وظاهر كلامه يركبه في السفر عقبةً، سواء كان المشي يشق على الرقيق أو لا يشق، ولكننا إذا نظرنا إلى الحديث السابق: «لَا يُكَلِّفُهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ» (1)، قلنا: إذا كان هذا الرقيق نشيطًا لا يهمه أن يمشي فإنه لا يلزمه أن يُعْقِبَه، ولكنه على سبيل الأفضل والتواضع يُرْكِبه عُقْبَةً.
طالب: (... ).
الشيخ: قد تكون قصيرةً، وقد تكون طويلةً، حسب المشقة.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما هو بالظاهر أن يقسم بالعدل يعني نصفه.
يقول: (وإن طلب نكاحًا زَوَّجَه أو باعه) إذا طلب العبد نكاحًا وجب عليه أن يُزَوِّجَه؛ لأن تزويجه من الإنفاق، أو يبيعه، يبيعه على مَن؟ على مَن يغلب على ظنه أنه يُزَوِّجُه، أما أن يبيعه على واحد يقسو عليه ولا يُزَوِّجُه، قد يكون أقسى من سيده الأول، فهذا لا فائدة في بيعه، فعلى هذا نقول: إذا طلب النكاح وجب عليه أن يُزَوِّجَه، فإن لم يفعل؟
طالب: يبيعه.
الشيخ: فليبعه لمن؟
طالب: لمن يُزَوِّجُه.
الشيخ: لِمَن يُزَوِّجه، وهو قد لا يفعل، قد لا يزوجه؛ لأنه ما عنده مال، في مثل هذه الحال لا بد أن يبيعه.
والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنه يجب على السيد أن ينفق على عبده طعامًا وكسوةً وسكنى، وألَّا يكلفه مُشِقًّا كثيرًا، وتقدم دليل ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ» (1).
وسبق أنه يجوز الاتفاق على المخارجة، والمخارجة هي أن يتفق السيد والعبد على شيء معلوم يسلمه العبد للسيد كل يوم، مثل أن يقول له: اذهب واشتغل واكتسب واعمل، وأحضر لي كل يوم (... )، والباقي لك، ودليل ذلك فِعْل مَن؟ فعل الزبير بن العوام أنه خارَجَ عبيدَه (2) على درهم كل يوم، فكانوا ألف عبد، فكانوا يأتونه كل يوم بألف درهم، وسبق لنا ما هي الفائدة من المخارجة.
المشهور من المذهب أن الفائدة من المخارجة أنه إذا حصل العِوَض الذي خارَجَ عليه سيدَه فلا (... ) سبيل، ولا يعمل، وأن القول الصح في المسألة أن فائدتها -أي المخارَجَة- أن ما زاد على القدر الذي خرجه عليه يكون لِمَن؟ يكون للعبد، ولا يَرِد على هذا أن العبد لا يملك؛ لأنه لا يملك؛ لأن ملكه ملك سيده، فإذا وافق سيده على أن يكون ما ملكه له، فإن (... ).
قال المؤلف: (وإن طلب) تزويجًا إنشاءً (زَوَّجَه)، (أو باعه، وإن طَلَبَتْه) امرأة (وطئها أو زَوَّجَها أو باعها)، إذا طلبته امرأة فإنه يتخلص من الواجب عليه في إعفافها بواحد من أمور ثلاثة: إما بأن يطأها، أو يُزَوِّجها، أو يبيعها.
فإذا وطئها فإنها تنال من الوطر ما يعينها، وإن زَوَّجَها فكذلك، لكن قوله: (أو باعها) ليس على إطلاقه، بل لا بد أن يبيعها على مَن يمكنه أن يعفها؛ إما بوطئها، أو بكونه صاحب تقوى، نعلم أنه إذا لم يقدر على وطئها فإنه لن يتركها هملًا، أما أن يبيعها على مَن لا يقوم بالواجب فإن هذا لا يجوز؛ لأنه لا فرق بين أن تبقى عنده مهجورةً، أو تباع على رجل يهجرها.
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) المذهب أنه لا يلزمه أن يجامعها إلا..
الطالب: (... ).
الشيخ: لا (... ) ليس لها (... )؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3]، الإماء ليست في النص (... ) أو أن يحقق رغبتها في النكاح بجماعها.
قال المؤلف: (وطئها أو زَوَّجَها أو باعها).
ثم قال: (فصل في نفقة البهائم)، البهائم جمع بهيمة، وهي تقال مطلقة ومقيَّدة، فيقال: بهيمة الأنعام، ويقال: بهائم، فإذا قيّدت بهيمة الأنعام فهي من الأربعة أصناف التي ذكرها الله عز وجل في سورة الأنعام: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 142 - 143] هذان صنفان، ثم قال: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: 144]، فبهيمة الأنعام عند الإضافة يراد بها هذه الأصناف الأربعة.
وأما إذا أطلقت فقيل: بهيمة، فالمراد بها كل الدواب، وسُمِّيَت بذلك من البَهْم، وهو الخفاء؛ لأن هذه البهائم لا تستطيع أن تعبِّر عما في نفسها، غاية ما عندها إذا جاعت أو عطشت أن تمد صوتها، لكن ما تقول: أبغي ماء أو أبغي عَلَفًا، أو العلف الفلاني، ولأنها لا تتكلم، ولكن هل لها لغة معروفة فيما بينها؟
إي نعم، لها لغة معروفة فيما بينها، كل البهائم بإذن الله لها لغة معروفة فيما بينها من جنسها، ولهذا قال داود وسليمان: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 16]، فعليه نقول: سُمِّيَت بهيمة؛ لأنها لا تتكلم كلامًا يُعْرِب عما في نفسها.
بهيمة الأنعام سبب وجوب الإنفاق عليها أيّ الأسباب الثلاثة؟
ذكرنا سبب وجوب النفقة ثلاثة: القرابة، والزوجية، والملك؛ الرقيق، والبهائم سبب وجوب الإنفاق عليها الملك.
يقول المؤلف: (ويجب عليه علف بهائمه، وسقيها، وما يصلحها).
يجب عليه في البهائم العلف والسَّقْي وما يصلحها، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» (3)، وأخبر صلى الله عليه وسلم: «أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» (4)، فعليه يلزم الإنفاق عليها.
وقوله: (وما يصلحها) يعني: ما يقيها الضرر، فيلزمه أن يجعلها تحت سقف عن الْحَرّ وعن البرد، إذا كانت تتأثر بالْحَرّ أو البرد، أما إذا كانت لا تتأثر فإنه لا يلزمه.
وقوله: (ما يصلحها) يشمل أيضًا ما إذا كان فيها جرح أو شيء يؤلمها ويمكنه أن يعالجها فإنه يلزمه، ومن ثم احتاج الناس إلى البياطرة -أطباء البهائم- لأنه لا يمكن أن يدعها تتألم وهو يمكن أن يزيل ألمها، فإن حاجتها إلى إزالة الألم قد تكون أشد من حاجتها إلى الأكل والشرب، وهذا داخل تحت قوله: (وما يصلحها).
قال: (وألَّا يُحَمِّلَها ما تعجز عنه)، يعني: عليه أيضًا ألَّا يُحَمِّلَها ما تعجز عنه؛ لأنه إذا حَمَّلها ما تعجز عنه شق عليها ذلك، وهي لا تستطيع أن تقول (... )، ولكن كيف نعلم أن ذلك يشق عليها أو تعجز عنه؟ نعلم ذلك في حال هذه البهيمة، فمثلًا الضأن لا يمكن أن يحمل ما تحمله البقرة، والبقر لا يمكن أن تحمل ما تحمله الإبل، والضعيف منها لا يمكن أن يحمل ما يحمله القوي، وهذا شيء يُعرف بظاهر الحال، فإنها تجدها إذا حملت ما تعجز عنه يكون لها نَفَس، وربما يكون لها أَنِين، فيجب عليه أن يرحمها (... ) يجب عليه أن يرحم هذه البهائم، فإن رحمته إياها سبب إلى (... ).
يقول: (وألَّا يُحَمِّلَها ما تعجز عنه)، المؤلف يقول: ما تعجز عنه ولم يقل: وألَّا يُحَمِّلها ما لم تَجْرِ العادة بتحميلها إياها، وعلى هذا فيجوز أن يُحَمِّلها ما لم تَجْرِ عادته تحميلها إياها، مثل أن يستعمل البقر في الحمل، يكون على سفر، وأن يستعمل الإبل في ماذا؟
طالب: في الحرث.
الشيخ: في الحرث؛ لأن الحرث من خصائص البقر، وأن يستعمل الماعز في ركوب الأطفال.
طالب: (... ) ما يجب.
الشيخ: ما يجب؟ !
الطالب: (... ).
الشيخ: (... ) لكن الماعز قوية (... )، فهذا لا بأس به إذا لم يَشُقّ عليها.
فإن قلت: كيف تقول ذلك وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَسُوقُ بَقَرَةً وَهُوَ رَاكِبُهَا، فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ وَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا» (5)؟ فإن هذا يدل على أنه لا يجوز أن تستعمل فيما لم تَجْرِ العادة به.
الجواب أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: 5] ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: 73]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] كل هذه الآيات (... ) تدل على أنه يجوز لنا أن ننتفع بها بجميع وجوه الانتفاع، ويُحْمَل ما جاء في هذا الحديث على أن هذه البقرة قد شق عليها الركوب، فلما شق عليها وليس من العادة قالت: إِنَّا لم نُخْلَق لهذا (... ).
وبعض العلماء يقول: إنه لا تُسْتَعمل هذه البهائم إلا فيما خُلِقَت له، وفيما جرت العادة باستعمالها فيه.
(... ) يعني هل يجوز أن نُجْرِي تجارب على هذه الحيوانات في عقاقير أو غيرها من الأدوية؟ نعم، نقول: يجوز ذلك؛ لأنها خُلِقَت لنا، فإذا كان هذا من مصلحتنا، ولم نقصد التعذيب، فإنه لا بأس به، ولهذا نحن نُعَذِّبُها أكبر تعذيب بالذبح من أجل أن نأكلها، ومصلحة الأمة بمعرفة ما ينتج عن هذه العقار وما أشبه ذلك أكثر من مصلحة الأكل، ولكن يجب في هذه الحال أن يستعمل أقرب وسيلة لإراحتها، فإذا كان يمكن أن تصعق حتى لا تحس بهذه العملية فهو أولى من أجل ألَّا تتألم.
طالب: (... ).
الشيخ: ما أدري (... ) ما دام من مصلحتها.
الطالب: (... ).
الشيخ: (... ) أكبر ضرر أنه إذا (... ).
الطالب: (... ).
الشيخ: (... ) «إِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (6)، لكن هذا (... ) ولكن يجب أن نستعمل أقرب طريق إلى إراحتها.
قال: (ولا يحلب من لبنها ما يضر ولدَها)، ومعنى (يضر) يعني: ينقص تغذيته حتى لا يتغذى، على سبيل التحريم ولّا على سبيل الكراهة؟ المؤلف قال: (لا يحلب)، وهي جملة تحتمل الكراهة والتحريم، ولكن إذا نظرنا إلى المعنى قلنا: إنها على سبيل التحريم، أولًا: لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (7)، ولقوله في الهرة: «لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» (8)، فلا يجوز أن يحلب من اللبن ما يضر الولد، بل الواجب عليه أن يبقي للولد ما تقوم به حاجته، ومن الأفضل ما يستعمله كثير من الناس؛ أن يبدأ أولًا بإرضاع الولد، ثم يأخذ اللبن، حتى يجعل لنفسه ما فضل عن حاجة ولدها، أما بعض الناس -والعياذ بالله- الذي يقول: أنا أحلب ما في ضرعها من لبن وولدها يكفيه الامتصاص (... )، هذا خطأ، بل الواجب أن يقدم الولد.
طالب: إذا حلبتها يبقى الولد تدر على ولدها، ولكن إذا رضع الولد اللي فيها ما تدِرّ.
الشيخ: إي، لكن هل تتيقن أنها تدرّ ما يكفيه؟
الطالب: ما أتيقن.
الشيخ: الحكم يدور مع علته، إذا تَيَقَّنَّا أنها تدرّ على ولدها ما يكفيه فلا حرج.
قال: (فإن عجز عن نفقتها أُجْبِرَ على بيعها أو إجارتها أو ذبحها إن أُكِلَت).
(إن عجز عن نفقتها) يعني: لكونه فقيرًا لا يملك، فإنه لا يمكن أن نبقي هذه البهيمة عنده تتعذب، يُجْبَر على أحد هذه الأمور، والذي يتولى إجباره هو الحاكم؛ القاضي، وفي عرفنا الآن القاضي لا يملك إلا إصدار الحكم، والذي يُلْزِم به؟
طالب: الأمين.
الشيخ: الأمين، وعلى كل حال فإنه يُجْبَر (على بيعها أو إجارتها أو ذبحها إن أُكِلَت).
(على بيعها) ظاهر، ولكن بشرط أن يبيعها على شخص يغلب على ظنه أنه يقوم بالواجب، أما إذا باعها على شخص وهو أفقر منه فإن الأمر لا يزول بهذا البيع، أو باعها على شخص معروف بإيذاء البهائم وعدم الإنفاق عليها، فإن هذا البيع لا فائدة منه، فيبيعها على شخص يغلب على ظنه أنه يقوم بالواجب.
(أو إجارتها) هل تستفيد البهيمة من الإجارة؟
طالب: نعم.
الشيخ: كيف؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لأن الأجير ربما ينفق عليها، أما إذا كان الأجير يقول: لا نفقة عَلَيَّ، وبأعطيك الأجرة، وهذا يأخذ الأجرة ولا ينفق، فإن الإجارة لا فائدة منها، وعلى هذا فإن القاضي يتدخل، ويخصم من الأجرة مقدار ما يحصل به الواجب.
وهنا مسألة وهي: إذا أصابها عيب لا يمكن زواله، ميؤوس من زواله ولا يمكن الانتفاع بها، فماذا نصنع؟ هل نقول: إنه يبقيها ونُجْبِرُه على أن ينفق عليها، ويضيع هذا المال بدون فائدة، أو نقول: في هذه الحال يجوز أن يُتْلِفَها؛ لأنه إذا جاز إتلافها لمصلحة الأكل، وهو من الكماليات في الغالب، فإتلافها لدفع ضرر (... ) إنفاق المال عليها من باب أولى، ونحن إذا أبقيناها ونحن ننفق عليها فهو إضاعة للمال، مثل لو أصيبت هذه الناقة بكسور في قوائمها الأربعة، هل يمكن أن تُجْبَر؟ الغالب أنه ما يمكن.
فنقول: في هذه الحال يذبحها وجوبًا إذا كان سيضيع ماله، وهي تؤكل ما يغير ماليتها، فإن كانت لا يُنْتَفَع بها لكونها مريضةً أو هزيلةً فإنه يذبحها ويرميها، وتسييب البهائم عند اليأس من الانتفاع بها جائز، كما في حديث جابر حين أعيى جمله (9) فأراد أن يُسَيِّبَه ويدعه، والحمير إذا قُدِّرَ أن هذا الحمار عندك وانكسر، فهم يقولون: إنّ كَسْرَ الحمار لا يجبر، فماذا يصنع في هذا الحمار؟
طلبة: يقتله.
الشيخ: يقتله (... ).
طالب: لعل..
الشيخ: إي نعم، هو لو طيَّبَه ما (... )، أما لو (... ) يمكن هناك مثلًا رياض مخصبة، ويمكن هذا الحمار مثلًا يعيش فيها، لكن أراد صاحبه كما هو معروفٌ عندنا (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: على كل حال، يُنْظَر أسهل شيء، وأسهل شيء كما يقول محمد رشيد رضا أحسن شيء الصعق بالكهرباء، ولّا لا؟ لأن الصعق بالكهرباء -نسأل الله العافية- بمجرد ما يرد على الدم خلاص يموت على طول، ما يبقى ولا لحظة، لحظات.
طالب: (... ).
الشيخ: الوسم بالنار جائز، بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يَسِمُ إبل الصدقة، فكذلك (... ) لكنه لا يجوز (... ) على قتل البعير، فهذا حرام.
طالب: (... ).
الشيخ: (... ).
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، هذا أسلم وأريح، أريح لل (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: (... ).
الطالب: (... ).
الشيخ: (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) ربما يُخْشَى أن يكون هذا فيه من عمل الجاهلية.
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) يشُقُّونها بعلامة إلا بعلامة أنها لا تَحِلّ.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، إذا بلغت سنًّا معينًا شَقُّوا آذانها (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) هذه اختلف فيها العلماء؛ هل يجوز قتله لإراحته أو لا يجوز؟ بعض العلماء يقول: يجوز قتله لإراحته، وإن لم يكن ملكًا لك، وبعضهم يقول: ما يجوز؛ لأنك ما فعلت شيئًا ولا (... ) بشيء فدعه لربه الذي أنزل به هذا البلاء، يمكن أحدٌ يعطف عليه ويجيء له بطعام وشراب.
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) يجوز، المذهب لا يجوز، مذهب الحنابلة ما يجوز، ما الفائدة من هذا، نعم إذا كان ممكنًا؛ لأنه مُجْبَر على الإنفاق عليها في حال..
طالب: (... ).
الشيخ: (... ).
الطالب: (... ).
الشيخ: إي؛ لأنه ما عرف من قبل، على كل حال هذا فعله غير ممكن.
(أو ذبحها إن أُكِلَت) يعني: إذا كان يمكن أكلها فإنه يذبحها ذبحًا، ما يقتلها قتلًا؛ لأنه إذا قتلها لم يُنْتَفَع بها، فإذا ذبحها ذبحًا شرعيًّا انْتُفِعَ بها، ومعلوم أنه إذا أمكن الحفاظ على ماليتها فإنه واجب، أما إذا كانت لا تؤكل كالحمير، أو كانت لا تؤكل لكونها هزيلةً أو مريضةً، فلا يجوز ذبحها، يجوز أن تُقْتَل بأقرب وسيلة تكون فيها راحتها.
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، ما يجب، كما أنه ما يجوز أن (... ) الخمر.
طالب: (... ).
الشيخ: أما إذا كان (... ).
الطالب: (... ).
الشيخ: ذبحها ذبحًا شرعيًّا.
طالب: شرعيًّا؟
الشيخ: إي نعم، هذا ينبني على ما سيأتي إن شاء الله تعالى هل أنه يشترط للذكاة أن يحصل الأكل أو لا؟
[باب الحضانة]
قال: (باب الحضانة) مأخوذة من الحضن، وهو ما بين اليدين من الصدر، وإنما سُمِّيَت حضانة كأن الحاضن احتضن المحضون وضمه إليه ليقوم بما يجب، وهي واجبة.
وقبل أن نذكر الحكم نقول: الحضانة شرعًا هي حفظ الطفل ونحوه عما يضره، والقيام بمصالحه.
وحكمها أنها واجبة، أو تجب لحفظ صغير ومعتوه ومجنون، الصغير هنا مَن لم يبلغ، والمعتوه مُخْتَلّ العقل اختلالًا لا يصل إلى درجة الجنون، والمجنون مسلوب العقل.
المعتوه في درجة بين العاقل وبين المجنون، المجنون فاقد العقل بالكلية، والمعتوه بَيْنَ بَيْن، لا يحس بنفسه ولا يتصرف، ولا يعطي الكلام على ما ينبغي، لكنه لم يصل إلى حد الجنون، تجب لهؤلاء الثلاثة، الصغير مَن لم يبلغ، والمعتوه والمجنون مَن ليس له عقل.
وإنما تجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بأمر أبنائنا بالصلاة لسبع سنين، وضَرْبِهم عليها لعشر (10)، وما ذلك إلا لتقويمهم، وإصلاحهم، وتعويدهم على طاعة الله، وإذا كنا مأمورين بذلك فإنا مأمورون بما لا يتم إلا به، والقاعدة المعروفة عند أهل العلم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولأن تَرْكَهم إضاعة لهم، وإلقاء بهم إلى التهلكة، وإذا كان يجب على الإنسان أن يحفظ ماله فوجوب حفظ أولاده من باب أولى.
ولكن مَن الأولى بها؟ قال: (والأحق بها أُمٌّ، ثم أمهاتها القربى فالقربى، ثم أبٌ ثم أمهاته كذلك، ثم جَدٌّ، ثم أمهاته كذلك).
الأم الدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» (11)، يخاطب الأم المنازِعة لزوجها في حضانة ولدها، دليل على أن الأم أحق من الأب.
معنى الحضانة لغةً مشتقة من الحضن؟ (... )
(ثم أمهاتها القربى فالقربى) يعني: أمهات الأم مقدَّمات على الأب، وعلى أمهات الأب، فلو كان لهذا الطفل جدة لأم، يعني جدة أمِّه، أُمُّه غير موجودة، وأمها غير موجودة، والجدة موجودة، فتنازعت هذه الجدة مع الأب، فإن هذه الجدة تُقَدَّم على الأب؛ لأنها مُدْلِيَة بِمَن؟ بالأم، والأم أحق من الأب، فلما كانت مُدْلِية بالأم وهي أحق من الأب صارت هي أحق من الأب أيضًا، وإن كان الأب من حيث الدرجة أقرب ولّا أبعد؟
طلبة: أقرب.
الشيخ: أقرب منها.
يقول المؤلف: (ثم أمهاتها القربى فالقربى، ثم أب) إذا لم يكن هناك أم، ولا أمهات للأم، انتقلت الحضانة إلى الأب، لماذا؟ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ» (12) يعني: منه، يقولون: درجته بعدها، ولأنه -أي الأب- هو أصل النسب في الواقع، وأصل العصبة، فكان أولى من غيره.
(ثم أمهاته كذلك) أيش معنى (كذلك)؟ يعني: القربى فالقربى، فإذا اجتمع عندنا أُمّ أب، وأُمّ أُمّ أُمّ، أيهما تقدم؟
طلبة: الثانية.
الشيخ: أُمَ أُمّ الأم؛ أو أُمّ الأب؟
طلبة: أُمّ الأم.
طالب آخر: أُمّ الأب.
الشيخ: لا، أُمّ أُمّ الأم؛ لأنه سبق لنا قبل قليل الأم ومَن سبقها من الأم أولى من غيرها.
أُمّ الأب وأُمّ أُمّ الأب أيهما أولى؟
طلبة: أُمّ الأب.
الشيخ: أُمّ الأب، ولهذا قال: (ثم أمهاته كذلك)، إذا انقطعت أمهات الأب قال: (ثم جَدّ، ثم أمهاته كذلك، ثم أخت لأبوين)، انتقلت الآن الحضانة إلى الحواشي، فنبدأ بالإناث قبل الذكور، أخت لأَبَوَيْن، ثم لأُمّ، ثم لأب، فإذا كان عندنا أخت لأم وأخت لأب، تقدم الأخت من الأم، لماذا؟ لأن جهة الأمومة في الحضانة مقدَّمة على جهة الأبوة؛ لأنها مبنية على الرقة والشفقة والرحمة، وهذه في الأمومة، أو في الإناث أكثر منها في الذكور، ولكن في الحقيقة نحن نقول: هنا أخت لأم، أو أخت لأب، فالحاضن أنثى في هذا وفي هذا، وقرابة الأب أقوى من قرابة الأم، ولذلك سيأتي إن شاء الله ضابط غير ما ذكره المؤلف رحمه الله ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية.
يقول: (ثم أخت لأم، ثم لأب، ثم خالة لأبوين، ثم لأم، ثم لأب)، الخالة مقدَّمة على العمة؛ الخالة أخت الأم، والعمة أخت الأب، ولكن الخالة مقدَّمة على العمة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ» (13)، وهذا يدل على أنها تُقَدَّم على العمة التي هي أخت الأب؛ لأن الأم مقدَّمة على الأب، فمن كان في منزلة الأم فهو مقدَّم على مَن كان في منزلة الأب.
قال: (ثم خالة لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، ثم عَمَّات كذلك، ثم خالات أُمِّه، ثم خالات أبيه، ثم عَمَّات أبيه) دون عَمَّات أُمِّه، خالات أُمِّه مقدَّمات على خالات أبيه؛ لأن الأم في باب الحضانة مقدَّمة على الأب.
قال: (ثم عَمَّات أبيه، ثم بنات إخوته وأخواته، ثم بنات أعمامه وعماته، ثم بنات أعمام أبيه، ثم لباقي العصبة) بنات الإخوة مقدَّمات على الإخوة، لَمَّا ذكر البنات هؤلاء ومَن بعدهن قال: (ثم لباقي العصبة)، والإخوة من العصبة، (ثم لباقي العصبة الأقرب فالأقرب)، فيقدَّم الإخوة، ثم بنوهم، ثم الأعمام، ثم بنوهم، وهكذا.
(فإن كانت أنثى فمِن محارمها) إذا تم لها سبع سنين إن كانت المحضونة أنثى فلا بد أن يكون الحاضن من محارمها، فإن لم يكن من محارمها فلا حق له في الحضانة، مثل ابن العم وابن الخال، وما أشبه ذلك.
هذا الترتيب الذي ذكره المؤلف ليس مبنيًّا على أصل من الدليل، ولا على أصل من التعليل أيضًا، وفيه شيء من التناقض، والنفس لا تطمئن إليه، ولهذا اختلف العلماء -رحمهم الله- في الترتيب في الحضانة على أقوالٍ متعددةٍ كثيرةٍ، ولكنها كلها ليس لها أصل ينبني عليه، ولذلك ذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى تقديم الأقرب مطلقًا، سواء كان الأب، أو الأم، أو من جهة الأب، أو من جهة الأم، فإذا كانا سواءً قُدِّمَت الأنثى، وإن كانَا ذَكَرَيْنِ أو أُنْثَيَيْنِ في جهة واحدةٍ فإنه يُقْرَع بينهما، وإلا فإنه يقدّم جهة الأبوة، وقد جمع هذا الضابط في هذين البيتين وهما:
وَقَدِّمِ الْأَقْرَبَ ثُمَّ الْأُنْثَى
وَإِنْ يَكُونَا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى
فَأَقْرِعَنْ فِي جِهَةٍ وَقَدِّمِ
أُبُوَّةً إِنْ لِجِهَاتٍ تَنْتَمِي
ما يهم شرحها؟
طالب: نعم نريد الشرح.
الشيخ: (وقدِّم الأقرب ثم الأنثى)، يعني: إذا كانَا في درجة واحدة تُقَدَّم الأنثى.
(وإن يكونَا ذكرًا)، يعني: يكون هذان الاثنان المتساويان، (ذكرًا): كلهم ذكورًا، (أو أنثى) يعني: كلهن إناث، فماذا نصنع؟ ما هناك شيء نقدم أحدهما على الآخر به، (فأقرعن في جهة): إذا كانوا في جهة واحدة فالقرعة، فإن كانَا في جهتين:
......... وَقَدِّمْ
أُبُوَّةً إِنْ لِجِهَاتٍ تَنْتَمِي
هذا الضابط هو الذي رَجَّحَه ابن القيم رحمه الله، وقال: إنه أقرب الضوابط، فعلى هذا أُمّ وَجَدّ مَن يقدَّم؟
طلبة: الأم.
الشيخ: الأم؛ لأنها؟
طلبة: أقرب.
الشيخ: أقرب، أب وجدة أُمّ أُمّ؟
طلبة: الجدة.
طلبة آخرون: الأب.
الشيخ: الأب؛ لأنه؟
طلبة: أقرب.
الشيخ: أقرب، أُمّ وأب؟
طلبة: الأم.
الشيخ: تُقَدَّم الأم؛ لأنهما تساويَا فيتقدم الأنثى، جد وجدة؟
طلبة: الجدة.
الشيخ: تُقَدَّم الجدة.
خال وخالة، تُقَدَّم الخالة، وعلى هذا فَقِسْ.
طالب: الجدة من أي جهة؟
الشيخ: سواء من جهة الأب أو من جهة الأم.
الطالب: جدة من الأم وجدة من الأب.
الشيخ: يكون في جهةٍ واحدةٍ، ولهذا يقول المؤلف: (وإن يكونَا ذكرًا أو أنثى)، الآن صاروا اثنين متساويين، هنا مسألة القرعة: (وإن يكونَا ذكرًا أو أنثى فأَقْرِعَنْ في جهة) إذا كانوا في جهة يقرع.
طالب: الأب إذا كان من جهة يقرع؟
الشيخ: نعم، (فأَقْرِعَنْ في جهة، وقَدِّم أُبُوّةً إن لجهات تنتمي)، فإذا كان جَدّة من جهة الأب وجَدّ من جهة الأم فإننا نُقدِّم الجدة من جهة الأب على قاعدة شيخ الإسلام رحمه الله، خلافًا لما مشى عليه المؤلف.
وقدِّم الأقرب مطلقًا، وبعد ذلك إذا تساووا؟
طلبة: الأنثى.
الشيخ: ثم الأنثى، إذا كانَا ذَكَرَيْنِ في مرتبة واحدة، أو أُنْثَيَيْنِ في مرتبة واحدة، فإن كانَا في جهة واحدة فإننا نُقْرِع بينهما، وإن كانَا في جهتين فإننا نقدِّم جهة الأب، ولهذا قال: (وإن يكونَا ذكرًا أو أنثى فأقرعن في جهة وقَدِّم أُبُوَّةً إن لجهات تنتمي)، هذا الضابط هو أقرب شيء للحصول على الترتيب.
والحضانة هنا ذكرنا أنها حق للحاضن لا حق عليه، ولّا لا؟ وعلى هذا فلو أراد أن يتخلى عنها لمن دونه جاز ذلك؛ لأنها ليست حقًّا عليه.
قال المؤلف رحمه الله في ذلك: (ثم لذوي أرحامه، ثم للحاكم)، إذا لم نجد أحدًا من الأقارب انتقلت إلى الحاكم.
طالب: أيهما مقدَّمة الخالة أو العمة بناء على قول شيخ الإسلام؟
الشيخ: تقدَّم العمة؛ لأنهما متساويتان في جهة واحدة.
الطالب: لقول النبي صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: لا، ما فيها (متساويان)، ها دول عيال عم المتنازعين، ودي الخالة.
قصة الخالة بمنزلة الأم ستأتينا إن شاء الله تعالى في كلام المؤلف.
يقول: (وإن امتنع مَن له الحضانة) قال: أنا ما أريد أن أحضن هذا الطفل، فإذا قلنا: إن الحضانة للحاضن حق له، كما يفيده قوله: (مَن له الحضانة)، ولم يقل: من عليه الحضانة، فالحضانة له، إذا امتنع قال: أنا لا أريدها، فإنها تنتقل إلى مَن بعده، فإن لم يُرِدْها مَن بعده انتقلت إلى مَن بعده، وهكذا إلى أن تصل إلى الحاكم، ولكن ابن القيم رحمه الله أبى هذه الصورة، وقال: إنها حق للحاضن وعليه، فإن نازعه منازِع فيها فهي له، وإن لم ينازعه منازع فهي عليه، فنقول للأول: أنت الذي تُلْزَم بالحضانة إذا لم ينازعك أحد؛ لأننا لو قلنا: إذا امتنعت انتقلت لِمَن بعدك، وإذا امتنع فلمَن بعده، وإذا امتنع فلمن بعده، إلى أن تصل إلى الحاكم، ضاعت حقوقه، وصار تحت الرعاية العامة، والواجب أن يكون تحت الرعاية الخاصة..
(أو كان غير أهل) إذا كان الحاضن الذي هو أحق الناس بها غير أهل، والأهل هو أن يكون مسلمًا، وأن يكون عدلًا، وأن يكون مَحْرَمًا لمن بلغت سبعًا، فإذا لم يكن مسلمًا فإنه لا حضانة له؛ إذ إنه لا يمكن أن يتولى تربية المسلم رجل كافر، كذلك إذا كان غير عدل، إذا كان فاسقًا معروفًا بالفسق والمجون فإنها تنتقل إلى مَن بعده، إذا كان عدلًا لكنه مهمل لا يحسن الرعاية والولاية فإنها تنتقل إلى من بعده؛ لأنه غير أهل، أيش ثاني بعد؟
طالب: (... ).
الشيخ: إذا لم يكن مَحْرَمًا لمن بلغت سبعًا فإنه لا حضانة له، كل هذا داخل تحت قوله: (أو كان غير أهل)، وتُعْرَف الأهلية بالشروط التالية إن شاء الله تعالى..
طالب: إن كانت أنثى والحاضن ذكر (... ) ليس مَحْرَمًا.
الشيخ: هذا ما ينتقل إلى مَن بعده.
الطالب: إن كان ذكرًا والحاضن امرأة؟
الشيخ: يعني دون السبع؟
الطالب: لا، فوق.
الشيخ: فوق السبع؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فوق السبع يُخَيَّر.
انتقلت إلى مَن بعده قال: (ولا حضانة لمن فيه رِقّ) يعني الرقيق ليس أهلًا للحضانة، نأخذ من هذا أنه يُشْتَرَط في الحاضن أن يكون حُرًّا، وعَلَّلُوا ذلك بأن الرقيق يحتاج إلى ولاية؛ لأنه مملوك، فكيف يكون وليًّا على غيره؟ ولأنه لو حضن أولاده أو أولاد أخيه أو ما أشبه ذلك لانشغل بذلك عن مصالح سيده، فتضرر السيد بذلك، وإذا كانت المرأة إذا تزوجت سقطت حضانتها لئلا تنشغل عن الزوج، فكذلك الرقيق لا حضانة له.
وقال بعض أهل العلم: إن له الحضانة إذا وافق السيِّد، واستدل لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُفَرَّق بين الوالدة وولدها (14)، وقال: إن هذا فيه دليل على أن لها الحضانة، ولهذا نُهِيَ أن يفرَّق بينها وبين أولادها، فيبقوا عندها في حَجْرها وفي رعايتها.
خذ شرطًا الآن، الشرط الأول أن يكون الحاضن حُرًّا.
قال: (ولا لكافر)، نأخذ منه اشتراط أن يكون عدلًا، فإن لم يكن عدلًا بأن كان فاسقًا فلا حضانة له، وظاهر كلام الفقهاء سواء كان الفسق من جهة الاعتقاد، أو الأقوال، أو الأفعال، وفي هذا نظر ظاهر.
والصواب أن يقال: إن كان فسقه يؤدي إلى عدم قيامه بالحضانة فإنه يُشْتَرَط أن يكون عدلًا، وإن كان لا يؤدي إلى ذلك فإنه ليس بشرط، فإذا كان هذا الرجل الذي له الحضانة يحلق لحيته فحَلْق اللحية فسوق، لكنه على أولاده، أو على أولاد أخيه أو قريبه من أشد الناس حرصًا على رعايتهم وتربيتهم، هل نسلب هذا الرجل حقَّه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، أما لو كان فسقه يؤدي إلى الإخلال بواجب الحضانة، بأن يكون فسقه متعلِّقًا بالأخلاق، والآداب، وكان مهملًا، فهذا نعم، يُشْتَرَط أن يكون عدلًا، وأما إذا كان فسقه لا يتعدى إلى المحضون فإن الصواب أنه ليس بشرط، لكن لنأخذه شرطًا على المذهب.
طالب: ما يتأثر (... ).
الشيخ: (... ) قد لا يتأثر، ما هو بعلى كل حال يتأثر، وربما هو يحلق لحيته وينهى عن حلق اللحية.
يقول: (ولا حضانة لكافر على مسلم)، معلوم لا حضانة لكافر على مسلم، فإذا كانت الأم كافرة والأب مسلمًا وبينهما طفل، وتفارقَا، وطلبت الأم أن يكون تحت حضانتها فإننا لا نُمَكِّنُها من ذلك، لماذا؟ لأنها كافرة، ويُخْشَى على الطفل من أن تدعوه إلى الكفر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» (15)، فالكافر لا حضانة له على مسلم.
وعلى الكافر، له الحضانة على الكافر؟
طالب: كافر على مسلم؟
الشيخ: كافر على كافر.
طلبة: نعم.
طالب آخر: (... ).
الشيخ: نعم، نقول: له الحضانة، ولهذا ما كان الناس في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ولا في عهد مَن بعده يأخذون أولاد الكفار الصغار، ويقولون: أنتم ما لكم حضانة عليهم، هل سمعتم بشيء من ذلك؟ أبدًا، بل إن أولاد الكفار عندهم، وهذا هو الذي يدل عليه الحديث «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»، فالكافر له حضانة على ابنه الكافر، أو بنته الكافرة، ولكن على ابنه المسلم لا، أو بنته المسلمة لا.
قال المؤلف: (ولا لكافر على مسلم)، إذن يُشْتَرَط الإسلام إذا كان المحضون مسلمًا، نعيد الشروط الآن:
الحرية..
طلبة: والعدالة.
الشيخ: والعدالة، الثالث؟
طلبة: والإسلام.
الشيخ: والإسلام إذا كان المحضون مسلمًا، الشرط الرابع: البلوغ، يُشْتَرَط أن يكون الحاضن بالغًا، فلو كان هذا أخًا له أربع عشرة سنة، وله إخوان صغار، وقال: أنا أريد أن أكون صاحب الحضانة، هو ما بعد بلغ، هل له الحضانة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليس له الحضانة، لا بد أن يكون بالغًا؛ لأن غير البالغ يحتاج إلى وَلِيّ.
أن يكون عاقلًا شرط، فإن كان مجنونًا وقال: أنا أبغي عيال أخي تحت ولايتي؟
طالب: يحتاج حاضن هو.
الشيخ: هو يحتاج لمن يحضنه إي نعم، فهذه الشروط خمسة، الشرط السادس: أن يكون بالغًا عاقلًا مسلمًا، إن كان المحضون مسلمًا عدلًا حُرًّا مَحْرَمًا لِمَن بلغت سبعًا، كم ذلك؟
طالب: ستة.
الشيخ: ستة.
الشرط السابع: أن يكون قادرًا على القيام بواجب الحضانة، فإن كان غير قادر فإنه ليس له الحق في الحضانة، مثل رجل عاجز ما عنده شخصية، ولا يمكن يربي أحدًا فإنه لا يصح أن يكون حاضنًا.
والشرط الثامن: أن يكون قائمًا بواجب الحضانة، وليس هذا الشرط هو الذي قبله؛ لأن الذي قبله أن يكون قادرًا لديه استعداد على الحضانة الواجبة، والثامن: أن يكون قائمًا بواجبها؛ لأن من الناس مَن يكون عنده قدرة لكنه مهمل ما يبالي، سواء صلح هذا المحضون أم لم يصلح، فإذن الشروط كم صارت؟
طلبة: ثمانية.
الشيخ: ثمانية.
يقول: (ولا لكافر على مسلم، ولا لمزوَّجة بأجنبي من محضون)، يعني: ولا حضانة لمزوَّج، وهذا ليس بشرط لكنه وجود مانع، امرأة مطلَّقة طلَّقها زوجها وكان له منها طفل، مَن الأحق بالحضانة؟
طلبة: الأم.
الشيخ: الأم ما لم تتزوج، تزوجت الأم، إذا كان الزوج أجنبيًّا من المحضون سقطت حضانتها؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» (12)، وإذا كان الزوج من أقارب المحضون فإن حضانة الأم لا تسقط ولو تزوَّجت، ولهذا اشترط المؤلف (مزوَّجة بأجنبي من محضون) فعُلِمَ منه أنها لو تزوَّجت بغير أجنبي من محضون فإن حضانتها لا تسقط، مَن الأجنبي؟
طالب: (... ).
الشيخ: مَن ليس قريبًا، والدليل على أن التزوج بغير الأجنبي لا يُسْقِط الحضانة قصة ابنة حمزة -رضي الله عنها وعن أبيها- حينما خرجت مع النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة الفتح أو حجة الوداع –نَسِيتُ- خرجت تنادي: يا عم يا عم، فأخذها علي بن أبي طالب وأعطاها فاطمة، وقال: دونكِ ابنة عمك، هو عمها؟
طالب: عم أبيها.
طالب آخر: هي ابنة عم.
الشيخ: عم علي؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يعني عم أبيها، فنازَعَه في ذلك جعفر بن أبي طالب، ونازعهما مَن؟ زيد بن حارثة، ثلاثة تنازعوا فيها؛ أما علي بن أبي طالب فقال: إنها ابنة عمي فأنا أحق بها، هذا سبب، لا شك أنه سبب يوجِب أن يكون له حق فيها، وأما جعفر فقال: إنها ابنة عمي وخالتها تحتي، زاد عليه سببًا ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: زاد عليه سببًا، وهو أن خالتها تحته، وقال زيد: إنها ابنة أخي، زيد بن حارثة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام آخَى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، هذا سبب، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام قضى بها لخالتها، وقال: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ»، أخرجها عن كل الثلاثة، ولكنه صلى الله عليه وسلم لحسن خلقه طَيَّبَ نفس كل واحد منهم، فقال لعلي بن أبي طالب: «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ»، وقال لجعفر: «أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي»، وقال لزيد: «أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا» (16)، اللهم صلِّ وسلِّم عليه، فطَيَّبَ نفس كل واحد منهم، وقضى بما يقتضيه الشرع من كونها عند خالتها، وقال: «إِنَّ الْخَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ».
فإن قلت: ألا يعارض هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي»؟ (12)
فالجواب: لا يعارضه؛ لأن الجمع ممكن، فيُحْمَل حديث ابنة حمزة على أن الزوج ليس أجنبيًّا من المحضونة؛ لأنه ابن عمها، وأما «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» فهذا إذا كان الزوج أجنبيًّا من المحضون، وبهذا تجتمع الأدلة، ويقال: إنه إذا تزوجت المرأة بأجنبي من محضون سقطت حضانتها، وما أكثر ما تتأيَّم المرأة من أجل طفل واحد فلا تتزوج خوفًا من أن يأخذه أبوه، وهذا في الحقيقة من نقص عقل المرأة؛ لأن الذي ينبغي لها أن تتزوج، والذي جاء بالولد الأول يأتي بأولاد آخرين، ربما يكون أكثر من هذا، فيلقي الله في قلبها من محبتهم أكثر من محبة الطفل الثاني، وربما أن الأب لا يطالب بالولد، وربما يتوسط أناس بينهما.
ثم إن أهل العلم رحمهم الله اختلفوا في كون النكاح مسقِطًا لحضانة الأم؛ فقال بعض العلماء: إنه لمجرد العقد، وقال آخرون: إنما يسقط لِمَا في ذلك من المنة على الطفل المحضون، إذا عاش تحت حضن هذا الزوج الجديد، وكل إنسان قد لا يرضى بأن يكون ابنه تحت رجل أجنبي.
وقال آخرون: بل العلة في ذلك الحفاظ على حق الزوج الجديد، وبناء على هذا التعليل الأخير لو أن الزوج الجديد وافق على أن يبقى محضونًا مع أمه ما سقط حقها، ولكن ما ذكره فقهاؤنا رحمهم الله هو أقرب التعليلات، وهو أن العلة كون هذا الرجل الجديد أجنبيًّا من المحضون، وإذا كان أجنبيًّا ربما لا يرحمه ولا يبالي به ضاع أم استقام.
طالب: وهو كذلك، هو الحاصل يعني.
الشيخ: وهذا هو الأقرب.
قال المؤلف: (من حين عقد) أيش معني: من حين عقد؟ يعني أنه بمجرد العقد يسقط حق الأم، وإن لم يحصل دخول؟ نعم وإن لم يحصل دخول، حتى لو اشترط على الزوج الثاني ألَّا دخول إلا بعد تمام الحضانة فإن حقها يسقط؛ لأن العبرة هو العقد، ولو قيل: إن العبرة بالدخول، وأنها إذا اشترطت على زوجها الجديد أن لا دخول إلا بعد انتهاء مدة الحضانة، لو قيل: إنه في هذه الحال لم تسقط، لم يكن بعيدًا؛ لأن الزوج الجديد لا سلطة له على الزوجة في هذه الحال، ولا يملك تسلمها، ولا يملك أن تنشغل به عن ابنها، وهي ربما تتزوج لتنتهز الفرصة حتى لا يضيع عليها الوقت، فتحتاط لنفسها بعدم الدخول إلا بعد تمام الحضانة، فيحصل في ذلك المصلحة مع زوال المفسدة.
لكن المذهب يعتبرون العقد (... ) فإذا زال المانع رجع إلى حقه.
طالب: (... ).
الشيخ: يصح.
فإذا زال المانع رجع إلى حقه، أيش هو المانع؟
أولًا: الرقيق إذا تحرَّر عاد حقه؟
طالب: نعم.
الشيخ: الكافر إذا أسلم يعود حقه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الفاسق إذا صار عدلًا يعود حقه، كذلك المرأة المزوَّجة إذا طُلِّقَت يعود حقها، والغريب أنه في هذه الحال يقولون: إنه يعود حقها ولو كان الطلاق رجعيًّا، مع أن الرجعية حكمها حكم الزوجات يستطيع الزوج أن يستمتع بالنظر إليها، ويمنعها من الخروج، وربما راجعها أيضًا، فأي فرق بين امرأة عقدت النكاح واشترطت على الزوج ألَّا يدخل عليها إلا بعد انتهاء مدة الحضانة، وبين امرأة طلقها زوجها طلاقًا رجعيًّا؟
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، إن لم تكن الأخيرة أشد، ولهذا القول بأنه إذا شَرَطَت أن لا دخول إلا بعد انتهاء مدة الحضانة القول بأن حقها لا يسقط قول قوي جدًّا؛ لأن الحكم يدور مع علته.
طالب: وإذا بلغ مَن لم يبلغ.
الشيخ: وإذا بلغ مَن لم يبلغ.
الطالب: يرجع.
الشيخ: رجع إلى حقه، لكن في الحقيقة ما نقول: رجع إلى حقه؛ لأنه إلى الآن ما صار له حق، لكن الصواب في قولنا: رجع إلى حقه، في المتزوجة، فإن كان لها بالأول حق ثم زال بالزواج فيرجع في الطلاق، وكذلك الفسق؛ إذا كان في أول أمره عدلًا ثم فسق وزالت حضانته، ثم صار عدلًا فعادت، وكذلك الكفر؛ إذا كان مسلمًا ثم صار لا يصلي فإنه تسقط حضانته، فإذا عاد إلى الإسلام وصار يصلي عادت حضانته.
طالب: أن المطلقة لها حق الزوجة..
الشيخ: هذه يستثنونها، هم يقولون: الرجعية في حكم الزوجات اللاتي (... ) بَيَّنَّاها لكم فيما سبق منها هذه المسألة.
طالب: الغير قادر إذا قدر.
الشيخ: الغير قادر إذا قدر ما يقال: يعاد حقه؛ لأنه كان في الأول ليس أهلًا من الأصل، اللهم إلا أن يكون قادرًا ثم يتولى الحضانة ثم يأتيه العجز ثم يأتيه القدرة.
طالب: الرقيق ما نقول ذلك؟
الشيخ: نعم، الرقيق ما نقول ذلك في الواقع؛ لأنه ليس أهلًا من الأصل.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، لكن لا حضانة لكافر على مسلم.
الطالب: (... ).
الشيخ: أين أبوه؟
الطالب: ميت.
الشيخ: إي، العلماء ذكروا أنه إذا مات أبو الكافر صار مسلمًا، حُكِمَ بإسلامه.
طالب: (... ).
الشيخ: إي، عند النزاع.
طالب: وإذا لم يكن نزاع ماذا يكون؟
الشيخ: إذا لم يكن نزاع وأَبَوْا نرجع إلى الترتيب أيضًا؛ لأن الصحيح أن الحضانة حق للحاضن عند المنازعة، وعليهم إذا لم نقم بها.
طالب: كيف نحكم بكفر الصغير وهو ما كُلِّفَ بعد ولا..
الشيخ: إذا كان أبواه كافرين تبعًا لهما.
الطالب: ولو كان صغيرًا؟
الشيخ: إي نعم، إلا إذا بلغ التمييز (... ).
المؤلف رحمه الله يقول: (وإن أراد أحد أبويه سفرًا طويلًا إلى بلدٍ بعيدٍ ليسكنه وهو وطريقه آمنان فحضانته لأبيه).
(إن أراد أحد أبويه سفرًا طويلًا)، والسفر الطويل عندهم هو الذي يبلغ مسافة القَصْر، والقصير ما لا يبلغ مسافة القَصْر، ومسافة القَصْر على المذهب محدَّدة بستة عشر فرسخًا، أربعة بُرُد، وهي واحد وثمانون كيلو، وثلاث مئة وبضعة عشر مترًا.
وقول المؤلف: (أراد سفرًا طويلًا) ظاهره الإطلاق، ولكن يجب أن يقيَّد، فيقال: لغير قصد الإضرار، يعني ما قصده أن يضر بالآخر؛ لأنه قد يسافر علشان يأخذ الولد من الثاني إضرارًا به، لا لمصلحة الطفل، إذن يضاف إلى ذلك: سفرًا طويلًا لغير الإضرار، كما قيَّده شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
وقوله: (إلى بلدٍ بعيدٍ) البلد البعيد عندهم هو الذي يبلغ مسافة القصر، احترازًا مما دون ذلك، فيقول المؤلف: الحضانة لأبيه، إذا كان لبلد بعيد ليسكنه وهو وطريقه آمنان فالحضانة لأبيه.
مثال ذلك: هذا الزوج والزوجة كان في مكة فطلَّقها، وكان بينهما طفل، فالحضانة لمن؟
طالب: للأم.
الشيخ: الحضانة للأم، لكن هذا الأب أراد أن يضر بالأم، فسافر إلى المدينة ليسكنها من أجل أن يأخذ الطفل، نقول هنا: لا حق له، متى علمنا أن الرجل إنما سافر إلى هذا البلد من أجل الإضرار بالأم فإنه لا حق له، أما لو أراد أن يتحول من مكة إلى المدينة للسكنى لغير غرض الإضرار فإن الحضانة في هذه الحال تكون للأب، ويسقط حق الأم، وهذا من مُسْقِطات الحضانة؛ الأم أحق بالحضانة من الأب، لكن إذا أراد الأب سفرًا بعيدًا للسكنى صار هو أحق، العلة؟ قالوا: لأن بقاءه بعيدًا عن أبيه يؤدي إلى ضياعه؛ لأن الأم قد لا تقوم بواجب التأديب، وأبوه الآن بعيد في محل بعيد عنه، فيكون هو أولى بالحضانة.
طالب: حتى وإن كان رضيعًا؟
الشيخ: حتى لو كان رضيعًا يطلب منه الولد ما دام يمكن أن يجد مَن يرضعه فهو أحق، لكن انتبه أنه لا بد من ثلاثة شروط:.
أولًا: أن يكون البلد بعيدًا.
والثاني: أن يكون سفر الأب للسكنى، لا لحاجة تعرض ويرجع.
الشرط الثالث: أن يكون هو وطريقه آمِنَيْنِ، فإن كان مَخُوفًا فإنه لا يمكن أن يخاطر بالطفل.
الشرط الرابع: على ما اختاره الشيخ رحمه الله ألَّا يقصد الإضرار بالأم، فإن قصد الإضرار فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (7)، ويقول: «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللهُ بِهِ» (17)، ولا يمكن أن نوافق هذا الإنسان على إرادته السيئة، وهو الإضرار بالأم، فكم الآن الشروط؟ أربعة: أن يكون السفر بعيدًا.
والثاني: أن يكون الانتقال للسكنى.
الثالث: أن يكون البلد وطريقه آمِنَيْنِ.
الرابع: ألَّا يقصد الإضرار، ففي هذه الحال تكون الحضانة للأب.
لو كانت الأم هي التي ستسافر والأب هو المقيم فلمَن الحضانة؟
طلبة: للأب.
الشيخ: للأب، هذا من باب أولى؛ لأنه إذا كان إذا سافر يأخذ الولد..
أو قَرُبَ لها أو للسُّكْنَى فلأُمِّهِ.
(فصلٌ)
وإذا بَلَغَ الغُلامُ سَبعَ سِنينَ عاقلًا خُيِّرَ بينَ أَبَوَيْهِ فكانَ مع مَن اختارَ مِنهما، ولا يُقَرُّ بيدِ مَن لا يَصونُه ويُصْلِحُه، وأبو الأُنثى أحقُّ بِهَا بعدَ السبْعِ، ويكونُ الذَّكَرُ بعدَ رُشْدِه حيث شاءَ، والأُنْثَى عندَ أبيها حَتَّى يَتَسَلَّمَها زَوْجُها.
للمقيم منهما أولى، وهذا هو الأقرب فى هذه الحال ما دام السفر لحاجة فإن المقيم منهما أولى.
كذلك يقول المؤلف: (أو قرب لها) يعني: صار السفر قريبًا دون المسافة لحاجة، فالحضانة لمن؟
طلبة: للأم.
الشيخ: يقول المؤلف: الحضانة للأم؛ لأن السفر القريب في حكم الحاضر، فكأنه لم يحصل سفر، ومعلوم أن الأم أحق بالحضانة من الأب، وعلى هذا فتبقى حضانة الأم سواء كانت هي المسافرة أو هي المقيمة؛ لأن السفر هذا لا يعد سفرًا تثبت له أحكام السفر من القَصْر والجَمْع وغير ذلك، فإذن هذا المسافر يكون في حكم المقيم، وتبقى المسألة على ما هي عليه، ومعلوم أن الأحق بالحضانة الأم.
يقول: (أو قرب لها أو للسكنى) يعني قرب السفر وكان للسكنى، فالحضانة للأم.
والتعليل هو ما سبق بأن البلد القريب في حكم الحاضر، وحينئذٍ يبقى الأمر على ما كان عليه.
فالخلاصة الآن أنه إذا كان السفر بعيدًا للسكنى، فالحضانة لمن؟ إذا كان بعيدًا للسكنى فالحضانة للأب بالشروط التي عرفتم، وإذا كان قريبًا للسكنى، فالحضانة للأم، هذا (... )، وإذا كان بعيدًا للحاجة فالحضانة -على كلام المؤلف- للأم، وعلى المذهب الحضانة للمقيم.
وإن كان قريبًا لحاجة، فالحضانة -على ما مشى عليه المؤلف- للأم، والمذهب للمقيم منهما، والأقرب في هذه المسألة أن الحضانة للأم؛ لأن السفر قريب، وهو للحاجة؛ فتكون الأم أولى.
واعلم أن هذه المسائل يجب فيها مراعاة المحضون قبل كل شيء، فإذا كان لو ذهب مع أحدهما، أو بقي مع أحدهما، كان عليه ضرر في دينه، أو دنياه، فإنه لا يُقَرُّ بيد من لا يصونه ويصلحه؛ لأن الغرض الأساسي من الحضانة هو حماية الطفل عما يضره، والقيام بمصالحه.
طالب: (... ) الحضانة للحاضن وعليه؟
الشيخ: لا، له.
الطالب: له وعليه؟
الشيخ: لا، ما هى عليه.
الطالب: للمقيم.
الشيخ: (... ) الثاني اللي ذكرناه أنها له وعليه.
الطالب: إذا تنازل هذا الأَوْلى إلى من هو؟
الشيخ: إلى من دونه.
الطالب: إي نعم، وقبل الطرف الآخر؟
الشيخ: ما فيه مانع.
الطالب: ولكن العلة تنفي.
الشيخ: كيف؟
الطالب: كما لو قلنا: (... ) الأب والأم قد يتنازل الأب (... ).
الشيخ: ما فيه مانع، لكن إذا علمنا أن بقاءه عند الأم فيه مضرة ما نقبل هذا التنازل.
طالب: (... ) ما عليه دليل؟
الشيخ: ما فيه إلا تعليل فقط؛ ولهذا اختلف فيها العلماء كما في الشرح.
الطالب: قول النبي: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» (1) يعني (... )؟
الشيخ: لا؛ لأن القرينة «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي»، كلهم حاضرون في المدينة، والعلماء يقولون هذا؛ لأنه فيه إضرار بالطفل، الانتقالات لا سيما فيما سبق، تعرف السفر فيما سبق ليس كالوقت الحاضر، الوقت الحاضر الحمد لله الإنسان المسافر يسافر براحة وبأمن وطمأنينة.
الطالب: مثلًا نقول: العبرة بعموم اللفظ، يعنى هو الحديث ورد في قضية خاصة ولكن اللفظ عام.
الشيخ: نعم، هو العبرة بعموم اللفظ، لكن ما دمنا نعلم أن العلة من الحضانة هى حماية الطفل والقيام بمصالحه.
الطالب: إن كان الطفل رضيعًا فعلى أي حال يمكن يقول قائل: إن وجوده مع الأم أفضل؟
الشيخ: ما فيه شك؛ ولهذا نقول: ما دام بقاؤه عند أمه أصلح له فإنها أحق.
الطالب: حتى وإن سافر الأب؟
الشيخ: حتى وإن سافر الأب.
الطالب: خلافًا لقول المؤلف.
الشيخ: خلافًا لكلام المؤلف، ما على إطلاقه، ما يُقبل على إطلاقه.
طالب: إذا كان الأب أعجميًّا والأم عربية، فإذا أخذه الأب (... ) من الأم يعلمه العربية؟
الشيخ: المهم ما دمنا نعلم شوف يجب أن نعرف أنه لا يقر بيد من لا يصونه ويصلحه، هذه القاعدة هى الأساس، فالكلام هذا كله مع القيام بواجب الحضانة، فالأساس كله هو الحضانة، وحماية الطفل.
الطالب: (... ) العربية.
الشيخ: لا شك أن اللغة العربية أفضل، أقول: أفضل وأقرب إلى فهم القرآن والسنة، وأننا إذا علمنا أن أباه سوف يبقيه على لغته غير العربية فإن أمه أولى، والقاضي ينظر في هذه المسائل؛ يعني هذا الشيء يحتاج إلى تحقيق المناط وهو مناط مصلحة الطفل، وكلام الفقهاء رحمهم الله يقولون: إن هذا بحسب ما يظهر له من التعليلات، قد تكون الموافقة وقد تكون غير الموافقة.
وإذا تأملنا وجدنا أن الغالب أن الأم أحسن للطفل من الأب لا سيما إذا كان الأب بيأخذه، وبيحطه عند مراته الثانية، لا تقوم بمصالحه، ولا تهتم به، وربما تبغضه؛ لأنه ولد ضرتها؛ يقول شيخ الإسلام هنا: الأم أحق من الأب بلا ريب.
هو صادق رحمه الله إذا علمنا أن الأب سيهمله ويضيعه، أو أن بعض الأزواج -والعياذ بالله- يصرح بالمضارة، يقول مثلًا للأم: إذا تزوجت (... )، ثم هي مع الشفقة على ولدها تجدها شابة لا تتزوج خوفًا من تهديد الزوج، فمثل هذا إذا علمنا أن الرجل إنما أراد الإضرار بالأم، لا مصلحة الطفل فإنه يجب أن يحال بينه وبين مراده، وإلا لَكُنَّا نسلط هؤلاء المجرمين الظالمين على أولئك النساء (... ).
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، المراد بالحاجة، يعني عند الضرر، لضرر طارئ يطرأ، ما..
الطالب: المذهب؟
الشيخ: المذهب إذا تزوجت الأم ما لها حق.
الطالب: (... ).
الشيخ: يرون أن هذه (... ).
(فصل: وإذا بلغ الغلام سبع سنين عاقلًا خُيِّر بين أبويه، فكان مع من اختار منهما) وقبل سبع سنين عند من؟
طلبة: عند الأم.
الشيخ: عند الأم، قبل سبع سنين سواء كان ذكرًا أم أنثى فهو عند الأم، فبعد سبع سنين يختلف الحكم إذا كان غلامًا، وكان عاقلًا فإنه يُخيَّر، فإن لم يكن عاقلًا، فعند من؟
طالب: عند الأم.
الشيخ: عند الأم، لكن إذا كان عاقلًا فإنه قال: يُخيَّر، خُيِّر بين أبويه، فكان مع من اختار منهما قد قضى بذلك عمر وعلي رضي الله عنهما، وروى سعيد والشافعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيَّر غلامًا بين أبيه وأمه (2). إذن يُخيَّر، يقال: من تريد أبوك ولَّا أمك؟ إذا قال: أريد أمي يبقى عندها إذا قال: أريد أبي، يبقى عنده.
طالب: هو بالطبع سيقول: أمي.
الشيخ: ما (... ) يمكن، على كل حال، اللي يختاره يبقى عنده، فإن قيل له: لماذا اخترتَ أمك؟
قال: لأن أمي تخليني ألعب على ما أبغي بالأسواق، وأبويا يُجبرني على أني أذهب للمدرسة، فماذا نصنع؟
طلبة: نقول: ابقَ مع أبيك.
الشيخ: يُسلَّم لأبيه؛ لأنه لا يقر بيد من لا يصونه ويصلحه، وكذلك بالعكس لو اختار أباه، قال: لأن أباه لا يهتم به، وأمه ترعى مصالحه وتُحفِّظه القرآن، وتساعده على التربية الطيبة؛ فإنه يُرد إلى أمه.
فإن لم يختر واحدًا منهما، قالوا له: اختر: قال: والله ما، أمي أحبها وأبويا أحبه.
طالب: يُقرع بينهما.
الشيخ: قالوا: يُقرع بينهما؛ لأنه لا سبيل إلى تعيين أحدهما إلا بذلك.
طالب: ما نجعله مناصفةً بينهما؟
الشيخ: لا، ما ينفع.
إذا اختار الأم يكون عندها ليلًا، وعند أبيه نهارًا؛ لأجل أن يؤدبه، وإن اختار أباه صار عنده ليلًا ونهارًا، ولكنه لا يمنع أمه من زيارته، ولا يحل له أن يمنعها من زيارته.
طالب: (... ) الطفل بينهما (... ) صغير أقل من سبع سنين.
الشيخ: لا، هو لا بد يكون من سبع سنين، بعض العلماء يقول: خمس سنين، لكن السبع هو الغالب سن التمييز يكون بالسبع، وقبل السبع الغالب أنه ما يكون مميزًا مع أن بعض العلماء يقول: إلى التسع، العلماء مختلفون في هذا، لكن السبع هو قول وسط.
طالب: لو اختار أمه، ثم تراجع؟
الشيخ: إي نعم، إذا اختار أمه، ثم رجع، يرد إلى من اختاره، وإن اختار الثاني إن رجع يُردُّ إلى من اختاره.
قال المؤلف: (ولا يُقر بيد من لا يصونه ويصلحه) من اللي ما يُقر؟ المحضون.
(لا يقر بيد من لا يصونه ويصلحه) ولو اختاره، ولو كان أحق به من الآخر؛ لأن المقصود يفوت إذا بقي عند شخص لا يصونه عن المفاسد، ولا يصلحه بالتربية الطيبة ولو اختاره؛ لأن المقصود من الحضانة هو حماية الطفل عما يضره، والقيام بمصالحه.
طالب: (... ).
الشيخ: وليكن مثلًا هذا الأسبوع عند أمه والأسبوع الثاني عند أبيه.
قال: (وأبو الأنثى أحق بها بعد السبع) إذن الأنثى لا تُخيَّر، بل أبوها أحق بها، إذا تم لها سبع سنين أخذها أبوها ولكن لا شك أنه يشرط ألا يهملها، فإن أخذها وألقاها عند ضرة أمها، لا تقوم بمصالحها، بل تهملها، وتفضل أولادها، وتوبخها دائمًا، وتضيِّق صدرها، فإن في هذه الحال لا يمكَّن ولا يصح.
وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم على عدة أقوال:
منهم من يرى أن الطفلة تُخيَّر كما يخير الطفل، وقالوا: إن ورود ذلك في الذكر لا يمنع من الأنثى؛ لأن العلة واحدة؛ فالذكورة والأنوثة هنا لا تأثير لها في الحكم، العلة واحدة؛ وهي رغبة الطفل هل يكون عند الأم ولَّا يكون عند الأب؟ وعلى هذا فجعل هؤلاء العلماء وقت الذكورة عديم التأثير.
فمن العلماء من يقول: تبقى عند أمها إلى التسع، ثم بعد ذلك تُخيَّر بين أبيها وأمها إلى التسع، ثم بعد ذلك يأخذها أبوها.
ومنهم من يقول: إنها تبقى عند أمها حتى يتسلمها زوجها.
ومنهم من يقول: تبقى عند أمها حتى تبلغ خمس عشرة سنة.
والراجح عندي أنها تبقى عند أمها حتى يتسلمها زوجها؛ إلا إذا خشينا من الضرر في بقائها عند أمها كما لو كانت أمها تهملها، أو كان البلد مخوفًا يخشى أن يسطو أحد عليها وعلى أمها، ففي هذه الحال يتعين أن تكون عند الأب، وإلا فلا شك أن الأم أشفق بكثير من غيرها، حتى من الأب؛ لأن الأب مهو قاعد في البيت، الأب سيخرج ويقوم بمصالحه وكسبه، وستبقى هذه البنت في البيت، ولا نجد أحدًا أشد شفقة وأشد حنانًا من الأم، حتى جدتها أم أبيها ليست كأمها.
فالصواب في هذه المسألة أن البنت تكون عند أمها حتى تتزوج؛ لأنها -بلا شك- أشفق الناس وأرحم الناس بها، إلا إذا علمنا أن في ذلك ضياعًا للبنت، أو خوف فتنة فحينئذٍ لا بد أن تكون عند أبيها، ولا بد مع هذا أن يكون أبوها قائمًا بما يجب وقائمًا لها عما يضرها، ومدافعًا عنها إن ضرتها ضرة أمها، وأما إهمالها هكذا فلا.
يقول المؤلف رحمه الله: (ويكون الذَّكَر بعد رشده حيث شاء) الذكر من سبع سنين إلى الرشد عند من؟
طلبة: من اختاره.
الشيخ: عند من اختاره من أبويه، وبعد الرشد يملك نفسه، فلا سيطرة لأحد عليه، لا أبوه ولا غيره، إذا تم له خمس عشرة سنة فهو رشيد عاقل، فإنه لا سلطان لأحد عليه، ولهذا قال: (يكون الذكر بعد رشده حيث شاء).
لكن مع ذلك إذا خِيف عليه من الفساد فإن لأبيه أن يتولى أمرَهُ، لو فُرض أن هذا الشاب يُخشى عليه من الضياع، لو انفرد إما من شياطين الإنس، وإما من شياطين الجن، ومِن نفسه ففى هذه الحال يجب أن تُجعل الرعاية لأبيه، ولكن من يجعلها؟ يجعلها الحاكم الشرعي، ويقول: عليك بأن تتولى رعاية ابنك، لكنه في الأصل لا يلزمه أبوه أن يبقى عنده في البيت لو قال: أنا أريد أن أنفرد ببيتي، أنا الآن بلغت ورشيد، فإن أباه لا يلزمه بالبقاء عنده.
وتكون الأنثى عند أبيها حتى يتسلَّمها زوجها، مِنْ متى؟ على المذهب من تمام سبع سنين تبقى عند أبيها حتى يتسلمها زوجها.
والخلاصة -على المذهب الآن-: أنه قبل تمام سبع سنين تكون الحضانة لمن؟ للأم؛ للذكر والأنثى، وبعد سبع سنين يُخيَّر الذَّكَر، وتنتقل الأنثى إلى أبيها، وبعد الرشد يكون الذكر حيث شاء، لا حضانة لأحد عليه، وتكون الأنثى عند أبيها حتى يتسلمها زوجها.
وكل هذا يجب أن نعرف أن أهم شيء هو رعاية مصالح المحضون، وأما من كان أحق، لكنه يهمل، ويضيع المحضون فإنه تسقط حضانته؛ لأن من الشروط -كما سبق قبل قليل- أن يكون قادرًا على القيام بواجب الحضانة، وثانيًا: وقائمًا بواجب الحضانة، فإن لم يكن كذلك فإنه لا حق له.
طالب: (... ).
الشيخ: هي ما طالبت، هي لو طالبت ما ندري (... )، فإذا لم تطالب، فالذي طالب الآن هؤلاء الثلاثة، وهذا أحدهم مع أخواتها فكانت أولى.
طالب: فيما إذا علمنا أن (... ) الثلاث يضار (... ) شرعًا، وسأقوم بمصالحه، ينتقدون (... ) بأنه مخالف لكن لي حق آخذه كسائر الحقوق.
الشيخ: يعني مسألة السفر تقصد؟
الطالب: لا، في مسألة الحضانة.
الشيخ: إذا أراد أن يسافر؟
الطالب: لا، لو لم يسافر.
الشيخ: لا، إذا لم يسافر ما يُشترط أن يوجد الإضرار، لكن الإضرار هذا فيما بينه وبين الله، أما بالنسبة لنا فليس لنا إلا الظاهر.
الطالب: كما ذكرت إذا علمنا أن الإضرار مثلًا لو قال: إذا تزوجت سآخذ الطفل، (... ) وعلمنا أنه يضار، (... ) فالحق منه شرعًا، ولا تقوم بمصالحه.
الشيخ: والله في نفسي من هذا شيء، إذا علمنا أنه يريد أن يضار، فمن ضار ضار الله به، ولا يمكن أن يمكن المجرم من أن يأخذ ما يضار أخاه المسلم.
الطالب: لكن هو حقه.
الشيخ: هو حقه، لكن هذا الرجل ما قال بأنه حقه، قال: لأجل أن يضر الآخر.
طالب: إذا أراد السفر إلى بلاد الكفر؟
الشيخ: كما قلت إذا كان أنه يخشى على الطفل لا، ما يرد، ما له حق.
الطالب: إذا كان يُخشى على الطفل (... )؟
الشيخ: إذا كان يُخشى عليه من السفر إلى بلاد الكفر فإنه لا حق لأبيه.
(كتابُ الْجِناياتِ)
وهي عَمْدٌ يَخْتَصُّ الْقَوَدُ به بشَرْطِ القَصْدِ، وشِبْهُ عَمْدٍ، وخَطَأٌ.
(فالعَمْدُ) أن يَقْصِدَ مَن يَعْمَلُه آدَمِيًّا مَعصومًا فيَقْتُلُه بما يَغْلِبُ على الظنِّ موتُه به، مثلَ أن يَجْرَحَه بما له مَوْرٌ في البَدَنِ, أو يضرِبَه بحَجَرٍ كبيرٍ ونحوِه, أو يُلْقِيَ عليه حائطًا أو يُلْقِيَه من شاهِقٍ أو في نارٍ, أو ماءٍ يُغرِقُه, ولا يُمْكِنُه التخَلُّصُ منهما, أو يَخْنُقَه, أو يَحْبِسَه ويَمْنَعَه الطعامَ أو الشرابَ, فيموتَ من ذلك في مُدَّةٍ يَموتُ فيها غالبًا, أو يَقْتُلَه بسِحْرٍ أو بِسُمٍّ، أو شَهِدَتْ عليه بَيِّنَةٌ بما يُوجِبُ قَتْلَه ثم رَجَعُوا وقالوا: عَمَدْنا قَتْلَه.
ونحوَ ذلك
و(شِبْهُ العَمْدِ) أن يَقْصِدَ جِنايةً لا تَقْتُلُ غالبًا ولم يَجْرَحْه بها، كمَن ضَرَبَه في غيرِ مَقْتَلٍ بسَوطٍ, أو عصًا صغيرةٍ أو لَكزةٍ ونحوِه.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (كتاب الجنايات) الجنايات جمع جِنَاية، وهي لغةً: التعدي على البدن، أو المال، أو العِرض، هذا في اللغة.
وأما في الاصطلاح فهي: التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا، أو مالًا، إذن فهي أخص من معناها لغة، فمن اغتابك فهو جانٍ لغةً أو اصطلاحًا؟
طلبة: لغةً.
الشيخ: لغة، ومن أخذ مالك؟
طالب: لغةً واصطلاحًا؟
الشيخ: فهو لغةً.
طالب: واصطلاحًا.
الشيخ: لا، من أخذ مالك؛ أما في الاصطلاح فهى التعدي على البدن خاصةً بما يُوجب قصاصًا، أو مالًا، فالتعدي على المال لا يدخل في الجناية في هذا الباب، إنما هو التعدي على البدن خاصة بما يوجب قصاصًا فيما إذا كان عمدًا، أو مالًا فيما إذا كان خطأ.
يقول المؤلف: وهى ثلاثة أضرُب، العلماء -رحمهم الله- قسَّموا الجنايات إلى ثلاثة أضرب: عمْد، وشِبه عمْد، وخطأ.
وفي القرآن الكريم قسمها الله تعالى إلى قسمين: عمد، وخطأ، لكن جاءت السنة بإثبات شبه العمد؛ في قصة المرأتين اللتين من هذيل اقتتلتا، فضربت إحداهما الأخرى بحَجَر، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم فيها بما سيُذكر إن شاء الله تعالى.
هذا ليس عمدًا وليس خطأ، ولكنه يكون وسط بينهما؛ فيقال عنه: إنه شِبه عمد؛ لأنك إن نظرت إلى تعمد الفعل ألحقته بالعمد، وإن نظرتَ إلى أن الجناية لا تقتل ألحقته بالخطأ، فجعله العلماء مرتبةً بين مرتبتين، وسموه شبه العمد.
يقول المؤلف: (عمد يختص القود به بشرط القصد، وشِبْه عَمْد وخطأ)
(عمْد يَختص القوَد به) يعني معناه أنه لا قوَد إلا في العمد، والقوَد هو القصاص، فلا قصاصَ إلا في العمد، أما في شبه العمد والخطأ فلا قصاص فيهما، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178]، وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45].
وهذا وإن كان مكتوبًا على أهل التوراة، لكنه شرْع لنا، بدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام لأنس بن النضر: «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ».
حينما كسرت الرُّبَيِّع بنت النضر ثنية امرأة من الأنصار، فطالبوا بالقصاص، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» (3).
ومعلوم أن القصاص في السِّن إنما جاء بما شُرع في التوراة، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل ذلك شريعة لنا.
فالحاصل أن الذي فيه القصاص هو العَمْد؛ ولهذا قال: (يختص القوَد به) حق المقتول، وحق أولياء المقتول، وحق الله لا شك أنه يسقط بالتوبة، وحق أولياء المقتول يسقط بتسليم نفسه لهم، إذا سلَّم نفسه إلى أولياء المقتول هذه توبته، وقال: الآن اقتلوني، وخذوا الدية، اعفوا كما تحبون.
ويش بقي علينا؟
طلبة: حق القاتل.
الشيخ: حق المقتول لا يسقط؛ لأن المقتول قُتِل وراح، ولكن هل يُؤخذ من حسنات القاتل، أو أن الله عز وجل بفضله يتحمل عنه؟
الصواب: أن الله بفضله يتحمل عنه إذا علِم صدق توبة هذا القاتل.
طالب: (... ).
الشيخ: لا بد أن يُسلِّم نفسه، وإلا ما (... ).
الطالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، لا بد أن يُسلِّم نفسه؛ لأن من شروط التوبة الإقلاع عن الذنب، هذا ما هو إقلاع حتى يُسلِّم نفسه.
الجنايات ثلاثة أقسام: عمد يختص القوَد به؛ يعني عمْد هو الذي فيه القوَد، وما هو القود؟ القود: القصاص، وسُمِّي بذلك؛ لأنه يُقاد القاتل لأجل أن يُقتل؛ فإنه يُقاد برمته بحبل ويُقتل، هذا العمد، يختص به القتل وأيضًا يمتاز العمد عن غيره بأنه لا كفَّارة فيه؛ لأنه أعظم من أن تُكفِّره الكفارة فليس به كفارة.
ولكن يشترط في العمد قال: (بشرط القصْد) ما هو القصد؟ قصد الجناية، وقصد المجني عليه، لا بد من القصدين؛ يقصد الجناية، ويقصد المجني عليه، فلو لم يقصد الجناية، بأن حرَّك سلاحًا معه فثار السلاح وقتله، فهنا عمد ولَّا غير عمد؟ ليس بعمد؛ لأنه ما قصد الجناية، ولو أنه قصد الرمي على شاخص فإذا هو إنسان، فهذا عمد ولَّا غير عمد؟
ليس بعمد؛ لأنه ما قصد شخصًا يعلمه معصومًا فقتله.
ولهذا قال المؤلف: (وشِبه عمْد) هذا الثاني، شِبْه عمد، فهو ليس خطأ محضًا وليس عمدًا محضًا، لكنه بينهما؛ وذلك لأن الجاني قصد الجناية والضرر، لكن بشيء لا يقتل غالبًا، هذا شبه العمد أن يقصد جناية ما تقتل غالبًا، مثل الضرب بالمهفة، ضرب إنسانًا بالمهفة ومات، هذا عمد؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه لا يقتل غالبًا.
الشيخ: لا يقتل غالبًا؛ هو لا شك أنه قصد الجناية، لكنه بشيء لا يقتُل غالبًا؛ فهذا نسميه شبه عمْد، ليس بعمد محض؛ لأن الجناية لا تقتل، وليس بخطأ؛ لأنه قصد الجناية.
والثالث: خطأ، وهو ألا يقصد الجناية، أو يقصد الجناية لكن ما يقصد المجني عليه، فهذا يسمى خطأً مثل أن تنقلب الأم على طفلها وهي نائمة فتقتله نسمي هذا خطأ، أو يرى صيدًا فيرميه فيصيب آدميًّا، نسميه هذا أيضًا؟
طالب: خطأ.
الشيخ: خطأ، فهذا ثلاثة أقسام، قال: روي ذلك عن عمر وعلي رضى الله عنهما عن اثنين من الخلفاء الراشدين أن الجنايات تنقسم إلى ثلاثة أقسام.
نتكلم في مسألة العمد الآن قال: فالعمد (أن يقصد من يعلمه آدميًّا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته به).
هذا تعريف العمد.
أفادنا المؤلف بكلمة (أن يقصد) أنه لا بد أن يكون للقاتل من قصْد، فأما الصغير والمجنون فإن عمدهما خطأ؛ لو تعمد فعمدهما خطأ، ليش؟
طالب: لأنه ليس لهما قصد.
الشيخ: لأنه ليس لهما قصد صحيح، أما المجنون فظاهر، وأما الصغير فلأنه وإن كان له قصد، لكنه قصد لا يُكلَّف به.
ثانيًا: (من يعلمه آدميًّا معصومًا) فإن قصد من يظنه غير آدمي، أو يظنه آدميًّا غير معصوم، فيقتل معصومًا فليس بعمد؛ لأنه ما قصد الجناية على معصوم، مثل أن يرى شاخصًا من بعيد، فظن أنه جِذع نخلة فرماه، هذا عمد؟
طالب: نعم.
الشيخ: كيف (... )؟
طالب: ليس بعمد.
الشيخ: لماذا؟
طلبة: لأنه لم يقصد الآدمي.
الشيخ: لأنه لم يقصد الآدمي، هو لم يره آدميًا، بل إن الذي يغلب على ظنه أنه جذع نخلة؛ فلا يكون عمدًا.
وأيضًا رأى إنسانًا عرف أنه إنسان، لكنه في أرض حرب، فظن أنه حربي، فرماه فقتله، فإذا هو غير حربي.
طلبة: خطأ.
الشيخ: عمد ولَّا لا؟
طلبة: ليس بعمد.
الشيخ: ليس بعمد؛ لأنه ما نوى قتل المعصوم.
وكذلك لو رمى شخصًا يظن أنه هو المرتد رِدَّة لا تُقبل معها التوبة، كرِدَّة من سب الله على المشهور من المذهب، ولكنه تبين أنه غيره.
طلبة: ليس بعمد.
الشيخ: فليس بعمد.
كذلك رمى شخصًا يظنه الزاني المحصن، والزاني المحصن معصوم ولَّا غير معصوم؟
طلبة: غير معصوم.
الشيخ: غير معصوم؛ لأنه يُرجم حتى يموت، فتبين بعد ذلك أنه ليس هو الزاني المحصن، فيكون هذا أيش؟ يكون هذا غير عمد.
ولكن لاحظوا أن هذا إذا وافق أولياء المقتول على ذلك، فأما لو قالوا: إنك قصدته، وقال: لم أقصده، فمَن القول قوله؟
القول قول أولياء المقتول؛ وذلك لأن القصد نية خفية، والشرع لا يحكم إلا بالظاهر، والظاهر أنه قصد، ودعواه أنه ما قصد، أو أنه ظنه غير آدمي، هذا غير مقبول منه؛ لأننا لو قبِلنا هذا لكان كل من قتل نفسًا بغير حق ويش يقول؟
طلبة: ما قصدت.
الشيخ: ما قصدت، أو ما ظننته آدميًّا معصومًا، أو ما أشبه ذلك.
وقوله: (فيقتله) لو قصد الجناية بما يقتل غالبًا، لكن المقتول أو الذي جُنِي عليه سَلِم، هل يكون عمدًا؟
طلبة: لا يكون عمدًا، ما قصد.
الشيخ: ضرب الرجل، ضربه بالفأس على رأسه فانفلق الرأس، لكنهم عالجوه حتى برئ.
نقول: هذا عمد؟
طلبة: عمدًا.
الشيخ: لا، الثاني ما هو عمد، لا بد أن يقتله.
الآن هذا الرجل لا شك أنه أراد القتل؛ ولهذا ضربه بالفأس على رأسه حتى انشق، لكنه عُولج وشفاه الله، هل أراد القتل هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يريد قتله، هذا رجل مجرم، اعتدى عليه، وأراد قتله لكن عُولج وبرئ، نقول: هذا ليس بعمد؛ لأنه لا بد أن يقتله.
وقوله: (بما يغلب على الظن موته به) هذا أهم شيء، أن تكون الجناية مما يغلب على الظن أنها تقتل هذا أهم شيء، مثل إذا ضربه بالساطور على رأسه، قال: والله أنا ما ظننت أنه يموت، أيش نقول؟
طلبة: لا يقبل.
الشيخ: ما نقبل هذا؛ لأن هذا يغلب على الظن أنه يموت به.
فأما لو ضربه بالمهفة، وقُدِّر أن هذا الرجل ينعس وفزع فزعة مات منها، أيش تقولون؟
طلبة: ليس بعمد.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه لا يغلب على الظن أن يموت بها.
الشيخ: لأن المهفَّة لا يغلب على الظن أن يموت بها، المهفة وشبهها ما يغلب على الظن أن يموت بها، لكن هذا (... ) الموت ومات، وما يغلب على الظن أنه يموت بها.
فانتبه الآن للشروط التي هي الضابط لقتل العمد؛ لأجل أن نُنزِّل عليها الصور التي ذكرها المؤلف؛ لأن من الصور التي ذكرها المؤلف صورًا لا تنطبق على هذه القاعدة، فيُنظر فيها.
مرة ثانية نعيد، العمد أن يقصد من يعلمه آدميًّا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته به، خمسة شروط؛ يقصد من يعلمه آدميًّا، معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته به.
طالب: الآلة التي يستعملها الجاني إذا كان يغلب على الظن أنه لا يموت بها، ولكن يضربه بها في موضع حساس مثل لو ضربه بالعصا على رأسه؟
الشيخ: إي، يكون عمدًا هذا، إي نعم؛ لأن غلبة الظن سواء كانت من الآلة نفسها، أو من الموضع، قد يكون في موضع حساس -كما قلت- ويصير عمدًا.
طالب: إذا غلب على الظن أن المعصوم (... ) ما علم (... ).
الشيخ: فإنه عمد؛ لأنه ليس له أن يفعل ذلك، شوف الأمثلة، له تسع صور:
أولًا: (مثل أن يجرحه بما له مور في البدن)، هذه الصورة الأولى (أن يجرحه) الفاعل مَنْ؟ القاتل أو بعبارة أصح: الجاني، والمفعول به المجني عليه؛ يعني مثل أن يجرح الجاني المجني عليه.
(بما له مور) فسره المؤلف (مور) قال: (أو نفوذ في البدن) مثل بطَّه برأس الدبوس، تعرفونه؟ له مور ولَّا ما له مور؟
طلبة: له.
الشيخ: له مور في البدن، جاء إلى (... ) بالدبوس.
طالب: هو قتل عمد.
الشيخ: عمد ولَّا لا؟
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) هذا عمد ولَّا لا؟
طالب: عند المؤلف عمد.
الشيخ: عند المؤلف عمد، لكن طبقه على القاعدة، على قاعدة العمد لا ينطبق عليها؛ لأنه يقول: أن يقتله بما يغلب على الظن موته به، وهذا لا يغلب على الظن موته به، اللهم إلا لو بطَّه في مقتل، كما لو بطه في الفؤاد، أو بطه في الوريد، أو ما أشبه ذلك، وأما إذا بطَّه في مكان متطرف من البدن، فليس هذا بعمد في الواقع، وما أكثر الجرح يصيب الرجل، من مسمار، أو زجاجة، أو نحو ذلك، وهل يقول الناس إن هذا يقتل؟ لا.
لو قال قائل: هو لا يقتل، ولكنه تعفن وفسد شيئًا فشيئًا، حتى قضى عليه، فماذا نقول؟
نقول: العِبرة بالأصل، وهنا ما مات من الجرح نفسه، ولكنه مات من التسمم، وفساد الجرح حتى هلك، هذه الصورة الأولى، لكن لو أنه جرحه بما له مور في البدن، وقيل له: يا ولد، داوِ الجرح أو (... ) القطع حتى لا ينزل الدم، قال: لا، خليه ينزل (... ).
طلبة: هذا عمد.
الشيخ: عمد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: (... ).
طالب: هو عمد منه هو.
الشيخ: منين؟ من الثاني ولَّا من الأول؟
طالب: من المجني عليه.
طالب آخر: من الجاني.
الشيخ: لا يقولون: من الجاني، يقولون: (وإن لم يداوِ مجروح جرحه)، لو قال: أنا بأداويك وعلى نفقتي الخاصة، قال: لا، خليه يثعب دمًا حتى إنك تتلف، ويش تقولون؟
طلبة: عمد.
الشيخ: يرون أنه عمد، لكن الحقيقة أن هذا سفه، منين؟
طلبة: من المجني عليه.
الشيخ: من المجني عليه.
نقول: أنت الآن ما دام أن فيه أشياء نعرف أنها إذا عُولجت برئ مكانها، مثل هذا الجرح اللي ينصبُّ منه الدم إذا وُقِّف برئ المكان، فأنت الذي الآن جنيت على نفسك، فهذا لا نمكنه من أن يبقي جرحه يثعب دمًا حتى يموت، لكن لو فرض أنه ثعب، فالمذهب أنه يُعتبر عمدًا بالنسبة للجاني فيُقتل به.
الثاني؟
طالب: (... ).
الشيخ: قال: ما (... ) أضربه، إذا استطاع أن يدواي جرحه ولم يفعل.
الثاني: (أو يضربه بحجر كبير ونحوه).
طالب: (... ) عمدًا.
الشيخ: كيف؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إذا قال الناس: مثل هذا الجرح لا يُموِّت، هذا الضابط يرجع في ذلك إلى الأطباء.
الثاني قال: (أو يضربه بحجر كبير ونحوه) ضربه بحجر كبير (... ) مطرقة، هذا مثلًا أخذ (... ) الكبيرة اللي أكبر من (... ) حديد، وضربه بها، قال: أنا ما كنت متيقنًا، ويش تقولون في هذا عمد ولَّا غير عمد؟
طلبة: عمد.
الشيخ: عمد، وكذلك المطرقة الكبيرة، ضربه بها وقال: ما في نيتي أني أقتله، هذا ما هو صحيح، هذا يقتل غالبًا فيقتل به.
طالب: إذا ضربه بها في غير مقتل.
الشيخ: ولو كان في غير مقتل إي نعم، ولهذا صرح عندي في الشرح قال: ولو في غير مقتل.
أفادنا المؤلف بقوله: (أو يضربه بحجر كبير) أنه لو ضربه بحجر صغير فهو شِبْه عمد، إلا إذا قتله بحجر صغير في مقْتل، مثل إن ضربه على الكُلى، أو ضربه على الكَبد، أو ما أشبه ذلك مما يكون سببًا للقتل، فهنا يكون ذلك عمدًا.
طالب: ما الفائدة لو كان كبيرًا أو صغيرًا؟
الشيخ: الفائدة قالوا: إن هذا الحجر الكبير يقتل، إذا ضرب به الإنسان ولو في غير مقتل.
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) حتى الأحجار تختلف في الوزن، قد يكون كبيرًا وخفيفًا.
طالب: (... ).
الشيخ: لكن عندنا الآن ضابط يا إخواني، الضابط أن يقصد من يعلمه آدميًّا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته به، هذا الضابط، وهذه صوره عندكم.
لو أنه قتله بسوط من كهرباء؟ يُنظر إن كان من طاقة كبيرة تقتل غالبًا فهو عمْد، وإن كان من طاقة صغيرة لا تقتل غالبًا فليس بعمد، الطاقة الصغيرة مثل مئة وعشرة، والكبيرة مثل مئتين وعشرين، ثلاث مئة، أربع مئة، ألف.
طالب: (... ).
الشيخ: هو عمد (... ) سواء بالآلة أو بالمحل.
طالب: نطير هذا (... )؟
الشيخ: لا، هو عمد.
طالب: (... ).
الشيخ: هو مناط الحكم إما الآلة أو (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما فيها (... ).
يقول المؤلف رحمه الله: (أو يلقي عليه حائطًا) قال: (... ) فجلس الرجل (... ) هذا الجدار (... ) الجدار، ويش تقولون في هذا؟
طلبة: عمد.
الشيخ: تقولون: هذا عمدًا لا شك فيه؛ أو لا؟ لأنه يقتل غالبًا؛ ولهذا قال: (أو يلقي عليه حائطًا).
لو ألقى عليه سقفًا؟
طلبة: (... ).
الشيخ: (... )؟
طلبة: لا ما (... ).
الشيخ: أو فينظر في السقف، فالسقف غالبًا عندما يسقط، قد يكون السقف (... ) أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن ينظر فيه، هل يقتل غالبًا أم لا؟
يقول: (أو يلقيه من شاهق) شاهق أي من شيء شاهق؛ أي مرتفع، صعد هو وإياه على المنارة، وقال له: انظر إلى الأرض، بعيدة ولَّا قريبة؟ فلما اعتدى (... ) قُطع، قطع رجليه ونزل، ويش تقولون؟
طلبة: عمد.
الشيخ: هذا عمد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: قال: أنا ما دريت أنه بيموت، نقول له: هذا يقتل غالبًا.
فإن رماه من مكان أبعد؟
طالب: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى، مع أنهم يقولون: إن الهر إذا سقط من مكان قريب مات، ولو سقط من مكان بعيد لا يموت.
طلبة: (... ).
الشيخ: يقولون: يمكن (... )، فإذا أتلفها (... ).
طلبة: هذا مشاهد يعني.
الشيخ: هذا مشاهد، لكن ما رأيكم في الآدمي؟
طلبة: (... ).
الشيخ: ولَّا لا؟ (... )
يقول: عندي (... ) أو يلقيه بجحر أسد أو نحوه، ألقاه في جحر الأسد، وجحر الأسد بيته الذي يأوي إليه، فجاء الأسد فأكله، يكون عمدًا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يكون عمدًا، لكن لو قال الذي ألقاه في الجحر: (... ) يا جماعة إذا اجتمع متسبب ومباشر فالضمان على المباشر، أنا الآن ما قتلته اللي قتله هو الأسد، نقول: إذا تعذر إحالة الضمان على المباشر كان على المتسبب، وهنا يتعذر أن يحال الضمان على الأسد فعليه يكون الضمان على المتسبب، كذلك يقول: أو يلقيه مكتوفًا بحضرته، حضرة مَنْ؟
طالب: الأسد.
الشيخ: حضرة الأسد، ومعنى (مكتوفًا) يعني: مربوطة يداه إلى كتفيه، فقال: بحضرته.
فإنه في هذه الحال يكون عمدًا.
وقد ذكروا قصة جحدر بن مالك، جحدر بن مالك هذا أمسكه الحجاج بن يوسف الثقفي في جناية زعم أنها جناية وقال له: ما أنا بقاتلك ولن أعذبك، لكن أبغي أخرج أسدًا وأحبسه عن الطعام خمسة عشر يومًا، وبعد أعطيك السيف، وأقيد يدك الثانية، وأطرحك على الأسد وهو جائع وفك نفسك؛ لأن حجدر بن مالك كأنه من قطاع الطريق، قال: ما عندي مانع، فأجاع أسدًا لمدة خمسة عشر يومًا، ثم أطلقه وأطلق جحدر بن مالك، لكن جحدر بن مالك ما له (... ) فقط، الأسد (... ) مغلولة يده، فجحظ وقفز على الرجل قفزًا، جحدر بن مالك تمكن من أن يضربه مع نحره بالسيف، لما قفز (... ) السيف له (... ) ليسقط الأسد صريعًا وجحدر (... )، لكن الأسد مات وجحدر لم يمت، ذكر هذا في حواشي مغني اللبيب، (... ) القصة طويلة، الشاهد أنه إذا ألقاه مكتوفًا بحضرة الأسد فهو عمد، لكن لو فعل مثل قصة جحدر، هل يكون عمدًا؟
طلبة: عمدًا.
الشيخ: لكن هو يقول: أعطاه السيف؟
طالب: عمدًا ولو أعطاه السيف.
الشيخ: ولولا أن هذا الرجل كان قويًّا، وشجاعًا، وقوي البدن أيضًا ما قدر على الأسد الذي قد جُوِّع لمدة خمسة عشر يومًا، ثم أُطلِق على هذا الرجل.
طالب: (... ) مكتوف، ولكنه (... ).
الشيخ: نعم.
الطالب: عمدًا.
الشيخ: لا، هو يقول: مكتوفا بحضرته، والظاهر أن اللي غير مكتوف أنه يستطيع يهرب.
الطالب: لا يمكن يهرب يا شيخ.
الشيخ: (... ).
الطالب: الأسد أسرع.
الشيخ: الأسد أسرع؟ طيب نرده إلى ما سبق.
يقول المؤلف: (أو يلقيه في نار أو ماء يغرقه، ولا يمكنه التخلص منهما)،
فإن كان يمكنه التخلص منهما؟
طلبة: فليس بعمد.
الشيخ: فهدر، ليس بعمد، لكن لننظر إلقاءه في النار، هل يمكن أحد أن يلقى في النار ويمكنه التخلص؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: يُلقى في النار ويمكنه التخلص؟
طالب: يمكن.
الشيخ: كيف؟
الطالب: مثلًا أن تكون النار يعني في (... ).
الشيخ: مثل أيش؟
الطالب: (... ).
الشيخ: (... ).
الطالب: يعني (... ).
الشيخ: (... ).