الشيخ: صحيح، هذا دليل على أن الراجح أنه لا فرق، هذا الذي قلت؛ لأجل يتبين أن الراجح أنه لا فرق، لكن ما هو الأصل في المسألة؟ لماذا خُيِّر؟ لماذا لم نقل إنه لما تبين أنه موجود تبين أن العقد باطل فتُرد إلى زوجها الأول بكل حال، كما قال به بعض أهل العلم؟
الطالب: لأنه الآن أصبحت عصمتين؛ عصمة الزوج الأول، وعصمة الزوج الثاني، فثبوتها في الزوج الأول أقوى من ثبوتها في الزوج الثاني؛ لأنه يُخيَّر، أما قبل وطئها يعني في عصمة الزوج الأول أقوى من الثاني.
الشيخ: طيب، فيه..
طالب: نقول: لأن الزوجة نفسها متعلقة بالزوج الجديد، فلا يحق لنا أن نلزم الزوج الأول بأن يأخذها ونفسها متعلقة بزوجها وزوجها الثاني متعلق بها، هذا أيضًا تفريق بينهما، ونفسه قد تعاف ذلك.
الشيخ: إي، زين.
الطالب: فخُيِّر بين (... ).
الشيخ: هذا لا بأس، نقول: إذن خُيِّر (... ) التخيير الحق لمن؟ للزوج الأول؛ فهو الآن بالخيار، إن شاء أخذها، وإن شاء تركها، فإذا قيل: أيهما أوْلى يتركها أو يأخذها؟ قلنا: هذا (... ).
(وَمَنْ مَاتَ زَوْجُهَا الْغَائِبُ أَوْ طَلَّقَهَا) يعني زوجها الغائب (اعْتَدَّتْ مُنْذُ الْفُرْقَةِ، وإِن لَمْ تُحِدَّ).
يقال: الفُرقة، ويقال: الفِرقة، بينهما فرق؟
طالب: نعم.
الشيخ: الفِرْقة يعني الطائفة، والفُرقة بالضم الافتراق.
فتعتد منذ الفُرقة، وإن لم تعلم إلا بعد موته بزمان، أو بعد طلاقه بزمان، هذا هو القول الراجح، ودليله قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ وهي يصدق عليها أنها مطلَّقة من حين فارقها، وإذا كان يصدق عليها أنها مطلقة من حين فارقها، فعدتها منذ الفراق ثلاثة قروء، ولقوله في المتوفى عنها زوجها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]، ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ متى يذرونهن؟ من بعد الوفاة مباشرة.
وعلى هذا فتعتد المطلقة منذ طلَّقها زوجها، فلو فُرض أنه طلقها ولم تعلم وحاضت حيضتين، ثم علمت، كم بقي عليها؟ حيضة واحدة، وإن علمتْ بعد أن حاضت ثلاث مرات فقد انتهت عدتها.
وكذلك نقول في المتوفى عنها زوجها: لو لم تعلم بوفاة زوجها إلا بعد مضي شهرين، بقي عليها شهران وعشرة أيام، فإن لم تعلم إلا بعد انتهاء المدة فقد انتهت، ولهذا قال: (وإن لم تُحِد) يعني وإن لم تأتِ بالإحداد، وهذا فيمن توفي عنها زوجها، هي التي يلزمها الإحداد، فهنا يسقط الإحداد؛ لأنه تابع للعدة، والعدة قد تبين لنا أنها انتهت بِمُضي أربعة أشهر وعشر من موته.
ثم قال المؤلف: (وعدة موطوءة بشبُهة كمطلقة) على حسب التفصيل السابق: ثلاثة قروء، أو ثلاثة أشهر، أو سنة، أو حتى يعود الحيض، على حسب ما سبق، المهم أن الموطوءة بشبُهة عدتها عدة مطلقة.
والشبهة نوعان: شُبهة عقد، وشُبهة اعتقاد، فشُبهة العقد تعود إلى العقد الذي استُبيح به الوطْء، وشُبهة الاعتقاد تعود إلى ظن المكلَّف.
مثال شبهة العقد: أن يتزوجها لا يدري أنها أخته من الرضاع مثلًا، فيتبين أنها أخته، ومثل أن يتزوجها بغير ولي ظانًّا أن النكاح يصح بدون ولي، ومثل أن يشتري أمةً، لكن الأمة ما عليها عدة، أمة يظن أن البائع مالك لها وليس كذلك؛ هذه شُبهة عقد.
أما شُبهة الاعتقاد، فمثل أن يجامِع امرأة ما عقد عليها، لكن يظن أنها زوجته؛ هذه نقول فيها: شبهة اعتقاد؛ لأنه ما حصل عقد حتى نقول: العقد فيه اشتباه، لكنه أخطأ في ظنه، ظن أن هذه زوجته فجامَعها، نقول: هذه شبهة اعتقاد، عدتها كمطلقة، يعني تعتد بما سبق، وهذا هو المشهور من المذهب.
والصحيح أنها لا تعتد كمطلقة، وإنما تُستبرأ بحيضة؛ لأن هذه ليست زوجة، ولا مطلقة، ما هي مطلقة ولا هي بزوجة، وإنما كانت العدة ثلاثة قروء للمزوجة التي طلقها زوجها، ما هو لأجل العلم ببراءة الرحم فقط، لكن من أجل ذلك ومن أجل حقوق الزوج ليمتد له الأجل حتى يراجع إن شاء.
والموطوءة بشُبهة، هل يكون في حقها ذلك؟ لا؛ لأنه ما هو زوجها حتى يحتاج أن نمدَّ له الأجل لعله يراجع، إنما المقصود أن نعلم براءة رحمها، وهذا يحصل بحيضة.
هذا من جهة التعليل، أما من جهة الدليل فلأن الله إنما أوجب العدة على المطلقة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ [البقرة: 228]، فالعدة التي ذكرها للمطلقة، وهذه ليست مطلقة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228]، وهذا لا يمكن أن ينطبق على الموطوءة بشُبهة.
طالب: شيخ، ذكرنا أنه اختيار شيخ الإسلام (... ).
الشيخ: إي، عليها العدة، لكن ما هي عدة طلاق، الاستبراء؛ ولذلك هو يختار هنا أن الموطوءة بشُبهة تستبرأ فقط.
كذلك أيضًا: عدة الموطوءة بزنا، الموطوءة بزنا عدتها كمطلقة، ترى الموطوءة بزنا، ما هو تقبيل أو استمتاع بما دُون الفرج، موطوءة بزنا عدتها كمطلقة.
لماذا؟ نقول: قياسًا على المطلقة، وهذا ليس بصحيح، هذا من أبعد الأقيسة، وكيف نقيس وطئًا محرَّمًا سفاحًا على وطء جائز بنكاح صحيح؟ !
هذا بعيد جدًّا، ولهذا القول الثاني في المسألة أن عليها استبراء، وليس عليها عدة، بل سبق لنا أن القول المروي عن أبي بكر وجماعة من الصحابة أن المزني بها لا عدة عليها إطلاقًا ولا تُستبرأ ولا شيء، لا سيما إذا كانت ذات زوج؛ لقول الرسول عليه الصلاة السلام: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» (1).
طالب: (... ) أبي بكر وعمر.
الشيخ: أيش؟
الطالب: روي عن أبي بكر وعمر.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: أنها (... ).
الشيخ: لا، اللي ذكر في المغني أنه لا عدة عليها.
ولهذا الصحيح أن الزانية تُستبرأ فقط، إلا إذا كانت ذات زوج فإنها لا حاجة لاستبرائها.
طالب: (... ) في لا عدة ولا استبراء، لكن إن كانت حاملًا فتجتنب.
الشيخ: إي، هذا واضح ما فيه شك، لكن إذا كانت ذات زوج لا يُلزم الزوج باجتنابها.
الثالث قال: (أو موطوءة بعقد فاسد)، ما قال المؤلف: باطل، الموطوءة بعقد فاسد هذه صحيح أنها تكون عدتها كمطلقة؛ لأن الذي عقده يعتقد أنه صحيح، وأما العقد الباطل فإنها على القول الصحيح لا تَعتد كمُطلقة؛ لأن العقد الباطِل وجوده كعدمه، ولا يؤثر شيئًا.
ما الفرق بين العقد الباطل والفاسد؟ الباطل ما اتفق العلماء على فساده، والفاسد ما اختلفوا فيه.
(كمطلقة)، واختار شيخ الإسلام في هذا كله أنه لا عدة، وإنما هو استبراء.
بقي عندنا المطلقة طلاقًا ثلاثًا، طلاقًا بائنًا بالثلاث، هل هي تعتد أو تُستبرأ؟
طالب: تعتد.
الشيخ: إنسان طلق زوجته آخر ثلاث تطليقات، هل تعتد أو تُستبرأ بحيضة؟
طالب: تعتد.
الشيخ: إي نعم، جمهور العلماء على أنها تعتد بثلاث حِيض؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله قال: إن كان أحدٌ قال بالاستبراء فهو أصح، وقال: إن سياق الآية: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يدل على أن المراد المطلقات طلاقًا رجعيًّا؛ لقوله في آخرها: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228]، وهذا ليس بعلًا، ليس له حق الرجعة، وقد ذكروا عن ابن اللبان، وهو من السلف القدماء أنه يرى أنه لا تعتد، وإنما تُستبرأ، ولكن لا شك أن الأحوط أن تعتد للعموم، وقد مر علينا قاعدة أنه إذا جاء لفظ عام، ثم أُعيد حُكم ينطبق على بعض أفراده فإنه لا يقتضي التخصيص، وهذه المسألة من هذا الباب.
يقول: (وَإِنْ وُطِئَتْ مُعْتَدَّةٌ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا).
هنا قال: (بشُبهة، أو نكاح فاسد) يريد بالشبهة هنا شبهة الاعتقاد؛ لأن شبهة العقد داخلة في قوله: (أو نكاح فاسد).
(إن وُطِئت معتدة بشبهة)، يعني امرأة معتدة لزيد، في عدة زيد زوجها؛ صورتها أنه طلق زوجته وشرعت في العدة، فجاء شخص آخر فوطئها بشبهة، هذا الوطء يحتاج إلى عدة ولَّا لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: كما هو المذهب، والمؤلف يُفرِّع على المذهب، يحتاج إلى عدة، فماذا نصنع؟ هل نعتبر عدة الأول أو عدة الثاني أو تتداخل العدتان؟ عندنا الآن ثلاثة احتمالات، هل نقول: تُكمِّل عدة الأول، ثم تبدأ عدة الثاني؟ أو نقول: تعتد للثاني، ثم تكمل عدة الأول؟ أو نقول: تتداخل العدتان، فتستأنف العدة للثاني، وإذا تمت انتهت عن الأول والثاني؟ الفرق بين هذه الأحوال الثلاثة واضح.
المؤلف يقول رحمه الله: (فُرِّق بينهما) (نكاح فاسد)، النكاح الفاسد يريد به هنا النكاح الباطل في الحقيقة؛ لأن المعتدة نكاحها باطل إذا كان المتزوج غير زوْجها؛ لأن العلماء أجمعوا على أن المرأة المعتدة لو عُقد عليها النكاح فالنكاح باطل، أما إذا عقَد عليها زوجها لكن بدون ولي مثلًا صار النكاح فاسدًا لا باطلًا.
وعلى هذا فقول المؤلف: (بنكاح فاسد) نقول: إن كان من الزوج فهو فاسد، وإن كان من غيره فهو باطل، فالمراد به الباطل، وكلامه أو سياق كلامه يدل على أنه من غير الزوج.
طالب: كيف يا شيخ من غير الزوج؟
الشيخ: إذا كان قد طلَّقها على عِوَض، فهنا العدة تثبت، والطلاق بائن، لكن له أن يتزوجها بعَقْد، فتزوجها بدون ولي.
الطالب: وهي في العدة؟
الشيخ: وهي في عدته، فالنكاح فاسد.
يقول: (فُرِّق بينهما)، بين مَنْ؟ بين الواطئ والزوجة المعتدة، وكلام المؤلف يدل على أن الواطئ هنا غير زوجها، ولهذا قال: (وأتمت عدة الأول، ولا يُحتسب منها مُقامها عند الثاني، ثم اعتدت للثاني).
امرأة مُطلَّقة حاضت حيضتين، ثم جاء رجل فتزوجها أو وطئها بشُبهة، ويش بقي عليها عن الأول؟ بقي عليها للأول حيضة، لكن هي بقيت عند الثاني حتى حاضت هذه الحيضة، صار الآن لها ثلاث حيض، لكن الحيضة التي كانت وهي عند الثاني لا تُحسب؛ لأن المؤلف يقول: (ولا يحتسب منها مقامها عند الثاني) ما تُحسب، متى تكمل للأول؟ تكمل للأول بعد أن يُفرَّق بينها وبين الثاني، فلنفرض أننا عقدنا لها، أو عُقد لها وهي بعد الحيضة الثانية، وبقيت عند الزوج الثاني حتى حاضت، وبعد طُهرها تبينا الأمر، ففسخنا النكاح، وجوبًا نفسخ النكاح؛ لأنه غير صحيح، نفرق بينهما؛ ولهذا المؤلف يقول: (فُرِّقَ بينهما) ولم يقل: فُسخ النكاح، لماذا؟ لأن العقد باطل هنا بالإجماع، فرقنا بينهما بعد أن حاضت الثالثة، كم بقي عليها للزوج الأول؟ حيضة واحدة، تحيض حيضة واحدة تنتهي من عدة الأول، ثم تستأنف العدة للثاني كم؟ ثلاث حيض.
طيب، ما قولكم لو قلنا بأنها تعتد للثاني، ثم تكمل الأول؟
طالب: الأول براء.
الشيخ: لا، يعني أقول: الاحتمالات نشوف، هل تختلف الصور ولَّا ما تختلف، نقول: لو قلنا: تبدأ بالثاني كان نقول: تحيض ثلاث حيض لمن؟ للثاني، ثم بعدها تعود بحيضة للأول، ربما يعتريها بعد ثلاث الحيض، يعتريها مثلًا ارتفاع الحيض على وجهٍ لا تدري سببه، أو على وجه تدري سببه، وتطول العدة على مَنْ؟ على الأول لو قلنا بأنها تبدأ بعدة الثاني، تطول العدة على الأول.
طيب، التداخل: إذا قلنا بالتداخل، كيف يصير؟ نقول: إذا فارقت الثاني تعتد بثلاث حيض فقط، وتدخل بقية عدة الأول في عدة الثاني، إنما ماذا نصنع على ما مشى عليه المؤلف؟ نقول: تكمِّل عدة الأول بعد التفريق، ثم تستأنف العدة للثاني.
طالب: وإن كانت حاملًا؟
الشيخ: بيجينا ها الحين، بيجينا.
طالب: (... ) التداخل؟
الشيخ: ما أدري والله، لكن الكلام على أن التصوير يحتمل الثاني، يقول: اعتدِّي للثاني فيه من قال بالتداخل، أبو حنيفة يرى التداخل، أبو حنيفة يرى أنها تتداخل.
يقول: (ثم اعتدَّت للثاني، وتحل له بعقد بعد انقضاء العدتين).
عندنا الآن هذا رجل تزوج امرأة معتدة، ودخل عليها وجامَعها، ما الواجب علينا نحوه؟ أن نفرق بينهما، فرقنا بينهما وأتمت عدة الأول، ثم اعتدَّت للثاني، وأتمت العدة، هل تحل للثاني ولَّا ما تحل؟ يقول المؤلف: (تحل له بعقد بعد انقضاء العدتين)، عدة الأول وعدة الثاني.
وظاهر كلام المؤلف أنها لا تحل له بعد انقضاء عدة الأول، وإن كانت العدة الثانية له فإنها لا تحل له، وظاهره أيضًا -بل صريحه- أنها تحل للثاني ولا تحرم عليه، فعندنا الآن ثلاث صور أو ثلاثة احتمالات:
هل تحل للثاني، الواطئ اللي وطئها في العدة بهذا النكاح بعد انقضاء العدتين أو ما تحل؟ تحل، الدليل عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24]، وهذا الرجل الآن نجد هذه المرأة ما بينه وبينها محرمية، فإذا تمت الشروط صح.
وقال بعض العلماء: لا تحل له أبدًا، وهذا مروي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه عقوبةً له على فعله؛ حيث نكحها وهي في العدة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، والقاعدة الفقهية عند أهل الفقه: من تعجَّل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه، فهذا الرجل تعجَّل الزواج من هذه المرأة المعتدة، فيعاقب بأن يحرم إياها.
وعندي أن هذه المسألة ينبغي أن يُرجع فيها إلى اجتهاد القاضي، ما دام رُويت عن أمير المؤمنين عمر، وعمر رضي الله عنه معروف بسياسته، فإذا رأى القاضي أن يمنعه منها منعًا مؤبدًا عقوبةً له وردعًا لغيره، لو رأى ذلك فلا حرج عليه، ويكون هذا من باب التعزير، والتعزير يجوز بأن يُتلف على المرء ما يحبه المرءُ كالتعزير بالمال، وأن يمنع المرء مما يحبه، كما في هذه المسألة، وكما عزَّر عمر رضي الله عنه المطلقين ثلاثًا، عزرهم بإمضاء الثلاثة عليهم.
والحاصل أن المذهب أنها تحل للزوج الذي وطئها في عدتها تحل له متى؟ بعد انقضاء العدتين.
وقال بعض العلماء: تحل له إذا شرعت في عدته، إذا انقضت عدة الأول حلت للثاني؛ لأن العدة له والماء ماؤه، فتحل له.
وقد سبق لنا في المحرمات بالنكاح أن المعتدة والمستبرأة، المعتدة من شخص، والمستبرأة منه إذا كان اعتدادها من أمر أو من وطء يلحق فيه النسب فإنها تحل للواطئ.
فصارت الأقوال في هذه المسألة كم؟ ثلاثة: قول أنها تحل لواطئها بعد انقضاء عدة الأول، هذا قول.
قول ثان: تحل للواطئ بعد انقضاء العدتين.
قول ثالث: لا تحل له أبدًا، هذه الأقوال الثلاثة.
والمذهب؟ المذهب هو وسط في هذه الأقوال، يقول: (تحلُّ له بعْقدٍ بعد انقضاءِ العِدَّتينِ)، ولكن من حيث القواعد الراجح القول الأول، أنها تحل له بعقد بعد انقضاء عدة الأول، لا سيما إذا تاب إلى الله عز وجل وأناب؛ لأن العدة له، فهو صاحب العدة، لكن إذا رأى الإمام أو الحاكم الشرعي أن يمنعه منها مطلقًا على حد ما رُوي عن عمر فإن له ذلك.
طالب: لو كان النكاح باطلًا، فلماذا لا تُستبرأ ولا تعتد منه، لا حق لها؟
الشيخ: هو ينبني على ما سبق، المذهب أنها تعتد منه ولو كان باطلًا.
قال: (تحل له بعد انقضاء العدتين، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا لَمْ تَنْقَطِعْ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا).
(إن تزوجت) من؟ المعتدة في عدتها (لم تنقطع) الضمير يعود على العدة (حتى يدخل بها).
لماذا لا تنقطع؟ يعني لو قال قائل: لماذا لا تنقطع؟ لأنه لما تزوج به صارت ذات زوجين، فيجب أن نقطع عدة الأول.
طالب: (... ).
الشيخ: الجواب: أن هذا العقد غير صحيح، فهي إذن ليست ذات زوجين.
هذا العقد الذي جاء في عدة الأول غير صحيح، ما له أثر إطلاقًا، وإلا لأورد علينا الإنسان هذا الإشكال.
مرة ثانية: إذا تزوجت في عدتها، امرأة في عدة إنسان، فجاء رجل آخر فتزوجها، إما جاهلًا أو متعمدًا ما يخاف الله والعياذ بالله، تزوجها في عدتها، هل تنقطع عدة الأول؟ لا، ما تنقطع، لماذا لا تنقطع، وقد عُقِد عليها فلا يُمكن أن تكون مشغولة لزوجين؟ فالجواب أن هذا العقد باطل فلا أثر له، لكن متى تنقطع؟
يقول: (حتى يدخل بها) المراد: حتى يطأها، (حتى يدخل بها) يعني حتى يطأها؟ من اللي يطؤها؟ الزوج الثاني، ليش؟ لأن الوطء هو اللي يقطع العدة، فإذا وطئها نفرِّق بينهما.
طالب: لماذا ترجع إلى الثاني وهو يريد أن يراجعها؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: العدة الأخيرة ليش وهو يريد أن يراجعها؟
الشيخ: مين اللي بيراجع؟
الطالب: الزوج الثاني.
الشيخ: النكاح ما صح؛ لأن تزوُّج المرأة وهي في عدتها غير صحيح.
الطالب: العدة ما هي له.
الشيخ: لا، العدة للأول، واحد آخر.
الطالب: إذا انتهت عدة الأول؟
الشيخ: نعم، إذا انتهت عدة الأول ذكرنا أن المذهب أنه ما يتزوجها إلا إذا انتهت العدة، عدتها منه.
الطالب: يكون لها عدة؟
الشيخ: إي،؛ لأنه وطئها، كل وطء على المذهب يوجب العدة (... )
(لم تنقطعْ حتى يدخلَ بها، فإذا فارقَها بَنَتْ على عِدَّتها من الأولِ، ثم استأنفت العِدَّةَ من الثاني).
الكلام واضح هذا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: شرحناه، (وإن تزوجت في عدتها) تزوجت من؟ مَن تزوجت؟ الفاعل من؟ من الفاعل؟ أي امرأة؟ المعتدة، إن تزوجت المرأة المعتدة.
(في عدتها) قال: في عدتها (لم تنقطع) يعني لم تنقطع عدتها من الأول (حتى يدخل بها) الثاني.
ومعنى (يدخل بها)؟ يطؤها.
فلو فُرِض أن امرأة معتدة تزوجها رجل آخر في العدة، وقد حاضت حيضتين، ولكنه لم يدخل عليها، عقدوا له، ثم بين العقد والدخول حاضت الحيضة الثالثة، تنتهي عدتها من الأول؟ تنتهي، لماذا؟ لأنه لم يطأها، ولا تنقطع العدة بمجرد العقد، لماذا لا تنقطع بمجرد العقد؟ لأن هذا العقد غير صحيح، بل هو باطل بإجماع العلماء على فساده، وإذا كان باطلًا هل يؤثر؟ أبدًا، كلامه في هواء، ما له أثر.
فإذا جامعها حينئذٍ حصل التأثير؛ لاحتمال أن تعلِق من الثاني بولد، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: لما جامعها الثاني يمكن يخلق الله من مائه ولدًا، فلما كان كذلك انقطعت عدة الأول.
يقول: (بَنَتْ على عِدَّتها من الأولِ، ثم استأنفت العدة من الثاني) هذا كالتكرار للأول، لكن هذا كرره ليبني عليه ما بعده، وهو قوله: (وإن أتت بولد من أحدهما انقضت منه عدتها به، ثم اعتدت للآخر).
إن أتت بولد من أحدهما انقضت عدتها منه، ثم اعتدت للثاني، أنتم فاهمون أصل المسألة؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويش أصل المسألة؟ أن امرأة تزوجت في عدتها، وجامَعها الزوج الثاني، ماذا قلنا في الحكم؟ قلنا: يفرَّق بينهما، وتتم عدة الأول، ثم تستأنف العدة للثاني.
ترى هذا مكررًا مع ما سبق ليبني عليه ما ذكره الآن، مفهوم الآن؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، لكن لو أتت بولد من أحدهما يقينًا، فإن العدة له، ثم تكمِّل للثاني، كيف هذا؟ لو أنها بعد أن تزوجت الزوج الثاني وجامَعها أتت بولد لدون ستة أشهر، وعاش الولد، لمن يكون الولد؟
طلبة: للأول.
الشيخ: للأول يقينًا؟ لأنه ما يمكن يعيش لأقل من ستة أشهر، وعلى هذا فيكون للأول يقينًا، ثم تستأنف العدة للثاني.
وإن أتت بولد لأكثر من أربع سنين من فراق الأول، فهو لمن؟ للثاني، بناءً على أن مدة الحمل لا تزيد على أربع سنين، فإذا أتت به بعد أربع سنين منذ فارقها الأول، فالحمل للثاني، ثم تكمل عدة الأول.
وقول المؤلف رحمه الله: (ثم اعتدَّت للآخر)، لا تظن أن المعنى: (ثم اعتدت) استأنفت العدة، لا، بل إن كان من الأول، إن حكمنا بأن الولد للأول فإنها تستأنف العدة للثاني، وإن حكمنا بأن الولد للثاني فإنها تكمل عدة الأول؛ لأنه لم يوجد ما يبطل ما سبق من عِدَّته، فإذا قُدِّر أنها قد حاضت مرتين بعد إبانة الأول، ويش باقٍ عليها؟ حيضة.
تزوجها الثاني ونشأت منه بحمل، ووضعت لأكثر من أربع سنين منذ أبانها الأول، من يكون له الولد؟ للثاني، لما كان للثاني انتهت عدتها من الثاني، بماذا؟ بوضع الحمل، هل تستأنف العدة للأول أو تكمِّل عدته؟ تكمل عدته؛ لأنه سبق من عدته حيضتان.
فقول المؤلف: (ثم اعتدت للآخر)، لا تظن المعنى أنها تستأنف العدة؛ لا، نقول: اعتدت للآخر، إن ثبت أن الحمل للأول استأنفت العدة للثاني، وإن ثبت أن الحمل للثاني أتمت عدة الأول؛ لأنه قد سبق له حيضتان من عدته.
طالب: إذا طلقها الأول ما تكون (... )؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: إذا طلقها الأول وهي حامل ما تعتد عدتها؟
الشيخ: ما تتم عدتها حتى تضع الولد.
الطالب: لكن كيف (... )؟
الشيخ: ما ندري؛ لأن المرأة قد تحيض وهي حامل، مفهومة، المسألة الآن؟ وهذه -الحمد لله- قليلة الوقوع، لكن يجب أن يعرف الإنسان الحكم، وهي كثيرة الوقوع في مسألة: بعض العوام يظنون أن المرأة إذا طلقت وهي تُرضع أنها تعتد بكم؟ بثلاثة شهور، إذا اعتدت ثلاثة شهور زوَّجوها، وهذا غلط.
بماذا تعتد المرضع؟ بثلاث حيض، والمعروف أن المرضع ما يأتيها الحيض في حال الرضاع، وعلى هذا تبقى حتى يعود الحيض فتعتد به.
هذه ربما تقع خصوصًا عند البادية ربما تقع، يُزوِّجون هذه المرأة المطلقة وهي تُرضع، إذا مضى عليها ثلاثة شهور زوَّجوها، تأتي المسألة هذه ولَّا ما تأتي؟ تأتي هذه المسألة؛ ولهذا يجب علينا أن نعرف الحكم.
قال: (ومَنْ وَطِئَ مُعْتَدَّتَهُ البائنَ بشبهة استأنفت العدة بوطئه ودخلت فيها بقية الأُولَى).
(وطئ معتدته البائن)، بماذا تبين المرأة؟ بكل فسْخ، جميع الفسوخ فهي بينونة، وبكل طلاق على عِوض، هذه ثنتان، والثالث: بكل طلاق تم به عدد الطلاق؛ هذه المعتدة البائن.
إذن المعتدة البائن مَنْ هي؟ كل من اعتدت بفسخ، أو بطلاق على عِوض، أو بطلاق متمم للعدد، هذه البائن.
هذا رجل قد طلَّق زوجته آخر ثلاث تطليقات، بائن أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فجاء يومًا من الأيام ووجدها على فراشه، فظنها زوجته الأخرى، عنده زوجتان، ظنها زوجته الأخرى فجامعها، هذا الوطء ويش نسميه؟ وطئًا بشبهة، والموطوءة معتدة بائن، ماذا تصنع؟
يقول المؤلف: (استأنفت العدة بوطئه ودخلت فيها بقية الأولى)، إذا كان قد مضى منها حيضتان، ويش باقٍ؟ باقٍ حيضة واحدة، جامعها قبل الحيضة الثالثة، نقول الآن: تستأنف العدة كم من حيضة؟
طالب: ثلاث حيض.
الشيخ: ولكن الحيضة الباقية تدخل في الثلاث ولَّا لا؟ تدخل، وعلى هذا تعتد بثلاث حِيض وتنتهي، ما نقول: تكمل الثالثة للأول، ثم تجيب ثلاثًا، لماذا؟ ما الفرق بينها وبين ما إذا جامعها رجل آخر؟ الفرق؛ لأن العدة هنا لواحد، العدتان لواحد، فدخلت إحداهما في الأخرى، بخلاف ما إذا كانت العدتان لاثنين، فإنها لا تدخل إحداهما في الأخرى.
ظاهر يا جماعة الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، معتدته البائن بماذا تبين؟ بالفسخ والطلاق الثلاث.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، الطلاق اللي يتم به العدد؛ لأنه قد يكون ثنتين، إذا كان عبدًا يكون ثنتين.
والطلاق الذي يتم به العدد، والثالث: الطلاق على عِوض.
(ودخَلَتْ فيها بقية الأُولَى، وَإِنْ نَكَحَ مَنْ أَبَانَهَا فِي عِدَّتِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا بَنَتْ).
(إن نكح من أَبَانها) شوف الآن نحن قلنا: البينونات ثلاث: بينونة فسْخ، وطلاق على عِوض، وطلاق تم به العدد.
(إن نكح من أبانها) أي الثلاث اللي يمكن هنا؟ اللي على عوض والفسخ، الطلاق اللي تم به العدد ما يمكن، ويش السبب؟ لأنها لا تحل له إلا بعد زوج.
هذا رجل طلَّق زوجته على عوض، قالت: طلِّقْني طلِّقْني، قال: ما أطلقك إلا إذا كانت بتعطيني عشرة ريالات؟ قالت: أهلًا وسهلًا، هذه عشرة ريالات، طلقها.
تبِينُ ولَّا ما تبين؟ تبين، الآن ملكت نفسها؛ لأنها افتدت منه، لكنه أحب أن يرجع إليها الآن، نقول: ما تحل لك إلا بعقد جديد، برضا ومهر وكل شيء، عقد عليها، يصح العقد ولَّا ما يصح؟ يصح، لكن الرجل بعد أن عقد عليها طلقها قبل أن يدخل بها، يمكن هذا ولَّا لا؟ يمكن وإن كان بعيدًا، لكن على كل حال يمكن.
طلقها قبل أن يدخل بها، يقول المؤلف: تبني على العدة الأولى، وكان باقٍ عليها جاءها حيضتان وباقٍ واحدة، وتزوجها، ولكن طلقها قبل أن يطأها، نقول: باقٍ حيضة واحدة، تكمل حيضة واحدة وتنتهي.
طيب العقد الجديد هذا ما يحتاج إلى عدة؟ ما يحتاج؛ لأنه ما وُجد سبب العدة؛ لأن من شرط العدة أن يحصل وطء أو خلوة، وهذا ما حصل وطء ولا خلوة، وعلى هذا فتبني، تكمل العدة الأولى.
مثال آخر: امرأة وجد زوجها بها عيبًا ففسخها لعيبها، ثم بعد أن فسخها تراجع، وقال: أنا بأصبر على ها العيب، ثم تزوجها، تزوجها وهي الآن في العدة، ثم طلقها؟ تبني على العدة ولَّا تستأنف؟ تبني.
طالب: إذا وطئ.
الشيخ: ما وطئ، طلقها قبل أن يدخل بها، وقبل أن يخلو بها، تبني على العدة الأولى؛ لأنه ما وجد سببًا لعدة جديدة.
المسألة الثالثة: رجل طلق زوجته ثلاثًا، وفي أثناء العدة تزوجها؟ ما يصح، هذا أصلًا ما له أثر.
طالب: الخلوة لها أثر يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، لها أثر.
طالب: (... ).
الشيخ: إي؛ لأنه ما يجوز يخلو بها ولا يُقبِّلها ولا شيء، بانت منه.
انتبهوا لهذه المسألة: فيه رجل آخر طلَّق زوجته طلاقًا رجعيًّا، ما هو بائنًا، طلاقًا رجعيًّا، ويش معنى الرجعي؟ رجعي يعني خلاف التقدمي كما يقولون؟ ! أيش الرجعي؟ الرجعي هو الذي يمكن أن يرجع عليها بدون عقد؛ هذا الرجعي.
رجل طلَّق امرأته طلاقًا رجعيًّا، فجاءه أحد أصدقائه وقال له: ليش تطلقها؟ هذه أم فلان، امرأة طيبة وحبيبة، ليش تطلقها؟ قال: ويش رأيك، أراجعها؟ قال: أيوه، راجعها، تلم الشعث وتخدمك في البيت، قال: تراني مراجعها، اشهد يا فلان وفلان أني راجعت زوجتي.
صارت زوجة له الآن؟ صارت زوجة له بدون عقد.
فجاءه صديق آخر، ولكن يمكن هو صديق غير صديق أو غير صدوق، قال: سمعت أنك مراجع زوجتك؟ قال: إي والله، أشار عليَّ فلان أني أراجعها وبيَّن لي فوائد المراجعة.
قال له: ويش (... ) تتعبك تسبك، ويش تبغي؟ قال: أشهدك أني طلقتها! ! الآن هل تبني على عدتها ولَّا تستأنف العدة؟ الرجل ما دخل عليها ولا شيء؟ تستأنف العدة.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، تستأنف العدة؛ يعني تعتد بثلاث حِيَض غير الأولى، تستأنف العدة.
طالب: ما قلنا يا شيخ إنه طلاق..
الشيخ: لماذا؟ لأنه لما راجعها أعادها على النكاح الأول، الرجعة ما هي عقْد جديد، الرجعة إعادة إلى النكاح الأول، النكاح الأول فيه دخول ولَّا لا؟ فيه دخول؛ ولهذا هي معتدة من النكاح الأول الآن، وعلى هذا فتستأنف العدة؛ لأنه لما أعادها على النكاح الأول أعادها على نكاح مدخول به، فإذا طلقها طلق امرأة مدخولًا بها، فتستأنف العدة من جديد.
وهذه مسألة يغلط فيها بعض الناس، بعض الطلبة ما يفهم الفرْق بين هذه وهذه، ولكن الفرق بينهما واضح، فلو سألك سائل: رجل تزوج امرأة طلقها طلاقًا بائنًا فتزوجها في عدتها، ثم طلَّقها قبل أن يدخل أو يخلو بها، فما تقول؟
طالب: تبني على..
الشيخ: تبني على عدتها الأولى؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يعني بس تكمل العدة الأولى؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: كذا، تكمل العدة الأولى فقط.
ورجل آخر راجع زوجته المعتدة من طلاق رجعي، راجعها، ثم طلَّقها قبل أن يدخل أو يخلو بها، ما تقولون؟ تستأنف العدة.
فإذا قلت: ما الفرْق بين الصورتين؟ فالفرق أن نقول في المسألة الأولى: كانت بائنًا منه، فعقد عليها نكاحًا جديدًا، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طلَّقها فيه قبل الدخول والخلوة، فكان طلاقًا لا عدة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49]، وهذا نكحها ولا مسَّها ولا خلا بها.
أما المسألة الثانية؛ فإن المسألة الثانية إعادة امرأة إلى نكاح.
طالب: أول.
الشيخ: نكاح سابق إي نعم، نكاح سابق حصل فيه دخول، فلما أعادها إلى النكاح الأول صارت هذه الإعادة مبنية على ما سبق، فإذا فارقها بعد هذه الإعادة تستأنف؛ لأنها مطلقة من نكاح مدخول فيه.
إي نعم، هذا هو الفرق بينهما.
طالب: شيخ، يجوز الطلاق الثاني لو صارت رجعية؟
الشيخ: راجعها، راجعها.
الطالب: إي، لكن راجعها، يجوز أنه يطلقها، وما انقضت عدتها؟
الشيخ: إي، يجوز.
الطالب: قلنا في الأول (... ).
الشيخ: هذاك إذا طلقها بدون رجعة، أما إذا راجعها فهو بإجماع العلماء أن طلاقه الثاني يقع عليها إذا راجعها.
الطالب: بعد الرجعة؟
الشيخ: بعد الرجعة إي.
إضافة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذاك إذا طلق وهو ما راجع؛ هذا اللي فيها الخلاف.
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، هو التعليل؛ لأن مصلحة الزوج قد تكون حتى في البائن، لكن التعليل السليم؛ لأن هذا إعادة لنكاح..
(فصلٌ)
يَلزَمُ الإحدادُ مُدَّةَ العِدَّةِ كلَّ مُتَوَفًّى زَوْجُها عنها في نِكاحٍ صحيحٍ, ولو ذِمِّيَّةً أو أَمَةً غيرَ مُكَلَّفَةٍ، ويُباحُ لبائِنٍ من حَيٍّ، ولا يَجِبُ على رَجْعِيَّةٍ ومَوطوءةٍ بشُبْهَةٍ أو زِنًا أو في نِكاحٍ فاسدٍ أو باطلٍ أو مِلْكِ يمينٍ.
و(الإحدادُ) اجتنابُ ما يَدْعُو إلى جِمَاعِها ويُرَغِّبُ في النظَرِ إليها من الزينةِ والطِّيبِ، والتحسينِ، والْحِنَّاءِ وما صُبِغَ للزينةِ, وحُلِيٍّ وكُحْلٍ أَسودَ، لا تُوتِيا ونحوِها، ولا نِقابٍ، وأبيضَ ولو كان حَسَنًا.
(فصلٌ)
وتَجِبُ عِدَّةُ الوَفاةِ في الْمَنْزِلِ حيث وَجَبَتْ، فإن تَحَوَّلَتْ خَوْفًا أو قَهْرًا أو بِحَقٍّ انتَقَلَتْ حيثُ شاءتْ، ولها الْخُروجُ لحاجَتِها نَهارًا لا ليلًا، وإن تَرَكَت الإحدادَ أَثِمَتْ, وتَمَّتْ عِدَّتُها بِمُضِيِّ زَمانِها.
(بابُ الاستبراءِ)
مَن مَلَكَ أَمَةً يُوطَأُ مِثْلُها مِن صغيرٍ وذَكَرٍ وضِدِّهما حَرُمَ عليه وَطْؤُها ومُقَدِّمَاتُه قبلَ استبرائِها، واستبراءُ الحاملِ بوَضْعِها، ومَن تَحيضُ بحَيْضَةٍ.
والآيِسَةِ والصغيرةِ بِمُضِيِّ شهرٍ.
لأن هذا إعادة لنكاح سابق حصل به الدخول، هذه العلة.
طيب، الآن بهذا.. ماذا تصورتم الآن؟ هل العدة بمجرد العلم ببراءة الرحم؟ لا، هذه من جملة الحكم، لكن أعظم شيء أن فيها حقًّا للزوج، وإن هذا اللفظ لعله يُراجع، ولهذا لما كان النبي عليه الصلاة والسلام له على أمته من الحقوق ما هو أعظم حقوق لبشر حرُم على الأمة أن تتزوج نساؤه من بعده، صارت العدة كم؟ عدة زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم؟ إلى الأبد: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53]، فإذن ليست العلة هي العلم ببراءة الرحم.
فإن قلت: إذا جعلت العلة حق الزوج، فلماذا لا يكون على المطلقة قبل الدخول عدة؟ وهل لها عدة؟
طلبة: لا.
الشيخ: المطلقة قبل الدخول؟
طالب: لا.
الشيخ: طيب، إذن ينتقض.
الجواب على هذا من وجهين:
أحدهما: أننا نقول: ليست العلة مجرد حق الزوج، ولا مجرد العلم ببراءة الرحم كما (... ).
الجواب الثاني: أن نقول: إن الرجل إذا لم يدخل بها، فإن نفسه لا تتعلق بها كثيرًا، ولهذا طلقها قبل الدخول، بخلاف ما إذا دخل بها.
ولهذا ما يمكن أن تُعيِّن علة وجوب العدة بحق الزوج فقط أو بالعلم ببراءة الرحم فقط، بل هناك حِكم متعددة (... )
(مدة العدة) (يَلْزَمُ الإِحداد) أولًا: المؤلف رحمه الله ما بين الإحداد على غير الزوج، لكن أشار إليه الشارح؛ الإحداد على غير الزوج لا يجوز إلا في ثلاثة أيام فأقل، الإحداد على ميت غير زوج حرام إلا في خلال ثلاثة أيام فقط؛ فهو جائز وليس بواجب، ولا ينبغي أيضًا، لكن رخَّص فيه الشرع؛ لأن النفس بطبيعتها مع شدة الصدمة لا شك أنه يتغير مزاج الإنسان، ولا يحب الانطلاق في الملاذ، وفي اللباس وفي غيره، فيجوز أن يحد في خلال ثلاثة أيام فقط، فلو مات أبو المرأة حرم عليها أن تحد فوق ثلاثة أيام، ولو مات زوجها وجب عليها أن تحد مدة العدة.
يقول المؤلف: (يلزم الإحداد)، الإحداد مصدر (أَحَدَّ يُحِدُّ)، وأما مصدر (حَدَّ يَحُدُّ) فهو (حَدًّا)، والحد في اللغة: المنْع، ومنه حدود البيت، حدود الدار، وما أشبه ذلك، فالإحداد معناه: امتناع الإنسان عن شيء مخصوص في زمن مخصوص؛ هذا الإحداد: الامتناع عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص.
وسيأتي ما هي الأشياء التي تمتنع فيها.
وقوله: (يلزم) معناه أنه واجب، فما هو الدليل؟ الدليل استنبطه بعض أهل العلم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 234]، فإن قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ دليل على أن الإحداد يُنافي هذه الرخصة، وأنه لا بد أن يكون هذا التربص تربصًا عن أشياء جائزة، ولولا ذلك لما كان لقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
وكذلك من قول الرسول عليه الصلاة والسلام حينما شكوا إليه امرأة تُوفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، قالوا: أفنكحلها؟ قال: «لَا»، فأعادوا عليه، قال: «لَا»، ثم قال: «قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ» (1)، فهذا دليل أيضًا على الوجوب؛ إذن من القرآن ومن السنة.
وأيضًا الرسول نهى أن تلبس المتوفى عنها زوجها، أن تلبس ثوبًا فيه زينة، وأن تتطيب، إلا ما استُثني من قُسط أو أظفار، إذا طهرت من الحيض تتبخر به وتتبع به أثر الدم (2)، وإلا فلا يجوز لها أن تفعل، كما سيأتي إن شاء الله.
طيب، هل يمكن أن نستدل لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» (3)؟
طالب: لا، ما فيه دليل.
الشيخ: طيب.
طالب: ما يحل.
الشيخ: إي، بعض العلماء قال: يمكن يُستدل به؛ لأن قوله: «لَا يَحِلُّ»، معناه أنه حرام، والحرام لا يُستباح إلا بواجب.
فإذا قال: إلا على زوج، وكان بالأول حرام، فالحرام لا يُستباح إلا بواجب، فأخذ من هذا الوجوب.
وبعض العلماء قال: لا، ما يدل على الوجوب؛ لأن نفي الحل لا يدل على الوجوب، بل يدل على انتفاء التحريم، لا يحل إلا لهذه، فصار هذا الدليل فيه خلاف في صحة الاستدلال به، ووجه الخلاف ما سمعتم: أن قوله: «لَا يَحِلُّ»، نفي الحل لا يقتضي الوجوب، وهو صحيح، الأصل أن نفي الحل لا يقتضي الوجوب، لكن أولئك استدلوا بوجهٍ آخر، قالوا: نحن نقول: إن نفي الحل لا يدل على الوجوب، لكن نفي الحل معناه التحريم، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: والتحريم لا يُستباح إلا بواجب، كما استدلوا بأن الختان واجب بمثل هذا الاستدلال، قالوا: الختان واجب، ويش الدليل؟ الدليل: لأن قطع شيء من الإنسان حرام ولَّا لا؟ حرام، والحرام لا يُستباح إلا بواجب، وكما استدل بعضهم على وجوب تحية المسجد بأمر النبي عليه الصلاة والسلام لها في حال الخُطبة، قالوا: فإن استماع الخطبة واجب، ولا يشتغل عن الواجب إلا بواجب.
وعلى كل حال فإن انشرح صدر الإنسان للاستدلال بهذا الحديث مع تأييده بالأدلة الأخرى فلا بأس، وإلا فما دام عندنا دليل واضح فلا حاجة إلى المناقشة في دليل خفي؛ لأن من آداب المناظرة أنه إذا كان هناك دليل واضح فإننا لا نلجأ إلى المشتبِه الذي يحتمل للجدال، ولهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما قال للذي أنكر الرب، لما قال له: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258]، هذا فيه التلبيس وإلا ما هو صحيح، ما هو يحيي ويميت، فقال له إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: 258]، هذا ما فيه جدال.
طالب: لكن هنا ليس محرمًا عليها، يعني «لَا يَحِلُّ» من غير هذا الرجل، مثل إنسان نفس المعنى، هنا لا يحل الحرمة في غير الزوج، فلو كان المحرم من الزوج إلا في حالات معينة، قد يصح؟
الشيخ: لا، حتى هذا، حتى مثله، لا فرق؛ لأن نفي الحل عن فرد من أفراد الخلق، ثم استثناء واحد، معناه أن هذا الواحد كان في الأصل داخلًا في العموم، كان في الأصل من أفراد الناس ما يحل له؛ لأن الحكم واحد، فلما قيل: إلا في كذا صار استباحة لما حرم.
وعلى كل حال -كما قلت-: ما دام المسألة فيها احتمال، ندع هذا إلى ما هو أوضح منه، إذن الإحداد واجب، دليله منين؟ من القرآن ومن السنة.
(الإحداد مُدَّةَ الْعِدَّةِ) (مدة) هذه ظرف، يعني زمن العدة سواء طالت أم قصرت، إذا كانت حائلًا فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، فإحدادها أربعة أشهر وعشرة أيام.
إذا كانت حاملًا فعدتها إلى وضْع الحمل، فإحدادها إلى وضع الحمل.
إذا لم تعلم بموت زوجها إلا بعد تمام العدة فلا إحداد؛ لأنه تابع للعدة.
(مدة العدة كل امرأة متوفًّى عنها زوجها في نكاح صحيح) (متوفًّى) باسم مفعول؛ لأنه مقبوض، وليس (متوفٍّ)؛ لأن (متوفٍّ) بمعنى قابض، وقد سبق لنا أن بعضهم أجاز (متوفٍّ).
(متوفًّى عنها زوجها) لكن (في نكاح صحيح).
انتبه (في نكاح صحيح)، وقد سبق لنا أنه لا يُشترط لوجوب العدة صحة النكاح، وإنما الذي يشترط لوجوب العدة عدم بطلان النكاح، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: معلوم.
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: يعني مثلًا النكاح بلا ولي، هذا نكاح ما هو بباطل ولا هو بصحيح، فاسد، لو مات زوج امرأة تزوجها بلا ولي وجب عليها العدة؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: وجب عليها العدة، ويجب عليها الإحداد؟ لا؛ لأنه هنا يقول: (في نكاح صحيح)، وبهذه النقطة فقط افترقت العدة والإحداد، فهنا تجب العدة، ولا يجب الإحداد إذا كان النكاح فاسدًا.
ولكن ما ذهب إليه المؤلف ليس بصحيح، والصواب أنه تجب العدة، ويجب الإحداد لمن يعتقد صحته، أما من لا يعتقد فلا عدة أيضًا، من لا يعتقد فلا عدة، وإنما إن كان حصل وطء -كما سبق- وجب إما الاستبراء أو العدة، حسب ما تقدم من الخلاف.
المهم أنه على المذهب يُفرِّقون في باب الإحداد وباب العدة بين النكاح الصحيح والفاسد، ففي الفاسد يقولون: تجب العدة، ولا يجب الإحداد.
طيب، ما الدليل؟
قالوا: الدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 234]، ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ ومن نكاحها فاسد ليست بزوجة، فكما أنها لا تدخل في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12]، فكذلك لا تدخل في قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾.
ولأن العقد الذي ليس بصحيح شرعًا لا يُطلق عليه اسم ذلك العقد، كل عقد فاسد ما يتناوله الاسم الشرعي؛ لأن الاسم الشرعي إنما يتعلق بالشيء الصحيح، ولهذا لو قال: والله لا أبيع، فباع دخانًا (تتن) يحنث ولَّا لا؟ ما يحنث؛ لأن البيع غير صحيح، والأشياء التي لها مدلول شرعي إنما تُحمل على مدلولها الشرعي.
مرة ثانية نعود: ما هو الدليل على أنه يُشترط لوجوب الإحداد أن يكون النكاح صحيحًا؟
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 234]، ولا يصدق عليه أنه زوج حتى يكون النكاح صحيحًا.
نقول: هذا الدليل صحيح، والاستدلال صحيح، وهو دليل على أنه لا عدة ولا إحداد في غير النكاح الصحيح، وإنما من اعتقده صحيحًا فله حُكمُه، كما لو كان ممن يرون أنه لا يجب الولي في النكاح، ومن اعتقده فاسدًا فإنه حكمه حكم الباطل.
(في نكاح صحيح)، يقول المؤلف رحمه الله.. الدليل كما أشرنا إليه قبل.
قوله: (ولو ذمية)، (لو) هذه إشارة خلاف، الذمية من هي؟ اليهودية أو النصرانية.
وهل يمكن أن يُتوفى شخص مسلم عن زوجة يهودية أو نصرانية؟ نعم؛ لأن اليهودية والنصرانية حلال للمسلمين، فلو مات عن امرأة غير مسلمة، يعني يهودية أو نصرانية، وجبت عليها العدة؛ لأنها زوجة، ووجب عليها الإحداد؛ لأن الإحداد تابع للعدة.
(ولو ذمية)، فإن قُلت: ما هو الدليل؟ قلنا: الدليل عموم قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ وهذه زوجة، وعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِلَّا عَلَى زَوْجٍ».
يبقى النظر لو قال قائل: الذمية لا يجب عليها إحداد؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ» (3) إلى آخره، قال: «تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»، والذمية لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر، أو لا؟
طالب: لا تؤمن.
طالب آخر: تؤمن.
طالب: لا، تؤمن.
الشيخ: ما تؤمن.
طالب: الإيمان غير مطلوب.
طالب آخر: الإيمان مطلوب.
الشيخ: الإيمان هو الذي يقتضي الإذعان والقبول، ما هو بالإيمان مجرد أن يقول: أنا أؤمن بالله وأؤمن بأني سأبعث، لا، لا بد أن يقبل ويذعن، ولهذا هم غير مؤمنين، وإن قالوا: نؤمن بالله، قلنا: كذبتم، لو آمنتم بالله لآمنتم برسوله عليه الصلاة والسلام محمد.
إذن نقول: ذهب بعض أهل العلم إلى أنها إذا كانت كتابية فإنه لا إحداد عليها، واستدلوا بالحديث، واستدلوا أيضًا بأن الكفار لا يخاطَبون بفروع الإسلام مخاطبة فعل، وإن كانوا يخاطَبون عليها مخاطبة عقوبة؛ لكن مخاطبة فعل ما يخاطبون عليها، يعني ما تقول للكافر: لا تُرَابِ، خلوه يرابي، ويش تقول له؟ أسلِم قبل.
لا تقل للكافر: لا تلبس خاتم الذهب؛ لأنه حرام، ويش نقول له؟ أسلِم.
وكذلك ما نقول له: صلِّ، نقول: أسلِم.
فيقولون: إذن عندهم دليل وتعليل، الذين يقولون: إن الذمية.. ما أدري نذكر لكم الكلام هذا ولَّّا بكيفكم؟
طلبة: (... ).
الشيخ: ما هو صعب؟
الطلبة: لا.
الشيخ: الذين يقولون: إن الذمية ليس عليها إحداد يقولون: أولًا: الحديث: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» (3)، وهذه لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر.
والتعليل أن الكفار لا يُخاطَبون بفروع الإسلام خطاب فِعل، أما خطاب عقوبة فُيخاطَبون، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: 39 - 45]، فذكروا هذه الأشياء، ولولا أن لها أثرًا في عقوبتهم ما ذكروها.
طيب، ما هو الجواب عن هذا الاستدلال؟
الجواب عن هذا الاستدلال من وجهين:
أما الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»، فالمراد بذلك الإغراء؛ إغراء المرأة على الفعل، ليس قيدًا يُخرج ما عداه، وإنما المقصود به الحث والإغراء، كما تقول: لا يمكن للكريم أن يُهين ضيفه.
قصدك، أنت عارف أنت خابر الكريم، قصدك بهذا أن تحثه على إكرام الضيف، وكذلك أيضًا: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» (4)، فالمقصود بهذا أيش؟ الإغراء والحث، وليس قيدًا يَخرج به ما سوى الموصوف، حتى نقول: إنه يخرج به من لا يؤمن بالله واليوم الآخر.
وهذه قاعدة ينبغي أن يتنبه لها الإنسان: كل قيد، أو كل وصف محمود ذُكر في مقام التحذير فالمقصود به الإغراء، كأنه يقول: إن كنت كريمًا حقًّا فهذا لا يمكن أن يقع منك، إن كنت مؤمنًا بالله واليوم الآخر حقًّا فهذا لا يمكن أن يقع منك.
وأما الجواب عن قولهم: إن غير المسلم لا يُخاطب بفروع الإسلام خطاب إيجاب؛ فنقول: هذا صحيح، لكن هذا في غير حق الآدمي، والإحداد من حقوق الزوج كالعدة، فهو تابع لها؛ فلذلك وجب.
ولهذا لو أن الزوج أجبر زوجته الذمية على غُسْل الجنابة، هي لو اغتسلت أو ما اغتسلت ما فيه فائدة، لكن لو أجبرها على أن تغتسل للجنابة، فقد سبق لنا أن القول الراجح أن له إجبارَها، كما أنه يجبرها على قص الأظافر، وعلى نتف الإبط وما أشبه ذلك؛ لأن هذه من حقوقه.
وقوله: (ولو ذمية أَوْ أَمَة) كيف أمة؟ يمكن تكون زوجة أمة؟
طالب: (... ).
الشيخ: ما هي سرية الأمة؟
طالب: بس زوجة لواحد ثان.
الشيخ: زوجة لغير سيدها، يعني يكون سيدها قد زوجها، سيدها زوجها شخصًا ومات هذا الشخص عنها، فهي إذن أمة يجب عليها الإحداد ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، لعموم الأدلة، هذا الدليل عموم قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾، وهذه زوجة.
وأما قول من يقول: إنها ليس عليها شيء؛ لأنها ليست وارثة، فيقال: المسألة ما هي مبنية على الإرث، المسألة مبنية على حق الزوج، وهي فرع وتبع للعدة.
وأيضًا لا يقولون: إنه لما مات الزوج تعلَّق بها حق السيد، فنقول: ما دامت في العدة فلا حق للسيد فيها، ولهذا لو أراد أن يستمتع بها سيدها بالعدة مُنع من ذلك.
قال: (أو غير مكلَّفة)، من هي غير المكلفة؟ الصغيرة والمجنونة، لو مات شخص عن زوجة مجنونة تجب عليها العدة.
طالب: لا.
الشيخ: تجب عليها العدة، تجب؛ لأنها زوجة، ويجب عليها الإحداد؟
طالب: نعم.
الشيخ: كيف تُحِدُّ؟ يَلْزمُ وليها أن يُجنبها ما تتجنبه المحادَّةُ، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، والصغيرة؟
طالب: كذلك.
الشيخ: إذا كانت في المهد تحد؟
طالب: نعم.
طالب آخر: ما يمكن يتزوجها.
الشيخ: إي نعم، لا يمكن يتزوجها.
طالب: (... )؟
الشيخ: نعم، يمكن، المهم يمكن؛ لأن المذهب أنه يجوز للأب أنه يُزوِّج بنته ولو صغيرة.
طالب: بس ما خلا بها ولا وطئها؟
الشيخ: لا، مسألة عدة الوفاة، ما هو بشرط، عدة الوفاة ما هي شرط، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: هو شرط؟
طالب: لا.
الشيخ: ما هو بشرط، سبق لنا أن عدة الوفاة لا يُشترط فيها إلا شرط واحد، وهو أن يكون النكاح؟
طالب: صحيحًا.
الشيخ: لا، غير باطل، أن يكون النكاح غير باطل فقط.
هذه امرأة في المهد، بنت صغيرة في المهد مات عنها زوجها، يجب أن تُحِدَّ، ما تلبَّست ثياب الزينة، ولا حلي الذهب، ولا يطلع بها من البيت.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ويش (... )؟
الشيخ: (... )، هذا يجب كما سيأتي في الفصل اللي بعده إن شاء الله.
طالب: العلة خوف التعرض (... )؟
الشيخ: ما هي العلة؟ العلة وجوب هذا، العلة تعبُّدية، ولهذا لو فُرض أنها عجوز ما يمكن تخطب أبدًا، ولولا أن زوجها اللي مات عنها محتاج إلا ما بغى، قلنا: يجب عليها الإحداد.
طالب: غير مخاطب (... ).
الشيخ: نعم، هذه هي اللي نريدها.
إذا قال قائل: كيف تلزمونها بالإحداد وهي غير مكلفة؟ !
نقول: لأن هذا من حقوق الزوج، ما هو حق لله خالص، هذا من حقوق الزوج، فكما نلزمها بالعدة، نلزمها كذلك بالإحداد؛ لأنه تابع له.
طالب: شيخ، يتوقف حقه قبل الوفاة.
الشيخ: ما يصير؛ لأنه ما يجب إلا بعد وفاته، وإسقاط الشيء قبل وجوبه ما يصح.
ثم قال..
طالب: إعراب (ذمية) هنا.
الشيخ: (ذميةً) (... ) هذا اللي يمكن والواجب.
طالب: ولا تكون بدلًا؟
الشيخ: لا، ما يصلح.
الطالب: من (كل).
الشيخ: لا، ما هو (... ).
قال المؤلف: (ويُباح لبائن من حي).
(يباح) أيش؟ الإحداد، ولا يجب، وإنما قال المؤلف: (يُباح)؛ لأن بعض أهل العلم يقول: يجب على البائن أن تُحِد، والبائن: هي التي كان فراقها بواحد من ثلاثة أمور كما سبق، وهي: الفسْخ، والطلاق على عِوض، والطلاق المتمم للعَدد، كذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يقول بعض العلماء: يجب أن تحد، قياسًا على المتوفى عنها زوجها؛ لأن كل واحدة منهما عدتها بينونة، فما يثبت للمتوفى عنها يثبت للبائن.
وقال بعض أهل العلم: لا يجب عليها، وإنما يُباح لها فقط، وهذا هو المذهب.
قالوا: والقياس مُقابل للنص؛ لأن الحديث صريح: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ» (3)، يعني: على زوج ميت، ما هو على زوج مطلقًا، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ ميت؛ لأن المستثنى من جنس المستثنى منه، وهذا القول -أنه لا يجب عليها- هو الصحيح، ولكن هل يجوز لها أو لا يجوز؟ هذا محل التوقف، هل يجوز لها أن تحد أو لا يجوز؟ قد نقول بعدم الجواز؛ لأن الإحداد ما يجوز إلا على زوج الميت، وهنا زوجها ليس بميت.
فإن قال قائل: قد تتكدر على زوجها الذي فارقها فراقًا بائنًا أكثر من تكدر الميت زوجها عليه.
فيُقال: هذا لا عبرة به، وأنا في نفسي شك من جواز إحدادها فرضًا عن كونه واجبًا، أما كونه واجبًا فإنه ضعيف بلا شك.
قال: (ولا يجب على رجعية)، الضمير، (ولا يجب على) يعود على الإحداد، (لا يجب على رجعية).
يبين لنا مَنْ هي الرجعية؟
طالب: التي طلقها زوجها طلقات (... ).
الشيخ: بس؟
الطالب: إي، أما لو كانت مطلقة ثلاثًا فليست رجعية.
الشيخ: ما يكفي هذا؛ لأنه يرد عليك من طُلقت قبل الدخول، ويرد عليك من طلقت على عِوض.
طالب: (... ).
الشيخ: طيب، قُل.
الطالب: من طلقت بعد الدخول بغير عوض ولا تستكمل.
الشيخ: طلقت، يكفي عن قولك: لا تستكمل، طلقت بعد الدخول بلا عوض، ويش بعده؟
الطالب: ولم تستكمل طلقتين.
الشيخ: ولم تستكمل العدد؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: نعم، أربعة شروط؟
طالب: إي، معتدة.
طالب آخر: (... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: (... ) عليه مثلًا، نقول: طلقت مرة أو مرتين.
الشيخ: لا، قبل العدد بس، نقول: قبل العدد، ولم تستكمل العدد أحسن، أعم.
هذه الرجعية، يعني التي لزوجها أن يُراجعها، وهي التي طُلِّقَتْ بعد الدخول على غير عِوض دون ما يملك من العدد، يعني قبل استكمال العدد، هذه رجعية، هل يجب عليها أن تحد أو لا يجب؟
يقول المؤلف: إنه (لا يجب) على رجعية، إذن يباح؟ نعم، على كلامه يُباح، لكن لماذا قال: (لا يجب)؟ دفْعًا لقول من يقول: إنه يجب أن تعتد الرجعية، ويش الدليل؟ قال: لأن الله يقول: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]، وهذا هو الإحداد، فهل الاستدلال بهذه الآية صحيح؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، نقول: هذه الآية لا شك فيها، الدليل لا شك أنه موجود، الآية موجودة، لكن استدلالك بها ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى نهى أن نُخرجها، ونهى أن تَخْرج، وليس المعنى أن تلزم الإحداد، ولا تتطيب، ولا تتجمل، ولا تتشرف لزوجها أبدًا.
ثم إن قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: 1]، ليس المراد به أننا نلزمها البيت، ما تطلع ولا لزيارة أهلها، ولكن المعنى: لا تخرجوهن من السكنى؛ هذا المعنى، أما خروجها المعتاد الذي كان لها قبل أن تطلق فهو مباح لها على القول الراجح، وإن كان المذهب يرون أنها تلزم البيت كما تلزمه المتوفى عنها زوجها.
المذهب يقولون: الرجعية، حطوا بالكم، هذه تبلغون بها الناس؛ لأن الناس ما يرون هذا أبدًا، يجب على الرجعية تبقى في البيت، وجوبًا، حتى تنتهي العدة، ولا تخرج ولا لزيارة أهلها ولا شيء.
طالب: الناس بالعكس.
الشيخ: الناس بالعكس الآن مع الأسف، والله عز وجل حذر: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]، ثم قال: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: 1].
الناس الآن -والعياذ بالله- من يوم يطلقها خلاص، تطلع من بيت زوجها، فهي آثمة وهو آثم إن مكنها؛ لأنه له أن يمنعها، أو نقول: إنه ليس له أن يمنعها، لا يملك منعها، لكنه لا يملك منعها، يعني منعها من البقاء، أما خروجها فهو إليها هي، ولهذا قال: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾ ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: 1]، فوجَّه للأزواج خطابًا ووجه للزوجات خطابًا، يعني لو أرادت المُقام ما تمنعها، ما تقول لها: تقعدين، ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ﴾، ولكن لو أرادت أن تخرج هي بنفسها فالله قد منعها، ولهذا قال: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
طالب: طيب وإن أخرجها وليها يا شيخ؟ لا أخرجها هو ولا خرجت؟
الشيخ: نعم، ما يجوز أن تخرج.
الطالب: وليها هو اللي يخرجها؟
الشيخ: إي ما يجوز، تقول: لا، تقول: ما أخرج، ما يجوز.
طالب: هل قوله: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ يدل على جواز (... )؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن الله نهاه أن يخرجها فقط.
الطالب: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ قد يكون (... )؟
الشيخ: كيف؟ هذا الإثم عليها هي.
الطالب: لكن ما يكون للزوج حق عليها؛ لأنه زوجها؟
الشيخ: لا، له إذا كان يخاف عليها فله أن يمنعها من هذه الناحية، ولهذا حتى المبانة إذا كان يخشى عليها فله أن يلزمها المسكن.
يقول: (ولا يجب على رجعية، ولا على موطوءة بشبُهة).
طالب: (... ).
الشيخ: إي، صحيح أن الرجعية ما يجب عليها.
الطالب: أليست داخلة في (... )؟
الشيخ: إي، بس ما يجب عليها الإحداد، ما هو بالمعنى إذا مات عنها، ليس المعنى -انتبهوا، ويمكن هذه مسألة بعد قد يفهمها- ليس معنى قول المؤلف: (ولا يجب على رجعية) أنه لو مات عنها وهي في عدتها، الرجعية أنها ما يجب عليها الإحداد، المعنى لو طلقها طلاقًا رجعيًّا فإنه لا يجب عليها الإحداد.
طالب: وهو حي.
الشيخ: وهو حي، أما لو مات عنها وهي مطلقة طلاقًا رجعيًّا، فقد سبق أنها تنتقل إلى عدة الوفاة، ويلزمها الإحداد.
طالب: (... ).
الشيخ: هو على كل حال هي قد تُوهم أن المعنى (... ) يعني لو مات عنها وهي رجعية ما يجب عليها الإحداد، وليس كذلك.
يقول: (ولا موطوءة بشبهة)، ويش معنى (موطوءة بشبهة)؟ يعني أن الإنسان إذا وطئ امرأة بشبهة تقدم أنه يجب عليها العدة، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إنها استبراء.
ترى أن اللي حكى الإجماع فيها في مسألة لحوق النسب.
طالب: إي نعم.
الشيخ: ما هي بالعدة، هذه لا يجب عليها أن تحد، حتى لو قلنا بأن عليها العدة، والمذهب أن عليها؟ الموطوءة بشبهة ويش عليها على المذهب؟ عليها عدة كمطلقة، لكن ما يجب عليها الإحداد.
ولا يجب أيضًا على موطوءة بـ (زنًا)، ولا يجب على موطوءة (في نكاح فاسد) مختلَف فيه.
والعدة تجب عليها بالنكاح الفاسد؟ نعم.
ولا يجب على موطوءة بـ (نكاح باطل أو ملك يمين)، والعلة؟ لأنها ليست زوجة متوفًّى عنها، فإذن، خلونا نرجع للقاعدة الأصلية: من الذي يجب عليها الإحداد؟ كل امرأة متوفى عنها زوجها في نكاح صحيح، هذه التي يجب عليها الإحداد، فإن اختل شرط منها لم يجب الإحداد (... )
الإحداد، هذا تعريف الإحداد شرعًا.
قلنا: الإحداد فيما سبق، الإحداد لغة: وضع الحد من الشيء، والحد هو المنع.
يعني فوضع المانع من الشيء يسمى إحدادًا، لكن هو في الاصطلاح هنا (الإحداد) يقول: (اجتنابُ ما يدعو إلى جماعِها ويُرغِّبُ في النظرِ إليها)؛ هذا تعريفه.
طالب: (... ) من قبل، هو اجتناب أشياء مخصوصة في وقت مخصوص.
الشيخ: نعم، ما يخالف، هذه تفسير لها، (اجْتِنَابُ مَا يَدْعُو إِلى جِمَاعِهَا وَيُرَغِّبُ فِي النَّظرِ إِلَيْهَا)، هذه هي الأشياء المخصوصة، قلنا فيما سبق: إن اجتناب أشياء مخصوصة في زمن مخصوص، ما هذه الأشياء؟ هي كل (ما يدعو إلى جماعها ويرغب في النظر إليها) مما تتزين به، وسيبينه المؤلف؛ هذا هو الإحداد.
اضبط الحد بتعريفه: كل ما يدعو إلى جماعها ويُرغِّب في النظر إليها.
وكلمة (كل ما)، (ما) هذه اسم موصول، والأسماء الموصولة من قبيل المبهم، يحتاج إلى بيان، البيان قال: (مِن) (ما يدعو إلى جماعها).
كلمة (مِن) هذه بيان لكلمة (يدعو) يعني: ما الذي يدعو إلى جماعها؟
قال المؤلف: (من الزينة)، ويش هي الزينة؟
الثياب، الزينة الثياب التي يُتزين بها، فإذا قيل: هذا الثوب ثوب بِذلة؛ يعني ثوب عادي لم يجب اجتنابه، سواء كان فيه تشجير أو تلوين أو ما كان فيه، وإذا قيل: هذا ثوب زينة، يعني أن المرأة تُعتبر الآن متزينة، فهذا يجب اجتنابه؛ هذه هي القاعدة.
إذن كل ثياب تتزين بها المرأة عادة فإنه يجب عليها اجتنابها، سواء كانت الثياب شاملة لجميع الجسم، أو مختصة ببعضه، مثال المختصة ببعضه؛ كالسراويل مثلًا، وكالصداري اللي على الصدر فقط، والشامل للبعض مثل الدرع والملحفة والعباءات وما أشبهها، فكل ما يُعدُّ تجملًا من الثياب فإنه يجب اجتنابه؛ هذه واحدة.
الثاني: (الطِّيب)، الطيب بجميع أنواعه، سواء كان دهنًا أو بخورًا، فإنه يجب عليها أن تتجنبه، كل طيب يلصق بها مما تدهن به أو تتبخر به، فأما شم الطيب فلا يضر؛ لأن هذا ما يلصق ببدنها ولا يتعلق بها، فلو أرادت أن تشتري طيبًا وشمته فلا حرج عليها، لكن تبغي تتطيب في بدنها بما يلصق به، ويظهر منه الرائحة؛ هذا لا يجوز.
طيب، الرَّيحان طِيب؟
طالب: نعم.
الشيخ: والورد طِيب، والعود طِيب، الصابون؟ بعضه طِيب وبعضه غير طِيب، فالمطَيَّب منه ما تستعمله، وغير المطيَّب تستعمله.
طيب، هذا الطِّيب، لكن يستثنى من ذلك، استثنى الشارع إذا طهرت من الحيض فإنه لا بأس أن تتبخر، تتبع أثر الحيض بشيء من القُسط أو الكُست، أو الأظفار، وهما نوعان من الطيب يُتبَخَّر بهما، وهن دون العود المعروف؛ يعني أقل رائحة لأجل طرد ما يحصل من نتنٍ بعد أثر الحيض؛ هذا استثناه الشرع.
طالب: شيخ، إذا حصل بخور في غرفة (... ) يعني تُؤمر بالخروج؟
الشيخ: إن كان يخشى أن يلصق بها تؤمر بالخروج.
الثالثة: (التحسين)، ويش هو التحسين هذا؟
طالب: التجميل.
الشيخ: نعم، التجميل، التحسين يعني التجميل بالحناء، أو بالورد، أو بالحمرة، أو بالكحل، أو بغير ذلك.
كل ما فيه التحسين لبدنها فإنها ممنوعة منه.
طيب، حتى لو كان التحسين في أظافرها، مثل ها المنكرات اللي يسمونها المنكرات؟
طالب: نعم، يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، حتى هذا ما تتجمل به، كل ما يعد تحسينًا فإنها لا تستعمله.
شوف هذه ثلاثة أشياء.
يقول: (والحناء)؛ هذا تابع للتحسين.
(وما صُبغ للزينة) تابع للزينة، يعني ما صُبغ للزينة من الثياب، واحتَرز المؤلف بقوله: (ما صبغ للزينة) بما صبغ لتوقي الوسخ، يعني ما هو للزينة، لكن لأجل أن يتوقى الوسخ، مثل الكحلي، والأحمر، والأصفر، وما أشبهها، هذا لا بأس به، ولهذا قيده المؤلف بـ (ما صُبغ للزينة).
الرابع: الحلي، قال المؤلف: (وحلي).
طيب، (حلي) ويش اللي معطوف عليه؟
طالب: على (الزينة).
الشيخ: على قوله: (من الزينة)، نعم، يعني: ومن الحلي، الحلي سواء كان في الأذنين، أو في الرأس، أو في الرقبة، أو في اليد، أو في الرِّجل، أو على الصدر، كل أنواع الحلي ما يجوز أن تلبسه.
أو كان في الأسنان، فإنه لا يجوز أن تلبسه، فلو أرادت أن تتجمل بوضع سِنٍّ من الذهب وهي محادة، قلنا: هذا لا يجوز، ممنوع.
طيب، إذا كان الحلي عليها حين موت الزوج، هل تزيله؟ أو نقول: إن الاستدامة أقوى من الابتداء؟
طالب: تخلعه.
طالب آخر: يمكن.
الشيخ: نعم، تخلعه، يعني السوار، الخُرص.
طالب: والسن؟
الشيخ: السن إذا كان لا يمكن خلعه، والغالب أنه ما يمكن خلعه، فإنها لا تخلعه، لكن تحرص على ألَّا يبِين، أن يكون خفيًّا، يعني: هل نقول: ما تضحك؟
طالب: ما يمكن تغطيته.
الشيخ: اللي يمكن تغطيته، نعم، ما نقول: إنك لا تضحكين، لا، بس هو على كل حال فيه شيء موضوع للحاجة، وفيه شيء موضوع للتجمل؛ لأن بعض النساء يتجملن بأسنان الذهب، يضعن مثلًا في الرباعيات أسنانًا من الذهب تكون جمالًا لها، المهم.
طالب: بس يا شيخنا، وجهها لا يجوز أنه يظهر لغير المحارم، فما يظهر السن أو الوجه؟
الشيخ: حتى لو غير المحارم، وهذا أشر من المحرم، حتى عند النساء ما يجوز تتجمل بها الأشياء، ما هو علشان المحارم أو غير المحارم.
طيب، إذن الحلي بجميع أنواعها، ما رأيكم فيما لو كان الحلي من غير الذهب والفضة، كما لو كان من الزمرد، أو اللؤلؤ، أو الماس؟
طلبة: نفس الشيء.
الشيخ: نفس الشيء؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إي، طيب، قد يكون (... )، نعم.
الخامس قال: (وكُحل)، الكحل ممكن يُلحق في ماذا؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا.
طالب: في التحسين.
الشيخ: في التحسين، الكُحل الأسود لا يجوز أن تستعمله لا في الليل ولا في النهار.
وقال بعض أهل العلم: تستعمله ليلًا عند الحاجة، وتمسحه في النهار، والصحيح أنه لا يجوز مطلقًا؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام استؤذن في ذلك، فقالوا له: أفنكحلها؟ قال: «لَا»، وقيل له ذلك ثلاث مرات، ولكنه أبى عليه الصلاة والسلام (1)، فدل هذا على أنه لا يجوز مطلقًا، الكحل.
طيب، غير الكحل مثل القطرة والدواء أبيض وما أشبهه؟ هذا ما فيه زينة، ولهذا قال المؤلف: (لا توتيا ونحوها)، يعني..
طالب: (... ).
الشيخ: (لا توتيا ونحوها)، التوتيا هذه، وتسمى عندنا باللغة العامية: (التوت) بدون ياء.
طالب: كيف هذا؟
الشيخ: معروف هذا، توت يخلط بدواء العين، كان الناس بالأول قبل أن تظهر القطرات هذه والطب الحديث كانوا يستعملونه.
طالب: مع (... ).
الشيخ: نعم، (... ) فإنه لا بأس به.
يقول المؤلف: (لا نقاب) يعني ما يحرم عليها النقاب؛ لأن النقاب ليس زينة، وإنما هو لباس عادي، كالقفازين.
ويرى بعض أهل العلم؛ ولذلك نص المؤلف على نفيه؛ لأن بعض أهل العلم رحمهم الله يقولون: إنها لا تنتقب، لماذا؟ قالوا: قياسًا على المحرمة، وهذا القياس قياس ليس بصحيح؛ لأنه ليس هناك علة جامعة بينهما؛ ولذلك يحرم على المحرمة ما لا يحرم على المحادة، ويحرم على المحادة ما لا يحرم على المحرمة، فالمرأة المحرمة لها أن تتحلى، ولها أن تكتحل، ولها أن تلبس ثيابًا جميلة، إذا لم يكن أَمام الرجال، وما أشبه ذلك، والمحادة ليس لها ذلك.
كما أن المحادة يجوز لها أن تقص أظفارها، وأن تتنظف، وأن تقص الشعر المأمور بإزالته، وما أشبه ذلك، والمحرمة لا تفعل ذلك، فالمهم أن هذا قياس مع الفارق العظيم، ولا يحرم عليها النقاب.
يقول: (وأبيضَ)، يعني ولا يجب عليها اجتناب الأبيض.
قال: (ولو كان حسنًا)، و (لو) هذه إشارة خلاف، فإن بعض أهل العلم يقول: إذا كان الأبيض حسنًا فإنه يجب اجتنابه، المذهب يقولون: إذا كان أبيض لا يجب اجتنابه، ولو كان حسنًا، فلو لبست إبريسم أبيض من أحسن ما يكون من أنواع الإبريسم، يكسر العين بجماله، يجوز؟ على المذهب يجوز، لماذا؟ قالوا: لأن بياضَه بأصل طبيعته، ما دُخِّل عليه شيء يزينه، فجماله بأصل الخلقة.
فنقول لهم: ليس التكحل في العينين كالكَحَلِ، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذا كان هذا حسنًا بطبيعته فهو أحسن من الذي حُسِّنَ بما أضيف إليه، ولهذاالصواب -بلا شك- أن الأبيض لا يجوز للمحادة لبسه إذا عُد في الزينة، وهو الموافق لقاعدة المذهب السابقة في قولهم: (من الزينة)، فالصواب أن الأبيض إذا كان من الزينة لا يجوز لها لبسه، أما إذا كان من غير الزينة فلا بأس.
طيب، هذه الأشياء المحرمة مثلًا الثياب الجميلة لو لبستها ولبست عليها ثيابًا غير جميلة، هل يحرم؛ لأنها لبست ما كان محظورًا؟ أو لا يحرم اعتبارًا بما يظهر منها؟
طالب: الأول.
طالب آخر: على المذهب الأول.
الشيخ: الظاهر أن الأول أحوط، نعم، صحيح أن هذه الأنواع من الألبسة ما حرمت لذاتها، حرمت لأنها زينة تدعو إلى جماعِها، والمرأة لو لبست شيئًا جميلًا تحت ثيابها، وخرجت للناس بثياب غير جميلة وسخة تلفت النظر؟ لا، لكن نقول: الذي ينبغي اجتنابها، حتى ولو كانت تحت الثياب غير الجميلة، وإلا لقائل أن يقول: إن هذه الثياب ما هي محرمة لذاتها، بدليل أنه قد يكون الثوب هذا في زمن من الأزمان ثوب زينة، وفي زمن آخر ثوب بِذلة، يعني مثلًا الناس إذا كانوا فقراء إذا كان مستواهم العام مستوى فقراء، ويش تكون ثيابهم الجميلة؟ تكون ثيابهم الجميلة ثيابَ المتوسطين في أناس أغنى منهم، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: وكذلك المتوسطون تكون ثيابهم الجميلة بالنسبة للأغنياء والأثرياء ليست ثياب جمال، فبناءً على ذلك ما دام أن هذا الثوب لا يحرم على المحادة لذاته، نقول: إنها إذا لبست فوقه ما يستره فإنه لا يحرم عليها.
ولكني أقول: إن الأحوط أن تُمنع من ذلك مطلقًا؛ لأنه ربما ينكشف الثوب الأعلى ويتبين الأسفل، وربما يأتي أحد يقتدي بها ولا يدري، فهذا هو الأولى.
فإن قلت مثلًا: ما هي الحكمة من هذا التضييق على المرأة في عدة الوفاة؟
قلنا: الحكمة في ذلك هو احترام حق الزوج وعدته، حتى لا يطمع أحد في نكاحها في هذه المدة، وليس ذلك بواجب في عدة الحياة؛ لأن زوجها حي، ولو أراد أحد أن يعتدي عليها في عدته ويخطبها مثلًا؟
طالب: لدافع عنها.
الشيخ: لدافع عنها؛ فهذه -والله أعلم- الحكمة في أنه يجب الإحداد في عدة الوفاة، ولا يجب في عدة الحياة؛ لأجل أن تكون في عدة الوفاة متقشفة، لا أحد ينظر إليها، ولا من رآها ما تعلقت بها نفسه بخلاف العدة في الحياة فإنها وإن كانت لها أن تتجمل، لكن لو أراد أحد أن يخطبها، أو يعتدي على حق زوجها منعه؛ لكونه حيًّا.
طالب: لو قيل: إنه إذا كان العلة تحريم (... ) وجود الاحتراز، يعني لو لبست ثيابًا، يعني ما ترى، فلو قال قائل: تكتحل (... )، فهل هذا يجوز؟
الشيخ: لا، نقول: ما يجوز؛ لأن الحديث -كما رأيت- عام.
الطالب: إذن قد تكون العلة غير (... )؟
الشيخ: إي، إحنا قلنا هذه، كل العدد، بعض العلماء يقول: إن العدد تعبدية ما نستطيع نجزم بعلل، ولهذا المتوفى عنها زوجها إذا كان ما دخل بها ما يظهر فيها شيء بين، فبعض العلماء يقول: تعبدية، لكن بعضهم يلتمس بعض هذه العلل التي قد تكون هي جزء علة وليست العلة كاملة.
طالب: شيخ، تحمي رأسها؟
الشيخ: إي نعم، اللي ما فيه تجميل من خارج لا بأس به، وكذلك في إزالة الأذى من الأوساخ والأظافر والشعور المأمور بإزالتها؛ هذا لا بأس به.
الطالب: الدهن هذا إذا (... ) لون؟
الشيخ: لا، إذا كان لون فقد يكون تحسينًا.
إذا كان هذا اللون يعد تحسينًا فهو ممنوع.
طيب، هذه أربعة أشياء حطوها على بالكم، فيه شيء خامس بالفصل الذي بعده، الأشياء الأربعة ما هي؟ الزينة، والتحسين، والطيب، والحلي، أربعة أشياء.
طالب: الخروج ما فيه فرق (... ).
طالب آخر: شيخ، أقول: النساء اعتدن أنهن يلبسن الثياب الأسود (... ) كل ما..
الشيخ: لا، هذا الحقيقة من جهلهن.
الطالب: هل لا يجوز؟
الشيخ: النساء الآن اعتدن أنهن يلبسن الأسود، القميص أسود والسروال أسود و (... ) السوداء، وألا يخرجن إلى حوش البيت، ولا يصعدن إلى السطح، ولا يشاهدن القمر ليلة البدر؛ لأنه رجل! وهلم جرًّا.
عندهم خرافات عجيبة، كل هذه ما لها أثر، وأيضًا ما تكلِّمُ أحدًا من الرجال، ولا يكلمهم بالتلفون، وإذا قُرع الباب ما يكلمن اللي عند الباب، وأشياء يثقلون على أنفسهم ما أنزل الله بها من سلطان.
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، بيجينا هذا.
طالب: يعني نقول: يشرع ذلك في (... )؟
الشيخ: لا، لا يُشرع.
الطالب: يعني يحرم لبس الأسود؟
الشيخ: إذا كان تعبدًا فهو من الأمر المنهي عنه، كل من تعبد بشدة على نفسه فهو منهي عنه.
الطالب: بل إن بعض النساء عندما يموت زوجها وتصبح عادتها لبس الأسود، يعني مات عنها وهي كبيرة خمسين أو أربعين تبقى على الأسود إلى أن تموت، إلى أن تصبح عادتها اللبس الأسود يعني.
الشيخ: هذا خطأ، هذا غلط.
الطالب: لا يجوز يعني؟
الشيخ: إي نعم، كل من تعبد بما لا يشرع (... ).
الطالب: طيب النساء اللي هن يذهبن للتعزية أيضًا يلبسن الأسود، هل يجوز لهن؟
الشيخ: ما هو بصحيح، غلط.
الطالب: يحرم عليهن يعني؟
الشيخ: والله بس التحريم (... ) يعني، الواحد ما يقدر يعبر بالتحريم بشيء ما في ذلك، لكن نقول: هذا من البدعة، التعبد لله بمثل هذا من البدعة، يُنهى عنه (... ).
الطالب: يعني نقول: إنها تلزم بالثياب العادية (... ).
الشيخ: قال: (فَصْلٌ: وَتَجِبُ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي الْمَنْزِلِ حَيْثُ وَجَبَتْ).
هذا أيضًا مما يتعلق بالمرأة المحادة.
(تجب عدة الوفاة في المنزل حيث وجبت)، (حيثُ) ظرف مكان متعلق بماذا؟ متعلق بمحذوف، حال من (المنزل).
(في المنزل حيثُ وجبت)، يعني في الذي نزلت فيه، أو في الذي هي نازلة فيه (حيث وجبت) العدة.
أو نقول: إنها بدل من قوله (المنزل)، يعني وتجب عدة الوفاة حيث وجبت العدة، وهذا أقرب.
المهم أنه إذا وَجبت عدة الوفاة وهي في منزل وجب عليها أن تعتد فيه، ما تخرج منه.
ومتى تجب عدة الوفاة؟ بموت الزوج، فإذا مات زوجها وهي ساكنة في بيت تكمل العدة في هذا البيت.
وقول المؤلف: (في المنزل حيث وجبت) إذا مات وهي في منزل أهلها، لكن ذهبت إليهم لزيارة، ما هو على أنه سكنى، تجب العدة عند أهلها؟ لا، ترجع إلى بيت زوجها.
كذلك أيضًا لو كان زوجها في المستشفى ومات وهي عنده في المستشفى، تعتد في المستشفى؟ لا؛ لأنه ليس منزلًا لها، إنما تعتد في المنزل الذي هو سكناها.
كذلك لو أنه مات وهي عند جيرانها مثلًا لزيارة لهم، فهي ترجع إلى بيت الزوج.
طالب: (... ) خوفًا من فجيعتها.
الشيخ: لا، غلط، ما يجوز، يجب أن (... )، يجب أن تبلغ.
(حيث وجبت)، ما تخرج من هذا المنزل، تبقى في هذا المنزل، إلا في بعض الأحوال كما سيأتي.
قال: (فإن تحولت خوفًا)، يعني معناه ما أمكنها أن تبقى في المنزل خوفًا على نفسها أو على مالها، على نفسها من أن يسطو عليها أحد لفعل الفاحشة مثلًا، على نفسها لكونها امرأة عندها شيء من الوحشة، وهذا يكون، قد تكون صغيرة مثلًا تتوحش، فلها أن تنتقل ولَّا لا؟ نعم، يقول المؤلف: (إن تحوَّلَتْ خوفًا انتقلتْ حيثُ شاءَتْ).
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، (... )، تنتقل حيث شاءت.
وقال بعض العلماء: تنتقل إلى أقرب مكان آمِن من بيتها، ولكن الصحيح المذهب في هذا: أنها تنتقل حيث شاءت.
لنفرض مثلًا أن لزوجها بيتين؛ بيت هي ساكنته، وبيت آخر سكنه زوجة أخرى، والزوجة الأولى تخاف على نفسها، فهل نقول: يجب أن تنتقل إلى البيت القريب هذا أو لها أن تنتقل عند أهلها ولو كانوا بعيدين؟ نقول: لها أن تنتقل إلى بيت أهلها ولو كانوا بعيدين؛ وذلك لأنه لما تعذر المكان الأصلي سقط الوجوب، الوجوب معلق بماذا؟ معلق بنفس البيت اللي مات وهي ساكنة فيه، الآن تعذر سكناه، سقط الوجوب؛ لأن الوجوب متعلق بعين البيت، فلما تعذر ولم يمكنها سكناه قلنا: (... ) ما شئت.
مثلما لو أن أحدًا قطعت يده من المرفق، فإذا أراد يتوضأ نقول: اغسل العضد بدلًا عن المرفق؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما نقول؛ لأن مكان الوجوب زال.
ومثل لو أن أحدًا أصلع ما له شعر اعتمر أو حج، والحج يجب فيه الحلق أو التقصير، وهذا ما له شعر، أصلع، نقول: يلَّا روح للحلاق احلق؟ ما نقول: احلق؛ لأنه ما له شعر، وليس أيضًا بل من العبث أن يُمِرَّ الموسى على رأسه كما قاله بعض العلماء، يقول بعض العلماء: ينبغي أنه يروح يمر الموسى على رأسه!
نقول: هذا عبث، هذا القول مثلما لو قلتم: إن الأخرس في الصلاة -الأخرس اللي ما يعرف يتكلم- خلوه يحرك شفتيه وهو لا ينطق! هذا عبث.
فالحاصل أن الصحيح المذهب في هذه المسألة.
طالب: شيخ، ما ينطبق عليه قاعدة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
الشيخ: إلا، لكن هذا ما له دخل في ها المكان، سقط المكان؛ لأن المقصود المكان بعينه، فتعذر سقط الوجوب.
كذلك إن تحولت (قهرًا)، كيف (قهرًا)؟
افرض أن امرأة ساكنة في بيت زوجها، وجاءها الشارع، قالوا: البيت بيهدم لمصلحة الشارع، قهر ولَّا لا؟ هذا قهر، تخرج وتسكن حيث شاءت.