الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 7304-7343

وقد يقول قائل: لعل هذا الحكم يختلف في هذا الزمن؛ لأن العين القائمة يمكن أن يُجرى لها جراحة، ويُركَّب لها قرنية، وتكون صحيحة، فهو قد أتلف شيئًا يرجى دواؤه، هذا إذا قال الأطباء: إنه يمكن لمثل هذه العين أن يجرى لها عملية وتبصر، أما إذا كان الخلل في أعصاب العين فإن الغالب أنها لا تنفع فيها العملية.
طالب: (... )؟ الشيخ: لا فرق.
الطالب: (... )؟ الشيخ: لا، إذا عمل عملية صارت تبصر.
الطالب: (... )؟ الشيخ: نعم ما يضر؛ ولهذا تؤخذ عين الرجل القوي النظر بعين الأعمش الذي لا يبصر إلا ليلًا، ما دام فيها منفعة فهي تؤخذ.
قال: (ولا عين صحيحة بقائمة).
قال: (ويؤخذ عكسه) ويش عكسه؟ تؤخذ الشلاء بالصحيحة، وتؤخذ ناقصة الأصابع بكاملتها، وتؤخذ العين القائمة بالعين الصحيحة، لكن بشرط رِضَا من له الحق.
قال المؤلف: (ولا أرش) ويش معنى (... ) أرش؟ يعني بمعنى: أننا لا نعطي المجني عليه الفرق بين الصحيح والأشل، وبين الزائد والناقص، وبين القائم والمبصر، ما نعطيه الفرق، لماذا؟ يقولون: لأن المأخوذ قصاصًا كالمتلف جناية من حيث الخلقة، لكنهما اختلفا في المنفعة؛ فلذلك لا نعتبر ذلك اختلافًا، فلا أرش له.
طالب: (... )؟ الشيخ: هذا ذكرناه من قبل.
الطالب: (... )؟ الشيخ: إي؛ لأن الحق له يقولون (... ). هل تؤخذ أذن السليم بأذن الأصم؟ تؤخذ الأذن السليمة بأذن الأصم، يقولون: لأن السمع في الدماغ وليس في الأذن؛ ولذلك لو قطعت أذن الإنسان بقي سميعًا ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: بقي سميعًا، وكذلك يؤخذ أنف الصحيح بالأنف الذي لا يشم؛ واحد قطع أنف إنسان ما يشم، والجاني يشم، حتى إنه إذا مر بالسوق قال: الجماعة دولي غداهم كذا وكذا، وعشاهم كذا وكذا؛ من شدة شمه، نقطعه ولَّا ما نقطعه؟ طالب: نعم.
طالب آخر: نقطعه.
الشيخ: نقطعه؛ لأن الشم حاسة في الدماغ وليس هو في الأنف؛ ولهذا مقطوع الأنف يشم.
ما رأيكم هل تؤخذ الأذن السليمة بالأذن الشلاء؟ طالب: ما تؤخذ.

طالب آخر: ما فيه أذن شلَّاء.
الشيخ: فيه أذن شلَّاء، لكن ما (... ). طالب: ما تسمع؟ الشيخ: لا، تسمع، لكن -مثلًا- الأذن هذه ما فيها إحساس.
طلبة: تؤخذ.
الشيخ: تؤخذ، ليش؟ لأن الصورة واحدة، لكن الحقيقة أن الشلاء ناقصة؛ لأنه لو مشى عليها ذرة أو شيء من التراب صغيرة تحس ولَّا لا؟ طلبة: ما تحس.
الشيخ: ما تحس، وأذن الجاني تحس، لكن لا عبرة بذلك، العبرة بالصورة.
طالب: ويش الفرق بينها وبين اليد؟ الشيخ: اليد؛ لأنها تتحرك، الأذن ما تتحرك، اليد تأكل وتقبض وتبسط.
طالب: (... ). الشيخ: تحس، لكن ما تتحرك، تقدر تحرك أذنك؟ طالب: (... ). الشيخ: نعم قليل (... )، مثلما تحرك (... )، لكن هذا قليل جدًّا (... ) أحد منكم يجرب، يمكن عبد الرحمن يجرب.
طالب: (... ). الشيخ: (... ). طالب: (... ). الشيخ: (... ) النوع الثاني.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، كما سمعت يقولون: لأن العضويين لم يختلفا صورة، بخلاف الموضحة مع الهاشمة، ولكن الظاهر أن المسألة فيها خلاف؛ لأن نفيه (... ) يدل أن فيه خلافًا.
الجراح النوع الثاني منين؟ من القصاص فيما دون النفس، ويجب أن نتذكر القاعدتين السابقتين في أول الباب؛ وهما: من أقيد بأحد في النفس أقيد به في الجراح، ومن لا فلا.
الثانية: إذا كانت الجناية موجبة للقصاص في النفس صارت موجبة للقصاص في الجراح، وإلا فلا.
وعلى هذا فالجرح خطأً لا قصاص فيه، وجرح المسلمِ الكافرَ لا قصاص فيه، وجرح الوالدِ الولدَ -على المذهب- لا قصاص فيه أيضًا.

(فيُقْتَص في كل جرح ينتهي إلى عظم) هذه قاعدة القصاص في الجروح، فإن كان لا ينتهي إلى عظم فلا قصاص؛ وذلك لأن الذي ينتهي إلى عظم يمكن الاستيفاء منه بلا حيف؛ لأنك ستأخذ اللحم إلى أن تصل إلى العظم، وأما الذي لا ينتهي إلى عظم فلا يمكن، إلى أين (... )؟ فلا يمكن القصاص منه، إذن هو مبني على ما سبق؛ وهو إمكان الاستيفاء بلا حيف، فإذا كان الجرح ينتهي إلى عظم أمكن الاستيفاء منه، وإذا كان لا ينتهي إلى عظم لم يمكن الاستيفاء منه.
مثاله يقول المؤلف رحمه الله: (إلى عظم كالموضحة) الموضحة هي التي تُوضِح العظم في الرأس والوجه خاصةً، هذا ما تقتضيه اللغة العربية، العرب إذا قالوا: موضحة، فإنما يعنون بها الجرح اللي في الرأس واللي في الوجه فقط، الجرح في الصدر لو بَيَّن العظم ما يسموه موضحة، لكن الجرح اللي في الرأس أو في الوجه يسمى موضحة إذا بَيَّن العظم.
فإذا جنى شخص على آخر عمدًا وكشط جلد رأسه ولحمه حتى وصل إلى العظم، نقتص منه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه جرحٌ ينتهي إلى عظم، والاعتبار بالمساحة لا بالكثافة، ويش معنى الكثافة؟ يعني: مساحة الجرح لا كثافة عمقه؛ لأن بعض الناس يكون سمينًا، وتكون طبقات اللحم فوق العظم أكثر، وبعض الناس بالعكس، هذا لا عبرة به، العبرة بالمساحة، فيؤخذ من الجاني بمثل ما أخذ من المجني عليه.
وهل يؤخذ بالنسبة أو بالقدْر؟ الظاهر أننا نأخذ بالنسبة، فإذا أوضح ربع رأسه نوضح ربع رأسه، وهكذا.
(كالموضحة) قال: (وجرح العضد والساق والفخذ والقدم) ويش الدليل؟ قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45]، فيُقْتَص من كل جرح بمثله، نشوف المثال اللي ذكرناها لكم.
(جرح العضد) أين العضد؟ هو العظم الذي بين الكتف والمرفق.
(الساق) -جرح العضد والساق- العظم بين الركبة والقدم.
(والفخذ) العظم الذي بين الورك والركبة.
(والقدم)؟ طالب: العظم ما بين الكعبين.. الشيخ: العظم ما بين الكعبين.
الطالب: إلى الأصابع.

الشيخ: إلى الأصابع، إذن ما (... ) هل ينتهي إلى عظم؟ الجروح في هذه المواضع تنتهي إلى عظم ولَّا لا؟ تنتهي إلى عظم.
طيب الصدر؟ طالب: ينتهي.
الشيخ: ينتهي إلى عظم إذا كان على الضلوع، أما إذا كان فيما بينهما فهو ما ينتهي إلى عظم، فإذا كان على الضلع نفسه فإنه ينتهي إلى عظم.
الرقبة؟ طالب: تنتهي ولا.. الشيخ: تنتهي ولا تنتهي؛ في مكان تنتهي إلى عظم، وفي مكان لا تنتهي إلى عظم، فالقاعدة إذن كل جرح ينتهي إلى عظم ففيه القصاص.
طالب: الذراع؟ الشيخ: الذراع كذلك تنتهي إلى عظم.
طالب: يقولون: الذراع يشمل المرفق؟ الشيخ: لا، ما يشمل، لكن المؤلف ما مثل به؛ لقوله تعالى: ﴿الْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
طالب: (... )؟ الشيخ: والذي ينتهي إلى عظم (... ). قال: (ولا يقتص في غير ذلك من الشجاج والجروح، غير كسر سن).
المؤلف يقول في الأول: (الثاني الجراح)، ثم قال: (من الشجاج والجروح) ويش اللي جاب (من الشجاج)؟ الشجاج من الجراح، والجروح هنا ما سوى الشجاج، و (الشجاج) جمع شجة؛ وهي جرح الرأس والوجه خاصة، هذه الشجة تكون في الرأس وفي الوجه، ففي الجبهة شجة، في الرأس شجة، في الرقبة جرح أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: وهكذا بقية البدن، ما عدا الرأس والوجه فهو جروح، وأما الرأس والوجه فهو شجاج.
(في غير ذلك من الشجاج) ويش غير ذلك من الشجاج؟ الشجاج سيأتينا -إن شاء الله تعالى- أنها عشرة أنواع عند العرب؛ ما قبل الموضحة ليس فيه قصاص إطلاقًا؛ ما قبل الموضحة مثل الدامية والبازلة، هذه ما فيها قصاص، وما بعد الموضحة يقول المؤلف: (إلا أن يكون أعظم من الموضحة) فيمكن القصاص منه موضحة، وله أرش الزائد.
الهاشمة فيها قصاص؟ طالب: لا.
الشيخ: ما فيها قصاص؟ الطالب: ما فيها.
الشيخ: الهاشمة ما فيها قصاص، ويش الهاشمة؟ الجرح الذي يبرز العظم ويهشمه، لإبرازه العظم نسميه موضحة، لكن لما هشمه (... ) يسمى هاشمة.

المنقِّلة هي التي توضح العظم وتهشمه وتنقله تدخله جوَّه؛ لأنك لما كسرت (... ) العظم دخل، الهشم تهشمه ويبقى في محله، لكن النقل أن تنقل جزءًا من العظم يدخل داخل، هذه يسمونها منقِّلة.
واحد ضرب رأس إنسان انجرح الرأس، (... ) العظم ينهش (... )؟ الطالب: (... ). الشيخ: (... ) هذه تسمى هاشمة.
الهاشمة فيها قصاص؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما فيها قصاص، المنقلة اللي تنقل العظم (... ) ما فيها قصاص.
قال: وكذلك أيضًا (والمأمومة) المأمومة أيضًا التي تصل إلى أم الدماغ، يضربه انجرح، بان العظم، انهشم، انتقل العظم، فبَيَّن الدماغ، وصل الآن الجرح إلى أم الدماغ، هل يُقْتَص من الجاني مأمومة ولَّا لا؟ طالب: لا.
الشيخ: ما يُقْتَص؛ لأن المأمومة لا يمكن الاستيفاء فيها بدون حيف؛ فلهذا لا يُقْتَص منه، والغالب أن الذي يصل إلى هذه الحال؟ طلبة: يموت.
الشيخ: أنه يموت، وإذا مات قُتِل الجاني وانقضى كل شيء؛ لأنه متعمد.
طالب: (... ). الشيخ: (ولا يقتص في غير ذلك من الشجاج والجروح، غيرَ كسر سن) لو كسر سنًّا فإننا نقتص منه، كيف نقتص إذا كسر سنًّا؟ نجيب -مثلًا- (... ) الجاني، وإذا أردنا أن نحدد (... ) نحكه بالمبرد، حتى نتحقق القصاص، ويكون بالنسبة ولَّا بالقدر؟ طلبة: بالنسبة.
الشيخ: بالنسبة لا بالقدر؛ لأن سن الجاني قد يكون كبر سن المجني عليه مرتين، فإذا كسر نصف سن المجني عليه، وقلنا: العبرة بالقدر كم نأخذ من سن الجاني؟ الربع، لكن إذا قلنا: العبرة بالنسبة أخذنا منه النصف الذي يساوي كبر سن المجني عليه كله؛ لأن سن الجاني كبير، ولَّا لا؟ إذن كسر السن فيه قصاص، هذا ما ذهب إليه المؤلف أنه لا قصاص في الجروح إلا في حالين؛ في كل جرح ينتهي إلى عظم، ويش بعد؟ وفي السن.
والحالة الثالثة: فيها قصاص وأرش إلا أن يكون الجرح أعظم من الموضحة -كالهاشمة، والمنقلة، والمأمومة- فله أن يقتص موضحة، وله أرش الزائد.

إذن ما فيه قصاص في الجروح إلا في ثلاثة مواضع؛ الموضع الأول: الموضحة، والثاني: السن، والثالث: ما كان أعظم من الموضحة، فيقتص موضحة، ما يقتص أعظم، يقتص موضحة، وله أرش الزائد.
هذا ما ذهب إليه المؤلف.
والصحيح أنه يقتص من كل جرح؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وفيها قراءتان: ﴿الْجُرُوحُ قِصَاصٌ﴾ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، فهذه الآية عامة، فمتى أمكن القصاص من جرح وجب إجراء القصاص فيه، ولنا في كلام ربنا، وعلى هذا -فكما قال الأخ- إذا قال الأطباء: نحن الآن نقتص بالسنتي أو بالشعر بدون حيف، نقتص منه ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نقتص منه، فلو أن رجلًا شق بطن رجل (... ) نقتص منه ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: المذهب لا يُقْتَص منه، والصحيح أنه يُقْتَص منه، والله أعلم.
قال المؤلف رحمه الله عز وجل: (وإذا قطع جماعة طرفًا) قلنا: إن الطرف معناه أيش؟ العضو.
(أو جرحوا جرحًا يوجب القود فعليهم القود) إذا قطعوا طرفًا كيف ذلك؟ يأتون بسكين ويتحاملون عليها جميعًا حتى ينقطع العضو، هؤلاء اشتركوا.
الدليل عموم قول الله تعالى: ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45]، وقياسًا على ما إذا اشتركوا في قتله، فإنه إذا وجب القصاص عليهم جميعًا فيما إذا اشتركوا في القتل، فلأن يجب القصاص عليهم جميعًا فيما إذا اشتركوا في قطع عضو من باب أولى؛ لأن النفس أعظم حرمة، والقصاص في الأطراف مبني على القصاص في النفوس.

كذلك لو جرحوا جرحًا يوجب القود، والجرح الذي يوجب القود على المذهب كلُّ جرح ينتهي إلى عظم، فإذا جرحوا جرحًا يوجب القود فعليهم القود، إذا كانوا عشرة كم لكل واحد من رأس؟ لكل واحد رأس الواحد، والجميع عشرة، فالآن نبغي سنجرح عشرة رؤوس برأس واحد، نقول: كما أننا نقتل عشرة أنفس بنفس واحدة، قال عمر رضي الله عنه: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به لو اتفقوا عليه (2). وقول المؤلف: (إذا قطع جماعة طرفًا أو جرحوا جرحًا فعليهم القود) لم يذكر حكم ما إذا تمالؤوا عليه، والصحيح أنهم إذا تمالؤوا عليه فكما لو تشاركوا فيه، (تمالؤوا عليه) معناه اتفقوا عليه؛ قالوا: إحنا نبغي نقطع فلانًا؛ نقطع يده، طيب لا بأس، أنت (... ) هذا، والثاني (... ) هذا؛ لأجل إذا أقبل أحد تنذروننا، واتفقوا على ذلك، فهم قد تشاركوا في الإثم، ولولا أن هؤلاء حرسوا ما تجرأ هؤلاء على القطع، وهؤلاء يعلمون أنهم سيقطعون هذا الرجل، فإذا تمالؤوا عليه فقد تشاركوا فيه، وعمر رضي الله عنه يقول: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به، فنحن نقول: إذا قطعوا طرفًا، أو جرحوا جرحًا، سواء كان ذلك بالمشاركة الفعلية، أو كان بالممالأة والمواطأة على ذلك؛ فعليهم القود، فإن اختار المجني عليه الدية فعليهم دية واحدة لذلك الطرف أو لذلك الجرح.
ثم ذكر المؤلف قاعدتين مهمتين؛ وهما: قاعدة سراية الجناية، وسراية القود.

سراية الجناية يقول المؤلف: (سراية الجناية مضمونة في النفس فما دونها) (سراية الجناية) (سراية) مضاف، و (الجناية) مضاف إليه، وهي من باب إضافة الشيء إلى سببه؛ يعني: السراية التي سببها الجناية مضمونة، والسراية -كما تعرفون- معناها: أن ينتقل الشيء من مكان إلى آخر، فيسري الجرح من المكان الأول إلى مكان آخر يتسع، وكذلك الأعضاء تتسع، قطع أصبعًا فتآكلت الكف كلها، هذه سراية، قطع أنملة فتآكل الأصبع كله، هذه أيضًا سراية، جرح موضحة بقدر الظفر فاتسعت حتى كانت بقدر الكف، هذه أيضًا سراية.
يقول المؤلف: إذا كانت السراية من جناية فإنها مضمونةٌ في النفس فما دونها، في النفس مثل لو قطع أصبع إنسان، فنزف الدم حتى مات، قطعه عمدًا، السراية مضمونة في النفس، وعلى هذا فإننا نقتل من؟ هذا القاتل الجاني، فإذا قال: أنا لم أقطع إلا الأصبع، نقول: لكن هذه الجناية سرت إلى النفس، فأنت السبب، ربما أنك لم تقصد أن يموت هذا الرجل، لكنه مات بسببك، فتكون ضامنًا.
وهذا الضابط مبني على قاعدة معروفة لأهل العلم؛ وهي ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون، كل شيء يترتب على شيء لم يؤذن فيه لا شرعًا ولا عرفًا فإنه يكون مضمونًا على صاحبه، ولها أمثلة كثيرة، فنقول: هذه الجناية لما سرت إلى النفس أو الكف فإنها تتضمن.
ويستثنى من سراية الجناية ما سيأتي؛ وهو ما إذا اقتص المجني عليه قبل البرء، فإذا اقتص قبل البرء فإنها لا تضمن.
مثاله: قطع أصبع رجل عمدًا، فطلب المقطوع أصبعه أن تقطع أصبع الجاني وأصر وألحَّ، فإنها إذا قطعت في هذه الحال ثم سرت الجناية فإنها تكون هدرًا، كما ستأتي المسألة قريبًا -إن شاء الله- في دليلها وتعليلها.
طيب إذن يستثنى منه شيء؟ هذا الضابط يستثنى منه شيء؛ وهو ما إذا اقتص المجني عليه قبل البرء.

(سراية القود مهدورة) القود بمعنى القصاص؛ يعني: لو اقتصصنا من الجاني وسرت الجناية فإنها هدر؛ ولهذا قال: (سراية القود مهدورة) ويش معنى هدر؟ يعني: لا شيء فيها تهدر؛ لأننا نقول: أنت المعتدي، وإذا كنت المعتدي فلا شيء لك.
وهذا الضابط مبني على قاعدة معروفة لأهل العلم أيضًا؛ وهي ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، كيف هذه القاعدة شرحها؟ القود مأذون فيه ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: استقدنا من هذا الرجل، وقطعنا يده أو أصبعه وسرى القود، ترتب هذا على شيء مأذون ولَّا غير مأذون؟ طلبة: مأذون.
الشيخ: مأذون، فلا يكون مضمونًا، يستثنى من هذا الضابط ما إذا اقتص منه كرهًا في حال يُخْشَى فيه من السراية؛ مثل في شدة حر، أو شدة برد، أو إنسان فيه داء السكري، فإن اللي فيه داء السكري في الغالب ما يبرأ، ويخشى منه السراية، فإذا كان كذلك قال أهل العلم: فإن السراية في هذه الحال تكون مضمونة، ليش؟ لأنها مترتبة على شيء غير مأذون فيه.
فإن قلت: هو مأذون فيه في الأصل؟ قلت: لكنه في هذه الحال ليس مأذونًا فيه، فيكون عليه الضمان، فإذا اقتص من الجاني في حال يُخْشَى فيه من السراية -هذا الضابط- فإن السراية حينئذٍ تكون مضمونة، بناء على القاعدة أن ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون، وأنت الآن حرام عليك أن تقتص من هذا الرجل الذي نخشى أن تصل الجناية إلى غير محل القود.
ثم قال المؤلف: (ولا يُقْتَص من عضو وجرح قبل برئه) كذا عندكم (ولا يقتص من عضو)؟ طالب: (عن).
الشيخ: (عن) ولَّا (من)؟ (من عضو وجرح قبل برئه)، (من) هنا بدلية؛ يعني: ولا يقتص بدل عضو وجرح، و (مِن) تأتي للبدل، قال ابن مالك: بَعِّضْ وَبَيِّنْ وَابْتَدِئْ فِي الْأَمْكِنَهْ بِـ (مِنْ) وَقَدْ تَأْتِي لِبَدْءِ الْأَزْمِنَهْ طالب: (... ).

الشيخ: لا، المهم أن المثال فيها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: 60] ﴿مِنْكُمْ﴾ هنا بمعنى: بدلكم، ولَّا (من) جنس ولَّا بعضية؟ طلبة: بدلية.
الشيخ: بدلية، فمعنى ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: بدلكم.
فهنا (يُقْتَص من عضو) أي: بدله؛ يعني: ما تقتص عضوًا آخر بدل عضو المجني عليه حتى يبرأ، يبرأ أيش؟ عضو المجني عليه، حتى يبرأ.
وقول المؤلف: (لا يقتص) لم يبين رحمه الله هل هذا حرام أو مكروه؟ فيحتمل أنه حرام، ويحتمل أنه مكروه، والمشهور من المذهب أنه حرام، وأنه لا يجوز أن يقتص حتى يبرأ.
ودليل ذلك حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلًا طعن رجلًا بقرنٍ في ركبته، فجاء المطعون وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتص منه، ولكنه نهاه، فألح عليه، فاقتص منه، ثم جاء الرجل بعد مدة المجني عليه وقال: يا رسول الله، قد عرجت -سرت الجناية ولَّا لا؟ سرت؛ يعني: أحدثت عرجًا- فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: قد (3) (... ).


﴿كتاب الديات﴾ كلُّ مَن أَتْلَفَ إِنسانًا بِمُباشَرَةٍ أو سَبَبٍ لَزِمَتْهُ دِيَتُه، فإن كانت عَمْدًا مَحْضًا ففي مالِ الجاني حالَّةٌ، وشِبْهُ العَمْدِ والخطأُ على عاقِلَتِه، وإن غَصَبَ حُرًّا صغيرًا فنَهَشَتْه حَيَّةٌ أو أصابَتْهُ صاعقةٌ أو ماتَ بِمَرَضٍ, أو غَلَّ حُرًّا مُكَلَّفًا وقَيَّدَه فماتَ بالصاعقةِ أو الْحَيَّةِ وَجَبَت الدِّيَةُ.
(فصلٌ) وإذا أَدَّبَ الرجلُ وَلَدَه, أو سُلطانٌ رَعِيَّتَه أو مُعَلِّمٌ صَبِيَّهُ, ولم يُسْرِفْ لم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، ولو كانَ التأديبُ لحامِلٍ فأَسْقَطَتْ جَنينًا ضَمِنَه الْمُؤَدِّبُ، وإن طَلَبَ السلطانُ امْرأةً لكَشْفِ حقِّ اللهِ, أو اسْتَعْدَى عليها رَجُلٌ بالشُّرَطِ في دَعْوَى له فَأَسْقَطَتْ ضَمِنَه السلطانُ والْمُسْتَعْدِي، ولو مَاتَتْ فَزَعًا لم يَضْمَنَا، ومَن أَمَرَ شَخْصًا مُكَلَّفًا أن يَنْزِلَ بئرًا أو يَصْعَدَ شَجرةً فهَلَكَ به لم يَضْمَنْه, ولو أن الآمِرَ سُلطانٌ كما لو استأْجَرَهُ سُلطانٌ أو غيرُه.

﴿باب مقادير ديات النفس﴾ دِيَةُ الْحُرِّ المسلِمِ مِائَةُ بَعِيرٍ, أو أَلْفُ مِثقالٍ ذَهَبًا, أو اثنا عشرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِضَّةً, أو مائتا بَقَرَةٍ, أو ألفا شاةٍ، هذه أصولُ الدِّيَةِ, فأَيُّها أَحْضَرَ مَن تَلْزَمُه لَزِمَ الوَلِيَّ قَبولُه، ففي قَتْلِ الْعَمْدِ وشِبْهِه خَمْسٌ وعشرون بنتَ مَخاضٍ, وخمسٌ وعشرون بنتَ لَبونٍ, وخمسٌ وعشرون حُقَّةً, وخمسٌ وعشرون جَذَعَةً، وفي الخطأِ تَجِبُ أَخماسًا ثمانون من الأربعةِ المذكورةِ وعشرون من بنتِ مَخاضٍ، ولا تُعْتَبَرُ القِيمةُ في ذلك, بل السلامةُ،

مدخل

قال رحمه الله تعالى: (كتاب الديات) الديات جمع دية، والمؤلف رحمه الله عبَّر عن هذه الترجمة بقوله: (كتاب)، وقد سبق لنا أن العلماء يترجمون بـ (كتاب) و (باب) و (فصل)؛ فأما (الكتاب) فيترجمونه فيما إذا كان البحث مستقلًّا عما سبق وواسعًا فإنهم يجعلونه كتابًا، كأنه كتاب مستقل، وأما (الباب) فإنه يكون مشتملًا على مسائل مستقلة لكنه فرد من أفراد بحوث عامة، وأما (الفصل) فهو كالمسائل المعينة لما يبحث في هذا الباب، ويأتون بالفصول من أجل راحة القارئ؛ لأنه لو طال الكلام يمل، فإذا فُصِّل وجُزِّئ صار ذلك أقوى وأنشط.
(الديات) جمع دية؛ وهي المال المؤدى إلى المجني عليه أو ورثته بسبب الجناية بالمعنى الاصطلاحي التي هي التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا أو مالًا، لا بالمعنى الأعم، وبناء على ذلك فإن الدية قد تكون للنفس، وقد تكون للأعضاء، وقد تكون للمنافع، وهي تختلف كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في هذا الباب.
والقاعدة العامة في وجوب الدية ما ذكره بقوله: (كل من أتلف إنسانًا بمباشرة أو سبب لزمته ديته) هذه القاعدة، القاعدة أن كل من أتلف إنسانًا بمباشرة أو بسبب لزمته ديته، فإن اجتمع مباشران فعليهما الدية، وإن اجتمع متسببان فعليهما الدية، وإن اجتمع مباشر ومتسبب؛ فإن كان المباشر يمكن تضمينه فعلى المباشر، وإن كان لا يمكن فعلى المتسبب.
القاعدة إذن كل من أتلف إنسانًا بمباشرة أو سبب لزمته ديته، سواء كانت الدية للبدن، أو لجزءٍ منه، أو للمنافع، فإن اجتمع مباشران فعليهما الدية، أو متسببان فعليهما الدية، أو مباشر ومتسبب؛ فإن كان المباشر ممكن تضمينه فعليه وحده، وإلا يمكن فعلى المتسبب وحده.
مثال المباشرة: أن يأخذ الإنسان آلة تقتل، فيقتل بها هذا الإنسان، سواء عمدًا أو خطأ، هذه نقول: مباشرة، أو يلقيه من شاهق، حسب ما تقدم لنا في كتاب الجنايات، هذه مباشرة.

ومثال السبب: أن يحفر حفرة في طريق الناس، فيقع فيها الناس، فهذا ما باشر لكنه تسبب، فيكون الضمان على من؟ على المتسبب.
ومثال المُباشِرَيْنِ: أن يشترك اثنان في قتل شخص، فعليهما الدية.
ومثال المتسببَيْن: أن يشترك اثنان في حفر حفرة في الطريق، فيكونان متسببَيْن عليهما الدية.
فإن اجتمع مباشر ومتسبب فالضمان على المباشر إذا أمكن تضمينه.
مثاله: هذا الذي حفر الحفرة وقف شخص عليها، فجاء إنسان آخر فدفعه فيها حتى سقط فمات، الضمان على من؟ طلبة: المباشر.
الشيخ: على المباشر؛ وهو الدافع؛ لأنه أقوى صلة بالجناية من المتسبب.
وكذلك لو أن شخصًا أعطى إنسانًا سكينًا بدون مواطأة على القتل، فقتل بها إنسانًا، فالضمان على من؟ طلبة: على المباشر.
الشيخ: على المباشر.
فإن كان المباشر لا يمكن تضمينه فعلى المتسبب؛ مثل لو أن رجلًا ألقى إنسانًا بحضرة الأسد، فأكله الأسد، فعندنا الآن مباشر ومتسبب، من المباشر؟ طلبة: الأسد.
الشيخ: الأسد، والمتسبب هذا الذي ألقى هذا الرجل مكتوفًا بحضرة الأسد، الضمان هنا على المتسبب، لماذا؟ طالب: لأن المباشر لا يمكن تضمينه.
الشيخ: لا يمكن تضمينه، كذلك إذا كان المباشر غير معتدٍ، وكان المتسبب هو المعتدي، وكانت المباشرة مبنية على ذلك السبب؛ فإن الضمان يكون على المتسبب، وذلك كما لو شهد جماعة على شخص بما يوجب قتله، فقتله السلطان، ثم بعد ذلك رجعوا وقالوا: عمدنا قتله، فهنا المباشر من؟ طلبة: السلطان.
الشيخ: السلطان، والمتسبب هؤلاء الجماعة، لكن المباشر قد بنى مباشرته على مسوِّغ شرعي؛ وهو شهادة الشهود، فهو لا يمكنه أن يتخلص من هذه الشهادة الموجبة للقتل، فالمباشرة إذن مبنية ويش عليه؟ على مسوغ شرعي، وهذا السبب هو الذي أقر على نفسه بالجناية، فيكون الضمان هنا على المتسبب لا على المباشر.
هاتان حالتان.
الحالة الثالثة: إذا كان المباشر لا يمكن تضمينه لعدم تكليفه، فإن الضمان يكون على من؟ طالب: المتسبب.

الشيخ: المتسبب، كما مر علينا فيمن أمر بالقتل غير مكلف، الضمان على من؟ طلبة: الآمر.
الشيخ: الضمان على الآمر؛ لأنه هو السبب، وهنا غير المكلف لا يمكن تضمينه؛ لأنه لا قصد له، ولولا أمر هذا الإنسان ما ذهب يقتل.
فهذه ثلاث مسائل، وإن كانت المسألة الأخيرة والأولى داخلًا بعضهما في بعض؛ لأن كلًّا من المسألتين يقال فيها: إنه لا يمكن إحالة الضمان على المباشر، إلا أن الفرق بينهما أن عدم إحالة الضمان على المباشر في المسألة الأخيرة لا لقصور فيه، ولكن لأنه مبني على سبب أقوى، بخلاف الأولى؛ لأن السبع لا يمكن تضمينه بحال من الأحوال، لكن غير المكلف -كالصغير والمجنون- يمكن تضمينهما؛ لأن عمدهما خطأ، لكن لما كان السبب قويًّا مؤثرًا في قصدهما صار العمل بأيش؟ بالسبب ولَّا بالمباشرة؟ طالب: بالسبب.
الشيخ: العمل بالسبب، فالقاعدة هذه مهمة لطالب العلم.
فالقاعدة الآن في موجب الدية أو في مقتضى الدية نقول: هو للذات بمباشرة أو سبب، وهذه القاعدة يتفرع فيها المسائل التالية: إذا اجتمع مباشران فعليهما، أو متسببان فعليهما، أو متسبب ومباشر فالضمان على المباشر، إلا في مسائل: أولًا: إذا لم يمكن إحالة الضمان على المباشر بأي حال من الأحوال؛ بأن كان المباشر غير أهل للتضمين، مثل أن يلقي إنسانًا بحضرة الأسد وهو عاجز عن الدفاع عن نفسه، فهنا الضمان على المتسبب؛ الملقي.
ثانيًا: إذا كانت المباشرة مبنية على سبب يسوغ شرعًا العمل به؛ مثل أن يشهد جماعة على إنسان بما يوجب القتل فيقتل، ثم يرجعون ويقولون: عمدنا قتله.
الثالث: إذا كانت المباشرة مبنية على السبب، وكان لهذا السبب تأثير قوي فيها، مع عدم صحة القصد منه؛ مثل أن يأمر غير مكلف بالقتل، فهنا الضمان على من؟ طالب: على الآمر.
الشيخ: على الآمر.
طيب لو كان الذي قتل كالآلة؛ بأن أخذه إنسان وضرب به إنسانًا آخر فمات؟ طلبة: على المباشر.
الشيخ: المباشر؟ طلبة: (... ).

الشيخ: ما عندنا المباشر في (... ). طالب: بس هو المباشر.
الشيخ: المباشر في الحقيقة هذا الذي جعله كالآلة؛ لأن هذا المسكين اللي أخذ وضُرِب الثاني به حتى مات.. طالب: كأنه عصا.
الشيخ: كأنه عصا؛ آلة، ما له أي اختيار، وسبق لنا أنه لو أكره إنسانًا على القتل فالضمان أيش؟ طالب: على المكرِه.
الشيخ: لا، إذا كان المكره مكلفًا فالضمان عليهما ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: الضمان عليهما جميعًا، على المذهب، وفيه قول آخر على المكرِه، وفيه قول ثالث على المكرَه.
طالب: لو أن إنسانًا لحق إنسانًا يريد قتله؟ (... ) الشيخ: قال: (فإن كانت عمدًا محضًا ففي مال الجاني حالَّة) (إن كانت) الضمير يعود على أيش؟ طالب: الجناية.
الشيخ: الجناية، (عمدًا محضًا) (عمدًا) خرج به الخطأ، (محضًا) خرج به شبه العمد؛ لأن شبه العمد عمدًا، يقتل الإنسان لكنه لا يقصد القتل؛ لأنه جنى بما لا يقتل غالبًا، فهو لم يقصد القتل، ولأجل هذا نسميه شبه عمد.
إن كانت عمدًا محضًا، ومراد المؤلف عدوانًا؛ لأن ما كان بحق فلا ضمان فيه؛ لا بقصاص ولا بِدِيَةٍ.
(ففي مال الجاني حالة) يعني: فالدية في مال الجاني، (حالة) يعني: غير مؤجلة، فتخالف ديتي شبه العمد والخطأ بأنها حالة وأنها في مال الجاني؛ يعني الحالة وفي مال الجاني، فالعاقلة لا يجب عليها حمل شيء منها.
مثاله: رجل قتل إنسانًا عمدًا محضًا، واختار أولياء المقتول الدية، فوجبت الدية، من الذي يقوم بدفعها؟ طالب: الجاني.
الشيخ: الجاني، ولا يلزم عاقلته أن يؤدوا عنه، فإن تبرعوا بالأداء عنه يجوز ولَّا لا؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: نعم يجوز، ما فيه مانع.
وفي هذه الحال لو فُرِضَ أن الجاني فقير، فهل يجوز أن ندفع عنه من الزكاة؟ الجواب: نعم؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: 60] فهو غارم، ولكن يجب أن يتوب إلى الله مما صنع، فإذا علمنا توبته فإننا نقضي دينه من الزكاة.
طالب: (... )؟

الشيخ: لا، عليه هو.
(حالَّة) يعني: معجلة، وهذا باعتبار وضعها، فإن كان القاتل فقيرًا فإنها تبقى في ذمته حتى يوسر الله عليه، كسائر ديونه.
طالب: إذا كان المجني (... )، هل يجوز (... ) عليه من الزكاة؟ الشيخ: إي نعم إذا تاب، إذا تاب فإنه يجوز.
قال المؤلف: (وشبه العمد والخطأِ) ولَّا (والخطأُ)؟ طلبة: والخطأُ.
الشيخ: إي، إن قلنا: (شبهُ) قلنا: (والخطأُ)، وإن قلنا: (شبهِ) قلنا: (والخطأِ)، ويجوز أن نقول: (شبهِ) بناءً على أن المضاف قد حُذِف، وأن التقدير: وديةُ شبهِ العمدِ، ولكن المشهور أنه إذا حُذِف المضاف أُقِيم المضاف إليه مقامه، كما قال ابن مالك: وَمَا يَلِي الْمُضَافَ يَأْتِي خَلَفَا عَنْهُ فِي الِاعْرَابِ إِذَا مَا حُذِفَا وَرُبَّمَا جَرُّوا الَّذِي أَبْقَوْا كَمَا قَدْ كَانَ قَبْلَ حَذْفِ مَا تَقَدَّمَا

(وشبه العمد والخطأ على عاقلته) عاقلة.. طالب: (... ). الشيخ: أيش؟ الطالب: (... ). الشيخ: (... ). (وشبه العمد والخطأ على عاقلته) قوله: (عاقلته) هذه اسم فاعل من العقل، والعقل الدية، وسمي عقلًا؛ لأنه جرت العادة بأن الإبل المؤداة يُؤتى بها إلى مكان أولياء المقتول، وتُناخ وتُعقل بعقلها، فلهذا تسمى الدية أيش؟ عقلًا، والمؤدون لها يسمون عاقلة.
والعاقلة سيأتي -إن شاء الله تعالى- أنهم الذكور العصبة بشروط تُذْكر في بابها.
الخطأ ديته على العاقلة، شبه العمد ديته على العاقلة، فما هو الدليل على أن دية شبه العمد والخطأ على العاقلة مع أن الجاني غيرهما؟ الدليل ما ثبت في الصحيحين في قصة المرأتين اللتين اقتتلتا، فإحداهما ضربت الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن ديتها على العاقلة؛ عاقلة القاتلة (4). هذا من حيث الأثر، الدليل الأثري.

أما الدليل النظري أنه لما كان الخطأ بغير قصد من الفاعل، كان من المناسب أن يخفف عنه في أداء الدية، وهو سيتحمل الكفارة؛ لأن الكفارة عليه، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، لأن الكفارة حق لله بينه وبين ربه، فهي عبادة يُلْزَم بها المكلف، وأما الدية فهي عبارة عن غرم كغرامة الأموال، فخفف عن هذا القاتل الذي لم يقصد القتل بأن حُمِّلَت أيش؟ طالب: العاقلة.
الشيخ: العاقلة، وهذا -والله أعلم- هو سر تعبير القرآن؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] ولم يقل: يسلمها إلى أهله، بل قال: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ بالبناء للمفعول؛ لأن الذي سيسلم هذه الدية هم العاقلة.
(... ) (صغيرًا فنهشته حية أو أصابته صاعقة أو مات بمرض أو غَلَّ حرًّا مكلفًا وقيده فمات بالصاعقة أو الحية؛ وجبت الدية).
المؤلف قال: (إن غصب حرًّا صغيرًا) فقوله: (إن غَصَب) هذا من باب التسامح والتساهل في العبارة؛ لأن الحرَّ لا يُغْصَب؛ حيث إن اليد لا تثبت عليه، ما تثبت اليد إلا على الأموال، فالحر حر ليس بمال، حتى لو غُصِبَ فإنه ليس بمال، حتى لو باعه الغاصب فليس بمال، ولا يصح البيع، فالتعبير بالغصب هنا فيه شيء من التسامح، ولكن يريد المؤلف لو أنه قَهَر حرًّا صغيرًا.
طيب العبد يُغْصَب ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: العبد يمكن اغتصابه؛ لأنه مال.
هذا قهر حرًّا صغيرًا، صغيرًا؛ يعني: لم يبلغ، ومثله المجنون؛ لأن كلًّا منهما ليس له قصد، ولا يتمكن من الامتناع، فإذا أكرههما وقهرهما، (فنهشته حية) يعني: هو أكره هذا الصغير، وجاء به إلى بيته، واستخدمه كرهًا، فنهشته في البيت حية، فعليه ديته، لماذا؟ لعدوانه عليه بإكراهه على أن يبقى في هذا المكان.

أما لو كانت الحية أمامه فالأمر ظاهر، لكن حتى وإن لم تكن الحية أمامه، حتى ولو جاءت الحية من الخارج -خارج البيت- ونهشت هذا الصبي فمات، فإنه يضمن، التعليل لأنه معتد بقهره واستيلائه عليه، فيكون ضامنًا، ولولا أنه قهر هذا الصبي، أو هذا المجنون، حتى كان في هذا المكان، لولا ذلك ما أصيب بهذه الحية التي في هذا المكان، فيكون ضامنًا.
كذلك أيضًا لو أصابته صاعقة، الصاعقة يقول الجوهري: إنها نار تنزل من السماء فيها رعد شديد، معروفة، لكن شوف كلام السابقين نار تنزل من السماء، الآن العلم الحديث يشهد بذلك؛ فإن الصاعقة عبارة عن كتلة كهربائية شديدة الحرارة، تنزل على هذا المكان تحرقه في لحظة، حتى إني قرأت في بعض المجلات أن الطاقة في الصاعقة الواحدة لو تجتمع جميع مولدات الأرض كلها بأعلى طاقاتها ما ساوت هذه الصاعقة التي يخلقها الله تعالى بلحظة.
هذه الصاعقة كان الناس يقولون: إنها حديدة تنزل من السماء، ويقولون: نحن شاهدنا ذلك، ولكن هذا ليس بصحيح، ما فيه حديدة، إنما هي نار محرقة؛ ولهذا أحيانًا تسقط على الأشجار وتولع نارًا، وتسقط على الحيوان ويُشَاهد فيه لسعات من هذه النار، ولكن يظهر لي -والله أعلم- إن صح ما نُقِل أنهم وجدوا حديدًا أنها لما ضربت هذه الأرض انصهر هذا الحديد، انصهر حتى سمعوا (... )، إن صح هذا (... ). طالب: تتحطم في الأرض يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، تتحطم على الأرض من قوة الدفع، الآن لهب النار فيه دفع، رأى -مثلًا- النار تلتهب (... )، ولهذا هي فيها قوة عظيمة في دفع الهواء أمامها، إي نعم.
طالب: هل هي البرق؟

الشيخ: لا، هي كتلة من البرق تنطلق، لكن فيها (... ) حارة شديدة، وهذا البرق حار لو أحد (... ) يكون حارًّا، ما هو بارد كما نظن، وفيه أيضًا (... ) الآن سبحان الله العظيم! ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: 13] الشمس، حرارة الشمس عظيمة جدًّا؛ شوف بعدها عنا وآثرها علينا بينهما فرق، ما يؤثر هذا التأثير وإن كان (... ) يمشي على طول ما (... )، لكنه لا شك أنه لو كانت حرارة (... ) حرارة الشمس لأحرق الأرض، لكن الله على كل شيء قدير.
طالب: البرق في بعض المناطق يحرق السيارات ويكسر البيوت.
الشيخ: هذا ينزل إلى الأرض.
الطالب: (... ) هل هذا البرق يحتاج (... ) بعض المناطق ينزل؟ الشيخ: إي، (... ) صواعق.
الطالب: (... ) هل هذا المقصود هو البرق؟ الشيخ: لا، البرق إذا كان شديدًا وله صواعق (... )، تنزل من السماء بها رعد شديد، كما قال أهل اللغة.
هذا الطفل لما غصبه (... )، قال: يلَّا اجلس عندي في البيت، أكرهه على (... )، أنزل الله عليه صاعقة فأهلكته، فالضمان على من؟ على هذا الذي أجبره وأكرهه على أن يبقى في البيت، لا نقول: هذا تلف بفعل الله عز وجل، هذه آفة سماوية، ما لي فيها دخل، نقول: لكنك أنت اعتديت على هذا بأن حبسته في هذا المكان (... ). (أو مات بمرض) مات من؟ الصغير الذي حبسه هذا الإنسان مرض ومات، فإنه يضمنه، وهذا إذا كان عبدًا فظاهر أنه يضمنه؛ لأنه غاصب، وضمان العبيد ضمانُ مالٍ يضمنهم الحابس بكل حال، لكنه الآن حر، فإذا مات بمرض فإنه يضمنه، مع أنهم يقولون: إن اليد لا تستولي على الحر، ولا ضمان له؛ ولهذا قيدها بعض أهل العلم بأن مراد (مات بمرض) يختص بتلك البقعة، وهذا صحيح، أما لو مات موتًا عاديًّا بغير سبب يختص بهذه البقعة فلا وجه لضمانه؛ لأن اليد لا تثبت عليه، لكن إذا مات بمرض يختص بتلك البقعة؛ مثل أن قهره وذهب به إلى أرض وبيئة، فمرض فمات، فلا شك أنه هو السبب في جلبه إلى هذه الأرض التي مات فيها بسبب الوباء.

وعلى هذا فإطلاق كلام المؤلف مرجوحٌ، والصواب أنه إذا مات بمرض يختص بتلك البقعة؛ لأنه كان السبب في إيجاده في هذه البقعة الموبوءة، هذا إذا كان حرًّا، أما إذا كان عبدًا فإنه يضمنه مطلقًا؛ لأن ضمان العبيد ضمان أموال، ما (... ) فيها إلى أي شيء، متى استولى عليه ضمن (... )، وضمن نقصه إن نقص بمرض، وضمن كل آفة تحدث عليه؛ لأن استيلاءه عليه محرم.
طالب: إن شككنا في سبب موته هل هو بضرر في تلك البقعة أو في غيرها؟ الشيخ: فالأصل عدم الضمان.
قال: (أو غلَّ) شوف الحر المكلف، قال: (أو غلَّ حرًّا مكلفًا وقيده فمات بالصاعقة أو الحية وجبت الدية) الصغير تقدم أنه مجرد قهره وحبسه يضمنه إذا مات بالصاعقة أو بالحية، أو بالمرض المختص بالبقعة، لكن المكلف قال: لا بد من أمر، بل من أمرين: أن يغله، وأن يقيده.
الغل في اليد، والقيد في الرجل؛ يعني: أمسك حرًّا وغله وقيده وقال: اقعد بهذا، فجاءت حية فنهشته؛ فإنه يضمنه، أو أصابته صاعقة فإنه كذلك يضمنه؛ لأن سبب الموت اختص بهذه البقعة.
فإن مات بمرض فظاهر كلام المؤلف أنه لا ضمان؛ لأنه قال: (فمات بالصاعقة أو الحية) وجبت الدية، ولكن الصحيح أنه إذا مات بمرض يختص بتلك البقعة فإنه يضمنه؛ لأنه لا فرق بين الصغير وبين المكلف الذي غله وقيده؛ لأنه لما غله وقيده ما يستطيع أن يتخلص، ولا أن يدافع عن نفسه، فكان في حكم الصغير.
هذه الأمثلة في مسألة الصغير ومسألة الكبير من باب المباشرة أو السبب؟ طلبة: السبب.
الشيخ: من باب السبب لا من باب المباشرة.
طالب: طيب هذه يجب فيها القتل؟ الشيخ: لا، ما يجب فيها القتل.
الطالب: (... )؟ الشيخ: كلها ما فيها إلا الدية.
ثم قال: (فصل: وإذا أدب الرجل ولده، أو سلطانٌ رعيتَه، أو معلمٌ صبيَّه، ولم يسرف؛ لم يضمن ما تلف به).

هذا الفصل في الواقع ينبني على قاعدة مرت علينا؛ وهي ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، وما ترتب على غير المأذون فهو مضمون، هذه القاعدة من أحسن قواعد الفقه، هذا الفصل مبني عليها ولننظر الآن.
قال المؤلف: (وإذا أدب الرجلُ ولدَه) هذه الجملة نفهم منها أربعة شروط: أولًا: قال: (إذا أدَّب) والتأديب بمعنى التقويم والتهذيب، أدبته؛ أي: قَوَّمت أخلاقه وهذبتها، فكلمة (أدَّب) يؤخذ منها ثلاثة شروط: أولًا: أن يكون هذا الولد مستحقًّا للتأديب؛ يعني: فعل ما يستحق التأديب عليه، أما لو ضربه بدون سبب فإنه ضامن، لكن إذا فعل ما يستحق التأديب عليه فإنه يُؤَدَّب.
الشرط الثاني: أن يكون هذا الولد قابلًا للتأديب، فإن كان غير قابل، وهو الذي لم يميز، أو لا عقل له؛ مجنون، هذا ما ينفع فيه التأديب، تأديبه عدوان، فلا بد أن يكون المؤدَّب قابلًا للتأديب.
هذان شرطان.
الشرط الثالث: أن يقصد التأديب لا الانتقام لنفسه؛ يعني: وضربه ما قصده الانتقام لنفسه، وإنما قصده التأديب، فإن قصد الانتقام لنفسه لم يكن مؤدِّبًا بل منتصرًا، وحينئذٍ يضمن ما ترتب على فعله؛ لأنه غير مؤدِّب، كثير من الناس يضرب ولده ضربًا شديدًا، لا لأنه ترك خلقًا فاضلًا أمره به، ولكن لأنه عانده وخالفه، فيضربه انتقامًا لنفسه وغضبًا.
وهذا شرط ثالث.
كلها مأخوذة من كلمة (أدَّبه)، الشروط الآن كم صارت؟ ثلاثة.
الأول؟ طالب: أن يكون مستحقًّا للتأديب.
الشيخ: أن يكون مستحقًّا للتأديب؛ بأن يفعل ما يستحق التأديب عليه، أن يكون قابلًا للتأديب؛ بأن يكون مميزًا عاقلًا، فإن كان غير مميز ولا عاقل فإنه أيش؟ طلبة: يضمنه.
الشيخ: يضمنه؛ يضمن ما ترتب على فعله.
الثالث أن يقصد؟ طلبة: التأديب.
الشيخ: التأديب لا الانتقام لنفسه؛ لأنه إذا قصد الانتقام لنفسه صار منتصرًا لا مؤدِّبًا، فلا بد أن يقصد تأديب الولد.
وبهذا نعرف ثلاثة شروط.
طالب: لو أراد أن يزرع هيبته عند ابنه (... )؟

الشيخ: هذا غرض (... )، وهو نوع من التأديب؛ لأن الولد إذا لم يكن في قلبه هيبة لوالده ما يمكن يتأدب.
طالب: الولد إذا عاند وعق لوالديه (... ) الأدب (... ) الولد؟ الشيخ: نعم، يعني كونه يعق والديه يحتاج إلى أن يؤدب.
الشرط الرابع: قال: (ولدَه) الذكر ولَّا الأنثى؟ يشمل الذكر والأنثى؛ لأن الولد في اللغة العربية تشمل الذكر والأنثى، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وقال عز وجل: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 11]، وهو شامل للذكر والأنثى.
(ولدَه) الإضافة تقتضي الاختصاص، فيؤخذ من هذا شرطٌ أن يكون له عليه ولاية، فإن لم يكن عليه ولاية فإنه لا حق له في ضربه، وإذا ترتب على فعله شيء فهو ضامن؛ لأنه لا حق له في هذا، وهذا مأحوذ من قوله: (ولدَه) ومن قوله: (رعيتَه) ومن قوله: (صبيَّه)، فلا بد أن يكون للمؤدب ولاية التأديب، وإلا كان ضامنًا؛ لأنه معتدٍ.
طالب: البالغُ الوالدُ ليس له حق التأديب؟ الشيخ: لا، هذه عامة، لا بد أن يكون للمؤدب حق التأديب؛ ولهذا قال: (ولدَه)، فلو أنه أدب ولدَ غيرِه فعليه الضمان؛ مثل أبو أم يؤدب أولاد ابنته، فأدبهم ليس إليه، ولكنه إلى أبيهم، فلا بد أن يكون للمؤدب ولاية التأديب.
طالب: جد أبيه (... )؟ الشيخ: هذه تختلف حسب الحال، الأب لا شك أنه المباشر، لكن أحيانًا يكون الجد هو صاحب البيت، وهو المسؤول عن البيت ويؤدب الجميع.
الطالب: مع وجود الأب؟ الشيخ: نعم، مع وجود الأب اللي هو ابن الجد، له حق التأديب؛ يعني: كثير من الناس الآن خصوصًا الأبناء الشباب، إذا كان لهم أولاد، وكان الوالد هو صاحب البيت يكون التأديب للوالد.
طالب: (... )؟ الشيخ: الوالد وإن علا.
الطالب: وإن نزل؟ الشيخ: الولاية هنا حسب العرف.
طالب: (... )؟

الشيخ: لا، هذا على سبيل المثال، فالمرأة إذا كانت هي المؤدبة لأولادها (... )؛ ولهذا قلنا: أن يكون للمؤدب -عام- ولاية التأديب.
قال: (أو سلطانٌ رعيتَه) فإنه لا ضمان، (سلطانٌ رعيتَه) لازم يراعى الشروط الثلاثة الأخرى، بل الأربعة؛ أن يكون مستحقًّا للتأديب، وقابلًا له، وقاصدًا التأديب، وأن يكون له الولاية؛ ولهذا قال: (سلطانٌ رعيتَه).
السلطان عندما يطلقه العلماء يريدون به الرئيس الأعلى للدولة، وقد يراد به ما دون ذلك؛ وهو من له سلطة، فيشمل الأمير والمحتسب، وما أشبه ذلك؛ لأن هؤلاء لهم سلطان على من تحت ولايتهم، فالأمير -مثلًا- سلطانه على أيش؟ طالب: على بلدته.
الشيخ: على بلدته التي أُمِّر فيها، والمحتسب كذلك على بلدته التي أُمِّر فيها، فالأحسن أن نقول: المراد بالسلطان هنا ذو السلطة على من أدَّبه، سواء كان السلطان الأعلى أو من دونه، فإذا أدَّب رعيته وتمت الشروط فلا ضمان عليه.
(أو معلمٌ صبيَّه) ليش ما قال: ولده؟ طلبة: (... ). الشيخ: ما هو كل الطلبة أولاد له ولَّا لا؟ أولا الناس، لكن (صبيه) هنا الإضافة على أدنى ملابسة؛ يعني: الصبي الذي ينتسب إليه ولو بالتعليم، فإذا أدَّب صبيَّه وتمت الشروط فلا ضمان.
واستفدنا من كلام المؤلف أن للمعلم أن يؤدب الصبيان، بالضرب؟ طلبة: نعم.
الشيخ: بالضرب نعم، والضرب لا شك أنه وسيلة من وسائل التعليم، وقد قال أحكم المؤدبين وأرحم المؤدبين من الناس قال: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لَسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (5). والفوضويون الذين يدَّعون التقدم الآن يقول: لا تضرب الطالب، لو (... ) عليك وضربك، قيل: بارك الله فيك، أنا استاذك لا تضربني، اجلس يا بني، أما أن تضربه هذا شيء محرم، لماذا؟ لأنه ينافي التربية الحديثة، وما أحسن أن نبدل الحاء خاء والدال باء.
طلبة: الخبيثة.

الشيخ: على كل حال هذه لا شك أنها في الواقع خطة يراد بها أن يصبح الأولاد فوضويين، لا يستفيدون شيئًا، طالب له سبع سنوات أو عشر سنوات يبغي (... ) التعليم طيب، ولا تضيع الوقت، الوقت من ذهب، احرص قم بواجباتك، إذا طلع الصباح تعالَ، (... ) ألعب الكورة، ينفعه الكلام ولَّا لا؟ طالب: ما ينفعه.
الشيخ: لكن لو مسه بعذاب في الصباح قال: مد يدك، كان يقوم بالواجب، ولذلك أنا أعتقد أن هذه الخطة مع كونها مخالفة للشرع ولحكمة الرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنها لا (... ). وهذا هو الواقع لما كنا في الأول إذا خالفنا، قال: مد يدك، ثم مديت يدك، ثم انضربت (... ) بالسيف غير مصفح، (... ) واحد كل ما تضربه ضربة (... ) حتى تبرد شوي، ثم يقال: مدها، ثلاث مرات، أربع مرات، هكذا الحال، هل يمكن (... )؟ ما يمكن أبدًا، يمكن (... )، وإذا لم (... ) هذه، قال: يلَّا شلوه، وأظن تدرون الشل؟ طلبة: نعم.
الشيخ: الشل يجيبون الخشبة مربوط فيها خيط.
طالب: يسمونها فلكة.
الشيخ: فلكة إي نعم، يدخل رجلاه فيها ويلويها عليه، ثم يجيب اثنين من الطلبة يمسكون الخشبة وهي ملوية، ويجيء الثالث يضرب رجليه، وفيه أيضًا لكن ما أدركناه، قبلنا، يعلق بغير هدوم يجيب الرجلين هادولي، ثم يشده لفوق وهم يضربون أليتيه.. وفيه أيضًا لكن ما أدركناه قبلنا يعلق بغيره، يجيبه الرجلين ها دولي، ثم يشده لفوق، يجيبون يضربون مع اليدين (... ) في الوقت الحاضر يعني اللي في ثالثة ابتدائي يقدر يكتب الخط ويقرأ، في ثالثة ابتدائي الآن ما يعرف، فكلام المؤلف الآن كلام أهل العلم الذين يتلقون علمهم من شريعة الله، من كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام.
يقول: (إذا أدَّب مُعلِّم صبيه) فأفادنا أن للمعلم حق التأديب وهو كذلك.
طالب: هل للضرب سن معينة لا يُضرب بعدها (... )؟

الشيخ: نشوف الآن، أما قول المؤلف: (الرجل ولده) فظاهره العموم، وأنه ما دام تحت رعايته فإنه مسؤول عنه كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (1). ما دام في بيته فهو مسؤول عنه، أما إذا انفصل فليس بمسؤول عنه، ويكون ولاية أبيه حينئذٍ إن كانت ولاية عامة كما لو كان ذا سلطان في مكانه فله أن يؤدب وإلا فقد انفصل عنه، وبالنسبة للمعلم الظاهر لي أن المعلم كل من يدرس عنده فله أن يؤدبه حتى لو كان أكبر منه ولَّا لا؟ يمكن يكون معلمًا جيدًا وهو صغير مثلًا وعنده ناس كبار فيه، أظن تعليم الكبار موجود.
طالب: محو الأمية.
الشيخ: ومحو الأمية للكبار يمكن يضربهم؟ طالب: لا.
الشيخ: كيف لا؟ إذا أخطؤوا.
طالب: (... ). الشيخ: الصبية ما يحتمل أنها (... ). طالب: (... ) الولد (... ). الشيخ: هو ما دام أن أنا لي ولاية عليه خليها (... ) العبد ما يقوم بواجبه ولا أو يجي مثلًا إذا حضر في الدرس قام ينصرف ويا صاحبه (... ) وغنمه.
المهم على كل حال ما دام لي ولاية عليه سواء أكبر مني ولا أصغر مني.
طالب: لو ضربنا مع النهي عن الضرب مئة جلدة؟ الشيخ: ماذا تقولون يا إخوان؟ طالب: ما يجوز، فهو محرم، إذا قلنا: منع الضرب لا تجوز مخالفته.
الشيخ: لا، هو أنا أرى أنه إذا لم يستقم الطالب إلا بالضرب فإن تقويم الطالب واجب، أليس كذلك؟ وترك الواجب محرم، فيلزم على هذا إذا لم نضربه لتقويمه أن نكون وقعنا في المحرم؛ لأننا تركنا واجبًا، ولا يجوز أن نطيع أحدًا في معصية الله عز وجل، لا سيما وأن لدينا توجيهًا من الرسول صلى الله عليه وسلم: «وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (2)، وأن لدينا أيضًا شاهدًا من الواقع، وأظن الآن -حسب ما أعلم- أن بعض الناس لا يعملون بهذا، لا يعملون بعدم الضرب بل يضربون.

طالب: يجادلون من منع (... ) ومنع الضرب يجادلون.
الشيخ: إذن معناه أن الذين منعوا الضرب على بصيرة بأنهم معصومون.
طالب: الضرب في أي مكان.
الشيخ: لا، الآن استمع الآن، قال المؤلف: (ولم يُسْرِف) والإسراف مجاوزة الحد بالكمية أو بالكيفية، فإذا قدرنا أنه يتأدب بضربتين صارت الثالثة إسرافًا، يتأدب بعشر صارت الحادية عشرة إسرافًا.
بالكيفية أيضًا إذا قدرنا أنه يتأدب بضرب بسيط ما نضربه ضربًا شديدًا، ولا نضربه أيضًا في أمكنة تضره كالوجه والمقاتل وشبهها؛ فإن هذا إسراف؛ فالإسراف إذن مجاوزة الحد كمية أو كيفية، ويدخل في الكيفية الموضع؛ موضع الضرب، ويدخل فيه أيضًا أن الناس يختلفون فتحمُّل الكبير لشدة الضرب ليس كتحمل الصغير يمكن لو ضربت الصغير بسوط يمكن تتأثر لحم يديه مثلًا لكن لو ضربت كبيرًا قد اعتاد على الأخذ والقبض والشد والربط والجلد يمكن ما يتأثر.
فالمهم كلمة (لم يُسْرِف) تحدد لنا الموضع؛ موضع الضرب، كميته وكيفيته، فصارت الشروط الآن كم؟ خمس يعني شرط انتفاء الضمان خمس، شروطه خمسة نعود إليها مرة ثانية: الشرط الأول: أن يكون المؤدب مستحقًّا للتأديب، فلو كان ذلك مع الاستقامة صار ضامنًا بكل حال.
الثاني: أن يكون قابلًا له قابلًا للتأديب فلو كان غير قابل مثل الصغير اللي لم يميز، والمجنون مهما قلت له ما يفهم، واحد مثلًا عنده طفلة صغيرة بالمهد (... ) فجاء يضربها ليش (... ) ماذا يكون هذا تأديب ولّا لا؟ ليس تأديبًا لأنها غير قابلة للتأديب.
الشرط الثالث: أن يقصد بذلك التأديب، فإن لم يقصد التأديب وإنما قصد الانتقام لنفسه لم يكن مؤدبًا، فيكون ضامنًا.
الشرط الرابع: أن يكون له ولاية التأديب سواء كانت ولايته عامة أم خاصة، فإن لم يكن له ولاية فهو معتدٍ ظالم، فيكون ضامنًا.

الشرط الخامس: ألا يسرف، فإن أسرف كان ضامنًا؛ لأنه معتدٍ والله عز وجل يقول في النساء اللاتي يخاف الرجل نشوزهن: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُن﴾ [النساء: 34] لكن الآية مطلقة، والنبي عليه الصلاة والسلام بَيَّن أنه ضرب غير مبرح، فلا بد من ألا يسرف في الضرب كمية أو كيفية.
طالب: إذا كان الناس المعلمون القادمون يخشون أن يضربهم الطلاب، أكثر المدرسين لا يضربون ولا (... ) عليه، فإن حزموا وضربوا (... ) الطلاب (... )؟ الشيخ: إي لكن مصلحة تقويم الطلبة أهم.
الطالب: الطالب يكتب كتابات (... ) المدرس (... ) أو ليضرب أو كذا.
الشيخ: والله ما أرى هذا، أنا أرى أن يثبت، ويؤدبهم والعاقبة للمتقين، كثير من الشباب من الطلاب الآن مع الأساتذة الحازمين إذا كبروا فهموا وعقلوا يدعون لهم ويشكرونهم إن كانوا أحياء.
(ولو كان التأديب لحامل فأسقطت جنينًا ضمِنه المؤدِّب) لو كان التأديب المذكور لحامل تصور الحامل أن يؤدبها أبوها يمكن أو زوجها؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] وكذلك المعلم يتصور أن يؤدب حاملًا.
طالب: المعلمة.
الشيخ: معلمًا أو معلمة ما فيه مانع، أليس النبي عليه الصلاة والسلام يُعلِّم النساء حتى جئن إليه يطلبن منه يومًا وقالوا: يا رسول الله، إن الرجال غلبونا عليك، فاجعل لنا من نفسك يومًا تعلمنا فيه مما علمك الله، فواعدهن في بيت امرأة منهن، وأتى إليهن عليه الصلاة والسلام ووعظهن.
وهذا ثابت في البخاري (3). يمكن أن يكون الرجل معلمًا للمرأة وهو (... ) سواء كان أعمى أو كان مبصرًا، ولكن المبصر لا بد أن يكون بينه وبين النساء حجاب.
السلطان رعيته يمكن يؤدب امرأة حاملًا.

إذا كان التأديب لحامل وهي لم تتضرر لكن أسقطت جنينًا فإن المؤدِّب يضمنه، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان مقدار ضمان الجنين ومتى يضمن، وظاهر كلام المؤلف أن المؤدِّب يضمنه مطلقًا، لماذا؟ لأن الجناية هنا تعدت إلى الغير، والجنين لم يفعل ما يستحق التأديب عليه حتى نقول: إنه تلف بتأديبه، فلما تعدى حكم التأديب إلى الغير صار مضمونًا؛ لأن ضمان الآدمي ما يشترط فيه التحريم، قصدي يضمن حتى لو فعل الإنسان ما يُباح له وقد سبق لنا أن الرجل لو رمى صيدًا فأصاب إنسانًا يضمنه ولَّا لا؟ طلبة: يضمنه.
الشيخ: يضمنه، فعلى هذا إذا أدَّب الرجل امرأة حاملًا فأسقطت جنينًا فعليه ضمان الجنين، أما هي فإذا تمت الشروط الخمسة فلا ضمان.
(وَإِنْ طَلَبَ السُّلْطَانُ امْرَأَةً لِكَشْفِ حَقِّ اللهِ تَعَالَى، أَوِ اسْتَعْدَى عَلَيْهَا رَجُلٌ بالشُّرَطِ فِي دَعْوى لَهُ فَأَسْقَطَتْ ضَمِنَهُ السُّلْطَانُ وَالْمُسْتَعْدِي) إن طلب السلطان امرأة لكشف حق الله؛ يعني مثلًا رجل سلطان ذو أمر سواء كان السلطان الأعظم، أو كان السلطان في مكانه مثل الأمير، طلب امرأة لكشف حق الله، اتُّهمت في شيء من حقوق الله عز وجل، فطلبها، أمرها أن تحضر هي من الروعة أسقطت الجنين، وهذا يمكن ولَّا ما يمكن؟ يمكن، فإنه يضمنه؛ لأن هذا الأمر تعدى إلى الغير فيضمنه، وظاهر كلام المؤلف سواء طلبها بحق الله عز وجل وهي ظالمة، أو طلبها وهو الظالم، أو طلبها قبل أن يتبين الأمر؛ لأن السلطان إذا طلب المرأة إما أن تكون ظالمة أو مظلومة أو لم يتبين الأمر إلا بعد سقوط الجنين، فالأحوال ثلاثة.

وظاهر كلام المؤلف أنه ضامن لها لذلك مطلقًا، ولكن بعض أصحابنا رحمهم الله قيد هذا بما إذا لم تكن ظالمة، وقال: إن كانت ظالمة فهي الجانية على نفسها.
وهذا القول له وجه قوي؛ لأن طلب السلطان إياها في حال الظلم مأمور به شرعًا، والقاعدة العظيمة النافعة أن ما ترتب على المأذون فغير مضمون لا سيما إذا كان السلطان لا يعلم عن حال المرأة هل هي حامل أم لا، ولا يعلم هل هي من النساء اللاتي يفزعن بأدنى سبب أو لا.
ثم على القول بالضمان ظاهر كلام المؤلف أن السلطان يضمنها ضمان شخص؛ يعني ضمانًا شخصيًّا، لا ضمان ولاية بمعنى أن الدية تكون على عاقلته كأنما قتل إنسانًا عاديًا، ولكن القول الراجح على القول بالضمان أن الدية في بيت المال، لماذا؟ لأن السلطان يتصرف لحقوق مَن؟ المسلمين بالولاية، فلو أننا ضمناه كل شيء يكون من تصرفه لاجتحنا ماله ومال عاقلته نعم، لو تيقنَّا أن السلطان ظالم فهنا يتوجه أن يكون الضمان عليه أو على عاقلته حسب ما تقتضيه الأدلة الشرعية.
قال: (أو استعدى عليها رجل بالشرط) استعدى بمعنى أقام دعوى عليها، ولكنه استعان بالشُّرَط، الشُّرَط جمع شرطة، كحُجَّة جمعها حُجَج، شُرطَة جمعها شُرَط، والشرطة جمع شرطي، معروفون الشرطة عندكم؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، معروفون، هذا الرجل أقام عليها دعوى وذهب إلى الشرطة وقال: أنا أدعي على فلانة كذا وكذا، فقال الضابط: يلَّا روحوا جيبوها، ذهب رجلان من الشُّرَط بلباسهما الرسمي، وقالا: يلَّا امشِ، الغالب أن المرأة تفزع تخاف، هذه المرأة فزعت فأسقطت الجنين، فعلى المستعدي الضمان.

قال: (ضمنه المستعدي) أي ضمنه السلطان في المسألة الأولى، وضمنه المستعدي في المسألة الثانية لماذا؟ لأن المستعدي هو السبب في هلاك هذا الجنين فكان عليه الضمان، وظاهر كلام المؤلف أيضًا، ولو كان المستعدي مستحقًّا، فإذا كان ظالِمًا واضح عليه الضمان لكن إذا كان مستحقًّا للاستعداء وهي الظالمة، ومع ذلك يقول المؤلف: إن عليه الضمان، ولكن في هذا الظاهر نظر فإنه إذا كان على حق ولم يعلم عن حال المرأة فكيف نضمنه؟ أما لو كان يعلم أن هذه المرأة من النساء اللاتي يفزعن، وأنه يخشى على حملها، فربما يُقال بأن تضمينه له وجه، وأما رجل يطلب حقه من امرأة نقول: إذا أسقطت الجنين فعليك الضمان وهو بحق.
هنا يقول المؤلف: (ضمنه المستعدي) أفلا يكون هذا الحكم ناقضًا لقاعدة قررناها من قبل إذا عرفتم القاعدة عرفتم هل هي مناسبة ولَّا لا؟ طالب: القاعدة إذا كان الضرر اللي حصل على سبيل المأذون لم يضمن، وهذا المستعدي مأذون له.
الشيخ: هذا إذا كان بحق لكن إذا قلنا إنه بغير حق مثلًا أو قلنا بظاهر كلام المؤلف فالمؤلف يقول: إن المستعدي هو الذي يضمن أفلا يكون هذا ناقضًا لقاعدة سبق أن قررناها؟ طالب: القاعدة يا شيخ إذا اجتمع متسبب ومباشر.
الشيخ: إذا اجتمع متسبب ومباشر فالضمان على من؟ طالب: الضمان على المباشر.
الشيخ: على المباشر طيب هنا عندنا متسبب وهو المستعدي، ومدعي، وعندنا المباشر وهو الشرط، وجعلنا الضمان على المستعدي، لماذا؟ طالب: (... ). الشيخ: ما (... ) لأن المباشرة مبنية على السبب يعني الآن الشرط مأمورون شرعًا بأن يستجيبوا لمثل هذه الدعاوى، فهو كحكم الحاكم بشهادة الشهود الذين قالوا: إنما تعمدنا قتله ورجعوا عن شهادتهم ولّا لا؟ قلنا: هناك إن الضمان على مَنْ؟ على الحاكم اللي باشر القتل ولَّا على الشهود؟ على الشهود هنا نقول: الضمان على المستعدي؛ لأن الشرط عبارة عن آلة لهذا الرجل واجب عليهم أن يستجيبوا.
طالب: (... ) المستعدي.

الشيخ: المستعدي اللي له دعوى هو المدعي.
طالب: كيف يجاب عن التعليل اللي قالوا أنه (... ) الغير؟ الشيخ: يجاب عليها أن هذا أمر سائغ، وهذا الغير كجزء منه كعضو من أعضائه لو كان جنينها على الأرض مثلًا ولدته ومنين جاؤوا لها فزعت ولما جت تقوم (... ) نقول: هذا صحيح عليها الضمان بكل حال إن لم يكن على المباشر، أما هذه إذا كان بحق كان يقول: كل الحوامل الآن يجب عليهم ينتظرن حتى يضعنه، هذا مشكل (... ). رحمه الله تعالى: (ولو ماتت فزعًا لم يضمنا) لا تقولون: هذا كيف يقع هذا؟ ربما يقع، هذه المرأة لما جاءها مندوب السلطان الذي طلبها لكشف حق الله شافت أنه مندوب السلطان، ففزعت وماتت على طول، عليهما الضمان؟ ما عليهما الضمان.
لكن لو قال قائل: كيف ما عليهما الضمان؟ لولا أن مندوب السلطان جاء ما ماتت.
فالجواب: أن مثل هذا لا يحصل به الموت عادة، أبدًا يحصل به الموت عادة هذا؟ ما يحصل به الموت عادة.
ولما كان ليس معتادًا فليس فيه ضمان، مثل ما لو سلمت على واحد وصافحته، وكان يهابك هيبة عظيمة، فلما صافحته وهزيت يده، كيف أنت؟ ويش لونك؟ مات، تضمنه ولَّا لا؟ ما تضمنه؛ لأنه ما جرت العادة أن يموت الإنسان بمثل هذا الأمر؛ فعلى هذا نقول: إذا ماتت هي فلا ضمان؛ لأن هي المطلوبة، والعمل الذي (... ) إليها عمل سائغ وليس فيه عدوان فلا ضمان عليه.
وكذلك بالنسبة للمستعدي، من المستعدي؟ الذي استعدى الشرط؛ يعني طلب منهم بدعواه أن تُخبَر هذه المرأة فإذا ماتت فزعًا فلا ضمان، والعلة هي العلة؛ لأن مثل هذا لا تموت به عادة، فلا ضمان، أما إذا كان مما يموت عادة ففيه الضمان لكن هذا في العادة لا يموت.
طالب: ولو كان ظالِمًا.

الشيخ: لا، إذا كان ظالمًا فهو معتدٍ، فيه قول آخر وهو المذهب أنهما ضامنان عندي بالشرح، قول آخر أنهما ضامنان؛ لأنها هلكت بسببهم لولاهما ما ماتت، ولكن يُجاب عنه بما سبق بأن مثل هذا الفعل ليس سببًا للقتل إطلاقًا، وقد جرت عادة الناس بمثله ولو أننا ضمنا بمثل هذا الأمر ما بقي الناس (... ) فيه.
(ومن أمر شخصًا مكلفًا أن ينزل بئرًا، أو يصعد شجرة، فهلك به لم يضمنه).
الآمِر يعني أمر شخصًا مكلفًا، شخصًا من ذكر ولَّا أنثى؟ طالب: ذكر.
الشيخ: ذكر أو أنثى أمره، يقول: (شخصًا مكلفًا) فهو البالغ العاقل أن ينزل بئرًا فنزل، لما نزل زلت قدمه فسقط في البئر فمات، عليه الضمان؟ لا؛ لأن هذا رجل مُكلَّف بالغ عاقل، يعرف الذي ينفعه، والذي لا ينفعه، وكان بإمكانه أن يقول: لستُ بنازل فلا ضمان عليه إلا إذا كان يعلم أن في هذه البئر ما يكون سببًا للهلاك، ولم يشعره به مثل أن تكون البئر ملساء؛ بمعنى أن الإنسان ما يستطيع ينزل بها، ولكن ما أعلمه فعليه الضمان؛ لأنه غره، وكذلك لو كان في البئر حية، وإذا أحست بإنسان وشت عليه فنزل هذا الرجل، لما وشت عليه (... ) فعليه الضمان، وذلك لأنه مفرط بعدم تنبيه هذا الرجل على ما في البئر من أسباب الهلاك، وكذلك لو كانت البئر معيبة عائبة ولم يخبره، فلما نزل انهدمت عليه فعليه الضمان، وعلى هذا فنقول: كلام المؤلف يحتاج إلى قيد وهو إذا لم يكن منه تفريط بإعلامه بما يكون سببًا في هلاكه فإن كان منه تفريط بذلك فعليه الضمان.
طالب: التحدي قال: أتحداك أن تنزل في هذا البئر.
الشيخ: ولو كان على سبيل التحدي.
طالب: (... ).

الشيخ: ولو كان على سبيل التحدي ليش يغامر؟ هذا واحد يتحدى رجلًا قال: أبغي آكل ها الخروف هذا كله، كل الخروف قال: ما يمكن، ما تقدر.
قال: أقدر.
قال: إن أكلته فأنا بأعطيك كذا وكذا من المال فأكله الرجل لكنه انتفخ بطنه حتى كاد يموت وقلت له: قبل أن يتقدم الطب أنا خبروني الناس حتى إن الناس قالوا: إنه أشرف على الموت مثل هذا (... ). طالب: (... ). الشيخ: طيب هذا أيضًا.. طالب: (... ) اختيارًا ولا جبر النفس إذا علم مختار ونزل؟ الشيخ: نعم.
طالب: (... ). الشيخ: (... ) قال: انزل البئر (... ) الدلو البئر، انزل جزاك الله خيرًا (... ). طالب: (... ). الشيخ: ما عندنا غصب بارك الله فيك، هذا أمر شخصًا مكلفًا قال: جزاك الله خيرًا، الدلو طاح في البئر، انزل جزاك الله خيرًا، طلعه (... )، نزل هذا الرجل سقط، ومات ما عليه منه ما دام مكلفًا بالغًا عاقلًا، وبهذا نعرف ضلال أولئك القوم الذين يُضلِّلون العمال في الشركات إذا ماتوا في أثناء العمل حتى لو ماتوا موتة، ولو بدون أسباب العمل، يضمنون الشركات هؤلاء العمال، وهذا لا شك أنه حكم طاغوت، ولا يجوز أبدًا أن يعمل به حتى لو مات من نفس العمل وهو مُكلَّف بالغ عاقل فإن صاحب العمل لا يجب عليه ضمانه، وإذا حاكمه إلى المحاكم الشرعية لم يضمنوه، وأما إذا تحاكم إلى الطاغوت فإنهم يضمنونه حسب قواعدهم لكن هذا حُكم لا يتمشى على حكم الشرع؛ ولهذا لا يجوز لأحد أن يطلب التحاكم إلى هذا القانون المخالف للشرع، بل يجب الناس التحاكم إلى المحاكم اللي تحكم بشريعة الله.
كذلك لو أمره أن يصعد شجرة، مثل النخل (... ) اليوم ما جاء (... )، النخل (... ) لي جزاك الله خيرًا (... )، وهذا المطحن (... ) وأظن (... ) يعرفه.
طالب: ما أعرفه.
الشيخ: (... ). الطالب: ما أعرف أسماءهم.
الشيخ: (... ) الذي يصعد به الشجرة.
الطالب: يعني الحبل.
الشيخ: مثل الحبل (... ) كذا وعلى الظهر ويصعد به هكذا.
طالب: (... ).

الشيخ: هذا يسمونه (... ) ولكن عاد لا تطالبوني هل هو صحيح (... ) لغوية ولَّا لا؟ وأما (... ) فهو عبارة عن زنبيل له عروة (... ) به التمر.
طالب: ويش الزنبيل؟ الشيخ: ويش الزنبيل عاد؟ طالب: جوال.
الشيخ: جوال؟ لا، ما هو جوال.
طالب: (... ). الشيخ: (... ). طالب: (... ). الشيخ: (... ) المهم هذا الزنبيل هو المكتل عبارة عن آنية من الخوص، هذا الرجل قال للشخص: اصعد لي الشجرة جزاك الله خيرًا (... )، وكان بالغًا عاقلًا فصعد فسقط ومات هل على الآمر ضمان؟ لا؛ لأن هذا بالغ عاقل.
وعُلِم من قول المؤلف: (ومن أمر) أنه لو أكرهه على ذلك فعليه الضمان؛ لأنه تسبب بهلاكه بغير اختيار الهالك فكان معتديًا، والمعتدي عليه الضمان.
وعُلِم من قول المؤلف: (ومن أمر مكلفًا) أنه لو أمر غير مكلف فعليه الضمان مطلقًا، وهو المشهور من المذهب لكن ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا كان المأمور مميزًا يعني يعرف الصواب له سبع سنوات أو نحوها، وكان أمره مما جرت به العادة فإنه لا ضمان، إذا كان مما جرت به العادة أن يؤمر بهذا الأمر فلا ضمان، مثال ذلك: قلت لصبي له عشر سنوات: خذ -أصلحك الله- اشترِ لي بهذا الدرهم خبزًا من الخباز، فذهب الصبي، فقدَّر الله على هذا الصبي أن انزلق وسقط ومات، أو حصل حريق في المخبز وتلف به هذا الصبي، فظاهر كلام المؤلف أنك ضامن، لماذا؟ لأنه غير مكلف، ولكن بعض الأصحاب أو بعض العلماء من أصحاب الإمام أحمد رحمهم الله قالوا: لا ضمان إذا كان ذلك مما جرت به العادة؛ لأنه ما زال الناس من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا يرسلون في مثل هذه الحاجات القليلة البسيطة، يرسلون المميزين، ولا يعدون ذلك عدوانًا، وما يترتب على المأذون فليس بمضمون.

وأظن هذا أمر واضح أن الإنسان مثلًا يقول لولد جيرانه: خذ يا بني جيب لي من البقال كذا، جيب لي من الدكان كذا، ولا يرى الناس أن هذا عدوان، وما جرت العادة بمثله مما يأذن به الناس فلا بأس به؛ ولهذا لو أمر غير مكلَّف بإذن وليه فعليه الضمان ولَّا لا؟ فلا ضمان عليه؛ لأنه غير معتد بذلك فلا يضمن.
قال المؤلف: (ولو أن الآمر سلطان) هذه إشارة خلاف، فإن بعض أهل العلم يقول: إذا كان الذي أمره أن ينزل البئر، أو يصعد الشجرة سلطان وهلك فعلى السلطان الضمان؛ ليش؟ لأن أمر السلطان لا يسع الإنسان مخالفته ولَّا لا؟ لا سيما إذا كان السلطان من الظَّلَمة الذين إذا خُولِفوا حبسوا، أو ضربوا، أو ما أشبه ذلك، أما إذا كان السلطان من السلاطين العادلين الذين إذا قلت لهم: والله ما أقدر، ولا أنا بصاعد الشجرة ولا شيء، فإن هذا لا وجْه لتضمين السلطان؛ لإمكان هذا المأمور أن يقول: لا أستطيع.
والصحيح في مسألة السلطان أنه إذا كان السلطان ممن يُخشى شره بحيث إذا أبيت حَبَسَك، أو ضربك، أو غرمك مالًا، أو آذاك في أهلك، فإن أمره مثل الإكراه، وعلى هذا يكون ضامنًا ولَّا لا؟ يكون ضامنًا.
وأما إذا كان السلطان من ذوي العدل والرحمة الذين إذا قلت: لا أستطيع، قال: إذن نطلب غيرك، فإنه لا ضمان عليه في هذه الحال؛ لأنه كسائر الناس، لم يكرهك.
لو كان الآمر هو الضابط في الجيش، أو في الشرطة، قال لأحد الجنود: يلَّا اصعد العمود، هذا عمود الكهرباء ركب اللمبة فقال: ما أقدر أصعد يا رجال، بس ما أكرهه، ما ضربه ولا هدده، وصعد وهلك، يضمن؟ طلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن؛ لأن أوامر الجنود حسب ما نسمع أوامر الجنود عندهم واجبة الطاعة.
طالب: بس ما أكرهه.
الشيخ: إي، بس لو يأبى عليه آذاه إما حبسه ولا وقفه أمام الجنود، ولا يمكن يعزله، ولا ينزله رُتبة، فالمهم أنه ربما يكون هذا مثل الإكراه.

قال: (كما لو استأجره سلطان أو غيره) يعني أن السلطان لو استأجر أحدًا يصعد شجرة، أو ينزل بئرًا فهلك به لم يضمنه، وهذا واضح.
ولكن المؤلف قاس الأمر ويش هو عليه؟ على الإجارة؛ لأن الإجارة غالبًا ما تكون إلا باختيار من الإنسان، فإذا كان لو استأجره فهلك (... ) فكذلك لو أمره (... )، الموافق للصواب.
قال المؤلف: (ولو أن الآمر سلطان) (لو) هذه إشارة خلاف، وهل هذا القول الذي يقول ولو كان الآمر السلطان فهو ضامن؟ يعني أن المؤلف رحمه الله قاس ما يشتبه فيه على ما هو واضح فقال: (كما لو استأجره) ووجه ذلك أن الأمر غير عقد الإجارة؛ لأن عقد الإجارة الرضا فيه واضح وليس فيه آمر ومأمور؛ إذ إنه عقد تام بين شخصين برضا منهما، وليس أحدهما آمرًا للآخر، فعدم الضمان فيه ظاهر جدًّا، فهو كما أنه لو استأجره السلطان على أن يصعد الشجرة، أو ينزل بئرًا، فهلك به فلا ضمان، فكذلك لو أمره فما الجامع بينهما؟ الجامع بينهما هو عدم الإكراه في كل منهما؛ يعني الرضا في كل منهما، فهنا قاس ما يُشتبه فيه على ما لا شُبهة فيه، وقد اشتهر عند العامة التفريق بين الاستئجار وغيره فقالوا: إن استأجرته فديته أجرته، وإن نزل تبرعًا فعليك ضمانه، ولكن هذا لا أصل له، ولا فرق بين الأمر وبين الاستئجار إذا كان الأمر ليس فيه إكراه.

وقوله: (أو غيره) يعني لو استأجره غير السلطان، فإنه لو استأجرت إنسانا أن يصعد لك شجرة، أو أن ينزل بئرًا فهلك فإنه لا ضمان عليك؛ لأنه فعل ذلك برضاه واختياره.
فلا ضمان عليك وبهذا نعرف خطأ تلك القوانين التي سنت في بعض الدول، بأن العامل لدى الشركات يكون مضمونًا بكل حال، حتى وإن كان بالغًا عاقلًا مختارًا، وحتى وإن كان غير مغرور، بأن عرف عمله وخطره إن كان فيه خطورة، يقولون: بعض الشركات إنه مضمون بكل حال، وهذا كما قلنا قبل هذا المجلس، هذا حكم طاغوتي مخالف لحكم الشريعة، ولا يجوز العمل به، ويجب أن يُحكم فيه بمقتضى شريعة الله، فيُقال: إن هذا العامل غير مضمون إلا إذا كان مكرهًا على العمل فيكون مضمونًا، أما إذا كان غير مكره فإنه ليس بمضمون فإن قُلت: أليس هذا قانونًا دوليًّا عامًّا؟ فالجواب: لا، القانون الدولي العام هو قانون المعرفة العامة، وهو من؟ الله عز وجل، وليس لأحد من عباد الله أن يقنن في عباد الله ما ليس من شريعة الله، الحكم لله عز وجل وحده ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57]، فأي إنسان يشرع قوانين مخالفة لشريعة الله فقد اتخذ لنفسه جانبًا من الربوبية، وشارك الله تعالى فيما هو من خصائصه، فلا أحد يحكم في عباد الله إلا بما اقتضاه شرع الله، وعلى هذا فنقول: إن القانون الدولي العام، والشعبي الإفرادي هو قانون من؟ قانون الله عز وجل، الذي شرعه لعباده.

وكل القوانين سوى ذلك فهي باطلة؛ لأنها ناقصة وقاصرة، حتى لو اجتمع أذكياء العالم على مشروعيتها فإنها ناقصة قاصرة، لا تفي بأي غرض من الأغراض، وإن وفت بغرض من جانب هدمت أغراضًا أخرى من جوانب أخرى، وإن قُدِّر أنها تخدم غرضًا من جانب، فإنها لا تخدم هذا الغرض إلا في أناس معينين، وفي مكان معين، وفي زمان معين، أما الأحكام الصالحة لكل زمان ومكان فإنها أحكام مَنْ؟ أحكام الله سبحانه وتعالى، وبهذا نعرف خطورة الذهاب لهذا المذهب، وهي أن نسن القوانين الوضعية التي لم يضعها الشرع ونحكم بها عباد الله، ونجعل التحاكم إليها لا إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد نوه الله تعالى عن أحوال هؤلاء فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: 60]، وتأمل كلمة ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، فهم في الحقيقة غير مؤمنين، زعم فقط، والزعم قد يوافق الواقع وقد لا يوافقه، فهنا يزعمون أنهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك، وهذا بألسنتهم، لكن قلوبهم على العكس من ذلك ﴿يُرِيدُونَ﴾ والإرادة محلها القلب ﴿أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: 60]، ولو كانوا صادقين في إيمانهم لكفروا بهذا الطاغوت، ولم يريدوا أن يكون التحاكم إليه، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 60].

وعلى هذا فهم موافقون لمراد من؟ لمراد الشيطان لا لمراد الرحمن ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء: 61] تعالوا يا جماعة للقرآن والسنة، ويش يقولون؟ يقولون: لا؟ ما يقولون لا؛ لأنهم منافقون، فإذا قالوا: لا ظهر كفرهم، لكنهم يصدون ويعرضون ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: 61] ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: 62] أردنا أن نحسن، وأن نُوفق بين الشريعة والوضيعة، وهل هم صادقون؟ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: 63] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّه﴾ [النساء: 64] لا أن يُتلاعب بأحكامه وتُترك، ويُراد التحاكم إلى الطاغوت.
واعلم أن الناس لو جعلوا التحاكم إلى الله ورسوله، وحكموا الله ورسوله في كل شيء لصلحت أحوالهم، لكنها تفسد أحوالهم بمقدار ما أبعدوا عن الدين، فيظنون أن هذا الفساد بسبب تمسكهم بما تمسكوا به من الدين، فيُوغلون في الإعراض عن دين الله، وفي التحاكم إلى غير الله ورسوله، وهذا هو الواقع، هم ظنوا أن ما أصابهم من الخلل الاقتصادي، والمادي، والتخلف المعنوي، والعسكري، ظنوا أن ذلك بسبب ما هم عليه من أحكام الشريعة، والحقيقة أنه بسبب ما قاموا به من مخالفة الشريعة، ولو أنهم وافقوا الشريعة لكانت هذه شريعة الله شريعة عادلة قاهرة غالبة.

﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ لماذا؟ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33] ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ يعني يعليه، ولسنا بحاجة إلى بيان ذلك؛ لأن هذا معلوم بالتاريخ، لما كانت الأمة متمسكة بدين الله، لا تقاتل إلا بكتاب الله وسنة رسوله مستعينة بالله عز وجل، سقطت الأديان والإمبراطوريات أمامها، سقط دين النصارى بسقوط من؟ الروم هرقل، وسقط دين المجوس بسقوط كسرى، وسقط دين المشركين بفتح مكة، فسقطت الأديان كلها وملك المسلمون مشارق الأرض ومغاربها.
ولما حصل ما حصل من مخالفة الشريعة تفرقت الأمة وتنازعت، وصار بأسها بينها، وتغلب عليها أعداؤها، فصاروا يأتون الأرض ينقصونها من أطرافها، أخذوا الأندلس، وأخذوا الشام، ومصر، والعراق، وغير ذلك، كله بسبب البُعد عن شريعة الله، وإننا هنا في هذا المكان وأنتم معنا أيضًا ندعو إلى الرجوع إلى كتاب الله، وإلى سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونضمن لكل من رجع بصدق وإخلاص في ظاهره وباطنه، في روحه وقالبه، نضمن له أن ينتصر على أعدائه مهما كانت الظروف؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادِ﴾ [غافر: 51] بل أبلغ من ذلك أننا نضمن له أن يكون عدوه ولو كان بينه وبينه مسافة شهر مرهوبًا منه خائفًا منه، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (4). فالحاصل أن هؤلاء القوم الشركات وغيرها من الشركات حتي يمكن (... ) هذا القانون، الذين يقولون: إذا مات العامل عند من استأجره فهو مضمون بكل حال، ولو كان أعقل ممن استأجره فنقول: هذا ليس بصحيح، بل إنه إذا مات وهو بالغ عاقل غير مكره ولا مأسور ولا مغرور فلا ضمان عليه بالتأجير أبدًا.
طالب: الضمان هذا (... )

جارٍ التحميل