قال المؤلف: (وإن طال)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ أَحَدٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (6).
وقول المؤلف: (وإن طال) هذا الشرط إشارة خلاف؛ فإن بعض العلماء يقول: إذا طال قماشه في هذا المكان فإنه يمنع، لماذا؟
قالوا: لأنه إذا طال بقاؤه صار كالمالك، وحينئذ يتعذر أن ينتفع به أحد غيره، وربما يُبْقِي القماش وهو لا يأتي، أحيانًا يبقي القماش ولا يأتي إلا بعد يومين، ثلاثة، فيمنع هذا المكان من الانتفاع به، وهو لا ينتفع به، والصحيح في مسألة إن طال أو لم يطل: أن ذلك يرجع إلى رأي ولي الأمر، إن رأى من المصلحة أن يبقى وألَّا يشوش على الذين يبسطون في هذا المكان فلا بأس أن يبقى، وإن رأى من المصلحة رفعه فإنه يرفعه.
(وإن سبق اثنان اقترعا) إن سبق اثنان فإننا ننظر، إن أمكن توزيع الأرض بينهما وانتفاع كل منهما بما أخذ فإننا نفعل هكذا، نقول: أنتما سبقتما إلى هذه الأرض، ويمكن أن ينتفع كل منكما بما يؤول إليه فنقسمه، وإن لم يمكن -بحيث لا تتسع إلا لمتجر واحد- فإننا نقرع بينهما؛ لأنه لا يمكن تمييز أحدهما عن الآخر إلا بذلك، ولكن كيف نقرع؟
نقول: القرعة ليس لها شيء معين لا عُرفًا ولا شرعًا، فأي سبب يتوصل به إلى بيان المستحق فإننا نعمله.
(... ).
طالب: (... ). الشيخ: هو لم يتسع، وأردنا أن نقرع بينهما، كيف نقرع، ويش لون نقول؟ طالب: (... ). الشيخ: نرفعه؟ طالب: (... ). الشيخ: المهم اضرب مثلًا، وغير هذه؟ طالب: (... ). الشيخ: لا، اترك (... ). طالب: (... ).
الشيخ: افرض الآن -حسب ما كُنَّا نفعل- نضع في اليد شيئًا ولو عودًا أو نواة، والثانية خالية، ثم نطلب من أحدهما أن يختار، لكن إذا قال كل واحد منهما: أنا اللي بختار، نقرع بعد؟ مشكل، هذا ممكن تقع؛ لأن بعض الأحيان إذا مديت يدك وقلت: اختر، وقلنا: اللي يقع على اللي فيه شيء هو الأحق، واللي ياخد الفاضية ما له حق، سوف يقول كل واحد منهما أنا اللي أبدأ الأول، فهل نقول للقارع أن يخص واحدًا منهما، ويقول –مثلًا- للأكبر: خذ.
طالب: يقرع بينها (... ).
الشيخ: ويش المشكلة.
طالب: (... ).
الشيخ: هذه طريقة غير سليمة؛ لأنه -كما قلت لكم- يتنازعون فيها.
طالب: (... ).
الشيخ: يعني: نكتب اسم فلان في ورقة أخرى، ونعطيها شخصًا ثالثًا.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، اللي ذكره الأخ هذا طريق جيد، لكن ما هو منضبط كما (... )؛ لأن بعض الناس شاطر يعرف إذا نبذه بقوة وإذا نبذه بسهولة، إذا نبذه بقوة يدور أكثر.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، مستحيل، لا يمكن.
طالب: (... ).
الشيخ: والله هذا الظاهر هو أقرب شيء، أنا عندي الأوراق هي أقرب شيء، يكتب مثلًا الأرض، واحدة مكتوب فيها الأرض لفلان، وواحدة ما فيها شيء، ونقدمها أو نقول لواحد من الناس: تعال اعط لكل واحد منهم ورقة، (... ) قماشه فإنه في اليوم التالي يكون لمن سبق.
طالب: (... ).
الشيخ: إذا مكنه ولي الأمر؛ واضحة، كالذي أقطعه؛ لأنه إذا أقطعه ولي الأمر فهو أحق به مطلقًا ما أحد يزاحمه، حتى لو نقله في الليل، وإذا رجع في الصباح يكون له.
قال: (ولمن في أعلى الماء المباح السقْيُ وحَبْسُ الماءِ إلى أن يصل إلى كعبه ثم يرسله إلى من يليه).
(لمن في أعلى الماء المباح) هل هناك ماء محرم؟ لا، لكنهم يقولون: المباح هنا في مقابل المملوك، كالكلأ المباح في مقابل المملوك، فالماء المباح –يعني: الذي ليس له مالك- كماء الأودية والأنهار إذا مَرَّ بالمزارع، فأحق الناس به أسبقهم؛ يعني الذي في أعلى الماء، فمثلًا إذا كان هذا الوادي الذي يمشي به المطر إذا كان بجانبه عدة بساتين أعلاها رقم واحد ثم اثنين ثم ثلاثة إلى عشرة، فمن الذي يسقي أولًا؟
رقم واحد الأعلى يسقي إلى أن يصل إلى الكعب؛ إلى كعب الرجل، ثم إذا وصل إلى الكعب وجب عليه أن يفتحه على من يليه، ثم يَفْعَل كما فعل الأول، وهكذا إلى آخره.
فإن كان أَوَّل من (... ) في هذا رقم ثلاثة ثم تقدم عليه رقم اثنين ورقم واحد، فمن الأول منهم؟
الأول: رقم ثلاثة؛ لأن هؤلاء جاءوا حدثًا، فيُنْظَر للأسبق، ودليل ذلك: قِصَّة الزبير بن العوام رضي الله عنه حين تنازع مع رجل من الأنصار في شَرَاجِ الْحَرَّةِ فقال: النبي صلى الله عليه وسلم للزبير: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ»، فَحَمِيَ الرجل وغَضِب، كيف يقول: اسق ثم أرسل، ما جعل السقي مشتركًا، فقال: أَنْ كان ابن عمَّتِك يا رسول الله.
الله يعفو عنه، هذه كلمة عظيمة؛ يعني اتهم النبي صلى الله عليه وسلم بحكمه للزبير أنه ابن عمته؛ لأن الزبير أُمُّه صفية بنت عبد المطلب، فاحتفظ النبي عليه الصلاة والسلام للزبير بحقه، وكان بالأول أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يسقي الجميع، فقال: اسق؛ بمعنى: اجعل الماء ينتشر في أرضك بقدر ما يسقيه فقط، ثم قال للزبيرِ: «اسْقِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الْجَدْرِ، ثُمَّ أَرْسِلْهُ إِلَى جَارِكَ» (7).
الجدر عندنا الحواجز التي بين الحياض، ويسمى عندنا -عند الفلاحين- يسمى الفَلَّا، معروف عندكم هكذا؟
المهم قال: أرسل حتى يصل إلى الجدر، فقيس هذا الجدر، فوُجِد أنه يصل إلى الكعب؛ يعني: معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الزبير أن يبقي الماء في بستانه حتى يصل إلى كعب الرجل ثم يرسله إلى جاره، واتخذت هذه سُنَّة إذا تنازع الناس في الماء فإنه يُقَدّم مَن؟ يقدم الأعلى؛ لأنه أسبق، ونظير ذلك أن من دعاك إلى وليمة إذا تعدد الداعون فتقدم الأسبق بالدعوة فإن كانوا سواء فالأقرب بابًا ثم يرسله إلى من يليه.
قال: (ولمن في أعلى الماء المباح) السقي وحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه، ثم يرسله إلى مَنْ يليه.
وفُهِم من قول المؤلف: (الماء المباح) أن الماء غير المباح ليس حكمه كذلك، مثل أن تكون عين بين جماعة اشتركوا في استخراج الماء، فهذه لا نقول: إن الأعلى يسقي حتى يصل إلى الكعب ثم يرسل إلى من يليه بل نقول: إن الماء مشترك على حسب أملاكه فإذا كان بعضهم أنفق نصف النفقة فله النصف، والثاني النصف إذا كانوا ثلاثة أنفق أحدهم النصف والثاني الثلث والثالث السدس يقسم الماء بينهم أسداسًا حسب ما أنفق لصاحب النصف نصف الماء، ولصاحب الثلث ثلث الماء، ولصاحب السدس سدس الماء، ولكن كيف يمكن؟
قال: العلماء يجعل الحاجز الذي يحجز الماء مُخَرَّقًا بخروق متساوية يكون عددها حسب الأملاك، ففي المثال الذي ذكرنا يجعل لصاحب النصف ثلاثة خروق، ولصاحب الثلث خرقان، ولصاحب السدس خرق واحد، ويجب أن تتساوى هذه الخروق، فلا يكون بعضها أعلى من بعض، ولا أوسع من بعض، وأن تتساوى نسبة الماء فيها، فلا يُجعل هناك ميول بحيث يكون الأسفل أقوى دفعًا.
هل يجوز أن نجعلها مترادفة؛ يعني: واحد تحته واحد من الشقوق؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
طالب: لأن الماء يكون تحت..
الشيخ: لأن الذي تحت يكون أكثر ولَّا لا؟
أكثر دفعًا للماء؛ لأن الضغط عليه أشد، ثم الأعلى أيضًا ربما يتناقص الماء، إذا نزل عن مستواه لم يأته شيء، فالواجب أن تكون على سمت واحدٍ، وأن تكون خرقت في سعة واحدة، وأن يكون ضغط الماء أيضًا واحدًا حتى لا يختلف أحد عن أحد؛ هذا إذا كان الماء مشتركًا.
قال: (وللإمام دون غيره حِمَى مرعًى لدواب المسلمين ما لم يضرهم) للإمام دون غيره، من الإمام؟
طلبة: السلطان.
الشيخ: السلطان (دون غيره) من الناس (حمى مرعى لدواب المسلمين) لا لدوابه الخاصة، بشرط ألَّا يَضُر الناس، فهذه ثلاثة شروط، يعني: هل يجوز حمى أرض للرعي؟
أجاب: نعم، يجوز بثلاثة شروط: أن يكون الحمى من الإمام دون غيره، وأن تكون الحماية لدواب المسلمين لا لدوابه وحده، وألَّا يضر بالناس.
فإن حَمَاها شخص غير الإمام فإن ذلك حرام عليه، ولغيره أن يفك الحِمَى، وأن يرعى إبله فيها؛ لأن هذا تحجر شيئًا لا يحق له أن يتحجره، ولو حماها الإمام لدوابه لا لدواب المسلمين فإن ذلك حرام عليه أيضًا؛ لأنه ليس له أن يختص بشيء عام دون الناس.
وإن حماها لدواب المسلمين ولكن يضر بالمسلمين؛ مثل أن تكون الأرض قريبة من البلد الذي هو مرعى مواشيه، فهذا أيضًا لا يجوز، بل الواجب أن يحمي في مكان بعيد عن مراعي البلد؛ لأنه إذا حمى حول البلد في المراعي اضطر الناس إلى أن تذهب مواشيهم إلى مكان بعيد، يذهب نصف النهار وهي تمشي، ونصف النهار وهي راجعة، وهذا فيه ضرر على المواشي، وفيه أنها لا تشبع يمكن يأتي وقت الرجوع وهي لم تشبع، ثم إن دواب المسلمين ليست للبلد أو لأهل البلد، بل هي لعموم المصالح، ويمكن أن يحمي لها في مكان بعيد تبقى فيه ولا يضر، فالشروط إذن كم؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: قل الشروط الثلاثة؟
(... ) الحامي لهذه الأرض الإمام وأن يكون حمايته لها لدواب المسلمين.
والثالث: ألَّا يضر بالناس.
إذا قال قائل: ما مثال دواب المسلمين؟ قلنا: مثل إبل الصدقة، إبل الجهاد، خيل الجهاد، وما أشبه ذلك.
كذلك لو كان في بيت المال مواشٍ، بأن يكون فيه ناس ماتوا وما لهم ورثة ولهم مواشٍ، فهذه أيضًا تكون من دواب المسلمين.
[باب الجعالة]
ثم قال: (باب الجعالة: وهي أن يجعل شيئًا معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا مدة معلومة أو مجهولة).
الجعالة: عقد معاوضة بين الجاعل والمجعول له، وفيها عوض مدفوع من الجاعل وعوض من المجعول له فهي كغيرها من العقود، لا بد أن يكون العاقد جائز التصرف.
فقول المؤلف: (وهي أن يجعل شيئًا معلومًا) يريد بذلك: أن يكون الجاعل جائز التصرف، ولا بد أن يكون الجعل معلومًا، كمئة درهم مثلًا، أو هذه السيارة، أو هذا المسجل، أو ما أشبه ذلك، أما العمل الذي يعمله المجعول له فلا يشترط أن يكون معلومًا لدعاء الحاجة لذلك، مثاله أن يقول: من رد لقطتي فله كذا وكذا، العوض الآن -المجعول- معلوم ولَّا لا؟
معلوم، المجعول عليه مجهول؛ لأن رد اللقطة قد يكون يسيرًا وقد يكون صعبًا، وقد لا يرده، أنا قلت: من رد لقطتي فله مئة درهم، خرج رجل يطلب هذه اللقطة وجدها قريبة، لو أنه استأجر على هذا العمل لكفاه عشرة دراهم، نقول: الآن لك مئة درهم، لأنه جُعل لك، والله هو الذي يسر لك الأمر، ذهب يطلب هذه اللقطة وبقي شهرين أو ثلاثة وهو يطلبها ثم وجدها، نقول هنا: صار العمل أكثر من العوض؛ لأن مئة درهم يستحقها الإنسان مثلًا في عمل عشرة أيام، وهذا بقي كم؟ شهرًا كاملًا، ربما يذهب يطلبها فيبقى شهرين أو ثلاثة ولا يجدها، هل يستحق المئة؟ لا، إذن عمل هذا العمل الكثير ومع ذلك لم يستحق شيئًا، فإذا قال قائل: كيف تجيزون هذا العمل مع هذه الجهالة العظيمة، قلنا: نجيزه لدعاء الحاجة إليه، وليس هو على سبيل الإلزام؛ لأن العامل له أن يدع العمل في أي لحظة شاء، كما سيأتي أن الجعالة عقد جائز، ولو لم نجز هذا الشيء لفات للناس مصالح كثيرة، فهذا رجل –مثلًا- قد ضاعت بعيره، لا يمكن أن يستأجر شخصًا لإحضارها، لماذا؟
لأن هذا الشخص لا يدري متى يجد هذه البعير فإذا كان لا يمكن لم يَبْقَ إلا الجعالة، بحيث يقول -يعلن في الصحف أو في أي وسيلة من وسائل الإعلام فيقول-: من رَدَّ بعيري فله كذا وكذا، هذا لا شك أن فيه مصلحة للناس، وهذا الرجل اللي ذهب يطلب البعير ما دام يرجو أن يجدها سوف يفعل، وإذا أَيِسَ منها سوف يتركها، وربما أيضًا يبحث قبل أن يدخل في العمل، ثم إن الجعالة أيضًا لا يشترط فيها تعيين المجعول له قد يقول هذا القول، ويروح واحد -بدون أن يتصل به- ويذهب ويأتي بها، كما سيأتي أيضًا إن شاء الله، فهذا لَمَّا كان فيه هذه المصالح اغتُفِر فيها الجهل.
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) من الجعل؛ يعني أن يجعل الإنسان عوضًا على عمل الشيء، وأنها -أي: الجعالة- من محاسن الشريعة، وذلك لما تتضمنه من المصلحة الكثيرة التي لا تحصل بدونها، فإنه أحيانًا يضطر الناس إلى استعمالها، لو أن أحدهم ضاع له بعير وأراد أن يستأجر شخصًا لطلبه فالإجارة لا تصح؛ لأن الإجارة لا بد أن تكون على شيء معلوم، ورد هذا البعير لا يمكن أن يكون معلومًا؛ لأنه ضائع، ليست في مكان معين أقول لشخص: اذهب إلى المكان المعين، وائت ببعيري ولك كذا وكذا صَحَّ، لو كان بمكان مُعين صحت الإجارة، لكن هذا ضائع، لا ندري هل يجده في مكان قريب أو في مكان بعيد في زمن قريب أو زمن بعيد؟ فلولا جواز الجعالة لَلَحِق الناس في ذلك مشقة، فإن قال قائل: هل يشترط في الجعالة أن يكون العوض معلومًا؟
الجواب: نعم، لا بد أن يكون العوض معلومًا، فيقول مثلًا: من رد ضالتي فله مئة درهم، لو قال: من رد ضالتي فله مال، بس، لم يصحَّ، إذن العوض عليها لا بد أن يكون معلومًا، أما هي فلا يشترط أن تكون معلومة، ولهذا قال المؤلف -رحمه الله- في التعريف: (وهي أن يجعل شيئًا معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا).
(عملًا معلومًا) كخياطة الثوب فيقول: من خاط الثوب هذا على صفة كذا وكذا فله كذا وكذا، هذا معلوم، المجهول مثل أيش؟
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، من رد ضالتي فله كذا وكذا، من رد لقطتي فله كذا وكذا، الضالة في الحيوان واللقطة في غيره، هذا العمل مجهول، وذلك لأنه لا يُدْرى متى يجد هذه اللقطة أو متى يرد هذه الضالة، لكن -كما أسلفنا- جواز هذا من محاسن الشريعة لدعاء الضرورة إلى ذلك أحيانًا، إذن هذه الجهالة تُغْتَفر في جانب المصلحة العظيمة.
قال: (مُدة معلومة أو مجهولة)، كيف مدة معلومة أو مجهولة؟
يعني قد يكون العمل معلومًا لكن مدته مجهولة، ما ندري متى ينتهي، مثل أن يقول: من بنى لي هذا الجدار فله كذا وكذا، المدة معلومة ولّا غير معلومة؟
طالب: غير معلومة.
الشيخ: غير معلومة، من بنى لي هذا الجدار خلال أسبوع فله كذا وكذا، المدة معلومة، فيجوز إذن الجمع بين تقدير العمل والزمن؛ لأن باب الجعالة متوسع فيه، وذلك لأن الجعالة ليست عقدًا لازمًا، يجوز لكل واحد من المتعاقدين أن يفسخه كما سيأتي.
لو استأجرت طبيبًا أو جعلت جعلًا لمن داواك من مرض معين حتى تشفى يجوز ولَّا لا؟
يجوز من باب الجعالة، فيقول: من داوى بعيري حتى تبرأ فله كذا وكذا، نقول: لا بأس بذلك؛ لأن العمل في الجعالة لا يضر جهله، وعلى هذا فإذا قال: من داوى بعيري حتى تبرأ، فقال شخص: أنا (... )، قلنا: لا بأس، قد تبرأ قريبًا، وقد تبرأ بعد زمن طويل، وقد لا تبرأ، إذا لم تبرأ فهل يستحق الجعل؟ لا، وإذا برئت يستحق ولو بزمن قريب.
قال المؤلف: (كَرَدِّ عَبْدٍ ولُقَطَة وخياطة وبناء حائط)، هذه أمثلة: رد العبد، ويقال: له آبق، ولُقَطة: ويقال لها: ضالة إن كانت حيوانًا، ولقطة إن كانت غير حيوان، فقال مثلًا: من رد عبدي فله كذا، يصح؟ والعمل مجهول ولّا معلوم؟ العمل مجهول، نقول: لأن رد العبد قد يكون عن قريب وقد يكون عن بعيد، قد يبقى شهرين، ثلاثة يطلب هذا العبد لا يجده، وقد يجده بأقرب وقت، وكذلك العمل، العمل لرده مجهول، قد يعمل طويلًا ويتعب ناقته أو سيارته وبدنه وقد لا يأتي، فالمدة مجهولة، وكذلك العمل مجهول، لكن نوع العمل الذي جعل له العوض معلوم، وهو رد اللقطة.
كذلك أيضًا: (خياطة ثوب وبناء حائط)، قال: من خاط لي هذا الثوب فله كذا وكذا، خياطة الثوب معلومة ولَّا لا؟
طالب: معلومة.
الشيخ: معلومة، لكن زمنها مجهول، لو قال: من خاط لي هذا الثوب هذا اليوم، صار العمل معلومًا والزمن معلومًا.
(وبناء حائط) قال: من بنى لي هذا الحائط فله كذا وكذا، نقول: هذا أيضًا جائز ولا بأس به، وهو جعالة.
قال المؤلف: (فمن فعله بعد علمه بقوله استحقه، والجماعة يقتسمونه، وفي أثنائه يأخذ قسط تمامه)، وبعد العمل لا يستحق شيئًا، (فمن فعله) يعني: فعل ما جُعل له جُعْلٌ فلا يخلو من ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يفعله بعد العلم، الثانية: أن يفعله قبل العلم، الثالثة: أن يفعل بعضه قبل العلم وبعضه بعد العلم.
مثال ذلك: أعلن هذا الرجل في الصحف أن من رد لقطته -وهي لقطة ثمينة- فله عشرة آلاف درهم، فجاء رجل فقال: هذه لقطتك، فهل يستحق العشرة؟
لا، ننظر إن كان قد وجدها قبل الإعلان لم يستحق شيئًا؛ لأنه لم يعمل لي، وإن كان قد طلبها ووجدها بعد الإعلان استحق الجعل كاملًا، وإن علم بالإعلان في أثناء الطلب استحق بقسطه، فمثلًا إذا قال: أنا كنت أطلبها منذ يومين فسمعت بالإعلان، وبعد سماعي بالإعلان طلبتها يومين آخرين فوجدتها، كم يستحق؟ نصف الجعل؛ لأنه عمل نصف العمل قبل أن يعلم بذلك.
فإذا قال: أنا طلبت هذه اللقطة بنية الرجوع على صاحبها، يعني أني أرجع بعملي، قلنا: ليس لك حق في ذلك؛ لأن صاحبها لم يطلب هذا الشيء، ولم يجعل هذا الجُعْل، وربما يكون صاحبها لم يعلم بأنها ضاعت، وربما يكون صاحبها ثريًّا غنيًّا لا تهمه إذا ضاعت.
لهذا لا تستحق شيئًا إلا بعد علمك بالْجُعْل، إذا كنت فعلت ذلك بعد علمك أعطيناك، فإذا ادعى أنه عمل بعد العلم وأنكر الجاعل فما الأصل؟ هل نقبل قول الجاعل أو نقبل قول العامل؟
طلبة: قول العامل.
الشيخ: الظاهر أن نقبل قول العامل؛ لأن الغالب أن الإنسان لا يعمل لغيره إلا رجاء العوض فنحكم بأن عمله كان بعد علمه بالجعل.
واستمع إلى كلام المؤلف قال: (فمن فعله بعد علمه بقوله استحق)، والجماعة؟ قال: (يقتسمونه)؛ يعني: لو أنه قال: من رد لقطتي فله مئة درهم، فذهب عشرة يطلبونها، فوجدوها جميعًا؛ يستحقون الجعل كلٌّ بقسطه، قال: مَنْ بنى لي هذا الحائط فله كذا وكذا، فبناه جماعة؛ يستحقون الجعل يقتسمونه، كما قال المؤلف، ولكن هل يقتسمونه بالسوية؟
الجواب: نعم؛ لأن صاحب الجدار مثلًا أخرج جعلا لمن بناه، وهؤلاء يصدق عليهم أنهم بنوه، فقد اشتركوا بالبناء، فيستحقون العوض بالاشتراك.
قال: (وهي عقد جائز لكل فسخها) الجعالة عقد جائز من الطرفين، فلكل واحد فسخها، فهذا الرجل الذي قال: من بنى لي هذا الحائط فله مئة درهم، فشرع رجل في بنائه، فله أن يمنعه، يقول: خلاص أنا حطيت السقف، كنت أريد بناءه والآن حولت، نقول: لك هذا؛ لأن الجعالة عقد جائز، ولو أن العامل شرع في البناء وفي أثنائه حَوَّل وفسخ، قلنا: لك ذلك، ولا نُلْزِمك؛ لأن الجعالة عقد جائز، بخلاف الإجارة، فإنها عقد لازم.
وقد مر علينا أن العقود تنقسم إلى ثلاثة أقسام: جائز من الطرفين، ولازم من الطرفين، وجائز من طرف لازم من طرف، مثال الأول؟
طالب: المضاربة..
الشيخ: المضاربة والوكالة والجعالة.
مثال الثاني اللازم من الطرفين؟ الإجارة والبيع لازم من الطرفين.
الجائز من أحدهما دون الآخر؟
طالب: (... ).
الشيخ: وغيرها؟
طالب: (... ).
الشيخ: ندِّي مثالًا آخر؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا.
طالب: الرهن.
الشيخ: الرهن لازم في حق الراهن جائز في حق المرتهن.
وضابط ذلك أن يكون العقد مشتملًا على حق لشخص وحق على شخص، فهو في حق من هو عليه؟
طالب: لازم.
الشيخ: لازم، وفي حق من هو له؟
طالب: جائز.
الشيخ: جائز.
يقول: (ولكل واحد منهم فسخها، فمن العامل لا يستحق شيئًا، ومن الجاعل بعد الشروع للعامل أجرة عمله) إي نعم، إذا وقع الفسخ؛ فإن كان من العامل فلا شيء له ويذهب عليه عمله هدرًا؛ لأنه هو الذي رضي لنفسه بعدم الاستحقاق، فإنه يعلم أنه لا يستحق العوض إلا إذا أتم العمل فإذا فسخه في أثنائه ذهب ما عمله هدرًا ولا شيء له، ولكن ظاهر كلام المؤلف أنه لا شيء عليه أيضًا، لا شيء له ولا شيء عليه أيضًا، وهل هذا مُسَلَّم؟
الجواب: فيه نظر، فإن العامل قد يشرع في العمل في وقت يكون فيه العمال متوافرين، ثم إذا قَلَّ العمال ونشب كل واحد منهم بعمل، وشرع هذا في العمل قال: فسخت، وحينئذ سوف يتضرر الجاعل؛ لأن العمال كان حين أخذ هذا الرجل العمل الواحد بعشرة ريالات، الآن لا نجد الواحد ولا بمئة ريال، وحينئذ يتضرر الجاعل، وقد مَرَّ علينا أن العقود الجائزة إذا تضمنت ضررًا على أحد الطرفين صارت لازمة في حق غير المتضرر، إلا إذا دفع عوض الضرر فلا شيء عليه، وحينئذ قول المؤلف: (فمن العامل لا يستحق شيئًا) ينبغي أن يقال: ولا شيء عليه ما لم يتضرر الجاعل، فإن تضرر قيل له: إما أن تدفع الضرر وإما أن تلتزم بالعمل.
قال: (ومن الجاعل بعد الشروع للعامل أجرة مثل عمله) مثال ذلك: قال: من بنى لي هذا الحائط فله مئة درهم، فبنى نصفه العامل، فقال الجاعل: فسخت الجعالة، فسخه جائز؛ لأن الجعالة عقد جائز، ولكن يعطي العامل أجرة مثل عمله، وقول المؤلف: (أجرة مثل عمله)، يقتضي أنه لا يعطى القسط من الجعل؛ لأن الفسخ رفع للعقد من أصله.
مثال ذلك: هو قال: من بنى لي هذا الحائط فله مئة درهم، فبنى العامل نصف الحائط، ثم فَسَخ الجاعل، نقول: للعامل أجرة عمله منسوبًا إلى الجعالة ولّا مستقِلًّا؟
ظاهر كلام المؤلف أنه مستقل، وسنعرف الفرق بينهما حتى نحكم، الجعل المجعول على بناء هذا الحائط كم؟
مئة، بنى نصفه يستحق خمسين، قلنا: عليك أيها الجاعل أجرة هذا العمل، كم يُبنى الجدار لو استأجر من يبنيه؟ قالوا: لو استأجر من يبنيه لبني بمئتين، يجب للعامل على الجاعل مئة، ولو قلنا: إن له بالقسط لم يجب له إلا خمسين، بالعكس لو أنه حين بنى (... ) فسخ الجاعل، وكان هذا الجدار لو بُنِي لبُنِي بثمانين، فإن قلنا: إنه يعطى من الجعل بقسطه لأعطيناه خمسين، وإذا قُلنا: إنه يُعْطَى مثل أجر عمله لم نعطه إلا أربعين فهل هذا مُسَلَّم؟
نقول: أما بالنسبة للمسألة الأولى: إذا كانت الأجرة أكثر من الجعل فمُسَلَّم؛ لأن الجاعل اختار لنفسه ذلك، أليس كذلك؟ ولَّا ما هو بواضح؟
طالب: ما هو واضح.
الشيخ: ما هو بواضح، قلت: من بنى لي هذا الحائط فله مئة درهم، كذا (... )؟ فبنى العامل نصف الجدار، ثم إن الجاعل قال: فسخت الجعالة، فكم يستحق؟ لك نصف الجعل ولّا نصف الأجرة؟
نصف الأجرة، إذن نقول: كم يبنى هذا الجدار؟ قالوا: يبنى هذا الجدار بمئتين، فعلى الجاعل الآن أن يدفع مئة كاملة، هذا مُسَلَّم، أن نُلزِم الجاعل بمئة؛ لأنه هو الذي فسخ العقد، بالعكس لو كان هذا الجدار جعلوا له جُعلًا مئتين، وكان لو بني بالأجرة يبنى بمئة، فعلى كلام المؤلف لا يعطى العامل إلا خمسين، مع أن صاحب الجدار ملتزم بأن يعطى على نصف العمل مئة؛ لأنه جعل له مئتين، وهذا غير مسلم؛ لأن في ذلك ضررًا على العامل، والعامل يقول: أنا ما شرعت بالعمل إلا من أجل أن الجعل مناسب؛ مئتان؛ ولأن هذا قد يفتح باب حيلة من أهل الجعل، يجعلون جعلًا مغريًا، فإذا شرع العامل في العمل وأدى نصف العمل أو ثلاثة أرباع العمل أو تسعين في المئة من العمل قال: فسخت؛ لأجل أن يرجع إلى أجرة المثل، فهذا الجاعل إذا قال: من بنى لي هذا الجدار فله مئتان، فبنى هذا العامل الجدار، ولم يبق إلا عشرة في المئة، فقال: فسخت الجعالة، وكان لو استأجر على بنائه لبني بمئة، كم نعطيه؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، على كلام المؤلف نعطيه تسعين، لكن على الذي نرى أنه يعطى مئة وثمانين، تسعة أعشار الجعل؛ لئلا يكون هناك حيلة على العمال في أن يجعل جعلًا مغريًا، وتعرفون أن الناس يأتون سراعًا إلى الجعل المغري، فهذا الجدار إذا كان لو استأجر عليه استئجارًا عاديًّا؛ يبنى بمئة وجعل بمئتين، كل الناس يسرعون إليه، فإذا لم يبق إلا عشرة في المئة قال: فسخت، في هذا ضرر وخداع للناس، وكل إنسان يتحيل على حق الغير فإنه ينبغي أن يُعامل بنقيض قصده.
قال: (ومن الجاعل بعد الشروع للعامل أجرة عمله) وقبل الشروع؟ لا شيء للعامل؛ يعني بعد أن قال: من بنى لي هذا الحائط فله مئتا درهم، فجاء رجل تقدم لبنائه وكتب العقد، ثم قبل أن يشرع العامل في البناء قال: الجاعل فسخت، ورجعت فهل يكون له -أي للعامل- شيء على الجاعل؟
لا؛ لأنه لم يعمل شيئا، ولكن هل هذا مُسَلَّم في كل صورة؟ لا؟
نعم، ربما نقول: إن تضرر العامل فلا بد أن يُلزم هذا الجاعل بالعمل، وإذا أصر على عدم العمل (... ) فإنه لا بد أن يُطَالب بأرش، مثال ذلك لنفرض أن النمو العمراني ضعيف، وعند طلب العمال جاء هذا الجاعل جَعَلَ جُعلًا لبناء هذا الحائط، وأمهل، ثم لما تنشب العمال وكل منهم أخذ العمل الذي أراده الله له قال: فسخت، فهنا نقول: إن هذا الجاعل قد فَوَّت على العامل أن يشتغل، الآن سوف يتعطل العامل.
ومعَ الاختلافِ في أَصْلِه أو قَدْرِه يُقْبَلُ قولُ الجاعلِ، ومَن رَدَّ لُقَطَةً أو ضالَّةً أو عَمِلَ لغيرِه عَمَلًا بغيرِ جُعْلٍ لم يَسْتَحِقَّ عِوَضًا إلا دينارًا أو اثْنَي عشرَ دِرْهَمًا عن رَدِّ الآبِقِ, ويَرْجِعُ بنفقَتِه أيضًا.
﴿باب اللقطة﴾
وهي مالٌ أو مُخْتَصٌّ ضَلَّ عن ربِّه وتَتَبَّعَه هِمَّةُ أوساطِ الناسِ، فأَمَّا الرغيفُ والسَّوْطُ ونحوُهما فيُمْلَكُ بلا تَعريفٍ، وما امْتَنَعَ من سَبُعٍ صغيرٍ كثَورٍ وجَمَلٍ ونحوِهما حَرُمَ أَخْذُه، وله التقاطُ غيرِ ذلك من حيوانٍ وغيرِه إن أَمِنَ نفسَه على ذلك, وإلا فهو كغَاصبٍ، ويُعَرِّفُ الجميعَ في مَجامِعِ الناسِ - غيرَ المساجدِ – حَوْلًا ويَمْلِكُه بعدَه حُكْمًا، لكن لا يَتَصَرَّفُ فيها قبلَ مَعرِفَةِ صِفاتِها، فمَتَى جاءَ طالبُها فوَصَفَها لَزِمَ دَفْعُها إليه، والسفيهُ والصبِيُّ
يُعَرِّفُ لُقَطَتَهما وَلِيُّهما،
[باب الجعالة]
والفقهاء ربما يعللون تعليلًا آخر فيقولون: لأنه غارم؛ فهو إذا قال: إنه عشرة؛ الجعل، وقال العامل: عشرون.
من الذي سيغرم العشرين؟ الجاعل والغارم لا يُقْبَل دعوى مَنْ غرَّمه إلا ببينة.
ثم قال المؤلف: (ومَنْ ردَّ لُقَطَةً، أو ضالَّة، أو عمل لغيره عملًا بغير جُعْلٍ لم يستحق عوضًا، إلَّا دينارًا أو اثني عشر درهمًا عن رد الآبق ويرجع بنفقته أيضًا)
يقول: (من ردَّ لقطة أو ضالة فلا عِوَضَ له).
الفرق بين اللقطة والضالة أن الضالة في الحيوان واللقطة في غيره، ويشتركان في أن كل واحد منهما ضائع ضال عن ربه، فالدراهم نسميها لقطة، والبعير ضالٌّ.
فهذا رجل رد لقطة؛ يعني: وجد لقطة وردها إلى صاحبها، دراهم، يعني وجد دراهم وردها إلى صاحبها، فلا عوض له، ليس له عوض إلا إذا كان صاحبها قد قال الأول: من رد لقطتي فله كذا.
ضالة وجد شاة فأخذها وردها على صاحبها فليس له عوض إلا إذا كان صاحبها قد أخرج العوض وقال: مَنْ رَدَّ شاتي فله كذا وكذا.
(أو عمل لغيره عملًا) وجد شخص جدار إنسان مائلًا فأقامه؛ فهل له أجر؟
ليس له أجر؛ لأن صاحبه لم يعقد معه أجرة، فلا يستحق العوض على ذلك إلا في مسألة واحدة ذكرها المؤلف، وسنزيد عليها مسألتين أخريين:
المسألة الأولى؛ قال: (إلا دينارًا أو اثني عشر درهمًا عنْ رد الآبِقِ)
الدينار الوحدة من النقود الذهبية، والدرهم الوحدة من النقود الفضية، فإذا رد الإنسان آبقًا –يعني: عبدًا آبقًا- ردَّه إلى صاحبه، وإن لم يجعل عوضًا على ردِّه فله دينار أو اثنى عشر درهما؛ لأنه رُوِيَ في ذلك حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) وآثار عن الصحابة (2)، ولأن الآبق ليس كغيره؛ لأن الآبق آدميٌّ محترم، ورده من إباقه فيه مصلحة للسيد ومصلحة للعبد؛ لأن العبد ربما إذا أبق ذهب وشرد إلى دار الكفر وضاع دينه كما ضاع هو عن سيده، بخلاف الشاة وشبهها، فلهذا أوجب الشارع لمن ردَّه إما دينارًا وإما اثني عشر درهمًا هذه واحدة.
المسألة الثانية: قال العلماء: إذا أنقذ مال غيره من هلكة، فإن له أجر المثل؛ مثاله: رأى مال غيره يسقط في الماء، أو شاته أو بعيره يسقط في الماء، فأنقذها من الماء؛ فله أجر المثل.
شبَّ حريق في بيته فاستخرج أمتعته فله أيش؟ أجر المثل؛ لأن هذا مما تدعو الضرورة إليه، بخلاف ما ليس ضرورة إليه؛ فإن هذا باختيار الإنسان، فلو قال صاحبه: أنا لا أعطيك أجر المثل، ليش الثلث؟ مين قالك الثلث؟ خلي النار تحرقه.
نقول: هذا سفه، وكل إنسان يفرح إذا وجد مَنْ ينقذ ماله من الهلكة.
المسألة الثالثة: إذا كان الإنسان قد أعد نفسه للعمل فجاء شخص فأعطاه الثوب، قال: خذ الثوب هذا، خِطْه لي ثوبًا.
أعطاه الثوب، وخاطه له، فجاء من الغد صاحب الثوب، وقال: أعطني ثوبي.
قال: لا بأس، لكن أعطني أجر الخياطة.
قال: ما أعطيك أجر الخياطة، أنا ما قلت لك: خطه ولا عقدت معك، فهل له شيء؟ نعم له؛ لأن الرجل هذا قد أعدَّ نفسه للأجر والعوض.
وكذلك لو جاء شخص إلى غسَّال الثياب، وقال: خذ ثوبي هذا اغسله، فلما جاء من الغد جاء يأخذ ثوبه، أعطاه الغسال الثوب، قال: جزاك الله خيرًا، وطهرك من الذنوب.
وانصرَف، فقال الغسال: أعطني أجري.
قال: ما اتفقت معك على شيء، أنا قلت: اغسله، والآن جزاك الله خيرًا.
ويش نقول؟ نقول: لا بد أن يعطيه عوضًا؛ لأن هذا قد أعد نفسه لذلك.
أما لو أعطى شخصًا عاديًّا غيرَ مُعِد نفسه لذلك، قال: خذ هذا الثوب اغسله، فأخذه وغسله فلما صار في الصباح وجاء يطلبه، قال: أعطني أجر الغسل.
فهل يستحق شيئًا؟ لا؛ لأن هذا الرجل الذي غسل لم يُعِدَّ نفسه للغسل بعوض، يكون هذا له الأجر؛ أجر الآخرة، أما أجر الدنيا فيقول صاحب الثوب: أنت لم تُعِدَّ نفسك لهذا يا أخي، أنا أعطيتك على أنك محسن، ما على أنك غسَّال؛ فصار الذي يستحق عوضًا بلا عقد في ثلاثة أشياء:
الأول: في رد الآبق.
والثاني: في إنقاذ المال من الهلكة.
والثالث: مَنْ أَعَدَّ نفسَه لعمل فأعطيته ليعمل لك، فإنه يجب عليك العوض وإن لم تتفق معه على عوض، كل هذا إذا قال قائل: لماذا قلنا؟
أما الأول فقد وردت فيه أحاديث وآثار، وأما الثاني فلأن هذا مقتضى الحال لو تصورنا أن صاحب المال الذي وقع في الهلكة عندك الآن لاستغاث بك، أليس كذلك؟ فمقتضى الحال أن تستحقَّ عوضًا؛ لأن صاحبه بلا شك يطلب منك أن تنقذه، وأما الثالث فلأن العامل قد أعدَّ نفسه للعمل، والعادة جارية بأن هذا العامل يعمل للناس بأجرة لا مجانًا.
بقي مسألة رابعة: لو أن شخصًا عمل ما فيه مصلحة لمال الشخص وطلب العوض على ذلك، فهل يلزمه العوض يلزم صاحب المال؟
لا؛ لأن صاحب المال يقول: أنا ما أمرتك لا باللفظ ولا بالقرينة، ليش يمكن نأخذ منها عوضًا، نفس صاحب المال يقول: لماذا تتصرف في مالي؟ أنا كريتك على هذا، مثال ذلك: إنسان رأى هذه السيارة واقفة عند الباب وفيها وسخ، وذهب وجاب منشفة وصابون ونظف السيارة كأنها جديدة، الآن فلما جاء صاحب السيارة، قال: يلَّا أعطني عشرة ريالات، يلزمه ولا ما يلزمه؟
طلبة: ما يلزمه.
الشيخ: ليش؟
طالب: لأنه ما أمره.
الشيخ: لأنه لم يأمره، لكن لو حصل من السيارة خلل؛ ابتداء حريق، فعالجها حتى أطفأها، ثم جاء يطلب الأجر، هذا يقال: إنه هلكة، له ذلك؛ لأن هذا وإن لم يقل صاحبها بلسان المقال: أنقذْها، فقد قاله بلسان الحال.
أما مسألة التنظيف والتغسيل فهذا لم يقله لا بلسان الحال ولا بلسان المقال، وكثير من الناس إلى الآن إذا اشتروا سيارات جُدُدًا وعليها غبارها قال: خلها تبقى مغبرة؛ لأجل يدرون الناس أنها جديدة، ثم يفك الأمبير حق العداد، وإذا شاف الواحد يقول: ما مشت إلا عشر كيلوات أو نحو ذلك مما فيه تجربة ويَغُشُّ الناس بهذا الشيء، نسأل الله العافية.
على كل حال أهم شيء إنَّ عندنا هذه المسألة؛ وهي أن مَنْ عمل لغيره عملًا إلى جُعْلٍ لم يستحق عوضًا إلا ما ذكره المؤلف والمسألتين اللتين أشرنا إليهما.
قال المؤلف: (ويرجع بنفقته أيضًا) (يرجع) من؟ رادُّ الآبق (بنفقته أيضًا) وإنما يرجع بنفقته؛ لأن الآبق في ضرورة إلى النفقة مثل الأكل والشرب والكسوة والإيواء، كل هذا له أن يرجع بعوضه؛ لأن هذا من الأمور الضرورية لهذا الآبق، فله أن يرجع فيه.
فإن نوى التبرع بهذا كله؛ برد الآبق والنفقة، ثم بعد ذلك نُدِّم، وقيل له: كيف تنوي التبرع وقد خسرت عليه كذا وكذا وتعبت فيه؟ فأراد الرجوع..
طلبة: له أن يرجع.
الشيخ: لا، ليس له أن يرجع؛ لأنه حال فعْلِه فَعَلَه لا على سبيل التعويض، انتبه!
فيه مسألة أخرى؛ هو نوى الرجوع في الرد والنفقة، ولكن في أثناء الحال نوى أنه يُبْرِئ صاحب العبد؛ يعني: نوى بقلبه أنه أبرأه، ثم بعدئذٍ نُدِّم أو هو نفسه تَنَدَّم وأراد الرجوع فهل يرجع أو لا؟
له أن يرجع؛ لأنه حين فِعْلِه للفعل كان ناويًا الرجوع والتعويض لكن فيما بعد نوى أن يبرئه ولم يبرئه، والإنسان إذا نوى الشيء ولم يفعله فهو بالخيار؛ كما لو عزل الإنسان دراهم ليتصدق بها وقبل أن يتصدق بها عدل عن هذا، يجوز ولا لا؟
يجوز، وكما لو بنى بيتًا في نيته أنه سيوقفه على الفقراء ثم بعد استكمال البيت عدل عن هذه النية يجوز ولا لا؟ نعم، يجوز؛ لأنه لم يتلفظ في الوقف، ولم يشرعه للفقراء، وإنما نوى نية، وكما لو نوى أن يضحي بهذه الشاة ولكن لم يعينها ثم عدل وباعها فليس عليه شيء.
كثيرًا ما يغذي الإنسان الشاة قبل الأضحية بشهرين، ثلاثة، أربعة، على أنه سيضحي بها، ثم بعد ذلك يعدل عنها فلا حرج؛ لأن هذه الأشياء لا تتم إلا بالإمضاء فعلًا، أما قبل أن يمضيها فعلًا، وإنما هي مجرد نية فلا يجب عليه شيء.
طالب: الفرق بين إذا نوى إذا رد (... ).
الشيخ: الفرق أنه إذا ردَّه بنية أنه متبرع، إذا ردَّ الآبق بنية أنه متبرع فهذا العمل وقع تبرعًا حال فعله، أما المسألة الثانية فقد نوى حال فعل العمل أنه راجع على صاحبه بالعوض فيكون عمله على أنه معوَّض له، ثم بعد ذلك في أثناء الحال نوى الإبراء، ثم عاد وطلب لكن في الأول لم ينو إلزام صاحب العبد بشيء أبدًا.
طالب: النية في قلبه (... ).
الشيخ: إي في قلبه، لكن هو الآن يعتقد أنه عامل لله محسن، فلا يمكن أن يعود العمل الذي نواه لله أن يكون معوَّضًا عنه، أما الثاني فقد نوى العمل على أنه معوَّض عنه ثم نوى الإبراء ولم يفعله؛ ولهذا نقول: نوى الإبراء، وذاك نقول: نوى التبرع والإحسان.
(... )
الطالب: ونحوهما حرُم أخذُه، وله التقاطُ غيرِ ذلك من حيوان وغيره، إن أَمِنَ نفسه على ذلك، وإلا فهو كغاصب.
[باب اللقطة]
الشيخ: قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب اللقطة) اللُّقَطة ويقال: اللَّقْطة واللِّقْطة.
هي في اللغة العربية الشيء الملقوط؛ يعني: الذي يلتقطه الإنسان فهي أعم مما قال المؤلف رحمه الله.
أما في الاصطلاح فقال: (هي مال أو مختص ضل عن ربه) (مال أو مختص) المال هو ما يَصِحُّ تملكه وعُقِدَ البيع عليه، والمختص هو الذي لا يُمْلَك لكن صاحبه أحقُّ به من غيره.
مثال الأول: كالدراهم والدنانير، ومثال الثاني: كلب الصيد والسرجين النجس وجلد الميتة على قول.
هذه لا نسميها مالًا؛ لأنه لا يصح عقد التمليك عليها، لكن نسميها اختصاصًا أو مختصًّا؛ فالمال ما يصح تملكه وأخذ العوض عنه، والمختص ما لا يصح تملكه وأخذ العوض عنه لكن صاحبه أحق به.
مثال الأول: الدراهم، والدنانير، والأقلام، والساعات، والراديو، وغير ذلك كثير.
مثال الثاني: كلب الصيد، والسرجين النجس، جلد الميتة على قول، فهذه لا تُباع ولا تشترى ولكن صاحبها أخصُّ بها؛ فلو وجد إنسان كلب صيد سميناه لقطة ولو وجد دراهم أو دنانير سميناها أيضًا لقطة.
وقوله: (ضلَّ عن ربه) يعني: ضاع عن ربه، وقوله: (ربه) يعني: مالكه؛ لأن الرب يطلق على المالك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ضالة الإبل: «دَعْهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» (3) يعني: مالكها.
وقوله: (ضلَّ عن ربه) خرج به ما لو تركه ربه عمدًا لرغبته عنه؛ يعني: سَيَّبَه فهذا ليس بلقطة، بل هو لمن وجده وتسييب المال كثير ولا بأس به؛ فقد أراد جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن يُسَيِّبَ جمله، حتى لحقه النبي عليه الصلاة والسلام وضرب الجمل ودعا له حتى نشط الجمل وصار يمشي مع الناس بل يتقدم الناس (4).
فإذا كان عند الإنسان شيء؛ مال من حيوان أو غيره قد زالت رغبته عنه فأراد أن يطرحه ويلقيه فلا حرج عليه، ومن وجده وهو يعلم أن صاحبه تركه رغبة عنه فهو له ولا يُسَمَّى لقطة.
ومن هذا الباب ما يكون من المخلفات من بعض الشركات؛ بعض الشركات مثلًا تنفذ مشروعًا وليكن طريقًا؛ تنفذ طريقًا، ويبقى شيء من أدواتها قد تركته رغبةً عنه لا تريده؛ كمواد بناء، وأخشاب، مسامير، وما أشبه ذلك، نعلم أنها تركته رغبة عنه، فوجده إنسان فهل يكون لقطة؟
لا بل هو لواجده.
ومثل ذلك فيما يظهر ما يكون من السيارات التي حصلت عليها حوادث وتركها أصحابها رغبة عنها؛ فإنها لا تكون من اللقطة، بل تكون لواجدها إلا أن يكون هناك نظام عند الدولة بأن هذه المخلفات تكون للمرور، أعني: مخلفات السيارات فلا يتعرض لها أحد.
قال المؤلف: (وتتبعه هِمَّةُ أوساط الناس) ظاهر كلامه أنه لا بد أن يكون هذا الضال عن ربه مما تتبعه همة أوساط الناس، فإن كان لا تتبعه فليس بلقطة، وفي هذا نظر.
والصواب أن هذا القيد (تتبعه همة أوساط الناس) قيد فيما يجب تعريفه لا في اللقطة، وأن اللقطة تكون حتى في الشيء الذي لا تتبعه همة أوساط الناس فإنه لقطة لكن لا يجب تعريفه.
وقوله: (تَتْبَعُه همَّةُ أوساط الناس) يعني: تتعلَّق به نفوسهم؛ يعني أنه إذا ضاع منه تعلَّقت نفسه به وصار يطلبه.
وقوله: (أوساط الناس) أوساط الناس مالًا أو أوساط الناس خلقًا؟
الظاهر الثاني، ومعنى قولنا: الظاهر الثاني يعني: أوساط الناس خلقًا؛ لئلا يدخل البخيل ولا يخرج الكريم، فإن بعض الناس عندهم كرم لو ضاع منهم الشيء الكثير لم يهتموا به، وبعض الناس عندهم بخل شديد لو ضاع منهم الشيء اليسير ذهبوا يطلبونه، ألم تسمعوا قول الشاعر:
بَلِيتُ بِلَى الأَطْلَالِ إِنْ لَمْ أَقِفْ بِهَا
وُقُوفَ شَحِيحٍ ضَاعَ فِي التُّربِ خَاتَمُه
الشحيح الذي يضيع خاتمه في التُّرب يبقي يحرث من أول النهار إلى آخره لعله يجد هذا الخاتم، وإذا حرث جانبًا قال: لعله في الجانب الثاني، إذا حرث من الجانب الثاني قال: لعله في الوسط، إذا حرث في الوسط قال: لعله في قاع المكان وهكذا.
إذن العبرة بأوساط الناس خلقًا؛ يعني: ليس كريمًا لا يهتم بشيء، ولا بخيلًا يهتم بكل شيء، ولا شك أيضًا أن أوساط الناس من حيث المال أيضًا معتبر، فإن الفقير إذا ضاع منه الشيء اليسير تعلَّقت نفسه به، والغني لا تتعلق به نفسه في الغالب.
المهم هل قولنا: (وتتبعه همَّةُ أوساط الناس) من تمام تعريف اللقطة أو لا؟
نقول: أما ظاهر كلام المؤلف فنعم؛ لأنه قال: (مال أو مختص ضلَّ عن ربِّه وتتبعه همة أوساط الناس)، وأما على القول الراجح فلا؛ لأن هذا قيد فيما يجب تعريفه لا في حقيقة اللقطة.
قال: (فأما الرَّغيف والسوط ونحوهما فيُمْلَك بلا تعريفٍ) (الرغيف) يعني: الخبزة، (السوط) يعني: العصا، (ونحوهما) كالحبل والقلم الرخيص وما أشبهها فإنه يملك بلا تعريف، من الذي يملكه؟
يملكه واجده ولا حاجة أن يعرف؛ يقول: من ضاع له القلم؟ من ضاعت له خبزة؟ من ضاع له سوط؟ لأن هذا شيء زهيد إذا ضاع من الإنسان لا يذهب يطلبه.
يشترط في هذا ألا يكون عالمًا بصاحبه، فإن كان عالمًا بصاحبه وجب عليه إعلامه؛ مثل أن أجد قلمًا لا يساوي درهمًا، لكني أعرف أنه لفلان، فهنا لا يحل لي أن آخذه، ولكن يجب عليَّ إعلام صاحبه أو إيصاله إليه، أيهما الواجب؟
الواجب الإعلام، أما الإيصال ما يجب عليه، قد يقول مثلًا: قد أكون أنا حفظته في بيتي ووجدت صاحبه في المسجد بعيدًا عن البيت، فهل يجب عليَّ أن أرجع إلى البيت لآتي به إليه؟ لا يجب عليَّ، يجب عليَّ إعلامه به، ثم آتي به متى تيسَّر، أو أقول: اتبعني وأعطيك إياه.
على كل حال يشترط في هذا القسم الذي ذكره المؤلف ألا يعلم بصاحبه، فإن عَلِمَ بصاحبه وجب عليه إعلامه به؛ لأنه يعلم مالكه، فكيف يحل له مال غيره وهو يعلمه؟
الحذاء؛ من هذا النوع، أو تتبعه همة أوساط الناس؟
الحذاء يختلف؛ فيه حذاء رخيص جدًّا، وفيه حذاء غالٍ رفيعُ الثمن، لكن صاحبه قد أهلكه باستعماله؛ حتى إن خاتم الحذاء قد انقطع، والوطئة قد تخرقت، لو كان جديدًا يساوي خمسين درهمًا لكن الآن ويش يساوي؟ ولا شيء، يعني: يمكن اللي يجده، يمكن ما يلبسه، لكن صاحب الحذاء من أجل أنه يريد أن يستمتع به يستمتع به.
فالحذاء إذن لا يصح أن نقول: إنه من هذا الباب على الإطلاق، بل يُنْظَر فيه؛ هل هو من النوع الرخيص أو من الغالي، وهل إذا كان من الغالي قد أُتِلَف من الاستعمال أم لم يتلف.
قال: (فيُمْلَك بلا تعريف)، ثم قال: (وما امتنع مِنْ سَبُعٍ صَغيرٍ كَثَوْرٍ وجمل ونحوهما حَرُمَ أخذُه)
هذا القسم الثاني؛ (ما امتنع) (حرم) هل نجعل (ما) هنا موصولة أو نجعلها شرطية؟ يجوز الوجهان؛ يجوز أن يكون التقدير: والذي امتنع حَرُم أخذه، ويجوز أن نقول: وإن امتنع من سبع صغير حرم أخذه؛ يعني معناه أن نجعل (ما) بمعنى (إن) شرطية، والمعنى واحد، فالشيء الذي يمتنع من صغار السباع لا يجوز أخذه، يحرم؛ الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن ضالة الإبل فقال: «دَعْهَا، مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» (3) فقال: «دَعْهَا» فأمر بتركها، والأمر للوجوب وقد غضب الرسول عليه الصلاة والسلام من ذلك؛ ممن سأله عن ضالة الإبل غضب لئلا يتجرأ أحد على أخذها.
وقوله: (من سَبْعٍ صغير) احترازًا من السبع الكبير؛ لأن السبع الكبير قلَّ أن يمتنع منه حيوان، لكن السبع الصغير مثل الذئب والضبع وما أشبههم كالكلب العقور مثلًا.
وقول المؤلف: (كَثَوْرٍ) مثال للسبع ولا للممتنع؟
طالب: للممتنع.
الشيخ: للممتنع؛ الثور يمتنع من صغار السباع؛ يعني: لو جاء الذئب إلى الثور ما يقدر يأكله، ينطحه الثور حتى يشق بطنه، الجمل كذلك لا يمكن أن يأكله السبع الصغير ينطحه برجله حتى يهلكه، فهذا الذي يمتنع من السبع الصغير يحرم أخذه؛ والدليل كما سمعتم.
وقوله (ونحوهما) كالجاموسة مثلًا؛ فإنه يَحْرُم أخذها، وكذلك ما يمتنع من السبع الصغير بعدوه كالظباء، فإنه يمتنع من السبع الصغير بعَدْوِه؛ سرعته، وكذلك ما يمتنع من السبع الصغير بطيرانه مثل الحمام، فإذا وجدت حمامة حَرُم عليك أخذها، دعها؛ لأنها تأكل الحب وتشرب الماء وترجع إلى صاحبها كما جاء في الحديث: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ؛ تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا» (5)
إذن ما امتنع من السبُع الصغير لكبر جسمه أو لشدة عدوه أو لطيرانه فإنه يَحْرُم أخذه.
يرد علينا ما يورده كثير من الناس بالنسبة للحمامة؛ تأتي حمامة إلى بيته ويطردها، ولكنها تأتي يطردها، وتأتي فماذا يصنع معها؟ أحيانًا تبيض وتفرخ ويحصل منها كميات، فماذا يصنع؟
أقول في هذا: إذا عجز عن طردها فأحسن ما يكون أن يقدِّر ثمنها؛ أن يقدر قيمتها ويتصدق بها لصاحبها، وتكون هذه الحمامة ملكًا له؛ لأنه مشكل إذا قلنا: إنه لا يملكها وفرخت عنده وصار لها نماء كثير، فلمن يكون هذا النماء؟ فنقول: من الأصل إذا عجزتَ عن طردها فقدِّر قيمتها وتصدَّق بها وتكون لك.
إلا أن تكون تعرف مالكها، فإن كنت تعرف مالكها وجب عليك إبلاغه بأنها عندك ثم إن شاء طلبها وإن شاء تركها.
وإذا قلنا: إن هذا النوع يحرُم التقاطه وأخذه؛ فإنه يَحْرُم ما يفعله بعض الناس الذين يقتنون الحمام، بعض الناس يكون عندهم من الحمام ذَكَرٌ جَذَّابٌ يجذب الحمام، فيشتري هذا الذكر من أجل أن يجذب الحمام إليه تجده يمكن في أسبوع يحصل له عشرين أو ثلاثين حمامة، جاء بها هذا الذكر؛ فهل يجوز أن يقتنى مثل هذا الذكر؟
الجواب: أما إذا اقتناه قصدًا من أجل أن يجذب حمام الناس إليه فهذا حرام لا إشكال فيه، ولكن يبقى النظر إذا كان لم يقتنه قصدًا إلا أن الواقع صار كذلك.
فهل نقول: اذبح هذا الذكر لئلا تجذب حمام الناس أو يقول: والله أنا ما أذبحه.
الذي يظهر لي أنه يجب أن يحبسه أو يذبحه؛ لأننا ما دمنا علمنا بأن هذا يجذب الحمام إليه فقد علمنا الضرر الناتج عن هذا المال، وإذا نتج عن مالك إضرار الآخرين وجب عليك كف الضرر ما أمكن.
(حَرُم أخذُه) قال: (وله التقاط غير ذلك من حيوان وغيره، إن أَمِنَ نفسه على ذلك وإلا فهو كغاصب)
قوله: (وله) اللام هنا للإباحة، ولكن هل المراد بالإباحة هنا استواء الطرفين أو أن الالتقاط أرجح أو عدمه أرجح؟
نقول: إن المؤلف أتى باللام الدالة على الإباحة في مقابلة الحكم بالتحريم في قوله: (حَرُم أخذه) فكأنه قال: ولا يحرم أخذ ما سوى ذلك، ولا يلزم من نفي التحريم انتفاء ترجيح أحد الطرفين فنقول: ما عدا ذلك لك التقاطه، ولكن هل الأفضل أن تلتقطه أو أن تدعه؟
في هذا تفصيل؛ إن كنت تخشى ضياع هذا المال لو تركته، وتعلم من نفسك أنك قادر على تعريفه فالأفضل أن تأخذه؛ لأن في هذا حفظًا لمال أخيك، وأنت تعلم من نفسك أنك سالم منه فالأفضل هنا أن تأخذه.
وإن كنت لا تعلم من نفسك القدرة على تعريفه، ولا تخشى عليه من الضياع لاحتمال أن يجده صاحبه، فالسلامة أسلم، اتركه؛ لأنك إذا أخذته سوف تلزم نفسك بالتعريف، والتعريف ربما يَشُقُّ.
قال المؤلف: (وله التقاط غير ذلك من حيوان وغيره)؛ مثال الحيوان الذي يجوز التقاطه: الشاة؛ الشاة لا تمتنع من صغار السباع، فإذا وجدت شاة فلك أن تأخذها؛ ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ضالة الغنم قال: «هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» (3) ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من أخذها.
ما تقولون في الحمير؟ هل هي من القسم الأول الذي ذكره المؤلف؛ أي هل هي من القسم الذي يحرم أخذه؟ أو من القسم الذي يباح أخذه؟
طالب: ما يمتنع.
طالب آخر: الأهلية ولَّا؟
الشيخ: الأهلية.
طلبة: ما يمتنع.
الشيخ: في هذا خلاف؛ بعض العلماء يقول: إنه يمتنع من صغار السباع، وأنه يحرم أخذه كما يحرم أخذ الجمل والثور، وبعضهم يقول: إنه لا (... ).
فإن المعروف أن الحمار إذا شم الذئب أو سمع صوته عَقَر ولم تقله رجلاه، بل لم تقله الأرجل الأربعة، كلها خلاص تخر، ويقف للذئب، والذئب يأتي ويأكله هنيئًا مريئًا وبناء على ذلك يَحْرُم أخذُه ولَّا ما يحرم؟
طالب: ما يَحْرُم أخذه.
الشيخ: لا يحرم أخذه، وهذا هو الصحيح، فإذا وجدت حمارًا ضائعًا فلك أن تأخذه كما لو وجدت شاة، ولكن تُعَرِّفُه كما يذكر المؤلف.
طالب: الشاة شجاع.
الشيخ: عجيب!
الطالب: (... ) يوقف على محله، و (... )
الشيخ: يسوي كده ويبول أيضًا، أنت تقول: الشاة أيش؟
الطالب: شجاع (... ).
الشيخ: الشاة شجاع ولا أشجع؟
طالب: أشجع.
الشيخ: إي نعم.
طالب: (... ) الطرقات (... ) المهملة (... ).
الشيخ: اتركها ما يجوز.
طالب: يعني: تُتْرَك (... ).
الشيخ: إي نعم، أنت ليس لك من الأمر شيء، هذا يرجع إلى الدولة؛ الحكومة، إنما أنت لا يجوز أن تأخذها، يجوز أن تطردها عن الطريق لا بأس.
طالب: (... ).
الشيخ: هذا بعد شيء يرجع للقضاة.
طالب: مَنْ يطوفون الأسواق؛ عمال النظافة ما يجدون عند الأبواب، هل يطرقون الأبواب ويستأذنون أهلها بالنسبة لهذا..
الشيخ: سمعتم سؤاله، يقول: ما يوجد عند الأبواب مما يُلْقَى، هل يلزم عمال النظافة أن يسألوا أهل البيت، هل تريدون هذا أم لا؟
الجواب: لا، لا يلزمهم؛ لأن أهل البيت ما أخرجوه إلا وهم راغبون عنه إلا إذا كان هناك احتمال أن الذي خرج به صبي؛ مثل أن نعرف أن مثل هذا الإناء لا يُلْقَى ولا يُرْمَى، فحينئذ لا بد من السؤال، أو يكون الشيء ثمينًا، يخشى أن أهل البيت ضموه مع الأشياء الأُخَر، ولم يعلموا به كما لو وجدوا حليًّا، فهنا لا بد من إخبار أهل البيت بذلك.
طالب: أحسن الله إليك، صغار الإبل ما تمنع (... ).
الشيخ: صغار الإبل ما تمنع (... )، صحيح فيكون حكمها حكم الشاة.
طالب: بارك الله فيكم، علمنا دليل تحريم أخذ لقطة الجمل لكنه ما امتنع من سبع صغير، كيف يكون الدليل، على أنه يَحْرُم أخذ ما امتنع من سبع؟
الشيخ: قياسًا على الجمل؛ لأن الرسول قال: «مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا؛ تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» (3)
طالب: بالنسبة يا شيخ (... )، نقول: هل يحرم أخذه؟
الشيخ: نعم.
الطالب: ويش الدليل على هذا؟
الشيخ: لأنه مثل الجمل؛ يحمي نفسه، يرد الماء، ويأكل الشجر حتى يجده ربه؛ يعني: شرط أن يأمن نفسه على ذلك، يعني: يأمن نفسه على تملكه، فإن كان يخشى أن يطمع فيه، ولا يُعَرِّفُه فإنه لا يجوز له أن يلتقطه، وحينئذ نقول: يمكن أن نجعل الحكم في هذا كما يلي:
أولًا: أن يخشى من ضياعه وأن يلتقطه مَنْ يتملكه فالأولى أيش؟
طلبة: أخذه.
الشيخ: الأولى أخذه، فإن قال قائل: لماذا لا توجبون أخذه إذا كان في مكان يخشى أن يأخذه من يأخذه ولا ينشده؟
فالجواب؛ أننا لا نوجب ذلك؛ لأننا لو أخذناه لا نتيقن أن يصل إلى صاحبه فربما ننشده ولا نجد صاحبه، ولهذا لا يجب التقاطه في هذه الحال، ولكن نقول: الأفضل أن تأخذه لأن هذا أقرب إلى رجوعه لصاحبه.
الحال الثانية: أن يَخْشَى الواجد نفسه على هذا الموجود؛ بمعنى أنه يخشى أن يتملكه ولا ينشُده، فهنا يَحْرُم أخذُه، ما هو الأولى تركه، يجب تركُه ويحرم أخذه؛ لأن المؤلف يقول: (وإلَّا) يعني: وإن لم يأمن نفسه على ذلك (فهو كغاصب)، والغصب حرام فيحْرُم عليه أخذه في هذه الحال، ويش بقي عندنا؟
الحال الثالثة: أن يأمن نفسه ولا يخاف على ذلك، فهل السلامة أسلم وأولى أو الأخذ أولى؟
طالب: السلامة أولى.
طالب آخر: الأخذ أولى.
الشيخ: السلامة أولى، يتركه، فكم من إنسان أخذ اللقطة على أنه سيعرِّفها ثم يتهاون أو يأتيه شغل يصده عن تعريفها أو لا يجد ما يعرفها به إلا بثمن باهظ، وما أشبه ذلك فالحاصل أن الأحوال الآن كم؟
ثلاثة: أن يخشى عليها، أن يخشى على نفسه، أن لا يخشى شيئًا.
إن خَشِيَ عليها؟
طلبة: أخذها.
الشيخ: أخذها، على سبيل الوجوب أو على سبيل الأفضلية؟
طالب: الأفضلية.
الشيخ: الأفضلية، وبيَّنا لكم وجه امتناع القول بالوجوب، وإلا لقال قائل: يجب أن يحفظ مال أخيه، وبينَّا أنه لا يجب بسبب أنه لا يعلم صاحبه وربما لا يهتدي إليه فلا يجده.
أن يخشى على نفسه فيحرم عليه الأخذ؛ لأنه إن أخذ فهو كالغاصب.
ألا يخشى هذا ولا هذا؛ فله الأخذ، لكن السلامة أولى وأفضل.
يقول المؤلف: (إن أَمِنَ نفسه على ذلك وإلا فهو كغاصب)، ثم قال: (ويُعَرِّف الجميع في مجامع الناس) يعرِّف الجميع؛ أي من القسم الثالث، ما هو؟
طلبة: (... )
الشيخ: لا، من القسم الثالث، ما هي بالحال الثالثة؛ القسم الثالث ما سوى الأول والثاني يعني: ما سوى الذي يملكه بدون تعريف، وما سوى الذي يحرم عليه أخذه.
(يعرِّف الجميع) كيف قال: الجميع؟
لأنه ذكر حيوانًا وغير حيوان؛ يعني: يعرف الحيوان وغير الحيوان.
أما تعريف غير الحيوان فقد دلت عليه السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً» (3).
وأما الحيوان فقد اختلف العلماء في وجوب تعريفه؛ فمنهم من قال بوجوب التعريف كما هو كلام المؤلف حيث قال: (يُعَرِّفِ الْجَمِيعَ)، ومنهم من قال: إنه لا يجب أن يعرفه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هِيَ لَكَ» في الشاة يجدها الرجل قال: «هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ»، و (أو) هنا للتخيير فهي لك إن شئت ألا تعرِّفْها، أو لأخيك إن عرَّفْتَها فوجدها، أو للذئب إن شئت ألا تأخذها ولا تعرِّفْها فهي للذئب يأكلها.
ولكن الصحيح ما ذهب إليه المؤلف؛ أنه يجب أن يعرِّف الجميع؛ الحيوان وغير الحيوان ومعنى يعرِّف؛ أي: يطلب مَنْ يعرِّفْها فيقول مثلًا: مَنْ ضاعت له الدراهم؟ من ضاعت له الدنانير؟ من ضاع له الحلي؟ من ضاع له القلم؟
وما أشبه ذلك من الألفاظ المجملة التي تبين النوع دون الوصف؛ فيبين النوع دون الوصف لا يقول مثلًا: مَنْ ضاع له القلم الذي صفته كذا وكذا وكذا، أو مَنْ ضاعت له الساعة التي صفتها كذا وكذا؛ لأنه لو قال: هكذا لادَّعاها كلُّ إنسان لكن يبين النوع دون الوصف.
أنا أقول: يبين النوع، لماذا لم نقل: يبين الجنس؟
لأنه أبلغ في الإبهام؛ لأن الجنس بعيد، قد لا يخطر ببال السامع أن هذا هو الشيء الذي ضاع له، فلا يقول مثلًا: مَنْ ضاع له المتاع؟ ويش السبب؟
لأن المتاع كثير فقد لا يخطر ببال السامع أنه الشيء الذي ضاع له، إذا وجد قلمًا لا يقول: مَنْ ضاع له المتاع؟ ماذا يقول؟
طلبة: القلم.
الشيخ: مَنْ ضاع له القلم؟ لأن هذا أولًا أقرب إلى ذهن السامع، والثاني أنه أريح للواجد؛ لأنه لو قال: من ضاع له المتاع؟ وقد وجد القلم، وكان فيه مئة نفر؛ واحد ضايع له المسجل، واحد ضايع له الراديو، واحد ضايع له الثوب، واحد ضايع له قلم، واحد ضايع له ساعة، كان كل هؤلاء سوف يأتون إليه، وربما يقضون مضجعه كل ساعة من ليله، يطق عليه واحد: سمعت إنك تنشد ضالة، أنا ضايع لي قلم، يقول: ما هو قلم، يروح بعد ما يضع رأسه على الوسادة وإذا بالباب يقرع: سمعت إنك تنشد ضالة.
أنا ضايع لي مصحف.
والله ما هو بمصحف اللي وجدته.
في أمان الله.
راح ينام، إذا وضع رأسه على الوسادة جاءه الثالث والرابع، وهلم جرًّا.
لكن إذا قال: قلم.
ويش يحدث؟ كل مَنْ ضاع له شيء سوى القلم، فيكون هذا أخصر؛ يعني: مع كونه أقرب إلى تصور السامع فهو أريح لمن؟
طلبة: للواجد.
الشيخ: للواجد.
إذن (يُعَرِّفِ الجميع) ويش معناها؟
طالب: (... ).
الشيخ: إي، يعرِّف؛ يطلب مَنْ يعرف هذا الشيء الضائع، ويسميه بأيش؟
بالنوع لا بالوصف؛ يعرفه بالنوع لا بالوصف، نقول: بالنوع دون الجنس؛ لأنه أقرب إلى تصور السامع وأريح بالنسبة لمن؟ للواجد
(لا بالوصف) ليش؟ لئلا يدَّعيه مَنْ ليس له، فيأتي ويصفه حسب وصف الواجد، وهو ليس له.
قال: (في مجامع الناس) أي: في الأماكن التي يجتمعون فيها مثل الأسواق.
طالب: (... )
الشيخ: لا، يا أخي؛ قال: غير المساجد يا أخي، في الأماكن التي يجتمعون فيها؛ كالأسواق وكحفلات الزواج، وغير ذلك مما يكون مجتمعًا للناس فلا يجزئ إذا عرفها في بيته، مثلًا عزم اثنين ثلاثة دعاهم إلى بيته، وقال: من ضاعت له الساعة؟ مثلًا، هذا ما يكفي، لا بد أن تكون في المجامع.
قال: (غير المساجد) فالمساجد لا يجوز أن تُعَرَّف فيها الضالة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا سَمِعْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ» (6) ادعوا عليه بأن الله لا يَرُدَّها عليه، فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا؛ المساجد إنما بنيت للصلاة، وقراءة القرءان والذكر وتعليم العلم، وما أشبه ذلك.
لكن، لو عرَّفها عند باب المسجد خارج المسجد، يجوز ولَّا لا؟
يجوز، وعلى هذا فلا بأس من ضَرْبِ إعلان على جدار المسجد مِنَ الخارج؛ يقول: مَنْ ضاع له كذا وكذا؟ حولًا يعني سنة كاملة لقول النبي صلى الله عليه وسلم «ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً» (3).
والمراد الحول الهلالي لا الشمسي، والحول الهلالي ينقص عن الحول الشمسي بنحو عشرة أيام، فمثلًا إذا قلنا: إن الحول الشمسي من أول يوم من الحَمَل -الحمل أحد البروج الاثني عشر- إلى أول يوم منه؛ فإنه يزيد عما إذا قلنا: إن الحول من أول يوم من شهر محرم إلى أول يوم منه؛ لأن الحول الهلالي دون الحول الشمسي، والمعتبر شرعًا هو الحول الهلالي.
هنا بَيَّن المؤلف رحمه الله المكان الذي تُعَرَّف فيه الضالة، والزمان وأنه حول كامل؛ ودليله قوله صلى الله عليه وسلم «ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةًَ»، ولكن هل يعرَّفها في هذه السنة كل يوم صباحًا ومساء، أو كل يوم مرة، أو كل أسبوع، أو ماذا؟
الجواب على ذلك أن نقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عَرِّفْهَا سَنَةً» ونعلم علم اليقين أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يريد منك أن تبقى ليلًا ونهارًا تُعَرِّف؛ لا تنام في الليل، ولا تستقر في النهار، ما أراد هذا، فيرجع في ذلك إلى العرف، وقد اجتهد بعض العلماء فقال: يعرِّفُها في الأسبوع الأول كل يوم، ثم كل أسبوع مرة، ثم كل شهر مرة.
الأسبوع الأول كل يوم ثم يعرفها شهرًا في كل أسبوع مرة ثم في كل شهر مرة.
وهذا التقدير اجتهاد من بعض العلماء ليس عليه دليل، ولكن الأولى أن يرجع في ذلك إلى العُرْف، فإن كانت اللقطة في مكان لا ينتابه الناس كثيرًا، فإنه يعرِّفُها حسب ما ينتابه الناس؛ يعني: في مكان محل للذاهب والجائي للمسافر والمقيم، هذا لا بد أن يواصل التعريف كلما اجتمع الناس في هذا المكان؛ لأنه يحتمل أنها ضاعت من المسافر الذي ذهب ولا يرجع إلا بعد أسبوع أو بعد شهر أو بعد سنة ما يعلم.
فالمهم أن المرجع في ذلك إلى العرف وما تقتضيه الحال.. (... )
الطالب: لكن لا يتصرف فيها قبلَ معرفة صفاتها، فمتى جاء طالبُها فوصفها؛ لزم دفعُها إليه، والسفيه والصبيُّ يُعَرِّفُ لُقَطَتَهما وليُّهما، ومَنْ ترك حيوانا بفَلاة لانقطاعه أو عَجْزِ رَبِّهِ عنه مَلَكَهُ آخذُه، ومَنْ أُخِذَ نعلُهُ أو نحوُه ووجد مَوضِعَهُ غَيْرَهُ فلُقَطَةٌ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل وجد قلمًا؛ هل يعرِّفه أو لا يعرِّفه؟
طالب: يعرفه إذا يَعْرِف صاحبه.
الشيخ: ما يَعْرِف صاحبه، لو عرف صاحبه ما احتاج تعريفه.
الطالب: ما يُعَرِّف..
الشيخ: وجد قلمًا، هل يجب عليه أن يعرِّفه أو لا؟
الطالب: ما يُعَرِّف..
الشيخ: ما يعرِّف، ولو كان يساوي خمس مئة ريال؟ !
طالب: يعرِّفه إذا يكون معلوم صاحبه، إذا يعرف صاحبه.
الشيخ: هو ما يَعْرِف، لو كان يعرف صاحبه ما احتاج إلى تعريفه.
الطالب: يعرِّفه.
الشيخ: إذا كان يعرف صاحبه ياخد القلم يروح يوديه إياه.
الطالب: يعرِّفُه.
الشيخ: لا، أنت قلت: لا يعرفه قبل قليل، هو أنت؟ !
الطالب: ولو يساوي خمس مئة ريال.
الشيخ: لا يعرفه؟ !
طالب: يعني: يعرفه سنة.
الشيخ: وجد قلمًا يساوي نصف ريال، ما تقول؟
الطالب: يعني: يعرفه بس ما (... ).
الشيخ: كيف؟ يلَّا يا أخي.
الطالب: يعرِّفه.
الشيخ: أنا أريد أن تقول: يُعَرِّف أو لا يعرف؟ بناء على ما قرأنا.
الطالب: يعرفه.
الشيخ: يعرفه، هو يساوي نصف ريال، وأجرة المعرف عشرين ريالًا.
الطالب: لا ما يعرفه..
الشيخ: أيش هذا؟ ! كيف؟
الطالب: ضرر، بالنسبة للتعريف.
الشيخ: أنت قلت: لازم يعرفه، الواجب يجب أن يقوم به الإنسان، ولو تكلف دراهم عليه، نقول: يعرفه، ويرجع بالعشرين على صاحب القلم!
الطالب: لا.
الشيخ: كذا، يقول صاحب القلم: لك قلمي ولا أريد شيئًا منك.
الطالب: ما يعرِّف.
الشيخ: الله يهديك، أنا أريد منكم جميعًا أن تبنوا المسائل على ما عرفتم من الأحكام؛ ويش تقول؟
طالب: إن كان القلم مما تتبعه همة أوساط الناس فيعرِّفُه، وإن كان لا تتبعه همة أوساط الناس بحيث أنه رخيص فلا يعرفه.
الشيخ: تمام، إحنا قلنا هكذا؛ قلنا: اللقطة ثلاثة أقسام؛ قسم لا يهتم الناس به يعني: إذا ضاع من الإنسان ما راح يدوره، هذا إذا وجده أحد فهو له ولا يحتاج إلى تعريف إلا إذا كان يعرف صاحبه فيجب عليه أن يبلغه به.
إذن القلم لو سألنا سائل فقال: ما تقولون في رجل وجد قلمًا؛ هل يجب عليه أن يعرفه أو لا؟
نقول: إن كان هذا القلم ثمينًا بحيث تتبعه همة أوساط الناس وَجَبَ عليه أن يعرِّفه، وإن لم يكن ثمينًا لم يجب.
ما تقول: في رجل وجد نعلًا؛ هل يجب عليه أن يعرفه أو لا؟
طالب: نشوف من القسم الأول، أو من القسم الثاني.
الشيخ: أيش تقول؟
الطالب: إذا كان من القسم الأول..
الشيخ: ويش هو القسم الأول؟
الطالب: الأول هو الشيء البسيط، ما يهتم الناس، لا يعرفه شيئًا، وإذا يعرف مالكه لازم عليه إعلامه، وإذا كان يهتم الناس به يعرِّف الجميع في السوق والمدينة.
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، واضح هذا؟
فإذا كان هذا النعل جديدًا يساوي أربعين ريالًا، وكل يساوي مئة ريال، أنا سمعت إن فيه نعالًا تساوي ألف ريال.
طالب: خمسة آلاف.
الشيخ: خمسة آلاف؟ ! خلوه يساوي خمسة آلاف، ولكنه وجد نعلًا عتيقا لا يساوي درهمًا؛ الأول يجب أن يعرفه والثاني لا يجب.
ما تقول: في رجل وجد شاة؟
طالب: إذا كان يعرف صاحبها فالشاة يأخذها فيعرفها.
الشيخ: يعرفها، وهو يعرف صاحبها.
الطالب: لا ما يعرف صاحبها.
الشيخ: إذا كان لا يعرف صاحبها وجب عليه أن يعرِّفها وإن كان؟
طالب: وإن كان لا..
الشيخ: إذن: نقول يعرفها فقط، ما يحتاج تفصيلًا، إذا وجد شاة وجب عليه تعريفها لأنها من القسم الثاني الذي تتبعه همة أوساط الناس.
قال المؤلف رحمه الله: (ويُعرِّف الجميع في مجامع الناس غير المساجد) المساجد لا يجوز أن يُعَرِّف فيها؛ لأنها لم تُبْنَ لهذا، وسبق الكلام عليها.
قال: (ويملكه بعده حكمًا) يملكه؛ أي: يملك الشيء الملتقَط الذي وجده بعده أي بعد الحول حكمًا أي قهرًا بغير اختياره؛ التملُّك يكون اختياريًّا ويكون حكميًّا أي اضطراريًّا؛ مثال الأول: ما يملك بالبيع والهبة والصدقة وما أشبه ذلك، هذا اختياري ولا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: باختياري أنا؛ إن شئت اشتريت منك هذا الشيء فملكته، وإن شئت لم أشتره، هذا اختياري.
الهبة؛ وهبني رجل شيئًا؛ تَمَلُّكي لهذا الموهوب اختياري، إن شئت قبلت الهبة، وإن شئت رددتها.
الصدقة إن شئت قبلتها، وإن شئت رددتها، هذا اختياري.
الاضطراري الحكمي؛ أنه ليس باختياري؛ مثل الميراث، مات إنسان عن ثلاثة أبناء فقال أحد الأبناء: أنا لا أريد الميراث، ماذا نقول له؟ نقول الميراث يلزمك؛ لأنك تملكه حكمًا، فيدخل في ملكك قهرًا وليس لك اختيار فيه.
فإن قال: أنا متنازل عنه لإخواني الاثنين.
قلنا: إذا قبله صار هبة منك، وإن لم يقبله فهو ملكك، ما يمكن تنفك عنه.
اللقطة عَرَّفَها سنةً وتمَّت السنة، وقال: أنا ما أبغيها، أنا مغنيني الله عنها، ماذا نقول؟ نقول: دخلت في ملكك قهرًا بغير اختيارك.
ولهذا قال المؤلف: (يملكه بعده حكمًا) أي: بعد الحول، تدخل في مُلْكِه، شاء أم أَبَى، إذا دخلت في ملكه، هل يجوز أن يتصرف فيها أو لا؟
الجواب: يجوز أن يتصرف فيها بالبيع والهبة، والرهن والإيقاف وغير ذلك من أنواع التصرف؛ لأنها دخلت في ملكه.
قبل أن يتم الحول هل يكون مالكًا لها؟
لا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ولتكن وديعة عندك قبل أن يتم الحول هي وديعة، أمانة عندك لا يمكن أن تتصرف فيها إلا إذا كان في بقائها ضرر على صاحبها فلك أن تتصرف فيها.
صار ما بعد الحول يُتَصَرف فيها، قبل الحول لا يتصرف فيها إلا إذا كان في ذلك ضرر على صاحبها فإنه يتصرف فيها كما لو كانت اللقطة من الأشياء التي لا تبقى، فهنا يتصرف فيها بالبيع ويحفظ الثمن، أو كانت من الأشياء التي تبقى لكن تستنفق أكثر من قيمتها أضعافًا مضاعفة، كما لو وجد شاة، وكان لو أبقاها ينفق عليها أكثر من قيمتها أضعافًا مضاعفة فهنا يبيعها ولَّا لا؟
نعم، يبيعها وإن كان لم يملكها؛ لأن بقاءها ضرر على صاحبها، لو بقيت عنده وهي شاة تساوي ثلاث مئة ريال وكل يوم تأكل منه أربعين ريالًا وهي تساوي ثلاث مئة، اضرب أربعين في ثلاث مئة وستين كم تبلغ؟
طالب: ألف ثلاث مئة وخمسين.
طالب آخر: ألف وثلاث مئة..
الشيخ: اضرب يا أخي، عندكم الأوراق تخلصهم.
طالب: أربعة عشر ألفًا وأربع مئة.
الشيخ: أربعة عشر ألفًا؟
طالب: وأربع مئة.
الشيخ: هذه الشاة إذا بقيت عنده إن كان مضبوطًا الحساب، ستأكل في السنة الواحدة أربعة عشر ألفًا وكم؟
طالب: أربع مئة.
الشيخ: وأربع مئة، هل من المصلحة أن تبقى؟ فإذا جاء صاحبها عطيته قائمة بأربعة عشر ألفًا وأربع مئة، أقول: هات أربعة عشر ألفًا وأربع مئة وأديك الشاة، الشاة تساوي كم؟ ثلاث مئة ريال أو من المصلحة أن أبيعها وأحفظ الثمن ثلاث مئة ريال؟
الثاني من المصلحة، وفي هذه الحال يجب أن يبيعها إلا إذا كان يرجو أن يجد صاحبها من قرب بعد يوم أو يومين أو ما أشبه ذلك في وقت لا تأكل نفقة كثيرة فلا يبعها، لكن إذا علم أنه لن يجد صاحبها من قُرْب فإنه لا بد أن يبيعها، لو وجد الإنسان عدلًا من قثاء، تعرفون القثاء ولَّا لا؟
طالب: نعم.
طالب: العدل؟
الشيخ: العدل كيس كبير، الكيس الكبير من القثاء، تعرف القثاء يا أخ؟
طالب: لا، ما أعرفه.
الشيخ: ما تعرفه؟ إن شاء الله بعد ما ينتهي الدرس واحد منكم يروح للمبيعة تروح أنت وإياه يوريك إياه.
هذا العدل من القثاء لو بقي يومين ثلاثة يَفْسُد ولَّا لا؟
طالب: يَفْسُد.
الشيخ: يفسد، إذن لا أبقيه، أبيعه ما دام طريًّا حتى احتفظ بقيمته، فصار ما بعد الحول إذا تم الحول فللملتقط التصرف فيها تصرفًا كاملًا؛ لأنها ملكه وما قبل الحول لا يتصرف إلا إذا دعت الحاجة إلى تصرفه فهنا يتصرف بما هو أصلح.
يقول: (ويملكه بعده حكمًا لكن لا يتصرف فيها قبل معرفة صفاتها) يعني: إذا أراد أن يتصرف فيها بعد الحول فلا يتصرف حتى يعرف صفاتها؛ يعني: ويقيدها؛ يعرف صفاتها مثلًا؛ إذا كانت متاعًا يعرف نوعه، وقدره، وكيفية صفته، رداءة وجودة، إذا كانت دراهم يعرف نوع الدراهم؛ الدراهم السعودية دراهم كويتية دراهم بحرينية، وما أشبه ذلك، يعرفها ويعرف أيضا العدد لماذا؟ من أجل إذا جاء صاحبها بعد الحول فيكون قد احتفظ بها؛ لأنه لا يمكن أن تعطى اللقطة إلا لمن وصفها، ليس كل إنسان يجيء، يقول: والله، اللقطة لي، أعطني إياها حتى يصفها؛ ولهذا قال: (لكن لا يتصرف فيها قبل معرفة صفاتها، فمتى جاء طالبها فوصفها لزم دفعها إليه) (متى) هذه اسم شرط تفيد الزمان، يعني: ففي أي وقت جاء طالبها فوصفها لزم دفعها إليه حتى بعد الحول؟ حتى بعد الحول ألم نقل قبل قليل: إنه إذا تم الحول ملكها؟
نقول: نعم، يملكها لكنه ملك مقيد في الواقع بماذا؟ فيما إذا جاء صاحبها، فإذا جاء صاحبها ووصفها لزم دفعها إليه، إذن ما الفرق بين ما قبل الحول وبعده؟
الفرق أن ما قبل الحول لا يتصرف فيها إلا إذا اقتضت الحاجة أو الضرورة ذلك وما بعد الحول يتصرف فيها كما شاء.
وقول المؤلف (فوصفها) يدل على أنه لا بد من الوصف، فلو جاء شخص وقال: إن اللقطة لي، ولكن لم يصفها فإنه لا يلزم الدفع إليه فإذا قال صاحبها: أنا نسيت لأنها قد ضاعت مني قبل سنة، ونسيت وصفها، ولكنها بالتأكيد لي فقال الواجد: أنا لا أسلمك إلا بوصف وامتنع من تسليمه فهل يأثم؟
طلبة: لا يأثم.
الشيخ: لا يأثم.
لو كان الرجل صدوقًا وامتنع من تسليمه؟
طلبة: لا يأثم.
الشيخ: فكذلك لا يأثم؛ لأن هذا حكم شرعي، فأنا لي الحق أن أمنع من تسليمها إليك إلا إذا وصفتها وصفًا ينطبق على صفاتها.
وقوله: (لزم دفعها إليه)؛ ظاهر كلام المؤلف أنه لا يحتاج إلى بينة؛ يعني: إذا وصفها فإنه لا يُطالَب بالبينة مع احتمال أن يكون غير مالك لها؛ لأنه باعها مثلًا، أنتم معي في هذا؟
يعني يمكن أن تكون اللقطة على الوصف الذي وصفها هذا المدعي، لكن يكون المدعي قد باعها وضاعت من المشتري، هذا الاحتمال وارد ولا غير وارد؟ وارد لا شك، لكن مع هذا لا نطالب الواصف بالبينة؛ لأن الأصل بقاء ملكه لأننا لو قلنا له مثلًا: صحيح أنت وصفتها الآن وانطبقت الأوصاف عليها، لكن ربما أنك قد بعتها فيأتينا واحد ثان يقول: أنا اشتريتها منه، فبماذا يجيبنا؟ يقول: الأصل بقاء ملكي أنا الآن وصفتها ووجب دفعها إليَّ بمقتضى السنة فالأصل بقاء ملكي فتدفع إليه.
قال: (والسفيه والصبي يُعرِّف لُقطتَهما وليُّهما) (وليُّهما) فاعل يعرف، السفيه من؟ هو الذي لا يُحْسِن التصرف ولو كان بالغًا فإنه سفيه ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5] الصبي مَنْ هو؟ مَنْ لم يبلغ.
فإذا وجد السفيه لُقَطَة وجاء بها إلى وَلِيُّه وقال: وجدت هذا الحلي فالواجب على الولي أن يعرفه لأن السفيه لا يُحْسِن التصرف؛ الصبي أيضًا إذا وجد لقطة فإنه يجب على وليه أن يُعَرِّفها، وهذا يقع كثيرًا في مدارس البنات تجد البنت الصغيرة حُليًّا وتيجي تقول: هذا لها، من الذي يعرِّف هذا الحلي؟
الولي لأنها هي غير مخاطبة ولا تعرف، فيجب على الولي أن يعرِّف هذه اللقطة؛ لأنه هو المتصرف في المال، وهو القائم عليهما فيعرف لقطتهما.
إذا لم يأت أحد لهذه اللقطة حتى تمت السنة فلمن تكون اللقطة أللولي أم للواجد؟
طلبة: للواجد.
الشيخ: تكون للواجد ولو كان سفيهًا أو صغيرًا ثم قال: (ومَنْ ترك حيوانًا بفلاة لانقطاعه أو عَجْزِ ربه عنه مَلَكَهُ آخِذُه).
ومَن أُخِذَ نَعْلُه أو نحوُه ووَجَدَ مَوْضِعَه غيرَه فلُقَطَةٌ.
﴿باب اللقيط﴾
وهو طِفْلٌ لا يُعْرَفُ نَسَبُه ولا رِقُّه نُبِذَ أو ضَلَّ، وأَخْذُه فَرْضُ كِفايةٍ، وهو حُرٌّ وما وُجِدَ معَه أو تَحْتَه ظاهرًا أو مَدفونًا, طَرِيًّا أو مُتَّصِلًا به كحيوانٍ وغيرِه, أو قَريبًا منه فله، ويُنْفَقُ عليه منه, وإلا فمِن بيتِ المالِ، وهو مُسلمٌ، وحَضانتُه لوَاجِدِه الأمينِ, ويُنْفِقُ عليه بغيرِ إذْنِ الحاكمِ، ومِيراثُه ودِيَتُه لبيتِ المالِ، ووَلِيُّه في العَمْدِ الإمامُ يَتَخَيَّرُ بينَ الْقِصَاصِ والدِّيَةِ، ووَلِيُّه في العَمْدِ الإمامُ يَتَخَيَّرُ بينَ الْقِصَاصِ والدِّيَةِ، وإن أَقَرَّ رجلٌ أو امرأةٌ ذاتُ زَوجٍ مسلمٍ أو كافرٍ أنه وَلَدُه أُلْحِقَ به ولو بَعْدَ موتِ اللقيطِ،
طالب: أو عجز ربه عنه ملكه آخذه، ومن أخذ نعله أو نحوه ووجد موضعه غيره فلقطة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ما تقول في رجل وجد صرة دراهم ماذا يصنع وهو لا يعرف صاحبها؟
طالب: يعرِّفها.
الشيخ: كم؟
الطالب: سنة.
الشيخ: ثم يعرفها لمدة سنة، ثم.
الطالب: ثم يملكها.
الشيخ: يملكها باختياره ولَّا بغير اختياره ولا قهرًا.
الطالب: باختياره.
الشيخ: يعني إن شاء ملكها، وإن شاء قال: ما هي لي.
الطالب: باختياره.
الشيخ: باختياره طيب، توافقونه؟ ويش تقول؟
طالب: قهرًا.
الشيخ: قهرًا، وين أنت يملكها قهرًا تدخل في ملكه غصبًا عليه، لو قال: لا أريدها قلنا: هي دخلت في ملكك أردت أم لم ترد، هل لها نظير في أن الإنسان يملك الشيء غصبًا عليه قهرًا.
الطالب: الله أعلم.
الشيخ: الله أعلم، لكن أنت دارس حاضر الدرس قبل أمس نعم.
طالب: الميراث.
الشيخ: الميراث يدخل في ملكه قهرًا، لو قال أحد الورثة: أنا لا أريد ميراثًا، قلنا: أردت أم لم ترد الميراث، كذا هل يجوز له أن يتصرف فيها، في اللقطة، أو لا؟
طالب: قبل الحول لا يتصرف.
الشيخ: قبل الحول لا يتصرف إلا إن دعت الضرورة إلى ذلك وبعده؟
طالب: وبعد الحول يتصرف فيها (... ).
الشيخ: يتصرف فيها لكن بعد أن يعرف صفاتها لو جاء طالبها؟
طالب: (... ).
الشيخ: ما درس؟ المسؤول ما هو يسأل المسؤول يسأل.
طالب: (... ) صاحبها (... ).
الشيخ: كيف؟
طالب: (... ).
الشيخ: وين رحت؟
طالب: (... ).
الشيخ: طيب إذا جاء صاحب اللقطة.
طالب: قبل الحول؟
الشيخ: قبل الحول أو بعده، ووصفها هل تدفع إليه أو نقول: هات بينة أنها لك؟
طالب: تدفع إليه إذا كان وصفها.
الشيخ: تدفع إليه كذا، ويش تقولون؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنْ جَاءَ رَبُّهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا» (1). عندنا صبي وجد خاتمًا من ذهب، من يعرف لقطته؟
طالب: يعرف الجميع وليها.
الشيخ: اترك الجميع لا تجيبه، ما فيه جميع؛ لأنك لو تقول: جميع معناه أن فيه خواتم كثيرة.
الطالب: يعني وليها.
الشيخ: يعرفها وليها.
الطالب: يعرفها وليها.
الشيخ: أحسنت، عرفها الولي، ولم يأخذها أحد، هل تقول للولي ولَّا للصبي؟
طالب: للصبي بعد الحول.
الشيخ: أحسنت، تقول للصبي بعد الحول؛ لأنه واجدها، تمام.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ومن أخذ نعله أو نحوه ووجد موضعه غيره فلقطة)، قوله: (من أخذ نعله أو نحوه) كخفه أو عباءته أو ردائه أو شيء مما يختص به، ولكن وجد بدله في مكانه، وجد في مكانه شيئًا آخر بدله يقول المؤلف: إن هذا لقطة، مثاله رجل دخل المسجد ووضع نعله عند الباب، فلما خرج لم يجد نعله، لكن وجد مكانه نعلًا آخر، يقول المؤلف: إنه لقطة يعرفه، فإن جاء صاحبه وإلا فهو له بعد سنة، ونعله التي أخذت يخلف الله عليه، لا نقول: يكون النعل الموجود بدلًا عن النعل المفقود؛ لأنه جائز أن نعلك أخذه سارق وهذا النعل الذي وجدته نعل رجل آخر إذا أخذته جاء يدور نعله، فلذلك نقول: إن هذا لقطة.
وهذا يكثر عند أبواب المساجد؛ أنك ترى نعلًا وتفقد نعلك، فنقول: نعلك الذي فقدته يخلف الله عليك بدله، والنعل الذي وجدته لقطة؛ إن شئت اتركه، وإن شئت خذه وعرفه سنة كاملة، إن جاء ربه وإلا فهو لك.
وظاهر كلام المؤلف العموم في كل صورة، ولكن أحيانًا يجزم الإنسان بأن نعله أخذ ووضع هذا بدله، مثل ألا يكون في المسجد إلا رجلان، وليس في المسجد نعال سوى نعليهما، والنعل المأخوذ أحسن من النعل الموجود، فهذا الرجل جلس يسبح ويقرأ وصاحبه الذي كان معه في المسجد خرج ووجد أن نعل صاحبه الذي في المسجد أحسن من نعله فأخذه ومشى، لما خرج الثاني وجد في مكان نعله نعلًا دون نعله، أقل من نعله، فهنا هل يمكن أن نقول: لعل هذا النعل لرجل ثالث أضاعه؟ لا نقول هذا، لماذا؟ لأنه ليس في المسجد إلا رجلان، وليس عند الباب إلا نعلان، وهذا شيء لا يتصور أن يكون لرجل ثالث.