الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 7744-7783

الشرط الرابع: أن يكون مريدًا للكفر؛ يعني: هو تكلم باختيار، أو فعل باختيار لكنه لا بد أن يكون مريدًا للكفر، فلو جرى على لسانه بغير قصد فإنه لا يكفر؛ لأنه لم يرده، ويؤخذ من قوله تعالى ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾؛ لأن غير المريد لم يشرح بالكفر صدرًا، مثل أن ينطق بالكفر لشدة فرح أو غضب أو ما أشبه ذلك فهذا لا يكفر.
ودليله ما حدثتكم إياه فيما سبق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الرجل الذي انفلتت دابته في فلاة من الأرض، عليها طعامه وشرابه، فطلبها فلم يجدها، فنام تحت شجرة ينتظر الموت، فبينما هو كذلك إذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة، فأخذه وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح (6)، فهل هذا كفر؟ الكلمة كلمة كفر، لكن هل أرادها؟ أبدًا، وعليه فنقول: لا بد أن يكون مريدًا لذلك أي: للكفر، فإن كان غير مريد فلا.
وبناء عليه نقول: لو أنه حكى كلمة الكفر ولم يقصد معناها؛ مثل أن يقول: ما تقول في رجل قال: كذا وكذا، ولكنه ما أراد المعنى، أو يحكي كفرًا سمعه فإنه لا يكفر؛ لأنه غير مريد، هذه أربعة شروط.
الشرط الخامس: أن يكون عالمًا بالحال والحكم، أما كونه عالمًا بالحال فأن يعلم أن هذا القول مُكفِّر أو هذا الفعل، فإن لم يعلم أنه مُكَفِّر فلا يكفر، مثل أن يتكلم بكلمة الكفر وهو لا يدري ما معناها، مثل أن يتكلم رجل عربي بكلمة الكفر في لسان العجم وهو لا يدري أن معناها كفر، فهذا يكفر؟ طلبة: لا يكفر.
الشيخ: ليش؟ طلبة: لأنه غير عالم.
الشيخ: لأنه لا يدري معناها، ما علم أن معناها الكفر، أو يتكلم عجميٌّ بكلمة الكفر في لسان العرب وهو لا يدري معناها فإنه لا يكفر، لأن لا بد أن يعلم أن هذا الشيء مكفر فإن لم يعلم فلا؛ لو سجد لصنم ما ظن أن ذلك كفر فإنه لا يكفر؛ لأنه لا يدري ما معناه، ولو علم أنه كفر لكان أشد الناس فرارًا منه.

أن يكون عالمًا بالحكم الشرعي، وهذا أيضًا هذا محلٌ خطيرٌ جدًّا، يشترط للكفر أن يكون عالمًا بالحكم الشرعي أي: بأن هذا مكفر شرعًا.
فالأول اللي قلناه عالمٌ بالحال، هذا من باب تحقيق المناط، وهذا من باب العلم بالحكم الشرعي الذي هو معرفة الدليل؛ لأنه لا بد من معرفة الدليل، وأن هذا مما يدخل في الدليل؛ علمان: معرفة الدليل، ومعرفة أن هذا مما يدخل في الدليل، الثاني: إذا جهل نقول: هذا جهلٌ بالحال الذي كنت أتكلم عليه قبل قليل.
العلم بالدليل أيضًا لا بد أن يعلم بأن هذا القول أو هذا الفعل مكفر، فإن لم يعلم بأن لم يبلغه الشرع أن هذا مكفر فإنه لا يكفر؛ لأن الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]، فانظر إلى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ نعم فمن لم يتبين له الهدى إذا شاق الرسول لا يستحق هذا الجزاء، وإذا ارتفع هذا الجزاء ارتفع سببه وهو الكفر، وقال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115] فلا بد أن يبين الله سبحانه وتعالى ما يُتقى حتى يتقيه العبد.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، فإذا كان هذا في أصل الدين ما يعذب الإنسان عليه حتى يبعث الرسول فكذلك في الفروع، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: 59]، ولا ظلم لمن أتى شيئًا لا يعلم أنه معصية أو أنه كفر.

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (7) والجهل بلا شك من الخطأ، فعلى هذا نقول: إذا فعل الإنسان ما يوجب الكفر من قول أو فعل جاهلًا بأنه كفر، يعني: جاهلًا بدليله الشرعي فإنه لا يكفر، ولكن يبقى النظر؛ هل كل إنسان يُعْذَر بالجهل؟ وهذا أمر مهم.
نحن الآن نتفق على أن الجهل مسقط للحكم، وموجب لانتفاء الردة، ولكن هل كل إنسان يعذر بالجهل؟ نقول: من أمكنه التعلم فلم يتعلم فقد يكون غير معذور بجهله، وحينئذٍ يخرج من القاعدة العامة التي قلنا قبل قليل، فيقال له: لماذا لم تتعلم؟ أنت الآن في بلد إسلامي، كمن قال: أنا لا أدري أن الصلاة واجبة، وهو عايش في بلاد إسلامية، وكيف ما تدري وأنت تشاهد الناس يؤذنون ويذهبون إلى المساجد ويصلون؟ ! أنت غير معذور، فهذه المسألة هي محلُّ التأمل، هل هذا الرجل الذي جهل الحكم هل هو معذور بترك التعلم أو لا؟ نقول: قد يكون معذورًا وقد يكون غير معذور، فإذا فرضنا أنه قد عاش في بيئة تفعل الكفر، وعلماؤها موجودون وهم يُقرُّون ذلك ولا ينكرونه، ولم يتكلم أحد من العلماء عنده بأن هذا كفر، ككثير من العامة في البلاد الإسلامية الذين يدعون القبور وأصحاب القبور وما أشبه ذلك، فقد يقال: إن هذا الرجل معذور؛ لأنه ما يدري، هو عاش في بلدٍ تعتبر بلاد يظهر فيها الشرك، وهو لا يدري ولا سمع بأن هذا شرك، فهذا قد يعذر؛ لأنه ليس لديه سبب يوجب الانتباه وطلب العلم، الناس قد مشوا على هذا الأمر وساروا عليه.
أما إذا كان في بلد يُبَيَّنُ فيها الحق، ويقال: إن هذا شرك، ولكنه يقول: لا، أنا سأتبع الشيخ كبير العمامة، واسع الهامة، طويل الأكمام، طويل المسواك، وأما غيره فلن أتبعه، فهذا معذور ولَّا غير معذور؟ طلبة: غير معذور.

الشيخ: هذا غير معذور؛ لأنا نقول: مهما كان شيخك في إظهار التنسك، وأنه الشيخ الإمام العالم العلامة، فإن هذا ليس عذرًا لك؛ لأن عندك مَنْ يبين الحق ببراهينه، فأنت غير معذور، فهنا المسألة يحتاج إلى أن ينتبه الإنسان، ويتحقق حتى يتحقق المناط في هذا الرجل بعينه أنه كافر أو غير كافر.
وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في عدة مواضع من كلامه أن هناك فرقًا بين القول والقائل، وبين الفعل والفاعل، وأن القول قد نطلق عليه أنه كفر مخرج عن الملة، لكن القائل لا نخرجه من الملة حتى تقوم عليه الحجة، وكذلك الفعل؛ نقول: هذا فعل مخرج عن الملة، لكن الفاعل ما نخرجه من الملة إلا إذا قامت عليه الحجة، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الأئمة رحمهم الله ومنهم الإمام أحمد وغيره لم يكفروا أهل البدع إلا الجهمية؛ فإنهم كفروهم مطلقًا؛ لأن بدعتهم ظاهر فيها الكفر، وأما الخوارج يقول: والقدرية ومن أشبههم فإن الإمام أحمد نصوصه صريحة في أنهم ليسوا بكفار، لكن يجب أن نعرف الفرق بين القول والقائل.
وقد أنكر رحمه الله على من جعل الدين أصولًا وفروعًا، وأن الأصول يُكفَّر فيها والفروع لا يُكفَّر، وقال: إن هذا القول إنما جاء من أهل الكلام، فهو قولٌ مبتدَع، ولكن تبعهم على ذلك بعض الفقهاء، وقال لهم: فسروا لي الأصول ما هي؟ فأي تفسير يفسرونها فهو منقوض عليهم، فإذا فسروها بالأمور العلمية قلنا لهم: إن الأمور العلمية قد اختلف فيها الصحابة، كاختلافهم مثلًا هل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه أم لا؟ واختلافهم أيما أفضل عليّ أم عثمان؟ وهذه من مسائل العلم العقدية، ومع ذلك هل كفَّر بعضهم بعضًا بذلك؟ لا، هناك أمور عملية يكفر من خالف فيها: كوجوب الصلاة مثلًا، والزكاة، وما أشبه ذلك، وهي عندكم من الأمور الفرعية، ومع هذا فإن المخالف فيها يكفر، الشيخ رحمه الله أنكر هذا القول إنكارًا عظيمًا؛ أن الدين ينقسم إلى أصول وفروع.

على كل حال ما هو هذا موضع البحث، لكن موضع البحث.
المهم أنه يجب أن نعرف الفرق بين القول والقائل، والفعل والفاعل؛ لأن هناك أناسًا من أهل العلم الفضلاء قالوا أقوالًا مبتدعة لا شك أنها ضلال، ومع ذلك لا يمكن أن نصفهم بأنهم ضالون هم بأنفسهم، لماذا؟ لأننا نقول: هم مهتدون من وجه، ضالون من وجه آخر؛ مهتدون من حيث الاجتهاد وطلب الحق؛ لأنا نعرف قصدهم، نعرفهم أئمة في الدين، أناس يريدون الحق ويبحثون عنه، لكن لم يوفَّقوا له، فهم من هذه الناحية مأجورون مثابون عند الله عز وجل، لكن من ناحية إصابة الحق هم مخطئون ضالون عن الحق، فلا يطلق عليهم الضلال، ولا تطلق عليهم الهداية، بل يقال: إنهم مهتدون من جهة الاجتهاد في طلب الحق، ولكنهم ضالون من جهة أيش؟ إصابته، ولا تستوحش من كلمة ضال فإنها تقال حتى في المسائل التي يسمونها فرعية، قال ابن مسعود رضي الله عنه وقد سُئل عن مسألة أفتى فيها أبو موسى (8)، وهي: بنت، وبنت ابن، وأخت، سئل عنها أبو موسى رضي الله عنه فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وبنت الابن تسقط، ويش تقولون في هذا؛ صح؟ طلبة: (... ) خطأ.
الشيخ: هذا غير صحيح، أبو موسى الأشعري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» (9) يخطئ في مسألة من الفرائض؟ ! طالب: (... ) السنة.
الشيخ: إي نعم كلٌّ يخطئ، لكنه من توفيق الله أنه قال للسائل: ائت ابن مسعود فسيوافقني على ذلك، فذهب الرجل لابن مسعود فسأله وأخبره بفتيا أبي موسى، فقال: قد ضللت إذن وما أنا من المهتدين –يعني: إن وافقته- لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت.

خلاصة البحث اللي بحثناه الآن وهو مهم جدًّا، وهذا إن شاء الله سيكون من مواضع البحث التي سنطلبها إن شاء الله، أن شروط الردة خمسة: البلوغ، والعقل، والاختيار، والإرادة، والعلم بالحال، والعلم بالشرع، وإن شئت فقل: العلم بالحال والشرع واجعله واحدًا، خمسة، فإذا انتفى واحد منها فإن الردة لا تثبت.
ولكن ما هو الأصل في الإنسان، أهو الكفر أو الإسلام؟ طلبة: الإسلام.
طلبة: يختلف.
الشيخ: إي، يختلف؛ إذا كان أبواه مسلمين أو أحدهما فهو مسلم، فإن اختار غير الإسلام فهو مرتد، إذا كان أبواه أو أحدهما مسلمًا فهو مسلم، فولد اليهودية من المسلم مسلم، وولد المسلمة من اليهودي؟ طلبة: مسلم.
الشيخ: ما يصح هذا يا جماعة، أخطأتما جميعًا، اللي قال: إنه مسلم أخطأ، واللي قال: إنه يهودي أخطأ، ليش؟ طلبة: (... ) الشيخ: انتبهوا لهذه، أنا قلت: ولد المسلمة من اليهودي.
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن؛ لأن المسلمة ما تحل لكافر، ولد الكافر من الكافرة؟ طلبة: كافر.
الشيخ: كافرٌ حكمًا، هذا الطفل إذا شبَّ على الكفر نحكم بأنه مرتد؟ طلبة: لا.
الشيخ: ما نحكم بأنه مرتد، وإلا لقتلنا أولاد الكفار، وقلنا: أنتم مرتدون، لكن إذا كان أبواه مسلمين أو أحدهما فإنه إن اختار الكفر فهو مرتد، هذا هو التفصيل في هذه المسألة.

قال: (فمن ارتد عن الإسلام وهو مكلف مختار رجلًا أو امرأة) أشار المؤلف إلى التفصيل هنا (رجلًا أو امرأة) مع أن العموم في (من) مغنٍ عنه؛ لأن (مَنْ) شرطية تكون للعاقل من ذكر وأنثى، لكنه نصَّ على المرأة؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إن المرأة لا تُقْتَل؛ المرتدة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء، فالمرأة المرتدة ما تقتل، تُدْعَى إلى الإسلام ويضيق عليها حتى تُسلم، وإلا حُبست، ولا تُقتل لعموم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء، والصحيح أنها تقتل لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (10)، وإنما نهى عن قتل النساء في باب الجهاد؛ لأن النساء إذا غُلِبَ الكفار صِرْنَ سبْيًا للمسلمين، والسَّبي لا يجوز أن يقتل لإتلافه، إذن رجلًا كان أو امرأة؛ قال: (دُعي إليه ثلاثة أيام) مَنِ الداعي؟ طالب: الإمام.
الشيخ: الداعي الإمام أو نائبه، فإن لم يكن إمام ولا نائبه فأمير القوم، أو رئيسهم وكبيرهم، كما لو كانوا مثلًا في بلد غير إسلامي ما فيه لا إمام ولا نائب إمام، فإنه إذا كان على هؤلاء الطائفة من المسلمين أمير أمَّروه أو رئيس أو ما أشبه ذلك صار الحكم متعلقًا به.
(دُعِي إليه ثلاثة أيام) بلياليها، فيقال له: أسلِم.
وينظر؛ أسلم، وينظر إلى أن يتم له ثلاثة أيام، فإن لم يسلم، بل انتظر.
قال: (وَضُيِّقَ عَلَيْهِ) أيضًا، يدعى إليه ثلاثة أيام ويُضيَّق عليه بماذا؟ يعني: يضغط عليه تابوت؟ لا، يُضيَّق عليه يحبس ولا يُطعَم ولا يُشرب إلا عند الضرورة، إذا أعطيناه في الصباح خبزة، متى نعطيه خبزة أخرى؟ بعد يومين أو ثلاثة؛ لأن يمكن تكفيه يومين، إذا أسقيناه في الصباح في أيام الصيف، متى نسقيه؟ الظهر مثلًا.
طالب: (... ).

الشيخ: إي نعم، إذا عطش مرة أعطيناه، إذا ضيقنا عليه ثلاثة أيام إن لم يسلم قُتل، إن لم يسلم قُتل، ولكن هاتان المسألتان فيهما روايتان عن أحمد؛ رواية: أنه يُقتل بلا دعوى ولا تأجيل، يُقتل بلا تأجيل ولا استتابة، إذا كفر على طول قتلناه ما لم يسلم.
والقول الثاني: أنه يدعى إلى الإسلام، ولكن بدون تأجيل، الرواية الثانية عن أحمد.
فعن أحمد في هذه المسألة ثلاث روايات؛ الرواية الأولى: أنه يُقتل بمجرد الردة، والثانية: أنه يُقْتَل بعد أن يستتاب بدون تأجيل، والثالثة: يستتاب مع التأجيل، وهذا هو المشهور من المذهب، ولكنه يضيق عليه.
والنصوص تدل على أنه يقتل؛ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (11)، ولأنه كفر وارتد، لكن إن رأى الإمام المصلحة في تأجيله واستتابته فعل ذلك؛ لأنه قد يرى المصلحة في هذا، كيف رؤية المصلحة؟ قد يكون هذا الرجل سيدًا في قومه، وقتلُهُ يثير فتنة عظيمة مثلًا، وقد يكون هذا الرجل نحتاج إليه؛ يحتاج إليه المسلمون لكونه ماهرًا في صناعة شيء ما مما يحتاجه المسلمون، أو قائدًا محنكًا في الطائرات الحربية، أو ما أشبه ذلك، فيرى الإمام أن يستتاب.
فالصحيح من هذه الروايات الثلاث أنه يقتل فورًا، إلا إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك في تأجيله ثلاثة أيام فإنه يستتاب.
طالب: (... ) ولكن أكثرهم لا يعلمون، ولكن أكثرهم يجهلون، ولكن أكثرهم لا يظنون.
الشيخ: إي نعم، هذا نفعه، مع علم انتفاء فائدته؛ لأن هم يعلمون ما في شك، دعاهم الرسول عليه الصلاة والسلام.
الطالب: بخلاف من قال هذا يلزم من الدين بالضرورة (... )؟ الشيخ: أبدًا، ما هو معلوم بالضرورة من الدين؛ لأن الإنسان عارف، الآن كثير من هؤلاء المساكين اللي يعبدون القبور ويدعونها ما يدرون؛ لأن علماءهم ما ينكرون هذا، بل ربما إنهم يؤيدونهم على هذا الفعل.
طالب: ومن رأى أن عالمه مثلًا أنه أهل العلم، وأن غيره لا يأتيك بشيء، ثم تابعه رغم أن كان (... ).

الشيخ: والله ما أظنه يُعذر بهذا.
الطالب: ما يُعذر؟ ! الشيخ: لأنه على الأقل يجب عليه التوقف والبحث، ولا حتى الذين وجدوا أباءهم على أُمَّه قد يكون بعضهم يرى أنهم هم اللي على الصواب ما هم مجرد التعصب.
طالب: (... ). الشيخ: نعم.
الطالب: ظاهر الآية (... ) لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ [التوبة: 65، 66]، الظاهر أنهم (... )؟ الشيخ: قيل: إن هؤلاء المستهزئون يقولون: نخوض ونلعب؛ يعني: ما قصدنا هذا الشيء، هذا يدل على أنهم عالمون، وعالمون بأن هذا كفر لكن ما قصدوه؛ يعني: يقول: إحنا نلعب؛ يعني: نتحدث حديث الرَّكْب كما في الروايات (12). طالب: (... ). الشيخ: كون الإنسان لا يُعذر بكونه لا يدري ما النتيجة حتى في الإسلام، لو فعل الإنسان معصية وهو ما يدري ويش نتيجتها؛ مثل لو زنى محصن وقال: والله أنا ما علمت إن الزنا حده الرجم، أنا عارف أنه حرام، لكن ما أعرف أن هذا الحد؛ نقول: هذا ليس بعذر؛ ولهذا لم يعذر النبي عليه الصلاة والسلام الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان وهو لا يدري ما عليه من الكفارة، يمكن كثير من الناس إذا دري إن الكفارة صيام شهرين متتابعين ما يجامع في رمضان، إي نعم.
طالب: يعني: يمكن (... ) ما يعلم أنه حرام.
الشيخ: إذا علم أنه حرام، إي نعم كفر، كذب.
طالب: مَن قالوا بأنه ما يستتاب بما ثبت عن عمر أنه قال: هلَّا حاججتموه.
الشيخ: هذا يرونه من اجتهاداته، فهذا هنا استثنينا إذا رأى المصلحة في ذلك.
طالب: (... ) الأصل فيه الإسلام، ومع ذلك (... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: ما الدليل على هذه المسألة؟ الشيخ: على أيش؟ الطالب: الإنسان إذا كان أبواه مسلمين (... )؟

الشيخ: قول الرسول: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» (13). الطالب: الظاهر (... ) أبواه مسلمين.. الشيخ: أبواه، شوف أبواه، معناه أحدهما لا يهوده ولا ينصره، إي شوف قال: «فَأَبَوَاهُ» الاثنين.
هم الذين ينقلانه عن الفطرة، إذن الواحد منهما لا ينقله.
الطالب: (... )؟ الشيخ: إي؛ لأن أبواه الاثنين يجعلانه يهوديًّا أو نصرانيًّا.
الطالب: حتى أبناء الكفار؟ الشيخ: أبناء الكافرين كافر ما هو مرتد.
الطالب: (... ). الشيخ: إي، كفر أبواه استثنى «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَواهُ»، أنا أرجو منكم أن أحدًا لا يعترض حتى يتأمل قبل لئلا يضيع علينا الوقت.
«كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ» هذه عامة، ثم قال: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» أي: يخرجانه عن الفطرة، فإذا كان أبواه يهوديين أو نصرانيين خرج عن هذه الفطرة وصار كافرًا، واضح؟ طالب: (... )؟ الشيخ: إي نعم، نفس الشيء ما يعارض هذا الحديث.
(... ) لقراءة هشام بن حكيم، أنكرها، معلوم أن الذي ينكر شيئًا من القرآن يكفر، لكن عمر رضي الله عنه ما علم أن هذه قراءة صحيحة عن رسول الله، هذا جاء به هشام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قرأ في سورة الفرقان آية ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يُقرِئها عمر على هذا الوضع (14). وكذلك حديث أبي بن كعب رضي الله عنه حتى أنه صار في قلبه بعض الشيء، لما صار في قراءتهم حتى ضرب النبي عليه الصلاة والسلام على صدره فأيقن رضي الله عنه (15). وكذلك قالت عائشة: مهما يا رسول الله، مهما يكتم الناس يعلمه الله: قال «نعم» (16)، هي سألت عن شيء لا يمكن إنكاره؛ وهو علم الله بما يكتم الناس بالغيب، لكنها رضي الله عنها أشكل عليها فسألت، فدل هذا على أن الإنسان إذا تكلم وهو غير مريد فإنه لا يكفر.

قال العلماء: ولا يكفر من حكى كفرًا سمعه؛ لأنه لم يرد، المهم أن إرادة الكفر هذه لا بد منها أن يكون جاهلًا بالحكم الشرعي، ذكرنا الأدلة فلو أن أحدًا فعل شيئًا مكفِّرًا وهو لا يدري أنه كفر في الشرع فإنه لا يكفر، لكن يشكل علينا أن نقول: إن هذا يستلزم أن يقال بأن جميع عباد القبور الآن من المسلمين –يعني: ممن ينتسبون إلى الإسلام– يكونون غير مشركين.
فالجواب أن نقول: إن كان هؤلاء قد بلغهم الحق ولكن أصروا على ما كانوا عليه وقلدوهم فهم أيش؟ طلبة: كفار.
الشيخ: فهم كفار مشركون؛ لأن فعلهم هذا نظير قول الذين قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22]، وفي الآية الثانية ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23].
أما إذا كان لم يبلغهم الحق ولا علموا به وكان مستورًا عنهم بعلماء السوء فإن هؤلاء.. دُعِيَ إليه ثلاثةَ أيَّامٍ, وضُيِّقَ عليه, فإن لم يُسْلِمْ قُتِلَ بالسيفِ، ولا تُقْبَلُ توبةُ مَن سَبَّ اللهَ أو رسولَه، ولا مَن تَكَرَّرَتْ رِدَّتُه، بل يُقْتَلُ بكلِّ حالٍ، وتوبةُ الْمُرْتَدِّ وكلِّ كافرٍ إسلامُه؛ بأن يَشهدَ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ، ومَن كانَ كَفَرَ بجَحْدِ فَرْضٍ ونحوِه فتَوْبَتُه معَ الشهادتينِ إقرارُه بالمجحودِ به، أو قولُه: أنا بريءٌ من كلِّ دِينٍ يُخالِفُ الإسلامَ.
أما إذا كان لم يبلغهم الحق، ولا علموا به، وكان مستورًا عنهم بعلماء السوء فإن هؤلاء معذورون أمام الله عز وجل، وهم بالنسبة إلينا مسلمون ولَّا كافرون؟ مسلمون، يعني نأخذ بعُذرهم، بخلاف الإنسان الذي تديَّن بدِين الكفر، هؤلاء يقولون: نحن مسلمون، ولا ظنوا أن هذا كُفر، فيعامَل هؤلاء معاملة المسلمين.

أما مَن كان يدِين بدين الكفر، وليس مُسلمًا ولا ينتسب للإسلام فهذا كافر، يعني يُحكم له في الدنيا بظاهر حاله؛ وهو الكفر، حتى وإن كان معذورًا عند الله فإنه بالنسبة إلينا نحكم له بظاهر حاله وهو الكفر، مثل من؟ كاليهود والنصارى وأشباههم الذين عُمِّي عليهم الحق ولم يُبين لهم، فهؤلاء بالنسبة لنا كفار، فيجب أن نعرف الفرق.
أما حكمهم عند الله يوم القيامة: فالصحيح أن من لم تبلغه الدعوى فإنه يُمتحن يوم القيامة عند الله سبحانه وتعالى، والله تعالى أعلم بما كانوا يعملون.
طالب: (... ) ينقلون دقائق في السير عن أئمة في العقيدة (... ) على قلوبهم في العقيدة، وأصروا على أفعالهم بلغتهم الحجة، وهم أئمة.
الشيخ: إي، لكن ما هو قلنا: إذا كان التأويل سائغًا في اللغة العربية فهم يعذرون بتأويلهم.
الطالب: بس رد عليهم إبطال التأويل هذا (... ). الشيخ: إي نعم، لكن قد يقال بفسقهم، لكن ما سمعت أحدًا قال بتفسيق هؤلاء؛ لأنه قد لا يتبين له وجه الخطأ.
طالب: طالب علم (... ) يعني ضعيف (... ) بالبراهين.
الشيخ: هو طالب العلم الضعيف تجده ساذجًا، يعني ما عنده هذه التأويلات اللي مكثت في قلبه حتى صعب عليه استخراجها.
طيب المهم: الشروط كم صارت؟ طلبة: خمسة.
الشيخ: خمسة.
قال المؤلف: (دُعي إليه ثلاثة أيام) والداعي مَنْ؟ الإمام أو نائبه.
(وضُيِّق عليه) بماذا ضُيِّق عليه؟ بكل الحالات، يعني لا يُحبس حبسًا، لكن يُضيَّق عليه بكل شيء؛ بالأكل والشرب والكلام والبيع والشراء، حتى يُصبح يقول للناس: لا مِساس، فإن تاب فذلك المطلوب.
وإن لم يتُب قال المؤلف: (فإن لم يُسلم قُتل بالسيف)، ولكني أظن أن أحدًا لا يمكن أن يدع الإسلام مع هذه الحال، يُدعى إليه ويُضيَّق عليه، ويقال: إن لم تُسلم قتلناك، ثم لا يُسلِم هذا بعيد، فإنه قد يُسلم ولو كان إسلامه ظاهرًا فقط.
والقول الثاني في المسألة: أنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل بدون تأجيل.

والقول الثالث: أنه يُقتل بدون استتابة؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثَةٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ» (1). وقوله: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (2). ولم يذكر استتابة.
وتحمل الآثار الواردة عن عمر بن الخطاب وغيره في الاستتابة على أنهم رأوا أن ذلك مصلحة، وحينئذٍ نقول: فالأصل أن من ارتد يُقتل بدون استتابة، إلا إذا رأى الحاكم المصلحة، وقد سبق أن بينا كيف تكون المصلحة، أتذكرون ذلك؟ ثم قال: (فإن لم يُسلم قُتِلَ بالسيف)، (إن لم يُسلم) جملة الشرطية، فعل الشرط (إن لم يُسلم)، وجوابه: (قُتِلَ)، ومن الذي يقتله؟ قال العلماء: لا يقتله إلا الإمام أو نائبه، ونائب الإمام في هذا هو؟ طالب: القاضي.
الشيخ: الأمير، لا، نائب الإمام هنا الأمير لا القاضي؛ لأن الأمير منفذ، وهذا تنفيذ حكم، فالذي يقتله هو الإمام أو نائبه، ولا يحل لأحدٍ قتله مع أنه مباح الدم؛ لأن في قتله افتياتًا على ولي الأمر، ولأن في قتله سببًا للفوضى بين الناس، فإن هذا وإن قتله بحق يعني لأنه مُهدر الدم قد يسبب ذلك فتنة بين هذا القاتل، وبين أولياء المقتول المرتد، فيحاولون أن يأخذوا بماذا؟ بالثأر من هذا الذي قتل المرتد وإن كان مباح الدم، ولهذا لا يتولى قتله إلا الإمام أو نائبه، فإن قتله غيرُه فهل يضمنه؟ طلبة: لا يضمنه.
الشيخ: إي نعم، لا يضمنه؛ لأنه غير معصوم، لا يضمنه لا بقصاص ولا بدية، ولكن يُؤدَّب هذا القاتل، ويُعزَّر بما يراه الإمام.
قال العلماء: إلا إذا لحق بدار الحرب؛ يعني هذا المرتد -والعياذ بالله- لما ارتد خاف من السيف فذهب إلى بلاد الكفار، قالوا: فلكل واحد من (... ) يقتله، لماذا؟ لأن بلاد الكفار ليس فيها حاكم إسلامي، وإنما تُحكم بماذا؟ بأحكام الكُفر، ولا ولاية للكافر فيها على المسلمين.

قال المؤلف: (قُتل بالسيف) أدوات القتل متعددة: منها؟ طالب: السيف.
الشيخ: وغير؟ الطالب: الشنق.
الشيخ: شنق؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: وغير؟ الطالب: (... ). الشيخ: كما ذكر الأخ، ومنها غيرها أيضًا، يمكن من أسهل ما يكون وأسرع ما يكون الصعق بالكهرباء، ومع ذلك لا يجوز على المذهب أن يُصعق بالكهرباء، وإنما يُقتل بالسيف.
لو قال قائل: لماذا لا نصعقه بالكهرباء؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» (3)؟ فالجواب أن يُقال: إحسان القِتلة والذِّبْحة أن تكون على وفق الشرع، ولهذا نحن نرجم الزاني المحصن بأيش؟ طلبة: بالحجارة.
الشيخ: بالحجارة حتى يموت، وفي هذا تعذيب له، لكن هذا هو القتل الحسن الذي أُمرنا به.
القتل بالسيف هو المعهود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، فكان أوْلى من غيره، القتل بالسيف أنكى؛ لأنه إذا رؤي الرجل هذا مُضرج بدمائه صار أهيب للناس، وأشد وقعًا في نفوسهم، مما لو سلَّطنا عليه سلكًا كهربائيًّا ووقف على طول في الحال، فإن الأول أنكى وأبلغ في التهييب والتحذير؛ لهذا يُقتل بالسيف.
ثم قال المؤلف بعد أن ذكر أنه يُستتاب، استثنى المؤلف أنواعًا من الردة، لا تُمكن فيها الاستتابة، بل يُقتل المرتد فيها بدون استتابة لعدم قبول توبته، وهي: أولًا: قال: (ولا تُقبل توبة من سب الله) الذي يسب الله لا تُقبل توبته.
كيف يسُب الله؟ يطعن في حكمته، يطعن في شرعه، يطعن في صفة من صفاته، يطعن في فعل من أفعاله، يطعن في ذاته عز وجل، يقول: إنه مفتقر للولد، مفتقر للزوجة، وما أشبه ذلك من النقائص التي يُنزَّه الله عنها، فكل من وصف الله تعالى بنقيصة فهو ساب له؛ يعني هذا هو حقيقة السب؛ أن تصف غيرك بما هو نقص في حقه.

فإذا سب الله عز وجل سبًّا يكفر به -وكل سب لله فهو كُفْر- فإنه يُقتل كفرًا حتى لو تاب وأعلن على الملأ أنه تائب ووصف الله سبحانه وتعالى بصفات الكمال، وقال: سبحانه لا أحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فإنه لا يُقبل منه، حتى ولو حسنت حاله، وظهرت عبادته، واستنار وجهُه فإننا لا نقبل توبته، بل نقتله، وليت أننا نُعدمه فقط، نقتله، ولا نُغسله، ولا نكفنه، ولا نُصلِّي عليه، ولا يُدفن مع المسلمين؛ لأن توبته غير مقبولة، لماذا؟ قالوا: لعِظم رِدَّته؛ لأن هذه أعظم ما يكون من الردة، أن يسُب الخالق عز وجل، وهو الْمُنزَّه عن كل عيب ونقص؛ فلهذا نقول: إنه لا تُقبل توبته، طبعًا هذا فيما بيننا وبينه، فنُجري عليه في الدنيا أحكام الكفر، أما فيما بينه وبين الله عز وجل فإنه على نيته، إذا كان صادقًا في توبته فالله عز وجل يجزيه بما يستحق.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرْق بين أن يكون الكافر أصليًّا أو مرتدًّا؛ أي أن من سَبَّ الله ولو كان كفره أصليًّا فإنها لا تُقبل توبته.
ولكن الظاهر هذا غير مراد، لماذا؟ لأن كثيرًا من الكفار الذين أسلموا كانوا يسبون الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: 108]. ويدل لذلك أيضًا أنه غير مُراد أن المؤلف ذكر هذا في باب أحكام أيش؟ طلبة: المرتد.
الشيخ: المرتد، فالظاهر أنه أراد الذي ارتد بسب الله، بخلاف الكافر الأصلي فإننا نقبل توبته، ولو كان قد سب الله عز وجل، هذا ما ذهب إليه المؤلف.

والصحيح: أن من سَبَّ الله عز وجل إذا علمنا صِدْق توبته فإنه تُقبل توبته، ويُحكم بإسلامه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]، إلى آخر الآيات، هذه الآية أجمع العلماء على أنها في التائبين، وكلمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ لو سألتكم هل سب الله ذنب؟ طلبة: أكبر الذنوب.
الشيخ: والآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فإذا علمنا صِدْق توبته فإننا نقبل توبته، ونقول: بارك الله فيك، وأهلًا بك وسهلًا، ونُشجِّعه على إسلامه، وعلى وصفه ربه عز وجل بما هو أهله من صفات الكمال، ويكون ذلك السب والعيب قد زال.
ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يعني مع الآيات السابقة: ﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة: 65، 66]، ولا عفو عن مِثل هؤلاء إلا بالتوبة، وهذا يدل على أنهم إذا تابوا عفا الله عنهم، والاستهزاء من أعظم السب.
ثانيًا: قال: (أو رسوله) يعني: من سب رسوله محمدًا عليه الصلاة والسلام فإنها لا تُقبل توبته، بأن وصفه بما هو نقْص في حقه، نقص يعود على الرسالة، وقد يُقال: وعلى شخصه، لو وصفه بأنه كاذب، أو ساحر، أو يلعب على الناس على عقولهم، أو ما أشبه ذلك؛ فهو أيش؟ مرتد، ولا تقبل توبته؛ لأن ذنبه عظيم، لا تُقبل التوبة منه، فلعِظم ردته لا نقبل توبته.

ونقول: كما قلنا في سَبِّ الله عز وجل: إن القول الراجح في هذه المسألة: أننا إذا علمنا صِدْق توبته، وأن توبته حقيقة، ورأيناه يُعظِّم النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، ويُدافع عن شرْعه، فإننا نقبل توبته؛ لأن الله يقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
ولكن إذا قبلنا توبته، فهل يسقط عنه القتل أو لا يسقط؟ هذا محل الخلاف بين العلماء؛ يعني خلاف في داخل خلاف.
أولًا: هل تُقبل توبته أو لا؟ عرفنا أن المذهب: لا تقبل توبته، فنقتله ونعامله معاملة الكفار، وفي الآخرة حكمه إلى الله.
القول الثاني: إنها تقبل توبته، ولكن إذا قبلنا توبته هل نقتله أو لا نقتله؟ في هذا أيضًا خلاف؛ فمن العلماء من يقول: إذا قبلنا توبته رفعنا القتل عنه؛ لأنه إنما حَلَّ قتلُه بماذا؟ طالب: بارتداده.
الشيخ: بارتداده، فإذا تاب من الرِّدَّة ارتفع حُكم الكفر؛ وهو القتل؛ فلا يُقتل، ولأننا حكمنا بكُفره بسب النبي صلى الله عليه وسلم لا لشخص الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن لأنه رسول الله، فإذا تاب رفعنا عنه القتل.
والقول الثاني في المسألة أنه إذا تاب قبِلنا توبته، ولكن يجب علينا أن نقتله، أي أن توبته لا ترفع القتل عنه، كيف؟ يقول: لأن قتله حق للرسول عليه الصلاة والسلام، والرسول عليه الصلاة والسلام لا نعلم هل عفا عن حَقِّه أو لم يعفُ؟ بخلاف من سَبَّ الله، فإن قتله حق لله، والله تعالى قد أعلمنا بأنه يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب، فيسقط عنه -أي عن من سَبَّ الله- القتل، أما من سب الرسول عليه الصلاة والسلام فإننا نقبل توبته، ونقول: هو الآن مُسلم يُغسَّل، ويُكفن، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين، ويرث من مات من أقاربه، ويورث، لكن القتل واجب، لماذا؟ طلبة: (... ).

الشيخ: نعم، أخذًا بحق الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا من حق الرسول.
وفي هذا ألَّف شيخ الإسلام رحمه الله كتابًا مُجلدًا سمَّاه: الصارم المسلول في تحتُّم قتل ساب الرسول، وأن من سبَّه عليه الصلاة والسلام فإنه يُقتل بكل حال.
المسألة الثالثة: قال: (ولا من تكررت رِدَّتُه) من تكررت ردته فإنه يُقتل، مثل: كفر، ثم تاب، ثم كفر، تكررت ولَّا لا؟ تكررت، لا نقبل توبته، المرة الثانية ما نقبل توبته، لماذا؟ قال: لأنه لما كذب في التوبة الأولى فيُمكن أنه كذب.
طالب: في الثانية.
الشيخ: في التوبة الثانية، فلا نقبل، قد يكون هذا الرجل متلاعبًا يكفر اليوم ويتوب غدًا ما نقبل.
والتكرار يحصل باثنتين، وقيل: لا بد أن يكون ثلاثًا وهو رواية عن أحمد، لكن المذهب يحصل باثنتين.
العلة لماذا؟ قلت: لأنه قد يكون كاذبًا في الثانية كما كذب في الأولى، هذا التعليل.
الدليل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 137]، وانتفاء المغفرة عنهم لعدم قَبُول توبتهم، ولو قبل الله توبتهم لغفر لهم، هذا دليل، والأول تعليل.
وقال بعض العلماء: إذا علمنا صِدْق توبته قبلناها ولو تكررت، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن الرجل الذي أذنب ذنبًا فتاب منه، ثم أذنب فتاب، ثم أذنب فتاب، فقال الله عز وجل: «قَدْ عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَل مَا شَاءَ» (4)، وهذا رجل تكرر منه الذنب، وقبِل الله توبته، فإذا علمنا أنه صادق في التوبة، فما المانع من القبول؟ استدل هؤلاء بما أشرت إليه من الحديث، وبالتعليل الثاني: أنا إذا علمنا صدق توبته، فما المانع من قبولها؟

وأجابوا عن دليل الأولين، فقالوا: إن الآية الكريمة ليس آخرها أن الرجل تاب، ويش آخرها؟ طلبة: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾.
الشيخ: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾، فهؤلاء الذين ازدادوا كفرًا ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ يعني ما يوفقهم الله للتوبة، ليس المعنى أنهم لو تابوا لم يتُب الله عليهم، لكن لا يُوفَّقون، ما داموا -والعياذ بالله- صاروا هكذا غير مستقرين على أمر، والنهاية أنهم أيش؟ طالب: ازدادوا.
الشيخ: ازدادوا كفرًا، فهؤلاء يبعد كل البعد أن يُوفَّقوا للتوبة.
وأما التعليل: وقولهم إنه قد يكون كاذبًا في التوبة، فنقول: هذا غير مُسَلَّم، فإن الإنسان قد يتوب من الذنب توبة حقيقية، ولكن تُسوِّل له نفسه فيعود إليه، وهذا أمر مُجرَّب، الإنسان المسلم يتوب من المعاصي توبة حقيقية صادقة، ولكن تأتي أسباب تكون مُغرية له فيعود إلى الذنب، وهذا أمر مشاهَد.
إذن الصواب في هذه المسألة أيضًا أن من تكررت رِدَّتُه فإن توبته تُقبل كغيره.
فهذه ثلاث مسائل، ذكر الفقهاء رحمهم الله أنها لا تقبل.
فيه مسألة رابعة: وهي المنافق، المنافق لا تُقبل توبته، مَنِ المنافق؟ هو الزنديق، وكأن ياسرًا يقول: ومن هو الزنديق؟ طالب: معروف.
الشيخ: معروف؟ الطالب: نعم.
الشيخ: من هو؟ الطالب: الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر.
الشيخ: أحسنت، هو الذي يُظهر الإسلام، ويُبطن الكفر، هذا المنافق، وهو الزنديق عند الفقهاء، الذي يُظهر أنه مسلم وهو كافر بالله العظيم، يقول الفقهاء رحمهم الله: إنها لا تقبل توبته.
قال السفاريني في عقيدته:

لِأَنَّهُ لَمْ يَبْدُ مِنْ إِيمَانِهْ إِلَّا الَّذِي أَذَاعَ مِنْ لِسَانِهْ

هو من الأصل يقول: إنه مسلم ولَّا لا؟ ما زال يقول: إنه مسلم، فلم يبدُ من إيمانه إلا الذي أذاع من لسانه، وحينئذٍ لا نعلم أنه صادق في قوله أنه تاب، قد يكون هذا نفاقًا كما كان أولًا نفاقًا، ولكن الصحيح أيضًا أننا إذا علمنا صدق توبة المنافق فإننا نقبل توبته.
والقرآن يدل على ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 145، 146] ماذا تقول؟ (... ). ﴿وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولهذا يجب علينا في توبة المنافق أن ننتبه ونتحرى بدقة، وننظر العمل الحقيقي الذي يدل على أنه تاب.
فهذه أربع حالات لا تُقبل فيها توبة المرتد، والصواب: أنه ما من ذنبٍ مهما عظم إذا تاب الإنسان منه توبة حقيقية إلا ويغفره الله عز وجل.
طالب: ما القول في المذهب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: 90]؟ الشيخ: نعم، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ هؤلاء الآن هم ازدادوا كفرًا، والغالب أنهم ما يتوبون مثل الآية الثانية تقيدها الآية الثانية.
طالب: (... ) توبتهم.
الشيخ: إي، لكن هذه التوبة في الغالب ما تكون حقيقة؛ لأن قوله: ﴿ولَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ يدل على أنهم ما هم مُوفَّقين عن توبتهم الحقيقية.
طالب: الذي يسب الله سبحانه وتعالى (... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: الذي يسب الله سبحانه وتعالى، هل يشترط له أن (... ) على الله سبحانه وتعالى بلفظ (... )؟

الشيخ: هو لا بد أن يرجع، الذي يسب الله إذا تاب لا بد أن يرجع عن سَبِّه.
طالب: هل يلزمه (... ) الله سبحانه وتعالى؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: (... ) على الناس.
الشيخ: إي، كيف؟ الطالب: يُعلن توبته.
الشيخ: نعم، يلزم، يعني ما يكفي أن يقول: أنا لا أقول ما ذكرته أولًا حتى يُثني على الله عز وجل بما هو أهله.
طالب: الذي سبَّ الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تاب من هذا (... ) تقبل توبته، ولكن يقال: إنه يقتل؛ لأنهم يقولون: إن ذلك حق الرسول صلى الله عليه وسلم، ما هو دليلهم على أن حق الرسول هو قتل هذا الرجل؟ الشيخ: إي نعم، الدليل على هذا هو أن الرسول عليه الصلاة والسلام له من الحق العظيم ما ليس لغيره من الناس، وسَبُّ الرسول عليه الصلاة والسلام ليس كَسَبِّ فلان أو فلان؛ لأنه سبٌّ للشرع، فكان مستحقًّا للقتل بهذا السب، لما تاب فيما بينه وبين الله؛ لأن سبَّه للرسول في الواقع انتهاك لحرمة الله وحرمة رسوله، لما تاب من السب فيما بينه وبين الله قلنا: نرفع عنك حُكم الكفر، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لا بد أن يأخذ بحقه، ومن أراد أن يتبين له هذا الشيء فليرجع إلى الكتاب الذي أشرت إليه، كتاب شيخ الإسلام الصارم المسلول في تحتم قتل ساب الرسول.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، هو مستلزم سب الرسول، مستلزم لسب الله.
الطالب: لماذا (... )؟ الشيخ: لأنه حقه، وسامح عنه، الرسول له حق إن شاء عفا عنه، وإن شاء لم يعفُ، لكن بعد موته لا ليس بيده عفو ولا انتقام.
طالب: (... ) البرسام.
الشيخ: إي، البرسام يقولون: إنها علة في الدماغ، يُصاب بها الإنسان، نسأل الله العافية، يبدأ يخطرف فيها يهذي، ما يدري ويش يقول، تسمى عند العامة أظن، شو اسمها عند العامة؟ كيف؟ سميناها لكم لما كنا نتكلم على تصرفات المريض، يسمونها أبا دمغة؛ الأنثى تدعو على أولادها في بعض الأحيان، تقول: أعطاك أبو دمغة إي، أبو دمغة هي هذه.
طالب: (... ).

الشيخ: نعم، فيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه لا يُقتل.
وفيه قول ثاني: إن الداعي للبدعة يُقتل بكل حال ولو تاب، وإذا تاب نُصلي عليه؛ يعني نعامله معاملة المسلمين.
طالب: (... ). الشيخ: نعم، أيش؟ الطالب: الحديث (... ) بأن «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (2) «وَلَا تُعَذِّبُوهُ بِعَذَابِ اللَّهِ» (... ) النار عليه (... ). الشيخ: هذا يُقال: إنه اجتهد رضي الله عنه، اجتهد، ولكن ما علم بالحديث، ولهذا لما قال ابن عباس رضي الله عنه يعني لو كنت في مقام علي بن أبي طالب لقتلتهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (2). وما أحرقتهم بالنار؛ لقوله: «وَلَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ»، فلما بلغ عليًّا ذلك قال: ما أسقط ابن أم الفضل على الهنات؛ يعني على العيب، فكأنه رضي الله عنه رجع.
طالب: (... ). الشيخ: مثلما قلنا: إن هذا يقول: لعله لمصلحة؛ لأن هذه قضية عين، والحديث: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» عام، لفظٌ عام، فربما أن الرسول عليه الصلاة والسلام خاف أن هذه المرأة مغرر بها، أو أنها مخدوعة، أو ما أشبه ذلك، المهم: هذه قضايا عيان ما تهمنا في العموم.
طالب: لكن يا شيخ ما يُقال: هذا العموم يخصص، ثم إن قضية العيب الأفضل أنها عامة.
الشيخ: لا، إذا كان عندنا لفظ عام وقضية عين محتملة؛ يعني يبقى الآن الدليل غير وارد؛ لأنه محتمل، يمكن لها عذر استتابها الرسول من أجله.
طالب: (... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: الإصلاح مُقدَّم على السلاح.
الشيخ: وعلى كل حال يُنظر في موضوعه ما دام قلنا: إنه الأصل أن يُقتل إلا إذا رأى الإمام مصلحة لبقائه؛ فهذا يُنظر فيه.
طالب: ما الدليل على أن المرأة تقتل بالسيف فقط؟ الشيخ: لأن هذا هو المعروف في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ولأن هذا أنكى وأبلغ في التحذير، سبحانه (... ). ذكرها الأخ وأجبنا عنها، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.

طالب: ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾.
الشيخ: ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾.
طلبة: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾.
الشيخ: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ [آل عمران: 90]، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾، لكن قال: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾، إن هؤلاء لن يوفقوا للتوبة النصوحة حتى يتوب الله عليهم، هذا وجه.
والوجه الثاني أيضًا ذكره المفسرون: أن هذا فيمن تاب عند المعاينة، فلن تُقبل توبتهم؛ لأن هذه الآيات ذكر الله تعالى فيها حال الذين ارتدوا، ثم آمنوا فإنه يقبل توبتهم، ثم ذكر الذين ارتدوا وآمنوا عند الموت لن تُقبل توبتهم.
ثم ذكر القسم الثالث: الذين كفروا وماتوا على الكفر، فإذا قرأنا الآية: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ [آل عمران: 84]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ﴾ [آل عمران: 85].
طالب: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا﴾ [آل عمران: 86].
الشيخ: نعم، ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [آل عمران: 86 - 89] هؤلاء تابوا قبل المعاينة.
أما ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: 90] فهؤلاء الذين تابوا عند المعاينة.

ثم قال القسم الثالث: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 91].
فتكون هذه الآيات الثلاث كالآيات الثلاث في سورة النساء: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: 17، 18] ويش بعد؟ طلبة: ﴿وَلَا الَّذِينَ﴾.
الشيخ: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: 18]، فهؤلاء ثلاثة أقسام، فالتي في آل عمران توافق التي في سورة النساء؛ وبهذا يزول الإشكال.
وعلى كل حال فالقول الراجح: أن كل من تاب من ذنب، وعلِمنا صدْق توبته فإننا نقبل توبته، ونلحقه بالمسلمين مهما عظُم ذنبه، لكننا قلنا في مسألة مَنْ سَبَّ الرسول صلى الله عليه وسلم فإن العلماء اختلفوا: هل نرفع عنه القتل مع قبول توبته، أو لا نرفع؟ قل.
طالب: فيها قولان: الأول: أن نقبل توبته (... ). الشيخ: نعم، يعني نقبل توبته ونقتله.
الطالب: الثاني: نقبل توبته مع عدم القتل.
الوجه الأول: مع قتله أن الرسول لا نعلم هل هو عفا عن حقه أم لم يعفُ.
الشيخ: لأن هذا حق يتعلق بآدمي، ولم نعلم أن الرسول عفا عن قتله، عن حقه فنأخذ له بالثأر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وألَّف في ذلك كتابًا سماه: الصارم المسلول في تحتُّم قتل سابِّ الرسول.

والقول الثاني: يقولون: ما دمنا قبلنا توبته، وأنه مسلم آمن حقيقة؛ فإننا لا نقتله؛ لأن الذي أباح قتله هو سب الرسول عليه الصلاة والسلام، وما حكمنا بكفره؛ لأنه سب رجلًا يسمى محمد بن عبد الله، ولكن لأنه رسول الله، فإذا تاب إلى الله عز وجل رفعنا عنه القتل.
ولو قال قائل: إن هذا حُكم يرجع إلى رأي الإمام، فإن رأى من المصلحة أن يقتل قتله حتى لا يجترئ الناس على جناب الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن رأى من المصلحة ألا يقتله وأن يؤلفه على الإسلام ويؤلف أمثاله أيضًا فهذا لا يقتله.
لو قيل بهذا الرأي لكان رأيًا جيدًا، ويكون هذا الرأي وسطًا بين الرأيين.
ولكن لو قال قائل: أليس هذا خارجًا عن القولين فيكون مخالفًا للإجماع؟ فالجواب: لا؛ لأنه يوافق أحد القولين من وجه ويفارقه من وجهٍ آخر؛ يعني يوافق قولًا من وجه، ويوافق قولًا آخر من وجه، فنحن إذا قتلناه للمصلحة أخذنا ببعض قول من يقول: يتحتم القتل، وإذا لم نقتله للمصلحة أخذنا ببعض قول من يقول: لا يُقتل إذا تاب.
ولهذا شيخ الإسلام -رحمه الله- أحيانًا يذكر مثل هذا التفصيل، يعني يذكر اختلاف العلماء على القولين، ثم يذكر تفصيلًا ويقول: وهذا بعض قول من يقول بكذا وكذا، مثل: قوله في الوِتر، الوتر اختلف العلماء فيه، هل هو واجب أو ليس بواجب؟ وقال شيخ الإسلام: إنه يجب على من له وردٌ من الليل، وإذا قلنا: إنه يجب على من له ورد وافقنا أو أخذنا ببعض قول من يقول بالوجوب مطلقًا.


بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله: (وتوبة المرتد) يعني توبة الراجع عن الإسلام.
(وكل كافر) يعني الكافر الأصلي؛ لأن الكفار عندنا قسمان: مرتد، وأصلي.
فالأصلي: هو الذي لم يزل على كفره، والمرتد: هو الذي كان مؤمنًا، ثم خرج عن الإيمان للكفر والعياذ بالله.
الثاني أشد من الأول وأعظم، نسأل الله العافية؛ ولهذا يقتل بكل حال.

كلمة (توبة) معناها الرجوع في اللغة، أما في الشرع: فهي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، بترك المحظور وفِعْل المأمور، ولها شروط خمسة ذكرناها سابقًا، وهي بالإجمال: الإخلاص لله عز وجل، والندم على ما فات، والإقلاع عن الذنب في الحال، والعزم على ألا يعود، وأن تكون التوبة في وقت القبول، هذه خمسة شروط إذا اختل منها شرط واحد لم تصح التوبة.
توبة المرتد، وكل كافر ويش عندكم؟ طالب: إسلامه.
الشيخ: عندي أنا بأن يشهد، لكن الظاهر إسلامه هو الصحيح.
(إسلامُه) يعني أن يُسلم.
والإسلام معناه الاستسلام لله، فإن كان ظاهرًا لا باطنًا فهو نفاق، وإن كان ظاهرًا وباطنًا فهو حقيقة، فالمنافقون مسلمون ظاهرًا، لكن باطنًا كُفار، والمؤمنون مُسلمون ظاهرًا وباطنًا، والذي عليه مدار الثناء هو الإسلام ظاهرًا وباطنًا، توبته إسلامه بماذا؟ قال: (بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) يشهد نُطقًا باللسان، واعترافًا بالْجَنان، فلا يكفي النطق.
والنطق، وإن كفى بالنسبة لنا في أمر الدنيا فإنه لا يكفي بالنسبة لله عز وجل، ولهذا كان المنافقون يذكرون الله، ولا يذكرون الله إلا قليلًا، كان المنافقون يشهدون أن محمدًا رسول الله، والله يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1].
فالشهادة ظاهرًا لا تنفع أمام الله عز وجل، لكن أمامنا تنفع، تعصم ماله ودمه.
قال: (يشهد أن لا إله إلَّا الله) هذه الكلمة العظيمة هي مفتاح الإسلام، يدخل بها الإسلام من يقولها، ويخرج من الإسلام من ينكرها، فما معنى لا إله إلا الله؟ الإله، معناه المعبود، الإله هو المعبود بحق أو بغير حق.
لكن إن كان معبودًا بحق فألوهيته حق، وإن كان معبودًا بغير حق فألوهيته باطلة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: 62].

إذن (لا إله)؛ أي لا معبود، ويجب أن نُقدِّر الخبر، تقديره: لا معبود موجودٌ.
طلبة: خطأ.
الشيخ: خطأ؟ طلبة: إي نعم، خطأ.
الشيخ: خطأ، نقول: لا إله حقٌّ؛ يعني لا إله حق في ألوهيته، وأنه أهل لها إلا الله عز وجل، وعلى هذا فيكون الخبر محذوفًا، ويكون لفظ الجلالة بدلًا من ذلك الخبر المحذوف، والبدل هو المقصود في الحكم، كما قال ابن مالك رحمه الله: التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا وَاسِطَةٍ هُوَ الْمُسَمَّى بَدَلَا

هو المقصود بالحكم.
إذن فالإله الحق هو الله عز وجل، فأنت عندما تقول: لا إله إلا الله، معناه أعتقد اعتقادًا جازمًا لا شك فيه بأن جميع المعبودات التي تُعبد من دون الله فألوهيتها باطلة، وأن الإله الحق هو الله عز وجل رب العالمين.
ثانيًا: يقول: (وأن محمدًا رسول الله) لا بد من انضمامها إلى الجملة الأولى، يشهد بالشهادتين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ» (5) إلى آخره، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» (6).

فهذه الأدلة وأشباهها تدل على أنه لا يتم الإسلام إلا بالشهادتين، ولكن هناك نصوص أخرى تدل على أن الإنسان يدخل في الإسلام بالشهادة الأولى؛ وهي لا إله إلا الله، ومن ذلك حديث أسامة رضي الله عنه في قصة المشرك الذي أرهقه أسامة، فلما أرهقه قال: لا إله إلا الله، فقتله، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ ». قال: نعم يا رسول الله، إنما قالها تعوُّذًا، يعني ليعوذ بها من القتل ما قالها عن قلب، فقال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ ». (7)، وما زال يُكرِّرها عليه، قال أسامة: حتى تمنيت (... ) أسلمت بعد؛ يعني تمنى أنه ما بعد أسلم؛ علشان إذا أسلم فإن الإسلام يهدم ما قبله، وهذا يدل على أنه بقوله: لا إله إلا الله دخل في الإسلام وَعَصَم دمه، هذا دليل.
دليلٌ آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم حضر وفاة عمه أبي طالب، وكان يقول له: «يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» (8)، لم يذكر الشهادة الثانية؛ وهي شهادة أن محمدًا رسول الله، ومن ثَمَّ اختلف العلماء، هل توبة المرتد والكافر بقول: لا إله إلا الله فقط، ثم يُطالب بشهادة أن محمدًا رسول الله، فإن شهد وإلا قتل، أو لا يدخل في الإسلام حتى يشهد الشهادتين؟ وينبني على ذلك أننا إذا قلنا بالأول، ثم قال: لا إله إلا الله، ثم قال: لا إله إلا الله فقد دخل في الإسلام، فإذا لم يقل: محمد رسول الله قتلناه؛ لأنه مرتد.

وأما على الثاني: الذي يقول إن الكافر -والمراد بالكافر الأصلي هنا في المثال اللي نذكره الآن- الذي يقول: لا يدخل في الإسلام إلا بالشهادتين، فإنه إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم أبى أن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، فإننا لا نقتله؛ لأنه لم يكن مرتدًّا الآن، حيث إنه لا يدخل في الإسلام إلا إذا شهد الشهادتين، وإذا لم يُوجد الشرط؛ وهو شهادة الشهادتين، فإنه لا يُوجد المشروط وهو الإسلام، وحينئذٍ فيبقى على كفره الأصلي، ثم يُعامَل بما يقتضيه ذلك الكفر، أعرفتم؟ وقال بعض العلماء: إذا كان هذا الإنسان يقر بأن محمدًا رسول الله، ولكنه مشرك، فإنه يكفي في توبته أن يشهد أن لا إله إلا الله، لماذا؟ لأنه يشهد أن محمدًا رسول الله، وبنوا على ذلك قصة أبي طالب، فقالوا: إن أبا طالب يشهد أن محمدًا رسول الله ويقول: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ

فيشهد بأنه رسول، لكنه مشرك؛ فلذلك يُكتفى منه بشهادة أن لا إله إلا الله، وهذا يوجد كثيرًا فيمن ينتسب للإسلام وهو مُشرك، يدعو الأموات، ويستغيث بهم، وما أشبه ذلك، فهذا يقول أشهد أن محمدًا رسول الله ما عنده إشكال في هذا، لكنه مشركٌ بالله، فنقول: في مثل هذا يُكتفى بتوبته أن يقول أيش؟ الطلبة: لا إله إلا الله.
الشيخ: لا إله إلا الله؛ لأن الكلمة الثانية -أشهد أن محمدًا رسول الله- كان يُقرُّ بها ولا ينكرها، فإذا أتى بالأولى -أشهد أن لا إله إلا الله- تم إسلامه.
وكذلك أيضًا يقولون: من كان يقول: لا إله إلا الله، يشهد أن لا إله إلا الله ولا يشرك بالله، لا عيسى ولا غيره؛ يعني ما يشرك بالله ما يجعل لله شريكًا لا عيسى ولا غير عيسى، مخلص، لكن لا يشهد أن محمدًا رسول الله، فإذا أتى بأن محمدًا رسول الله، وشهد بها فقد دخل في الإسلام؛ لأنه في الأول كان يشهد أن لا إله إلا الله.

وفي الحقيقة أن هذين القولين لا يخرجان عما سبق؛ لأن لازمهما أن هذا الذي أسلم قد أتى بماذا؟ بالشهادتين جميعًا، قد أتى بالشهادتين جميعًا.
والظاهر لي من الأدلة أنه إذا شهد أن لا إله إلا الله فقد دخل في الإسلام، ثم يُؤمَر بشهادة أن محمدًا رسول الله، فإن شهد، وإلا فهو مرتد، يُحكم بردته ويُقتل مُرتدًّا، فتكون الأولى هي الأصل، والثانية شرْط في عصمة دمه، وفي صحة الأولى أيضًا، الثانية: شرط في صحة الأولى، فإذا لم يقل: أشهد أن محمدًا رسول الله فإنه يُعتبر مرتدًّا عن الإسلام.
أما المذهب -فكما رأيتم- توبته أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فلو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم أُغمي عليه فمات، فهو مسلم ولَّا لا؟ طلبة: غير مسلم.
الشيخ: غير مسلم على المذهب، فلا يُغسَّل، ولا يُكفَّن، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن مع المسلمين، وعلى القول الثاني الذي يقول: إن أشهد أن لا إله إلا الله كافٍ في الإسلام يكون مسلمًا.
قال: (ومن كان كفره بجحد فرضٍ ونحوه) ويش نحوه؟ كجحد تحريم الزنا مثلًا، والخمر، وجحد تحليل.
طالب: الخبز.
الشيخ: الخبز.
طالب: والبيض.
الشيخ: والبيض، وما أشبهه؛ لأن عندنا جَحْد واجبٍ، وجَحْد مُحرَّم، وجَحْد حلالٍ، كلها قد تكون كفرًا.
فإذا كان كفره بجحد هذا، فإن (توبته مع الشهادتين) يقول المؤلف: (إقراره بالمجحود به)، هذا رجل ينكر فرضية الصلاة، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، هل تصح توبته؟ طالب: نعم.
الشيخ: لا، ما تصح؛ لأنه جاحد، الشيء الذي حكمنا بِرِدَّته من أجله لم يزل مُصِرًّا عليه، فلا بد أن يقر مع ذلك بماذا؟ بما جحده من فرضية الصلاة، لا بد يقر بذلك، فإن لم يفعل فهو ما زال على رِدَّتِه.

كذلك لو جحد تحريم الزنا، قال: الزنا ما هو بحرام، الخمر ليس بحرام، وهذا جائز، وهو ممن عاش في الإسلام، وعرف أحكام الإسلام، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، يكفي في توبته هذه؟ طلبة: لا، ما يكفي.
الشيخ: لا؛ لأنا ما حكمنا بردته إلا من أجل إنكاره تحريم ذلك، وهو لا يزال مُصِرًّا عليه.
طيب من كان كُفره بِسَبِّ الصحابة، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولكنه أصرَّ على سب الصحابة لم يتب حتى الآن من الردة، لم يزل مرتدًّا حتى يقلع عن سب الصحابة، ويبدل هذا السبَّ بثناء.
طيب إذا كان كُفره بترك الصلاة تهاونًا وكسلًا، وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكنه لا يصلي، فهل يكفيه الشهادتان؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، لا بد أن يُصلِّي، فإن لم يفعل فهو لا يزال مرتدًّا، يعامل معاملة المرتدين.
والمهم، القاعدة في هذا: أن الكافر الأصلي، نكتفي بالشهادتين، أو على الأصح بالشهادة الأولى، ونلزمه بالثانية، والكافر غير الأصلي لا بد أن يتوب مما كان سببًا في الحكم عليه بالرِّدَّة، مع الشهادتين، لا بد من الشهادتين وأن يتوب مما جعلناه سببًا في ردته، سواء كان جحد فرض، أو جحد محرَّم مجمع على تحريمه، أو محلَّل مجمع على حله، أو ترك الصلاة، أو ما أشبه ذلك.
طالب: (... )؟ الشيخ: لا ما جاء.
ثم قال: (إقرار المجحود به أو قوله) طريق ثانٍ للتوبة فيمن كان ردته بجحد فرض ونحوه، (أو قوله: أنا بريء من كل دِين يخالف الإسلام) انتبه لهذه النقطة هل تحتاج إلى مناقشة ولَّا واضحة؟

قوله: (أنا بريء من كل دِين يخالف الإسلام) هذه الكلمة في الواقع كلمة مجملة، ما تدلنا على أنه تاب توبة حقيقية، لماذا؟ لأنه قد يعتقد أن ما هو عليه هو الإسلام، وما أكثر الذين يدَّعون أنهم مسلمون، ويتبجَّحون بالإسلام وهم كفار، يسبون الصحابة، ويعتقدون أن جبريل أخطأ في الوحي، فنزل به على محمد وقد أُمِرَ أن ينزل به على عَلِي، وما أشبه ذلك، وهم يدَّعون أنهم مسلمون، فإذا قال: أنا بريءٌ من كل دين يخالف الإسلام، فهل نجعل ذلك توبة يرتفع بها عنه حُكْم الردة أو لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، الواقع أن هذه الكلمة من المؤلف رحمه الله فيها نظر ظاهر؛ لأنه قد يكون محكومًا بِرِدَّته من أجل فعلٍ يعتقد هو أنه من الإسلام، وليس من الإسلام في شيء، فمثل هذا لا نقبل منه حتى يُصَرِّح بأنه رجع عما حكمنا بكُفره من أجله، أما أنه بريء من كل دين يخالف الإسلام؛ فهذا لا يدل على توبته ما دام هو يقول: إنه مسلم.
طالب: الرسول قال في الحديث المتواتر الذي رواه مسلم (... ) فقال: أنا مسلم، أفأقتله؛ قال لا تقتله (9) ألا يدل هذا على أن قول: أنا مسلم يكفي عن الشهادتين؟ الشيخ: ما دام يعرف الإسلام، ويريد بالإسلام ما أراده المسلمون، هذا صح.
الطالب: حديث مسلم.
الشيخ: لكن هل اللي في عهد الرسول اللي يقول: أنا مسلم؛ يعني معكم مع الرسول وأصحابه، يعني على دين الرسول وأصحابه، واضح أنه مسلم.
طالب: لو قلنا يا شيخ: مَنْ سب الرسول يتعلق به حقان؛ حق شخصي للرسول باعتباره شخصًا، وهذا يبقى معلقًا إلى يوم القيامة (... )، وحق للرسول باعتباره رسولًا، وهذا حق لله سبحانه وتعالى، وقد دل أن الله سبحانه وتعالى يعفو عن حقه (... ). الشيخ: هذا قول من يقول: إنه يُقبل.
طالب: (... ) فيمن ترك الصلاة إي نعم، أو جحد.
الشيخ: هو تارك الصلاة يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
الطالب: (... ) توبته نقول: قل للناس..

الشيخ: إي نعم، إلا إذا علمنا أنه لم يزل عليها؛ الظاهر أنه يكفي أنه، وإلا ظاهر كلام المؤلف أنه لا بد مع الشهادتين، يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأنني ملتزِم بفعل الصلاة، ويصلي فعلًا.
طالب: (... ) بالنسبة (... ) لا إله إلا الله؛ يعني حديث أسامة ربما يقال: إنه يلزم من ذلك الشهادة (... )؛ لأنهم مشركون، فإن أقر بلا إله إلا الله أقر منها بأن محمدًا رسول الله مع حديث: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ»؟ الشيخ: ما دام يقول: إنه لا إله إلا الله، وأنه ضمنًا يقر بشهادة أن محمدًا رسول الله، نقول: قل: أشهد أن محمدًا رسول الله، إذا أبى حكمْنا بِردَّته.
الطالب: إذا كان يقول: لا إله إلا الله وهو يتمسَّح في القبر، ويدعو مثل حال كثير من الناس.
الشيخ: إي نعم، هذا نقول له أيضًا: لا بد أن تقر بأن ما أنت عليه شرك وتتوب منه.
طالب: يا شيخ هل (... )؟ الشيخ: يعني على كل فرد لا، قصدك، ولا عمومًا بمعنى أنه قال: كل أصحاب الرسول ارتدوا إلا نفرًا قليلًا.
الطالب: (... )؟ الشيخ: لا، هذا فيه تفصيل، لكن إذا سبهم عمومًا مثل أن يقول: كلهم ارتدوا إلا خمسة، أو ستة أو ما أشبه ذلك.
الطالب: (... ). الشيخ: هذه نفس الشيء، كله واحد، يعني لو قال: أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام مثلًا قوم سوء لا خير فيهم، وما أشبه ذلك هذا كفر.
طالب: (... ). الشيخ: لا، يعني لو ما وصفهم بالردة، إذا وصفهم بالفسق أو بشيءٍ في دينهم وما أشبهها؛ فهذا كافر.
طالب: يا شيخ، وإذا لم يعين أشخاصًا.
الشيخ: لا، أشخاص (... ). إلى الأحوال البشرية دون الدينية، مثل أن وصف بعضهم بالجبن، أو بالفقر، أو بسوء الخلق، هذا ما يكفر، وإن سبهم بما يتعلق بالدين فهذا فيه أيضًا تفصيل؛ لأن منهم من سبُّه قدح عظيم كَسَبِّ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومنهم من دون ذلك..

﴿كتاب الأطعمة﴾ الأصلُ فيها الْحِلُّ، فيُباحُ كلُّ طاهِرٍ لا مَضَرَّةَ فيه من حَبٍّ وثَمَرٍ وغيرِهما، ولا يَحِلُ نَجِسٌ كالْمَيْتَةِ والدمِ، ولا ما فيه مَضَرَّةٌ كالسُّمِّ ونحوِه، وحيواناتُ البَرِّ مُباحةٌ إلا الْحُمُرَ الأهلية وما له نابٌ يَفتَرِسُ به - غيرَ الضَّبُعِ - كالأسَدِ والنَّمِرِ والذئبِ والفيلِ والفهْدِ والكلبِ والخِنْزِيرِ وابنِ آوَى وابنِ عِرْسٍ والسِّنَّوْرِ والنِّمْسِ والقِرْدِ والدُّبِّ، وما له مِخْلَبٌ من الطيرِ يَصيدُ به كالعُقابِ والبازِي والصَّقْرِ والشاهينِ والباشِقِ والْحِدَأَةِ والبُومَةِ، وما يَأكلُ الْجِيَفَ كالنَّسْرِ والرَّخَمِ واللَّقْلَقِ والعَقْعَقِ والغُرابِ الأبقَعِ والغُدَافِ - وهو أسودُ صغيرٌ أَغبرُ - والغُرابِ الأسودِ الكبيرِ، وما يُسْتَخْبَثُ كالقُنْفُذِ والنَّيْصِ والفأرةِ والحَيَّةِ والحشراتِ كلِّها والوَطْوَاطِ وما تَوَلَّدَ مِن مأكولٍ وغيرِه كالبَغْلِ.
(فصلٌ) وما عدا ذلك فحلالٌ، كالخيلِ وبهيمةِ الأنعامِ والدَّجاجِ والوحشيِّ من الْحُمُرِ والبقرِ والضب والظِّبَاءِ والنَّعَامةِ والأرنبِ وسائرِ الوَحْشِ، ويُباحُ حيوانُ البحرِ كلُّه، إلا الضُّفْدَعَ والتِّمْسَاحَ والحيَّةَ،

مدخل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال رحمه الله تعالى: (كتاب الأطعمة) الأطعمة: جمع طعام، وهو كل ما يُؤْكَل أو يُشْرَب، أما كون ما يُؤْكَل طعامًا فأمره ظاهر، وأما كون ما يُؤْكَل شرابًا فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249]، فجعل الشرب طعمًا، ولأن الشارب يطعم الشيء المشروب فهو في الواقع طعام.
واعلم أن كون الإنسان يحتاج إلى الطعام دليل على نقصه، ولهذا برهن الله عز وجل على أن عيسى وأمه ليسَا بإلهين بقوله: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: 75].

وتمدَّح سبحانه وتعالى بكونه يُطْعِم ولا يُطْعَم، فالحاجة إلى الطعام لا شك أنها نقص؛ لأن الإنسان لا يبقى بدونه، وكونه لا يأكل الطعام أيضًا نقص؛ لأن عدم أكله الطعام خروج عن الطبيعة التي خُلِق عليها، والخروج عن الطبيعة يُعْتَبَر نقصًا، إذن فالإنسان إن أكل فهو ناقص، وإن لم يأكل فهو ناقص، وهذا يتبين به كمال الله عز وجل ونقص ما سواه.
الإنسان مُضْطَرّ إلى الطعام، سواء كان مأكولًا أم مشروبًا، والأصل فيه الحِلّ، كما قال المؤلف: (الأصل فيها الحِلّ)، (الأصل فيها) أي: في الأطعمة، (الحِلّ)، وهذا أمر مُجْمَع عليه، دلَّ عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، فقوله: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾، (ما) اسم موصول، والاسم الموصول يفيد العموم، كما أنه أكد ذلك العموم بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾.
فكل ما في الأرض فهو حلال لنا أكلًا وشربًا ولبسًا وانتفاعًا، ومَن ادَّعى خلاف ذلك فهو محجوج به –أي: بهذا الدليل- إلا أن يقيم دليلًا على ما ادَّعَاه، ولهذا أنكر الله عز وجل على الذين يُحَرِّمُون ما أحَلَّ من هذه الأمور فقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32].

وقولنا: (الأصل فيها الحل) ليست لكل إنسان، أي: ليس هذا الأصل ثابتًا لكل إنسان، بل هو للمؤمن خاصة، أما الكافر فالأطعمة عليه حرام؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ تُخْرِج غيرَ الذين آمنوا، وكذلك قال تعالى في سورة المائدة: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93] مفهومه أن غيرهم عليه جُنَاح فيما طَعِم.
ومع ذلك: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ بشرط ألَّا يستعينوا في ذلك على المعصية، ولهذا قال: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، والله ما ندري هل نحن مُطَبِّقُون لهذه الشروط، أو أننا نأكل الشيء وعلينا جناح فيه، ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ كم؟ طلبة: سبعة شروط.
الشيخ: سبعة شروط مؤكَّدة هذه الشروط بـ (ما) الزائدة؛ ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾، فإن (ما) كما مرت علينا من حروف الزيادة، وقد قيل: (ما) بعد (إذا).

يَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ (مَا) بَعْدَ (إِذَا) زَائِدَهْ

أخذتها؟ طالب: إي نعم، بعد (إذا) زائدة.
الشيخ: (ما) بعد (إذا) زائدة، تمام، هذه مؤكدة، كل حروف الزيادة في القرآن أو في السنة أو في كلام العرب كلها للتوكيد، إذن الأصل فيها الحِلّ، لمن؟ الطلبة: للمؤمنين.

الشيخ: للمؤمنين، أما غيرهم فإن الكافر لن يرفع لقمة إلى فمه إلا عُوقِبَ عليها يوم القيامة، ولن يبتلع جرعة من ماء إلا عوقب عليها، ولن يستتر أو يدفئ نفسه بسلك من قطن إلا حُسِبَ عليه يوم القيامة.
إذن: (الأصل فيها الحِلّ)، ما فائدتنا من هذه القاعدة العظيمة التي دل عليها الكتاب وكذلك السنة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ غَيْرَ نَسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» (1)، وقال: «مَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ» (2). هذا الأصل الذي دَلَّ عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه المسلمون في الجملة، نستفيد منه فائدة، وهي: أن كل إنسان يقول: هذا الشيء حرام مما يُؤْكَل أو يُشْرَب أو يُلْبَس أيضًا، ماذا نقول له؟ طلبة: الدليل.
الشيخ: نقول: هات الدليل؛ لأن عندنا أدلة تدل على حِلِّهِ، هات الدليل، لو قال قائل: الدخان حلال، أيش نقول؟ طلبة: هات الدليل.
الشيخ: لا.
طلبة: ما نطالبه.
الشيخ: ما نطالبه بالدليل.
طلبة: الأصل الحل.
الشيخ: لأن الأصل الحل، نقول: ما نطالبك بالدليل، إذا قال: إن أصل الدخان حلال، قلنا: نعم، هذا هو الأصل، فإذا قال الثاني: بل هو حرام، نقول لهذا: هات الدليل، ولا شك أن مَن تأمل نصوص الكتاب والسنة ونظر نظرًا صحيحًا تبين له أن الدخان حرام، وليس هذا موضع ذِكْر أدلة تحريمه، ربما يأتي في موضع آخر من كلام المؤلف الآن.
قال المؤلف تفريعًا على هذه القاعدة: (فيُبَاح)، الفاء هنا للتفريع، يعني: فبناء على ذلك (يُبَاحُ كل طاهر لا مَضَرَّةَ فيه).
(كل طاهر)، خرج بقوله: (كل طاهر) ما كان نجسًا أو متنجِّسًا، فالنجس نجاسته عينية، والمتنجِّس نجاسته حُكْمِيَّة.

النجس مثل: الميتة، الخنزير، الدم المسفوح، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145]. الضمير يعود على أيش؟ طلبة: على الثلاثة.
الشيخ: على الثلاثة؟ طلبة: إي نعم.
الشيخ: إذا قال قائل: على الثلاثة، لو كان كذلك لقال: فإنها رجس.
طالب: يمكن على المذكور.
الشيخ: بل يعود شوف: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ﴾ (مُحَرَّم) هذا مفرد، ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ ذلك الشيء المحرَّم على الطاعم الذي يطعمه، إلا أن يكون أيش؟ ﴿مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾ أي: ذلك الشيء، ﴿رِجْسٌ﴾، أي: نجس.
المتنجس ما هو الدليل على تحريمه؟ لو قال قائل: النجس واضح تحريمه؛ لأنه نجس العين، وكل نجس حرام، وليس كل حرامٍ نجسًا، صح؟ هذه مَرَّت علينا أيضًا في (إزالة النجاسة).
طالب: في (الآنية).
الشيخ: أو في (الآنية) نعم.
ما هو الدليل على أن المتنجس حرام؟ الدليل؛ لأن المتنجس متأثِّر بالنجاسة، مختلط بها، فالنجاسة لم تَزَلْ فيه، فإذا أكلته أو شربته؟ طالب: باشرت النجاسة.
الشيخ: فقد باشرت النجاسة، أكلت النجاسة وشربتها، ولَّا لا؟ فلهذا نقول: المتنجس محرَّم؛ لأنه ليس بطاهر، وإذا كان الشرع يأمرنا بإزالة النجاسة من ظاهر أجسامنا، فكيف نُدْخِل النجاسة باطن أجسامنا؟

الثاني: قال: (لا مَضَرَّةَ فيه)، شوف (كل طاهر لا مَضَرَّةَ فيه)، فخرج بذلك الطاهر الذي فيه مَضَرَّة، الطاهر الذي فيه مَضَرَّة لا يجوز، حرام، وسواء كانت الْمَضَرَّة في عينه أو في غيره، كيف وغيره في عينه كالسم؟ السم ضرره في عينه، وكذلك الدخان فإنه ضارٌّ في عينه، الضرر في عينه كامن فيه، وضرره مُجْمَع عليه بين الأطباء اليوم، لا يختلف في ذلك اثنان منهم أنه ضارٌّ؛ لِمَا يشتمل عليه من المواد السامة الْمُفْسِدة للدم.
الضار في غيره مثل: أن يكون هذا الطعام لا يلتئم مع هذا الطعام، بمعنى: أنك إذا جمعت بين الطعامين حصل الضرر، وإذا أكلتهما على انفراد لم يحصل الضرر، ومن ذلك الْحُمْيَة للمرضى، فإن المريض إذا حُمِيَ عن نوع معين من الطعام، وقيل له: إن تناوله يضرك، صار عليه حرامًا.
من ذلك على تمثيل النحويين: لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبنَ، بالفتح، ولكننا نقول للنحويين في هذه القاعدة أو هذا الضابط: ما هذا عشَّك فادرُجِي، فإن الأطباء الآن يقولون: إنه لا يضر، وقد رأينا أهل جدة -وإذا كان منهم أحد حاضرًا فليؤيد ما نقول- يأكلون السمك ويشربون اللبن، ولا يضرهم ذلك شيئًا.
طالب: إي نعم، وكم حرَمت ها القاعدة من واحد! الشيخ: نعم، إذن نقول: الضارّ إما ضارٌّ في ذاته ضرره في نفسه أو في غيره، بأن يكون هو نفسه ليس بضارّ، لكن إذا جُمِعَ إلى غيره ضَرّ، فهو حرام، قلت: ومن ذلك؟ طلبة: الْحُمْيَة.
الشيخ: حُمْيَة المرضى.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وإذا خاف الإنسان من الأكل أذًى أو تخمةً حرُم عليه؛ إذا خاف أذًى يعني مثلًا: أكل أكلًا كثيرًا وخاف أن هذا الأكل الكثير يحتاج إلى ماء، كما يقول العامة: الماء يدل الدقيق، يقولون: إن الذي يشرب كثيرًا معناه قد أكل كثيرًا، إذا أكلت طعامًا الطعام ما به ماء، خصوصًا إذا كان قرصان جافة، فهذا لا شك أنه يبغي ماءً.

فإذا قال الإنسان: أنا إذا ملأت بطني من هذا الطعام يحتاج إلى ماء، فإذا أضفت إليه الماء معناه يلَّا أمشي من بطني وأتأذى، إن قعدت تأذيت، وإن ركعت تأذيت، وإن استلقيت على ظهري تأذيت، وإن انبطحت على بطني تأذيت، ويؤذيني هذا، يقول شيخ الإسلام: إذا خاف الأذية فإنه يحرم عليه الأكل.
وما قاله رحمه الله صحيح؛ لأن التأذي لا يجوز للإنسان أن يأكل ما يؤذيه، أو يلبس ما يؤذيه، أو يجلس على ما يؤذيه، حتى الصحابة في السجود كان إذا أذاهم الْحَرُّ يبسطون ثيابهم ويسجدون عليها لِئَلَّا يتأذوا، ولأجل أن يطمئنوا في صلاتهم (3)، إذن هذا الذي ذكره شيخ الإسلام خوف الأذية والتخمة مما ضرره في ذاته أو في غيره؟ طلبة: في غيره.
الشيخ: في غيره، وهو الإكثار، يعني هو بنفسه ليس بضارٍّ، لكن الإكثار منه يكون ضارًّا مؤذيًا، حتى وإن لم يتضرر، لكن الظاهر لي من الناحية الطبية أنه يتضرر؛ لأن المعدة هي إذا أثقلتها سوف تتأذى وتتعب.
وقد قيل: إن من الأمور الْمُهْلِكَة إدخال الطعام على الطعام، فإذا صح ذلك كان أيضًا حرامًا؛ لأنه يقول: ﴿لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، ولا يبعد أن يكون هذا صحيحًا.
طالب: مُجَرَّب هذا؟ الشيخ: مُجَرَّب، وقد ضربوا له مثلًا برجل أعطى عُمَّالًا عَمَلًا يعملونه، وقبل أن يستكملوا العمل أضاف إليهم عملًا آخر، معلوم أنهم لا يمكن أن يشتغلوا بالاثنين إلا على حساب أحدهما، فإذا بدؤوا بالشغل الجديد الشغل القديم يختل.
المعدة إذا استقبلت الطعام الجديد اختل هضمها للطعام الأول، ولا سيما إن الهضم جعل الله له غُدَدًا تُفْرِز مواد بحسب بقائه في المعدة.
والأطباء عندهم له مراتب: النضج الأول، والثاني، والثالث، والرابع، فلا بد أن يكون هناك موازنة حتى يعرف الإنسان ما مرتبة أو ما درجة الطعام الأول، وهل يمكن أن يضيف إليه طعامًا آخر أو لا؟ إذن: (يُبَاح كل طاهر لا مَضَرَّةَ فيه).

جارٍ التحميل