّب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، وهذه الجملة تُفيد الحصر لتعريف طرفيها، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]، فالآن لا فرْقَ بين اليهوديِّ والنصرانيِّ والشيوعيِّ والمرتدِّ وغيرِهم في أن دينهم لن يُقبَل ولن ينفعهم عند الله.
هل يُمكن أن يُطْلق الإسلامُ على غير المسلمين في حال قيام شرائعهم؟
نعم، وهذا في القرآن كثيرٌ؛ قال الله تعالى عن بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44]، والآياتُ في هذا المعنى كثيرة.
الثاني: (أوْ كتابيًّا) (كتابيًّا) أي: يهوديًّا أو نصرانيًّا؛ فإن اليهوديَّ والنصرانيَّ تحِلُّ ذبيحتُه؛ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: 5]، قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية: طَعَامُهُمْ: ذَبَائِحُهُمْ (13).
وهذا أمرٌ معلومٌ؛ لأننا لو فسَّرْنا الطعامَ هنا بالخبز والتمر وما أشبهَهُ لم يكنْ فرقٌ بين الكتابيِّين وغيرِ الكتابيِّين، فإن غير الكتابيِّين أيضًا يحِلُّ لنا أنْ نأكل خُبزهم وتمرهم وما أشبهَ ذلك، فالمراد بذلك ذبائحُهم، وإنما أضافه إليهم لأنهم ذبحوه ليَطْعَموه، فصارَ طعامًا لهم، فطعامُ الذين أوتوا الكتابَ حِلٌّ لنا وطعامُنا حِلٌّ لهم.
﴿طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ هل نقول: إنَّ كُلَّ ما اعتقدوه طعامًا فهو حلالٌ وإنْ لم يكن على الطريقة الإسلامية؟
طلبة: لا.
الشيخ: نعم، المشهور عند أهل العلم عامَّتهم: لا.
وذهب بعضُ العلماء من الأقدمين والمتأخِّرين أنَّ ما اعتقدوه طعامًا فهو حلالٌ لنا؛ لأن الاختصاص هنا ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، الاختصاص لولا أنَّ له فائدةً لم يكنْ له فائدةٌ، وهي أن طعامهم يتميَّز عن طعامنا باعتقادهم إيَّاه طعامًا، فإذا كانوا مَثَلًا يعتقدون أنَّ المصعوقَ بالكهرباء ونحوه يُعتبر طعامًا؛ فهو حِلٌّ لنا، كما لو أنَّ أحدًا من الفقهاء خالفَنا في شرطٍ من شروط الذكاة وذكَّى الذبيحةَ على اعتقاده فإنها تكون حلالًا لنا ولَّا لا؟
طالب: حلال.
الشيخ: لنفْرِضْ أنه شافعيُّ المذهب ذبحها ولم يُسَمِّ الله فهي حلالٌ لنا وله، لماذا؟ لأنه اعتقدها حلالًا فهي حلالٌ لنا وله، أمَّا لو ذبحها من يعتقد التحريمَ فهي حرام.
المهمُّ أنَّ بعض العلماء قال: ما اعتقده أهلُ الكتاب طعامًا فإنه حلالٌ ولا يحتاج إلى قطْعِ الحلقوم والمريء ولا إلى التسمية.
لكن الصواب الذي عليه جمهور العلماء خلافُ ذلك، وأنَّه لا بدَّ أنْ يُذَكَّى ويُنْهَر الدمُ فيه، ولا بدَّ أن يُسَمَّى اللهُ عليه، كما سيأتينا -إن شاء الله تعالى- في الشروط المستقبَلة.
(كتابيًّا) قلتُ: هو الذي يَدين بدين اليهود والنصارى.
الدليل من القرآن سمعتموه.
من السُّنة أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يأكُلُ ذبائحَ اليهودِ، فأهدتْ إليه امرأةٌ شاةً في خيبر فقبِلَها (14)، ودعاه يهوديٌّ إلى خُبْزِ شعيرٍ وإهالةٍ سَنِخةٍ فقَبِل وأكلَ عليه الصلاة والسلام (15)، والإهالة هي الشحمُ المتغيِّر المنْتِن الذي يُسَمَّى عندنا: المحزر؛ لأنه متغيِّر، لكنه يعقد الطعام ويفيد فيه.
وثبت أيضًا في الصحيح أنَّ عبد الله بن مغفَّل أخذ جرابًا من اللحم والشحم رُمِيَ به في خيبر، فأخذه فالتفتَ فإذا النبيُّ صلى الله عليه وسلم وراءه يضحك (16)، وهذه سُنَّةٌ إقراريَّة.
فإن قلتَ: أفلا يمكن أنْ يكون الذابح مُسْلمًا؟ وأنا أريد أن أمنع الاستدلال بالسنة، أمَّا القرآن فظاهر، لكنْ لو قال قائل: الرسول نَعَمْ أجابَ دعوةَ هؤلاء اليهود وأكل من اللحوم التي أهدوها، لكنْ لعل الذابح مُسْلم؟
طالب: احتمال بعيد.
الشيخ: نقول: هذا احتمالٌ بعيدٌ وخلافُ الظاهر، هذا خلافُ الظاهر، ولو كان لا يحلُّ ما قدَّموه للرسول عليه الصلاة والسلام إلا بتذكية مسلمٍ لكان الرسول عليه الصلاة والسلام يسأل عنه حينئذٍ؛ لأن الأصل فيما بأيديهم أنهم هُم الذين ذبحوه.
هل يُشترط أن يكون الكتابيُّ هذا أبواه كتابيَّانِ؟
الصحيح أنه لا يُشترط أن يكون أبواه كتابيَّينِ، وأنَّ لكل إنسانٍ حكْم نفسه، فلو قُدِّر أنَّ الأب شيوعيٌّ أو وثنِيٌّ، وأنَّ ابنه اعتنقَ دينَ اليهود مَثَلًا أو دينَ النصارى؛ فإن ذبيحته على القول الراجح حلالٌ؛ لأنه داخلٌ في عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾.
يقول: (ولو مُرَاهِقًا).
قوله: (ولو مُرَاهِقًا) المراهِق: مَنْ قاربَ البلوغَ، فظاهر كلام الماتن أن المميِّز الذي دون المراهقةِ لا تحِلُّ ذبيحته.
ولكن المذهب خلاف ذلك؛ أن المميِّز تحِلُّ ذبيحتُه؛ لأنه عاقلٌ يصحُّ منه القصْدُ فتحِلُّ ذبيحتُه.
مَن المميِّز؟
قيل: مَنْ بلغَ سبعَ سنين.
وقيل: مَنْ فَهِمَ الخطابَ وردَّ الجواب.
وهذا القول هو الراجح، لكن الغالب أن ذلك يحصُل بتمام سبع سنوات، هذا الغالب، ومَنْ ميَّزَ قبل ذلك فإنه يُعتبر خارجًا عن الغالب، ومَن تأخَّر تمييزه عن ذلك فهو أيضًا خارجٌ عن الغالب، فالغالبُ أن السبع وما قاربها نزولًا أو عُلُوًّا يكون بها التمييز.
(أو امرأة) المرأة تحِلُّ ذبيحتُها؟
نَعَمْ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، والخطاب يشمل الرجالَ والنساءَ، ولأنَّ جاريةً كانتْ ترعى غنمًا للأنصار، وهي جاريةٌ من الأنصار ترعى غنمًا بسَلْع، فأصاب الموتُ واحدةً..
أو امرأةً أو أَقْلَفَ أو أَعْمَى، ولا تُباحُ ذَكاةُ سَكرانَ ومجنونٍ ووَثَنِيٍّ ومَجُوسِيٍّ ومُرْتَدٍّ.
الثاني: (الآلةُ) فتُباحُ الذكاةُ بكلِّ مُحَدَّدٍ ولو مَغصوبًا من حديدٍ وحَجَرٍ وقَصَبٍ وغيرِه، إلا السنَّ والظُّفْرَ.
الثالثُ: (قطْعُ الْحُلقومِ والمَرِيءِ).
وذكاةُ ما عُجَِزَ عنه من الصيدِ والنَّعَمِ المتوَحِّشَةِ والواقعةِ في بئرٍ ونحوِها بِجَرْحِه في أيِّ مَوضعٍ كان من بَدَنِه إلا أن يَكونَ رأسُه في الماءِ ونحوَه فلا يُباحُ.
الرابعُ: أن يَقولَ عندَ الذبحِ: " بسمِ اللهِ " لا يجزئه غيرُها، فإن تَرَكَها سَهْوًا أُبِيحَتْ, لا عَمْدًا.
من الأنصار ترعى غنمًا بسلع، فأصاب الموت واحدة من الغنم، فأخذت حجرًا فذبحتها به (1)، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وهي جارية؛ امرأة.
وقول المؤلف: (ولو امرأة) إن كان فيه خلاف فهو خلاف ضعيف، وإلا فإنه رفع للتوهم.
وقوله: (ولو امرأة) يشمل الطاهرة والحائض، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، حتى لو كانت حائضًا فإن ذبيحتها تحل.
من شرط الحل التسمية، كيف وهي حائض؟
طلبة: التسمية ليست قرآن.
الشيخ: نقول: لها أن تسمي، الحائض تذكر الله وتسمي، بل إن منعها من قراءة القرآن في النفس منه شيء؛ لأنه -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- ليس في منع الحائض من قراءة القرآن سنة صحيحة صريحة.
(أو أقلف) أقلف هو الذي لم يُخْتَن؛ يعني: لم تؤخذ قُلفته، فتحل ذبيحته، وأشار المؤلف إلى ذلك؛ لأن بعض العلماء يقول: إن الأقلف لا تصح ذبيحته ولا تُؤْكَل، لكن هذا ليس بصواب، والصواب أن ذبيحته حلال، وأنها لا تكره، ولا علاقة بين القُلفة وبين الذبح.
(أو أعمى) كذا عندكم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، كذلك لو كان المذكي أعمى فلا بأس، إذا عَرَف موضع الذبح وأصابه فلا بأس بذلك.
(ولا تُبَاحُ ذكاة سَكْرَان)، لماذا؟
طلبة: غير عاقل.
الشيخ: لأنه غير عاقل، وليس له قصد.
ولا تباح أيضًا ذكاة مجنون؛ لفقد العقل.
ولا ذكاة وثني، وهو من يعبد الأوثان؛ لأنه ليس بمسلم ولا كتابي، فالذي يعبد وثنًا أو ملكًا أو نبيًّا ما تصح ذكاته.
والذي يعبد الله لكن يدعو النبي أيضًا لا تصح ذكاته؛ لأنه وثني، وكذلك الذي يعبد الله ويدعو وليًّا فإنه لا تحل ذبيحته.
ولهذا المسألة هذه مشكلة، في بعض البلاد الإسلامية قوم يدعون القبور والأموات ويستغيثون بهم، حتى وإن كانوا بعيدين عنهم، تجده يدعو الولي الفلاني، أو يدعو النبي عليه الصلاة والسلام يقول: يا محمد، أو يدعو علي بن أبي طالب: يا علي، أو الحسن، أو الحسين، أو ما أشبه ذلك، وهذا شرك، فمن كان كذلك فإن ذبيحته لا تحل؛ لأنه مشرك ولو كان يعبد الله بالصلاة والزكاة والصيام والحج؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48]، فالشرك لا يغفره الله لا حكمًا ولا جزاءً.
وبناءً على ذلك فإن المشرك لا تصح منه عبادة، ولا يصح منه أي عمل يشترط له الإسلام.
(وثني وَمَجُوسِيٍّ) المجوسي: الذي يعبد النار، وعطفه على الوثني من باب عطف الخاص على العام؛ لأنه في الواقع يعبد الوثن، لكن وثنه نار، فالمجوس الذين يعبدون النار لا تصح ذبيحتهم، وإنما نص عليه رحمه الله؛ لأن المجوس تؤخذ منهم الجزية كأهل الكتاب، لكن لا تحل ذبائحهم بإجماع العلماء، إلا أنه يُروى عن أبي ثور أنه أباح ذبائح المجوس، قياسًا على أخذ الجزية منهم.
والصواب: أن أخذ الجزية منهم لا لأنهم مجوس، ولكن لأن جميع الكفار إذا بذلوا الجزية وجب الكف عن قتالهم؛ سواء كانوا من أهل كتاب، أو من المجوس، أو من الوثنيين، أو غيرهم.
لكن نص عليهم -على المجوس- لما أشرت إليه؛ لئلا يقول قائل: إنهم أهل ذمة فتجوز ذبائحهم.
نقول: لا؛ ولهذا لا تجوز ذبائحهم، ولا تجوز مناكحتهم.
(وَمُرْتَدٍّ) مرتد عن أيش؟ عن الإسلام، بأي نوع من أنواع الردَّة؛ فمن كذَّب خبرًا من أخبار الله مع علمه أنه من خبر الله فهو مرتد، لا تحل ذبيحته، ومَن جحد وجوب الفرائض الظاهرة المجمع عليها فهو مرتد، لا تحل ذبيحته، ومن سَخِرَ بشيء من الدين فهو مرتد، بل من كره شيئًا من الدين فهو مرتد، من كره ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام أو شيئًا منه فهو مرتد؛ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 9]، ولا يحبط العمل إلَّا بالردة؛ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]، ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: 217].
تارك الصلاة؟
طلبة: مرتد.
الشيخ: مرتد، إذن لا تحل ذبيحته.
وعلى قول من يقول: إنه لا يكفر تحل ذبيحته.
ذبح تارك الصلاة هذه الذبيحة، ودعا إليها رجلين؛ أحدهما يقول: إن تارك الصلاة لا تحل ذبيحته؛ لأنه مرتد، والثاني يقول: تحل؛ لأنه غير مرتد، كيف نعمل بالذبيحة؟ من يأكلها؟
طالب: يأكلها من لا يكفِّره.
الشيخ: يأكلها من لا يكفِّره، ومن كفَّره لا يأكلها.
نعم، لو أن من يقول بعدم ردته يترك أكلها تعزيرًا له وهجرًا لما عمل لعله يرتدع، لو فعل ذلك لكان خيرًا، إنما الحرام ما يحرم عليه.
انتهى الكلام على الشرط الأول؛ أهلية المذكي، ويكون ذلك في أمرين؛ العقل والدين، أما العقل فيتفرع عنه شرطان؛ شرط متفق عليه، وشرط مختلف فيه، الشرط المتفق عليه هو قصد التذكية، والمختلف فيه قصد الأكل.
أما الثاني -وهو الدين- فإنه يباح ذكاة المسلم واليهودي والنصراني.
شكك بعض الناس في عصرنا في حل ذبيحة اليهودي والنصراني اليوم، وقال: إنهم الآن لا يدينون بدين اليهود ولا النصارى، وهذا ليس بصواب.
نعم، إن قالوا: نحن لا ندين بهذه الأديان ولا نعتبرها دينًا فإن ردتهم واضحة، أما إذا قالوا: إنهم يدينون بها، ولكن عندهم شرك فإن ذلك لا يمنع.
بدليل أن الله تعالى أنزل سورة المائدة وحكى فيها عن النصارى ما حكى من القول بالتثليث وكفرهم بذلك، فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73]، وفي نفس هذه السورة قال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5]، فالقرآن نزل بعد أن غيروا وبدلوا، بل بعد أن كفروا، ومع ذلك أحل ذبائحهم ونساءهم.
وعلى هذا فما دام هؤلاء الآن يقولون: إنهم يدينون بدين النصارى أو اليهود فإن لهم حكم اليهود والنصارى ولو كان عندهم تبديل وتغيير، ما لم يقولوا: إنهم مرتدون ولا يقبلون فهذا شيء آخر (... ).
ذبحها على خلاف شرعه، لكن على وفاق الشرع الإسلامي.
طالب: لا يا شيخ (... ).
الشيخ: على خلافهما جميعًا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي، هذه معروفة لا ما تحل، ما فيه إشكال (... ).
(الثَّانِي الآلَةُ) الثاني منين؟ من شروط حل الذكاة، (الآلة فتباحُ الذَّكاةُ بكلِّ مُحدَّدٍ ولو كان مغصوبًا من حديدٍ وحجرٍ وقَصَبٍ وغيره) كخشب.
(الآلة) يعني: لا بد أن يكون الذبح بآلة، فلا يصح الخنق، ولا التردية، ويش معنى التردية؟ أن (... ) بها من على الجبل حتى تموت، ولا الحذف؛ يعني: مثلًا يشيلها هكذا ويحدفها؛ لأن تموت ما يحصل، لا بد من آلة.
ولا الضرب؛ مثل أن يأخذها فوق ويضربها على الأرض؛ لأنه لا بد من آلة.
طيب، فك الظهر؟ ما يحل؛ لأنه ما فيه آله، فك الرقبة ما يحل أيضًا؛ لأنه ليس فيه آلة، فلا بد آلة.
ولا بد أيضًا في هذه الآلة من أن تكون محدَّدة؛ ولهذا قال المؤلف: (الآلة فتباح الذكاة بكل محدد)، عرفتم؟ ما معنى (محدد)؟ أي: له حد يقطع، فأما إذا لم يكن له حد فإنها لا تحل الذكاة به، فلو خنقها بالكهرباء ما تحل؛ لأنه غير محدد ولا ينهر الدم، فلا بد من أن يكون آلة محدَّدة، وأيش بعد؟ تنهر الدم، تنهره؛ يعني: تجعله يسيل.
قال: (ولو مغصوبًا) هذه إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: إن الآلة المغصوبة أو المحرَّمة لحق الله كالذهب والفضة لا تحل الذكاة بها، لماذا؟ لأن ما ترتب على غير المأذون فهو فاسد، كيف؟ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنُا فَهُوَ رَدٌّ» (2)، فإذا غصب إنسان سكينًا من شخص أو سرقها أو ما أشبه ذلك، ثم ذبح بها، فعلى كلام المؤلف تحل الذبيحة؛ لأنه قال: (ولو مغصوبًا)، وعلى القول الثاني لا تحل.
ما حجة قول المؤلف؟ حجة قول المؤلف يقول: إن التحريم هنا ليس خاصًّا بالذبح، فتحريم استعمال المغصوب عامٌّ، وعلى هذا فتصح الذكاة بالمغصوب؛ لأن الشرع لم يقل: لا تُذكِّ بالمغصوب، حتى نقول: إنه إذا ذكَّى فقد عمل عملًا ليس عليه أمر الشرع، بل الشرع قال: لا تغصِب أموال الناس، ولا تستعملها بأي شيء، فالنهي إذن خاص ولَّا عام؟
طلبة: خاص.
طلبة آخرون: عام.
الشيخ: عام يا إخوان، النهي ما قال: لا تُذَكِّ بمغصوب، لو جاء النهي هكذا: لا تُذَكِّ بمغصوب صار خاصًّا، فإذا ذكيت فقد عملت عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، لكن جاء: لا تغصبْ أموال الناس؛ عام، بأي استعمال استعملته فهو داخل في هذا الحديث.
وعليه فلما لم يكن النهي خاصًّا لم يفسد الذبح.
نظير ذلك الغِيبة محرمة على الصائم وغير الصائم، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: لو أن الرجل اغتاب الناس وهو صائم يفسد صومه؟
طلبة: لا يفسد.
الشيخ: لا يفسد، ليش؟ لأن النهي هنا عام، ينهى الإنسان أن يغتاب؛ سواء في الصيام وفي غير الصيام، وإن كان في الصيام قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهَلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (3)، ولا شك أن الغيبة من قول الزور.
لو صلى الإنسان بثوب مغصوب؟
طلبة: فصلاته صحيحة وعليه الوزر.
الشيخ: على الخلاف، المذهب يقولون: إنها لا تصح، فيحصل التناقض في كلامهم، والقول الثاني: أنها تصح؛ لأن النهي ليس عن الصلاة في الثوب المغصوب، ولكن عن استعمال الثوب وغصب الثوب؛ عام.
المهم لئلا تتفرع علينا المسائل نقول: الذكاة بالمغصوب حكمها جائزة على كلام المؤلف، وعلى القول الثاني: لا تحل.
طالب: نقول: صحيحة بدل جائزة.
الشيخ: صحيحة وجائزة، نعم.
طالب: الراجح.
الشيخ: الراجح حل الذبيحة.
قال: (من حديد) (مِن) بيان لـ (كل محدد)؛ يعني: سواء كان محددًا من حديد وحجر، الحجر ممكن يذبح به؟ يمكن، يصير محددًا له حد ويمره على الرقبة حتى ينهر الدم.
(وقصب) وأيش هو القصب؟
طالب: قصب السكر.
الشيخ: قصب السكر أو غيره، المهم كل قصب محدد يمكن يذبح به، ولا هو لازم أن يذبح به الشاة والبعير، لو تذبح به العصفور، وأظن الذرة الغليظة يمكن أن يُذْبَح بها العصفور والدجاجة وما أشبه ذلك.
لو أنه جاء بالآلة حدها يسير، لكن مغط رقبة الطائر، انقطعت الرقبة بالمغط والذبح، تحل ولَّا لا؟ ما تحل؛ لأنه اجتمع مبيح وحاظر، والرسول عليه الصلاة والسلام قال في الصيد: «إِنْ وَجَدَتْهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَمْ سَهْمُكَ؟ » (4)، وإحنا لما مغط رقبته حتى انقطعت وما هي السكين اللي ما هي قوية، ما ندري هل انقطعت الرقبة من مغطها أو من السكين؟
(وغيره) لأن القاعدة ما هي؟ أن يكون محددًا ينهر الدم.
طيب، الخشب يصلح؟
طلبة: يصلح.
الشيخ: الجلد الثخين يصلح؟
طالب: إذا كان حادًّا.
الشيخ: إذا كان حادًّا، نعم.
المهم كل شيء محدد ينهر الدم تباح التذكية به، وتحل الذبيحة.
الذهب؟
طلبة: على خلاف.
الشيخ: على خلاف، نعم، لكن الصحيح أن الذكاة ما تجوز بمعنى أنها ليس يأثم، تصح، أما الحرام حرام، لكن تصح.
قال: (إلَّا السن والظفر) وين السن؟ كل سِنٍّ، و (الظُّفُر) كل ظفر، السن كل السن، والظفر كل ظفر.
ولو كان محددًا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولو كان محددًا، وكذلك الظفر ولو كان محددًا، وعلى هذا فما يفعله الصبيان من بقد رقبة العصفور بأظفارهم، ثم يأكلونه حرام ولَّا لا؟ حرام، حتى وإن كان الظفر حادًّا.
لماذا؟ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ»، قال عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ مُدَى الْحَبَشَةِ» (5)، (مُدى) جمع (مُدْية)؛ وهي السكين، والحبشة معروفون.
طالب: أرض الحبشة.
الشيخ: لا، الأرض ما لها مدية.
الطالب: أهل الحبشة؟
الشيخ: الحبشة يعني أهل الحبشة.
الطالب: (... ).
الشيخ: موجودة الآن، فيه ملك الحبشة أظن موجود، في عهد الرسول النجاشي.
طالب: إي نعم.
الشيخ: المهم على كل حال الرسول علل قال: «أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ مُدَى الْحَبَشَةِ»، وهذا فيه إشكال؛ تعليل الرسول صلوات الله وسلامه عليه بالنسبة لحكم المؤلف فيه إشكال، الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ»، ولم يقل: أما السِّنُّ فسنٌّ، لو قال: أما السن فسن، قلنا: السن هو الذي لا تجوز الذبيحة به، لكن قال: «فَعَظْمٌ»، فالعلة أعم من المعلول؛ لأن كل سن عظم، وليس كل عظم سنًّا، صح ولَّا لا؟
طلبة: صح.
الشيخ: طيب، توافقونني على أن كل سن عظم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: والترك به؟
طلبة: (... ).
الشيخ: طيب، وأيش رأيكم، نبحث فيها -إن شاء الله- بعدما نكمل البحث في هذا الحديث.
طيب، السن عظم، قلنا: العلة هنا أعم من المعلول، لكن العلماء اختلفوا في هذا؛ فمنهم من قال: أما السن فعظم مع كونه سِنًّا، فإذا كان عظمٌ وليس بسنٍّ فقد تخلَّف أحد جُزئي العلة؛ وهي السِّن، فتحل الذبيحة به؛ بالعظم غير السن.
وقال بعض العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الذكاة لا تصح بجميع العظام؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ»، والتعليل بكونه عظمًا معقول المعنى، ما هو المعنى؟ قال: لأن العظم إن كان من ميتة فهو نجس، والنجس لا يصح أن يكون آلة للتطهير والتذكية، وإن كان العظم من مذكاة فإن الذبح به تنجيس له، والرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن الاستنجاء بالعظام؛ لأنه ينجِّسها، والعظام زاد إخواننا من الجن؛ لأن الجن لهم كل عظم ذُكر اسم الله عليه يجدونه أوفر ما يكون لحمًا (6)؛ عليه لحم يأكلونه، فعليه يكون التعليل بالعظم -أعني بأن الذكاة لا تصح به- معقول المعنى.
وأولئك عرفتم ماذا يجيبون، قالوا: إن العلة مركَّبة من جزئين: سن، وعظم، قالوا: ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم يريد العظام جميعًا لقال: إلَّا العظم والظفر، ولما لم يقل ذلك علمنا أنه أراد المعنيين.
لكن الراجح ما اختاره شيخ الإسلام؛ لأن التعليل واضح، والقاعدة الشرعية أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
الظفر قال: «مُدَى الْحَبَشَةِ» فيه بعدُ إشكال؛ لأننا لو فرضنا أن للحبشة مدى؛ يعني سكاكين خاصة بهم لا يستعملها إلَّا هم، فهل تصح التذكية بها؟
طالب: ظاهر الحديث لا.
الشيخ: «فَمُدَى الْحَبَشَةِ»، انتبهوا؛ لأن غير هذا غير الظفر وإن كان حديدًا مثلًا يصنعونه على صفة معينة لا يصنعها إلا هم لا يقتضي أن يكون خاصًّا بهم؛ لأن الناس يذبحون بالمحدد في كل مكان، لكن الذي جعل أظفارهم مدى هم الحبشة؛ ولهذا لا يقصون أظفارهم، يخلون أظفارهم تبقى حتى تطول ويذبحون بها، وأيش يذبحون بها؟
طالب: العصافير.
الشيخ: العصافير وغيرها، كل ما يمكن ذبحه بها، وبناءً على ذلك نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن الظفر؛ لأنه مدى الحبشة؛ لأن هذا فيه مفسدتان:
المفسدة الأولى: أننا لو جعلنا الأظفار آلة للذبح لفاتنا مشروعية القص، كان كل واحد يقول: أنا ببقي ظفري علشان كل ما وجدت أرنبًا ولا غيره رصيت ها الظفر عليه؛ لأنه يطلع الدم وكلتها.
طالب: ليوفر السكاكين.
الشيخ: يوفر السكاكين أو يمكن تسقط منه أو ينساها.
ثانيًا: أنه بذلك يشبه السباع، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: السباع الطير، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن كل ذي مخلب من الطير (7)، ونحن نهينا أن نتشبَّه بالحيوان (8).
فصار التعليل واضحًا؛ بأن العلة من الظفر هو أن كونه آلة لذبح يتضمن أيش؟ يتضمن مخالفة الفطرة في إبقائه، ومشابهة الحيوان في قتله بمخلبه.
ويمكن أن نقول أيضًا: ويتضمن مشابهة الكفار؛ لأن الحبشة حينذاك كانوا كفارًا، والتشبه بالكفار محرم، فكل هذا..
طالب: وأهل الكتاب؟
الشيخ: أهل الكتاب يجوز ذبائحهم.
الطالب: وكانوا أهل كتاب الحبشة، نصارى.
الشيخ: ما هو بالظاهر أن كلهم أهل كتاب، حتى لو كانوا أهل كتاب فالتشبه بأهل الكتاب فيما يختص بهم منهي عنه.
إذن نقول: السن والظفر فقط دون بقية العظام، والظفر يشمل ظفر الآدمي وغيره، والمتصل والمنفصل، وعرفتم الخلاف في العظام.
ما رأيكم في الأسنان التركيبية؟
طالب: لا تحل.
طالب آخر: عظم.
الشيخ: طيب، ما يخالف، إن كانت من عظام فهي داخلة في العظم، وإن كانت ما هي من العظام.
طالب: فيجوز الذبح.
طالب آخر: لا تدخل.
الشيخ: طيب، نشوف، لو أن رجلًا أمسك عصفورًا وأراد يذبحه ودخَّل رأسه في فمه وعض رقبته حتى أنهر الدم، يحل ولَّا ما يحل؟
طلبة: ما يحل.
الشيخ: إي، تركيبة تركيبة، كل اللي عنده تركيبة.
طالب: إذا كانت حادة يجوز.
الشيخ: حادة.
الطالب: وليست بعظم.
الشيخ: وليست بعظم.
طالب: إنها سن، اصطلاح الحكم مع علته.
طالب آخر: (... ).
الشيخ: فيها تشبه بالسبع، صحيح، فيها تشبه بالسبع؛ ولهذا نقول: ما ينبغي لك أن تفعل هذا، حتى أنت إذا فعلت ذلك فسوف تلوث فمك بالدم النجس؛ لأن الغالب أن الدم ينهر من يوم يتبين له مخرج، أما إذا طلع التركيبة وذبح بها فهذا لا شك في جوازه إذا لم تكن عظمًا، فإن كانت عظمًا فعلى خلاف.
طالب: يا شيخ، ليست بحادة حدة السكاكين؛ الأسنان؟
الشيخ: لا، حادة، تحل الذبيحة بها.
على الخلاف في الحل إذا كان محرمًا.
الخلاصة الآن يا جماعة: الشرط الثاني ما هي؟ الآلة، ويشترط فيها أن تكون محددة تنهر الدم، وألَّا تكون سنًّا ولا ظفرًا.
الشرط الثالث: (قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ) في الرقبة أربعة أشياء: ودجان، وحلقوم، ومريء.
الودجان: عرقان غليظان يحاذيان الحلقوم والمريء، ويسميان الشرايين.
وفيه حلقوم ومريء؛ الحلقوم: مجرى النفس.
والمريء: مجرى الطعام والشراب.
الحلقوم هذا القصب المضلَّع، وشوف حكمة الله عز وجل جعله قصبة؛ لأنه لو كان الحلقوم كالمريء يطلع النفس ولَّا ما يطلع؟ ما يطلع النفس، ولو خرج كان بمشقة شديدة، فجعله الله تعالى قصبة، ثم جعله ذا أضلاع يشبه اليايات؛ لأجل سهولة المضغ، وسهولة تنزيل الرأس ورفع الرأس، وربما يكون في هذا أيضًا سهولة جريان النفس فيه، والله سبحانه وتعالى حكيم ورحيم سبحانه وتعالى.
هذا الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام والشراب، أيهما الأعلى؟
طلبة: المريء.
طلبة آخرون: الحلقوم.
الشيخ: الأعلى من جهة الجلد الحلقوم، ومن جهة الرقبة المريء؛ لأن المريء من داخل.
لا بد من قطع الحلقوم والمريء؛ لأن بقطعهما فَقْد الحياة، وأما الودجان فظاهر كلام المؤلف أنه لا يشترط قطعهما؛ يعني: لا يشترط أن يقطع الودجين؛ وهما العرقان الغليظان اللذان منهما ينهر الدم ويجري، كلام المؤلف يدل على أنه لا يشترط.
ما هو الدليل على اشتراط قطع الحلقوم والمريء؟
قال: الدليل لأن هذا هو الذبح، وهو معروف عند العرب بأن الإنسان يأتي على الرقبة ويقطع الحلقوم والمريء، فهذا تعليل.
تعليل آخر، يقول: لأن بذهابهما فقد الحياة، فالنفس إذا انفتح الحلقوم مات الحيوان، إلا أن يبادَر ويعالج فربما يبقى، وكذلك المريء اللي هو مجرى الطعام؛ فإن الطعام مادة الحياة، والهواء أيضًا النفس مادة الحياة، فبقطعهما تزول الحياة، فكان قطعهما واجبًا.
وهل يشترط إبانتهما؟
طالب: لا يشترط.
الشيخ: إبانتهما شرط؟
طالب: لا، ليست بشرط.
الشيخ: لا، ليست بشرط، فلو قطع نصف الحلقوم، ثم دخَّل السكين من تحته، وقطع نصف المريء حلت الذبيحة؛ لأنه قطعهما، وإبانتهما ليست بشرط، وهو محل خلاف أيضًا.
بقينا بالودجين ما حكم قطعهما؟
حكم قطعهما على ما ذهب إليه فقهاؤنا رحمهم الله أن قطعهما سنة، وليس بشرط لحل الذكية، بل قطعهما سنة، ولمَّا لم يرد نص في هذا صريح اختلف العلماء في هذه المسألة؛ لأن النص الصحيح الصريح الوارد في هذا المقام هو قوله عليه الصلاة والسلام: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (5)، هذا الصريح.
وكذلك أيضًا النحر في الحلق واللبة، أيضًا جاء في هذا حديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام وإن كان في سنده مقال (9)، فمن ثم اختلف العلماء.
فانتبه الآن ويش عندنا؟ المشهور من المذهب أن الشرط قطع الحلقوم والمريء، وقيل: إن الشرط قطع الودجين وإن لم يقطع الحلقوم والمريء، واستدل هؤلاء بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ»، ولم يقل: ما قطع النفس أو قطع الطعام، قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ»، ولا ريب عند كل عارف أن الدم لا يكون فيه إنهار..، لا يكون إنهار الدم إلا بقطع الودجين، ولعلكم رأيتم الذبيحة؛ إذا قُطِعَ الودجان تجدون الدم يخرج بغزارة واندفاع قوي، ولم يقل الرسول سوى ذلك.
وعلى هذا فالشرط قطع الودجين فقط، أما الحلقوم والمريء فمن كمال الذبح، واستدلُّوا لذلك بأن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن شريطة الشيطان (10)؛ وهي التي تذبح ولا تفرى أوداجها، وهذا وإن كان رواه أبو داود وهو فيه ضعف، لكنه يشهد له قوله: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (5).
ومنهم من قال: لا بد من قطع الأربعة جميعًا، كل الأربعة، ما هم؟ الحلقوم، والمريء، والودجان؛ أربعة.
ومنهم من قال: يشترط قطع ثلاثة من أربعة، كيف ثلاثة من أربعة؟
طالب: ودج واحد.
الشيخ: ودج واحد، أو الحلقوم والودجين، أو المريء والودجين.
فالخلاف في هذا طويل منتشر؛ وذلك لأنه ليس هناك نص واضح يدل على الاشتراط، ولكن أقرب الأقوال عندي هو أن الشرط هو إنهار الدم فقط، وما عدا ذلك فهو مُكَمِّل، ولا شك أن الإنسان إذا قطع الأربعة فقد حلت الذبيحة بالإجماع.
(... )
طالب: لا يجوز.
الشيخ: يقول: إنه الآن يوجد مكان..
الطالب: مصانع.
الشيخ: مصانع تأخذ العظام وتنتفع بها؟
طالب: يجوز.
طالب آخر: لا يجوز.
الشيخ: يجوز نعم؛ لأنها هي لنا، والنهي كما قال الأخ إنما هو على التنجيس، أما إذا أخذناها وانتفعنا بها ما لهم علينا ضرر.
طالب: يا شيخ، هل الجن يتضررون بذلك (... )؟
الشيخ: والله شوف، أما إن جاؤوا إليك يشكون فانظر في الموضوع! وما داموا لم يأتوا خليهم يروحون!
طالب: إذا قلنا: إن (... ).
الشيخ: أو ظفر الإنسان فيه قولان لأهل العلم؛ منهم من قال: جميع الأظفار لا يذكى بها حتى لو كان عند الإنسان ظفر حيوان من جنس المدية؛ يعني: من جنس السكين وذكى به لا يصح؛ للعموم، ومنهم من قال: المراد بذلك ظفر الإنسان؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مُدَى الْحَبَشَةِ» (5)، والحبشة كانوا يذكون بأظفارهم، وتجنب العموم أولى.
(... ) معناه اللي يذكر جوابًا للسؤال ما هو بالدرس، أجب أنت ما دام الجواب لك.
طالب: (... ) الحلقوم هذا تبع الرأس، وقيل: إنه لا يشترط، والصحيح أنه لا يشترط.
الشيخ: أنه لا يشترط؛ يعني: بعض العلماء قال: لا بد أن الخرزة اللي في طرف الحلقوم لا بد أن تتبع الرأس، ومنهم من قال: لا يشترط، وهو الصحيح، وهو المذهب واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أنه ما هو بشرط، لو قطع من وراء الخرزة هذه فإنه يجزي.
الظاهر أنكم ما أنتم جزارين ولا تعرفون.
طالب: نذبحه (... ).
الشيخ: تذبحون مع الجهة المعتادة، الرقبة فيها عظام ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، العظام فيها سلك المخ هذا اللي يأتي من الدماغ إلى العمود الفقري؛ إلى الظهر، لكن هذا كله ما فيه لا حلقوم ولا مريء ولا ودجين، ما فيه شيء من هذا، فلو قطعه عندما وصل إلى هذا المخ وانقطع قال: خلاص، الآن لا يمكن أن تبقى، لا بد أن تموت، يكفي.
نقول: ما يكفي؛ لأنك ما أنهرت الدم، فلا قطع لا الحلقوم ولا المريء ولا الودجين فتكون حرامًا بإجماع العلماء؛ لأنه ما حصل المقصود، أما لو ذبح بسرعة حتى أتت السكين على ما يجب قطعه من الأربعة هذه وهي حية فإنه يجزئ، إي نعم.
(... ) هو قطع النخاع، وهذا هو الذي أوجب أن يقول: إنها حلت الآن، نقول: ما يكفي هذا؛ لأن قطع النخاع بدون إنهار الدم كالخنق تمامًا.
طالب: أليست تموت بمجرد قطع النخاع؟
الشيخ: ما تموت.
الطالب: تموت.
الشيخ: يبقى فيها حياة.
الطالب: لا؛ يعني هي تموت يعني الدم ما ينهر، ما يتدفق.
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني هو مركز القلب موجود في النخاع اللي قطعه هذا قالوا: ما يضخ الدم.
الشيخ: ما يخالف يتوقف ولا (... )، لكن إذا وصل إلى حد الحلقوم والمريء والودجين وفيه حياة ولو قليلًا كفى.
الطالب: يعني لا يشترط إنهار جميع الدم من الذبيحة؟
الشيخ: لا، ما هو شرط، المهم أن يجري منها الدم الحار الذي يخرج من الذبيحة عادة وإن لم يكن بغزارة.
هذا الشرط الثاني، قال المؤلف: (وذكاةُ ما عُجِزَ عنه من الصَّيدِ والنَّعَمِ).
طالب: (... ).
الشيخ: هذا ما هو متن هذا، هذا شرح.
الطالب: متن.
الشيخ: لا، هذا متن ياسر، أما المتون الصحيحة لا، لكن على كل حال معناه واضح أنه إن أبان الرأس بالذبح لم يَحْرُم المذبوح؛ لأنه قطع ما يجب قطعه.
قال: (وذكاةُ ما عُجِزَ عنه من الصَّيدِ والنَّعَمِ المُتوحشةِ والواقعةِ في بئرٍ ونحوها يجرحِه في أيِّ موضعٍ كان من بَدَنِه).
(ذكاة) مبتدأ، وقوله: (بجرحه) خبر المبتدأ؛ يعني: ذكاة هذا النوع تكون بجرحه في أي موضع من بدنه.
أولًا الصيد: ما عُجِزَ عنه من الصيد فذكاته بجرحه في أي موضع من بدنه؛ مثل أن يلحق الإنسانُ ظبيًا ويعجز عنه، فيرسل عليه السكين، فتضربه في بطنه حتى يموت، فإنه يحل، مع أن الذبح الآن ليس في الرقبة، لكن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وأنا لم أستطع أكثر من ذلك.
هذا الصيد.
كذلك النَّعَم المتوحشة، ما هي النعم؟ الإبل والبقر والغنم، قال الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، وهي الإبل والبقر والغنم.
(النعم المتوحشة) كيف النعم المتوحشة؟ نعم، أحيانًا تشرد الإبل حتى لا يستطيع الإنسان أن يمسكها، فماذا يصنع بهذه؟
نقول: يكون حكمها حكم الصيد، تحل بجرحها في أي موضع من بدنها؛ دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ولأنه ندَّ بعيرٌ من إبل القوم، والنبي صلى الله عليه وسلم معهم، فرماه رجل بسهمٍ فحبسه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ لِهَذِهِ النَّعَمِ أَوَابِدُ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» (5)، «مَا نَدَّ عَلَيْكُمْ» يعني: معناه شرد حتى لم تتمكنوا منه، «فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» أي: ارموه بالسهام، ولأن الصيد بإجماع المسلمين يحل في أي موضع أصيب، وهذا مثله، كما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام.
فهذه ثلاثة أدلة تدل على حكم هذه المسألة؛ من القرآن، والسنة، والقياس الصحيح على ما أجمع عليه العلماء.
الكتاب ما هو؟ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
السنة قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ لِهَذِهِ النَّعَمِ أَوَابِدُ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا».
أما القياس على ما أجمع عليه المسلمون فلأن المسلمين أجمعوا على أن الصيد الطائر أو العادي يحل بأي موضع أصيب من بدنه، وهذا مثله.
كذلك: (الواقعة في بئر) الواقعة في بئر؟ كيف تقع في بئر؟ يمكن تقع في بئر، أو تقع في مكان سحيق لا يمكن الوصول إليها؛ كما لو تردَّت من جبل شاهق ولا يمكننا أن نصل إليها، طبعًا هي إذا تردت من جبل شاهق فالغالب عليها أنها تموت، ولا يمكننا أن نصل إليها قبل الموت، فإننا في هذه الحال نرميها بالسهم في أي موضع أصابها السهم من بدنها فإنها تحل.
الحكمة من ذلك -يعني: العلة- لأنها يعجز عن ذبحها على الوجه المعتاد.
فتكون أدلة هذه المسألة هي الأدلة السابقة، إلَّا أن الأدلة السابقة فيما عُجِزَ عنه عَدْوًا، وهذه فيما عُجِزَ عنه بالنسبة إلينا، هذا وقع في بئر؛ لو ذهبنا نأتي بالسكين وما أشبه ذلك لمات، لكن عندنا بندق وعلى طول رميناه يحل.
إلا أن المؤلف استثنى قال: (إلا أن يكون رأسه في الماء) إن كان رأسه في الماء فإنه لا يحل، لماذا؟ لأننا لا ندري أمات بالماء أم بالسهم؟ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصيد: «إِنْ وَجَدَتْهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَمْ سَهْمُكَ؟ » (4)، هذه العلة تدل على أننا لو تيقنا أن الذي قتله السهم لحلَّ؛ لأن قوله: «لَاتَدْرِي» يدل على أني لو دريت بأن الذي قتله هو السهم كان حلالًا، وهو كذلك.
كيف أدري؟ بأن يكون الماء قليلًا لا يغرقه، أو أراه قد رفع أنفه يتنفس ويكون السهم قد أصابه في قلبه -مثلًا- فهنا نعلم أن الذي قتله السهم دون الماء.
وقول المؤلف: (إلَّا أن يكونَ رأسُه في الماءِ ونحوه) ويش اللي نحوه؟ وأيش معنى (رأسه في الماء ونحوه)؟
يعني مثلًا لو سقط في نار وذبحناه، ما ندري هل النار التي قتلته أم السهم فإنه لا يحل؛ لأنه اجتمع عندنا مبيح وحاظر، فيغلب جانب الحظر؛ أي: المنع؛ لأنا لا ندري أيهما الذي حصل به الموت.
لو قال قائل: لماذا لا نقول: يلزم أن ينزل إليه في البئر ويذبحه كالمعتاد؟
الجواب: لأنه قد لا يمكنه، ربما بنزوله يموت هذا الحيوان، وحينئذٍ يفوت علينا.
طالب: شيخ، لو مثلًا طائر ضربه (... ) بالبندق وشاف الدم نازلًا قبل ما يسقط في البير، وبعدين سقط في بركة مثلًا (... ) نفس الصائد (... )؟
الشيخ: هو نفس الشيء، اللي قاله الرسول: «إِذَا أَرْسَلَ سَهْمَهُ، ثُمَّ وَجَدَ الصَّيْدَ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا يَأْكُلْ».
الطالب: الصيد نزل منه دم قبل ما ينزل في الماء؟
الشيخ: لا، أنا بعد ما رميته راح، ثم بعدئذ وجدته في الماء ميتًا، ما آكل، إلا إذا علمت أن سهمي هو الذي قتله.
طالب: يا شيخ، (... ) إذا صاب السهم (... ) أسرع من الماء؟
الشيخ: لا، ما هو على كل حال، قد يصيبه السهم في موضع يتأخر فيه الموت، ما هو على كل حال.
طالب: لو أن رجلًا ذبح شاة وبعد ذلك خنقها؛ يعني: الدم لم يخرج، تحل أم لا؟
الشيخ: ما تقولون؟ هذه تحل، ما دام قطع الحلقوم والمريء تحل.
الطالب: (... )؟
الشيخ: أنهر الدم الآن.
الطالب: (... ) ولو قليل من الدم (... ).
الشيخ: لا، لازم يخليه يخرج كله، لازم يخرج كل الدم.
الطالب: يعني إذا رميت سهمًا (... )؟
الشيخ: ترى الصيد ما بعد جاءنا، ترى له باب مستقل، لكن المؤلف ذكر مسألة الصيد هنا استطرادًا، عندكم باب الصيد أجلوا السؤال فيه إلى بعد.
طالب: الدم المسفوح أليس هو الدم الموجود في الرقبة فقط؟
الشيخ: لا، مطلقًا، حتى اللي في غير الرقبة؛ ولهذا كانوا في الجاهلية إذا سافر الإنسان وانتهى متاعه فصد عرقًا من بعيره وشرب دمه، فأنزل الله هذه الآية.
طالب: والظفر إذا كان منفصلًا، ما الحكم فيه؟
الشيخ: ظاهر الحديث العموم؛ سواء كان متصلًا أو منفصلًا، وهو المشهور من مذهبنا، بعضهم قال: إذا كان منفصلًا -ظفر الآدمي- فإنه يحل، لكن الواجب أخذ الحديث بعمومه.
طالب: يا شيخ، ذكرنا الذي سقط في البئر هل يشترط في جرحه أن تكون (... )؟
الشيخ: لا بد.
الطالب: إذا كان جرحها صغيرًا؟
الشيخ: يكفي ينهر الدم.
الطالب: (... ).
الشيخ: ما دمنا علمنا أنه لما نزف الدم مات، أما لو علمنا أن هذا الجرح لم يخرج منه إلا شيء بسيط وأن الموت حصل بوقوعه؛ اندقت رقبته مثلًا، فهنا لا يحل ولو جرحها.
الطالب: (... )؟
الشيخ: يجب اجتنابه.
طالب: (... )؟
الشيخ: ماذا تقولون؟
طالب: على الخلاف.
الشيخ: على الخلاف، هل هو ظفر الآدمي أو الظفر عامة.
(... ) هذا المحرم إلا باجتناب المباح.
طيب.
(الرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الذَّبْحِ: بِاسْمِ اللهِ) (الرابع: أن يقول) الضمير يعود على الذابح.
(عند الذبح) يعني: أو النحر؛ الذبح فيما يذبح، أو النحر فيما يُنحر.
(أن يقول: باسم الله)، والجملة مرَّ علينا إعرابها، وأنها متعلقة بمحذوف يُقدَّر فعلًا متأخِّرًا مناسبًا، فيقال فيه التقدير: باسم الله أذبح، في الذبح، في النحر: باسم الله أنحر.
قوله: (باسم الله)، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: 118]، ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119]، هذا دليل.
دليل آخر: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121]. وهذان من كتاب الله عز وجل.
ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (5)، فقال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ»، و (ما) شرطية، «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ».
ويمكن أن يستدل أيضًا بحديث عائشة الذي رواه البخاري أن قومًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا» (11)، فإن هذا يدل على أنه كان من المستقِر عندهم أن ما لم يذكر اسم الله عليه لا يؤكل؛ ولهذا قالوا: لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ يعني: فهل نأكله أم لا؟ فقال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا».
وعلى هذا فنقول: إن الدليل من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ دليلان من القرآن ودليلان من السنة.
يقول: (باسم الله) هل المراد هذا اللفظ؛ يعني: بحيث لو قال: باسم الرحمن أو باسم رب العالمين أو ما أشبه ذلك من الكلمات التي لا تكون إلا لله فإنه لا يصح؟ أو المراد باسمِ مُسمَّى هذا الاسمِ؟
المذهب: الأول؛ يعني لا بد أن يقول: (باسم الله) بهذا اللفظ، فإن قال: باسم الرحمن أو باسم رب العالمين أو باسم الخلاق العليم أو ما أشبه ذلك فإنه لا يجزئ، ولكن الصحيح أن المراد: باسمِ مُسمَّى هذا الاسمِ، فعلى هذا إذا قال: باسم الرحمن أو باسم رب العالمين أو ما أشبه ذلك كان هذا جائزًا، وكانت الذبيحة حلالًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، المراد الاسم المختص بهذا المسمَّى؛ وهو الله عز وجل.
هل يُشرع أن يذكر اسم الرسول عليه الصلاة والسلام هنا؟
لا يشرع، وعليه فلا تقل: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ لأن هذا مقام إخلاص لله عز وجل، فلا ينبغي أن يُذكر مع اسمه اسمُ أحدٍ غيرِهِ.
قال المؤلف: (ولا يجزئه غيرها).
طالب: (لا يجزئه).
الشيخ: عندي بالواو، ما يهم.
(لا يجزئه غيرها) أي: غير هذا اللفظ؛ باسم الله، فلو قال: باسم الرحمن أو باسم رب العالمين أو باسم الخلاق أو ما أشبه ذلك مما يختص بالله فإنه لا يجزئ، والصحيح أنه يجزئ.
قال المؤلف رحمه الله: (فإن تركها سهوًا أبيحت لا عمدًا) (إن تركها) أي: التسمية، (سهوًا) فإن ذبيحته تحل، والسهو معناه: ذهول القلب عن شيء معلومٍ؛ يذهل قلب الإنسان عن أمر كان يعلمه.
وظاهر كلام المؤلف أنه إذا تركها ذاكرًا فإنها لا تحل ولو كان جاهلًا، لو كان جاهلًا لا يدري أن التسمية واجبة، وهو كذلك على المذهب، فيفرقون هنا بين الجهل والنسيان، يقول: إذا ترك التسمية ناسيًا فإنها تحل، وإن تركها جاهلًا فإنها لا تحل، وإن تركها عالمًا ذاكرًا فلا تحل من باب أولى.
فالأحوال ثلاثة؛ إما أن يتركها عالمًا بالحكم ذاكرًا لها فلا تحل.
أو يتركها عالمًا بالحكم ناسيًا فتحل.
أو يتركها جاهلًا بالحكم عامدًا ذاكرًا فإنها لا تحل على المذهب.
فيفرقون بين الجهل والنسيان.
ما هو الدليل على أنها تسقط بالسهو؟
قال: الدليل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وهذا نسيان، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمُ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدْهُ» (12)، قالوا: هذا دليل واضح صرَّح الرسول عليه الصلاة والسلام بأن ذبيحة المسلم حلال إذا لم يتعمد، وعُلِم منه أنه إذا تعمد فليست بحلال ولو كان جاهلًا؛ لعموم الحديث.
وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم على ثلاثة أقوال –أعني: التسمية على الذبيحة- هل هي شرط أو ليست بشرط؟ فذهب بعض أهل العلم إلى أن التسمية ليست بشرط، وإنما هي مستحبة، إن سمَّى فهو أفضل، وإن لم يسمِّ فالذبيحة حلال، سواء تعمد ذلك أم لم يتعمده، وسواء كان ذاكرًا أو ناسيًا، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله.
واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمُ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا».
هذا قول.
والقول الثاني: أنها شرط ليست بسنة، ولا تسقط بحال؛ لا سهوًا، ولا جهلًا، ولا عمدًا مع الذكر، لا تسقط أبدًا.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وأهل الظاهر، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وعن الإمام مالك، واختاره جماعة من السلف من الصحابة والتابعين؛ أنها شرط، ولا تسقط بأي حال من الأحوال.
واستدل هؤلاء بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121]، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» (5)، فَشَرط لحل الأكل التسمية، ومعلوم أنه إذا فُقد الشرط فُقد المشروط، فإذا فُقِدت التسمية فإنه يُفقَد الحل، كسائر الشروط؛ كل الشروط الثبوتية الوجودية لا تسقط بالسهو ولا بالجهل.
ولهذا لو أن الإنسان صلَّى وهو ناسٍ أن يتوضأ وجبت عليه إعادة الصلاة، وكذلك لو صلى وهو جاهل أنه أحدث؛ بحيث ظن أن الريح لا تنقض الوضوء، أو أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء مثلًا، فعليه الإعادة؛ لأن الشرط لا يصحُّ المشروطُ بدونه.
وكما أنه لو ذبحها ولم ينهر الدم ناسيًا أو جاهلًا فإنها لا تحل فكذلك إذا ترك التسمية؛ لأن الحديث واحد: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ»، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح.
والقول الثالث -وهو المذهب-: أنه إذا تركها ناسيًا حلت الذبيحة، وإن تركها عامدًا ولو جهلًا لم تحل الذبيحة، ففرقوا بين الجهل والنسيان هنا.
ودليل هذا هذا الحديث الذي ذكره المؤلف: «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمُ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَ إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ» (12).
فإذا قلت: أنت ذكرت الأدلة على أنها –أي: التسمية- لا تسقط لا بالجهل ولا بالنسيان، فبماذا تجيب أدلة القائلين بالسقوط؟
والجواب أن يقال: أدلة القائلين بالسقوط ضعيفة لا تقوم بها حجة، لا هذا الذي ذكره المؤلف، ولا الذي استدل به الشافعية، وإذا كانت ضعيفة فإنها لا يمكن أن تعارض القرآن والسنة، والقرآن والسنة قد دلَّا على أن ذلك شرط، وأنها لا تؤكل الذبيحة إذا لم يذكر اسم الله عليها.
فإن قلت: إن القول الذي رجحته يَرِد عليه أمور؛ الأمر الأول قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وهذا الرجل ناسٍ أو مخطئ -يعني جاهلًا- فهو غير مؤاخذ؟
فالجواب: أننا نقول بذلك، ونقول: إن هذا الذي نسي أن يسمي لا يؤاخذ، وكذلك الجاهل الذي لم يعلم أن التسمية شرط ولم يسمِّ لا يؤاخذ أيضًا، لكنه لا يلزم من انتفاء المؤاخذة صحة العمل؛ بدليل أنك لو صليت ناسيًا وأنت مُحْدِث فلا إثم عليك، لكن صلاتك لا تصح، ولو تعمَّدت الصلاة وأنت محدث لأثمت، حتى إن أبا حنيفة رحمه الله يقول: من صلَّى مُحْدِثًا فهو كافر؛ لأنه قد استهزأ بآيات الله.
فنحن نقول: نعم، لا نؤثِّم هذا الذي نسي أو جهل، لكننا لا نأكل ما لم يُذكر اسم الله عليه؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121].
ولهذا نقول: لو أكل مما لم يذكر اسم الله عليه ناسيًا أو جاهلًا فليس عليه إثم؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
وبيان ذلك أن هنا فعلين؛ فعل الذابح، وفعل الآكل، فهذا الذابح الذي ذبح ولم يسمِّ ناسيًا ليس عليه إثم، أليس كذلك؟ فإذا جاء الآكل ليأكل قلنا: هذه الذبيحة لم يذكر اسم الله عليها، إذن يأكل ولَّا ما يأكل؟ لا يأكل؛ لأن الله يقول: ﴿لَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وأطلق، ولم يقل: إلا أن يكون الذابح ناسيًا، فهنا فعل الذبح وفعل الأكل.
لكن لو أن رجلًا أكل من هذه الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها وهو لا يدري أو ناسيًا فلا إثم عليه؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
فإن قلت: يَرِدُ عليك أيضًا قول النبي عليه الصلاة والسلام حين سئل عن اللحم الذي يأتي به مَن لا يُدرَى أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا» (11)، ولو كان شرطًا لكان لا بد من العلم به، لو كانت التسمية شرطًا لكان لا بد من العلم به؛ إذ لا يمكن أن يحل شيء حتى نعلم وجود شرط حِلِّه.
فاهمين هذا ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
طالب: أعد.
الشيخ: نعيد، حديث عائشة في البخاري قالت: إن قومًا جاؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا»، فأحل لهم الأكل وأمرهم بالتسمية على الأكل.
فلو قال قائل: كيف نجيب عن هذا الحديث، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أباح لهم الأكل مع أننا لا نعلم أذكروا اسم الله عليه أم لا، ولو كانت التسمية شرطًا لما أحله لهم؛ لأن ما توقف حله على شرط فلا بد أن نعلم وجود شرط حله، وهنا قال: «سَمُّوا» «وَكُلُوا»، فهذا دليل على أن التسمية ليست بشرط؛ إذ لو كانت شرطًا للحل لكان لا بد من العلم بها، وبهذا استدل من قال: إن الذبيحة تحل وإن لم يسم، أقول: ما الجواب عن هذا الحديث؟
الجواب عن هذا الحديث: أن الذبح صدر من أهله، والأصل في الفعل الصادر من أهله الصحة حتى يقوم دليل الفساد، وهذه قاعدة معتبرة في الشرع، ولو أن الناس كُلِّفُوا أن يعلموا شرط الحل فيمن انتقل منه لكان في ذلك من العسر والمشقة ما لا يعلمه إلا الله، لكان الرجل إذا أراد أن يبيع الشيء عليَّ قلتُ له: من أين ملكت هذا الشيء؟ وبأي سببٍ ملكته؟ لأن من شرط حل البيع أن يكون البائع مالكًا للشيء، فلا بد إذن أن أعلم هل هو مالكه، وبأي جهة ملكه أو بأي سبب، وهذا فيه من العسر والمشقة.
لو جاء رجل يريد أن يزوِّج ابنته، قال: بزوجك بنتي مثلًا، قلنا: ما يمكن، من يقول: هذه بنتك؟ لا بد تأتي بشهادةٍ تشهد أنها وُلدت على فراشك، وهذا فيه من العسر والمشقة ما لا يمكن.
فالأصل في الفعل الصادر من أهله، وأيش الأصل فيه؟ الصِّحَّة، ولو أننا قلنا: إن الأصل عدم الصحة وأنه لا بد أن نعلم بشروط الصحة لشق ذلك على الناس مشقة لا تحتمل.
ولهذا الآن لو جاءنا لحم من القصَّابين؛ من الجزارين المسلمين هل يشترط أن نعلم أنهم سموا؟
طلبة: لا.
الشيخ: احتمال أنهم لم يسموا واردٌ، ومع ذلك لا يشترط، بل نشتري ونأكل ولا نقول شيئًا؛ لأن هذه القاعدة مطَّردة؛ الأصل في الفعل الصادر من أهله الصحة ما لم يقم دليل الفساد.
والرسول عليه الصلاة والسلام لما قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا» كأنه يشير إلى نقدٍ لاذع لهم، كأنه يقول: لستم مكلفين بفعل غيركم، الذبح ليس فعلكم، بل فعل الغير وأنتم غير مسؤولين عنه، لكن مسؤولون عما تفعلون أنتم، فأنتم سموا وكلوا، فعل اللي لغيرك ما أنت مسؤول عنه، وهذا واضح لمن تأمله.
وحينئذٍ فلا يكون في هذا الحديث دليل على سقوط التسمية؛ لا نسيانًا، ولا جهلًا، ولا عمدًا، بل سبق لنا أن قلنا: إنه دليل على وجوب التسمية، وأن التسمية قد تقرَّر عندهم أنه لا بد منها؛ ولهذا سألوا عن حلِّ أكل هذا اللحم.
فإن قلت: إذا حرَّمتَ الذبيحة التي نُسي أن يذكر اسم الله عليها فقد أضعتَ مالًا كثيرًا على المسلمين؛ لأن النسيان يرِد كثيرًا عند الفعل، ولا سيما إذا كانت الذبيحة قوية، وأراد الإنسان أن يجهز عليها بسرعة، هو تجده مع السرعة يمكن ينسى أن يقول: باسم الله، فإذا قلت: إن هذا حرام الذي نُسِي أن يذكر اسم الله عليه وأنه يجب أن يُسْحَب للكلاب والذئاب فقد أتلفت مالًا كثيرًا على الناس، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن إضاعة المال؟ فالجواب: إذا كنا نخاطب المذهب نقول: أنتم تقولون: إن الرجل إذا نسي أن يُسمِّي على الصيد فالصيد حرام، هم يقولون بذلك؛ إذا نسي أن يسمي على الصيد فالصيد حرام، ولو كان الصيد من أنفس ما يكون وأغلى ما يكون، حتى لو كان ظبيًا من أحسن الظباء وأكبر الظباء وأغلى الظباء ونسي أن يسمي فإن الصيد لا يحل، مع أن الذهول عن التسمية في الصيد أكثر من الذهول عن التسمية على الذبيحة؛ لأن الصيد يأتي الإنسان بسرعة يخشى أن يفوته، لكن الذبيحة بين يديه يذبحها بهدوء، فأنتم تقولون: إنها تحل، فما الفرق؟ ! وإذا كان المخاطَب ممن يقول بسقوط التسمية نسيانًا في الصيد والذبيحة، وقال: إنكم إذا حرَّمتم ما نُسِيَ أن يذكر اسم الله عليه فقد أضعتم أموالًا كثيرة للمسلمين؟ فالجواب عن هذا: أن نقول بمنع أن يكون هذا مالًا، نقول: الذي لم يسمَّ الله عليه ليس بمال؛ لأنه ميتة، والميتة ليست بمال؛ فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْمَيْتَةِ» (13)، وإذا كان كذلك فإن ما لم يسمَّ الله عليه ميتة، وإلقاؤه للسباع لا يعتبر إضاعة مال.
ثم نقول: ليس في هذا إضاعة مال على وجه الإطلاق؛ إذ من الممكن أن يؤخذ جِلْدُ هذه الميتة ويُدبغ ويكون طاهرًا؛ لأن جلد الميتة يطهر بالدباغ، ويمكن أن نأخذ صوفها نجزه، ويمكن أن نأخذ شحمها ندهن به السفن والجلود، وما أشبه ذلك من استعماله في أمرٍ لا يتعدَّى، فنحن لم نضع هذا المال مطلقًا.
ثم نقول جوابًا ثالثًا: إننا إذا قلنا ذلك حفظنا المال في الواقع؛ لأن الإنسان متى ذكر أنه سحب شاته في ذلك اليوم الذي نسي أن يسمِّي عليها فإنه في المرة الثانية لا يترك التسمية، يمكن يسمي مرتين أو ثلاثًا، أو يبدأ من يوم يسن السكين وهو يقول: باسم الله، باسم الله، باسم الله.. إلى أن يذبح.
طالب: واحد غيره.
الشيخ: واحد غيره ما فيه إلا مرة ولاحدة.
الطالب: لا أقول: غيره (... ) ذبيحة فلان.
الشيخ: إي، وكذلك غيره أيضًا، وكذلك غيره ينتفع بها، ينتفع به غيره، فحينئذٍ لا يكون في ذلك إضاعة مال.
وما إيراد إضاعة المال في مثل هذه المسألة إلا كإيراد من قال: إنك إذا قطعت يد السارق قطعت نصف أيدي الشعب، وبقي نصف الشعب ليس له إلا يد واحدة! نقول: هذا الذي يكون نصفُ الشعب سارقًا فيه هذا هو الشعب الذي لا تُقطع فيه اليد، أما الذي تقطع فيه اليد فإن السُّرَّاق يكثرون ولَّا يقلِّون؟ يقلِّون بلا شك، أو يعدمون.
فالحاصل أنك كلما تأملت هذه المسألة وجدت أن الصواب ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأن التسمية لا تسقط لا سهوًا ولا جهلًا، كما لا تسقط عمدًا.
وإذا كان كذلك فإنه يبقى النظر هل يُشترط أن تكون التسمية واقعة من الفاعل أو لو سمَّى غيره ممن هو إلى جانبه كفى؟
طلبة: من الفاعل.
الشيخ: من الفاعل؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يعني مثلًا واحد عند الذابح وقال: باسم الله، وذبح الذابح، يجزئ ولَّا لا؟
طالب: يجزئ.
طالب آخر: ما يجزئ.
طالب آخر: النية يا شيخ.
الشيخ: لا، هو ما نوى، يمكن نوى أو ما نوى، المهم أن الذي قال: باسم الله غيره؟