يقول المؤلف: (عكسه الأجنبي والحاكم) ما معنى هذه العبارة؟ (... ) (الأجنبي والحاكم) يعني: عكس هذه المسألة إذا دفعها المودع إلى أجنبي فإنه يضمن.
مثال ذلك: رجل أودع زيدًا دراهم، ثم ذهب زيدٌ لحاجة؛ ليصلى في المسجد أو ما أشبه ذلك فقال: يا فلان، خذ هذه الوديعة عندك حتى أرجع من الصلاة -وهو أجنبي-، فتلفت عنده، فعليه أيش؟ عليه الضمان؛ لأنه لم يؤذن له لفظًا ولا عرفًا بأن يدفعها إلى هذا الرجل.
(الحاكم) يعني: القاضي، لو دفعها المودع إلى القاضي بدون سبب فعليه الضمان؛ لأن صاحبها لم يأذن له نطقًا ولا عرفًا بدفعها إلى الحاكم.
هل هذا الضمان من باب ضمان التعدي أو من باب ضمان التفريط؟
طلبة: من باب التعدي.
الشيخ: من باب ضمان التعدي؛ لأنه ليس من حقه أن يعطي الوديعة إلى غيره.
قال: (ولا يُطَالَبَان إن جهلا) (لا يُطَالَبَان) أي: الأجنبي والحاكم، (إن جهلا) أي: جهلا أن هذه وديعة، فإن علما فإنهما يُطَالَبَان.
من الذي يطالبهما إذا قلنا بأنهما يُطَالَبَان؟
الذي يطالبهما المودع، فإذا جاء صاحب الوديعة إلى المودع وقال له: إنني أودعتها فلانًا فضاعت، فهل يُطَالِبُ المودع الأول أو الثاني؟
يقول المؤلف: فيه تفصيل، نحن ذكرنا أمس أنه يطالب أيهما شاء، لكن المؤلف هنا ذكر أن في ذلك تفصيلًا؛ إن كان المودع الثاني قد جهل أنها وديعة عند الذي أودعه فإنه لا يُطَالَب، إلا أن يتعدى أو يفرط.
لماذا لا يُطَالَب؟ لأنه يقول: أنا ما علمت أن هذا الرجل مودع، أنا ظننت أن هذا المال ماله؛ لأن الأصل أن ما بيد الإنسان فهو ماله، فليس لك عليَّ وجه، وأنا تلفت عندي الوديعة بدون تعدٍّ ولا تفريط.
هذا ما ذهب إليه المؤلف.
ووجه ما ذكرت أنه يقول: رجل بالغ عاقل متصرف أعطاني هذه الوديعة فأنا ظننت أنها له، وأنا معذور ومحسنٌ، وما على المحسنين من سبيل.
أما المذهب فيقولون: إن له أن يطالب الأجنبي وإن كان جاهلًا، لماذا؟ قالوا: لأن ماله تلف تحت يده، ثم إذا طالبه صاحب الوديعة وضمَّنه يرجع هذا على الأول؛ على المودع الأول؛ يعني: يكون قرار الضمان على المودع الأول، فهمتم ولَّا لا؟ يحتاج إلى مثال ولَّا ما يحتاج؟
زيدٌ أودع عمرًا مئة ريال، ثم إن عمرًا أودع بكرًا هذه المئة، وبكرٌ لا يدري أنها لزيدٍ، ظن أنها لمن؟ لعمرٍو، فأخذها، ثم تلفت الوديعة بدون تعدٍّ ولا تفريط، عند من تلفت؟ عند بكرٍ، فجاء زيدٌ يطالب بكرًا، قال: إن الوديعة التي أعطاك عمرو هي لي، وأنا لم آذن له، أعطني إياها، فقال له بكر: أنا ما علمت أنها لك، أنا ظننت أنها له، فأخذتها من باب الإحسان إليه، وتلفت الوديعة عندي بدون تعدٍّ ولا تفريط، فليس لك عليَّ وجه، كما لا أضمن له فلا أضمن لك.
عذره وجيه ولَّا غير وجيه؟ وجيه.
إذن ينصرف زيدٌ إلى من؟ إلى عمرٍو فيضمِّنه.
وعمرو يرجع على بكر ولَّا ما يرجع؟
طالب: لا يرجع.
الشيخ: لا يرجع؛ لأنها تلفت من غير تعدٍّ ولا تفريط.
مثال آخر -نفس المثال اللي معنا- لكن بكرًا تعدى في الوديعة أو فرَّط، فجاءه زيد يطالبه، له حق ولَّا ما له حق؟
طلبة: له حق.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأنه متعدٍّ.
الشيخ: لأنه تعدى أو فرَّط، فهو ضامن.
فإذا قال بكر لزيد: أنا لا أعرفك، أنا أخذتها من عمرو بناءً على أنها ملكه، قال: لكن أنا أعرفك؛ لأن مالي تلف عندك بتعدٍّ أو تلف عندك بتفريط، فأنت ضامن، سواء ضمنت لعمرو وأعطاني أو ضمنت لي، له ذلك ولَّا ليس له ذلك؟
طالب: له ذلك.
الشيخ: له ذلك، طيب.
المذهب يقولون: إن له أن يطالب بكرًا وإن كان جاهلًا، ما حجتهم؟ يقولون: لأن ماله تلف تحت يده، فإذا طالبه على المذهب -طالب بكرًا وأخذ منه الوديعة- فهل يرجع بكرٌ على عمرٍو؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يرجع بكرٌ على عمرٍو؛ لأن قرار الضمان على عمرو في هذه الصورة؛ حيث إن بكرًا لم يتعد ولم يفرط ولم يعلم.
فيما إذا علم بكرٌ في هذه الأحوال فلزيدٍ أن يطالبه؛ لو علم بكر أن عمرًا كان مودعًا لزيدٍ فإن لزيدٍ أن يطالب بكرًا رأسًا، ليش؟ لأنه متعدٍّ؛ بكر متعدٍّ بأخذ الوديعة، كيف؟ لأنه ليس له الحق أن يأخذ مال زيدٍ من عمرٍو، بل الواجب عليه إذا عرض عليه عمرٌو هذه الوديعة أن يقول: يا أخي، ليس لك حق أن تودع، هل أذن لك؟
على كل حال صار إذا علم الثاني فللمودع الأول أن يطالبه، وإن لم يعلم ففيه خلاف؛ فالمذهب أن له أن يطالبه، وحجتهم: أن المال تلف تحت يده.
وعلى ما مشى عليه الماتن: ليس له أن يطالبه، وحجتهم: أنه جاهل ومحسن، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91].
الحاكم كالأجنبي؛ يعني: أنه إن كان عالمًا فلربِّ الوديعة أن يطالبه، وإن كان جاهلًا ولم يتعد ولم يفرط فليس لرب الوديعة أن يطالبه.
ولكن في الصورة التي يطالب فيها الحاكم إلى من؟ كيف نطالب ها القاضي؟
طالب: عند حاكم آخر.
الشيخ: إي نعم، عند حاكم آخر؛ قاضٍ آخر؛ يعني: يروح يشكي القاضي على الأمير، والأمير يحولهما إلى قاض آخر، هذا إن كان القاضي لم يقضِ على نفسه، فإن قضى على نفسه فلا إشكال، زال الإشكال، إذا قال: نعم، الرجل أعطاني الوديعة، وأنا عالم بأنها وديعة عنده وأخذتها من باب التسامح، فحينئذٍ يضمن ولا إشكال فيه، ولا حاجة إن لم يطالب.
قال: (ولا يطالبان إن جهلا، وإن حدث خوف أو سفر ردها على ربها فإن غاب حملها معه إن كان أحرز، وإلا أودعها ثقة).
إن حدث خوف فإنه يودعها عند ثقة؛ يعني -مثلًا- صار الأمن مضطربًا، والمودع بيته ليس ذا حماية؛ الباب متكسر والجدار (... ) والصندوق قفله (... )، المهم أن داره ما هي بذات الحصن والأمن مضطرب، ويخشى أنه في يوم من الأيام أو ليلة من الليالي يُعْتَدى على البيت وتسرق، فذهب فأودعها ثقة، فهل هو معذور في ذلك؟ نعم، معذور، بل مشكور، كان بالأول الأمن -يعني مطرد- ولا فيه اضطراب، وبيته لو يضع الدراهم على الباب -على عتبة الباب- ما أتاه أحد، فلما اضطرب الأمن -والعياذ بالله- حصل الخوف قال: لا بد أن يودع هذه الوديعة عند ثقة.
ففي هذه الحال: لو تلفت الوديعة عند الثقة فلا ضمان؛ لا على الأول ولا على الثاني؛ لأن إيداعها عند الثاني مأذون فيه.
هذه مسألة.
المسألة الثانية: قال: إذا حدث سفر؛ هذا المودع أراد أن يسافر، وقال: أنا مشكلة، في بيتي الآن مئة ألف ريال لفلان وأنا بسافر، ولست آمن عليها في بيتي إذا سافرت، أو لا؟ لأن البيت اللي ما فيه أحد عرضة لكل أحد، ولكن ماذا أعمل؟
يقول المؤلف: يردها إلى صاحبها، (فإن غاب حمله معه إن كان أحرز، فإن لم يكن أحرز أودعها ثقة)، ثلاث مراتب:
يقول: إذا طرأ عليك سفر وخفت عليه فالواجب أن تردها إلى صاحبها، هذا أول شيء، يقول: ردها على صاحبها وجوبًا، الآن بادر، وإلا أطلب منه أن يحولها إلى شخص آخر، المهم أن تبلغ صاحبها، فإن كان صاحبها غائبًا..، ولاحظوا أن في عهد المؤلف ما فيه تليفون، أما الآن فهو وإن كان غائبًا يمكن الاتصال به بالتليفون إذا كان له تليفون في البلد الثاني.
المهم غائب وتعذر الوصول إليه.
فالمرتبة الثانية: أن يسافر بها إن كان أحرز، ينقل مئة ألف ريال بالكيس (... ) معه، لكن قال المؤلف: (إن كان أحرز) يعني: إن كان هذا أحفظ لها يسافر بها معه.
فإن لم يكن أحفظ أودعها ثقة.
الغالب أن السفر بها أحرز ولَّا أضيع؟
طلبة: أضيع.
الشيخ: الغالب أنه أضيع، وكم من إنسان سرقت الدراهم منه (... ) ولا سيما عند قطع التذاكر، تجد إنسانًا معه دراهم يبغي تذكرة، ومع الزحام تُسَل الدراهم من جيبه، وإذا أراد يخرجها ليسلم ثمن التذكرة يقول: ما عندي شيء، هذا بيشيل مئة ألف ريال معه، ولا سيما إن كانت فضة يتعب وتؤخذ منه، نقول: أودعها ثقة، وجوبًا ولَّا جوازًا؟ وجوبًا؛ لأنه لا يجوز له أن يسافر بها في هذه الحال، إذا كان عدم السفر أحرز فالواجب قال: (وإلا أودعها ثقة).
إذا قال قائل: ما هو الدليل على هذا التفصيل؟
الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، وهذا أمر في كل ما يلزم عليه الأداء، كل شيء يلزم للأداء فإنه داخل في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، فإن الأمر بالأداء أمر به وبما لا يتم إلا به.
ومعلوم أنه في مثل هذه الحال إذا كان السفر عرضة للضياع فإن بقاءها عند ثقة هو الذي فيه الأداء.
يقول المؤلف: (ومن أُودِعَ دابة فركبها لغير نفعها أو ثوبًا فلبسه) إلى آخره (... ).
الأول: أن يردها إلى صاحبها، فإن لم يمكن حملها معه إن كان أحفظ، فإن لم يمكن أودعها ثقة، فإن لم يجد ردها إلى الحاكم.
هذه أربع حالات.
وإذا كانت كل واحدة ممكنة بدأ بالأول فالأول؛ إعطاء صاحبها، حملها معه، إيداعها ثقة، الحاكم.
قال المؤلف: (ومن أودع دابة فركبها لغير نفعها) فإنه يضمن ضمان تعدٍّ أو تفريط؟ ضمان تعدٍّ؛ لأنه فعل ما لا يجوز.
كذلك لو أُودِعَ سيارة فركبها لغير نفعها فإنه يضمن ضمان تعدٍّ لا تفريط.
وهنا هل نقول: إنه يضمن في هذه الحال -أي في حال المخالفة- أو يضمن فيما بعد أيضًا؟
الجواب: الثاني؛ وذلك لأنه بتعديه زال عنه وصف الأمانة، وصارت يده يد متعدٍّ كالغاصب.
فإذا ركب الدابة لمصلحةٍ له ثم ردها إلى حرزه فأخذت من الحرز فهو ضامن، وإذا تلفت في حال ركوبها فهو ضامن.
أما تلفها حال ركوبها فالأمر واضح أنه يضمن؛ لأنها تلفت في حال التعدي.
وأما تلفها في حرزها بعد ذلك فلأنه بركوبه لغير مصلحتها صار متعديًا، وصارت يده يد متعدٍّ.
مثلها أيضًا السيارة؛ أودع سيارة، فذهب يتمشى عليها لغير نفعها، فأصيبت بحادث أو احترقت بعد رجوعه، فعليه الضمان.
وعُلِمَ من قول المؤلف: (لغير نفعها) أنه لو ركبها لنفعها فإن ذلك لا بأس به، ولا تُعَدُّ يده خائنة، ولا يضمن في هذه الحال.
ويش مثال النفع؟ إنسان ركب البعير ليذهب به إلى حوض الماء ليشرب، هذا لنفع البعير، فلا ضمان عليه.
فإن قال قائل: بإمكانه أن يسوق البعير أو يقودها بدون ركوب، فما الجواب؟
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، الجواب أن الركوب أبلغ في السيطرة عليها من القيادة أو السياقة، فيكون ركوبه هنا أحسن وأنفع.
السيارة أيضًا إذا ركبها لنفعها، وكيف يكون نفعها؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، البنزين ما يحتاج، لأجل ألَّا تُكَرْبِن؛ لأنها مع طول المدة ربما يحصل عليها شيء، تُكَرْبِن وبعدين تخرب عليه.
ولكن قد يقول قائل: يمكن إزالة هذا الشيء بتشغيلها وهي واقفة؟
طالب: ما يكفي.
الشيخ: ما يكفي؟ طيب، إذن لا بد من المشي؛ لأن الكَرْبَنَة تكون في جميع الآلات علشان يتحرك كل شيء منها، وحينئذٍ نقول: إذا ركبها لهذا السبب فلا بأس.
كذلك في الفرس لو ركبها من أجل أن يمشيها حتى لا يضعف عدوها فإن ذلك لمصلحتها فلا بأس.
بل قد نقول: أنه لو ترك العمل هذا في حال تحتاج إليه الوديعة فعليه الضمان.
(أو ثوبًا فلبسه) أودعته ثوبًا جميلًا طيبًا، فصار هذا الرجل كل يوم جمعة يلبسه ويصلي به الجمعة، ويستدل بأنه يشرع في صلاة الجمعة لباس الثياب الحسنة، ما تقولون؟
نقول: لا يجوز، لو تلف الثوب أو نقص فعليه ضمانه، بل نقول له: إن بعض العلماء يرى أن جمعتك باطلة غير صحيحة.
لو قال: أنا ألبسه لأزيل عنه الحرى؛ لأن فيه ثياب في أيام الحر يصيبها الحرى؛ دودة تكون فيها وتأكلها، فقال: أنا البسه لهذا الغرض، فما الجواب؟
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، نقول: يمكن أن تنشره في مكان بارد ويزول عنها هذه الدودة بدون لبس، مع أن المؤلف رحمه الله -الشارح- يقول: فلبسه لغير خوف من عث أو نحوه، ولكن في هذا نظر؛ لأن العث ونحوه يمكن التخلص منه بنشر الثوب؛ بدل ما كان مطويًا ينشره، ويزول عنه العث، على أنه في الأزمان الأخيرة -والحمد لله- وجد أشياء تقاوم هذا العث، وهو الفنيك؛ يُجْعَل في طي الثياب ولا يضر.
(أو دراهم فأخرجها من محرز ثم ردها) أُودِع دراهم، والدراهم عادة تحفظ في الصناديق، فأخرجها يومًا من الأيام من الصندوق، ثم بعد ذلك ردها، فعليه الضمان.
عليه الضمان حتى لو سرقت من هذا الصندوق؟ إي نعم؛ لأنه بإخراجها من الحرز صارت يده يد تعدٍّ، فعليه الضمان.
ولكن ما تقولون فيما لو أخرجها لينظم ما في الصندوق؟ فتح الصندوق فأخرجها وما فيه لأجل أن ينظمه ثم ردها فإن هذا لا يضمن؛ لأن ذلك مما جرت به العادة.
وكذلك لو أخرجها ليفتش عن شيء ضائع في الصندوق ثم بعد ذلك ردها وهو في مكانه فليس عليه ضمان.
فإن قيل: إذا ردها في مكانه في هاتين الحالتين فلا إشكال في عدم الضمان، لكن ما تقولون فيما لو نسي وبقيت خارج الصندوق، ثم سرقت، فعليه الضمان أو لا؟ تأملوا -يا إخوان- لا تتسرعوا في الإجابة، أنتم افرضوا أنفسكم هنا كأنكم في مكان تُسْتَفتون فيه وإن كان الواقع مختلف هذا عن مكان الفتوى؛ لأن هذا إذا أخطأت قُوِّم خطأك.
أقول: لو أنه أخرج الدراهم من المحرَز لهذين السببين: إما لتنظيم الصندوق أو للتفتيش عن شيء ضائع، ثم نسي فسُرِقَت، هل يضمن؟
طلبة: لا يضمن.
الشيخ: قد تقول: إنه يضمن؛ لأن حق الآدمي يستوي فيه الخطأ والنسيان والعمد والذِّكْر.
وقد تقول: لا يضمن؛ لأن هذا في عرف الناس لا يُعَد مفرطًا.
وإذا تعارض الضمان وعدم الضمان -واليد هنا يد أمانة- فالأصل عدم الضمان.
فالظاهر أنه لا يضمن في هذه الحال؛ لأن الناس لا يعدونه مفرطًا، رجل أخرج الدراهم من محرز لسبب شرعي، ليس عابثًا ولا لاعبًا، ثم نسي، فكل الناس يرون أنه ليس بمعتدٍّ، ويرون أن تضمينه في هذه الحال ليس بحسن، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن.
يقول: (من محرز ثم ردها، أو رفع الختم) الختم أيش هو؟ كان من عادتهم أن الدراهم تحفظ في الأكياس، ثم تُشَد عليها الحبال، ثم يُخْتَم عليها، فإذا رفع الختم وأزاله فإنه يضمن، وإن كان الشد باقيًا لأن الختم أحرز؛ حيث إن الختم إذا بقي عُلِمَ أنه لم يتصرف فيها أحد، ولَّا لا؟ لكن الشد ربما يتصرف فيها إنسان ويعيدها على شكلها الأصلي، أما الختم فلا.
وتعرفون الختم ما هو؟ الختم: شمع أو رصاص، إذا شددت الحبل على الكيس فإنك تصب الرصاص أو الشمع ثم تأتي بالختم -والختم معروف- يعني: اسم الإنسان المختوم في خاتمه، ثم تضربه على الرصاص وهو مائع أو على الشمع ثم ينطبع، فإذا يبس صار اسم صاحبها عليها، فإذا رفع الختم فإن في ذلك إزالة لكمال الحفظ، ولَّا لا؟
وجه ذلك: أن ما لا ختم فيه يمكن لأي إنسان أن يحل رباطه ويأخذ ما شاء ثم يعيد الشد على ما كان عليه، لكن في الختم لا يمكن؛ لأنه إذا أزال الختم فلا يمكن أن يصور عليه ختمًا آخر؛ لأن اسم صاحبه مكتوب عليه.
على كل حال، الضابط: إذا أزال المودع ما فيه كمال الحفظ أو أصل الحفظ فعليه الضمان، ما فيه أصل الحفظ؛ كما لو أخرجها من المحرز، ما فيه كمال الحفظ؛ كما لو رفع الختم فإن عليه الضمان.
يقول المؤلف رحمه الله: (أو خلطها بغير متميز فضاع الكل ضمن) (خلطها بغير متميز) مثل أن يخلط دهنًا بدهن فضاع؛ سُرِقَ الكل، أو (... ) فعليه الضمان.
مثال ذلك: رجل أودعني قارورة فيها عسل فخلطها مع عسل لي، ثم سُرِقَ الكل، فعليَّ الضمان؛ لأني خلطها بغير متميز.
وظاهر كلامه أن لو خلاطها بمتميز فلا ضمان؛ لإمكان التخليص؛ مثل أن يودع شخصٌ رجلًا كيس رزٍّ فيخلطه ببر، ثم يُسْرَق الكل، فظاهر كلام المؤلف أنه لا ضمان عليه، لماذا؟ لأنه متميز، فيمكن تخليصه أو تخليص بعضه من بعض.
نعيد المثال مرة ثانية: زيدٌ أودع عمرًا كيسًا من البر، فقام عمرٌو فخلطه بكيس من الرز، الخلط متميز ولَّا غير متميز؟ متميز، ثم سُرِقَ الجميع، فليس عليه ضمان على كلام المؤلف، لماذا؟ لأنه متميز؛ يمكن أن يخلص بعضه من بعض.
متى تلقط الرز من البر؟ افرض أن المودِع جاء إليك وقال: أعطني وديعتي، تقول: اصبر اللقط لك البر من الرز؟ ! (... ) من يومك، كثير، اللهم إلا أن ييسر الله لك منخلًا ينخل الحب الصغار وتبقى الحب الكبار ممكن تكون سهلة.
ولكن الصحيح أنه يضمن في هذه الحال؛ لأن كل إنسان يعلم أن هذا عدوان، كيف تخلط هذا المال الذي يصعب تخليصه منه؟ !
لكن لو خلطها بمتميز تميزًا واضحًا؛ مثل أن يودع زيدٌ عمرًا عشر بيضات فيخلطها بعشر من التفاح، يضمن ولَّا لا؟ هذا متميز، ولا يصعب تمييزه؛ لأنه أعطانيها عشر بيضات وعندي عشر تفاحات في الثلاجة، فوضعتها في الطبق اللي فيه التفاح، فهنا لا ضمان عليه، واضح، لماذا؟ لأن هذا متميز تميزًا يسهل تخليصه مما خلط معه، بخلاف البر مع الرز.
وعلى هذا فيقال: إذا خلط المودع الوديعة فلا يخلو من ثلاث حالات:
أن يخلطها بغير متميز، فعليه الضمان.
أن يخلطها بمتميز يصعب فيه التمييز، فعليه الضمان، والمذهب -في ظاهر كلام المؤلف- لا ضمان عليه.
الثالث: أن يخلطها بمتميز يسهل فيه التمييز، فهذا ليس عليه ضمان، والأمثلة عرفتموها.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: ويُقْبَل قول المودع في ردها إلى ربها أو غيره بإذنه وفي تلفها وعدم التفريط) هذا الفصل عقده المؤلف لبيان من يُقْبَل قوله من المودِع أو المودَع.
واعلم أن لدينا قاعدة الدعاوي بيَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (1)، هذا في الواقع قاعدة أساسية في باب الدعاوي، وصدق النبي عليه الصلاة والسلام؛ لو يعطى الناس بدعواهم لقال رجل: هذا قتل ابني، ورجل قال: هذا أخذ مالي، ورجل آخر قال: هذا انتهك عرضي، وما أشبه ذلك، «وَلَكِنِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
وهنا قاعدة أخرى أيضًا يجب أن تُضَمَّ إلى هذا؛ وهي قول الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91].
وللنظر الآن في هذا الفصل.
قال: (ويقبل قول المودع في ردها إلى ربها) أودع زيدٌ عمرًا وديعة، وجاء زيد إلى عمرو وقال: أعطني وديعتي، فقال عمرو: قد رددتها عليك، فقال زيدٌ: لم تردها عليَّ، فمن القول قوله؟
على كلام المؤلف: القول قول عمرو، مع أننا لو طبقنا هذه المسألة على الحديث لكان القول قول زيد؛ لأن الاثنين اتفقا على أصول الوديعة، أليس كذلك؟ وادَّعى أحدهما أمرًا زائدًا على أصول الوديعة؛ وهو رد الوديعة، فمن المدعي الآن؟ المدعي عمرٌو المودع، فهو الذي ادعى الرد.
وعلى هذا فنقول مقتضى الحديث أن يكون القول قول المودِع لكن بيمينه، والمودِع في هذا المثال هو زيد، لماذا؟ لأن عمرًا مدعٍ وزيدٌ منكرٌ، والبينة على المدعي، واليمين على من أنكر.
فنحن جميعًا اتفقنا على أصل الوديعة وأن الشيء عند عمرو، ثم ادَّعى عمرٌو بعد ذلك أنه رده وأنكر زيد، فنقول لعمرو: هات بينة، وإلا فالقول قول زيدٍ.
لكن احتج الأصحاب رحمهم الله بعموم قول الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾، وقالوا: إن عمرًا محسن، فلا يكون عليه سبيل، ولو قلنا: إن القول قول زيدٍ لجعلنا عليه سبيلًا.
والمسألة فيها قولان لأهل العلم بناءً على تعارض الأدلة فيها، والأقرب: أن القول قول زيدٍ ما لم يوجد قرينة ظاهرة تدل على صدق عمرٍو، وإلا فإن الأصل عدم الرد.
وكثيرًا ما يقول الإنسان: إني رددتها عليك وهو ناسٍ، ثم بعد ذلك يجدها عنده، أقول: كثيرًا هذا ما يقع؛ يأتي المودع ويقول: أعطني الوديعة، فيقول: رددتها عليك، ثم بعد البحث والتفتيش أو تأتي صدفة هكذا يجدها عنده ويكون ناسيًا.
على كل حال الأقرب أن القول قول المودع؛ لأن الأصل معه، وعموم الحديث يشهد له، ونحن لم نجعل سبيلًا على هذا المحسن، وإنما أتينا بطريق شرعي يقتضي أن القول قول المنكر.
لكن إن عُرِفَ المودَع بالصدق وصار المودِع أقل منه ثقة عند الناس فالقول قول المودَع.
(... ) وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل أُودِع ثوبًا جديد ولما جاء (... )؟
(يُقْبَل قول المودع في ردها إلى ربه أو غيره بإذنه تلفها وعدم التفريط).
قوله: (يُقْبَل قول المودَع) بيَّنا فيما سبق ما لم تكن يده يد خيانة؛ يعني: فإذا تعدى أو فرط صارت يده يد ضمان على كل حال، فلا يُقْبَل قوله بالرد.
قوله: (أو غيره بإذنه) أظن ما شرحناها، يعني: ويُقْبَل قوله -أي: قول المودع- في ردها إلى غير ربها بإذن ربها، بأن يقول له لما قال: أعطني وديعتي، قال: أعطيتها فلانًا، قال: لماذا تعطيها فلانًا؟ قال: لأنك أمرتني بإعطائه، فيُقْبَل قوله في الرد.
فهنا مسألتان: المسألة الأولى: في ردها إلى ربها، والمسألة الثانية: في ردها إلى غير ربها بإذنه.
والمسألة الثالثة ما ذكرها هنا لكن ذكرها فيما سبق فيما إذا ردها إلى من يحفظ مال ربها، وقد سبق الخلاف في هذا؛ هل هذا جائز أو غير جائز؟
فإذن تكون الصور ثلاثة:
أولًا: ادعى أنه ردها إلى ربها.
الصورة الأولى.
الصورة الثانية: ادعى أنه ردها إلى من يحفظ مال ربها.
الثالثة: ادعى أنه ردها إلى غيره بإذن ربها.
هذه ثلاث صور.
أما الصورة الأولى فقد ذكرنا في الدرس السابق أن المذهب قبول قوله.
وعللوا ذلك بأنه محسن، ولو لم نقبل قوله لضمنه، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
وذكرنا القول الثاني في المسألة: أنه لا يُقْبَل قوله في الرد إلى ربها؛ لأن الأصل وجودها عنده، ودعوى الرد خارجة عن الأصل، وبيَّنا أن هذا القول يؤيده قوله تعالى في أموال اليتامى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 6]، ومعلوم أن ولي اليتيم محسن، فإذا كان محسنًا فكيف يأمره الله بالأشهاد؟
وذكرنا أنه يمكن الرد على هذا الاستدلال بأن الله أمر بالأشهاد حماية للمدعي عن إلزامه باليمين؛ لأن ولي اليتيم وكذلك المودَع وإن قبلنا قوله في الرد فلا بد من اليمين.
حتى لو قلنا: يقبل قول المودَع فلا بد من اليمين، ولو أشهد على الرد لاكتفى بالبينة يمينًا، ولا يحتاج إلى يمين.
على كل حال هذه المسألة ذكرنا أنه لو قيل بالتفصيل؛ بحيث يقال: إذا كان المودَع معروفًا بالأمانة والصدق فالقول قوله، وإن كان الأمر بالعكس فالقول قول المودِع -بالكسر-؛ لأن الأصل عدم الرد، وبقاء ما كان على ما كان.
الصورة الثانية: إذا ردها إلى ما يحفظ مال ربها فهذه أبعد في قبول قوله مما إذا ادعاه إلى ربها؛ لأنه قد سبق لنا الخلاف هل يجوز أن يردها إلى من يحفظ مال ربها أو لا؟ فيضعف بذلك جانب جواز دفعها إلى من يحفظ مال ربها.
وإذا لم يقبل قول المودَع فيما إذا ردها إلى ربها، فعدم قبول قوله فيما إذا ردها إلى من يحفظ ماله من باب أولى.
الصورة الثالثة: إذا ادعى ردها إلى غيره بإذنه، فأنكر المودِع الإذن وقال: ما أذنت لك، فالقول قول -على كلام المؤلف- قول المودَع، فيحلف بأنك أذنت لي ورددتها إليه، يقول: واللهِ لقد أذنت لي أن أدفع الوديعة إلى فلان، ورددتها إليه.
إذا كان فلان مقرًّا فالأمر في هذا ظاهر، ما فيه مشكلة، إذا كان الذي ادعى ردها إليه مقرًّا وقال: نعم وحلف، فأظن أن الأمر سهل؛ لأن صاحب الوديعة يقال له: ارجع إلى ذاك.
لكن إذا أنكر وقال: ما أعطاني شيئًا فالمذهب: يُقْبَل قول المودَع.
والصحيح أنه لا يقبل قول المودَع في دفعها إلى غير ربها بإذنه؛ لأن الرد هنا مستفاد ممَن؟ من المالك، والمالك ينكر أن يكون أذن، والأصل عدم الإذن، فالصحيح أنه لا يُقْبل قول المودَع (... ).
إذن هذه المسألة فيها مرتبتان:
المرتبة الأولى: ثبوت أنه أذن في ردها إلى غير ربها.
والثاني: ثبوت الرد.
لكن ثبوت الرد هذا كالصورة الأولى؛ لأنه إذا أذن ربها في دفعها إلى شخص فقد أقام هذا الشخص الذي أمرك بدفعها إليه مقام نفسه، فتكون دعوى الرد إليه كدعوى الرد إلى المالك وهو المودِع، ما أدري -واللهِ- المسألة مفهومة ولَّا لا؟
زيدٌ أودع عمرًا وديعة، ثم جاء يومًا من الدهر يطلبها وقال: أعطني الوديعة، فقال: رددتها..، يقول زيدٌ لعمرٍو: أعطني وديعتي، فقال عمرٌو: أعطيتها بكرًا بإذنك، أنت قلت لي: أعطها بكرًا.
المذهب يُقْبَل قول المودَع -وهو عمرو- بأن زيدًا أذن له في دفعها إلى بكرٍ وفي ردها إلى بكرٍ.
أقول: القول الثاني الذي نرى أنه هو الصواب أنه لا يقبل؛ لأن دعواه هذه تضمنت أمرين:
الأمر الأول: دعوى إذن ربها -الذي هو زيد- بدفعها إلى بكرٍ.
والأمر الثاني: أنه ردها إلى بكرٍ.
فنحن نقول: أثبت الأمر الأول، ما هو الأمر الأول؟ أنه أذن لك في دفعها إلى بكرٍ، فإذا أثبته فحينئذٍ يكون الحكم كالحكم فيما إذا ادعى دفعها إلى ربها.
نقول: إذا ثبت أنه أذن، ثم ادعى أنه دفعها إلى المأذون بدفعها إليه، نقول: إن قلنا بقبول دفعها إلى ربها قبلنا قولك، وإن قلنا بعدم القبول لم نقبل قولك.
قبول قول المودع في الصورة الثالثة أضعف من قبول قوله في الصورة الثانية، وقبول قوله في الصورة الثانية أضعف من قبول قوله في الصورة الأولى، صح ولَّا لا؟ لأن الصور ثلاثة: دعوى أنه دفعها إلى ربها، ودعوى أنه دفعها إلى من يحفظ مال ربها، ودعوى دفعها إلى من أمره ربها بدفعها إليه، كل واحدة أضعف من الثانية؛ الثالثة أضعف من الثانية، والثانية أضعف من الأولى.
ثم قال المؤلف: ويقبل قوله أيضًا (في تلفها) هذا صحيح؛ يعني: يُقْبَل قول المودَع بأن الوديعة تلفت، فإذا جاء صاحبها يطلبها قال: واللهِ يا أخي تلفت، سُرِقَت، ضاعت، وما أشبه ذلك، فإن قوله مقبول، لماذا؟ لأنه محسن، وما على المحسنين من سبيل، وليس كل إنسان يتلف منه شيء يذهب ويشهد الناس عليه، وقد يتعذر الإشهاد؛ كما لو سُرِقَت ليلًا.
ولو أننا قلنا بعدم قبول قوله لكان في ذلك سد لباب الإحسان أو لا؟ لأن كل إنسان لا يضمن أن تبقى الوديعة في حرزها، كل إنسان يخشى أن تتلف الوديعة.
فإذا قلنا: لا يُقْبل قوله في التلف إلا ببينة، إذن يقول: لا أقبل الوديعة، وما لي ولوديعة إذا تلفت ضُمِّنْتُها ولو كان بغير تكليف.
إذن فالقول قول من؟ قول المودَع في أنها تلفت.
ولكن سبق لنا أن الفقهاء رحمهم الله يقولون: إذا ادَّعى تلفها بأمر ظاهر -كحريق وغرق- فلا بد من البينة على وجود هذا الأمر الذي حصل به التلف، ثم بعد ذلك يُقْبَل قوله في أنها تلفت به.
فمثلًا: إذا قال: واللهِ بيتي احترق، واحترقت وديعتك من ضمن ما احترق، فقال: لم تتلف، ماذا نقول للمودَع؟ أقم بينة على أن البيت احترق، فإن لم يقم بينة فإننا لا نقبل قوله، فإذا أقام بينة بأن البيت احترق، حينئذٍ نقبل قوله بأن الوديعة قد تلفت بهذا الاحتراق.
كذلك لو ادعى أنه اجترفها السيل؛ إنسان بدوي أعطاه بدوي آخر شاة وقال: خذ هذه وديعة عندك، ثم جاءه يطلبها بعد سنة، واللهِ يا أخي جاء (... ) سال الوادي فاجترفها وذهبت، ماذا نقول له؟ نقول: أقم بينة بأن الوادي سال واجترفها، سال بس يكفي، فإذا أقام بينة بأن الودي سال قُبِلَ قوله في أنه اجترفها.
وإن ادعى أن الوداي سال وليس حوله أودية، بل كل الذي حوله رمال؛
لا يمكن أن ينقع فيها السيل فضلًا على أن يجرف، يُقْبَل قوله ولَّا لا؟ لا يقبل قوله.
المهم على كل حال إذا ادعاه بأمر ظاهر فلا بد من أيش؟ من البينة على وجود هذا الأمر الظاهر، ثم يُقْبَل قوله في التلف.
وكذلك لو ادعى أن السفينة غرقت؛ قال: واللهِ أنا ركبت السفينة والوديعة معي وغرقت، ماذا نقول؟ أقم بينة أولًا بأن السفينة غرقت، ثم نقبل قولك بأنها تلفت.
كذلك يُقْبَل قوله في عدم التفريط، أيش معنى؟ من اللي يقول بعدم التفريط؟ المودَع، يقول: أنا لم أفرط، فقال صاحبها: فرطت، فقال: لم أفرط، فقال: فرطت، لماذا يقول: فرطت؟ من أجل أن يضمنه، ولماذا يقول: لم أفرط؟ من أجل ألَّا يضمن.
فالقول بعدم التفريط قول المودَع؛ لأنه مؤتمن، وإذا كان مؤتمنًا فإن القول قوله؛ ما على المحسنين من سبيل، وأنت قد أمنته، فإذا ادعيت أنه مفرط فأقم بينة.
طيب والتعدي؟ لو قال صاحب الوديعة: أنت تعديت في وديعتي، فقال: لم أتعد، فالقول قول المودَع؛ لأن الأصل عدم التعدي، وهذا الرجل مؤتمن.
فنقول إذن لصاحب الوديعة: هات بينة على أن الرجل قد فرَّط أو تعدى وحينئذٍ نُضَمِّنه.
فإن وصف المودَع ما فعل بالوديعة واختلفا هل هو تفريط أو غير تفريط، فما العمل؟ يُرْجَع إلى العرف، إي نعم، يعني قال المودَع: أنا ما فرطت، فقال صاحبها: بل فرط؛ لأنك فعلت كذا وكذا، قال: هذا ليس بتفريط، فقال صاحب الوديعة: بل هذا تفريط، ثم تنازعا، فإننا نرجع في ذلك إلى العرف والعادة، فإذا قالوا: هذا تفريط فعلى المودع الضمان، وإذا قالوا: ليس بتفريط فليس عليه ضمان.
لو قال قائل: لماذا لا ترجعون في هذه المسألة إلى اجتهاد المودع؛ فإن المودع فعل ذلك على أنه ليس بتعدٍّ ولا تفريط؟
فنقول في الجواب على ذلك: المرجع في هذا إلى العرف؛ لأن الواجب على المودع ألَّا يفعل شيئًا حتى يعلم أنه ليس بتفريط.
وليس هذا يتعلق بأمر بينه وبين الله حتى نقول: إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، هذا يتعلق بأمر بين آدمي وآخر، والأمور التي بين الآدميين مبناها على الاحتياط وعلى الضمان.
(... ) والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق أن المودع إذا ادَّعى الرد إلى من أودعه ففيه خلاف (... ).
قال بعدم القبول، وسبق توجيه كل من القولين، وبيان الراجح منهما.
وسبق أيضًا فيما إذا ادعى المودَع أنه ردها إلى من يحفظ مال صاحبها، وذكرنا أن هذا أضعف من الأول.
وسبق أيضًا فيما إذا ادعى المودَع أنه ردها إلى غير صاحبها وإلى غير من يحفظ ماله لكن بإذن ربها، وبيَّنا أن هذا الأخير أضعف من السابقَيْن، وأن في ذلك كله خلافًا؛ فمنهم من قال: إن القول قول المودَع، ومنهم من قال: إن القول قول صاحب الوديعة، وذكرنا توجيه كل قول.
وسبق أيضًا أنه يُقْبَل قوله في التلف، إلا أن يدعي التلف بسبب ظاهر فلا بد من إقامة البينة على هذا السبب، ثم يُقْبَل قوله في تلفها به.
وسبق أيضًا أن القول قوله في عدم التفريط، وكذلك في عدم التعدي؛ إذا ادعى المودِع أن المودَع قد تعدى فإنه يقبل في نفيه قول المودع، ويقال للمودع: ائتِ ببينة، وإلا فالأصل عدم التعدي.
فالحاصل أن لدينا قاعدة؛ وهي أن من ادعى خلاف الأصل فعليه البينة، ومن ادعى الأصل فالقول قوله مع اليمين.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فإن قال: لم تودعني ثم ثبتت ببينة أو إقرار ثم ادعى ردًّا أو تلفًا سابقين لجحوده لم يقبلا ولو ببينة).
هنا نفى المودَع أن يكون المودِع قد أودعه، فقال: لم تودعني؛ يعني: جاء زيد إلى عمرو..؛ يعني مثال، نضرب الآن مثلًا: جاء زيد إلى عمرو فقال: إني أودعتك مئة ريال، فقال: أبدًا، لم تودعني، من القول قوله؟ المودَع؛ يعني: المدعى عليه، القول قول المدعى عليه؛ لأن هذا مدعٍ، والآخر مدعًى عليه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (2).
فيقال لهذا المودع الذي ادعى أنه أعطى عمرًا وديعة نقول: أثبتْ ذلك ببينة؛ لأن الرجل أنكر، فإذا لم يثبت بينة حلف المدعى عليه وبرئ.
ولكن إذا ثبت ببينة أو إقرار؛ يعني: ثبت أنه مودعه ببينة، فقال زيد لعمرو -الذي ادعي عليه-: عندي بينة، وأتى بالبينة تشهد بأن زيدًا أودع عمرًا مئة ريال، ثبت بالبينة الآن، أو إقرار؛ يعني: أتى زيد ببينة على إقرار عمرو بأنه أودعه مئة ريال.
والفرق بين البينتين أن البينة الأولى شهدت بالفعل، والثانية شهدت بالإقرار؛ فالأولى قالت: نعم، نحن نشهد أن زيدًا أعطى عمرًا مئة ريال وديعةً، والبينة الثانية قالت: نعم، نحن نشهد بأن عمرًا أقرَّ بأن زيدًا أعطاه مئة ريال وديعةً.
الآن ثبتت الوديعة ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ثبتت الوديعة، لكن المودَع ادعى ردًّا أو تلفًا، وقد سبق أن قوله في الرد مقبول ولَّا غير مقبول؟ مقبول، وأن قوله في التلف أيضًا مقبول.
فهل يُقْبَل إذا قال هذا المودع: ما دام الآن ثبتت الوديعة عليَّ ببينة أو بإقرار سابق، فأنا الآن أقول: إنني رددتها، فإنا ننظر: إذا كان ادعى ردًّا سابقًا لجحوده أو تلفًا سابقًا لجحوده فإنه لا تُقْبَل منه دعوى الرد، ولو ببينة، لماذا؟ لأنه يكذِّب البينة؛ هو يقول: لم تودعني، ثم يجيب بينة بأنه رد، لأن من لازم الرد ثبوت الوديعة، وأنت الآن تدعي أنه لم يودعك، وهذا تناقض؛ قولك يناقض البينة.
أما لو ادعى ردًّا أو إتلافًا لم يسبق الجحود فإنه يُقْبَل بالبينة؛ لعدم التنازع.
زيد ادعى على عمرو أنه أودعه مئة ريال، فأنكر عمرو قال: ما أودعتني، فأقام زيد بينة بأنه أودع عمرًا مئة ريال، ما تقولون في الوديعة: ثبتت ولَّا لا؟
الطلبة: ثبتت.
الشيخ: ثبتت، ادعى ردًّا سابقًا لجحوده، هو الآن جحد في يوم الثلاثاء، وادعى أنه ردها في يوم الاثنين، الآن الرد سابق للجحود ولَّا لا؟ سابق للجحود، أقام بينة أنه ردها، نقول: لا تُقْبَل البينة، ليش ما تقبل؟ لأنك جحدت يوم الثلاثاء أنه أودعك، فإذن ليس هناك وديعة حتى ترد، والبينة شهدت بماذا؟ شهدت بأنه رد الوديعة، وأنت الآن تكذِّب هذه البينة، كيف تكذِّب هذه البينة؟ لأنك في يوم الثلاثاء تقول: ما أودعك، فكيف يوم الاثنين يكون قد رددت وديعته؟ ! واضح التناقض الآن؟
إذن نقول لهذا الرجل الذي ادعى أنه ردها يوم الاثنين وهو جاحد يوم الثلاثاء وجاء ببينة، قال: نشهد أن عمرًا ردَّ على زيدٍ مئة ريال الوديعة التي عنده، جاءت بينة تشهد بذلك، ماذا نقول للمودَع؟
نقول: كلامك الآن يناقض بينتك؛ أنت بنفسك تشهد بأن البينة كاذبة صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، ليش؟ لأنك تقول: إنه يوم الثلاثاء ما أودعك، ثم تجيب بينة تشهد أنك يوم الاثنين رددت الوديعة، وهذا يقتضي أنه أودعك، فكلامك الآن يناقض بينتك فلا يُقْبَل.
إذا ادَّعى ردًّا غير سابق لجحوده؛ هو بالأول أنكر، ثم ثبتت بالبينة، ثم ادعى ردًّا بعد جحوده، فهذا لا يُقْبَل إلا ببينة، كيف لا يُقْبَل إلا ببينة وهو مودع؟
يقول: نعم؛ لأن جحده إياها أخرجه من الأمانة إلى الخيانة، فلما أخرجه إلى الخيانة قلنا: لا نقبل قولك في الرد؛ لأن يدك أصبحت ليست يد أمانة، فعليك أن تقيم بينة، ونحن إذا أقمت البينة نقبل البينة.
لماذا نقبل البينة وقد جحد؟ لأنه لم يحصل تناقض بين قوله؛ يعني: بين جحوده وبينته في الرد.
واضح ولَّا غير واضح؟
الطلبة: واضح.
الشيخ: طيب، المثال: ادعى زيدٌ على عمرٍو أنه أودعه وديعة، فأنكر عمرٌو قال: ما أودعتني، فأقام زيدٌ على عمرٍو بينة تشهد بأنه أودعه، ما تقولون الآن؟ ثبتت الوديعة.
ادَّعى عمرو -لما رأى أن الوديعة ثبتت عليه- ادعى عمرو أنه ردها، وكان جحوده في يوم الثلاثاء، وادعى أنه ردها يوم الأربعاء، فالرد كان بعد الجحود ولَّا قبل؟
الطلبة: بعد.
الشيخ: بعد الجحود، نقول: الآن: ما نقبل قولك في الرد، حتى وإن كان الرد بعد الجحود، لماذا لا نقبل؟ لأنك لما أنكرت الوديعة صرت غير أمين، وغير الأمين لا يُقْبَل قوله في الرد إلا ببينة، قال: طيب، تبغون بينة؟ أنا أجيب لكم بينة، فأتى ببينة تشهد أنه ردها يوم الأربعاء، تُقْبل ولَّا ما تُقْبل؟
طلبة: تُقْبل.
الشيخ: تُقْبل، ليش؟
طالب: ما تناقض كلامه.
الشيخ: ما تناقض كلامه، هو جحد يوم الثلاثاء، وادعى الرد يوم الأربعاء، وشهدت البينة بأنه ردها يوم الأربعاء، هذا ممكن؛ بأن يكون أودع متى؟ بعد يوم الثلاثاء، ما هو من الممكن هذا؟ من الممكن أن زيدًا أودع عمرًا في ليلة الأربعاء، شهدت البينة بأنه ردها متى؟ يوم الأربعاء، فلا تناقض بين جحوده وبين البينة التي شهدت بالرد بعد الجحود.
طالب: الدعوى من قبل.
الشيخ: لا، الدعوى يوم الخميس، ما هي من قبل، كيف من قبل؟ يدعي عليه قبل يجيء وقت الرد! ادعى عليه يوم الخميس، وقال: أعطني الوديعة، قال: ما عندي لك وديعة، فأقام زيدٌ بينة بأنه أودعه إياها، فقال: قد ردتها عليك، متى؟ قال: رددتها عليك يوم الأربعاء.
الآن الجحود كان يوم الثلاثاء قبل، وادعى الرد بعد الجحود، نقول: الآن دعواك الرد بعد الجحود لا تقبل؛ لأنك بجحدك خرجت عن الأمانة إلى الخيانة، فإذا أقام بينة قبلت البينة؛ لأنها لا تناقِضُ كلامَه.
بخلاف ما إذا أقام البينة بأنه ردها قبل جحوده فهنا لا تُقْبَل، لماذا؟ للتناقض.
استمع إلى كلام المؤلف لتطبق، قال: (فإن قال: لم تودعني ثم ثبتت ببينة أو إقرار) هاتان الصورتان أو لا؟ (ببينة) تشهد بأنه أودعه، (إقرار) تشهد البينة بأنه أقر، هي ما شهدت لما أودعه، ما رأته لما أودعه لكن أقر بأنه أودعه.
(ثم ادعى ردًّا أو تلفًا سابقين لجحوده لم يُقْبَلا ولو ببينة) ليش؟ لأن هذا تناقض، فإن قوله يكذِّب البينة.
يقول: (بل في قوله: ما لك عندي شيء ونحوه) نعم إذا قال: ما لك عندي شيء فإنه إذا أقام بينة قبلت؛ لأن قوله: ما لك عندي شيء لا ينافي دعوى الرد أو دعوى التلف، لماذا لا ينافي دعوى التلف؟ لأنه إذا ردَّ لم يبق عنده شيء، وإذا تلفت بلا تفريط لم يبق عنده شيء.
بخلاف قوله: لم تودعني، فإن قوله: لم تودعني نفي لأصل الوديعة، وأما قوله: ما لك عندي شيء فهو نفي لضمان الوديعة.
فبينهما فرق.
(أو بعده بها) ويش معنى (بعده)؟ أي: يُقْبَل قوله بعد الجحود إذا ادعى التلف أو الرد بعد الجحود ببينة؛ لاحتمال أن تكون الوديعة طرأت بعد الجحود وقبل دعوى التلف أو الرد، فلما كان هذا الاحتمال قائمًا لم يحصل تناقض.
وسيأتي -إن شاء الله تعالى- مناقشة هذا في الدرس القادم والذي لم يفهمها يتأملها.
(... ) والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن المودَع لو نفى الوديعة، ثم ثبتت ببينة أو إقرار، فما الحكم؟ (... ).
ثم قال: (وإن ادعى وارثه الرد منه أو من مورثه لم يُقْبَل إلا ببينة) (إن ادَّعى وارثه) وارث من؟ وارث المودَع، (الرد منه) أي: من المودِع، و (من) هنا بمعنى (على).
(أو من مورثه) أي: من مورث المودع فإنه لا يُقْبَل، إن ادعى وارثه الرد منه؛ أي: من الوارث؛ أي: وارث المودع، والآن نحلها حلًّا آخر.
فـ (من) هنا: للابتداء وليست بمعنى (على) كما قلت آنفًا.
ادعى وارث المودع الرد منه؛ أي: ردًّا منه؛ أي: من الوارث أو من مورثه -وهو المودَع- لم يُقْبَل.
مثال ذلك: أودع زيدٌ عمرًا وديعةً، ثم مات عمرٌو، فجاء زيدٌ إلى ورثة عمرو وادَّعى الورثة أن عمرًا ردها على زيد فإن ذلك لا يُقْبَل إلا ببينة، أو ادعى ورثة عمرٍو أنهم ردوها على زيدٍ بعد موت عمرِو فإنه لا يُقْبَل إلا ببينة.
(إذا ادعى وارثه) الضمير يعود على المودع، (الرد منه) من الوارث، (أو من مورِّثه) وهو المودع؛ يعني: أن وارث المودَع قال للمودِع: قد رددت عليك الوديعة، هذا يعود على قوله: (منه)، أو قد رد عليك مورِّثي الوديعة، هذا على قوله: (أو من مورِّثه)، ومعنى العبارة: أنه إذا ادعى وارث المودَع أنه رد الوديعة أو أن مورثه -وهو المودع- رد الوديعة فإنه لا يُقْبَل.
هل يُقْبَل ببينة ولَّا لا؟ يعني: لو أقام بينة على أن المورث -وهو المودع- ردها أو أنه هو -أي: الوارث- بعد موت المورث ردها فإنه يُقْبَل بالبينة لا بالدعوى؟
إذا قال قائل: ألستم تقولون: إن المودَع لو ادعى رد الوديعة لقُبِلَ؟
نقول: بلى، لكن هناك فرقًا بين دعوى الوارث وبين دعوى المورِّث؛ المودع ائتمنه صاحب الوديعة شخصيًا، والوارث لم يأتمنه، وكان على الوارث أن يخبر المودِع من حين موت المودَع بأنه قد مات؛ حتى ينظر هل يقول المودِع: أبقها عندك أو يسحبها، أليس كذلك؟
خلاصة الحكم الآن: مات المودَع فجاء المودِع يطلب الوديعة، فقال وارث المودَع: قد ردها عليك، يُقْبَل ولَّا لا؟ لا يُقْبَل، إلا ببينة؛ لأنهم أضافوا الفعل إلى غيرهم، فلا يُقْبَل إلا ببينة.
أو قال وارث المودَع: رددناها عليك بعد موته، فقال المودِع: لا، فهل تُقْبَل دعوى الورثة أنهم ردوها؟ لا، إلا ببينة؛ وذلك لأن صاحب الوديعة لم يأتمنهم، وإنما ائتمن الميت، والميت قد مات.
(وإن طلب أحد المودِعَيْن نصيبه من مكيل أو موزون ينقسم أَخَذَه).
مثال ذلك: زيدٌ وعمرٌو أتيا إلى بكرٍ ومعهما كيس قمحٍ وقالا لبكر: خذ هذا وديعة، وهو بيننا نصفين، ثم ذهبا، ثم جاء بعد ذلك عمرٌو وقال لبكرٍ: أعطني نصيبي من القمح، فهل لبكرٍ أن يمتنع ويقول: أنتما أودعتماني جميعًا فلا أعطيكما إلا جميعًا؟ يقول المؤلف: لا.
لماذا؟ لأنهما قد أعلماه بأن القمح بينهما نصفين، وهذا جاء يأخذ نصيبه.
هل نحبسه حتى يأتي شريكه؟ قد لا يأتي شريكه إلا بعد مدة طويلة وقد لا يأتي أبدًا.
فالمهم أننا نقول لهذا المودع أو نقول لأحد المودِعَيْن: لك أن تأخذ نصيبك، وليس للمودَع حق في أن يمنعك منه.
فإذا كان هذا المودع لا يعلم مقدار نصيب الشريك وجاء إليه الشريك وقال: أعطني نصيبي من القمح الذي أودعناك أنا وزيد إياه، فهل يلزمه أن يعطيه؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟ لأنه لا يعلم، قد يقول: أنا لي نصف القمح، وليس له إلا الربع، وقد يقول: لي ثلاثة أرباع، وليس له إلا الربع، نعم لو أنه أقام بينة بأن له نصف القمح فحينئذٍ يلزم المودَع أن يسلمه نصيبه؛ لأنه في هذه الحال ليس على المودع ضرر بثبوت البينة؛ لأن هذا الشريك له النصف.
وقول المؤلف: (الموزون) ويش مثال الموزون؟ الموزون كاللحم أو السكر.
جاءني رجلان بسكَّرٍ وأودعاني إياه وقالا: إنه بيننا نصفين، ثم بعد مدة جاء أحدهما وطلب نصيبه فله أن يأخذه.
وقول المؤلف: (ينقسم) يعني: يمكن قسمته بلا ضرر، فإن كان لا تمكن قسمته؛ مثل أن يأتياني بلحم، اللحم قد لا تمكن قسمته بالتعديل، مثلًا أتاني رجلان برجل خروف وقالا: هذا بيننا نصفين، اجعله وديعة عندك إلى آخر النهار، فجاء أحدهما في آخر النهار ولم يأت الآخر وقال: أعطني نصيبي، فهل يلزمني أن أعطيه؟ لا، لماذا؟ لأنه قسمته غير ممكنة إلا بالتعديل بالقيمة، فرق بين أعلى الرجل وآخرها، ولو شرطناها بالطول أيضًا قد لا نضبط القدر على ما ينبغي.
فإن قال: أنا لي النصف وله النصف أعطني الثلث، اجعل النقص عليَّ، أعطني الثلث، أنا عندي ضيوف أبغي أعطيهم وبمشي؟
الظاهر أنه يلزمه هنا؛ لأنه إذا قال: أعطني أقل من حقي ما فيه ضرر على الثاني، لكن إذا قال المودَع: أنا أخشى أن الثاني لا يقبل الزيادة التي حصلت له، نقول: إذا لم يقبلها خذها أنت، ما فيه ضرر.
يقول: (وللمستودَع والمضارب والمرتهن والمستأجر مطالبة غاصب العين).
أولًا: لا بد أن نعرف هذه الأسماء: (للمستودَع) من المستودع؟
طالب: (... ).
الشيخ: هو الذي عنده الوديعة.
الثاني قال: (والمضارَب) من المضارب؟
طالب: (... ).
الشيخ: الشريك في المضاربة ما يكفي هذا، (المضارَب)؟
طالب: (... ).
الشيخ: فيه بجزء من ربحه، هذا المضارَب.
الثالث يقول: (المرتهِن) من هو؟
طالب: الذي لديه الرهن.
الشيخ: الذي لديه الرهن، زين.
والرابع (المستأجر)؟
طالب: (... ).
الشيخ: الذي بيده العين على سبيل الإجارة.
يقول: هؤلاء الأربعة لهم مطالبة صاحب العين؛ يعني: لو غُصِبَت العين فلهم أن يطالبوا الغاصب.
مثال ذلك: المستودَع جاء رجل وأخذ المال منه غصبًا التي هي الوديعة، فهل له أن يطالبه؟ يقول المؤلف: له أن يطالبه.
إذا نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: اللام هنا للإباحة، والمباح يجوز للمكلَّف فعله وتركه، فهل هذا مراد؟
الجواب: لا، ليس بمراد، وإنما المراد بالإباحة دفع ما يُتَوَّهم من المنع؛ أي: أنه لا يمتنع على هؤلاء أن يطالبوا الغاصب، ونفي الامتناع لا ينفي الوجوب، وحينئذٍ نقول: للمستودع، ولكن يجب عليه أن يطالب الغاصب؛ يجب وجوبًا أن يطالب الغاصب؛ لأن المستودع يلزمه أيش؟ حفظ الوديعة، ومن لازم حفظها أن يطالب من؟ أن يطالب الغاصب.
إذن فما المراد باللام الدالة على الإباحة؟ المراد نفي توهم الامتناع.
كيف يتوهم الامتناع؟ يتوهم ذلك بأن يقال: أنت لست المالك، وإذا لم تكن المالك فليس لك حق في المطالبة؛ لأنه من الجائز أن يرضى المالك بهذا الغصب، أليس كذلك؟
فإذا كان من الجائز أن يرضى المالك بهذا الغصب فليس لك حق بأن تطالب، اصبر، راجع المالك قبل، هذا هو التوهم الذي قد يتوهمه الإنسان، فبين المؤلف رحمه الله أن للمستودع أن يطالب غاصب العين.
طالب: (... ).
الشيخ: فلهذا لو قال الغاصب للمستودع الذي طالبه: أنت لست المالك ولا أوافق على أن تطالب، فما الجواب؟
يقول: نعم، أني لست المالك لكنني مؤتمن عليها، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، وهذا من حفظها.
الثاني أيضًا (المضارَب) المضارب قلنا: الذي أخذ المال يتجر فيه بجزء من ربحه، هذا إنسان مضارب قد أعطيته -مثلًا- خمسين ألفًا يتاجر بها، فاشترى بها سيارة ليبيعها بأكثر مما اشتراها به، فجاء شخص فغصب السيارة، فهل للمضارَب أن يطالب الغاصِب؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: وجوبًا ولَّا جوازًا؟ وجوبًا؛ لأنه مؤتمن على المال، وقد الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.
ومثل ذلك المرتهن؛ لأن المرتهن -كما مر علينا- يكون الرهن بيده، فإذا جاء غاصب وغصبه فله أن يطالب الغاصب، ولا يقول الغاصب: أنت لست مالكًا، المالك هو الراهن، يقول: نعم، أنا لست بمالك ولكني مؤتمن، بل نقول: إن المرتهن له حق في الرهن؛ لأنه قد وثق به دينه.
كذلك المستأجر له أن يطالبه، لو جاء شخص لإنسان قد استأجر دكانًا، فغصب الدكان منه وأخرجه قال: يلَّا، فله أن يطالب الغاصب، لا يقول للغاصب: أنت لست مالكًا، يقول: نعم، أنا لست بمالك، لكني أولًا: مالك للمنفعة، وأريد منفعتي، وثانيًا: أنني مؤتمن على العين، فوجب علي أداء الأمانة، ومن أداء الأمانة أن أطالبك.
يستثنى من قولنا: إنه يستلزم المطالبة إذا كان صاحب العين حاضرًا وعالمًا بالغصب فإنه لا يلزم هؤلاء المطالبة، وبناءً على ذلك نقول: يلزمهم أحد أمرين: إما المطالبة، وإما إخبار صاحبها؛ لأنا نقول: إذا كان صاحبها حاضرًا ويعلم بالغصب فهو المسؤول عنها.
باب إحياء الموات
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب إحياء الموات)
الإحياء مصدر: أحيا؛ أي: جعل الحياة في شيء ميت، وحياة كل شيء بحسبه، فإحياء الحيوان مستحيل على الخلق إلا بإذن الله، لو اجتمع الخلق كلهم على أن يحيوا جيفةَ حمارٍ ما استطاعوا إلا بإذن الله عز وجل؛ ولهذا كان من عيسى عليه الصلاة والسلام أن يحيي الموتى بإذن الله، بل يخرج الموتى بإذن الله، يخرجهم من أين؟ من قبورهم، ويحيي من لم يقبر؛ يقف على القبر ويقول: يا فلان، اخرج، فيخرج، ويقف على الميت ويقول: احيَ، فيحيا، لكن بإذن الله عز وجل، ويصنع من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 49]، وفي قراءة: ﴿فَيَكُونُ طَائِرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وطائرًا وطيرًا إذا جمعتهما صار المعنى أنه يصير طيرًا يطير.
فإذا قال قائل: كيف جاز لعيسى أن يصور التماثيل وقد توَّعد الله تعالى من صوَّر مثلما يصوره الله؟
فالجواب: أن هذا بإذن الله، والشيء لا يكون ممنوعًا ولا جائزًا إلا بإذن الله، فإذا أذن الله في الممنوع أن يكون جائزًا صار جائزًا، وإذا أذن أن يكون واجبًا صار..
(باب إحياء الموات)
وهي الأرضُ الْمُنْفَكَّةُ عن الاختصاصاتِ ومِلْكٍ مَعصومٌ، فمَن أَحياها مَلَكَها مِن مُسلِمٍ وكافرٍ بإذنِ الإمامِ وعَدَمِه في دارِ الإسلامِ وغيرِها في دارِ الإسلامِ وغيرِها، والعَنْوَةُ كغيرِها، ويَمْلِكُ بالإحياءِ ما قَرُبَ من عامرٍ إن لم يَتَعَلَّقْ بِمَصْلَحَتِه، ومَن أحاطَ مَوَاتًا أو حَفَرَ بِئْرًا فوَصَلَ إلى الماءِ أو أَجراهُ إليه من عينٍ أو نحوِها, أو حَبَسَه عنه ليَزْرَعَ فقد أَحياهُ، ويَمْلِكُ حريمَ البئرِ العاديةِ خمسينَ ذِراعًا من كلِّ جانبٍ، وحريمَ البديةِ نِصْفُها وللإمامِ إقطاعُ مَواتٍ لِمَن يُحْيِيهِ ولا يَمْلِكُه وإقطاعُ الجلوسِ في الطرُقِ الواسعةِ ما لم يَضُرَّ بالناسِ, ويكونُ أحقَّ بِجُلوسِها، ومن غيرِ إقطاعٍ لِمَنْ سَبَقَ بالجلوسِ ما بَقِيَ قُماشُه فيها وإن طالَ، وإن سَبَقَ اثنانِ اقْتَرَعا، ولِمَن في أَعْلَى الْمُباحِ السَّقْيُ وحَبْسُ الماءِ إلى أن يَصِلَ إلى كَعْبِه, ثم يُرسِلَ إلى مَن يَلِيهِ، وللإمامِ دونَ غيرِه حِمًى مَرْعًى لِدَوَابِّ المسلمينَ ما لم يَضُرَّهُمْ.
﴿باب الجعالة﴾ وهي أن يَجعلَ شَيئًا مَعلومًا لِمَن يَعْمَلُ له عَمَلًا مَعلومًا أو مَجهولًا مُدَّةً مَعلومةً أو مجهولةً، كرَدِّ عبدٍ ولُقَطَةٍ وخِياطةٍ وبِناءِ حائطٍ, فمَن فَعَلَه بعدَ عِلْمِه بقولِه اسْتَحَقَّه, ولجماعةٍ يَقتسمونَه، وفي أثنائِه يَأْخُذُ قِسْطَ تَمامِه، ولكلٍّ فَسْخُها, فمِن العاملِ لا يَسْتَحِقُّ شيئًا ومِن الجاعلِ بعدَ الشُّروعِ للعاملِ أُجرةَ عَمَلِه
الإحياء ضد الإماتة، والموات مشتق من الموت، وعبروا بالموات دون الميتة؛ لأن الأرض الميتة قد يُراد بها ما لا نبات فيه، كما قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: 33]، فعبروا عن الأرض هنا بالموات، بالفرق بينها وبين الأرض التي ليس فيها نبات، فما هي الموات في الاصطلاح؟
قال: (هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم)، (المنفكة) يعني: التي ليس فيها اختصاص لأحد ولا ملك لمعصوم، و (المعصوم) هو المسلم، والذمي، والمستأمن، والمعاهد.
فهذه هي الموات: الأرض التي ليس لها مالك معصوم ولا اختصاص لأحد فيها.
مثال الأول: أرض يملكها رجل مسلم، فهذه ليست بموات، لماذا؟ لأنها ملك معصوم.
مثال الاختصاصات: فناء الدور؛ يعني: المساحات التي حولها كملقى الكناسة ومكان تصريف المياه، وما أشبهها، هذه نقول فيها اختصاصات، لو أن أحدًا استولى عليها وأحياها قلنا: لا تملك ذلك؛ لأن هذه مختصة، صحيح أنها ليست ملكًا لصاحب البيت لكنها من اختصاصاته.
ومثل ذلك أيضا: لو أن أحدًا تملك مرعى أهل البلد، بأن تكون هذه المنطقة هي المنطقة التي يخرج أهل البلد مواشيهم لرعيها، فجاء رجل فاستولى عليها، فإننا نقول: لا، ليست هذه أرض موات، لماذا؟ لأنها مختصة لأهل الأرض، فيها مصالحهم، كذلك لو فرضنا أن هذه الأرض محل للحطب يحتطب الناس منها، فإنها ليست بموات، لماذا؟ لأنها غير منفكة عن الاختصاصات.
فالمهم أن كل ما تتعلق به مصالح الناس العامة -وإن لم يكن مملوكًا لأحد- فإنه ليس بموات، ولا يُمَكَّن أحد من الاستيلاء عليه وإحيائه، حتى قال العلماء: إن مقطع الحصى الذي يكون للناس عمومًا يقطعون منه الحصى، ليس لأحد أن يتملكه؛ لأنه تتعلق به المصالح العامة، وكل شيء تتعلق به المصالح العامة فإنه لا يملك أحد الاختصاص به؛ لأنه لو اختص به لمنع الناس حقهم.
فأما الأرض التي تكون ملكًا لحربي فإنها موات، وإن كان مستوليًا عليها؛ لأن هذا الحربي ماله غير معصوم، فيجوز للإنسان أن يستولي عليها ويملكها بذلك.
قال المؤلف: (هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، فَمَنْ أحْيَاها مَلَكَهَا).
(من) اسم شرط جازم، واسم الشرط يفيد العموم، فكل من أحيا هذه الأرض الموات على الوصف السابق فإنه يملكها سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أم أنثى، حُرًّا أم عبدًا، لكن يملكها على أنها تكون لسيده.
قال: (فَمَنْ أَحْياها مَلَكَها مِن مُسْلِم وكَافِر) يملكها سواء كان مسلمًا أو كافرًا، وإنما ذكر المؤلف ذلك -يعني: فَصَّل العموم في قوله: (من أحياها) - لأن في بعض أفراده خلافًا، فبعض العلماء يرى أن الكافر لا يملك الأرض في البلاد الإسلامية ولو كان ذِمِّيًّا؛ لأن البلاد الإسلامية لا ينبغي أن يكون فيها مكان لغير المسلمين؛ لأن غير المسلمين إذا تملكوا الأرض كثروا فيها ثم صاروا أغلبية فيطغى الخبيث على الطيب، وحينئذ يوشك أن يعمهم الله تعالى بالعقاب، ولكن المؤلف يقول: لا فرق بين المسلم والكافر.
(من أحياها ملكها مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ بِإِذْنِ الإِمَامِ وَعَدَمِهِ) يعني: سواء أذن الإمام بالإحياء أم لم يأذن، فلو جاء شخص واستولى على أرض الموات وأحياها بدون أن يأخذ رخصة من الإمام فإنه يملكها، لا يقول الإمام: أنت ملكتها بغير إذني؛ لأنه إن قال: ذلك قلنا الأرض لمن؟ لله، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» (1)، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يملكها إلا بإذن الإمام؛ لأن الإمام هو المرجع في تقسيم الأرض، والأرض تحت ولايته وسيطرته، فلو أحياها بغير إذنه لأحياها على غير وجه شرعي، فلا يملكها.
وأجابوا عن الحديث: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» بأن هذا الحديث من باب التنظيم لا من باب التشريع؛ يعني أن الرسول قاله تنظيما، فهو كقوله: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» (2).
ولكننا نجيب عن ذلك بأن الأصل في قول الرسول عليه الصلاة والسلام التشريع، فهو إذا قال: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» يعني: من عموم الناس، ليس يخاطب قومًا مُعَينين، يقول: إذا أحييتم الأرض فهي لكم، بل هذا عامٌّ، كما أننا نقول أيضًا في الحديث الثاني: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ»: أنه عام، وأن القاتل يُعْطَى سَلَب القتيلِ سواء شرطه الإمام أو القائد للجيش أم لم يشترطه.
ولكن هناك قول وسط، وهو أنه إن منع ولي الأمر من التملك بغير إذن فإن من تملك بغير إذنه فلا ملك له، ودليل هذا القول؛ قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]، فإذا قال: ولي الأمر لا أحد يحيي إلا بإذن، فإن الواجب علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا، ولا نحيي إلا بإذن.
فإن قال قائل: إذا قلنا بذلك فإننا لا نأمن من جور ولي الأمر، بحيث يأذن لزيد ولا يأذن لعمرو، قلنا: على ولي الأمر حق وعلينا حق، أما ولي الأمر فعليه العدل بين الناس، وأما نحن فعلينا السمع والطاعة، فإذا أضاع ولي الأمر ما يجب عليه من العدل لم يحل لنا أن نضيع ما يجب علينا من السمع والطاعة، وعلى هذا العمل الآن عندنا، على أن من أحيا أرضا بغير إذن الإمام فإنه لا ملك له، وكان في السابق -قبل أن يصدر هذا المرسوم أو الأمر- كان من أحيا أرضًا فهي له، سواء أذن ولي الأمر أم لم يأذن؛ لأنه قد أطلق للناس الحرية في هذا الشيء، وهذا القول الذي ذكرناه هو الموافق للأدلة الشرعية وبه نطبق الحديث: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» (1) سواء قلنا: إنه تشريع، أو: إنه تنظيم.
أما إن قلنا: إنه تنظيم فالأمر واضح، لكن إذا قلنا: إنه تشريع، فكيف يقول الرسول عليه الصلاة والسلام إن الأرض لك، ثم نقول: إن الأرض ليست لك، نقول: نعم، هذا الحديث عارضه عموم نص آخر، وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام أوجب طاعة ولي الأمر في غير المعصية، وهذا ليس بمعصية؛ يعني إذا تركت إحياء الأرض حتى تستأذن ليس بمعصية.
ثم إن فيه منعًا للفوضى والاعتداء، لا سيما في زمن يضعف فيه الإيمان بين الناس، فإن الناس لو أطلقت لهم الحرية لاعتدى كل واحد على ملك الآخر، وأخذ منه، فإن لم يُعْلم به سكت، وإن عُلِم به ادعى أنه جاهل أو ما أشبه ذلك، كما كان يصنع صاحب الْمِحْجَنِ، الذي يسرق الحجاج بمحجنه، إن فُطِن له قال: والله هذا المحجن مسك بمتاعك، وإن لم يفطن له راح (3)، هكذا أيضًا بعض الناس لو تركت الحرية في الأراضي لكان بعض الناس لا يخاف الله عز وجل، فإذا قُيِّد هذا بنظام مُعيَّن، وعُيِّن في الأرض للإنسان بمساحتها وبكل ما يلزم للعلم بها، صار في ذلك مصلحة لعموم الأُمَّة، فكان هذا جائزًا.
قال: (بإذن الإمام وعدمه)، إذا قال الفقهاء: (الإمام) فالمراد به: السلطان الأعظم في البلاد، أما إذا قالوا: الأمير، فالمراد به: نائب الإمام في بلد أو بلدين أو أكثر، لكن إذا قالوا: الإمام، فالسلطان الأعظم؛ أي الذي له الكلمة العليا في البلاد.
قال المؤلف: (في دار الإسلام وغيرها)، دار الإسلام ما هي؟
دار الإسلام كل ما يُعْلَن فيها بالإسلام، هذه دار الإسلام، فإذا كانت هذه البلدة يعلن فيها بالإسلام يؤذن وتصلى الجماعة وتقام الجمعة ويصام رمضان فهي دار إسلام، حتى لو فُرِض أن حكامها كفار فإنها دار إسلام، هذا هو الأقرب في تحديد دار الإسلام، وقيل: إن دار الإسلام من كان أكثر أهلها مسلمين، بقطع النظر عن الحاكم.
وقيل: إن دار الإسلام من يحكمها مسلم ولو كان أكثر أهل البلد كفارًا، والعلماء اختلفوا في هذا اختلافًا كثيرًا، لكن أقرب الأقوال أن ما أعلن فيه بالإسلام؛ بالأذان والجُمَع والجماعات والصيام، وما أشبه ذلك، فهي دار الإسلام.
(... ) والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
هل يشترط للملك بالإحياء إِذْن (... ).
(والعنوة كغيرها) العنوة؛ يعني: الأرض العنوة كغيرها، أرض العنوة: هي ما فتح بالسيف، وغيرها: ما أسلم أهلها عليها، وأنتم تعلمون أن الإسلام نشأ من جزيرة العرب، وبدأ ينتشر في أقطار الدنيا بالدعوة إلى الله، وبالسيف لمن عارض هذه الدعوة، الذين عارضوا هذه الدعوة فُتحت بلادهم بعدة أوجه؛ منها ما فتح عنوة؛ يعني بالسيف؛ أي أن الصحابة قاتلوا أهلها حتى دخلوها عنوة، فهذه يخير الإمام فيها -كما مر علينا في كتاب الجهاد- بين قسمها بين الغانمين، وأن يضرب عليها خراجًا مستمرًا، يؤخذ ممن هي بيده، هذه الأرض التي فُتحت عنوة هل تملك بالإحياء أو لا؟ الجواب: نعم، تملك بالإحياء، ولهذا قال: (العنوة كغيرها)، لا يقال: إن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وقَّفها وضرب عليها خراجًا مستمرًّا يؤخذ ممن هي في يده يضم إلى بيت المال؛ لأن عمر رضي الله عنه رأى أن قسمها بين الغانمين يفوِّت على الأجيال المستقبلة منفعة هذه الأرض، وليست الأرض كالمال، المال بالاتفاق يقسم بين الغانمين؛ لأنه أعيان قائمة فتؤخذ وتقسم بين الغانمين وتفنى، لكن الأرض باقية، فرأى عمر ألَّا تقسم بين الغانمين (4)؛ لأنها لو قُسِمت بين الغانمين لاختص بالانتفاع بها الغانمون فقط، وضاع حق الأجيال المقبلة، فرأى رضي الله عنه أن يجعلها كالوقف، ويجعل عليها خراجًا مستمرًّا، يعني مثلًا هذه المساحة من الأرض كذا وكذا من الدراهم، تؤخذ هذه الدراهم وتضم إلى بيت المال، فهل يقال: إن العنوة لا تملك؛ لأنها شبيهة بالوقف أو هي وقف؟ أو يُقال: بيت لك.
الصواب أنها تملك وأن من أحيا أرضًا ميِّتَة من هذه البلاد العنوة فهي له، وينتقل فيها الملك، هذا هو الصحيح، وما زال المسلمون يتبايعون هذه الأراضي، أما قول بعض الفقهاء، ومنهم أصحاب الإمام أحمد في المشهور عنه أنه لا يباع غير المساكن مما فتح عنوة، فهذا قول مخالف لما جرى بين المسلمين، فإن المسلمين منذ فتحوا هذه البلاد وهم يتبايعون الأراضي والمساكن ويملكونها، فالمؤلف -رحمه الله- أشار إلى هذا القول، وقال: إن العنوة كغيرها، غيرها أيش؟
هي التي أسلم أهلها عليها، فهذه الأرض لا تُغنم، ولا تقسم بين الغانمين، ولا يُضرب عليها الخراج، مثل قرية لما رأى أهلها أن المسلمين انتصروا ورغبوا في الإسلام أسلموا قبل أن تُفْتَح، فهنا تكون الأرض حرة وتكون لهم، وتملك بإحيائها بالاتفاق.
طالب: (... ).
الشيخ: إي شرحناها، كيف؟ ما شرحنا هذه؟ وبيَّنَّا أن دار الإسلام ما أعلن فيها الإسلام، وغير دار الإسلام دار الكفر اللي يعلن فيها الكفر فالإنسان يملك في دار الكفر ويملك في دار الإسلام.
قال المؤلف: (ويُمْلَك بالإِحْيَاء ما قَرُبَ من عَامِرٍ إن لم يتعلق بِمَصْلَحَتهِ) العامر: يعني المساكن العامرة التي بُنيت، فإذا أحيا شخص أرضًا قريبة من هذا العامر فإنه يملكها.
كمثال ذلك: رجل وجد أرضًا بيضاء إلى جنب بيت فأحياها بطريق من طرق الإحياء، فإنه يملكها، لا يقول صاحب البيت هذه الأرض إلى جنب بيتي فلا تملكها؛ لأنه لو قال: ذلك لقلنا: هذه أرض ميتة أحياها هذا الرجل فملكها، وقد قال: النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» (1)، إذا قال: إذا أحياها منع عني الهواء ومنع عني الشمس ماذا نقول له؟
نقول: هذا ملكه يتصرف فيه بما شاء اللهم إلا أن يتعمد الإضرار بك فيطيل البنيان من أجل حجب الشمس والهواء عنك، فحينئذ نمنعه، وأما إذا بنى بناء معتادًا فهو قد ملك الأرض، ويبني عليها ما شاء مما اعتاده الناس.
قال المؤلف: (إن لم يتعلق بمصلحته) فإن تعلق بمصلحته فإنه لا يملك، مثاله: هذا رجل مزارع عنده زرع، وله -أي لهذا الزرع- شعبة من الوادي، مسيل المطر تدخل في هذا البستان وتسقيه، فجاء رجل وأحيا هذه الشعبة التي يأتي منها الماء لهذا البستان، وهي بعيدة عن البستان، فهل له إحياؤها؟
الجواب: لا، لماذا؟ لأنها تتعلق بمصالح، وعلى هذا فبطون الأودية التي يستقي منها الناس لا يجوز لأحد أن يتملكها، فإن تملكها فإن كان ببنيان هُدِم، وإن كان بغرس خُلِع، وإن كان بزرع يُنْظَر إن كان هذا الزرع يحصد قبل أن تأتي الأمطار أمهلناه، وقلنا: يبقى زرعك حتى تحصده، وإن كان يُخشى أن تأتي الأمطار قبل انتهاء الزرع فإنه يُزال لئلا يمنع الأمطار.
كذلك أيضًا لو فرض أن هذه البلد فيها مكان فسيح تُلْقى فيه الكناسة وفضلات البنيان، وما أشبه ذلك فجاء رجل وأحيا هذا المكان، فإننا نقول: لا، ليس لك الحق في إحيائه، لماذا؟ لتعلُّقِ مصالح البلد به، فإن بَنَى هُدِم بنيانه، وإن غرس خُلِع غرسه.
كذلك أيضًا الأرض المملحة التي يقطع منها الناس الملح، لو جاء شخص فأحياها فإنه لا يملك ذلك، لماذا؟
لأن ذلك تتعلق به مصالح البلد، فإذا كانت تتعلق به مصالح البلد فإنه لا يمكن أن يستولي عليها أحد لتفويت المصالح.
وكلمة (إن لم يتعلق بمصلحته) عامّة، بل فيه أرض معدة لتكون مقبرة لأهل البلد، فجاء رجل فأحياها، نقول هذا الإحياء غير صحيح، حتى لو بنى هُدِم بنيانه، وإن غرس خُلع غرسه؛ لأن ذلك يتعلق بمصلحة البلد.
قال رحمه الله: (وَمَنْ أَحَاطَ مَوَاتًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَوَصَلَ إِلَى الْمَاءِ، أَوْ أَجْرَاهُ إِلَيْهِ مِنْ عَيْنٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ حَبَسَهُ عَنْهُ لِيُزْرَعَ فَقَدْ أَحْيَاهُ).
بَيَّن المؤلف -رحمه الله تعالى- ما يحصل به الإحياء؛ لأن كل ما سبق بيان للحكم، أما ما يحصل به الإحياء فذكره الآن، وإحياء كل شيء بحسبه، ولهذا قال: (مَنْ أحَاطَ مَوَاتًا) أحاطه؛ يعني: وضع عليه حائطًا منيعًا بما جَرَت به العادة، إن جرت العادة بأن الحائط يكون من لَبِن الطين فهو من لَبِن الطين أو كان من لَبِن الطوب فهو من لبن الطوب أو كان من خشب يُوضَع و (... ) بعض ويربط بعضه ببعض، المهم إنه إذا أحاطه بما جَرَت به العادة فإنه يملكه بذلك، حتى وإن لم يَبْنِ (... ) وإن لم يغرس غرسًا وإن لم يزرع زرعًا، المهم ما دام بنى حائطًا يحوطه ويمنعه فإنه يكون بذلك محييًا لهذه الأرض.
الثاني: (أو حفر بئرًا فوصل إلى الماء) حفر بئرًا حتى وصل إلى الماء فإنه يكون محييًا؛ لأنه هيأ الأرض لما تصلح له، فإن لم يصل إلى الماء فليس بإحياء، لكنه يكون أحق بها من غيره؛ لأنه ابتدأ بالإحياء ولم ينْهِهِ.
الثالث: قال: (أو أجراه إليه) يعني: إلى الموات، (من عين أو نحوها) أجرى الماء إلى هذه الأرض الموات من عين أو نحوها، كالقصب عندنا؛ المواسير، فإنه يكون محييًا لهذه الأرض، فمثلًا لو حفر ارتوازيًّا يبعد عن هذه الأرض خمسة كيلوات، ثم زرع الأرض، فإنه يملك هذه الأرض، لا يقال: إن منبع الماء بعيد عنها؛ لأننا نقول ما دام الرجل أجرى الماء على هذه الأرض فإنه يعتبر إحياءً، ولكن هل الْمُعتبر وصوله إلى هذه الأرض أو المعتبر إحاطته بالأرض؟
مثال ذلك؛ الوصول معناه أنه جعل لهذا الماء مَصَبًّا في هذه الأرض وحَوَّط عليها، ليس حائطًا، ولكن أحجارًا ومراسيم، فهل نقول: إن العبرة وصول الماء إلى الأرض، أو العبرة أن يسيح في الأرض كلها؟
قال المؤلف: (أو أجراه إليه)، و (إلى) للغاية، وابتداء الغاية داخلٌ لا انتهاؤها، فالظاهر أنه إذا وصل إلى مكان يعد مجمعًا للماء الذي يفرق في هذه الأرض فإن ذلك يعتبر إحياء.
ثم قال: (أو حَبَسَه عنه) يعني: حبس الماء عن الموات ليُزْرع، وهل هذا واقع؟
نعم.
متى يكون واقعًا؟
إذا كان حول الأنهر مثلًا أو البحر، فحبس الماء عن هذه الناحية؛ لتكون صالحة للزرع، فيعتبر هذا الحبس إحياء، فمنع الماء لتصلح الأرض للزرع إحياء، وإيصال الماء ليسقي الأرض للزرع إحياء، فصار الماء الآن منعه إحياء وإرجاعه إلى الأرض إحياء.
ولو قال قائل: إن الإحياء يرجع إلى العرف؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» (1)، ولم يُبَيِّنِ النبي صلى الله عليه وسلم ما يحصل به الإحياء، لو قائل بهذا القول لكان له وجه، فما عده الناس إحياء أو تهيئة للإحياء فهو إحياء، وما ليس بإحياء فليس بإحياء، فمثلًا لو أن رجلًا صار يجلب مواد خشبية أو مواد أسمنت أو حديد، وصار ينزل بهذه الأرض ويبيع، فهل يعتبر الناس ذلك إحياء؟
لا، ولهذا لا نقول إنك تملك ذلك؛ لأن هذا لا يعد إحياء، غاية ما هنالك أنه يعد انتفاعًا بالأرض وليس إحياء لها.
وإذا بنى عليها بيتًا وأحاط هذا البيت بحائط ولو واسعًا فإنه يعتبر إحياء؛ لأنه الآن جعلها صالحة للسكنى بعد أن كانت بيضاء لا يُسكن فيها.
ولو نصب عليها خيامًا؟ ليس بإحياء، اللهم إلا إذا جرت العادة بأن نصب الخيام كبناء البيوت، فهذا يكون إحياء؛ لأنه قد يوجد في بعض المواضع لا يسكن الناس إلا في الخيام، فإذا كان كذلك فإن نصب الخيمة يعتبر إحياء.
قال: (أو حبسه عنه ليُزرع فقد أحياه، وَيَمْلِكُ حَرِيم البِئْرِ العَادِيَّةِ خَمْسِينَ ذِرَاعاً مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَحَرِيم البَدِيَّةِ نِصْفَهَا).
البئر إذا حفرت فإن كانت للزرع فهو شبيه بإجراء الماء إلى الأرض، يكون إحياءً لكل ما يمكن أن يزرع بهذه البئر.
أما إذا حفر بئرا ليستقي منها فقط، كما يوجد في بعض الجهات يحفر أهل الإبل بئرًا لسقي إبلهم فقط لا للزرع، فإن هذه البئر لها حريم، يعني لها مكان محترم يملكه صاحب البئر بسبب هذه البئر.
هذه الآبار تنقسم إلى قسمين: آبار جديدة مبتدأة، وآبار عادية قديمة.
فالآبار العادية القديمة: يملك حافرها خمسين ذراعًا من كل جانب يعني؛ دائرة يبلغ قطرها خمسين ذراعًا، وإن كانت ابتدائية فإن صاحبها يملك خمسة وعشرين ذراعًا، لماذا؟
قالوا: لأن العادية حُفِرَت مرتين، فيملك بالحفر الأول خمسة وعشرين ذراعًا، في الحفر الثاني خمسين ذراعًا.
وأما الابتدائية فإنها لم تحفر إلا مرة واحدة فيملك صاحبها خمسة وعشرين ذراعا، والله أعلم.
(... ) يصير به إحياء إذا هيأ الأرض لما تصلح له وأعدها لذلك، حتى قال: العلماء لو كانت الأرض فيها أشجار غير صالحة وغير مرغوب فيها، فقطع الأشجار، مثل لو كان فيها أشجار من الشوك، وقطع هذه الأشجار، فإن ذلك إحياء، قالوا: ولو كانت أرضًا مزروعة بالأحجار السود التي لا تصلح للزراعة بوجودها فأزال هذه الأحجار ونظفها منها فإن ذلك إحياء، فالمهم إذا هيأ الأرض بما أعدت له من بناء أو زرع أو غراس فهذا إحياء.
هنا مسألة: لو أنه تحجَّر الأرض بالمراسيم أو بأن أدار حولها ترابًا، حددها بالتراب، فهل يعتبر هذا إحياء؟
قال: العلماء ليس بإحياء، لكنه تحجر، فيكون أحق بها من غيره، فإذا وجد متشوف لإحيائها قيل لهذا الرجل: إما أن تحيي وإما أن ترفع يدك، بخلاف ما إذا ملكها، فإنه إذا ملكها لا يقال له: إما أن تزرع وإما أن ترفع يدك؛ لأنه ملكه، سواء زرعه أو ما زرعه، لكن التحجر هذا هو الذي يقال لمن تحجر: إما أن تزرع وإما أن ترفع يدك.
قال المؤلف: إن حريم البئر البدية كذا وكذا، والعادية كذا وكذا.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وَلِلإمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ، وَلَا يَمْلِكُهُ).
قال المؤلف: (للإمام إقطاع موات لمن يحييه) يعني: أن يكتب الإمام، والمراد بالإمام السلطان الأعلى، أو الذي له السلطة العليا في البلد؛ كالملك مثلًا في بلادنا، ورئيس الجمهورية أو الوزراء في البلاد الأخرى التي لها جمهورية، فالإمام هذا له إقطاع موات لمن يحييه، فيقول: إنني قد أقطعت فلانًا خمس مئة متر أو ست مئة من كذا إلى كذا، فإذا كتبه له وسجله باسمه فهل يملكه أو يكون أحق به من غيره ولا يملكه إلا بالإحياء؟ في هذا خلاف بين أهل العلم، ولننظر إلى كلام المؤلف قال: (إقطاع موات لمن يحييه)، قال: (ولا يملكه).
(الواو) هذه للاستئناف، وليست عطفًا على (يحيي) يعني: وإذا أقطعه فإنه لا يملكه بالإقطاع، بل يكون أحق به من غيره.
مثال ذلك: أقطع الإمام -أو نائب الإمام لمن يتولى هذه الأمور- أقطعه أرضًا مساحتها ألف متر من كل جانب، وموضعها من كذا إلى كذا، فهل هذا المقطع بهذا المرسوم والوثيقة يملك هذه الأرض؟
الجواب: لا، لكن يكون أحق بها، أي لو جاء إنسان وأراد إحياءها فإن له أن يمنعه، ويقول: إنني قد أقطعت هذا.
إذن متى يملكها؟
يملكها إذا أحياها بطريق من طرق الإحياء السابقة.
والقول الثاني في المذهب: أن الإمام إذا أقطعه وتعَيَّن فإنه يملكه ويكون ملكًا له، يورث من بعده وله بيت وله رهن وله وقف، المهم أنه ملكه يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم.
وعلى القول الأول لا يملكه، فلا يبيعه ولا يوقفه ولا يرهنه؛ لأنه ليس بملكه، هل يجوز لهذا المُقْطع أن يتنازل عن إقطاعه بعوض؛ يعني: لا من باب البيع؟
الجواب: في هذا خلاف بين أهل العلم، منهم من قال: لا يجوز لاحتمال ألَّا يحصل للثاني؛ لأن الثاني إذا لم يحيه قيل له: ارفع يدك، وقال بعض أهل العلم: بل يجوز ذلك؛ لأن هذا الذي أُقْطِع تنازل عن حقه بعوض، والأصل في العقود الحِلُّ والإباحة، وليس في ذلك محظور؛ لأنه إذا تنازل عنه نزل الثاني منزلة الأول، هذا اللي يحصل، وهذا لا مانع منه، وهذا القول هو الصحيح، أن له أن ينزل عن هذا الإقطاع بعوض.
خلاصة القول في هذه المسألة: أنه يجوز للإمام أن يقطع الأرض لمن يحييها، والسؤال الآن هل إذا أقطعه يملكها بذلك؟
في هذا قولان لأهل العلم:
القول الأول: أنه يملكه، وتعليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بعض الأراضي (5)، وإقطاعه إياها تمليك بلا شك.
ودليل آخر: أن الإمام نائب عن الأمة فإذا أقطع هذا الرجل فكأنه وهبه، والهبة يكون بها الملك.
والقول الثاني: أنه لا يملكه، واحتجوا بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» (1).
فجعل النبي عليه الصلاة والسلام مناط الحكم هو الإحياء، وعلى القول بأنه لا يملكه هل يجوز أن يتنازل بعوضٍ لغيره؟
الجواب: فيه خلاف، والصحيح أن ذلك جائز.
قوله: (ولا يملكه) أنا قلت لكم: إن (الواو) هذه للاستئناف، وليست معطوفة على قوله: (لمن يحييه)؛ لأنه لو قلنا بأنها معطوفة لفسد المعنى، قال: (وله) أي: للإمام (إقطاع الجلوس في الطرق الواسعة) الإمام أو نائب الإمام، فمن نائب الإمام في إقطاع الجلوس؟ البلدية في الوقت الحاضر؛ يعني له أن يقطع شخصًا هذا المحل ليبسط فيه، لكن بشرط ألَّا يضر بالناس، فإن أضر بالناس فإنه لا يجوز له أن يقطع؛ لأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، فإذا كان إقطاعه هذا الرجل أن يجلس يبيع في هذا السوق يضيق السوق على المارة؛ لأن السوق يزدحم، فليس للإمام ولا نائب الإمام أن يفعل ذلك، لما فيه من الإضرار العام.
وقول المؤلف: (له)، (اللام) هنا بيان للإباحة، فلا ينافي أن يقال: إنه يجب عليه إذا طلب أحد الرعية مكانا يبيع فيه ويشتري وليس به ضرر على المسلمين يجب عليه أن يمنحه؛ لأن الأرض لله عز وجل، وليس له أن يتحكم فيمنع هذا ويرخص لهذا، بل نقول: ما دام هذا الرجل محتاجًا إلى أن يعرض سلعه في هذا المكان وليس فيه ضرر على المسلمين فالواجب عليك أن تلبي دعوته.
قال: (ويكون أحق بجلوسها) من الذي يكون أحق؟
الْمُقطَع يكون أحق بالجلوس فيها، حتى لو جاء أحد وأراد أن يزيله أو جاء أحد ونزل في هذا المكان فله المطالبة بذلك، فإذا فرضنا أن نائب الإمام أقطع هذا الرجل هذه البقعة من الأرض يعرض فيها سلعه، فلما أصبح وجاء على العادة وجد شخصًا آخر قد بسط فيها سلعه وعرضها، فله أن يقيمه، له أن يقول: قم، أنا أحق بذلك منك؛ لأنه مقطع من قبل ولي الأمر، ولهذا قال: (ويكون أحق بجلوسها، ومن غير إقطاع لمن سبق بالجلوس ما بقي قماشه فيها وإن طال)، معنى (من غير إقطاع) يعني: أنه لو سبق شخص إلى هذا المكان لعرض السلع فمن سبق فهو أحق، ولكن هل له أن يتحجر؟
الجواب: ينظر في ذلك إلى العرف، فإن كان العرف قد جرى بأن الإنسان يبقى في هذا المحل وفي آخر النهار ينزح عنه فإنه ليس له أن يتحجر، وإن جرت العادة بأن الإنسان يبقى ويتحجر ولا يعد الناس ذلك ظلمًا؛ فله أن يبقى.
ولهذا قال المؤلف: (ويكون أحق بجلوسها ما بقي قماشه فيها وإن طال).
فأفادنا المؤلف فائدتين: الفائدة الأولى: أنه ما بقي القماش في هذه الأرض التي سبق إليها فهو أحق بها، فإن نقل القماش فليس أحق بل هي لمن سبق في اليوم التالي، فإذا نقل الإنسان قماشه إلى بيته ليكون عنده في الليل وجاء في الصباح ووجد شخصا قد نزل فيه فليس له حق في أن يقيمه عن هذا المكان؛ لأنه لم يُقْطَع من قبل ولي الأمر، وإنما صار أحق بسبب السبق، فإذا نقل قماشه وسبق بعده آخر فهو أحق.