ذكر الحافظ في الفتح: أن الجمهور ذهبوا إلى ذلك، وحجتهم: أن النكاح في الشرع إنما يطلق على المعقود عليها لا على مجرد الوطء والزنى لا صداق فيه ولا عدة ولا ميراث، وقالوا: إذا زنى بامرأة لم تحرم عليه أمُّها ولا ابنتُها.
وقال ابن عبد البر: أجمع أهل الفتوى من الأمصار على أنه لا يحرم على الزاني تزوُّج مَن زنى بها، فنكاح أمِّها وابنتِها أجْوَزُ.
قلت: وهذا إذا لم تكن من مائه فيجوز نكاحُها على قول الجمهور وابنِ عبد البر.
الشيخ: الظاهر مراد الفتح هذا، بنت المزنِيِّ بها من غير مائه هذا صحيح، وهو قول الجمهور، قول الجمهور: أنها تحل بنت المزني بها من غير مائه، ما هي بنت الزاني، الكلام مفهوم.
طالب: (... ).
الشيخ: في الأخير تبيَّن بعض الشيء، إنما قول الفتح مثل الجمهور يعني بذلك: بنت المزني بها غير المخلوقة من ماء الزاني، يعني مثلًا لو زنى رجل بامرأة يحل له ابنتُها؟
طلبة: (... ).
الشيخ: تحل، لكن على مذهب الحنابلة: لا ما تحل، بنت المزني بها حرام على الزاني ولو من غير مائه؛ لأنهم يقولون: إن الموطوءة في الزنى كالموطوءة في النكاح، فكما أن الربيبة -ربيبة الموطوءة- حرام فربيبة المزني بها؟
طالب: من باب أولى.
الشيخ: ما هو من باب أولى، لا، يكون حرامًا بس، إنما على كل حال هو ضعيف، مذهب الحنابلة في هذا ضعيف بل باطل في الحقيقة؛ لأنه كيف نجعل أثر السفاح كالنكاح، ثم إن الله يقول: ﴿رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: 23]، والمزني بها ليست من نسائكم، وعلى كل حال عدِّي العبارة هذه؛ لأن اللي يسمع في الأول يظن أن رأي الجمهور في نكاح بنت المزني بها من مائه.
طالب: (... ) البداية؟
الشيخ: إيه، في البداية، فالمراد المزني بها من غير مائه.
الباحث: وروى البيهقي (17) من طريق يونس بن يزيد عن الزهري: أنه سُئل عن الرجل يفجر بالمرأة أيتزوج ابنتها؟ فقال: قال بعض العلماء: لا يفسد اللهُ حلالًا بحرامٍ.
الشيخ: صحيح، هذه بنته من غير مائه، بنت المزني بها من غير مائه.
نعم.
الباحث: وذهب الشافعيُّ إلى الجواز كما في كتابه الأم فذكر كلامًا مثل هذا ثم قال: إنما ثبتت الحرمة بطاعة الله، فأما معصية الله بالزنى فلم يثبت بها حرمة، بل هُتِكت بها حرمة الزانية والزاني.
وقال في الإنصاف: قال الشيخ تقي الدين: الوطء الحرام لا يمكن تحريم المصاهرة.
والقول بالجواز إحدى الروايتين عن مالك نقلها عنه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى.
ونقل أبو الطيب القنوجي في تفسيره أن هذا -أي الجواز- قولُ أكثر أهل العلم، واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23]، وقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: 23].
الشيخ: ترى هذا انتقل البحث على رأسه (... )، إلى هذا انتقل البحث إلى المصاهرة، ما هو معنا.
الباحث: لا، هو ذكرها (... ) على أنه..
الشيخ: لا، بس المصاهرة ما هي مسألة بنت الزاني (... ).
الباحث: والموطوءة بالزنى لا يصدق عليها أنها من نسائهم، ولا من حلائل أبنائهم، واحتجوا بحديث عائشة الذي تقدم ذكْرُه.
هذا ما ذكره أبو الطيب في تفسيره ومال إليه.
واستدلوا بما رواه ابن ماجه..
الشيخ: (... ) كل هذه عن المصاهرة، ما هي (... )، البقية كله على هذا؟
الباحث: لا، انتهى، الآن يأتي..
واستدلوا بما رواه ابن ماجه عن ابن عمر موقوفًا بلفظ: «لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» (18). قلت: هذا لا يصح سندُه إلى ابن عمر.
وقال أبو محمد بن حزم: إن من زنى بامرأة لم يحرم عليه -إذا تاب- أن يتزوج أمها أو ابنتها، والنكاح الفاسد والزنى في هذا سواء.
هذا ما ذكرناه من أدلة الفريقين، والذي يترجح عندنا هو التحريم؛ وذلك من وجوه:
أولًا: أن ظاهر الآية على عمومها، ولا يمكن أن نحدد ما أطلقه الله.
ثانيًا: لو نظرنا إلى الرضاع لوجدناه..
الشيخ: طيب، بس للمنازع أن يقول: من يقول: إنها بنته؟
الباحث: اللغة تقول: إنها بنته.
الشيخ: نحن نتكلم عن الشرع، إن القاعدة عندنا أن القرآن نزل على المعنى اللغوي ما لم يكن هناك نقْلٌ (19)؛ يعني ما لم يكن هناك اصطلاح شرعي فيُحْمَل عليه، فعلى هذا نقول: مثلًا البنت ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] تكلمنا فيها الآن.
نقول: هل هذه بنتك؟ ويش الجواب؟ إن قال: نعم، قلنا: إذن ترث منك؛ لأن الله يقول: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، وأنت لا تقول بالإرث، ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: وإن قال: لا، قلنا: إذن ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24]، فهي حلال.
طالب: (... ).
الشيخ: هي المشكلة الآن: هل هي ابنتك ولَّا لا؟ حقيقة الأمر أنها ليست ببنتك شرعًا، شرعًا ليست بابنة لك؛ ولهذا جميع أحكام النسب لا تثبت لها، لكني أنا الذي يرجح عندي ما قاله الجمهور -خلافًا للشافعي- أنه إذا كان الرضاع مؤثرًا وهي أن تنمو بلبن امرأتك فتحرم عليك ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: فكيف بالتي خُلِقت من مائك؟ تكون أحرم وأولى بالتحريم، ففي الحقيقة هذا هو الذي يكسر أدلة الشافعي، وإلا أدلته قوية جدًّا في نظري والعلم عند الله.
لكنه واضح، نعم.
الباحث: ثانيًا: لو نظرنا إلى الرضاع لوجدناه يحرم المصاهرة..
الشيخ: لا، ما هي عندنا المصاهرة، اترك المصاهرة، الرضاع ما يحرم المصاهرة على الصحيح..
الباحث: من جهة المرتضع.
الشيخ: إي من جهة المرتضع، ما هي المصاهرة هذه.
طالب: قوله تعالى: (... ).
الشيخ: هذه في المصاهرة، ﴿حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: 23] هذه من جهة المصاهرة.
طالب: يا شيخ الآن المرتضع ما هو يحرم على أخواته؟
الشيخ: المرتضع يحرم عليك لأنه رضع من ماء امرأتك، المرتضع يعني: بنت رضعت من زوجتك تحرم عليك؛ لأنها رضعت من لبن امرأتك، لكن مسألة هل تحرم عليك بنتها من الرضاع؟ مسألة خلافية، وستُذكَر إن شاء الله فيما بعد.
نعم.
الباحث: لو نظرنا إلى الرضاع لوجدناه يحرم المصاهرة، وهو أقل نفوذًا من بنت الرجل من الزنى؛ لأنها من صلبه، فمن باب أولى تحريم الثاني قياسًا على الأول.
الشيخ: إيه، إذن ما تقول: المصاهرة، تقول مثلًا: ويؤيد ذلك ثبوتُ التحريم بالرضاع من لبن الزوجة، فثبوته بكونها خُلِقت من مائه من باب أولى.
هذا صحيح.
نعم.
الباحث: ثالثًا: أن بنت الرجل من الزنى هي من مائه، ولا يمكن أن ينكح ما كان سببًا في إيجاده وتكوينه.
الشيخ: أو أحسن: ما كان بضعة منه.
الباحث: رابعًا: أن الابن من الزنى قد يُنسَب إلى أبيه من الزنى، وهذا مساغ لغة وشرعًا..
الشيخ: ويش هي؟ !
الباحث: أن الابن من الزنى قد يُنسَب إلى أبيه من الزنى، وهذا مساغ لغة وشرعًا كما في قصة جريج.
الشيخ: يعني سائغ؟
الباحث: إي نعم.
الشيخ: كما في قصة جريج ردوا عليها؟
الباحث: (... ).
الشيخ: ما هو سائغ شرعًا، شرعًا ما ينسب إلى الزاني، الرسول قال: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (20).
طالب: جريج ما هو نسبه؟
الشيخ: هو قال: مَن أبوك؟
الطالب: قال: فلان.
الشيخ: من أبوك؟ يعني: من خُلِقت من مائه؟ هذا الصحيح.
نعم.
الباحث: خامسًا: أن أدلة القائلين بالتحريم من السنة أكثر وأقوى من القائلين بالجواز، أما تخلف بعض الأحكام -وهو العقد الصحيح- لا ينافي كونها بنته؛ لأنها مخلوقة من مائه كما حكاه أبو الفرج..
الشيخ: لا، هذه علقنا عليها، ما هو صحيح هذا، كل الأحكام متخلفة إلا التحريم.
هات المسألة الثانية..
طالب: أدلة التحريم (... ).
الشيخ: لا، كلها ضعيفة، خلاف الأصل.
الباحث: ولكن مع ما ذكرنا من صحة القول بالتحريم فإن هذا -أي نكاح الرجل ابنتَه- لم يُؤثر عن أحد من العرب لا في الجاهلية ولا في الإسلام، إلا ما روي عن حاجب بن زرارة أنه تزوج ابنته.
الشيخ: ابنته منين؟ !
الباحث: ابنته.
الشيخ: من الزنى ولَّا من النسب؟
الباحث: أطلقوها.
الشيخ: ابنته! ! لا، ما هو صحيح.
طالب: الأصل عند الإطلاق أنها من النسب.
الشيخ: إيه هي من النسب ما فيه شك.
طالب: (... ) تزوجها؟
الشيخ: يعني إذا تزوجها عادة لا تُحَكَّم، ما فيه أحد يحكم على هذه المسألة ابنته من الزنى (... ) النسب صحيح، هذا ما هو معروف عند العرب، وإن كان معروفًا عند المجوس، المجوس ينكحون ذوات المحارم يتزوج الرجل ابنته.
نعم.
الباحث: والظاهر أن ذلك قبل أن يسلم، ذكر ذلك النضر بن شميل المازني في كتاب (... ).
المسألة الثانية: هل يجوز لابن الرجل الذي زنى بها وهو من غيرها أن ينكح البنت؟ في هذا خلاف بين أهل العلم على قولين: الجواز، وعدمه.
أدلة القائلين بالجواز.
القائلين؟
الشيخ: إي صح القائلين.
الباحث: قلت في السابق يا شيخ: اذكر أدلة القائلين.
الشيخ: لا، أنت قلت: القائلون بالجواز، في السابق: (القائلون) ما فيها شك.
قلت: القائلين.
والصواب: القائلون.
طالب: كانت الثانية: (القائلين بالجواز) يمكن؟
الشيخ: إيه القائلون، الثانية: القائلون.
طالب: مضافة على (أدلة).
الشيخ: لا، إذا جاءت في كلام العرب ضمن الصحيح، لكن كلام الإنسان أكثر قوله اللحن، ما يمكن صح.
نعم.
الباحث: من القرآن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23]، إلى قوله: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23]، قال أبو حيان في تفسيره: الأخت المحرمة: كلُّ مَن جمعك وإياها صلبٌ أو بطنٌ، وهذه قد جمعك وإياها الصلبُ.
ثانيًا: من السنة لم يوردوا شيئًا من السنة؛ وذلك لأنهم اكتفوا بالمسألة الأولى، وهذه فرع عنها فالحكم واحد، فإذا حرم الأصل حرم الفرع.
ثالثًا: ما رُوي عن السلف في التحريم، قال ابن عابدين في شرحه: لا فرق في أصله أو فرعه أو أخته أن يكون من الزنى أو لا، قال في البحر: وتدخل في ذلك أخته من الزنى بصريح النص؛ لأنها أخته لغة، والخطاب إنما هو باللغة العربية ما لم يثبت نقْلٌ (19).
وذكر شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: التحريم قول أبي حنيفة وأحمد.
قلت: وكل من حرمها على الأب لا بد أن يحرمها على أبنائه؛ لأنه يجمعهم الصلب.
وقال في المغني: ويحرم على الرجل نكاحُ بنتِه من الزنى، وأختِه، وبنتِ ابنِه، وبنتِ بنتِه، وبنتِ أخيه وأختِه من الزنى، وهو قول عامة الفقهاء.
وتبعه على ذلك الشارح.
أدلة القائلين بالجواز: من القرآن لم يذكروا شيئًا من كتاب الله؛ لأنهم أحلوها لأبيه فمن الأَوْلى أن تحلَّ لفروعه وأصوله.
من السنة: الدليل من السنة عندهم هو عدم الدليل على التحريم، وتعليلاتهم معروفة كما تقدم في المسألة الأولى، والأصل في النساء: الحلُّ إلا ما حرمه الشارع.
مَن ذهب إلى الجواز: ذهب إلى الجواز الشافعيُّ، وهي إحدى الروايتين عن الإمام مالك، وذهب أبو الطيب في تفسيره إلى الجواز، وعلَّلُوا ذلك بأن وطء الحرام لا ينشر المصاهرة كما حكاه الشيخ تقي الدين، وكل من أباحها لأبيه ممن ذكرنا آنفًا فلا بد أن يبيحها للابن؛ لأنه فرع عن أبيه لا ينفك عنه في مثل هذا.
والذي يترجح من أدلة الفريقين: هو الأول وهو التحريم؛ لأنه متمسك بظاهر ما أطلقه الله.
الشيخ: على كل حال البحث جيد، ولكن بس فيه تداخُلًا في مسألة الصهر، ما تدْخُل معنا، الصهر شيء والنسب شيء آخر.
البحث الثاني
الباحث: الحمد لله رب العالمين وبعد: هل يجوز للرجل أن يتزوج بنته من الزنى؟
قال القرطبي رحمه الله في الجزء الثالث عشر عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: 54]، قال: قال ابن العربي: النسب عبارة عن خلط الماء بين الذكر والأنثى على وجه الشرع، فإن كان بمعصية كان خلقًا مطلقًا ولم يكن نسبًا محققًا؛ ولذلك لم يدخل تحت قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] بنتُه من الزنى؛ لأنها ليست ببنت له في أصح القولين لعلمائنا وأصح القولين في الدين، وإذا لم يكن نسبٌ شرعًا فلا صهرَ شرعًا، فلا يُحَرِّم الزنى بنتَ أُمٍّ ولا أُمَّ بنتٍ، وما يُحَرَّم من الحلال لا يُحَرَّم من الحرام؛ لأن الله امتنَّ بالنسب والصهر على عباده، ورفع قدرهما، وعلَّق الأحكامَ في الحلِّ والحرمة عليهما، فلا يلحق الباطل بهما ولا يساويهما.
انتهى كلام ابن العربي.
ثم قال القرطبي..
طالب: (... ).
الشيخ: سبحان الله! كان في الأول جعل مسألة الزاني من مائه، ثم عرَّج إلى مسألة الصهر.
طالب: (... ).
الشيخ: (... )، إنما نقْلُ المسألة هذه إلى الصهر غلط.
أنت ما اختزلت منه شيئًا من كلامه؟
طالب: لا.
الشيخ: نقْلٌ مُلَفَّظ.
الطالب: إي.
الباحث: ثم قال القرطبي: اختلف الفقهاء في نكاح الرجل ابنتَه من الزنى أو أختَه أو بنتَ ابنِه من الزنى، فحرم ذلك قوم: منهم ابن القاسم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
وأجاز ذلك آخرون: منهم عبد الملك بن الماجشون، وهو قول الشافعي.
وقال أيضًا عند تفسير قوله..
الشيخ: انتبهوا إلى (... ) المذاهب ما ينقلون (... ) حتى (... ) على أنه يحرر الأقوال ويعتني بها ويعللها ويدلل عليها، ما ذكر في الكلام مثلًا الإمام أحمد، والسبب في ذلك: أن أصحاب الإمام أحمد كانوا قلة جدًّا في الأمصار، حتى إنه ما دخل في الأزهر إلا منذ سنوات قريبة، وكان في الأول ما هو معروف؛ ولذلك لا تستغربوا أنه ما (... ) مع أنه لا شك أنه لما يتأمل الإنسان المذاهب يجد أن كل جملة -ما هو في كل مسألة- أن مذهب الإمام أحمد أقرب إلى السنة من غيره، هنا ذكر مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي.
نعم.
الباحث: وقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] في المسألة الرابعة عشر: والصحيح من قول مالك وأهل الحجاز أن الزنى لا حكم له؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23]، وليست التي زنى بها من نسائه، ولا ابنتها من ربائبه، وهو قول الشافعي وأبي ثور؛ لأنه لما ارتفع الصداقُ في الزنى ووجوبُ العدةِ والميراثُ ولحوقُ الولدِ ووجوبُ الحدِّ؛ ارتفع أنْ يُحكمَ له بحكم النكاح الجائز.
ثم قال في نهاية بحثه -بعد أن ذكر حديثَ جريج وقولَه للصبي: «مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي» (3) - قال: فهذا يدل على أن الزنى يُحَرِّم كما يُحَرِّم الوطءُ الحلالُ، فلا تحل أمُّ المزنِيِّ بها ولا بناتُها لآباء الزاني ولا لأولاده، وهي رواية ابن القاسم في المدونة، ويُستدل به أيضًا على أن المخلوقة من ماء الزنى لا تحل للزاني بأمها، وهو المشهور.
قلت: في كلامه ما يدل على أن بحثه الأخير في بنت المزني بها لأم لا من مائه بخلاف بحثه الأول في سورة الفرقان..
الشيخ: نسميه تداخُلًا.
الباحث: حيث صرح بذلك، وأما وجه الاستدلال من الحديث فكما قال، وقد ذكر دليلًا للمُجَوِّزين وهو ما روته عائشة: أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم سُئل عن رجلٍ زنى بامرأةٍ، فأراد أن يتزوجَها أو ابنتَها، فقال: «لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ، إِنَّمَا يُحَرِّمُ مَا كَانَ بِنِكَاحٍ».
رواه الدارقطني (21).
وهذا الحديث قال عنه ابن حجر في الفتح: أخرجه الدارقطني والطبراني، وفي إسناده عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي وهو متروك، وقد أخرج ابن ماجه طرفًا منه من حديث ابن عمر: لا يحرم الحرام الحلال (22). وإسناده أصلح من الأول.
قلت: قال ابن حزم: ولا يحرم وطءٌ حرامٌ نكاحًا حلالًا إلا في موضع واحد: وهو أن يزني الرجل بامرأة فلا يحل نكاحُها لأحد ممن تناسل منه أبدًا، وأما لو زنى الابن..
طالب: خرج عن الموضوع يا شيخ.
الشيخ: لا، هذا هو الموضوع، أكيد هو الموضوع، إذا زنى بامرأة يقول: لا يحل له ولا لفرعه كلُّ مَن تناسلَ منه.
الطالب: هذا صح؟
الشيخ: هو المقصود.
الطالب: لأن ما تناسل منه عمومًا.
الشيخ: (منه) صح، لأن اللي خُلقت من مائه أخت لأولاده.. نعم.
الباحث: قال ابن حزم: ولا يحرم وطءٌ حرامٌ نكاحًا حلالًا إلا في موضع واحد: وهو أن يزني الرجل بامرأة فلا يحل نكاحُها لأحد ممن تناسل منه أبدًا.
الشيخ: هذا في الصهر، ما له دخل.
الباحث: إيه، لا.
وأما لو زنى الابن بها لم يحرم بذلك نكاحُها على أبيه وجده، ومَن زنى بامرأة لم يحرم عليه إذا تاب أن يتزوج أمها أو ابنتها، والنكاحُ الفاسدُ والزنى في هذا كله سواءٌ؛ برهانُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22].
الشيخ: هذا في الصهر يا جماعة، حنا كلامنا على..
الباحث: إيه بس عقَّب عليها..
الشيخ: طيب هات المسألة.
الباحث: في إطلاقِه ثم حصْرِه ما يتضمن حتى ولو كانت البنت من مائه لا سيما مع قوله بعد ذلك: ولم يأت نص صريح بتحريم نكاح حلال من أجل وطء حرام، فالقول به لا يحل؛ لأنه شرع لم يأذن به الله عز وجل.
ثم قال -بعد أن ذكر شيئًا من أقوال المحرمين-: وخالفهم آخرون فلم يحرموا بوطء حرام نكاحًا حلالًا، رُوِّينا ذلك أيضًا عن ابن عباس.
ومن طريق حماد بن سلمة، أخبرنا يحيى بن يعمر قال: لا يحرم الحرام الحلال (23).
ومن طريق أبي عبيد، حدثنا يحيى بن سعيد -وهو القطان- حدثنا ابن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير قالا جميعًا: الحرام لا يحرم الحلال (24).
ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري: أنه سُئل عمَّن فجر بامرأة فقال: لا يحرم الحرام الحلال (25).
ومن طريق مجاهد وسعيد بن جبير قالا جميعًا: لا يحرم الحرام الحلال.
وهو أحد قولي مالك، وهو قول الليث بن سعد، والشافعي، وأبي سليمان، وأصحابهما، وأصحابنا.
ا. هـ.
وقال النووي في روضة الناظرين: فرع: زنى بامرأة فولدت بنتًا: يجوز للزاني نكاحُ البنتِ لكن يُكره.
وقيل: إن تيقن أنها من مائه -إن تُصُوِّرَ تيقنُه- حرمت عليه.
وقيل: تحرم مطلقًا.
والصحيحُ: الحلُّ مطلقًا.
ثم قال -بعد مسألة أخرى-: قلت: وسواء طاوعته على الزنى أو أكرهها، والله أعلم.
وقال محمد نجيب المطيعي في تكملة المجموع: فرع: فإن زنى بامرأة فأتته بابنة -يمكن أن تكون منه بأن تأتي بها لستة أشهر من وقت الزنى- فلا خلاف بين أهل العلم أنه لا يثبت نسبُها من الزاني، ولا يتوارثان، وأما نكاحه لها فقد قال الشافعي رضي الله عنه: أكره له أن يتزوجها، فإن تزوجها لم أفسخ.
واختلف أصحابنا في العلة التي لأجلها كُرِه للزاني أن يتزوج بها، فمنهم من قال: إنما كُرِه ذلك ليخرج من الخلاف، فإن من الناس مَن قال: لا يجوز له نكاحُها، وعلى هذا لو تحقق أنها من مائه بأن أخبره النبي صلى الله عليه وسلم..
الشيخ: (فإن من الناس)، تعبير عام ويش يقتضي؟
طالب: تقليلًا.
الشيخ: أن الناس كلهم مع أنهم الجمهور.
نعم.
الباحث: مَن قال: لا يجوز له نكاحها، وعلى هذا لو تحقق أنها من مائه بأن أخبره النبي صلى الله عليه وسلم في زمانه أنها من مائه لم يحرم عليه نكاحها؛ لأن علة الكراهة حصول الاختلاف لا غير.
ومنهم من قال: إنما كُرِه له ذلك لإمكان أن تكون من مائه؛ لأنه لم يتحقق ذلك، فلو تحقق أنها من مائه -بأن أخبره النبيُّ صلى الله عليه وسلم في زمانه أنها من مائه- لم يجز له تزوجُها..
الشيخ: أو في الرؤيا؛ لأن رؤيا النبي حق، هذا عن رأيي.
الباحث: لم يجز له تزوجُها، هذا مذهبنا، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز له تزوُّجُها.
واختلف أصحاب أبي حنيفة في علة تحريمها، فقال المتقدمون من أصحابه: إنما حرم نكاحُها لكونها ابنة مَن زنى بها، لا أنها ابنته من الزنى؛ لأن الزنى عنده يثبت به تحريمُ المصاهرة على ما مضى.
فعلى هذا: لا تحرم على آبائه وأبنائه.
وقال المتأخرون من أصحابه..
الشيخ: خذوا بالكم من هذه النقطة: هؤلاء يرون أن تحريم بنت الزانية عليه من أجل المصاهرة؛ أنها بنت مَن جامع بناءً على أن الزنى تجري به المصاهرةُ، وعلى هذا الرأي يجوز لولده أن يتزوجها؛ أن يتزوج بنت أبيه من الزنى على هذا الرأي، ويجوز لأبيه أن يتزوجها -بنت ابنه من الزنى- لأن الربيبة إنما تحرم على الزوج فقط دون أقاربه، وهذا رأي ثالث جاء جديدًا.
نعم.
الباحث: وقال المتأخرون من أصحابه: إنما حرم نكاحُها لكونها مخلوقةً من مائه، فعلى هذا تحرم على آبائه وأبنائه، وهذا أصح عندهم.
دليلنا أنها منفية عنه قطعًا بدليل أنه لا يثبت بينهما التوارثُ ولا حكمٌ من أحكام الولادة، فلم يحرم عليه نكاحُها كالأجنبية، وإن أكره رجل امرأة..
الشيخ: ما أقواه من دليل! هذا دليل قوي لكنه بس مثلما قلت: يعارَض بالرضاع، يقال: مسألة التحريم في النكاح غير مسألة الإرث والولاية وما أشبه ذلك.
إي نعم.
الباحث: وإن أكره رجل امرأة على الزنى فأتت منه بابنة فحكمُه حكمُ ما لو طاوعته على الزنى؛ لأنه زنًى في حقها.
ا. هـ.
وقال الشنقيطي في أضواء البيان -بعد أن ذكر كلام ابن العربي والقرطبي- قال مُقَيِّده -عفا الله عنه وغفر له-: الخلاف في هذه المسألة مشهور معروف، وأرجح القولين دليلًا فيما يظهر: أن الزنى لا يحرم به حلالٌ، فبنته من الزنى ليست بنتًا له شرعًا، وقد أجمع أهل العلم أنها لا تدخل في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11].
فالإجماعُ على أنها لا ترث ولا تدخل في آيات المواريث دليلٌ صريحٌ على أنها أجنبية منه وليست بنتًا شرعًا، ولكن الذي يظهر لنا أنه لا ينبغي أن يتزوجها بحال؛ وذلك لأمرين:
الأول: أن كونها مخلوقةً من مائه يجعلها شبيهة شبهًا صوريًّا بابنته شرعًا، وهذا الشبه القوي بينهما ينبغي أن يزَعَهُ عن تزويجها..
الشيخ: تزويجها!
الباحث: كل الكتب يعبرون هكذا: (تزويجها).
الشيخ: نفهم.
الباحث: نستغرب لها لكن أثبتناها.
الشيخ: لا، هو صحيح، تزويجها به يعني.
الباحث: إي نعم.
الشيخ: تزويجها به؛ لأنها هي ما هي بتزوج نفسها، تُزَوَّج، لأنه هو يقال: تزوج بها، وهي يقال: زُوِّجَتْ به، فهمتم؟ فتزويجها به صحيح، تزوُّجُه بها صحيح، يعني هو يعقد لنفسه، لكن هي ما تعقد لنفسها وإنما يُعْقَد لها، فيقال: تزويجها به.
عرفتم الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هذا التفسير.
طالب: صار معها زوجًا، صارا زوجين.
الشيخ: إي نعم، هما زوجان، لكن بس هي ما زوَّجَتْ نفسها.
الباحث: وهذا الشبه القوي بينهما ينبغي أن يزعه عن تزويجها.
الثاني: أنه..
الشيخ: عن تزويجها به قصد، أما إن قصد: يزعها عن تَزَوُّجِه هو، فالصواب: تَزَوُّجها.
نعم.
الباحث: الثاني: أنه لا ينبغي له أن يتلذذ بشيءٍ سببُ وجودِه معصيتُه لخالقه جلَّ وعلا، فالندمُ على فِعْل الذنب الذي هو ركنٌ من أركان التوبة لا يلائم التلذُّذَ بما نشأ عن نفس الذنب.
هذا ما تيسر جمعه (... ).
الشيخ: كأن الشنقيطي يوافق الشافعي.
الباحث: إي نعم، يقرأ قراءة.
الشيخ: بس قل: ينبغي ألا يتزوج بها.
طالب: مسألة الرضاع (... ) كيف (... ) امرأة (... ) ما المانع من تزوُّجِها؟
الشيخ: لا، مسألة الرضاع -هي عندي أنا- هي الركن الأساسي في تحريم بنت الزوجة.
الطالب: الرضاع على الشك.
الشيخ: لا مسألة الشك هذه..
الطالب: الرضاع مشكوك في هذه المرأة، فهل (... )؟
الشيخ: لو شُكَّ فيه ما فُسِخ النكاحُ المتيقن.
طالب: (... ) كيف (... )؟
الشيخ: قيل: إنها كانت امرأة (... )، أو المعنى: أنه ينبغي لك أن تتركها.
نعم.
الباحث: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد قال في المغني: يحرم على الرجل نكاحُ بنته من الزنى، وهو قول عامة الفقهاء، وقال مالك والشافعي -في المشهور من مذهبه-: يجوز ذلك.
ولنا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23]، وهذه بنته، فإنها أنثى مخلوقة من مائه، هذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة.
ويدلُّ على ذلك قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في امرأة هلال بن أمية: «انْظُرُوهُ -يَعْنِي وَلَدَهَا- فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ» (10) -يعني الزانيَ- لأنها مخلوقة من مائه، فأشبهَتِ المخلوقةَ من وطءٍ بشبهةٍ؛ ولأنها بضعة منه فلم تحلَّ له كبنته من النكاح، وتخلُّف بعض الأحكام لا ينفي كونها بنتًا كما لو تخلف الرق..
الشيخ: لرقٍّ، خلِّها (لِرِقٍّ).
الباحث: كما لو تخلف لرِقٍّ أو اختلافِ دين.
انتهى.
الشيخ: أشكل على بعض.
طالب: على بعض فيه قصور.
الشيخ: إيه فيه قصور، أيش اللي تخلَّف؟
طالب: كل الأحكام..
الشيخ: كل الأحكام إلا مسألة النكاح.
الباحث: اللي هو يعني هذا.
الشيخ: إيه، التعبير بتخلُّفِه على الأحكام يتبادر إلى الذهن أن المتخلف عشرون في المائة، مع أن كل الأحكام متخلفة، أحكام النسب كلها متخلفة إلا مسألة تحريم النكاح ولَّا حتى النظر ما ينظر لها ولا (... ) بخلاف الرضاع، الرضاع يثبت المحرمية ويثبت جواز النظر لكن هذا لا.
طالب: لأنه قال: فلم تحل له كبنته من النكاح.
يعني: لو تخلف في بعض الأحكام في بنته من النكاح..
الشيخ: لا، تخلف بعض الأحكام في بنته من الزنى، ما يمنع أن تكون بنتًا له، هذا قصدُه.
ثم قال: (كما لو تخلف لرق أو اختلاف دين)، يبغي يقيس عليها بنته الحقيقية بوطء حلال، يتخلف عنها مثلًا الإرثُ إذا كانت رقيقة، أو مخالفته في الدين.
الباحث: وقال في الفروع: وعمر رضي الله عنه ألحق أولاد الزنى في الجاهلية بآبائهم، يُروى ذلك من وجهين.
وقد قضى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالولد للفراش، وقال: «احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» (20).
واحتج جماعة بأنه فِعْلٌ يوجب تحريمًا كالرضاع إذا غصب لبنها وأرضع طفلًا نشر الحرمة، وكالوطء في دبر وحيض، وكالمتغذية بلبن ثار بوطئه..
الشيخ: ثاب.
الباحث: ثاب بوطئه؟
الشيخ: نعم، ثاب: يعني اجتمع.
الباحث: وكالمتغذية بلبن ثاب بوطئه وهو لبن الفحل، فالمخلوقة من مائه أولى..
الشيخ: صحيح هذا الحقيقة، هذا الدليل اللي ما يجد الإنسان فيه شكًّا في هذا الموضوع (... ). يعني هذا الدليل -سبحان الله العظيم- من أوضح ما يكون.
طالب: الدليل ويش هو؟
الشيخ: الدليل أنه إذا كان الشرع أثبت التحريم فيمن رضعَتْ من لبن امرأتك، كيف لا يثبت التحريمُ فيمن هي من مائك؟ ! هذا من باب أولى.
الباحث: وكما تحرم بنت ملاعَنة ومجوسية ومرتدة ومطلقة ثلاثًا مع عدم أحكام النكاح.
وعند شيخنا: (ينشر).
قلت: قال المحشِّد: في مخطوطة الأثر: (لا ينشر).
كلمة (ينشر) هذه..
الشيخ: (... ) ما هي في الإرضاع السليم، وإلا كانت في مسألة ثانية.
الباحث: ولا ينشر حرًّا.
الشيخ: إي بس الرضاع المحرِّم الصحيح أنه ينشر.
الباحث: يعني النسخة الأصل؟
الشيخ: ماذا عن رأي شيخ الإسلام في هذه المسألة؟ إنما الصحيح أنه ينشر، حتى لو أُكْرِهت المرأة على أن تُرضِع وأرضعته ثبت التحريم.
نعم.
الباحث: واعتبر في موضع التوبة حتى في اللواط وحرم بنته من زنى.
انتهى.
وقال في الاختيارات: وتحرم بنته من الزنى، قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب في الرجل يزني بامرأة فتلد منه ابنته فيتزوجها فاستعظم ذلك، وقال: يتزوج ابنته؟ ! عليه القتل، بمنزلة المرتد.
وحمل القاضي قوله: (يُقتل)، على أنه لم يقع له الخلاف، فاعتقد أن المسألة إجماع، أو على أن هذا فيمن عقد عليها غير متأول ولا مقلد، فيجب عليه الحد.
وقال أبو العباس: كلام أحمد يقتضي أنه أوجب عليه حد المرتد لاستحلال ذلك لا حد الزنى؛ وذلك أنه استدل بحديث البراء، وهذا يدل على أن استحلال هذا كفر عنده.
انتهى.
الشيخ: إيه لكن لا شك أنه ما لم يكن متأولًا أو مقلدًا؛ أما لو كان متأولًا أو مقلدًا ما يرتد، يعني لو قال: أنا مذهبي مذهب الشافعي مثلًا أو مذهب مالك، أو تأول النصوص في هذا الأمر ما يرتد.
طالب: حديث البراء مذكور هنا ولَّا (... ).
الشيخ: إي، حديث البراء فيه: أن الرسول بعثه ليقتل رجلًا نكح امرأة أبيه (26). فقالوا: إن هذا يُقتل كفرًا.
بعضهم قال: حدًّا، لكنه يُقتل في الحال ولو كان غير مُحْصَن.
طالب: وليس هناك (... )؟
الشيخ: ما بعد بعرف، الحديث مطلق.
الباحث: وسُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن بنت الزنى فأجاب: الحمد لله، مذهب الجمهور من العلماء: أنه لا يجوز التزوج بها، وهو الصواب المقطوع به حتى تنازع الجمهور: هل يُقتل مَن فعَل ذلك؟ فقد يقال: هذا إذا لم يكن متأولًا، وأما المتأول فلا يُقتل وإن كان مخطئًا، وقد يقال: هذا مطلقًا، كما قال الجمهور: إنه يُجلَد مَن شَرب النبيذ المختلف فيه متأولًا.
إلى أن قال: وأحمد لم يبلغه أن في المسألة خلافًا، فإن الخلاف فيها إنما ظهر في زمنه لم يظهر في زمن السلف؛ فلهذا لم يعرفه.
وأما حجة الجمهور فهو أن يقال: قولُ الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23]..
الشيخ: (... ) على إطلاق الإمام أحمد أنه ما بلغه هذا، أنتم فاهمون الموضوع هذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يقول: كون الإمام أحمد أطلق أنه يُقتل، أن الخلاف ما كان معروفًا في السلف، وكما عرفتم أول مَن قال به الشافعيُّ، والشافعي شيخ الإمام لكنه يمكن ما ظهر إلا أخيرًا، أو أنه يُنسب إلى مذهب الشافعي لا إلى شخصه.
إي نعم.
الباحث: وأما حجة الجمهور فهو أن يقال: قولُ الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] هو متناوَلٌ لكل مَن شمله هذا اللفظ سواء كان حقيقة أو مجازًا، وسواء ثبت في حقه التوارثُ وغيرُه من الأحكام أم لم يثبت إلا التحريمُ خاصةً.
وقال في موضع آخر: لا يحل ذلك عند جماهير العلماء، ولم يُحِلَّ ذلك أحدٌ من الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ ولهذا لم يعرف أحمد بن حنبل وغيرُه من العلماء -مع كثرة اطلاعهم- في ذلك نزاعًا عن السلف، فأفتى أحمد بن حنبل أنَّ فِعْل..
الشيخ: أنَّ مَن فَعَل.
الباحث: يمكن أنَّ مَن فعل ذلك قُتل.
طالب: إنْ فَعَل.
الشيخ: إنْ فَعَل، (إنْ)؟
الباحث: إي نعم.
فأفتى أحمد بن حنبل: إنْ فَعَل ذلك قُتل، فقيل له: إنه حكى فلانٌ في ذلك خلافًا عن مالك؟ فقال: يكذب فلانٌ.
وذكر أن ولد الزنى يُلحق بأبيه الزاني إذا استلحقه عند طائفة من العلماء، وأن عمر بن الخطاب ألاط -أي ألحق- أولاد الجاهلية بآبائهم، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم..
الشيخ: هذا الذي قبل فِعْل عمر الحقيقة أنه محل بحث (... ) ومحل نظر ومهمة جدًّا.
طالب: أين هي؟
الشيخ: وهي إلحاق ولد الزاني به إذا استلحقه، أما إذا كانت ذات فراش فهو للفراش، لكن إذا لم تكن ذات فراش واستلحقه الزاني هل يُلحق به أو لا؟ هذه مسألة مهمة، وإذا كان ممكن نضعها أيضًا بينكم للبحث؛ لأنها تقع من بعض الناس -والعياذ بالله- يزني بامرأة بكر وتحمل منه، وهذه تجري عند بعض الناس، فإذا رأوا أنها حملت قالوا: نبغي نزوجها هو خشيةَ العار، فزوَّجوها به، فإذا قلنا بجواز استلحاقِ الزاني ولدَه من الزنى فهذا العقد يكون صحيحًا، ويستلحق الولد، وإذا قلنا بعدمه صار العقد باطلًا ووجب الانتظار حتى تضع، ثم إن شاء تزوجها وهذا الولد ليس له..
طالب: نزوجها هي ولَّا الزاني؟ (... ).
الشيخ: لا، تتوب، إذا ظهرت التوبة زال عنها الوصف.
طالب: لو عقد عليها وهي حبلى؟
الشيخ: ما يجوز إلا إذا كان الولد للعاقد، العقد على الحبلى لا يجوز إلا إذا كان الولد للعاقد، إذا كان الولد للعاقد جاز، مثل لو وطئ امرأة بشبهة ما هو زنى، وطئها بشبهة ثم أراد أن يعقد عليها (... ) زوج، يجوز ما فيه مانع؛ لأن الماء له.
طالب: التوبة هنا قد تظهر وما تابت..
الشيخ: على كل حال التوبة هذه تظهر في مثل علامات الندم والبكاء والرجوع إلى الله وحسن العمل تظهر.
طالب: قد تخاف العار وتبكي -يا شيخ- من أجل أن يتزوجها الرجل مشكلة هذه.
الشيخ: على كل حال نقول: إذا تبين أنها تابت يجوز نكاحها، بس الكلام على أن هذه المسألة استلحاق الزاني؛ لأن الجمهور على خلاف الجواز، جمهور أهل العلم على أنه لا يجوز، وكلام ابن القيم في الهدي فيه تردد: هل يجوز ولَّا ما يجوز.. كَمِّل.
الباحث: والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (20). هذا إذا كان للمرأة زوج، وأما البغي التي لا زوج لها ففي استلحاق الزاني ولدَه منها نزاع..
الشيخ: مَن يقوله؟ الشيخ؟ كلام مين؟ كلام الشيخ؟
طالب: المازني ولَّا لا؟
الشيخ: لا، ما هو رحمة الله عليه، كلام الشيخ؟
الباحث: إي.
الشيخ: هذا جيد.
نعم.
الباحث: وذكر في مكان آخر -أي: شيخ الإسلام- قوله: فإذا كان لفظ الابن والبنت يتناول كل من ينتسب إلى الشخص حتى قد حرم الله بنته من الرضاعة، فبنته من الزنى تسمى بنته، فهذا أولى بالتحريم شرعًا، وأولى أن يُدخِلوها في آية التحريم، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه، ومالك وأصحابه، وجماهير أئمة المسلمين، ولكن النزاع المشهور بين الصحابة والتابعين ومَن بعدهم في الزنى: هل ينشر..
الشيخ: مرَّ علينا قبل قليل مذهب مالك.
طلبة: رواية.
الشيخ: يقول بالجواز، لكن (... ) رواية، قول في مذهب مالك.
نعم.
الباحث: ولكن النزاع المشهور بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم في الزنى: هل ينشر حرمة المصاهرة؟ فإذا أراد أن يتزوج بأمها وبنتها من غيره؟ فهذه فيها نزاع قديم بين السلف، وقد ذهب إلى كل قول كثيرٌ من أهل العلم، كالشافعي ومالك في إحدى الروايتين عنه: يبيحون ذلك.
وأبو حنيفة وأحمد ومالك في رواية أخرى: يحرمون ذلك.
فهذه إذا قلَّد الإنسانُ فيها أحد القولين جاز ذلك، والله أعلم.
وأجاب في موضع آخر بقوله: لا يجوز أن يتزوج بها عند جمهور أئمة المسلمين -إلى قوله-: وهو قول كثير من أصحاب الشافعي، وأنكر أن يكون الشافعيُّ نص على خلاف ذلك، وقالوا: إنما نص على بنته من الرضاع دون الزانية التي زنى بها والله أعلم.
انتهى.
الشيخ: (... ).
الباحث: يمكن (وأُنْكِر) أو (وأنكروا) أي: الذين هم أصحاب الشافعي..
الشيخ: أيش معنى هذا؟
الباحث: يعني: كثير من أصحاب الشافعي.
الشيخ: إي، خلِّها: إنما أنكر على بنته من الرضاع، ويش معنى هذا؟
الباحث: أنكروا أنه قال في بنت المزني.
الشيخ: وإن قال في بنته من الرضاع (... ).
الباحث: أي: ونص على بنته من الرضاع أن قوله في بنته من الرضاع.
الشيخ: بنته من الرضاع ما أحد يقول: إنها حلال!
طالب: لعلهم يريدون: وأنكر الْحِلَّ.
الشيخ: أنتم متأكدون صفحته؟
الباحث: إي نعم.
الشيخ: راجعوها وشوفوا العبارة، إذن نجيب الكتاب ونشوف إن شاء الله.
طالب: ما تبيَّن، قرأناها عدة مرات وعلَّقْنا عليها.
الشيخ: علقتم عليها، طيب نشوفه.
الباحث: قلت: قوله: (وأنكر) هكذا في مجموع الفتاوى، والظاهر أنها خطأ مطبعي والصواب (وأنكروا) أي أصحاب الشافعي، والله أعلم.
وفي صحيح البخاري (27) عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ»..
الشيخ: بس مسألة (وأنكروا) (وأنكر) هذه ما هي مشكلة، أنكر: يعني هؤلاء القوم، ما هي مشكلة (أنكر)، اللي مشكل هو في بنته من الرضاع، وقالوا: هذا في بنته من الرضاع!
طالب: يمكن المراد: أنكر أن يكون الشافعي نصَّ على حلِّ بنته من الزنى، وإنما نص على تحريم بنته من الرضاع.
الشيخ: لا، ما قال: تحريم، هذا مجرد العبارة؛ ولهذا تعرف العبارة فيها حذف ولَّا لا.
طالب: يا شيخ، قوله: لا يجوز أن يتزوجها؛ لأن الشافعي نص على أن هذه بنته من الرضاع لا يجوز أن يتزوجها.
الشيخ: هم الحين بينكرون أن الشافعي نص على حلها؛ على حل بنته من الزنى، هم قالوا: وإنما هذا في بنته من الرضاع.
نعم.
الباحث: وفي صحيح البخاري (28) عن أبي هريرة أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ»، وذكر منهم أنه «كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ»، وفيه: «فَأَقْبَلَ عَلَى الْغُلَامِ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: الرَّاعِي».
وذكر الحافظ في الفتح أنه جاء بلفظ: «أَنَا ابْنُ الرَّاعِي» (29)، انتهى.
فهذا الحديث دليل صريح على أن ولد الزنى ولدٌ للزاني، وأشار القرطبي في تفسيره إلى هذا الحديث ثم قال: فهذا يدل على أن الزنى يحرم كما يحرم الوطء الحلال، فلا تحل أمُّ المزني بها ولا بناتُها لآباء الزاني ولا لأولاده.
انتهى.
فخلاصة ما سبق: أن ولد الزنى كغيره لعموم الآية، ولحديث هلال بن أمية في الصحيحين، ولحديث جريج في الصحيح، ولأنه خُلق من ماء الزاني فلا فرق بين الحلال والحرام في هذا، ولأن عمر ألحق أولاد الجاهلية بآبائهم، وقوله عليه الصلاة والسلام: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (20) الحديث، والله أعلم.
الشيخ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» هذا (... ) ما يؤيده، «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: لا، هذا ما قلتوه أنتم في دليلكم هذا.
الطالب: (... ).
الشيخ: أقول: ما قلتوه في دليلكم هذا.
الطالب: لا، ذكرناه.
الشيخ: أقول: ما ذكرتم محل الشاهد يعني.
طالب: الخلاصة يعني؟
الشيخ: حنا الآن قلنا لكم: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، هذا دليل ليس لمن يقول بأن: ولد الزنى كولد الصلب..
طالب: (... ).
الشيخ: ليس دليلًا.
الطالب: إي نعم، لكن آخر الحديث..
الشيخ: آخر الحديث: «وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» (20) ما جبتوه؟
الطالب: إحنا قلنا الحديث.
الشيخ: لا، ما يصلح هذا، هذا باتفاق للمستدلين: أنك تحذف الشاهد وتجيب اللي ما هو شاهد! ! هذا عيب، الإنسان يجيب وقوله: «وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» (20) هذا وتركت الأول.
ثم إن «وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» ذكرنا فيما سبق: هل هو على سبيل الاحتياط ولَّا على سبيل عمالة الدليلين أو السببين؟ فيه خلاف وإن كان الراجح عندنا أنه على سبيل الاحتياط؛ لأن هذين السببين متناقضان عند العمل بهما جميعًا.
طالب: الدليل في حديث جريج أيضًا عليهم هم، قال: «مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: الرَّاعِي» (30)..
الشيخ: الراعي، صحيح، هذا معناه أنه يدل على أن البنت من الزنى حرام.
طالب: (... ) حديث «وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ».
الشيخ: ما يصح إلا على سبيل الاحتياط فقط، فأنتم إذن معناه إذا قلنا بهذا معناه أنَّا لِنَّا شويه، وجعلناه أنه من باب الاحتياط، لا، في الحقيقة أنه ما هو من باب الاحتياط، تحريم بنت الزنى من باب الأمر القطعي.
طالب: ويكون معينًا.
الشيخ: من باب الأمر القطعي يا أخي، ما ينبغي أنَّا نجيب الأدلة الاحتياطية لمسائل مقطوع بها، إذا جبت الأدلة الاحتياطية لمسائل مقطوع بها أضعفتها، المسألة عندي أنها من المقطوع به، والذي يجعل ذلك هو ما ذكرت في مسألة الرضاع، معقول أن الشارع يحرم بنتك من الرضاع التي رضعت من لبن من زوجتك كنت أنت السبب في تأثُّرِه أو بحصوله، ثم لا يحرم مَن خُلقت من مائك؟ ! هذا شيء..
طالب: إذن نشطب عن هذا الدليل: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ.. ».
الشيخ: إي، اشطبوا عليها ما تصح لا فرضًا ولا عكسًا ولا وضعًا ولا موضوعًا ولا شيء.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، الراجح اللي بيجينا إن شاء الله في مسألة الصهر، الراجح أن الزنى لا يؤثر إطلاقًا في مسألة المصاهرة (... ).
أربعة أنواع: محرمات بالنسب وبالرضاع وبالمصاهرة وبالملاعنة وبالاقتران خمسة أنواع، سبق لنا المحرمات بالنسب ومنها على القول الراجح ابنتُه من الزنى فإنها حرام عليه، وسبق لنا أن التحريم أيضًا ينتشر إلى فروع الزاني وأصوله، يعني أنها كابنته من النسب تمامًا، وسبق لنا النقاش في هذه المسألة وآراء العلماء في هذا، وأن الراجح هو هذا الأمر.
أما الثاني: فقال المؤلف: (ويحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب) (ويحرم بالرضاع) الباء هنا للسببية، أي: بسبب الرضاع، (ما يحرم بالنسب)، أي: بسبب النسب، والنسب هو القرابة.
وقد سبق لنا في باب الميراث أن أسباب الإرث ثلاثة، منها النسب، وقلنا: إن النسب هي القرابة، وهي الاتصال بين شخصين بولادة قريبة كانت أو بعيدة، إلا أنه -كما عرفتم فيما سبق- ما يحرم من النسب إلا الأصول، والفروع، وفروع الأصل الأدنى وإن نزلوا، وفروع الأصل الأعلى لصلبه فقط.
أما الرضاع فيقول المؤلف: (ويحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب)، وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (1)، لكن ما هو الرضاع الْمُحَرِّم؟ الرضاع الْمُحَرِّم يشترط له شروط:
الشرط الأول: (أن يكون لبن آدمية)؛ احترازًا من لبن الشاة، فلو ارتضع طفلان من شاة لم تكن أمًّا لهما من الرضاع ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: ولا يكونان أخوين.
واحترازًا أيضًا من لبن الرجل، قلنا: (لبن آدمية)، احترازًا من لبن الرجل (... ) لبن الرجل! ! هل يمكن؟ العلماء هكذا يقولون، فرضوا هذه المسألة وقالوا: يمكن أن يوجد لبن من رجل والله أعلم هل يكون هذا أم لا؟ المهم على كل حال لا بد أن يكون من آدمية، الدليل قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23]، أمهات، وهي أمهات ما تكون إلا لأمهات الآدميين.
وقد قيل: إن الفرق بين أمهات الآدميين وغيرهن أن غيرهن يقال: (الأُمَّات) ما يقال: (الأمهات)، يعني مثلًا عندك غنم فيها أطفال صغار، وفيها أمهات تقول: هذه هي (الأُمَّات)، ما تقول: (الأمهات)، الأمهات يقول بعض أهل اللغة: إنها خاصة في الآدمية، الآدميات هذا شرط.
الشرط الثاني: أن يكون خمس رضعات فأكثر، وهذا الشرط معترك بين أهل العلم، فمنهم من لم يشترطه إطلاقًا، واستدل بعموم قوله تعالى أو بإطلاق قوله تعالى: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23]، ما قال: خمسًا، ولا ثلاثًا، ولا أربعًا، إلى آخره، ما قال شيئًا، فيرى هؤلاء أنه يثبت الرضاعُ بمرة واحدة، واستدلوا بقول الرسول عليه الصلاة والسلام لزوجة أبي حذيفة: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» (31). ولم يقل: خمس رضعات.
واستدلوا أيضًا بما ثبت في الصحيحين (32) في قصة الرجل الذي جاءته امرأة فأخبرت بأنه أرضعته وزوجته، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بفراقها وقال: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ »، ولم يسأل الرسول عليه الصلاة والسلام أو يستفسر كم أرضعته، قالوا: فهذا دليل على أنه لا يشترط العدد.
وقال بعض أهل العلم: إن المحرِّم ثلاث رضعات فأكثر، فما دونهن فليس بمحرِّم، واستدلوا بمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ، وَلَا الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ» (33). قالوا: فمنطوق الحديث: أن الثنتين لا تُحَرِّمان.
ومفهومه: أن ما فوقهما مُحَرِّم.
وقال بعض أهل العلم: الْمُحَرِّم خمس رضعات، واستدلوا بما رواه مسلم من حديث عائشة قالت: كان فيما أُنزِل مِنَ القرآنِ عشْرُ رَضَعَاتٍ معلوماتٍ يُحَرِّمْنَ، فَنُسِخْنَ بِخمسٍ معلوماتٍ، فَتُوُفِّيَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم وهي فيما يُتْلَى مِنَ القرآنِ (34). أفهمتم؟
فالآن هذه الآراء الثلاثة هي التي في الحقيقة لها شبهة نظر، فيه آراء أخرى: سبع، وعشر، لكنها ما أعلم لها وجهًا، إنما هذه الآراء الثلاثة هي أصل الخلاف، فأما من قال: إنها واحدة، فعرفتم أدلتهم، ومن قال: إنها ثلاث، استدلوا بمفهوم، وين المفهوم؟
طالب: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ.. ».
الشيخ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ، وَلَا الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ».
هذا المنطوق.
المفهوم: ما فوقهما يُحَرِّم.
والذين قالوا: خمسًا، استدلوا بمنطوق: (خمسُ رضعاتٍ معلوماتٍ) مع الشك لا عبرة بهن، لا بد أن يكُنَّ معلوماتٍ، يُحَرِّمن.
فإذا رجعنا إلى القاعدة الأصولية وجدنا: أنه متى ثبت النص المقيِّدُ وجب حمْلُ المطلَق عليه، لكن النص المقيد أعلَّه بعض أهل العلم، ذكر له علَّة وقال: كيف تكون هذه الخمسُ من كتاب الله وهي لا توجد فيه؟ ! وكيف تقول: فتُوُفِّيَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم وهي فيما يُتْلَى من القرآنِ (35). والقرآن محفوظ؟ ! ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، ولو كان هذا الحديث ثابتًا لوجب أن تكون الآية باقية، ما دام الرسول صلى الله عليه وسلم توفي وهي فيما يتلى من القرآن أين تروح؟ ! ما يمكن تُضيَّع بعد ما توفي الرسول عليه الصلاة والسلام وهي فيما يتلى من القرآن.
قالوا: فهذا دليل على أن الحديث غير صحيح؛ لأنه مخالف لصريح القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
فإذا كان كذلك رجعنا إلى الحديث الثاني المقيِّد بمفهومه بأيش؟ بالثلاثة، المقيِّد بمفهومه بالثلاثة، فيكون مقيِّدًا للإطلاق في قوله: ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23]، وفي قوله: «أَرْضِعِيهِ» (31). وفي قولها: إني قد أرضعْتُكما (36).
يكون هذه نصوصًا مطلَقة، وأنا قلت: مطلقة ولم أقل: عامة، ما قلت: عامة؛ لأن صيغة الفعل ليست من صيغ العموم، من صيغ أيش؟ من صيغ الإطلاق، وليست من صيغ العموم.
صيغ العموم -كما تعرفون-: أسماء الشرط والموصول وما أشبه ذلك، هذا الفعل يقال فيه: إنه مطلق، ولا يقال: عام.
الحقيقة أن هذه العلَّة التي ذكرها مَن علَّ حديث عائشة علَّة قوية في بادئ الأمر، لكن أجاب عنها أهل العلم وقالوا: إن الحديث صحيح، وإذا كان الحديث صحيحًا فلا ينبغي أن نُعِلَّه لمجرد ظاهره، بل يجب أن نلتمس له تأويلًا صحيحًا.
وهذا حق، هذه الطريقة أو القاعدة حق: أنه متى صح الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فإنه لا يمكن أن نُبطله باحتمال يمكن إزالته؛ لأن المسألة خطيرة لأنك إذا أعللته ورددته معنى ذلك أنك أبطلت حكمًا حكم به مَن؟
طلبة: الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن قولها: وهي فيما يُتْلَى من القرآنِ (35)؛ أنه كان نسْخُها أخيرًا عند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان مَن لم يعلم بالنسخ يتلوها، ومَن علم بالنسخ ما كتبها في المصحف ولا تلاها، فحملوا قوله: (وهي فيما يتلى) أيش؟ على أن بعض الناس يتلوها؛ لأن قوله: (فتُوُفِّيَ رسولُ اللهِ وهي فيما يُتْلَى) الجملة (وهي فيما يُتلى) حال مقيِّدة لقوله: (تُوُفِّي)، يعني في حال وفاته هي فيما يُتلى.
فعلى هذا لا يكون الحديث معلولًا بذلك لإمكان الجواب، وكلما أمكن تصحيح كلام الرسول عليه الصلاة والسلام إذا صح السند إليه فإن الواجب هو ذاك.
إذا تبين هذا فيقال: ما نوع النسخ الواقع في هذا الحديث؟
قلنا: أما باعتبار جزئه الأول فهو من باب نسخ اللفظ والحكم، أيش هو الأول؟
طلبة: عشر رضعات.
الشيخ: عشر رضعات، هذه منسوخة لفظًا وحكمًا، وأما باعتبار جزئه الثاني فهو من باب المنسوخ لفظًا لا حكمًا، وهذا وارد في القرآن، في القرآن ما نُسخ لفظُه وبقي حكمُه، مثل آية الرجم.
إذن إذا كان هذا الحديث صحيحًا وزالت العلَّة فإنه يقضي على ما سبق من الإطلاق أو التقييد بالمفهوم في (ثلاث)، كيف ذلك؟ لأن المطلَق يُقيَّد ما فيه إشكال، والمفهوم لا يعارِض المنطوقَ، وذلك لدخوله في دلالته، والسبب أنه لا يعارضه لدخوله في دلالته: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ، وَلَا الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ» (33). هل يعارض (خَمْسُ رضعاتٍ معلوماتٍ يُحَرِّمن)؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن (خمس رضعات معلومات يحرمن) تقول أيضًا: (لا تحرم الإملاجة والإملاجتان ولا المصة ولا المصتان).
هذا مدلولها أيضًا، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ويكون ما زاد على الثلاث زيادة عِلْم يجب الأخذ به؛ ولهذا يقولون: إن المفهوم لا يعارض المنطوق.
السبب: لدخول المنطوق هذا في منطوق ذلك، فإن «لَا تُحَرِّمُ» يدل عليها قولُه: (خمسُ رضعاتٍ معلوماتٍ)، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: وما زاد على الثلاث الذي دلَّ مفهومُ حكمِ المقيد بالثلاث على أنه مُحَرِّم، نقول: ما زاد على ذلك قد وُجِد فيه النطق أو المنطوق بحديث (خَمْسُ رضعاتٍ).
فيكون زيادة عِلْم، والأخذ بالزيادة الصحيحة واجب، وهذا هو الذي استقر عليه مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ولكن بقي عندنا بحث آخر:
ما هي الرضعة؟ هذه هي أيضًا مشكل: هي المصَّة؟ هي إمساك الثدي؟ هي الوجبة أو ما أشبه ذلك؟ فيها خلاف أيضًا.
فمنهم من قال: إن الرضعة هي المصَّة، فإذا مصَّ الصبي الثدي ثم ابتلعه فهذه واحدة؛ لقوله: «الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ» (37). فعلَّق الحكم بالمصِّ، فإذا كان مصَّة أو مصَّتان عُلِّقَ الحكمُ بها.
بعضهم يقول: إن الرضعة إمساك الثدي، فما دام أن الثدي في فمه فهو رضعة، فإذا أطلقه فهو الرضعة الثانية، قالوا: لأنه قال: «الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمَلَاجَتَانِ» (33). والإملاجة: إدخال الثدي في فم الصبي، فما دام في فمه لو مصَّ مائة مرة فهي واحدة، ولو تكلكش له ويلتفت ويرجع فهي ثانية، ويمكن على هذا في مجلس واحد يرضع عشر رضعات أو أكثر.
ومنهم من قال: إن الرضعة معناها الفَعْلَة من الرضاع، فإن انفصلت كل واحدة عن الأخرى بفاصل طويل فتلك رضعة ثانية، أما ما دام في حجر المرأة فإنها رضعة واحدة، كما تقول: هذه أَكْلَة، هذا غداء، هذا عشاء وما أشبه ذلك، فالعشاء ليس كل لقمة ترفعها إلى فمك يكون عشاءً، العشاء مجموع اللقم هذه، وكذلك الغداء ما كل ثمرة تبلعها تكون غداء، إنما الغداء مجموع الأكل.
وعلى هذا فيكون مفهوم المراد بالرضعة معناه: الفَعْلَة من الرضاع التي تنفصل عن الأخرى.
وأما مجرد فصل الثدي فهذا لا يعتبر رضعة.
الحقيقة أن هذه الآراء أيضًا الثلاثة تكاد تكون متكافئة، فما الذي يرجحها؟ يرجح أحدها على الآخر؟ يرجح أحدها على الآخر -عندي-: أن الأصل عدم التأثير، حتى نتحقق وجود الشرط، فهذا الذي ارتضع مصَّة وأطلق ومصَّة وأطلق ومصَّة وأطلق، عندنا شك الآن: هل هذا مراد الرسول عليه الصلاة والسلام؟ أو هل هذا مراد الآية التي نُسخت أو لا؟ وما دام عندنا..
ويَحْرُمُ بالرَّضاعِ ما يَحْرُمُ بالنَّسَبِ، إلا أمَّ أختِه وأختَ ابنِه، ويَحْرُمُ بالعَقْدِ زوجةُ أبيه وكُلُّ جَدٍّ وزوجةُ ابنِه وإن نَزَلَ دونَ بناتِهنَّ وأُمَّهاتِهِنَّ، وتَحْرُمُ أمُّ زوجتِه وجَدَّاتُها بالعَقْدِ وبنتُها وبناتُ أولادِها بالدخولِ،
وهو اختيار شيخنا عبد الرحمن السعدي رحمه الله، والأول هو المذهب الذي يقولون: إن الرضعة هي الْتقام الثدي، فإذا أطلقه فهي رضعة (... )، هذا هو المشهور من المذهب، على كل حال إذا سلكنا الأصل، وهو أن الأصل أيش؟
طالب: عدم التأثير.
الشيخ: عدم التأثير، قلنا: ما يمكن أن نحكم بتأويل شيء إلا حيث علمنا أن الشروط موجودة فيه.
هذان شرطان.
الشرط الثالث: أن يكون الرضاع في زمنه -أو بعبارة أصرح- أن يكون الإرضاع في زمنه؛ أي: في زمن الرضاع، الحقيقة الباب هذا ما هو ببحث لهذا، لكن لا بد لنا أننا نستوعبه.
الشرط الثالث: أن يكون الإرضاع في زمن الرضاع.
فما هو زمن الرضاع؟
أيضًا موضع خلاف بين العلماء، ولذلك الحقيقة في مسألة الرضاع كل امرأة تشاركك في رضاع وتعقد عليها النكاح يسمى عند أهل العلم فاسدًا، يُسَمَّى فاسدًا؛ لأنه موضع خلاف، لكن إن اعتقدت صحته فهو صحيح عندك؛ يعني بعض الطلبة لو قيل له: مثِّل لنا بنكاح فاسد يمكن يعجز، لكن يجيء إلى باب الرضاع يلقى ما شاء الله (... ).
النكاح الباطل واضح؛ يعني فيه معتدات وغيرها كثير، لكن النكاح الفاسد قد يُعْوِز طالب العلم، ولكننا نقول: ادخل في باب الرضاع وتجد -ما شاء الله- هَيْلًا بلا كيلٍ، الفاسد الذي فيه خلاف بين العلماء، والباطل اللي أجمعوا على بطلانه، إي نعم.
أقول: في زمن الرضاع، فما زمن الرضاع؟ قيل: الحولان، وقيل: الفطام.
أما من قال بالحولين فاحتج بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]، قالوا: فقال الله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فجعل الله -سبحانه وتعالى- الحولين كليهما زمنًا للرضاع؛ فمتى رضع الطفل في هذا الوقت فالرضاع مؤثر، وإن رضع بعد الحولين فالرضاع غير مؤثر.
وقال بعض أهل العلم: المعتبر الفطام زمن الرضاع هو زمن الرضاع على اسمه، مادام يتغذى باللبن فهو على زمن الرضاع، فإذا صار يتغذى بالطعام فقد انتفى زمن الرضاع، واستدلوا بحديث: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» (1)، واستدلوا أيضًا بالمعنى؛ فالمعنى هو أن الحكمة من تأثير الرضاع هو أن الجسم ينمو عليه؛ ولذلك رضاع الكبير ما يؤثر؛ لأن الجسم لا ينمو عليه، فإذا كان كذلك فهو بعد الفطام لا يؤثر فيه، وأما قبل فيؤثر.
ويظهر الفرق بين القولين فيما لو فُطِمَ طفلٌ قبل السنتين، وصار يأكل الخبز والتمر والبسكوت (... )، هذا إذا أرضعناه؛ على القول بأن المعتبر الحولين مؤثر، وعلى القول بأن المعتبر الفطام لا يؤثر؛ لأنه كإرضاع الكبير.
والعكس بالعكس؛ لو أن طفلًا صار قليل النمو، وصار ما يأكل، وتم له سنتان وهو إلى الآن وهو يتغذى باللبن وأرضعناه؛ على القول بأن المعتبر الحولان لا يؤثر هذا الرضاع، وعلى القول بأن المعتبر الفطام يؤثر، وهذا في المعنى أقوى من معتبر الفطام.
وفي الحقيقة أن الإنسان يستبعد أن يكون الطفل الذي لا يُفطم قبل الحولين لا يؤثر فيه الرضاع، هذا بعيد، يعني حتى خارج عن الآية، أما الذي يفطم قبل الحولين ثم يرضع بعد الفطام فهذا محل نظر؛ هل يؤثر أو ما يؤثر؟ ولكن الخلاف -كما عرفتم- واضح فيه.
وقال ابن حزم وأتباعه أهل الظاهر، ابن حزم من أهل الظاهر ما هو بإمامهم، قال: إن رضاع الكبير يؤثر ولا عبرة بالحولين، والأحاديث الواردة فيه ضعيفة، والآية ما تدل على أنه لا يؤثر رضاع بعد ذلك، وآية النساء ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23] مطلقة، وعندنا أيضًا دليل من السنة: كان أبو حذيفة له مولى أعتقه، فكان يدخل على أهله، فشق عليهم ذلك، فشكوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال لامرأته: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» (2)، ولم يعلل النبي عليه الصلاة والسلام ما قال: لأنك في حاجة لذلك، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فعندنا إطلاق في القرآن ونص في السنة (... ).
ما جواب الذين يقولون: لا بد من العشر؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، هذا دليله، لكن ما جوابهم على الذين قالوا: إن مطلق الرضاع محرم؟ إحنا ذكرنا فيما سبق إذا وجد خلاف بين العلماء يحتاج المخالف إلى أمرين؛ وهما: إثبات قوله، والرد على مخالفه، فهم أثبتوا قولهم بحديث عائشة، يحتاجون الآن إلى الرد على مخالفيهم.
الجواب على الذي قال بأنه لا يشترط العدد مطلقًا.
طالب: أن الأدلة التي استدلوا بها مطلقة حديث عائشة مقيد..
الشيخ: ما تقول: كلها مطلقة (... ) اللي قالوا بعدم العدد.
الطالب: بعدم العدد مطلق على شيء مقيد، فيحمل المقيد على..
الشيخ: أو العكس.
الطالب: المطلق على المقيد.
الشيخ: يحمل المطلق على المقيد، زين، كما أنه بالنسبة للحديث: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ» (3) يجاب عنه بأنه لا دليل فيه أصلًا، وجهه أن قوله: (الرضاع) (أل) فيه للعهد الذهني؛ لأن الرضاع المعروف شرعًا وهو الذي تمت فيه الشروط.
طالب: (... )؟
الشيخ: إي نعم، طيب الذين قالوا بالثلاث؟
طالب: (... ).
الشيخ: يقول: ما تحرم المصة ولا المصتين ولا (... ).
الطالب: إي نعم، (... ).
الشيخ: لأنه منطوق وذاك مفهوم، فمن قال بالخمس فقد قال بأن الثلاث لا تحرم، ومن منع القول بالزيادة فقد ألغى أحاديث عائشة؛ الخمسة.
فيه شرط ثالث للرضاع؟
طالب: يشترط زمن للرضاع.
الشيخ: نعم، يشترط أن يكون في زمن للرضاع.
وما هو زمنه؟
الطالب: الحولان.
الشيخ: على رأي كثير من أهل العلم، أو؟
الطالب: الفطام.
الشيخ: أو الفطام على رأي بعض أهل العلم.
فإن كان في غير هذا الزمن؟
طالب: لا يؤثر.
الشيخ: فلا يؤثر، تمام.
هذا الشرط فيه خلاف؟
طلبة: ما ذكرناه.
الشيخ: ما ذكرناه!
طالب: أربعة أقوال صاروا.
الشيخ: لا، صار أولًا يشترط أن يكون مقدرًا بزمن، والزمن إما الحولان أو قبل الفطام، يعتبر هذا واحدًا، لكن بس اختلفوا في الزمن المقدر أو أنه غير مقيد بزمن مطلقًا، وأن المرأة لو ترضع واحدًا أكبر منها صارت أمًّا له.
والثالث: أنه إن احتيج إليه لم يتقيد بزمن، وإلا فلا.
الآن نحتاج أن نناقش هذه الأقوال الثلاث، فما هو دليل القائلين بأنه غير مقيد بزمن مطلقًا؟
طالب: حديث..
الشيخ: أولًا من القرآن؛ لأن القرآن بحث في هذا..، تكلم الله عز وجل في هذا الأمر.
الطالب: لأنه ما قيَّد، قال: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23].
الشيخ: طيب، ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، زين، أطلق.
الطالب: إي نعم.
الثاني من السنة قال: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» (2).
الشيخ: حديث سالم مولى أبي حذيفة، كان مولى لهم، كان بالأول عندهم عبد، وكان يتردد عليهم وألفوه وألفهم، فلما عتقوه صار مشقة عليه وعليهم الدخول، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لامرأته: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» وهو كبير.
طالب: لبن الذكر، فعلًا الطفل إذا بلغ الحلم (... ) لو داس على (... ).
الشيخ: صحيح؟
الطالب: مجربة، الطفل بمجرد ما يبلغ الحلم لو داس على الثدي (... ).
الشيخ: عجيب!
الطالب: يعني وإحنا صغار حصل معانا..
الشيخ: أخذت هذا من مين؟
الطالب: (... ) يبلغ الحلم الثدي بتاعه (... ).
الشيخ: (... ).
طالب: علم النفس نفس الكلام هذا على أساس أنه يحصل فيه أمراض.
الشيخ: إي، بس (... ) دائمًا يعني؟
طالب: الطفل -بقول لسيادتك- لما يبلغ الحلم تبص تلاقي الصدر بتاعه كبر وحجَّر ولو داس عليه ينزل لبن.
الشيخ: عجيب! إذن معناه كلام علماء صحيح؛ يعني: ما صار فرضًا، صار أمرًا واقعًا.
الطالب: دا عن تجارب، أنا نفسي وإحنا كنا صغيرين ينزل لبن..
الشيخ: سبحان الله! خلاص هذا عين اليقين وعلم اليقين، أحسنت، بارك الله فيك، هذا حقيقة جزاك الله خيرًا، هذه فائدة، هذه نطلبها من زمان، كنا نقرأ على شيخنا عبد الرحمن السعدي رحمه الله يقول: هذه من المسائل الفردية اللي ما يمكن تقع.
طالب: (... ).
الشيخ: اسأل به خبيرًا.
طالب: يعني هذه شهادة (... ) نفسي شخصيًا لما بلغنا (... ) لبن.
الشيخ: زين خلاص انتهينا، طيب الآن صار كلام العلماء رحمهم الله: يشترط أن يكون من آدمية صار مفهومه؛ يعني: هذا الاحتراز يخرج به لبن البهيمة ولبن الرجل، الحمد لله.
قلنا: يشترط أن يكون في زمن الرضاع، هذا هو المشهور عند أهل العلم، لكنهم اختلفوا في هذا الزمن؛ فمنهم من يرى أنه الحولان، ومنهم من يرى أنه الفطام، وشرحت هذا يا إخواني، شرحنا هذا، وعرفنا دليل كلٍّ منهما.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يُشترط له زمن، وممن ذهب إلى هذا أهل الظاهر وقالوا: إنه لا يُشترط له زمن، وأن الرضاع مؤثر مطلقًا، واستدلوا بالإطلاق والعموم؛ الإطلاق في القرآن، والعموم في السنة.
في القرآن: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23].
وفي السنة: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (3)، وحملوا (أل) على العموم وقالوا: كل رضاع فهو محرم.
واستدلوا أيضًا بنوع من النظر فقالوا: إن هذا اللبن وإن كان الذي ارتضعه كبيرًا فإنه فسوف يغذي البدن، صحيح أنه البدن ليس في ضرورة إليه، ولكن لا بد أن يتغذى به؛ لأن كل ما دخل إلى المعدة حصل به تغذية.
هذا قول.
القول الثاني: إنه للحاجة، ندعه بعد..
هذا القول هذه أدلته.
وأدلة القائلين بالزمن تقدم لنا أدلتهم، فما جوابهم عن هذا القول؟
ما جواب القائلين المحددين للرضاع بزمن عن هذا القول المطلق؟
الجواب أن نقول: أما إطلاق القرآن الكريم فإنه مقيد بالسنة، وسبق لنا الدليل: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ» (4) «وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» (1).
وكذلك ما ثبت في الصحيحين أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لأزواجه: «انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ؛ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» (5)، ومن فُطِمَ فإن مجاعته لا تسد بالرضاع تسد بالطعام؛ بالأكل والشرب.
وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ» (إنما) أداة حصر، و (الرضاعة) (أل) فيها للعهد الذهني؛ وهي الرضاعة المعتبرة شرعًا، هذه ما تكون إلا من المجاعة التي بها يزول جوع الطفل.
واستدلوا أيضًا بالنظر؛ بأن الجسم لا ينمو حقيقة إلا على هذا اللبن قبل الفطام، فكان هذا هو المعتبر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والتقييد بالحولين اختيار أصحاب المذهب، المشهور من المذهب أن المعتبر الحولان، فمتى رضع بعدهما ولو لم يُفطم فلا أثر للرضاع، ومتى رضع قبلهما ولو فُطم فالرضاع معتبر، أجابوا عن إطلاق القرآن.
أما عموم السنة في قوله: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ» (3) فنازعوا أن تكون (أل) هنا للعموم، وقالوا: إن (أل) هنا للعهد، والمراد «مِنَ الرَّضَاعِ» أي: الرضاع المحرِّم؛ وذلك لأن نصوص الشرع تحمل على أي شيء؟ على المعهود الشرعي، ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] البيع هنا، هي تحمل (أل) هنا على العموم ولَّا تحمل على العهد؟ على العهد، ما تعم كل بيع، البيوع المحرمة غير داخلة في هذه الآية؛ كبيع أهل الجاهلية المتضمنة للغرر، فإذن نقول: (أل) الواردة في قوله: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ» (3) المراد به العهد الذهني، فيعود الرضاع هنا إلى المعنى المعتبر شرعًا؛ وهو الرضاع المحرِّم.
ذكرنا أيضًا لهم دليل ثالث نسيته، استدلوا أيضًا بحديث سالم مولى أبي حذيفة فقالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» (2)، فهذا دليل على أن رضاع الكبير مؤثر.
وذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى التفصيل في ذلك؛ وقال: إن دعت الحاجة إلى المحرمية في رضاع الكبير فإنه يعتبر، وإلا فلا يعتبر، واستدل بقصة سالم مولى أبي حذيفة؛ فإنه رجل كبير بالغ، ولكن الرسول قال لها: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ»، وهذا لا شك أنه لحاجة.
فإذا قال: هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن يجب أن نعلم أن خصوص السبب ينقسم إلى قسمين:
قسم يكون خصوص السبب فيه مجرد الشخصية فقط؛ يعني أن هذا الشخص هو سبب الحكم، فهنا لا شك أنه لا عبرة بخصوصه، إذا كان السبب تخصيصًا بالشخصية فإنه لا شك أنه لا عبرة به، حطوا بالكم لهذه القاعدة.
فمثلًا أوس بن الصامت هو سبب نزول آيات الظهار، فهل نقول: إن حكم الظهار يختص به؟ لا، ما يختص به بالإجماع؛ لأنه سبب شخصي، وكما قلنا فيما سبق: إن الأحكام الشرعية لا يمكن أن تُعَلَّق بالأشخاص لمجرد أنه فلان بن فلان.
والثاني: أن يكون سبب الحكم سببًا معنويًّا فهذا يجب أن يُخصص العموم بما يشبه ذلك السبب، إذا كان السبب الذي من أجله جاء العموم سببًا معنويًّا فإنه يجب أن يُخصص به العموم.
مثال ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» (6) ما تقولون في هذا اللفظ؟ عام ولَّا لا؟
طلبة: عام.
الشيخ: الصيام عام، «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ»، لكن نعرف أن السبب هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى زحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه، وكأنه وصل إلى حال بالغة من المشقة، فقال: «مَا هَذَا؟ » تعجب من كون الناس يزدحمون على هذا الرجل وينظرون إليه، قالوا: صائم، فقال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»، ما المراد بهذا العموم؟ الصيام الذي يصل إلى مثل هذه الحال، أما صيام لا يؤثر فإنه لا يمكن أن نقول: ليس من البر وقد صام النبي عليه الصلاة والسلام في السفر، وصام أصحابه أيضًا معه، ومع ذلك ما قال: لا تصوموا فإنه ليس ببر.
طيب، إذا خصصنا الحديث: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» في مثل هذه الحال، هل قلنا بعموم اللفظ؟
طلبة: بعموم اللفظ.
الشيخ: إِلَّا قلنا بعموم اللفظ، لكن قلنا بعموم اللفظ مشروطًا بأن يكون الحكم في مثل حال الرجل هذا؛ ولذلك ما قلنا بخصوص السبب؛ وهو الرجل، ما قلنا هذا الحكم خاص بالرجل نفسه، ما قلنا، كل واحد يجيه من المشقة مثلما جاء هذا الرجل فإن الصيام في حقه ليس من البر.
إذن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ما هو على إطلاقه، يجب أن نقول: إن السبب نوعان: سبب شخصي، فهنا لا يختص الحكم به، وسبب معنوي فهذا يُخَصُّ العموم بما يشبه تلك الحال التي ورد من أجلها.
طيب، نأتي إلى قصة سالم مولى أبي حذيفة، شيخ الإسلام رحمه الله قال: إن النصوص الدالة على التقييد بالزمن مخصوصة في قصة سالم، وأنه إذا وجد رجل يحتاج إلى الدخول في هذا البيت فإنه لا حرج أن ربة البيت ترضعه، فيكون مَحْرَمًا لها، وقال: إن قصة سالم صريحة في هذا.
أما مسألة كيف يرضع؟ فهذا شيء آخر؛ إما أن نقول: أن يرضع من ثديها، وهنا الحاجة دعت لذلك، كما يجوز النظر للعورة وهي عند الحاجة، أو يقال: أنها -مثلًا- تحلب له ويرضع، هذه المسألة يقول شيخ الإسلام: إنها مخصصة للعمومات.
الجمهور لا يرون هذا الرأي، ويش يرون؟ أنه لا بد من التحديد بزمن، لا بد أن يحدد بزمن، فما جوابهم عن حديث سالم مولى أبي حذيفة؟
الحقيقة أن حديث سالم هو اللي مشكل، أما إطلاق ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23]، وإطلاق «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ» (3) وما أشبهه، فلا فيه إشكال؛ لأنه عرفنا المقيد، لكن قصة سالم مولى أبي حذيفة هي المشكل، فهل نقول بها أو لا؟
ذكرنا أن شيخ الإسلام يقول بها، الجمهور لا يقولون بها، يحتاجون الآن إلى الإجابة عنها، وإلا لألزموا بالقول بها.
يقولون: الجواب عنها؛ إما أن هذا خاص بسالم مولى أبي حذيفة؛ خاص به شخصيًّا، فلا يتعداه إلى غيره.
هذا جواب.
جواب آخر: أن هذا الحكم منسوخ.
دعوة الخصوصية تحتاج إلى دليل، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا ورد الحكم موجه إليه وهو الذي ثبتت له الخصوصيات يحتاج إلى دليل على التخصيص، فما بالك بغيره؟
ويقول الجمهور: نحن لا نسلم أن حكمًا من أحكام الشريعة العامة العادلة يختص بواحد لشخصه، هذه يجب أن نعرفها وكررناها مرات، الشريعة عامة ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: عادلة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب، ما يمكن تخصص هذا الشخص لأنه فلان بن فلان، أبدًا، إلا لمعنى إذا وجد في غيره ثبت الحكم لهذا الآخر، فيقولون: نحن لا نسلم التخصيصات الشخصية لأحد سوى الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم إن الرسول أيضًا ثبتت له الخصوصيات، لماذا؟ لأنه تميز بمعنى لا يشركه فيه غيره؛ ولهذا حتى خصوصيات الرسول صلى الله عليه وسلم لا شك أنها ثبتت لكونه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يوجد له نظير من الرسل، وهو مبعوث إلى عامة الأمم؛ الناس.
إذن نرجع إلى القول بأن سالم مولى أبي حذيفة الحكم خاص به فنقول: لإبطال هذا القول وجهان، ما هما؟ أقول لكم: الجمهور أجابوا عن حديث سالم نعيده من جديد:
الجمهور أجابوا عن حديث سالم بأنه؛ إما مخصوص أو منسوخ، نقول: كلا الإجابتين غير صحيح، دعوى أنه مخصوص مسلمة ولَّا لا؟ غير مسلمة؛ لأننا لا نسلم الخصوصيات الشخصية لغير الرسول عليه الصلاة والسلام.
سالم مولى أبي حذيفة ويش اللي يخليه يخصص بحكم شرعي من أحكام الشريعة العامة العادلة؟ ! فلا نسلم التخصيص.
هذه واحدة.
ثانيًا: لو سلمنا ذلك جدلًا فأين الدليل على التخصيص؟ إذن بطل هذا الوجه.
الوجه الثاني في الإجابة عن حديثه أنه منسوخ، وتعرفون أن شروط النسخ؛ يعني من أهم شروطه شرطان:
أولًا: تعذر الجمع بين الدليلين.
وثانيًا: العلم بتأخر الناسخ.
وهنا الجمع ممكن ولَّا غير ممكن؟
طلبة: ممكن.
الشيخ: نعم، على رأي الشيخ ممكن؛ بأن يحمل عليه سالم على الحاجة، وما عداه على غير الحاجة.
ثانيًا: العلم بتأخر الناسخ، من يقول: إن الحديث «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» (5) بعد حديث سالم مولى أبي حذيفة؟
طالب: ما قال أحد.
الشيخ: إن قال أحد وجاب دليلًا، فيمكن نقول، مع أنه يمكن الجمع فلا نسخ.
الحقيقة أن حديث سالم من أشكل الأحاديث، لكن أنا عندي -والله أعلم- أن حديث: أرأيت الحمو؟ قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (7)، عندي ممكن أن يُستدل به على النسخ أو ما يمكن؟
طلبة: نعم.
طالب: في ظاهره ممكن.
الشيخ: طيب، نشوف الآن، الرسول عليه الصلاة والسلام لما قال: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ» (8)، ونهى عن الخلو بالمرأة، قالوا: أرأيت الحمو، مين هو الحمو؟ قريب الزوج كأخيه وعمه وابن أخيه وما أشبه ذلك يدخل على امرأته، قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (7)، وهذا فيه حاجة للدخول ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فيه حاجة عامة، ما هي خاصة فيه مولى، ما أكثر الأزواج الذين لهم إخوة، ولهم أعمام، ولهم أبناء إخوة، وما أشبه ذلك.
فحينئذٍ نقول: إن الظاهر -والله أعلم- أن حديث سالم مولى أبي حذيفة منسوخ بهذا الحكم، وأنه لو كانت الحاجة مجيزة لرضاع الكبير لأرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذا، هذا -والله أعلم- أقرب شيء عندي.
ثم إننا نقول: ما دمنا في إمكان الاحتياط -وهو ألَّا ترضعه- فإنه أولى من عدم الإرضاع، والمسألة عندي ما نضجت النضوج الكبير، إنما يترجح عندي -والله أعلم، وهو أحوط- أن رضاع الكبير لا يؤثر مطلقًا؛ لا لحاجة، ولا لغير حاجة، ونقول: الأسلم والأولى والأتقى أن يبتعد، ومن تبين له أنه مؤثر عند الحاجة فسيحل مشكلات كثيرة عن الناس، ويش لونه؟ في الحمو، يكون أخو الزوج اللي ما في البيت إلا أخوه وزوجته وهو معهم ساكن، إذا أراد الخلاص من الخلوة ويش يعمل؟
طالب: ترضعه.
الشيخ: ترضعه زوجة أخيه ويكون ابنًا لها، وينتهي الإشكال.
طالب: الحمو هذا يمكن يموت الزوج ويأخذها أو يطلقها، أو يمكن الأولاد.. تصير مشكلة؟
الشيخ: إذا صارت أُمًّا لهم (... ).
الطالب: إي صحيح، أقول: يعني هذا ما هو مثل المولى، المولى..
الشيخ: المولى يمكن يأخذ زوجة سيده بعده.
الطالب: وبعدين هذا.. الأولاد يصير مثل (... )؟
الشيخ: إذا صارت (... ) أخوه له أولاد، فأولاده يكونون محارمًا له، سواء ما صار أخوه اللي من الرضاع ولَّا لا، لكن عيال العيال..
الطالب: إي، عياله.
الشيخ: إي، ما يخالف، يصير إخوته من الرضاع ما فيه شيء.
طالب: (... ) رجل له زوجتان وأحدهما.. فأرضعت الأخرى.. ؟
الشيخ: لا، حاجة الرجل إلى الدخول والمخالطة، ما هي بحاجة أنها تفرق بينها وبين زوجها؛ لأن أولًا: هذا محرم، لا تسأل المرأة طلاق أختها (9).
الطالب: وأبو الزوج؟
الشيخ: (... ).
وهذا الذي قاله المؤلف: (يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب) هو لفظ حديث في الصحيحين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» (3)، والباء فيهما للسببية؛ أي: الذي يحرم بسبب النسب يحرم نظيره بسبب الرضاع، وقد ذكرنا أنها كم؟
طلبة: سبع.
الشيخ: سبع، المحرمات من النسب سبع، كما في القرآن، فيكون نظيره من الرضاع محرمًا سبعًا.
قال المؤلف: (إلا أم أخته وأخت ابنه) فإن أم أخته من النسب حرام عليه، وأم أخته من الرضاع ليست حرام عليه؛ لأن أم أخته من النسب؛ إما أمه، وإما زوجة أبيه، فإن كانت أمه فهي حرام عليه بالنسب، وإن كانت زوجة أبيه فهي حرام عليه بالمصاهرة، لكن بالرضاع لا، أم أخته من الرضاع ليس بينه وبينها علاقة؛ لأنها إن كانت قد أرضعته فهي أمه، ولا يقال: أم أخته، يقال: أمه، وإن كانت لم ترضعه فليست زوجة أبيه، أليس كذلك؟ يقول العلماء الذين استثنوا هذا يقولون: لأن أم أخته من النسب إذا كانت زوجة أبيه فإنما تحرم بالمصاهرة، أم أخته من النسب إذا كانت زوجة أبيه فإنما تحرم بأيش؟
طلبة: بالمصاهرة.
الشيخ: بالمصاهرة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» (3)، وأم أختك من النسب إذا لم تكن أمك فهي حرام عليك بالمصاهرة فلا تدخل في الحديث.
وأكثر أهل العلم لم يستثنوا ذلك، ما استثنوا شيئًا، أبقوا الحديث على عمومه وقالوا: إن أم أختك من الرضاع؛ يعني: المرأة التي أرضعت أختك وليست زوجة أبيك أنه ليس بينك وبينها علاقة، فلا يتوجه الاستثناء، والاستثناء في الحقيقةِ نوع استدراك على لفظ الشارع، والشارع لفظه مُحْكَم ما يحتاج إلى استدراك؛ لأنك لو سألك سائل: أم أختك من النسب إذا لم تكن أمك فهي زوجة أبيك، والرسول يقول: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» فهي أصلًا لم تدخل حتى تحتاج استثناء، ما دخلت أصلًا، واللي ما دخل ما يستثنى، ليش أنه يستثنى وهو من الأصل ما دخل في اللفظ؟ فلا وجه للاستثناء.
وفي هذا الذي قاله المؤلف دليل على أن الرضاع لا يؤثر في تحريم المصاهرة، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- في الكلام على المحرمات بالمصاهرة، وأن القول الراجح في هذه المسألة أن الرضاع لا يؤثر في المصاهرة.
الأمر الثاني من الاستثناء قال: (وأخت ابنه) أخت ابنه ما تحرم عليه من الرضاع، وهي تحرم عليه، أخت ابنه تحرم عليه في النسب ولَّا لا؟
طلبة: تحرم عليه.
الشيخ: تحرم عليه بالنسب؛ لأن أخت ابنه إن كانت من زوجته منه فهي بنته، وإن كانت من زوج آخر فهي ربيبته، أليس كذلك؟ هذا بالنسب، هذا إذا كانت بالنسب، فأخت ابنك بالنسب؛ إما ابنتك، وإما ربيبتك؛ أي: بنت زوجتك، فهي حرام عليك بالنسب، أخت ابنك من النسب حرام عليك، سواء كانت منك، أو من زوج قبلك، أو من زوج بعدك أيضًا.