الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 7104-7143

الشيخ: لا، تكون بائنًا.
لكن الفرق بينها وبين مَن طلقت آخر العدد، أن مَن طلقت آخر العدد لا تحل للمطلِّق إلا بعد زوج، ومن طلقت على عِوَض تحل له بعقد جديد، يكون لها ذلك.. طالب: بالنسبة للمفارقة؟ الشيخ: كيف هي المفارقة؟ الطالب: (... ). الشيخ: المفارقة أيش هي؟ الطالب: (... ). الشيخ: لا، بس ما يلزمها أن تكمل في بيت الزوج، وإن أكملت في بيت الزوج فلا حرج لكن لا يخلو بها.
الطالب: ما تكون أجنبية؟ الشيخ: هي أجنبية ما يخلو بها.
الطالب: لو كانت في البيت لا بد أن يخلو.
الشيخ: (... ) تكون في عائلة كبيرة، هو على كل حال، إنما إذا استلزم الخلوة نعم يجب أنها تفارقه.
وكذلك البائن بطلاق على عِوَض مثل البائن بالطلاق الثلاث من جهة أن زوجها لا يحل له أن ينظر إليها، ولا أن يخلو بها، ولا أن يسافر بها، لكن لا تفارق المطلقة آخر الطلقات، إلا في أنها تحل له بعقد، والمطلقة ما تحل إلا بعد زوج -المطلقة ثلاثًا-، أو المطلقة على الأصح آخر تطليقاتها.
البائن بفسخ، مثاله: امرأة اشترطت على زوجها ألا يتزوج عليها، ويش حكم الشرط؟ صحيح مصحح.
صحيح لا يضر، يعني لا يضر العقد، الشرط صحيح، إذا اشترطت على زوجها ألا يتزوج عليها واضح الشرط صحيح.
تزوج عليها لها الحق أن تفسخ العقد، ولما قيل لعمر: يا أمير المؤمنين: كيف تفسخ العقد؟ قال: مقاطع الحقوق عند الشروط (3)، يعني: ينقطع حقها عند شرطها، فلها الفسخ.
نقول: هذه التي فسخت العقد تكون بائنًا أم لا؟ تكون بائنًا، يعني ما يحل لزوجها الآن أن يراجعها إلا إذا عقد عليها عقدًا جديدًا، واضح؟ (... ) مِنَ الشروط اللي ذكرناها في الرجعية قبل قليل أن الرجعية هي التي طلقت.
(طلقت) خرج به الفسخ، جميع الفسوخ ما فيها رجعة.
مثال آخر في الفسخ: رجل اشترط لزوجته مهرًا مؤجلًا إلى شهر، تم الشهر..

المثال اللي إحنا قلنا: إن المهر كان مؤجلًا إلى شهر، مضى الشهر فأعسر الرجل بالمهر، لها الفسخ ولَّا لا؟ تقدم أن لها الفسخ، فسخت تكون بائنًا أم لا؟ تكون بائنًا.
والحاصل أن كل فُرْقَة بغير طلاق فهي بائنة، فهي فرقة بينونة، أما الطلاق الذي على عِوَض فقد سبق تمثيله، والطلاق آخر ما يملك لو كان طلقها مرتين وهذه الثالثة صارت أيضًا بائنة.
البوائن كلهن، لو سألك سأل: هل لهن نفقة، وكسوة، وسكنى، أم لا؟ الجواب: فيه التفصيل؛ نقول: لها ذلك إن كانت حاملًا، يعني: وإن لم تكن حاملًا فليس لها شيء.
الدليل: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، مع أنه قال بالأول: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، هذا الدليل.
وأما التعليل: فلأنها تَحْمِل للمطلِّق، أو بالأصح تَحْمِل للمفارِق؛ تحمل له جنينًا، يجب عليه أو على المفارِق أن ينفق عليه، ولا طريقة إلى الإنفاق على هذا الجنين إلا بالإنفاق على أمه، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: هو ما يمكن يروح يدخل عليها ماسورة فيها حليب ترضعه؟ لا يمكن.
إذن لا يمكن الإنفاق عليه إلا من طريق الإنفاق على أمه، واضح؟ ولهذا يقول المؤلف: (والنفقة للحمل لا لها من أجله)، انتبه لهذه المسألة! هذه المسألة فيها نقاش بين الفقهاء؛ منهم من يقول: إن نفقة الحامل للحامل من أجل الحمل، ومنهم من يقول: إن النفقة للحمل لا للحامل من أجله.
الخلاف لفظي؟ لا، الخلاف معنوي.
لننظر أولًا أي القولين أسعد بالدليل؟ فالذين قالوا: إن النفقة للحامل من أجل الحمل؟

قالوا: لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، ﴿عَلَيْهِنَّ﴾، ما قال: أَنْفِقُوا على الحمل، قال: ﴿أَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وعلى هذا فتكون النفقة للزوجة.. ما هي للزوجة، غلط، للحامل من أجل الحمل؛ لأن لو قلنا: الزوجة، معناه أنه ما كانت بائنًا، إحنا كلامنا الآن في البائن.
فالنفقة لها؛ لأنه يقول: ﴿أَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ عليهن هُنّ، ما قال: أنفقوا على الحمل.
والذين قالوا: إنه للحمل، قالوا: إن ما كان علة للحكم فإنه يكون هو محل الحكم، فعلة الحكم ليس لأنها مطلَّقة منك أو مفسوخة، علة الحكم لأن فيها حملًا، فيكون الحكم للعلة تابعًا لعلته، ولهذا قال: ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، مع أنهن بعد الحمل مباشرة قد يكنَّ محبوسات على الحمل بالتعب والوجع والإرضاع، ومع ذلك إذا وضعت الحمل انتهت النفقة، فدل هذا على أن النفقة لمن؟ للحمل لا لها من أجلها.
ويدل لذلك أيضًا أنها إذا لم تكن حاملًا فليس لها شيء، فالحمل الذي هو سبب الوجوب تكون النفقة له، وهذا القول أرجح.
لكن نحن قلنا: إن الخلاف معنوي، ما الذي يترتب على ذلك؟ يترتب على ذلك أولًا: الفطرة، يعني اللي هي زكاة الفطر، هذه امرأة بائن حامل مر عليها رمضان وجاء العيد -عيد رمضان- من الذي ينفق عليها؟ الزوج، هل تجب عليه الفطرة أو لا تجب عليه الفطرة؟ طالب: لا تجب.
الشيخ: ينبني على الخلاف، إذا قلنا: إن النفقة للحمل، لم تجب الفطرة، وإذا قلنا: إن النفقة لها وجبت الفطرة، كيف ذلك؟ لأن الحمل لا يجب إخراج الفطرة عنه، أو لا؟ وإنما يستحب، على خلاف في ذلك، المهم أن إخراج زكاة الفطرة عن الجنين ليست بواجبة.
وأما لو قلنا: إن النفقة للأم، لكانت الأم الآن حية تأكل وتشرب ويكسوها زوجها، يجب عليه فطرتها ولَّا لا؟ يجب عليه فطرتها.

ومنها أيضًا عندي: أنها لو كانت هذه الزوجة ناشزًا -امرأة ناشز، زوجة ناشز- ما هي مطلَّقة، زوجة ناشز، ولكنها حامل، كيف ناشز؟ تعرفون الناشز من هي؟ طلبة: لا.
الشيخ: هي التي تعصي زوجها فيما يجب له، هذه امرأة ما تبالي بزوجها، تطلع للسوق، يدعوها إلى فراشه وتأبى، تروح لأهلها مثل ما بغت.
المهم ولنفرض أنها راحت لأهلها، وأرادها ولكن أبت، ناشز، وهي حامل، هل لها نفقة؟ ينبني على الخلاف، إن قلنا: النفقة للحمل، وجب لها النفقة؛ لأن الحمل ما له دخل هو الناشز الحمل ما له دخل في الموضوع (... ). طالب: (... ) للحامل؟ الشيخ: لا، ما هي، المذهب كما ترى هي للحمل، لا لها، من أجله، ومع ذلك يلزموها بالطفل، وهذا قد ثبت به السنة كما هو معروف في حديث فاطمة بنت قيس.
طالب: إذا أعسر الزوج وهي حامل منه، هل يجب أن ينفق عليها؟ الشيخ: إذا أعسر تسقط النفقة.
الطالب: (... ) على الخلاف، إن قلنا: إنها لها من أجل الحمل، فيجب عليه ولو كان.. الشيخ: ما عنده شيء الآن.
الطالب: (... ). الشيخ: إي نعم، يعني إذا قلنا: إنه لها من أجل الحمل (... ) وتبقى في ذمته.
الطالب: (... ). الشيخ: نعم، إلا إذا كانت ناشزًا فلا نفقة لها.
طالب: بالنسبة (... ). الشيخ: ويش لون (... )؟ الطالب: إذا اشترطت عليه (... ). الشيخ: اشترط عليها أيش؟ الطالب: إذا اشترطت عليه ألَّا يتزوج عليها.
الشيخ: زين، اشترطت ألَّا يتزوج عليها.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فتزوج، نعم.
الطالب: وتزوج، لكن (... ) هي (... ). الشيخ: ما يجوز الشرط هذا.
الطالب: تزوج عليها.
الشيخ: إي، خالف الشرط الآن.
الطالب: هل ينفسخ هذا العقد؟ الشيخ: لا ما ينفسخ، لها الفسخ.
الطالب: إذا أرادت (... ). الشيخ: إي، الحق لها.
الطالب: هذا هو الشرط (... ). الشيخ: أيهم؟ الطالب: الشرط (... ).

الشيخ: لا، ما هو شرط فاسد، هذا شرط صحيح، الشرط الفاسد على القول الصحيح أن تشترط طلاق المرأة الموجودة، وإن كان المذهب تقدم لنا أن اشتراط طلاق المرأة جائز ولازم، لكنه قول ضعيف.
طالب: الاستدلال بحديث بريرة؟ الشيخ: ما فيه دليل؛ لأن معنى «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ» (4)، المعنى: ليس في كتاب الله حِلُّه، وإلا لو قلنا: ما نشترط إلا ما وُجِدَ في الكتاب والسنة، إلا ما وُجِدَ مشروطًا معناه (... ) نحن الشروط ترى الشروط كلها لما جاء في السنة أو الكتاب، المعنى أن الشروط المخالفة لما في الكتاب والسنة هذه ما تصح.
فمثلًا: لو اشترط الإنسان أن الولاء له وهو البائع ما صح؛ لأن الحكم أن الولاء لمن أعتق، والولاء كما قال الرسول: «كَلُحْمَةِ النَّسَبِ».
(5) طالب: ما يترتب على هذا (... ) كل امرأة (... )؟ الشيخ: ما يخالف، إذا رضيت به، إذا شاء قال: لا، أن حر في الزواج.
اللي ما يصح مثل ما قال الرسول: «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا» (6)، هذا هو الصحيح، هذا هو اللي يكون باطلًا.
طالب: يجوز أن (... )؟ الشيخ: لا لو (... ). طالب: شيخ، مثلًا إذا اشترطت هي تطلق.
الشيخ: إذا اشترط أن تطلق؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: يعني؟ الطالب: (... ). طالب آخر: العصمة بيدها.
الشيخ: هذه هي اللي ربما نقول: إنها ما تصح؛ لأن الطلاق للرجال، ولو جُعِلَ للنساء حصل الفوضى.
الطلبة: (... ). الشيخ: ولو اشترط، لكن شرط الخيار على المذهب أيضًا لا يصح، لو قالت: لي الخيار، وعند شيخ الإسلام: يصح الخيار.
وتقدم لنا أن الصواب: أنه إذا كان فيه مصلحة فلها الخيار، صح الخيار، ما مَرَّ علينا؟ طالب: (... ). الشيخ: لا، الخيار قلنا: إذا كان فيه مصلحة يصح الخيار.
مثل أن تقول: ما يخالف أنا ما عندي مانع في الزواج، لكن إذا ما رضيت بالمقام مع أهلك فلي الخيار، قدمنا أن الصحيح جواز ذلك.
طالب: (... ).

الشيخ: لا، العصمة مطلقة، أما هذه لغرض مخصوص؛ لأن بعض الأحيان المرأة ما تطيق المقام مع أهله.
لو نرجع يا إخوان لشروط النكاح.
نشوف (ومن حبست ولو ظلمًا) سقطت نفقتها، امرأة حبست، الحبس إما أن يكون بحق، يمكنها الخلاص منه أو لا.
إن كان بحق وهي ظالمة يمكنها أن تتخلص من الحبس، فلا شك أن نفقتها تسقط.
مثل: لو كانت مدينة لشخص، ويش معنى مدينة؟ يعني عليها طلب لإنسان، وهي غنية مماطلة، فشكاها فحُبِسَت بحق ولّا ظلم؟ الطلبة: بحق.
الشيخ: بحق، هذه تسقط نفقتها؛ لأنها لو شاءت لتخلَّصت، أما إذا كان ظلمًا؛ اتُّهمت بشيء من الأشياء وهي بريئة فحُبِسَت فالمذهب أنها تسقط نفقتها.
والصحيح أنها لا تسقط؛ لأن تعذُّر استمتاعه بها ليس من قِبَلِهَا، ولَّا لا؟ فيكون كما لو تعذر استمتاعه بها لمرض، أو نحو ذلك، والله أعلم (... ). (فالبائن بفسخ أو طلاق لها ذلك إن كانت حاملًا) (إن كانت حاملًا) يعني: فلها النفقة والسكنى، وإن لم تكن حاملًا فلا نفقة لها ولا سكنى.
والدليل: كما قلت الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وهذا دليل على أنه إن لم تكن حاملًا فليس لها نفقة.
وقد اختلف أهل العلم -رحمهم الله- في هذ المسألة على ثلاثة أقوال كثر فيها القول والنزاع؛ فمنهم من قال: إن لها النفقة والسكنى بكل حال، سواء كانت حاملًا أو حائلًا، لها النفقة والسكنى بكل حال.
ومنهم من قال: إن لها السكنى دون النفقة إلا أن تكون حاملًا.
ومنهم من قال: ليس لها سكنى ولا نفقة إلا أن تكون حاملًا، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.

فأما من قال: إن لها النفقة والسكنى بكل حال، فاستدل بالعموم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] إلى أن قال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] فهنا يقولون: إن العموم: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، النساء عام، ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ حتى قال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾.
ولكن هذا القول كما ترون فيه نظر، لا من حيث دلالة الكتاب، ولا من حيث معارضته للسنة، وإن كان قد ذهب إليه مَن ذهب، حتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذهب إلى هذا القول؛ إلى أن المطلقة لها النفقة والسكنى ولو كانت بائنًا.
أما من حيث دلالة الكتاب فإن الله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، أيش معنى هذه الآية؟ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1] هذه الجملة تمنع أن يكون المراد بها البائن، أو تمنع دخول البوائن في هذا العموم.
ووجه المنع؟ أن الأمر الذي يقول الله فيه: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ هو الرجعة، والبائن ليس لها رجعة، هذا يمنع من أن يكون المراد بالآية العموم؛ لأن البائن لا رجعة لها، ونعلم أن الله لا يُحْدِثُ بعد ذلك أمرًا؛ إذ لا رجوع له فيها.

وأما مخالفته للسنة فلأن فاطمة بنت قيس طلَّقها زوجها آخر ثلاث تطليقات، وأرسل إليها بخمسة آصع من التمر، وخمسة آصع من الشعير، ولكنها أبت إلا أن يكون لها السكنى، فارتفع الأمر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: «إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ وَلَا سُكْنَى» (7)، إنما السكنى والنفقة لمن كان لزوجها عليها رجوع.
(8) وهذا معناه واضح جدًّا؛ أن المرأة البائن بالطلاق ليس لها لا نفقة ولا سكنى.
وعلى هذا فإنه يكون مخالفًا للسنة، كما أنه مخالف لسياق الآيات من جهة أخرى؛ لأن قوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ يدل على أنه إذا لم يَكُنَّ أولات حمل فلا نفقة لها، وهم يقولون بأن لها نفقة.
لكنهم أجابوا على هذا بجواب فيه برودة، قالوا: إن الله قال: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾؛ لأنه ربما يطول الحمل فلا ينفق الإنسان إلا مقدار ثلاث حِيَض فقط، فقال: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، فيكون هذا الشرط فائدته فيما لو طال الحمل ألَّا يقول الإنسان: لا أنفق إلا مقدار عدة الحائل.
لكن هذا كما تعلمون بعيد؛ لأن الحامل لا تزال في عدة حتى تضع الحمل طالت أم قصرت.
أما الذين قالوا: إن لها السكنى دون النفقة، فقالوا: إن الآية ظاهرة في ذلك دون النفقة إلا أن تكون حاملًا، كيف ظهورها؟ أول الآيات لا شك أنه في الرجعية؛ لقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 1، 2]، وهذا التخيير يمكن في البائن ولَّا لا؟ طلبة: لا.

الشيخ: لا يمكن في البائن، ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 2، 3].

قالوا: إلى هنا انتهى الكلام على الرجعية، ثم بدأ بعدة الحوامل والآيسات، فقال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 4 - 6] قالوا: إن هذا في البوائن فلها السكنى بكل حال، والإنفاق إن كانت حاملًا، ولا يدخل فيه الرجعيات هنا؛ لأن الرجعيات ما قال الله: أسكنوهن، فقال الله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾، سبق حكم إسكانهن قال: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾، فليَبْقَيْنَ في بيوتهن، فإن النهي عن الشيء أمرٌ بضده، يكون الكلام على الرجعية أبلغ من: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾؛ لأن دلالة وجوب السكنى من قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ أوضح من قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾، فإن قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ قد يكون فيمن ليست في البيت، قد يكون هذا فيمن ليست في البيت، يقال: تعالي اسكني، أما الرجعية فهي في البيت فـ ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾.
قالوا: وإنما أمر الله بإسكانها في البيت تحصينًا لمائه، ولم يجعل عليه نفقة؛ لأنها بائن منه، عرفتم الآن؟ يصير الأمر بالإسكان لا من أجل أنه حق لها، ولكن من أجل تحصين مائه، ولهذا قال: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾.

قال العلماء: إن (من) للتبعيض، و (حيث) ظرف مكان، يعني: أسكنوهن بعض ما سكنتم، أي: عندكم في البيت، وإن كانت بائنًا منه، ولا تُكَلَّفُون أكثر من ذلك، بل مِن وُجْدِكم.
أما النفقة فإن كانت حاملًا فلها النفقة، وإلا فلا، وهذا مذهب مالك والشافعي، ودلالة القرآن عليه قوية جدًّا.
لكنه يعكر عليه حديث فاطمة بنت قيس، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ وَلَا سُكْنَى» (7)، فهذا نص صريح.
لكنه قد ورد في صحيح البخاري (9) أنها رضي الله عنها كانت في بيتٍ وَحِشٍ، فأرادت الانتقال منه خوفًا على نفسها، ولما أرادت الانتقال فإنه لا يُلْزَم الزوج بأن يستأجر لها ما تسكنه، فهذا معنى قوله: «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ سُكْنَى» (7)، أي: لا تُلْزِمِينَه بأن يُسْكِنَك في بيت غير البيت الأول، ويكون في هذا جمع بين الآية الكريمة وبين الحديث.
وهذا لا شك أنه -في نظري- أقرب الأقوال؛ لأن ظاهر القرآن وسياق القرآن وإن كان ابن القيم رحمه الله يُلِحّ على أنها كلها في الرجعيات لكنه بعيد جدًّا؛ إذ إن الرجعية يُنْفَق عليها سواء كانت حاملًا أو حائلًا، والرجعية ما يقال: أَسْكِنْهَا حيث سَكَنْتَ، بل يقال: لا تخرجها من بيتها، ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾.
فإن صح هذا التوفيق بين القرآن والسنة فالحمد لله، وهذا هو المتبادَر، والعلم عند الله.
وإن لم يصح فإن القول بأنه لا نفقة لها ولا سكنى إلا أن تكون حاملًا أقرب من القول بأن لها النفقة والسُّكْنى بكل حال؛ لأن القول بأن لها النفقة والسُّكْنى بكل حال قول ضعيف جدًّا، وإن كان قد ذهب إليه مَن ذهب مِن أكابر السلف، وكذلك هو مذهب أبي حنيفة، لكنه ضعيف.
فصارت المذاهب الآن ثلاثة: مذهب أبي حنيفة، ومذهب الإمام أحمد، ومذهب الشافعي الذي يفرِّق بين السُّكْنى وبين الإنفاق.
فيقول: إن السُّكنى واجب للبائن مطلقًا، والإنفاق واجب إن كانت حاملًا.

والذي أراه أقرب إلى ظاهر القرآن، هو مذهب مالك والشافعي رحمهما الله (... ). ويحمل حديث فاطمة في مسألة السكنى على أنه لما كان المكان وَحْشًا فإنها لا تلزم زوجها بأن يستأجر لها بيتًا، وقال: الآن تعذرت السكنى في بيته وأنتِ بائنة منه، فلا يلزم بإسكانك في بيتٍ سوى بيته، هذا هو خلاصة الأقوال في هذه المسألة.
ومن العجيب أن المفسرين -رحمهم الله- يمرون على هذا ولا يذكرون سوى أقوال المذاهب فقط، يعني ما يأتون بالآية بمناقشاتها.
أحسن مَن رأيت متكلِّمًا عليها هو ابن القيم رحمه الله في الزاد، لكنه يرجح ما ذهب إليه الإمام أحمد.
أما قول المؤلف: (إن النفقة للحمل لا لها من أجله) فقد تقدم أيضًا خلاف أهل العلم في ذلك، وهل النفقة للحمل أو لها من أجله؟ وبَيَّنَّا أن الصحيح أن النفقة للحمل، لكنه لما كان لا طريق لنا إلى إيصال انتفاعه للحمل إلا عن طريق تغذية الأم صار الواجب الإنفاق على هذه الأم من أجل الحمل.
وبَيَّنَّا القاعدة في ذلك؛ أن كل إنسان ينسب إليه حمل هذه المرأة يجب عليه الإنفاق عليها.
يعني يَنْبَنِي على هذا القول الصحيح أن كل شخص يُنْسَب إليه هذا الحمل فإنه يجب أن ينفق عليها، سواء كانت زوجةً التي حملت به أم غير زوجة.
وبناء على ذلك لو وطئ امرأة بشبهة وحملت منه وجب عليه الإنفاق، ولو أنه أعتق أَمَتَه بعد أن حملت منه وجب عليه الإنفاق، مع أنه إذا أعتقها زال سبب وجوب النفقة؛ لأنها ليست زوجة ولا مملوكة، لكن من أجل أن الحمل الذي في بطنها له يجب عليه أن ينفق.
فالقاعدة إذن -التي ينبغي لطالب العلم أن يفهمها ليبني عليها كل مسألة تتجدد-: أن كل مَن كان حمل المرأة ينسب إليه فإنه يجب عليه الإنفاق عليها، سواء كانت زوجة أم غير زوجة.
طالب: لو كانت النفقة للحمل، هل يلزمه (... ). الشيخ: هم يَرَوْنَ أنها تلزمه تبعًا للأكل والشرب، ولأن الكسوة في أيام الشتاء ضرورية، لا بد منها، لو لم تكتسي لكان خطرًا عليها.

طالب: في الصيف؟ الشيخ: في الصيف أيضًا لا يمكنها أن تعيش عارية، فهي داخلة في هذا.
طالب: (... ). الشيخ: والله هذا ظاهر الآية عمومًا ﴿أَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، والكسوة من الإنفاق.
الطالب: (... ). الشيخ: لا، ما هو بظاهر أبدًا، حتى لو هما جميعًا ما تتفق؛ لأن المسائل التي تتفرع على هذا ما يمكن تتفق (... ). الطالب: ابن الزنا (... ) الزاني؟ الشيخ: لا، ابن الزنا لا ينفق الزاني على الْمَزْنِيّ بها -والعياذ بالله- لأن الولد لا يُنْسَب إليه.
طالب: (... ). الشيخ: لا، ما (... )؛ لأن الحمل ليس له.
الطالب: (... ). الشيخ: الشبهة لا، الشبهة الولد له.
طالب: فإذا أنفق عليها ثم تبين أنه (... ). الشيخ: فإنه يرجع عليها بالنفقة.
طالب: شيخ الإسلام ذكر في الفتاوى أن هذا بقصد التناقض (... ) يكون لها وللحمل، لها من أجله وللحمل.
الشيخ: لا، الشيخ بيقول: تناقض إذا قلنا: إنه لها من أجله.
الطالب: (... ) التناقض، لكن المراد (... ) جمعًا بين هذا وهذا.
الشيخ: ما يستقيم؛ لأن المسائل -مشكلتنا- المسائل التي تتفرع عليه تتناقض، يعني إما هذا ولَّا هذا.
أما كون يكون لها وللحمل أيضًا، وتلزم جميع المسائل الفرعية اللي فرَّع عليها العلماء، معناه أنها تلزمها على القولين جميعًا، وعلى كل حال هو في الحقيقة إذا تأملت الذي ينتفع بها على المباشر هي الأم.
قال المؤلف: (ومَن حُبِسَت ولو ظلمًا) تقدم الكلام على هذا.
(أو نشزت) تقدم أيضًا؟ الطلبة: لا.
الشيخ: النشوز من النشز، وهو الارتفاع، وهو معصية الزوجة زوجها فيما يجب له عليها، هذا النشوز، معصية الزوجة زوجها فيما يجب عليها.
من ذلك: إذا كانت تأبى إذا دعاها إلى فراشه، إذا كانت تأبى إذا منعها من الخروج، إذا كانت تأبى إذا ألزمها بالحجاب الشرعي الإسلامي.

والحجاب الشرعي الإسلامي هو أن تغطي المرأة جميع بدنها من وجهٍ ورأس وكفين، وغير ذلك، خلافًا لما يفهمه بعض الناس أو كثير من الناس أن الحجاب الإسلامي أن تحتجب إلا عن وجهها ويديها، يعني أن تحتجب عن كل شيء إلا مفاتنها على هذا الرأي، المفاتن هذه الحجاب الإسلامي أن تكشفها! ولكن هذا ليس بصحيح.
وهذا هو ما نحذر منه من قديم أن الإنسان لا ينسب قوله أو قول مقلده لا ينسب أن هذا هو الإسلام، هؤلاء يقولون: إن هذا الحجاب الإسلامي؛ لظنهم أن هذا هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة.
ولكنهم لا شك أنهم معذرون فيما توصلوا إليه من اجتهاد، لكن هذا خلاف ما يدل عليه الكتاب والسنة، فالكتاب والسنة يدل على الحجاب الإسلامي أول ما يكون فيه حجب الوجه والكفين.
(أو تطوعت بلا إذنه بصوم أو حج)، ولو كان هذا الصوم تابعًا لفريضة كصوم سِتٍّ من شوال، والصوم كما نعرف مطلَق ومقيَّد بزمن ومقيَّد بفريضة؛ المقيَّد بالفريضة مثل: ستة أيام من شوال، والمقيَّد بزمن كيوم عرفة ويوم عاشوراء، ويمكن أن نجعل منه ثلاثة أيام من كل شهر، والمطلَق بقية الصيام غير المقيَّد.
هذه المرأة إذا تطوعت بأي شيء من هذه الأقسام بلا إذن الزوج فإنه ليس لها نفقة.
وظاهر كلام المؤلف سواء كان بحضور الزوج أم في غيبته، أما إذا كان في حضوره فقد يقال: إن ما ذكره المؤلف وجيهٌ؛ لأنها إذا صامت سوف تمنعه من كمال الاستمتاع، وإذا قدر أنها لا تمنعه؛ لأن له أن يستمتع بها ولو فسد صومها فإن ذلك قد يلحقه حرجًا؛ إذ إنه قد يتحرج من أن يفسد عليها صومها، وإن كان له الحق في أن يفسده.
فأقول: إذا كان حاضرًا وتطوعت بالصوم بلا إذنه فإن حقوق نفقتها ضاعت، لكن إذا كان غائبًا فإنه لا وجه لسقوط النفقة؛ لأنها في هذه الحال لا تُفَوِّت عليه مقصوده، أعرفتم؟

فإما أن يقيَّد كلام المؤلف بذلك فيقال: بحضوره، وقد يؤيِّد هذا التقييد قوله: (بلا إذنه)؛ لأن الغالب أن الزوج إذا كان غائبًا ألَّا تستأذنه، اللهم إلا إذنًا عامًّا، إذا أراد أن يسافر قالت له: تسمح لي أن أصوم تطوعًا؟ فيمكن.
إذا تطوعت بلا إذنه، الإذن نوعان: لفظي، وعرفي؛ فاللفظي: أن يأذن لها لفظًا، والعرفي: هو الإقراري الذي يراها تصوم تطوعًا ولا يمنعها، فإن هذا دليل على أنه راضٍ بذلك، وإن كان الأفضل أن تستأذنه بلا شك؛ لأنه قد يرضى مجاملةً وخجلًا أن يقول لها: لا تصومي، كذلك إذا أحرمت بحج، وهذا أشد من الصوم من عدة أوجه: الوجه الأول: أنه يحتاج إلى سفر، أو لا؟ والوجه الثاني: أنه يلزم فيه الإتمام.
والوجه الثالث: أنه لا يجوز فيه الجماع ولا مقدماته، بخلاف الصوم؛ فإن مقدمات الجماع تجوز فيه، فهي إذن ستمنع زوجها من أشياء كثيرة، يعني تبغي تُحْرِم بالحج فيلزم منه هذه الأمور الثلاثة، فإذا أحرمت بحج تطوع بلا إذنه فإنها تسقط نفقتها.
لكن الغالب في ذلك أن ذلك لا يقع، ما هي رايحة تسافر إلى مكة إلا بإذنه.
لو أحرمت تَطَوَّعَت بعمرة ما هو حج؟ طلبة: سواء.
طلبة آخرون: من باب أولى.
الشيخ: مثله، لا، ما هي من باب أولى؛ لأن الحج أطول.
المهم أن المرأة إذا تَلَبَّسَت بعبادة -هذه القاعدة- تمنعه من كمال الاستمتاع فإنها تسقط نفقتها، لو تطوعت بصلاة بلا إذنه هل تسقط نفقتها؟ الطلبة: لا.
الشيخ: أو نقول: إن زمنها قصير، لكن المشكل إذا قامت تصلي من ارتفاع الشمس بقِيد رمح إلى قُبَيْل الزوال، وجاء وأراد القيلولة، وقالت: إليك عني، أنا أبغي أعبد الله، نقول: أَسْقِط الغداء؟ طيب على كل حال القاعدة أن تتطوع بما يمنعه من الاستمتاع، والظاهر أنهم ما ذكروا الصلاة؛ لأن الصلاة وقتها قصير.
طالب: (... ). الشيخ: (... ) الاستمتاع، وقتها قصير، فلهذا لم يذكروها.

فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى المرأة تصلي وزوجها شاهد إلا بإذنه، كذا؟ أو أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه.
(10) فظاهر كلام المؤلف أن الصلاة ليست كالصوم أو الحج، وذلك لقصر وقتها.
طالب: (... ). الشيخ: نقول له هذه الأشياء.
الطالب: (... ). الشيخ: لا، يدخل في الضرورة هذه (... ). طالب: وإذا حدد قال (... ) تسقط عنه الضرورة.
الشيخ: إذا عصته (... ) حدد (... )، هذه واحدة، الثانية: نشزت، الثالث: تطوعت بلا إذنه بصوم أو حج، دولي ثلاثة.
(تطوعت بلا إذنه بصوم أو حج)، عُلِمَ من قوله: (بلا إذنه) أنها لو فعلت ذلك بإذنه لم تسقط النفقة؛ لأنه أَذِنَ لها وفَوَّتَ على نفسه الاستمتاع.
الرابع: (أو أَحْرَمَت بنذرِ حجٍّ أو صومٍ)، (أحرمت بنذرِ حجٍّ) لا بفريضة، بنذر؛ لأنها هي السبب في إيجاب ذلك عليها.
امرأة نذرت أن تحج، يلزمها أن توفي بنذرها، فقالت لزوجها: إني نذرت أن أحج هذا العام، فقال: لا تحجين، قالت: نذرت، فحَجَّت، فإنه ليس لها نفقة.
التعليل: لأنها هي السبب في وجوب ذلك الحج عليها، فإن أَذِنَ لها بالنذر فما الحكم؟ فليس لها نفقة على المذهب.
والصحيح أن لها النفقة إذا أَذِنَ لها.
مثلًا: قالت: أنا إن شفاني الله من مرض، أو شفى ولدي من مرض، وأُحِبّ أن أنذر لله تعالى حجة، فقال: لا مانع، فهنا يجب عليه أن ينفق عليها؛ لأنه أَذِنَ لها بالنذر، عرفتم؟ كل شيء يكون هو السبب في منع نفسه من الاستمتاع فإنها لا تسقط به النفقة.
على أن بعض أهل العلم يقول -فيما إذا تطوعت بصوم-: إنه يجب عليه الإنفاق.

وعَلَّلُوا ذلك بأنه يمكنه أن يُفَطِّرها، يعني هي إذا صامت تطوعًا بلا إذنه فله أن يفطرها، ولو بإذنه، لكن تقدَّم لنا أن الصحيح أنها تسقط؛ لأن كثيرًا من الناس قد يتحرج من إفساد صومها بعد أن صامت، ثم إن قوله عليه الصلاة والسلام: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (10)، يدل على أنها عاصية في هذا، فلا ينبغي أن تقابل بالرخصة.
(أو أحرمت بنذرِ حجٍّ أو صومٍ)، صوم معطوفة على أيش؟ (بنذر) ولّا على (حج)؟ طالب: على (حج).
الشيخ: على (حج)، يعني: بنذرِ صومٍ، أحرمت بنذرِ صومٍ.
وهنا يبقى عندنا: هل نُقَدِّر الفعل على حسب المعطوف عليه، ونقول: أَحْرَمَت بنذرِ صومٍ، أو نقدِّرُه بما يناسب.. نشوف.
إن كان يصلح أن أقول: أَحْرَمْتُ بالصوم، أي: دخلت في حُرُمَاته وفيما يَحْرُم به، صح أن نجعلها معطوفة على (حج) والعامل واحد، وإن كان لا يصح فإنه لا بد أن نُقَدِّر لقوله: (نذر صومٍ) فعلًا مناسبًا، مثل أن يقول: أو شَرَعَتْ بنذرِ صومٍ، ونظير هذا قول الشاعر:

عَلَّفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا .................................. عَلَّفَ بعيرَه أو ماشِيَتَه، تبنًا صح، التبن يُعَلَّف، وماء باردًا يُعَلَّف؟ ويش التقدير: وسَقَيْتُها، يكون التقدير: وسقيتها ماءً باردًا.
المهم أن نقول هنا: إن كان يصح أن يسمى الصوم أو الشروع في الصوم إحرامًا فهو معطوف على الحج على عامله، وإلا قَدَّرْنَا عاملًا يناسبه.
(أو صامت عن كفارة)، إذا صامت عن كفارة فإنه تسقط نفقتها، كيف؟ لأنها هي السبب في وجوب الكفارة عليها، فسقطت نفقتها لكونها السبب.
وقال بعض أهل العلم: إنها لا تسقط؛ لأن الكفارة هذه حق واجب لله عز وجل، ولا يخلو أحد من خطأ، ربما تقتل صبيها خطأً، فيجب عليها أن تصوم شهرين متتابعين، ربما تحلف يمينًا بناءً على أنها سوف تَبَرّ بيمينها، ثم تحنث بيمينها، وهذا أمر كثير معتاد، فكيف نقول: إنها تسقط.

أما النذر فنعم؛ لأن النذر هي التي عقدته، وهو أمر منهي عنه في الأصل، لكن كفارة، الإنسان لا يخلو من الخطأ.
فالصواب أنها إن صامت عن كفارة فإنها لا تسقط نفقتها.
طالب: (... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: (... ) الشيخ: (... ) لا، تكون عطف جملة على جملة، حتى هذه عطف جملة على جملة.
طالب: (... ). الشيخ: شرعت.
الطالب: شرعت.
الشيخ: في نذرِ صومٍ.
يقول: (أو عن قضاء رمضان مع سعة وقته)، إذا صامت عن قضاء رمضان فلا يخلو من حالين: إما أن يكون الوقت مُتَّسِعًا، أو يكون الوقت مُضَيَّقًا.
متى يكون مُضَيَّقًا؟ إذا بقي عليها من شعبان بمقدار ما عليها من رمضان، مثل أن يكون عليها عشرة أيام من رمضان، واليوم تسعة عشر من شعبان، صار الآن مُضَيَّقًا؛ لأنه ما بقي إلا عشرة أيام بالتأكيد، ويوم ثلاثين محتمل، ففي هذه الحال إذا صامت تسقط نفقتها؟ طلبة: لا تسقط.
الشيخ: لا تسقط؛ لأن الوقت مُضَيَّق، أما إذا بقي أكثر فإنها تسقط نفقتها، فإن بقي من الوقت ضعف ما عليها من الأيام سقطت نفقتها في كل أيامها، وإن بقي عليها أقل سقطت نفقتها في مقدار الزائد.
إذا بقي خمسة عشرة يومًا وعليها عشرة أيام وصامت، كم يسقط من نفقتها خمسة أيام.
وإن كان بقي عشرون يومًا أو أكثر سقطت النفقة كلها، لماذا؟ يقول: لأن بإمكانها أن تؤخِّر إلى أن يضيق الوقت، أما الآن فهو موسَّع الوقت.
ولكن هذا التعليل عليل؛ لأن قضاء رمضان أمر لا بد منه، أليس كذلك؟ لا بد منه، وكونه مُوَسَّعًا كالصلاة، لو أنها قامت تصلي في أول الوقت تسقط نفقتها أو لا؟ طلبة: ما تسقط.
الشيخ: ما تسقط، ما نقول: تسقط، إلا إذا ضاق الوقت، فهذه مثلها.
ثم نقول أيضًا: إن قضاء هذه الأيام لا بد منه، أليس كذلك؟ قضاء هذه الأيام لا بد منه، فإذا كان أمرًا لا بد منه فسواء فعلته في أوله أو آخره.

ثم نقول ثالثًا: إن الأفضل في هذه العبادة أن تبادر بها، أليس كذلك؟ الأفضل أن تبادر بها، وهذا أريح لها وأطمن لقلبها كما هو معلوم.
فالصواب: أنها إذا صامت عن قضاء رمضان -وهو قول في مذهب أحمد-: لا تسقط نفقتها، سواء كان ذلك مع ضيق الوقت، أم مع سعة الوقت.
طالب: شيخ، (... ). الشيخ: نعم، لها الحق في ذلك، على القول الذي اخترناه لها الحق في هذا.
كل هذا إذا كان بلا إذن الزوج، أما مع إذنه إذا صامت عن قضاء رمضان مع سعة وقته، أو عن كفارة، فإنه ما تسقط النفقة؛ لأنه هو الذي رضي بنقص استمتاعه من زوجته والحق له.
(أو سافرت لحاجتها ولو بإذنه سقطت)، إذا سافرت فلا تخلو من حالين: إما أن يكون السفر لحاجته هو، وإما أن يكون لحاجتها هي، وإما أن يكون لحاجتهما جميعًا.
ممكن قسم رابع: أن يكون لا لحاجتهما؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: ويش يصير؟ الطالب: لحاجة غيرهم.
الشيخ: لحاجة غيرهما، كحاجة أبيها مثلًا، أو أخيها، أو ما أشبه ذلك.
إذن يمكن قسم خامس: أن يكون عَبَثًا، هذا على كل حال ضعيف، لكن العقل لا يمنعه.
إذا سافرت لحاجته فنفقتها باقية؛ لأن سفرها هنا من أجله ومن مصلحته، فهو اختار أن تسافر على أن تبقى فلا تسقط النفقة.
إذا سافرت لحاجتها بغير إِذْنِه سقطت النفقة، وسقوطها ظاهر؛ لأنها منعته من الاستمتاع.
لكن لو قالت: أنا ما رددته عن السفر، يسافر معي الله يحييه، لكن هو لا يريد، ما هي عادة أن الزوج يتبع زوجته، إذا سافرت سافر، وإذا أقامت أقام.
إذا سافرت لحاجتها بإذنه هو الذي أَذِن، يعني بأن قالت له: إنها تريد أن تراجع الدكتور مثلًا، أو تريد أن تختبر في كلية أخرى في الرياض، أو في غيرها، الحاجة لمن؟ لها هي، فوافق، يقول المؤلف: إنها تسقط.
ولكن هذا القول ضعيف، الصواب أنه إذا أَذِنَ فنفقتها باقية؛ لأنه هو الذي..

ولا نَفقةَ ولا سُكْنَى لِمُتَوَفًّى عنها، ولها أَخْذُ نفقةِ كلِّ يومٍ من أَوَّلِه لا قِيمَتِها، ولا عليها أَخْذُها، فإن اتَّفَقَا عليه أو على تأخيرِها أو تعجيلِها مُدَّةً طويلةً أو قليلةً جازَ، ولها الكِسوةُ كلَّ عامٍ مَرَّةً في أولِه، وإذا غابَ ولم يُنْفِقْ لَزِمَتْهُ نفقةُ ما مَضَى، وإن أَنْفَقَتْ في غَيبتِه من مالِه فبانَ مَيِّتًا غَرَّمَها الوارثُ ما أَنْفَقَتْه بعدَ موتِه.
(فصلٌ) ومَن تَسَلَّمَ زوجتَه أو بَذَلَتْ نفسَها ومِثْلُها يُوطَأُ وَجَبَتْ نَفَقَتُها, ولو معَ صِغَرِ زَوْجٍ ومَرَضِه وجُبِّه وعُنَّتِه، ولها مَنْعُ نفسِها حتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَها الحالَّ، فإن سَلَّمَتْ نفسَها طَوْعًا ثم أَرادَت الْمَنْعَ لم تَمْلِكْه، وإذا أُعْسِرَ بنفقةِ القُوتِ أو الكِسوةِ أو ببعضِها أو الْمَسْكَنِ فلها فَسْخُ النكاحِ، فإن غابَ ولم يَدَعْ لها نفقةً وتَعَذَّرَ أَخْذُها من مالِه واستدانتُها عليه فلها الْفَسْخُ بإذنِ حاكمٍ.
(باب نفقة الأقارب والمماليك) تَجِبُ - أو تَتِمَّتُها - لأبويه وإن عَلَوَا ولوَلَدِه وإن سَفَلَ، حتَّى ذَوِي الأرحامِ مِنهم حَجَبَه مُعْسِرٌ أو لَا، فإن النفقة باقية، فإذا كان السفر لحاجة غيرها، تريد أن ترافق أمها، تُمرِّضها؟ طلبة: (... ). الشيخ: آه، لكن إن أذن؟ إن أذن فالصحيح أنها لا تخرج، والمهم أن الاستمتاع حق للزوج، فإذا أسقطه فإن حقوق الزوجة لا تسقط به، ولَّا لا؟ تبقى حقوق الزوجة؛ لأنه لو شاء لقال: لا، فإذا قال: لا، فحينئذٍ إما أن تطيعه، وإما أن تعصيه، إن عصته صارت ناشزًا فسقطت نفقتها، وإن أطاعته بقيت النفقة.
طالب: في حاجتهما.
الشيخ: في حاجتهما لا تصح، معلوم؛ لأنه أذن فيها، ولم تتمحض المصلحة لها، سقطت.

والخلاصة أن الصواب -القول الراجح في هذا المسائل- أن يُقال: الأصل وجوب النفقة بمقتضى العقد، أليس كذلك؟ هذا الأصل، الأصل أن الزوجة تجب نفقتها كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (1). هذا الأصل، لا يمكن سقوطه إلا بمقتضى دليل شرعي، والدليل الشرعي هو أن يُقال: هذه النفقة في مقابل الاستمتاع، فمتى فوتت المرأة الاستمتاع أو كماله على الزوج بدون رضا منه سقطت، ومتى لم تفوِّته إلا بإذنه فإنها لا تسقط؛ لأنه راضٍ بذلك، هذه هي القاعدة التي هي مقتضى الأدلة الشرعية.
طالب: (... ) بحاجتهما جميعًا؟ الشيخ: لا، ما هو بحاجتهما جميعًا، لا، ما يجب عليه أنه يقبل إنفاق (... )، هذا مِنَّة عليه أنه يقال: فلان أنفقت عليه زوجته.
الطالب: ولو مثلًا (... )؟ الشيخ: لا، ما دام لحاجتهما ما هو برأفة، هو بيقضي حاجته.
الطالب: (... ). الشيخ: ما دام لحاجتهما وهو محتاج إلى السفر فيسافر.
طالب: مقتضى العقد (... )؟ الشيخ: بيجينا، قصدي أنه في مقتضى عقد الزوجية، لكن لا بد من شروط تأتينا إن شاء الله فيما بعد.
طالب: (... )؟ الشيخ: بلى، هو هذا على القول الراجح، لكن هم -رحمهم الله- أصَّلوا هذه القواعد، أو ذكروا هذه المسائل الفرضية؛ ما هي مسائل قواعد؛ لأن بعضها متناقض كما رأينا، فالصواب أننا نمشي على القاعدة الأصلية.
يقول: (ولا نفقة ولا سكنى لمتوفى عنها) أظن هذه هي القسم الثالث الذي أشرنا إليه في أول الفصل، قلنا: إن المعتدة ثلاثة أقسام: قسم: لها النفقة والسكنى بكل حال.. وقسم: لا نفقة لها ولا سكنى بكل حال.
وقسم: لها النفقة والسكنى إن كانت حاملًا.

من التي لها النفقة والسُّكنى في كل حال؟ الرجعية، ومن الذي لها النفقة والكسوة إن كانت حاملًا؟ البائن في الحياة.
والتي ليس لها نفقة ولا سُكنى مطلقًا؟ هي المتوفى عنها وهي البائن بالموت، ولهذا قال: (لمتوفى عنها) نقول: لمتوفًّى عنها، ولَّا لمتوفٍّ عنها؟ طلبة: (... ). الشيخ: مُتوفى، ما يخالف، لكن مُتوفًّى اسم مفعول، ولَّا متوفٍّ اسم فاعل؟ طلبة: (... ). الشيخ: طيب هي الأصل مُتوفى، الميت يقال: مُتوفًّى؛ لأن الله يقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: 42] ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: 11] فالميت متوفى، ويمكن أن يقال: مُتوفِّي بمعنى أنه استوفى أجله ورِزقه، هذا معنى مُتوفٍّ، لكن الأول هو المعروف.
طالب: (... ). الشيخ: ذكرنا فيها الخلاف، وقلنا: إنه يمكن الجمع بين ظاهر الآية، وبين حديث فاطمة بنت قيس (2)؛ لأنها كانت في بيت وحش، وأرادت أن تطالب بسكن آخر، والمسألة في الحقيقة ما ترجَّحت عندي إلى الآن ما زلت، ما هي مُقدمة نفسي على هذا، وإن كان هذا ظاهر الآية، لكن سبحان الله العظيم إلى الآن ما تفتحت لي، حتى مع التكرار مع كتب ابن القيم، وهو من أوسع من كتب في هذا، حين اطلعت عليه ما اطمأنت نفسي إلى هذا إلى الآن.
طالب: (... )؟ الشيخ: إي، بس مشكل علينا أنه بيان الآية، أن الله فرق بين النفقة وبين السكنى كما تقدم شرحه، على كل حال أنا ما زلت حريصًا على أن الله سبحانه وتعالى يفتح علينا فيها شيء نجزم به جزمًا.
طالب: القول الأول ضعيف خطأ.
الشيخ: أيهم؟ الطالب: (... ) السكنى.
الشيخ: بكل حال؟ إيه، ما فيه شك أنه ضعيف، ضعيف جدًّا.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، وهي كارثة.
طالب: (... ). الشيخ: أبدًا (... ) في بيت وحش.
الطالب: (... ). الشيخ: ما يخالف، عائشة تقول: إن الرسول ما جعل لها سكنى؛ لأنها في بيت وحش (3). الطالب: استنباطًا.

الشيخ: ما هو استنباطًا، في بيت وحش، هذا خبر ما هو استنباط.
الطالب: (... ). الشيخ: نعم، كونه في بيت وحش هذا ثابت؛ لأنه خبر ما هو استنباط، لكن كون الرسول ما جعل لها سكنى؛ لأنها في هذا البيت هو الذي يكون استنباطًا، لكن لا مانع أن نستنبط هذا لموافقته ظاهر الآية، وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام ما فيه ما يُعارضه؛ لأنه لا يجوز أن يكون معنى قوله: لا سكنى لك (2). أي: لا سكنى لك سوى هذا البيت الذي حصلتِ.
طالب: (... )؟ الشيخ: لا، لها نفقة وسكنى في كل حال، المذهب لا نفقة لها ولا سكنى إلا أن تكون حاملًا.
طالب: (... )؟ الشيخ: ما فيه إلا حديث فاطمة بنت قيس، والمشكل أن هذا الحديث معارض لظاهر الآية؛ لأن الآية إن جعلتها في الرجعيات أشكل عليك: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6] لأن الرجعية يجب الإنفاق في كل حال، وإن جعلتها في البوائن أشكل عليك حديث فاطمة بنت قيس.
طالب: (... ). الشيخ: أما أول الآية فلا شك أنه في الرجعية، ولا نشك أنه في الرجعيات، لكن الرجعيات جاء بعدها كلام طويل، ثم ذكر المعتدات، ثم ذكر إسكان هذه المعتدات.
على كل حال أنا ما أحب أننا نبحث فيها هكذا؛ لأن ها المسألة عويصة جدًّا عويصة ولها غور، فأنتم إن حصل تبحثونها بحثًا من غير ها الكتب هذه، لعل الله.. بعض الأحاديث قد يكون فيها علل، ما نعلم عنها حتى نوافق ظاهر الآية؛ لأنك إذا فسرتها بما يقتضيه ظاهر حديث فاطمة فهي في غاية من الإشكال، وعمر رضي الله عنه يعني أنكر هذا إنكارًا عظيمًا، وقال: ما يمكن ندع قول ربنا لكلام امرأة (4). على كل حال أن مثل ما قلت لكم، أنا والله في نفسي شيء منها كثير، أن نقول: إنه لا سكنى لها مع أن الآية مُطلقة، وأشكل ما فيها أن الله قيد النفقة بأولات الأحمال، هذه أشكل ما فيها، لو لم تأتِ ها الآيات، يعني لو ما فيها تقييد كان الأمر واضحًا وتحمل على الرجعيات كلها.
طالب: (... )؟

الشيخ: (ولا نفقة ولا سكنى لمتوفًّى عنها) يعني ولو كانت حاملًا؟ نعم، ولو كانت حاملًا، أما إذا لم تكن حاملًا فالأمر ظاهر؛ لأنها بائن، وأما إذا كانت حاملًا فلا نفقة لها، فإن قلت: أي فرق بينها وبين البائن في حال الحياة؟ أي فرق؟ فالجواب أن الفرق بينهما: أن البائن في حال الحياة -إذا كانت حاملًا- أوجبنا الإنفاق على من؟ على زوجها في ماله، المال ماله، وأما المتوفى عنها فالمال للورثة انتقل، فكيف نجعلها في التركة وقد انتقلت؟ فهذا هو الفرق بين المتوفى عنها والبائن في حال الحياة؛ فنقول: لا نفقة لها ولو كانت حاملًا.
طيب ماذا نصنع فيما إذا حملت؟ نقول: وقد قلنا فيما سبق: إن النفقة للحمل لا لها من أجلها، يقولون: إن النفقة تجب في حصة هذا الجنين منين؟ من التركة، في حصة هذا الجنين من التركة، فإن لم يكن تركة مثل: أبوه مات، ولا عنده مال فإنها تجب على من تلزمه نفقته لو كان حيًّا، مثل: لو كان له إخوان أغنياء يجب عليهم الإنفاق عليه، وكذلك لو كان له أعمام، أو أبناء عم، المهم أنه إذا لم يكن لهذا الحمل نصيب من التركة لعدم وجود التركة فإنه ينفِق عليه من تلزمه نفقته، منين؟ من الأقارب.
طالب: (... ). الشيخ: لا.
الطالب: (... ). الشيخ: ألزمناه الدخول عليه إذا لم يكن له مال؛ لأن من شرْط وجوب الإنفاق في القرابة ألا يكون للمنفق عليه مال، فإن كان له مال فلا يُنفق عليه.
قال: (ولها أخذ نفقة كل يوم من أوله)، (لها) الضمير يعود على مَنْ؟ على الزوجة، والرجعية، والبائن في الحياة إذا كانت حاملًا، فيكون المعنى: لكل من لها نفقة من هؤلاء الثلاث (نفقة كل يوم في أوله)، كل يوم لازم يعطيها النفقة في أوله، يجيب لها الفطور، والغداء، والعشاء، لازم.
طالب: أول اليوم ولَّا أول الوقت.

الشيخ: لا، من أول يوم (نفقة كل يوم من أوله) من أول اليوم؛ يعني إذا طلعت الشمس قال: يلَّا هات الفطور، وهات الغداء، وهات العشاء، قال لها: يا بنت الحلال، الفطور جاهز، والغداء أنا بشتغل (... ) إن شاء الله، ويجيب الله الرزق إن شاء الله، أنا ما عندي قروش تكفي، أبغي أشتغل، قالت: لا، لازم تدبر، أو عنده قروش، لكن قال: أصل الغداء ما بعد جاء، المطاعم الآن ما تشتغل، قال له: لازم، العشاء؟ طالب: لازم يا شيخ.
الشيخ: العشاء لازم أيضًا، جابه من طلوع الشمس، قال: يا مسكينة، يا غافلة، إذا جبناه لك فسد يبرد، ويجمد عليه الدهن، وكل شيء تقول: ولو؛ لكن هذا القول بعيد من الصواب؛ بعيد من قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]. هل المعروف أن الواحد يكدس الغداء والعشاء والفطور بأول النهار؟ أبدًا، ولهذا لو طلب هو أنه يقول: أبغي أجيبه ها الوقت، قالت: لا تجيبه، هذا يفسد عليَّ، قال: لا بجيبه ها الوقت، على المذهب؟ طالب: يجوز.
طالب آخر: (... ). الشيخ: إي، مشكل، يقول: (من أوله)، والصواب في هذه المسألة أنه يُرجع في ذلك إلى العرف، هذا ما دل عليه القرآن والسنة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (1). (لا قيمتها) يعني ليس لها قيمتها، (ولا عليها أخذها) لا قيمة أيش؟ لا قيمة النفقة، يعني لو قالت: جيب لي القيمة، أبغي أُثمِّن الفطور بريال ونصف، والغداء بريالين، والعشاء بريالين، الجميع خمسة ونصف، أعطني إياه، وروحت في أمان الله، لها ذلك؟ لا، ليس لها ذلك.

طيب هل عليها أن تأخذها؟ لو جاب هو الدراهم قال: أنا ما أنا بفارغ أني بجيب الطعام أبطبخ الطعام، أنا بعطيك القروش، وروحي، عليها أن تأخذ؟ لا، ليس عليها أن تأخذ ذلك، ما لها إلا طعام وشراب، وبهذا نعرف أن ما ذكر الله عز وجل من إطعام المساكين في كفارة الظهار، في كفارة اليمين، وفي كفارة الصوم فدية الصوم، أن الواجب أيش؟ الإطعام، وأن الدراهم ما تُجزئ كما هو معروف في محله.
طالب: (... ). الشيخ: أيهم؟ الطالب: (... ). الشيخ: إي، ما يجب أن تأخذ.
الطالب: إذا كان معروفًا ذلك؟ الشيخ: خلِّ إذا كان العرف، المذهب هذا هو سواء خالف العرف أو وافق الأصل، المذهب هو هذا، يكون هذا الرزق «رِزْقُهُنَّ».
طالب: والدراهم.
الشيخ: لا، الدراهم ما هي رزق، قيمة هذا الرزق؛ ولهذا تُقيَّد به، يُقال: كم يُسوى هذا الطعام؟ كذا وكذا من الدراهم، فالحاصل أن هذا هو المذهب؛ لكن لو جرى العرف أن الناس يعتدون إعطاء القيمة فلا بأس، لكن المحظور أن يلزم الحاكم بالقيمة، يعني القاضي ليس له حق أن يلزم بالقيمة، وقد أنكر ابن القيم هذا إنكارًا عظيمًا، وقال: ليس في الكتاب ولا في السنة أن تُلزم المرأة بالقيمة، إلا أن صاحب الفروع رحمه الله قال: يتوجه الجواز عند الشقاق بين الزوجين، مثل لو اضطر الحاكم إلى أن يفرض النفقة للمشاقة اللي بينهما، معلوم أنه لا يفرض خبزًا، وتمرًا، ورزًّا، ولحمًا، وما أشبه ذلك.
يبقى الشقاق، يمكن يجيب لك خبز من أحسن الخبز، ويقول: هذا ما أبغيه، هذا له يومان مخبوز، وهو ما خبز إلا ذاك الساعة، يجيب لك تمر تقول: لا، أنا ما أبغي إلا تمر من (... ) يجيبلها لحم تقول: ما أبغي هذا اللحم، أنا ما آكل لحم الجمال، لازم لحم غنم، ولَّا لحم دجاج.
أقول: إذا اضطر الناس إلى أن يفرض الحاكم النفقة من الدراهم، فما قاله صاحب الفروع متوجِّه رحمه الله؛ لأن في هذا فَضًّا للنزاع والشقاق.

(ولا عليها أخذها) ولكن يقول المؤلف: (فإن اتفقا عليه)؛ ولهذا الشيخ عندي بالشرح يقول: ولا يملك الحاكم فرض غير الواجب كدراهم إلا بتراضيهما.
قلت لكم: إن صاحب الفروع يقول: إنه يتوجه عند الشقاق والنزاع أن يجوز فرض ذلك.
(فإن اتفقا عليه) عليها يعني على القيمة (أو على تأخيرها أو تعجيلها مدة طويلة أو قليلة جاز) صح، العلة؟ لأن هذا لا يعدوه، الحق لها عليه، فإذا رضيت بما تشاء ووافق فلا حرج، لو اتفقا على أنه يُسلِّمها كل يوم عشرة ريالات بدلًا عن النفقة جاز، أو اتفقا على أن يُسلِّمها في أول كل شهر ثلاث مئة ريال فقط، يجوز؟ أو اتفقا على أن يُسلِّمها في آخر الشهر ثلاث مئة ريال؛ جائز؛ لأن الحق لهما، فما اتفقا عليه جاز، لو أنها أسقطت النفقة عنه يجوز ولَّا لا؟ يجوز الحق لها.
طالب: إن اشترطت الزيادة.
الشيخ: ما فيه مانع، إذا وافق ما فيه مانع.
يقول المؤلف: (ولها الكسوة كل عام مرة في أوله) أول العام، فإذا دخلت السنة كساها؛ لكن ما المراد بأول العام؟ هل المراد شهر محرم؛ لأنه أول السنة؟ أو المراد أول العام اللي حصل فيه الزواج وجوب النفقة؟ الظاهر الأخير، المراد الأخير، لكن لو كان المراد الأول، وقد عقد عليها في نصف السنة يعطيها في نصف السنة كم؟ نصف الكسوة، يعطيها نصف الكسوة، فإذا جاء شهر محرم أعطاها كسوة كاملة للعام المقبل؛ لكن الصحيح الذي يظهر أننا نعتبر العام مِنْ؟ من حين العقد، كما أننا نعتبر عام الأجرة مثلا لو استأجر الإنسان بيتًا لمدة سنة، أو عشر سنوات، منين نبتدئ؟ من العقد سواء في نصف العام الهجري أو في أخره.

فالصواب أنه يجب من أول كل عام باعتبار العقد، يعطيها الكسوة أي كسوة؟ إذا كنا في الصيف يعطيها كسوة الصيف بس؟ والشتاء إذا كنا في الشتاء يعطيها كسوة الشتاء والصيف جميعًا، نعم، تُلزمه بهذا؟ نعم، تلزمه إذا قال: اصبري حتى يأتي الشتاء، الآن إحنا في الصيف قالت: أنا أبغي عشرة أثواب للشتاء، وثلاثة أثواب للصيف لازم الآن جيبلي، قال لها: يا بنت الحلال، اصبري قالت: لا، تلزمه؟ تلزمه إي نعم، ويأتي إن شاء الله البحث في هذا (... ) والكسوة باقية، هل تلزمه بكسوة جديدة أو لا؟ المذهب تلزمه؛ لأنه يقول: (لها الكسوة كل عام مرة في أوله)، ولم يقل: لها الكسوة إن صارت الأولى خلقة، وصارت لا تصلح للاستعمال، بل جعل المؤلف رحمه الله (الكسوة كل عام مرة في أوله).
أبلغ من ذلك يقول الأصحاب رحمهم الله: إن الغطاء والفراش وما أشبه ذلك يُجدَّد لها كل سنة، كل سنة تجدد لها الكسوة، ويجدد لها الفراش والغطاء وما أشبه ذلك، ولكن هذا القول ضعيف، والصواب أن نرجع في ذلك إلى ما دل عليه الكتاب والسنة؛ وهو الإنفاق بالمعروف، وليس هذا من المعروف، ليس من المعروف أن الإنسان يأتي لزوجته بالثياب مع صلاحية الثياب الأولى للاستعمال، والعادة والعُرف أنه كل ما صارت الثياب لا تصلح للاستعمال جدَّدها الزوج؛ ولهذا على المذهب هل هو من مصلحة الزوجة ولَّا من مصلحة الزوج؟ طلبة: الزوجة.
الشيخ: الزوجة أو الزوج؟ طالب: الزوجة.
الشيخ: إذا صار الزوج بيلزم بالنفقة بالكسوة ولو كانت الكسوة باقية؟ طلبة: مصلحة الزوجة.

الشيخ: مصلحة الزوجة، طيب لو أن هذه الثياب احترقت قبل أن تتم السنة؟ فالمذهب ما يلزمه شيء، خلاص أعطاها كسوة بكيفه، وإذا قلنا بالقول الراجح: يلزمه، اللهم إلا إذا كانت هي التي تعدَّت أو فرطت فقد نقول: لا نلزمه، لو كان هي التي تعبث بالثياب، تحرقهن تفسدهن، ما نقول: كلما عبثت بثيابها راح أسوي لها شيء، أو كانت امرأة مثلًا كلما جاءت موضة جديدة شبت على زوجها وقالت: يلَّا أعطني من هذه، هذه ما تصلح الآن، هذا ما يلزم.
فالصحيح إذن أن المرجع لماذا؟ للعرف، فمتى كانت المرأة محتاجة إلى الكسوة أو النفقة تُبذل لها، وإذا استغنت بكسوة قديمة أو بغيرها؛ فإنه لا يلزمه، حتى لو فُرض أن لها أقارب وأصحاب، وأتوا لها بكسوة، وانتهت السنة وعندها هذه الكسوة ما باعتها، فإننا لا نلزم الزوج، إلا إذا قالت: أنا أريد أن أبيع ما جاءني من الهدايا، وأطالبك بالكسوة، فلها ذلك.
قال: (فإذا غاب ولم يُنفِق لزمته نفقة ما مضى) إي نعم، هذا رجل قال لزوجته: سأسافر لمدة شهر فقط، ووضع عندها نفقة تكفيها لمدة شهر، لكن الرجل ذهب، وبقي شهرين أو ثلاثة، ثم رجع هل تسقط النفقة؟ لا، ما تسقط بمضي الزمان، يلزمه نفقة ما مضى، لو يبقى سنة أو سنتين أو أكثر، إلا إذا أنفقت على نفسها تبرعًا منها، وقالت: أنا قد سامحت عنه.
على كل حال الحق لها؛ لكن إذا كانت تنفق على نفسها فإنها ترجع على زوجها بما أنفقت؛ لأنه مطالب بالنفقة بخلاف نفقة الأقارب، فإنه لو غاب عن قريبه، ولم يُنفق لم يلزمه نفقة ما مضى، وفرقوا بينهما بأن نفقة الأقارب لدفع الحاجة، ونفقة الزوجة من باب المعاوضة، والمعاوَضة لا تسقط بمضيِّ الزمان بخلاف ما كان لدفع الحاجة، فهذا الرجل اندفعت حاجته وانتهى، إذن إذا غاب الزوج، ولم يترك نفقة فإنه يلزمه نفقة ما مضى حتى لو أنفقت من كيسها؟ حتى ولو أنفقت من كيسها.

(وإن أنفقت في غيبته من ماله فبان ميتًا غرمها الوارث ما أنفقته بعد موته) (... )، هذا رجل غاب عن زوجته، تُوفِّي، ولم تعلم الزوجة بوفاته، وبقيت بعد موته تنفق من المال، فللوارث أن يُضمنها كل ما أنفقته بعد الموت، كل ما أنفقته بعد الموت يضمنها إياه، إذا قالت: أنا ما أدري، والأصل بقاء حياته قلنا: نعم، الأصل بقاء الحياة وأنتِ لا تعلمين، وهذا لا يُوجِب سقوط الضمان عنك؛ لكنه يُوجب سقوط الإثم من الإنفاق من مال الورثة بغير إذنهم؛ لأنك لا تعلمين، والأصل بقاء حياة زوجك، فإذن إذا أنفقت الزوجة من مال زوجها، ثم تبين أنه ميت فإن للوارث أن يقول: أعطني ما أنفقت، وله الحق، الإيراد اللي أوردنا على هذا قلنا: إذا كانت جاهلة كيف تُؤاخذ به وهي جاهلة؟ الجواب أن هذا حق آدمي، وحقوق الآدمي لا فرْق فيها بين الجاهل والعالم إلا في الإثم فقط، وأما الضمان فإنه يضمنه، أعرفتم؟ ثم قال المؤلف: (فصل: ومن تسلم زوجته أو بذلت نفسها ومثلها يوطأ وجبت نفقتها) هذا فصل أراد به المؤلف -رحمه الله- بيان متى تجب النفقة؟ هل هو بالعقد، أو بالخطبة، أو بالدخول، أو بماذا؟ عندنا خطبة، وعقد، ودخول، وتسليم؛ أربعة أشياء، أما الخطبة فلا تجب فيها نفقة السبب؟ أنه ما تم عقد إلى الآن ما هي زوجته، وأما العقد فإنها تكون زوجته، ولكن لا يجب فيه نفقة؛ لأنه لم يستمتع بها، والنفقة في مقابل الاستمتاع بالزوجة.
وأما الدخول فإنه لا عبرة به أيضًا، لماذا؟ لأنه إذا حصل الدخول المسبوق بالتسليم والتنفيذ فالعِبرة بالتمكين، وعلى هذا فنقول: العبرة بماذا؟ بالتمكين، إذا تسلمها أو بذلت نفسها وقالت: نحن مستعدون متى شئت فالله يحييك، فإنها تجب نفقتها إلا أن المؤلف اشترط شرطاً وهو أن يكون مثلُها يُوطأ.

ومن التي مِثلُها يوطأ؟ قال العلماء: هي التي تم لها تسع سنوات، فإن من تم لها تسع سنوات فإن مثلها يُوطأ، ما هو الدليل؟ الحقيقة أنه ليس هناك دليل، لكن العادة تقتضي هكذا، والنبي عليه الصلاة والسلام تزوج عائشة وهي بنت ست سنين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين (5)، لكن هذا لا يقتضي تحديد المدة بالتسع، إلا أن الغالب أن بنت التسع تتحمل الجماع؛ فلهذا علَّقوها بالتسع، وقال بعض أهل العلم التي يوطأ مثلُها هي من تتحمل الجماع سواء كان له تسع سنين، أو عشر، أو إحدى عشرة؛ لأن النساء يختلفن، فبعض النساء يمكن في ثمان سنوات تتحمل الرجل، وبعض النساء يمكن في عشر سنوات، أو إحدى عشرة سنة لا تتحمل الرجل، وعلى هذا فيكون تحديد التسع بناءً على الغالب.
ونظير ذلك من بعض الوجوه أن كثيرًا من أهل العلم قيدوا التمييز بتمام سبع سنوات، مع أن بعض الناس قد يُميِّز لأقل من ذلك، وبعض الناس قد لا يُميز لأكثر من ذلك؛ ولكن الغالب سبع سنين في مسألة التمييز، ومعلوم أن النوادر والشواذ لا تخرم القواعد، فإذا كان الغالب تسع سنوات فليكن هو المقيد؛ لأنه أقرب إلى ضبط الناس وعدم النزاع.
إذا تسلمها ولها تسع سنوات تامة وجب عليه الإنفاق، وهذا ظاهر؛ لأنه إذا تسلمها فقد تمكن من الاستمتاع بها غاية التمكن.
(أو بذلت نفسها) كيف بذلت نفسها؟ يعني قالت: لا مانع عندنا من الدخول، تفضل، يقول: لا، اصبري ليش يا ولد؟ قال: لأن عندنا اختبار، (... ) الشهر، انتظر هذا الشهر اللي ينتظرون اختبار هذا الزوج، فيه نفقة ولَّا لا؟ فيه نفقة؛ لأن الامتناع من قِبله، وهذا لا يُوجب سقوط نفقتها؛ إذ إنها هي لا مانع عندها، تطلب أن يتسلمها إلا أنه هو الذي أخَّر.
قال المؤلف: (ولو مع صِغر زوج) إذا تسلَّمها ولو كان صغيرًا لا يطأ مثلُه، يعني هذا واحد له سبع سنين زوَّجناه، زوجناه ابنة عشر سنين، أو أنها تلاعبه، هذا الآن تسلَّمها وله سبع سنين ولها عشر سنوات، يجب عليه نفقتها.

طالب: (... ). الشيخ: (... ) شيء؛ لكن هنا المانع من أين؟ المانع من قِبل الزوج، أما الزوجة ما فيها موانع، وهي محل الاستمتاع، فلما لم يكن فيها موانع، وصار المانع من قِبله أوجبنا عليه النفقة، كذلك مع مرض الزوج لو كان الزوج مريضًا بعد أن عقد عليها مُرِض، وصار ليس في نفسه شيء من هذا الأمر تجب النفقة؛ لأن المانع من قِبل الزوج.
وكذلك مع (جبِّه وعُنَّتِه)، الجب يعني قطْع الذَّكَر أو الخصيتين مثلًا؛ فإنها تجب النفقة، والعلة واحدة؛ لأن المانع من قِبل الزوج.
(عنته) يعني عدم قدرته على الجماع ما ينتشر ذكره؛ فإن النفقة تجب عليه، والعلة في ذلك كله هي أن المانع من قِبل الزوج.
طيب إذا كانت هي صغيرة لا يطأ مثلها؟ ما تجب النفقة لعدم تمكنه من الاستمتاع، ولكننا إذا نظرنا إلى ظاهر الكتاب والسنة، وقلنا: إن هذه زوجة فالقرآن والسنة ما فيه التقيد أنه يطأ مثلها.
طالب: (... ). الشيخ: نعم، المهر قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» (6). ولكن النفقة، ثم إن هذا الزوج الذي عقد على هذه الصغيرة دخل على بصيرة ولَّا لا؟ دخل على بصيرة، هو يعرف أنه لن يستمتع بها وهي صغيرة؛ لكنه يريد أن يحجزها حتى لا تتزوج، وهذا -كما تعرفون- مبني على أنه يصح تزويج الصغيرة.
وقد سبق لنا فيه ذِكْر الخلاف في هذه المسألة؛ لكن على تقدير أن النكاح يصح في بعض الصور فإن ظاهر الكتاب والسنة يدل على أنه لا بد من الإنفاق عليها؛ لأنه دخل على بصيرة، وهي زوجة، وموجِب الإنفاق قائم وهو النكاح، إلا أن يمنع من ذلك إجماع من أهل العلم فإن الإجماع يمنع ويُخصَّص العموم.

قال: (ولها منْع نفسِها حتى تقبض صداقها الحال) لها منع نفسها منين؟ من التسليم (حتى تقبض صداقها الحال) يعني غير المؤجل، وذلك أن الرجل إذا تزوج امرأة على مهر قدره عشرة آلاف ريال مثلًا، ثم طلب الدخول فقالت: لا، لا دخول حتى تُسلِّم المهر، لها الحق في ذلك؟ طالب: نعم.
الشيخ: طيب، هل تسقط نفقتها في هذه الحال؟ لا تسقط؛ لأن المانع من قِبل الزوج؛ إذ لو شاء لأعطاها المهر ودخل.
وقول المؤلف: مهرها الحال، إذا كان مؤجلًا فهل لها منع نفسها؟ لا، وهذا إذا كان المؤجل لم يحل فظاهر أنه لا يحل لها أن تمنع نفسها؛ لأنها دخلت على أن هذا المهر مؤجَّل، كيف تمنع نفسها، وهل يصح تأجيل المهر؟ طالب: نعم.
الشيخ: ويش الدليل؟ طالب: (... ). الشيخ: طالب بتأخيره؛ يعني تعليل، ما هو الدليل؟ طالب: (... ). الشيخ: هذا قد يقول قائل: إن هذا دليل، وقد يقول قائل: إنه لا دليل فيه؛ لأنه حال، لكن تسلمه لا يتسنى مرة واحدة، وإلا فيلزم أن يبادر بتعليمها القرآن، على كل حال نحن عندنا تعليل، وهو أنَّ جميع الحقوق التي للبشر لهم الحق فيها ما لم يمنع منها مانع، كما جاء في الحديث الصحيح الذي صححه كثير من الأئمة: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (7). فالمؤجل إذن ليس لها أن تمنع نفسها حتى تقبضه؛ لأن هذا ما دخلت عليه.

لكن يقول المؤلف: (فإن سلَّمت نفسها طوعًا، ثم أرادت المنع لم تملكه)؛ لأن تسليمها نفسها إسقاط لحقها، وإذا كان كذلك فلا يمكن أن تعود وتقول أطالِب بحقي، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرْق بين أن يخدعها في ذلك أو لا؛ لأنه قد يخدعها ويقول لها: أنا آتي بالمهر إن شاء الله بعد العصر، فليكن الدخول، بعض النساء قد تغتر في هذا، وتثق بوعده على أنه سيأتي به في آخر النهار أو في أول النهار، وما أشبه ذلك، فتمكِّنه من نفسها، فظاهر كلام المؤلف أنها إذا مكنته حتى فيما لو خدعها فإنه لا حق لها، ولكن الصحيح أنه إذا خدعها فإن لها الحق، ولكن هل الوعد يعتبر خديعة أو يعتبر تساهلًا منها؟ طالب: خديعة.
الشيخ: خديعة.
طالب: الأمران.
الشيخ: أو تساهل؛ لأننا نقول: لماذا لم تكوني قوية، وتقولي: لا، ما يمكن الدخول إلا بعد أن أخذ المهر؟ الخديعة المحققة هي أن يقول: أهلًا وسهلًا، أنا أعطيكِ المهر، ثم يلف لها أوراقًا من كيس أسمنت، يقطعهم على قصص الأوراق، ويحطهم في ظرف، ويعطيه إياها على أنها فلوس، أو يكتب لها شيكًا على بنك، وليس له رصيد، هذا خديعة ولَّا لا؟ هذه خديعة واضحة؛ لكن كونه يعدها ويقول: أبدًا إن شاء الله ما يكون العقد إلا كل شيء نُسلِّمه، نقول: هذا طِيب قلب منها، وكان عليها أن تقول: لا يمكن الدخول، هذه والله عندي محل تردد أن نقول إن وعده إياها يُعتبر خديعة؛ لكن النساء يختلفن، فبعض النساء تكون سليمة القلب جدًّا جدًّا، بحيث تتصور كل الأشياء على حقيقة وصِدْق، فهذه ربما نقول: إنها تُمكَّن من المنع إذا لم يُسلِّمها.
طالب: (... ). الشيخ: إي، ما هي خديعة، هذا وعد؟ طالب: (... ). الشيخ: قد نقول: لماذا لم تقل: ما أسلمك السلعة إلا بالثمن؟ طالب: (... ). الشيخ: المشكلة مصدق.
طالب: عدم الوفاء بوعده (... ).

الشيخ: عدم الوفاء بالوعد لا شك أنه من صفات المنافقين، لا سيما في مثل هذا الذي يتعلق بحق الغير؛ يعني فيه مضرة؛ ولكن مع ذلك يقولون: إن هذا هو الذي جنى على نفسه، إذ يُمكنه أن يقول: أنا لا أصدقك ولا أثق بك حتى تأتيني بحقي.
وقد مر علينا في ما سبق في باب شروط النكاح أنه لو شرط ألا يسافر بها، ثم خدعها فسافر بها، ثم طالبت بالحق فلها ذلك؛ لكن الكلام على أن هل مجرد الوعد إذا أخلفه يُعتبر خديعة أم لا؟ هذا هو مناط الحكم، فإن قلنا إنه خديعة فإن لها أن ترجع إلى حقها الأول، وإن قلنا: ليس بخديعة، ولكن هذا الذي له الحق هو الذي فرط، وكان عليه أن يقول: لا يمكن أن أقبل إلا إذا أعطيتني (... )


(أو الكسوة، أو ببعضها، أو بالمسكن) (فلها فسخ النكاح) (إذا أعسر) أي الزوج إذا أعسر فلها الفسخ قول المؤلف: إذا أعسر الزوج، ظاهر كلامه إذا أعسر أي بعد إيسار؛ لأنه لم يقل: وإن كان معسرًا فظاهره أنه كان موسرًا، ثم أعسر، فإذا كان موسرًا، ثم أعسر يقول المؤلف: إن لها أن تفسخ النكاح، لماذا؟ قالوا: لأن نفقتها معاوضة لاستمتاعه بها وبقائها عنده، فإذا تعذَّر العِوض فلها أن تمنع المعوض، عرفتم؟ مثال ذلك: رجل تزوج امرأة وهو غني، ثم أُصيب بجوائح في ماله وافتقر، يقول المؤلف: إن لها أن تفسخ النكاح، تقول: أطعمني، أو طلِّقني، لماذا؟ كما سمعتم.
نقول؛ لأن نفقتها في مقابلة الاستمتاع بها، فإذا تعذر العوض لعدم المعوض فليس لصاحب الحق أن يمنعه.

وهذه المسألة هي المشهور من مذهب الإمام أحمد سواء تزوجته وهو معسِر عالمة بإعساره، أو تزوجته وهو معسِر جاهلة بإعساره، أو تزوجته وهو موسِر، ثم أعسر، فالأحوال ثلاثة؛ يكون موسرًا، ثم يعسر، ويكون معسرًا وقد علمت بإعساره، ويكون معسرًا ولم تعلم بإعساره؛ دول الحالات، أما إذا كان معسرًا ولم تعلم بإعساره فالقول بأن لها فسخ النكاح قول قوي، لماذا؟ لأنه غرها وخدعها، وكان عليه حين تزوجها وهو معسِر أن يبين لها لتدخل على بصيرة، وهذا أمر واضح، وعِلَّته واضحة، وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام تبرأ ممن غش (8) فهذا من أغش الغش (... ). ثانيًا: تزوجها وهو معسِر عالمة بعسرته، ثم دخل عليها وهو معسِر وعالمة بعسرته، وبعدئذٍ قالت: أنا أُطالِب بالنفقة؛ إما أن تنفق، وإما أن تطلق، لها ذلك؟ نعم، لها ذلك على المذهب، لماذا؟ لأن نفقتها تتجدد كل يوم، فإذا أسقطت نفقة غد لم تسقط؛ لأنها لم تملكها بعد، وحينئذٍ تقول: أنا أريد أن أفسخ لأن نفقتي تتجدد حتى لو سمحت قلت: إنها راضية بعسرته فلها أن تطالِب بالحق؛ لأن إسقاط الشيء قبل وجوبه لا عبرة به.

الصورة الثالثة: تزوجته وهو موسر، ثم افتقر بإذن الله عز وجل، ليس باختياره يكون لها أن تفسخ للعلة السابقة في أول الكلام؛ أن الإنفاق عليها في مقابلة الاستمتاع، فإذا تعذر فلها أن تطالب بالفسخ، هذا هو المشهور من المذهب، واختار ابن القيم -رحمه الله- أنه لا فسخ لها إلا في الصورة الأولى، وهي ما إذا تزوجها معسرًا غاشًّا لها لم يخبرها، وقال: إنه في الصورة الثانية قد دخلت على بصيرة؛ فهي كما لو تزوجته وفيه عيب من بخر، أو برص، أو غير ذلك من العيوب، هل تملك الفسْخ بعد ذلك ولَّا لا؟ ما تملك، فهي الآن رضيت بأنه مريض بالفقر، فلا تملك الفسخ، وأما إذا كان غنيًّا، ثم افتقر فإنه أيضًا لم يحدث منه جناية ولا عدوان، والله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7] وهذا لم يُؤتَ شيئًا فلا يكلفه الله.
تعاليله قوية رحمه الله، قوية جدًّا؛ لكن الذين قالوا: إنها لها الفسخ استدلوا بآثار منها ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» (9). قال أبو هريرة: الزوجة تقول: أطعمني أو طلِّقني، فقيل لأبي هريرة: سمعتَ ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا، قالها أبو هريرة من كيسه (10). استنبطها من الحديث، فعلى هذا قالوا: هذا قول صحابي، وأيضًا نحن لا نكلفه ما لا يستطيع، ولا نخالف الآية ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا﴾ [البقرة: 286].

لكن أيضًا لا نبقي هذه المرأة مع الضرر عليها؛ لأنها الآن محبوسة عليه، وهي ليس لها ما تقيت بها نفسها، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى قول جيد يجمع بين الحقوق، فقال: ليس له الفسْخ؛ لأن هذا ليس باختيارها، وفي الصورة الثانية بأنها دخلت على بصيرة لكن لا يمنعها من التكسب؛ لأنه إذا كان ينفق عليها له الحق أن يمنعها من التكسُّب، فإذا كان لا ينفق فليُرخِّص لها في التكسُّب ولا تفسخ، وهذا قول قوي، وإليه ذهب أبو حنيفة -رحمه الله- على أنه ما تملك الفسخ، ولكنه لا يملك منعها من الكسب.
وابن القيم -رحمه الله- استدل بأن كثيرًا من الصحابة رضي الله عنهم يفتقرون، ولم يحصل أن أحدًا منهم فسخت زوجته منه، ولكن زميله -صاحب الفروع- قال بعد نقله لكلامه، قال: كذا قال، والعالم إذا نقل كلام واحد من أهل العلم، وقال: كذا قال، يعني أنه لم يرتضه، ووجه عدم ارتضاء صاحب الفروع لكلام ابن القيم، وجهه أنه قد يقال: إن الصحابة -رضي الله عنهم- ما عجزوا عجزا مطلقًا بحيث لا يتمكنون من بعض القوت، أو يقال: جواب آخر من يقل: إن الصحابيات الزوجات طالبن بالفسخ ونحن نقول: تملك الفسخ ولا يجب عليها الفسخ، وبينهم فرق ولَّا لا؟

بين هذا فرق، فيجوز أن نساء الصحابة -رضي الله عنهن- اقتنعن بما حصل ولم يطالبن بالفسخ، وعلى كل حال القول الذي أطمئن إليه في غير الصورة الأولى، ويش الصورة الأولى؟ إذا كان معسرًا ولم يخبرها، لا تملك الفسخ، لكن لا يملك منعها من التكسب، وفي هذا نجمع بين القولين، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا أعسر بالنفقة وجب عليها هي أن تُنفِق عليه، إذا كان عندها مال يجب أن تنفق عليه، واستدل بعموم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233]، هي الوارثة فيجب عليها أن تنفِق، ولكن سبق لنا أن هذا القول ضعيف، وأن الله قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ﴾ يعني على الوارث مثل ذلك للمرضع ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] إلى أن قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فالزوجة منفق عليها ما يمكن تنفق أبدًا.
طالب: فرق بين (... ) ومن دخلت على بصيرة، وهو الفقير الذي لا يستطيع الحصول على الكماليات، وبين الذي لا يستطيع الحصول على كثير من الضروريات.
الشيخ: لا يفرق؛ لأنه حتى لو لم يجد شيئا أبدًا (... ) عنده ولا قرش الآن.
الطالب: وإن تنازلت عن الكماليات؟ الشيخ: لا، هو أصلًا كان الكماليات إن كان من واجباته، إن كان مما يجب لمثلها فهو واجب، وأيضًا حتى عند الفقهاء رحمهم الله، الإعسار أن يعسر بنفقة معسر ما هو معناه أن يعسر بنفقة الكمال إذا أعسر بنفقة المعسر لم يجد شيئًا أو ببعضه.
الطالب: (... )؟

الشيخ: إي، يعني إذا تعذرت حسابه، ما أدري والله، لكن على هذا القول (... )، هل هي إذا تعذرت حسابه مع فقره وهو ما غشها ولا غرَّها أنها تبقى معه يصيبها ما أصابه؛ لأن الرسول لما سُئل عن حق المرأة على زوجها قال: «أَنْ تُطْعِمَهَا مِمَّا طَعِمْتَ وَتَكْسُوهَا مِمَّا اكْتَسَيْتَ» (11). طالب: (... ). الشيخ: (... )، ولكن هل هذا دائمًا، هل هذا دائم؟ ثم إذا قلت: إن هذا ضرر إذا قلت.. الطالب: (... ). الشيخ: إي نعم.
يقول: (فلها فسْخ النكاح) وقوله: (أو مسكن) المسكن إذا أعسر به، هل المراد إذا أعسر به مُلكًا أو مُلكًا أو استئجارًا؟ مُلكًا أو استئجارًا؟ لو قالت له: أنتَ الآن الناس كلهم سكنوا عمائر ملك لهم، وأنت تروح تستأجر، الآن أنت معسر، ليش (... ) أيش نقول؟ نقول: ليس لها إلا أن تسكن، سواء استئجارًا أو ملكًا.
(إذا أعسر بنفقة القوت أو الكسوة أو ببعضها، أو المسكن فلها فسخ النكاح)، ولكن فسخ النكاح بإذن الحاكم ولَّا بدونه؟ فسخ النكاح بإذن الحاكم، لا بد من أن يحكم القاضي بذلك، وقد سبق لنا أن شيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: كل فسخ يتوقف على الحاكم فإنما ذلك عند النزاع، فلو رضي بالفسخ فيما بينهما فلهما ذلك، وقوله هو الصحيح، أن يقال: الحاكم يحتاج إليه متى؟ عند النزاع إذا قالت: أبغي أفسخ، وقال: لا، فأما إذا اتفقا على الفسخ بهذا السبب الْمُبيح له فلا حاجة.
طالب: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ [البقرة: 228] (... ). الشيخ: كيف؟ نعم، نقول: لها الإنفاق، لكن: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7] طالب: (... )؟ الشيخ: (... ) ما هو بلازم (... ).

جارٍ التحميل