الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 5224-5263

الشيخ: إي نعم، إذن قال المالك: القيمة أربعون ألفًا، وقال الغاصب: القيمة عشرون ألفًا، فمَن القول قوله؟ يقول: القول قول الغاصب؛ لماذا؟ لنا في ذلك دليل وتعليل؛ أما الدليل فهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (4)، فهنا عشرون ألفًا متفق عليها، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: الغاصب يقول: إنها عشرون ألفًا، والمالك يقول: أربعون ألفًا، إذن عشرون ألفًا متفق عليها ما فيها إشكال، يبقى العشرون الثانية يدَّعِيها المالك، نقول: أنت مُدَّعِي، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي»، هاتِ بينة تشهد بأن السيارة تساوي أربعين ألفًا، وإلا فليس لك إلا ما أَقَرَّ به المدَّعَى عليه، وهو الغاصب، واضح؟ هذا الدليل.
التعليل أن الغاصب غارم، والغارم قوله مقبول؛ لأن ما زاد على قوله الأصل براءته منه، الأصل براءة الذمة، فلا يمكن أن نخالف هذا الأصل إلا ببينة، ما أدري القاعدة واضحة ولَّا لا؟ الغاصب غارم ولَّا غير غارم؟ طلبة: غارم.
الشيخ: غارم؛ لأننا بنغرمه القيمة، الغارم قوله مقبول فيما يُطْلَبُ غُرْمُه؛ لأن الأصل براءته مما زاد على ما يُقِرُّ به، فمثل هذا الغاصب سنُغَرِّمُه قيمة السيارة، إذن فهو غارم ولّا غير غارم؟ طالب: غارم.
الشيخ: غارم، هو الآن مقر بعشرين ألفًا، نُغَرِّمه إياها، العشرون الأخرى الأصل براءة ذمته منها حتى يقوم دليل على أن ذمته مشغولة بها، وهذه قاعدة عند العلماء؛ أن كل غارم فقوله مقبول فيما غَرِم، أعرفتم يا جماعة؟ على أي أساس قلت هذه القاعدة؟ طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم.. الشيخ: نعم، على الحديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (4)، وعلى أن الأصل براءة الذمة، فما أقر به فقد أقر بأن ذمته مشغولة به، وما أنكره فالأصل؟ طلبة: البراءة.

الشيخ: براءة الذمة، المهم أن تأخذوا هذه القاعدة الفقهية: كل غارم فقوله مقبول، ولهذا دائمًا يعلِّلُون، يقول: القول قوله؛ لأنه غارم.
فإذا قال قائل: الفرق الآن كبير بين قول المالك والغاصب؛ إذ إن الفرق هو النصف، أفلا يمكن أن نلغي قول كل واحد منهم ونرجع إلى قيمة المثل؟ بمعنى أن نقول للمالك: تعالَ صِف السيارة، ونقول للغاصب: صف السيارة، فإذا اتفقا على وصفها نسأل أهل الخبرة، نقول: ما تقولون في سيارة صفتها كذا وكذا؟ أقول: إن هذا القول لا شك أنه أقرب إلى العدل، يعني إذا كان الفرق بين قول المالك والغاصب كبيرًا كهذا فيمكن أن نلغي القولين جميعًا، ونقول: أعطونا صفة السيارة، قالوا: هي سيارة موديلها كذا ونوعها كذا ولونها كذا، ويذكرون أوصافها، إذا اتفقوا على الوصف ويش بقي علينا؟ تقدير القيمة، نلغي قوليهما، ونرجع إلى أهل الخبرة، نذهب إلى أهل المعارض ونقول: ما تقولون في سيارة صفتها كذا وكذا وكذا، كم قيمتها؟ إذا قالوا: قيمتها أربعون، أخذنا بقول مَن؟ طلبة: بقول المالك.
الشيخ: بقول المالك، إذا قالوا: قيمتها عشرون، أخذنا بقول الغاصب، إذا قالوا: قيمتها ثلاثون، ألغينا قوليهما وأخذنا بالثلاثين، إذا قالوا: قيمتها عشرة، هل نرجع إلى العشرة أو نرجع إلى قول الغاصب؟ طلبة: إلى قول الغاصب.
الشيخ: هذا محل خلاف بين الفقهاء رحمهم الله؛ قال بعضهم: نأخذ بالعشرة؛ لأننا لما ألغينا قوليهما، صارت المسألة ابتدائية، وأهل الخبرة قالوا: تساوي عشرة.
وقال بعض أهل العلم: بل نأخذ بما قال الغارم، إي نعم، اللي هو الغاصب؛ لأن الغاصب أقرَّ على نفسه الآن بأن في ذمته عشرين للمالك، فكيف نسقط عنه العشرة؟ وهذا إلى الواقع أقرب، هذا أقرب إلى الصواب ؛ لأننا نأخذ الإنسان بما؟ طلبة: أقر به.
الشيخ: أقر به، هذه واحدة.

ثانيًا: (أو قَدْرِه)، القول في قدر المغصوب قول الغاصب، كيف قَدْر؟ مثل أيش؟ قال المالك: إنك غصبت مني شاتين، وقال الغاصب: لم أغصب إلا واحدة، مَن القول قولُه؟ طلبة: الغاصب.
الشيخ: قول الغاصب، هذا واضح؛ أن القول قول الغاصب، للدليل والتعليل؛ الدليل: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (4)، فشاة واحدة متَّفَق عليها الآن، الشاة الثانية مختلَف فيها، المالك يدَّعِيها، والغاصب ينفي هذه الدعوى، فنقول: أنت أيها المالك مُدَّعٍ، والغاصب مُنْكِر، والبينة على المدَّعِي، واليمين على مَن أنكر.
التعليل أن الغاصب غارم، والغارم قوله مقبول؛ لأن الأصل براءة ذمته مما لم يُقِرَّ به، هذه العلة.
ثانيًا: القول في صفته قول؟ طالب: الغاصب.
الشيخ: الغاصب، قال المالك للغاصب: غَصَبْتَنِي عبدًا كاتبًا مهندسًا، وقال الغاصب: بل غصبتك عبدًا أُمِّيًّا أخرق، الأول كم قيمته؟ طالب: كثير.
الشيخ: كثير، والثاني؟ الطالب: قليل.
الشيخ: ما يسوى نفقته، قليل، عبد، أُمِّي، أخرق، هذا لا أحد يشتريه، مَن القول قولًُه؟ طلبة: الغاصب.
الشيخ: قول الغاصب؛ لأن الجميع اتفقوا على غصب عبد، لكن ادَّعَى المالك وصفًا زائدًا على الذات، وهو أنه كاتب مهندس، والغاصب ينكره، قال المالك: غصبتني قمحًا جيدًا، وقال الغاصب: بل قمح رديء، مَن القول قولُه؟ طلبة: الغاصب.
الشيخ: القول قول الغاصب؛ للدليل والتعليل.
كذلك يقول: (قولُه)، يعني: قول الغاصب.
(وفي رده وعدم عيبه) -وعندي نسخة (تَعَيُّبه) - القول (قول ربه)، (في رده) قال المالك: لقد غصبتني عبدًا ولم ترده عليّ، فقال الغاصب: بل رددته عليك، القول قول مَن؟ طلبة: قول المالك.

الشيخ: قول المالك؛ للدليل والتعليل أيضًا، اتفق الجميع على أن العبد كان عند الغاصب، أليس كذلك؟ الغاصب يقول: نعم، غصبتُ لكن رددته، والمالك يقول: غصبته ولكن لم ترده، فاتفق الجميع على أنه عند الغاصب، ثم ادعى الغاصب أنه رده، نقول: أنت الآن مُدَّعٍ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (4)، هاتِ بينة أنك رددته على مالكه، وإلا فهو عندك، أما التعليل فنقول: إن الأصل؟ طالب: براءة الذمة.
الشيخ: ما هو براءة الذمة، الأصل بقاء ما كان على ما هو عليه حتى يقوم دليل على انتفاء هذا الأصل، فالأصل أن هذا العبد لما كان عند الغاصب فهو باقٍ حتى تقوم بينة على أن هذا الأصل قد زال.
(في عدم تعيُّبِه) قال المالك: إنك غصبتني عبدًا سليمًا، وقال الغاصب: بل عبد معيب، مثاله: رد الغاصبُ العبدَ وعينُه قد فُقِئَت، أعور، العور عيب ولّا كمال؟ طلبة: عيب.
الشيخ: عيب، فقال المالك: إنك غصبته مني سليم العينين، وقال الغاصب: بل غصبته منك أعور، مَن القولُ قولُه؟ طلبة: المالك.
الشيخ: الأصل عدم العين أو الأصل وجود العين؟ طلبة: وجود العين.
الشيخ: عدم العين (... )، السؤال الآن: هذا الغاصب الآن رد العبد وهو أعور، فقال المالك: إنك غصبته مني وهو سليم العينين، وقال الغاصب: بل غصبته منك وهو أعور، ما حدث عندي شيء، مَن القول قوله؟ طلبة: المالك.
الشيخ: القول قول المالك، لماذا؟ لأن الأصل السلامة، وهو وجود العين، فيقول المالك: الأصل السلامة، هات بينة على أن العور كان موجودًا قبل الغصب، وإلا فعليك الضمان، إذا ضَمَّنَّا الغاصب، في المثال الذي ذكرت، فكيف نُضَمِّنُه؟ قال بعض العلماء: نُضَمِّنُه بنصف القيمة، وقال بعض العلماء: نُضَمِّنُه بما نقص، هل بينهما فرق؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم بينهما فرق، إذا قلنا: إن هذا العبد قيمته سليمًا عشرة آلاف ريال، فكم ضمانه على القول بأنه يُضَمَّن بنصف القيمة؟

طلبة: خمسة آلاف.
الشيخ: خمسة آلاف؛ لأن نصف القيمة بالنسبة للعبد هي نصف الدية بالنسبة للحر، والعين فيها نصف الدية بالنسبة للحر، إذا قلنا بما نقص نقوِّم العبد الآن سليمًا، ونقوِّمه أعور، قالوا: سليمًا يساوي عشرة آلاف، أعور يساوي ألفين، كم يَضْمَن؟ طلبة: ثمانية آلاف.
الشيخ: ثمانية آلاف، بدل ما قلنا في الأول: خمسة آلاف، أيهما أقرب للقواعد؟ الثاني أقرب للقواعد؛ لأن العبد مملوك يُبَاع ويُشْتَرَى، ليس كالحر، الحر ديته مقدَّرة من قِبَل الشرع، لكن هذا عبد مملوك يباع كما تباع البهائم، وحينئذ نقول: يلزم الغاصب على القول الثاني -وهو الراجح- كم؟ طالب: ثمانية آلاف.
الشيخ: ثمانية آلاف درهم لا خمسة آلاف؛ لأنه يضمن بما نقص (... )، فلا بد من يمينه، يعني ما نقول: القول قولك، وفقط، ونعطيه ونأخذ بقوله، لا بد من اليمين، فمثلًا إذا قال الغاصب للمالك: إني رددته عليك، فقال المالك للغاصب: ما رددته عليّ، نقول للغاصب: ائت ببينة، قال: ما عندي بينة، نقول للمالك: احلف أنه لم يرده عليك، فإن حلف ألزمنا به الغاصب، وإن لم يحلف قضينا عليه بالنكول، وقلنا: الآن نحكم ببراءة الغاصب؛ لأنك نكلت، ولو كنت صادقًا في أنه لم يرده عليك لم يكن اليمين بِضَارٍّ لك، هل يضره اليمين إذا كان صدقًا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، امتناعه من اليمين يدل على أنه كاذب، إذا امتنع هل نرد اليمين على المدَّعِي أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ بعضهم قال: إذا امتنع الْمُنْكِر نرده على المدَّعِي، والصحيح أننا لا نردها إلا إذا رأى الحاكم من المصلحة ذلك، مثل أن يعرف أن هذا المدَّعَى عليه الذي هو الْمُنْكِر رجل وَرِع يهاب اليمين، فحينئذ لا بأس أن يردها على المدَّعِي، فالمهم أن هذا راجع إلى القاضي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن جهل رَبَّهُ تصدق به عنه مضمونًا) (إن جهل ربه) يعني: إن جهل الغاصبُ صاحبَ المال، (رَبُّ) بمعنى؟ طلبة: صاحب.

الشيخ: صاحب، بأن يكون قد غصب شيئًا من إنسان ولا يدري مَن هذا الإنسان، وهذا يقع كثيرًا، كرجل غريب وجد معه المواطن شيئًا أعجبه فأخذه منه قهرًا، هذا غصبه أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ذهب الغريب إلى بلده، ولا يعرف بلده ولا مَن هو، ثم إن هذا الغاصب مَنَّ الله عليه بالتوبة وتاب، وقال إنه قد تاب، ويريد أن يُنْقَذ من هذا الغصب، ولكنه لا يعرف صاحبه، فماذا نقول؟ يقول المؤلف: (تصدق به عنه)، (تصدق به) أي: بالمغصوب، (عنه) أي: عن ربه اللي هو المالك.
فإذا قال قائل: كيف يتصدق به عنه وهو مجهول؟ نقول: هو مجهول للمتصدِّق معلوم عند الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يعلمه، وسيُعْطَي أجر هذه الصدقة لِمَن؟ طلبة: لصاحبها.
الشيخ: لصاحب المال، فهو مجهول لك معلوم لله عز وجل، وسيوصل هذا إلى صاحبه.
وقول المؤلف: (مضمونًا) يعني أنه لا يبرأ منه البراءة الكاملة بحيث لو جاء صاحبه أو عرفه يومًا من الدهر فإنه يضمنه له ما لم يُجِز تصرفاته.
مثال ذلك: بعد أن تصدق هذا الرجل بهذا المغصوب لجهالة مالكه وجد مالكَه، نقول: الآن قل للمالك: إنك تصدقت بالمغصوب عنه، فإن أمضاه برئت منه، والأجر لِمَن؟ طالب: للمالك.
الشيخ: للمالك، وإن قال: لا أوافق أعطني مالي، وجب عليه أن يسلِّم له المال؛ مثله إن كان مِثْلِيًّا، وقيمته إن كان متقوَّمًا، والأجر لِمَن؟ طلبة: للغاصب.
الشيخ: يكون أجر الصدقة للغاصب، وهذا يُعْطَى عوض ماله؛ مثله إن كان مِثْلِيًّا، وقيمته إن كان متقوَّمًا، ولهذا قال المؤلف: (تصدق به عنه مضمونًا)، هذا الحكم ينسحب على كل مال جهل الإنسان مالكه، كل مال جهلت مالكه فإنك تتصدق به عنه مضمونًا يكون أجره لصاحبه، وإذا جاء خَيِّرْهُ، قل: أنا تصدقت به، إن شئت أمضيت الصدقة والأجر لك، وإن شئت ضمنت لك مالك، والأجر لِمَن؟ والأجر لي.

مثال ذلك: رجل أودعك وديعة، وبقيت الوديعة عندك، وقال لك هذا الرجل: اجعل هذه عندك، أنا بأصل مثلًا الرياض وآتي في خلال يومين، أودعها عندي وبقي يومين وثلاثة وشهرًا وشهرين وسنة وسنتين ما جاءني، فأنا الآن أَيِسْتُ منه، صح ولّا لا؟ لأن رجلًا حدد لي أنه بيجي في يومين، وبقي سنتين، معناه أنه لو كان على الوجود لجاء، يحتمل أنه راح وحصل له حادث أو مات، المهم أنني بعد مُضِيّ هذه المدة أَيِسْتُ منه، فماذا أعمل بهذه الوديعة؟ طلبة: أتصدق بها.
الشيخ: أتصدق بها عنه مضمونة ولَّا مع البراءة؟ طلبة: مضمونة.
الشيخ: مضمونة، تصدقت بها عنه ثم جاءني بعد مضي ثلاث سنوات، فماذا أقول؟ أقول له: الآن أنت بالخيار؛ إن شئت أمضيت الصدقة والأجر لك، وإن شئت ضمنت مالك والأجر لي، واضح هذا ولّا لا؟ رجل أعارك عاريَّة، مثل: أعطاك كتابًا، وأنت لا تعرف الرجل، ثم ضاع عنك ولم تعرفه، وأَيِسْتَ منه، ماذا تصنع؟ طلبة: (... ). الشيخ: أنا أَيِسْتُ منه، نقول: تتصدق به مضمونًا، فإذا جاء صاحبه قلت: إني أيست منك فتصدقتُ به، جعلته في مكتبة، أعطيته طالب علم، فإن شئت أمضيتَ، وإن شئت رجعت.
إذا قال: أنا أُمْضِي، فالأجر له، إذا قال: أنا أرجع، ننظر إذا كان الكتاب موجودًا رددناه عليه، إن كان غير موجود ضمناه بقيمته مستعمَلًا لا جديدًا، وعلى هذا فَقِسْ.
فالقاعدة إذن كل مال مجهولٌ صاحبُه مئيوس منه يتصدق به عنه مضمونًا، ولا تبقى المسألة معلَّقة؛ لأنه حتى الإنسان اللي عنده المال سيتعب، يبقى معلَّقًا لا يدري ماذا يصنع، نقول: ما من شيء إلا ويجعل الله له فرجًا ومخرجًا، فأنت الآن تصدق به، ثم إذا جاء فخَيِّرْهُ.
فإذا قال قائل: هذا التصرف يقتضي صحة تصرف الفضولي، وأنتم لا تقولون به، ويش معنى تصرف الفضولي؟ طلبة: (... ). الشيخ: تصرف الفضولي أن يتصرف الإنسان بمال غيره بدون إذنه، فإذا أجاز التصرف فهل يَنْفُذ أو لا يَنْفُذ؟ فيه خلاف.

مثال ذلك: أنا أخذت كتاب غانم وبعته بدون إذنه، هذا التصرف فضولي، يعني بغير وكالة وبغير إذن، لكن كانت البيعة طيبة، بعته وهو يساوي عشرة باثني عشرة، وجاب الثمن للأخ غانم، وقال: قد أَجَزْت البيع، يصح ولّا ما يصح؟ طلبة: على المذهب لا يصح.
الشيخ: على المذهب لا يصح ولو أجاز؛ لأنني تصرفت حين تصرفت وأنا لا أملك التصرف، والقول الثاني؟ طالب: الجواز.
الشيخ: أنه يصح، إذا أجازه صح البيع، وله (... )، هذه المسألة فيما إذا جهل مالكه، قلنا: إنه يتصدق به ويُخَيِّر مالكَه إذا وجده، أليس هذا إجازة للتَّصَرُّف الفضولي؟ طالب: نعم.
الشيخ: الجواب: نعم، لكن يقولون: إن هذا قد دعت الحاجة والضرورة إليه، وإذا دعت الحاجة والضرورة إليه فهو جائز للضرورة، كما قلنا في مال المفقود، مال المفقود اللي راح ولا ندري، ما عنه خبر، أليس يورَث ويُوَزَّع؟ يورَث ويُوَزَّع لدعاء الحاجة إلى ذلك.
وعلى هذا فنقول: إذا دعت الحاجة إلى ذلك ابتداءً أو دوامًا فإنه يصح -التصرف الفضولي-، وإذا لم تَدْعُ لم يصح.
والصحيح أنه يصح مطلقًا، ويدل على ذلك حديث عروة بن الجعد رضى الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارًا يشتري به أضحية، فاشترى أضحيتين بدينار واحد، ثم باع واحدة بدينار، فجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه دينار وأضحية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي بَيْعِكَ» (5)، فكان لا يشتري شيئًا ولو ترابًا إلا ربح فيه.
المهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أجاز تصرفه، ولو كان تصرف الفضولي ممنوعًا مطلقًا لنهاه الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُقِرُّه على باطل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولأن الحق حق آدمي ولَّا حق لله؟ طلبة: حق آدمي.
الشيخ: حق آدمي، فإذا أجازه الآدمي فالحق له، لماذا لا يَنْفُذ؟

لكن ما رأيكم بالذي طلَّق زوجته، فسمعته جارته فصاحت به: ويلك يا فلان، تُطَلِّق زوجتك؟ فقال: وأنت طالق على شور رجلك، ويش تقول هذا؟ الظاهر أن هذا لا يصح؛ أولًا: لأن هذا وقع في حال غضب شديد، كأنه يقول: ما لك دخل في الموضوع، لكن من شدة غضبه عليها طلَّقها على شور زوجها، إي نعم.
(ومَن أتلف محترَمًا، أو فتح قفصًا، أو بابًا، أو حَلَّ وِكَاءً، أو رباطًا أو قيدًا، فذهب ما فيه، أو أتلف شيئًا ونحوه ضمنه).
ذكر المؤلف هذه المسائل في باب الغصب؛ لأنها تشبه باب الغصب من حيث العدوان.
الأول قال: (مَن أتلف محترَمًا) فهو ضامن له، يعني: إذا أتلف الإنسان شيئًا محترَمًا فهو ضامن له، والمحترَمُ هو الذي لا يجوز إتلافه.
مثال ذلك: أتلف كتابًا لشخص، وهذا الكتاب لا يشتمل على بِدَع ولا على شيء مُنْكَر، إنما هو كتاب علم؛ إما ديني أو غير ديني، المهم أنه أتلف هذا الكتاب، فعليه؟ طلبة: الضمان.
الشيخ: الضمان مع الإثم، وكيف يضمن؟ إن كان مثليًّا فبمثله، وإن كان غير مثلي فبقيمته كما سبق، فإن عَفَا ربه فهل يضمن؟ طلبة: لا.
الشيخ: إذا عفا ربه فلا يضمن، بل ويسقط الإثم أيضًا؛ لأنه إذا عفا الإنسان فالله أحق بالعفو.
وقول المؤلف: (محترَمًا) احترزًا مما ليس بمحترَم، كما لو أتلف خمرًا فإنه لا يضمنه؛ لأن الخمر للمسلم ليس بمحترَم، وكما لو أتلف كتاب بدعة وضلالة فإنه لا يضمنه، لماذا؟ لأنه غير محترَم، وكما لو أتلف دخانًا -أي التبغ- فليس عليه ضمان؛ لأنه ليس بمحترَم، حيث إنه حرام لا يمكن الانتفاع به؛ لا بيعًا ولا هبة ولا استعمالًا ولا شيء أبدًا، فهو ليس بمحترم، فإذا أتلف ما ليس بمحترَم فليس عليه شيء، أتلف آلة لَهْو يضمن ولَّا لا؟ طلبة: لا يضمن.

الشيخ: لا يضمن؛ لأنها ليست بمحترمة، لكن إن أتلفها على وجه تفوت به ماليتها ضمن ماليتها فقط، يعني قد تكون خشبًا، فإذا أحرقها بالنار يضمن قيمة الخشب لا قيمة الآلة، وأما إذا كسرها بحيث يفوت منفعتها على صاحبها فليس عليه ضمان؛ لأن عينها موجودة، والذي أتلف هو المنفعة المحرَّمة، فهذا لا ضمان عليه.
يقول: (أو فتح قفصًا)، وإذا فتح القفص ماذا يكون؟ طلبة: فيه طير.
الشيخ: فيه طير، فتح القفص فطار الطير، فعليه الضمان، إذا قال: كيف أضمن وأنا لم أُطَيِّره، هو الذي طار؟ فالجواب: لما فتحت القفص صرت أنت السبب، ولا يمكن إحالة الضمان على الطير، كما لو أن شخصًا قذف بآدمي أمام الأسد فأكله الأسد، هل يضمن هذا القاذف؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لو قال: أنا لم أتلفه، الذي أتلفه الأسد، نقول: الأسد لا يمكن تضمينه، فإذا تعذَّر تضمين المباشر وجب الضمان على المتسبِّب، كذلك يقول: إذا قال الذي فتح القفص: أنا ما علمت أن الطير مطلَق، أنا أحسب أنه مربوط برجله في القفص، كما يفعله بعض الناس، مع كونه في القفص يربطه، فماذا نقول؟ نقول: عليك الضمان، لكن ربما لا نقول: إن عليك إثمًا، لا سيما إذا كان الغالب أن أهل الطيور يربطونها في الأقفاص، إنما الضمان لا بد؛ لأن حق الآدمي يستوي فيه العالم والجاهل، والذاكر والناسي، والعاقل والمجنون، لا بد من الضمان.
كذلك لو فتح بابًا، وماذا يكون؟ فتح بابًا مغلقًا على بهيمة، ولما فتح لها الباب خرجت، عليه الضمان؛ لأنه هو السبب، وإحالة الضمان على البهيمة متعذِّر.
(أو حل وكاء) يعني: وكاء وعاء فيه شيء مائع، كوكاء سقاء اللبن، إنسان أتى على وعاء لبن وحل وكاءه، ثم خرج اللبن، عليه الضمان؟ طلبة: نعم.
الشيخ: الدهن لا، ليس كذلك، إن كان جامدًا فلا ضمان عليه؛ لأنه لن يخرج، وإن كان مائعًا؟ طالب: فعليه الضمان.
الشيخ: فعليه الضمان، إلا إذا حل وكاء الجامد وأبقاه بالشمس حتى ذاب وخرج فعليه الضمان.

يقول: (أو حل رباطًا أو حل قيدًا)، حل رباطًا يعني لدابة مربوطة، أو قيدًا لدابة مقيدة، ما الفرق بين القيد والرباط؟ الرباط يثبت في الأرض وتُرْبَط به البهيمة، والقيد تُقَيَّد اليد والرجل أو اليدان وهو يمشي غير ثابت، فهذا رجل أتى إلى بهيمة مربوطة فحل رباطها فهربت، عليه الضمان، وآخر وجد بهيمة مقيدة بيديها أو رجليها فحل القيد فهربت، فعليه الضمان.
قال: (أو قيدًا فذهب ما فيه، أو أتلف شيئًا ونحوه ضمنه)، إذا ذهب ما فيه فعليه الضمان، وهو واضح، إذا أتلف هذا الشيء شيئًا فعليه ضمانه، يعني حل قيد جمل، فذهب الجمل وأفسد الزروع وأكلها وتلف فعليه ضمان الجمل، وعليه ضمان الزرع الذي أتلفه الجمل، وذلك لأنه هو المتسبب، والمباشر لا يمكن تضمنيه إن كان هو الضامن.
(وإن ربط دابة بطريق ضيق فعثر به إنسان ضمن)، إذا ربط دابة بطريق فلا يخلو إما أن يكون الطريق واسعًا بحيث لا تضيق على المارة، فهذا لا ضمان عليه، لا سيما إذا جرت العادة بمثل ذلك، وإن ربطها بطريق ضيق فجاء إنسان فعثر بها، أو رمحته لما مَسَّهَا، فعليه الضمان، هل مثل ذلك السيارة؟ إذا أوقفها بطريق ضيق فجاء إنسان واصطدم بها فعليه الضمان، وكذلك لو أوقفها بطريق واسع ولكنه في غير الموقف المخصص فعليه الضمان، مثلًا أوقفها في الطريق وهو واسع، لكن في المسار، في الوسط، فعليه الضمان، والضابط لذلك هو الاعتداء، بأن يفعل الإنسان ما ليس له فعله.
وفُهِمَ من قول المؤلف: (بطريق ضيق) أنه لو ربطها بطريق واسع فلا ضمان عليه، ولكن المذهب أن عليه الضمان مطلقًا، قالوا: لأن الطريق لمنفعة المستقدر، ليس للإنسان الذي يوقف سيارته أو دابته به، فعليه الضمان مطلقًا، لكن ما ذكره المؤلف أصح، وهو أنه إذا كان الطريق ضيقًا أو واسعًا لكن أوقفها بمكان لم يُعَدّ للوقوف فعليه الضمان.
لو وضع حجرًا في الطريق فعثر به إنسان فمات أو انكسر هل يضمن؟

نعم يضمن؛ لأنه مُعْتَدٍ، لكن لو وضع الحجر لمصلحة السالكين، كما لو كانت الطريق وحلًا -يعني فيها طين انزلق- فوضع الحجر ليمشي الناس عليه، فنقول: إن كان له حق التصرف، كما لو كان من جهة المسؤولين عن الطرقات، فلا ضمان عليه.
وإن لم يكن له حق التصرف نظرنا؛ إن كان الطريق مشتركًا وجعل هذا بينه وبين جيرانه -والطريق المشترك هو الطريق المسدود- فهذا لا بأس به؛ لأن له حق التصرف فيه، وإن كان نافذًا فهذا محل نظر؛ لأننا نقول: إنه ليس لك الحق بأن تضع مثل هذه الأحجار، ودع الناس في الوحل ما عليك منهم، أما أن تضع حجرًا يكون سببًا لعثرة الناس فيه فهذا ليس إليك.
يقول المؤلف رحمه الله: (كالكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه أو عقره خارج منزله)، إنسان عنده كلب عقور -كلمة عقور تدل على أن العقر من طبيعته وصفاته، بخلاف عقره إذا هُوجِم، فهذا لا يخلو منه كلب- فهذا إنسان عنده كلب عقور، فخرج الكلب إلى السوق وعقر الناس، فعليه الضمان، ولهذا قال: كالكلب العقور لمن عقره خارج المنزل، أو دخل المنزل بإذن رب المنزل، فإنه يضمن.
أما الأول الذي عقره خارج المنزل فظاهر؛ لأنه عقره في مكان لا يختص به صاحب الكلب، وكان على صاحب الكلب أن يربطه حتى لا يعقر الناس، وأما الثاني الذي عقره في المنزل لمن دخل بإذنه فلأن دخوله بإذنه يقتضي أن يكون في حمايته، ومن المعلوم أن كل صاحب مكان؛ أرض، بستان، بيت، إذا كان مستعدًّا لقدوم الضيوف وعنده كلب عقور فإن العادة أن يربط الكلب، فإذا لم يربطه ودخل إنسان بإذنه وعقره فعليه الضمان، فإن دخل بغير إذنه فليس عليه ضمان، لماذا؟ لأن الداخل مُعْتَدٍ، والكلب لم يخرج عن نطاق ملك صاحبه، فإذا دخل إنسان لهذا البيت..

فعَثَرَ به إنسانٌ ضَمِنَ، كالكلبِ العَقورِ لِمَن دَخَلَ بيتَه بإِذْنِه أو عَقَرَه خارجَ مَنْزِلِه، وما أَتلَفَت البهيمةُ من الزرعِ لَيْلًا ضَمِنَه صاحبُها، وعَكْسُه النهارُ، إلا أنْ تُرْسَلَ بقُرْبِ ما تُتْلِفُه عادةً وإن كانت بِيَدِ راكبٍ أو قائدٍ أو سائقٍ ضَمِنَ جِنايتَها بِمُقَدَّمها لا بِمُؤَخَّرِها، وباقي جِنايتِها هَدَرٌ كقْتَلِ الصائلِ عليه وكَسْرِ مِزمارٍ وصَليبٍ, وآنيةِ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ, وآنيةِ خَمْرٍ غيرِ مُحترَمَةٍ.

(باب الشُّفْعة)

وهي استحقاقُ انتزاعِ حِصَّةِ شَريكِه مِمَّن انْتَقَلَت إليه بعِوَضٍ مالِيٍّ بثَمَنِه الذي اسْتَقَرَّ عليه الْعَقْدُ، فإن انْتَقَلَ بغيرِ عِوَضٍ أو كان عِوَضُه صَدَاقًا أو خُلْعًا أو صُلْحًا عن دمٍ عَمْدٍ فلا شُفعةَ، الجواب: لا، لا يجوز اقتناء الكلب العقور، بل إن الكلب العقور مما أمر الشارع بقتله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ» (1). وذكر منها الكلب العقور، والله أعلم.


(... ) والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
رجل عنده كلب عقور في وقت يتمكن من التحرُّز منه، فليس بضامن، وهذا قيد حسن؛ يعني مَنْ دخل بيته بإذنه وعقره الكلب، فإن كان صاحب الكلب قد نبَّه الداخل في وقت يتمكن من التحرز، فإنه لا ضمان على صاحب البيت، لماذا؟ لأن المهمل المفرط هو الداخل، أما إذا نبَّهه في وقت أو في حال لا يتمكن من التحرز فهو ضامن.
نبهَّه في وقت يتمكن من التحرز، يعني قال: انتبه للكلب؛ فإنه عقور، وأعطاه لوحة؛ أعطى الداخل خشبة، قال: إذا أقبل عليك بيعقرك فاهمد بها رأسه، إذن يمكن أن يتحرز ولَّا ما يمكن؟ يمكن، اللهم إلا أن يكون جبانًا؛ لأن الجبان لا يستطيع الدفاع عن نفسه، يسقط السيف من يده، ويعجز عن أن يضرب به، إذا قال: انتبه فإن الكلب عقور، ولكن ما أعطاه شيئًا يتحرز به؟ طلبة: يضمن.

الشيخ: يضمن، لماذا؟ لأنه لا يمكنه الدفاع عن نفسه، لكن لو قال قائل: يمكنه أن يهرب؟ طالب: يلحقه.
الشيخ: إي نعم، يلحقه، ولهذا لو أنه أخبره به عندما وصله الكلب، قال: يا فلان، الكلبَ الكلبَ؛ فإنه عقور.
فحينئذٍ لا يتمكن من الخلاص فيضمن.
وخلاصة هذا القول -وهو قول جيد-: أنه إذا نبهه -أي نبه صاحب الكلب الداخل في حال يتمكن فيها من الخلاص- فليس عليه ضمان، أما إذا نبهه في حال لا يتمكن من الخلاص فلا شك أنه ضامن، مع أن كلام المؤلف ظاهره العموم، وأن من دخل بيته بإذنه فعقره فهو ضامن بكل حال.
طالب: ومثله لو قال (... )؟ الشيخ: إي، مثله إذا جاء في السادسة في الوقت الذي حذَّره، فهو الذي أخلَّ وهو الذي فرط في نفسه، ما رأيكم نقرأ الشرح على هذه الجملة؛ لأنه فيه فائدة في الحقيقة، نأخذ الشرح؟


طالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: كما يضمن مقتني الكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه أو عقره خارج منزله؛ لأنه متعدٍّ باقتنائه، فإن دخل منزله بغير إذنه لم يضمنه؛ لأنه متعدٍ بالدخول.
الشيخ: إذن الأول ضامن -صاحب الكلب- لأنه متعد باقتنائه، والثاني الذي دخل بغير إذن متعدٍّ لدخوله بغير إذن، فصار مناط الحكم هو التعدِّي، وهذه أول فائدة من ذِكْر التعليلات؛ لأن التعليلات بمنزلة الضوابط والقواعد التي تُرجَع إليها المسائل الفردية.


طالب: وإن أتلف العقور شيئًا بغير العقر كما لو ولغ أو بال في إناء إنسان، فلا ضمان؛ لأن هذا لا يختص بالعقور، وحكم أسد ونمر.. الشيخ: صحيح، يعني إذا أفسد شيئًا بغير العقر فإنه لا ضمان على صاحبه؛ لأن هذا شيء معتاد، وما زال الناس يكون عندهم حمير وكلاب، وهذه الكلاب ربما تبول في أماكن للناس، أو هذه الحمير أيضًا ولم يرجع أحد من المسلمين على أصحابها، لكن الشيء الذي يضمن هو الذي يكون معتديًا فيه.


طالب: وحكم أسدٍ ونَمِر وذئب وهِرٍّ تأكل الطيور، وتقلب القدور في العادة حكم كلب عقور، وله قتل..

الشيخ: إذا اقتنى الإنسان أسدًا، وعدا هذا الأسد على إنسان خارج المنزل يضمن؛ لأنه معتد باقتنائه، وكذلك الذئب.
الهر إذا اقتنى هرة، والهرة راحت للجيران، وأكلت اللحم، وكفأت القدور، يضمن ولَّا لا؟ طلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن؛ لأنه واجب عليه حبسها، هذا إذا كان من عادتها ذلك؛ لأنه إذا كان من عادتها هذا صارت بمنزلة الكلب العقور، أما إذا كانت عادتها أنها لا تتعدى، لكن صادف أنها جائعة أو ما أشبه ذلك فلا ضمان عليه؛ لأن يده ليست عليها.
طالب: وله قتل هر يأكل لحم ونحوه.. الشيخ: عندي (بأكل لحم ونحوه) عندك أنت (يأكل) لو كان (يأكل) كان (لحمًا) (بأكل لحم).
الطالب: عندي لحمًا.
الشيخ: لحمًا بالنصب؟ الطالب: (يأكل لحمًا).
الشيخ: إي، اللي عندنا (بأكل لحم)، حطها نسخة.
الطالب: وله قتل هر يأكل لحمًا ونحوه كالفواسق وإن.. الشيخ: كيف قتل هر؟ يعني للإنسان أن يقتل الهر بأكل اللحم، ولكن هل يُشترط أن يكون ذلك حين أكل اللحم، أو ولو بعد مفارقة الأكل؟ قال بعض الأصحاب: إن له ذلك حال كونه يأكل، وعليه فيكون القتل من باب دفع الصائل، وأما إذا فرغ من الأكل لا يقتله، ولكن المذهب أنه يقتله، ولو كان بعد فراغه من الأكل؛ لأنه معتدٍ، فإن لم يكن يأكل اللحم؟ طالب: ما في هر (... ). الشيخ: لا، في هررة إذا كان الشيء مُغطى ما تأخذه.
طالب: (... ). الشيخ: المؤدبة.
طالب: يقتل الحمام ولا يأكله.

الشيخ: اللي يقتل الحمام ولا يأكله، هذا نقتله، مفسد لا شك، الظاهر كلامهم رحمهم الله، قولهم: (له) أنه إذا لم يكن عدوان من الهر فإنه لا يُقتل، وذلك أن الحيوانات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم أُمِر بقتله، وقسم نُهِي عن قتله، وقسم سُكِتَ عنه؛ فالذي أُمِر بقتله كل المؤذيات، والذي نُهي عن قتله أربع: النملة، والنحلة، والهدهد، والصُّرد.
هذه لا تُقتل، والمسكوت عنه الأصل ألا تقتل، ولكن هل يُباح؛ لأن نهي الشارع عن شيء معين يدل على جواز غيره أو لا يُباح؛ لأن أمر الشارع بقتل شيء يدل على أن غيره لا يقتل، الظاهر الأول هو أن الأصل الإباحة.
اللهم إلا أن يخشى الإنسان على نفسه أن يكون بقتله لهذه الأشياء مُحبًّا للعدوان، فحينئذٍ يجب أن يمنع نفسه؛ لأن بعض الناس -نسأل الله العافية- يكون في نفسه طبيعة يقتل كل شيء يشوفه، فإذا كان يرى من نفسه هذا الشيء فلا يقتله إلا ما آذاه.
الطالب: وإن حفر في فنائه بئرًا لنفسه ضمِن ما تلف بها، وإن حفرها للمسلمين بلا ضرر في سابلة لم يضمن ما تلف بها؛ لأنه محسن.
الشيخ: عندي لأنه، يمكن محتسب ولَّا أيش؟ الطالب: (... ). الشيخ: لا، غلط (... )، لا يصح.
المؤلف يقول: (من حفر في فنائه بئرًا لنفسه) ما هو الفناء؟ الفناء ما يكون أمام البيت متصلًا به أو منفصلًا عنه لإلقاء الكناسة فيه ونفايات البيت، هذا الفناء ليس ملكًا للإنسان، فإذا حفر فيه بئرًا لنفسه ضمن ما تلف بها، وإن حفرها للمسلمين، فإن كان في السابلة يعني في الذي يتطرقه الناس فهو ضامن؛ لأنه إذا حفرها في السابلة التي يتطرق فيها الناس، فقد اعتدى عليهم بمنعهم من التطرق، وإلا بأن كان الطريق واسعًا وحفرها في جانب منه لمصلحة المسلمين، فإنه لا يضمن ما تلف بها.


الطالب: وإن مال حائطه ولم يهدمه حتى أتلف شيئًا لم يضمنه؛ لأن الميل حادِث والسقوط بغير فعله.

الشيخ: هذه مشكلة، هذا إنسان مال حائطُه -جداره- مال إلى السقوط وترَكَه، ثم سقط على جماعة فأتلفهم أو على غنم فأتلفها، فهل يضمن؟ يقول المؤلف: لا يضمن، لماذا؟ لأنه حادِث، والسقوط بغير فعله، أفادنا المؤلف بقوله: إنه حادِث أنه لو بناه مائلًا؟ يضمن، لو بناه مائلًا فسقط على أناس أتلفهم ضمن.
وأفادنا أيضًا أنه لو كان بفعله لما رأى الجدار مائلًا قال: ما بشوفه ميلانه هذا عن عيب، أو متمكن فهزَّه بيده، فسقط على شيء فأتلفه فعليه الضمان؛ لأنه بفعله.
وهذه المسألة اختلف فيها الفقهاء؛ فمنهم من قال: عليه الضمان إذا علِم ميله، ولم يُقوِّمه؛ لأن الواجب عليه كف الأذى عن المسلمين، والجدار إذا مال إلى الشارع، ولم يُقوِّمه معناه أنه لم يكف الأذى، وقال بعضهم إن طُولِب به ضمِن، وإن لم يُطالَب لم يضمن؛ يعني مثلًا إذا قال له المسئول عن شئون الأسواق كالبلدية مثلًا، قالوا: قوِّمْ جدارَك، ولكنه تهاون وترك، فعليه الضمان، وإلَّا فلا ضمان عليه.
القول الثالث -المذهب-: أنه لا ضمان مطلقًا، سواء طُولب بنقله أم لم يُطالَب، ولكن الصحيح أنه يضمن؛ لأن الجدار جداره، وهو مأمور بإزالة الأذى إلا أنه يُقيَّد إذا مضى وقت يمكنه من نقضه فلم يفعل، أما إذا لم يمضِ وقت يمكنه من نقضه فإنه لا ضمانَ عليه؛ لأنه لم يتعدَّ ولم يُفرِّط.
وعلى هذا فلو كان الإنسان غائبًا عن بيته، ومال الجدار وسقط وهو لم يَعلم ولم يُعلم فعليه ضمان ولَّا لا؟ ليس عليه ضمان؛ لأنه لم يتعدَّ ولم يُفرِّط، وكذلك لو مال الجدار، وبمجرد رؤيته إياه مائلًا ذهب يأتي بالعمال، وفي أثناء ذلك سقط الجدار، فهنا لا ضمانَ عليه؛ لأنه لم يتعدَّ، ولم يُفرِّط.
طالب: (... ). الشيخ: إي، ما عليه شيء؛ لأنه ما تعدى ولا فرَّط.


(... ) والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا عدة مسائل فيها ضمان، ألحقوها العلماء بباب الغصب بجامع الضمان في كل منها، ومنها ما ذكره المؤلف هنا، قال: (وما أتلفت البهيمة من الزرع ليلًا ضمنه صاحبها وعكسه النهار).
(البهيمة) تشمل بهيمة الأنعام وغيرها، تشمل بهيمة الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم وغيرها، كالبغال والحمير والظباء وغيرها، البهيمة ما أتلفته من الزرع في الليل، فعلى صاحبها الضمان، مثال ذلك: بهيمة لزيد عَدَتْ على زرع عمرو في الليل، وأكلته، فعلى صاحبها الضمان، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (2)؛ وذلك لأن أهل المواشي في الليل جرت العادة أنهم يحفظونها، وفي النهار يرسلونها للرعي، فما أتلفته في الليل، فالضمان على أصحابها؛ لأن ذلك خِلاف العادة، فإن أهل المزارع في الليل ينامون، لا يحبسونها، وأهل المواشي في الليل أيش؟ يحفظونها، فإذا اعتدت البهيمة في الليل، وأكلت من الزرع، فإن العدوان في ذلك ظاهِر فيضمن صاحبها، أما في النهار، فالأمر بالعكس، ما أتلفت من الزرع في النهار، فلا ضمان على صاحبها، لماذا؟ لأن العادة جرَت أن أهل المزارع يحرثونها في النهار، وأن أهل البهائم يرسلونها في النهار لترعى، ولم تجرِ العادة بأنهم يحفظونها أو يقيدونها.
وقول المؤلف: (ما أتلفت البهيمة من الزرع) يُفهم منه أن من أتلفت من غير الزرع فلا ضمان، ولو كان ذلك في الليل، مثل: أن تأكل تمرًا، أو خبزًا، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا ضمان على صاحبها، لماذا؟ لأن العادة جرتْ أن غير الزرع يُحفظ وراء الأبواب، ما يُترك للبهائم، فإذا أكلت منه البهيمة فإن ذلك يدل على أن الأبواب كانت مفتوحة، فيكون المفرِّط مَنْ؟ صاحب البهيمة أو صاحب المال الْمُتْلَف؟

صاحب المال الْمُتْلَف، وهذا الذي ذكره المؤلف باختصاص انتِفاء الضمان بالزرع هو الذي دل عليه الحديث، لكن المذهب عند الأصحاب أنه لا فرْق بين الزرع وغيره، وذلك عائد إلى تفريط صاحب البهيمة، فإن إطلاقها في الليل يُعتبر تفريطًا منه، فإذا كان مدار الضمان أو مناط الحكم على تفريط صاحب البهيمة لم يكن هناك فرْق بين الزرع وغيره.
إذن مبنى الخلاف على أنه هل مناط الحكم تفريط صاحب البهيمة أو تفريط صاحب المال المتلَف؟ إن قلنا: إن مناط الحكم تفريط صاحب المال الْمُتلَف فإننا نُفرِّق بين الزرْع وغيره، ونقول: جرت العادة أن غير الزروع تكون وراء الأبواب، وتُحفظ في المساكن بخلاف الزروع فإنها على البر، وإذا قلنا: إن مناط الحكم هو تفريط صاحب البهيمة قلنا: لا فرق بين الزرع وغيره؛ لأن صاحب البهيمة الذي وُجِّه إليه الضمان هو الْمُفرِّط، وهذا أقرب من القول بأن مناط الحكم تفريط صاحب المال المتلف.
ولو قال قائل: إن مناط الحكم تفريط الطرفين، لو قال قائل بذلك لم يكن بعيدًا، لكن الأقرب أن مناط الحكم تفريط صاحب البهيمة، فنقول: متى فرط صاحب البهيمة بحفظها فأتلفت شيئًا فالضمان عليه؛ لأنه مأمور بحفظها وكفِّ شرها، فإذا لم يفعل ضمن.
وقول المؤلف رحمه الله: (ضمنه صاحبها) ظاهر كلامه أنه سواء فرَّط في حفظها وقيدها أم لم يفرط، أليس كذلك؟ لأنه قال: (ضمنه صاحبها) ولا قال: إن فرط، ولكن المذهب أنه لا يضمن إلا أن يُفرِّط، فلو لم يفرط وقيدها، أو ربطها، أو جعلها من وراء حائط في حوش، ولكن اعتدت هي فقطَّعت القيد أو قطعت الرباط، وذهبت وأكلت من الزرع، فعلى كلام المؤلف على ظاهره يضمن أو لا؟

يضمن؛ لأنه لم يُفصِّل، وعلى المذهب: لا يضمن؛ لأنه لم يتعدَّ ولم يُفرِّط، وهذا شيء بغير اختياره، والإنسان إذا قيد دابته أو ربطها، ثم نام فإن هذا هو ما جرت به العادة، لا يمكن أن نقول للناس: احرسوا بهائمكم، لا تنامون، ربما ينطلق الرباط، وربما ينقطع، لا نقول هكذا، ولا أحد يقول بذلك.
والصحيح المذهب في هذه المسألة، وأن صاحب البهيمة إن فرط بأن أطلقها في الليل كما يُطلقها في النهار فعليه الضمان، وإن لم يُفرِّط بأن حفظها في الحوش أو قيدها أو ربطها، ولكن حصل منها ما أوجب أن تنطلق فإنه في هذه الحال لا ضمان عليه.
إذن صار كلام المؤلف مخالفًا للمذهب في أمرين، ما هما؟ تخصيص الضمان بالزرع دون غيره، والثاني: أنه ضامِن سواء فرَّط أم لم يُفرِّط، والمذهب: العموم في مسألة الْمُتلف بالزرع وغيره، والتقييد في مسألة التفريط، وأنه إذا لم يُفرِّط فلا ضمان عليه.
والأصح بالنسبة للمسألة الأولى الأصح العموم أن الضمان في الزرع وغيره، في المسألة الثانية: الأصح التفصيل، وعلى هذا فيكون الأصح خلاف كلام المؤلف في المسألتين.
قال: (ضمنه صاحبها، وعكسه النهار إلا أن ترسَل بقُرْب ما تتلفه عادة) ما معنى: (عكسه النهار) يعني أن ما أتلفت من الرزع في النهار، فلا ضمان على صاحبها في ذلك؛ لأن المأمور بالحفظ مَنْ؟ أصحاب المزارع هم الذين يُؤمَرون بحراسة مزارعهم، فإذا أتلفت البهيمة شيئًا من الزرع، فهذا من أجل تفريط صاحب الزرع في حمايته، وإذا كان من أجل تفريطه فإنه ليس له حق في تضمين صاحب البهيمة.

استثنى المؤلف قال: (إلا أن تُرسل بقُرب ما تتلفه عادة) وهذا خلاف المذهب أيضًا، المذهب: أنه لا ضمانَ على صاحبها في النهار، سواء أرسلها بقُرْب ما تتلفه عادة أم لم يرسلها بناءً على أن مناط الحكم هو تفريط صاحب الزرع أو عدمه، فيقول صاحب البهيمة: أنا أرسلتها، وإن كان زرعك قريبًا؛ لأن أنا في النهار غير مأمور بحفظها، وإنما الذي يُؤمَر هو صاحب الزرع، وعلى هذا فلا ضمانَ على صاحب البهيمة، ولو أرسلها بقُرب ما تتلفه عادة، وهذا هو المذهب أنه لا ضمان على صاحب البهيمة فيما أكلته من الزرع في النهار، ولو كان أرسلها بقرب ما تتلفه.
أما المؤلف ففصَّل إن أرسلها بقُرب ما تتلفه فعليه الضمان؛ لأنه متعدٍّ، والبهيمة بهيمة، إذا وجدت زرعًا تأكله ستذهب إليه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» (3). فإذا أرسلها بقرب ما تُتلفه فإنه -بلا شك- عُرضة لأن تتلف هذا الشيء، أما المذهب فيقول: لا ضمان؛ لأن الذي فرط في الحفظ هو صاحب البستان، والنبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث: «يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ».
ولم يقل: بتحقق الوقوع فيه، فإذا وُجد حارس لبستان لم تقع فيه البهيمة، وإذا لم يُوجد وقع، أيهما أصح؟ طالب: (... ). الشيخ: إي، يمكنك صاحب زرْع! طالب: (... ). الشيخ: يمكن أن يُقال: إن الأصح هو المذهب؛ لأن أهل الحوائط قضى النبي صلى الله عليه وسلم على أن على أهل الحوائط حفظها في النهار (4)، فإذا لم يحفظوها كانوا هم المفرطين.

ومعلوم أن من فرط في حفظ ماله فلا يلومن إلا نفسه، لكن قد يُقال: إن الرجل صاحب البهيمة إذا اهتبل غفلة أصحاب الحوائط فأرسلها في هذه الحال فعليه الضمان؛ لأن أهل الحوائط -كما نعلم- جميعًا ليسوا دائمًا يحرسونها، سيذهبون إلى غداء أو إلى صلاة، أو إلى استراحة ليسوا دائمًا واقفين على الحدود.
فلهذا لو قال قائل بتفصيل أخص من كلام المؤلف؛ وهو أنه إذا اهتبل -يعني تحرَّى- صاحب البهيمة غفلة أصحاب الحوائط فأرسلها فعليه الضمان، أما إذا أرسلها بدون قصْد فلا ضمان عليه؛ لأنه في هذه الحالة غير معتدٍ.
لو قيل بهذا لكان له وجه، فإن لم نقل به فالأصح المذهب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى على أن على أهل الحوائط حفظها في النهار، فيقول: أنا سأرسلها ترعى، ولا وجهتها إلى حائطك، أطلقتها، ولكن هي اتجهت إليه؛ لأنها رأت هذه الخضرة وهذا العلف فاتجهت إليه.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (إلا أن تُرسل بقرْب ما تتلفه عادة) في الحال التي لا يضمن فيها صاحبها، هل هناك دليل على عدم الضمان؟ الجواب: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» (5). يعني: هدر، والعجماء هي البهيمة، فما أتلفت فهو هدر.
ثم قال: (وإن كانت بيد راكبٍ أو قائد أو سائق ضمن جنايتها بمقدمها لا بمؤخرها، وباقي جنايتها هدر) إلى آخره.
(إن كانت) يعني البهيمة (بيد راكب أو قائد أو سائق)، القائد من الأمام، والسائق من الخلف، والراكب من فوق، إذا كانت البهيمة بيد متصرف فيها؛ إما لكونه راكبًا أو قائدًا أو سائقًا فإنه يضمن جنايتها، لكن بمقدمها لا بمؤخرها، مثال الجناية بالمقدَّم: أن تأكل شيئًا، فهذا رجل راكب على بعير، فمرت البعير بطعام، فأكلت منه وهو راكب فعليه الضمان؛ لأنه متصرف فيها؛ إذ كان يمكنه لما أقبلت على الطعام لتأكل أن يصرفها عنه.

طيب إذا كانت بيد قائد فهو مثله أو أوْلى؛ لأن القائد يقودها من أمامها، فإذا كان يقودها فأكلت شيئًا، أو وطئت شيئًا فعليه الضمان، كذلك إذا كانت بيد سائق، السائق الذي يسوقها؛ لأن الذي يسوقها يُوجِّهها كما شاء، ولكن توجيه القائد أبلغ من توجيه السائق، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: إذن يضمن جنايتها بالمقدم، أما بالمؤخَّر فلا يضمن، كيف المؤخَّر؟ مثل لو وطئت شيئًا برجلها، أو نسفت شيئًا بذيلها، أو ما أشبه ذلك فلا ضمان عليه.
ووجه التفريق أنه يمكنه أن يتصرف فيها بالنسبة للمقدَّم لا بالنسبة للمؤخر، ومِنْ ثَمَّ لو جمحت الدابة، ونفرت، وعجز عن التصرف فيها فأتلفت شيئًا فلا ضمان عليه؛ لأنها خرجت عن تصرفه.
فإذا قُدِّر أن راكبًا على بعير مَرَّ بشخص، فقام هذا الشخص يضرب على دُفٍّ، أو على كنكة، فجفلت البعير، جفلت وهربت، وعجز صاحبها عن التصرف فيها، فأتلفت شيئًا في حال الجماح، فلا ضمان على صاحبها؛ لأنه غير قادر على التصرف فيها، لكن الضمان على مَنْ؟ على المتسبب الذي ضرب بالدُّف أو بالكنكة أو ما أشبه ذلك، وهذا بناءً على القاعدة المعروفة أنه إذا اجتمع مباشر ومُتسبِّب؛ فالضمان على المباشر إلا إذا تعذر إحالة الضمان على المباشر فإنه يُحال على المتسبِّب.
ثم قال: (وباقي جنايتها هَدَر) باقي جناية البهيمة هدَر، فصارت جناية البهيمة على ثلاثة أنواع؛ الأول: ما أتلفت من الزروع أو غيرها على المذهب في الليل، فكيف الحكم؟ إذا أتلفت شيئًا في الليل، فعلى صاحبها الضمان؛ إما مطلقًا أو إن فرَّط، لكن المذهب: إن فرط، كما أن المذهب العموم فيما أتلفت، والمؤلف خصه بالزرع.
ثانيًا: ما أتلفت في النهار وليست يد صاحبها عليها، فلا ضمان فيه؛ لأن المفرط أصحاب الأموال، هذا قسم.
القسم الثاني: أن تكون البهيمة تحت يد مُتصرِّف كالقائد والراكب والسائق، فما الحكم في ضمان ما أتلفت؟

التفصيل؛ ما أتلفت بمقدمها فالضمان على هذا المتصرف فيها، وما أتلفت من مؤخرها فلا ضمان فيه، ويشترط لهذا القسم أن يكون المتصرف فيها قادرًا، فإن جمحت ونفرت وعجز فليس عليه ضمان.
القسم الثالث -ما عدا هذين القسمين-: فلا ضمان فيه، ولهذا قال المؤلف: (وباقي جنايتها هدَر)، فما أتلفت من غير الزروع على كلام المؤلف فهو هدَر لا ضمان فيه؛ لأنه خص مسألة الليل والنهار في الزرع.
المهم أن كل ما أتلفت من غير القسمين الأوَّلين فهو هدَر؛ الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» (5). أي هدَر؛ ولأنه لا يمكن إحالة الضمان عليها؛ لأنها بهيمة ولا يمكن إحالة الضمان على مالكها؛ لأنه لم يُفرِّط ولم يتعدَّ، فصار عندنا في انتفاء الضمان في داخل جنايتها دليل وتعليل؛ الدليل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ».
والتعليل أنه لا يمكن إحالة الضمان عليها؛ لأنها بهيمة، ولا على صاحبها؛ لأنه لم يحصل منه تعدٍّ ولا تفريط.
قال المؤلف: (فقتل الصائل عليه)؛ يعني أنه لا ضمانَ فيه، وكلمة (الصائل) تشمل الصائل من بني آدم، والصائل من البهائم فإنه لا ضمان على قاتله.
وقول المؤلف: (الصائل عليه) يعني على نفسه للقتل، أو على نفسه لفعل الفاحشة به، أو على نفسه لأخذ ماله، أو على نفسه لانتهاك حُرْمة أهله، أو ما أشبه ذلك.
المهم كل من صال على الإنسان لانتهاك حُرمته أو حُرمة ماله، فإذا قتله فإنه لا ضمان عليه، ولكن لاحظ أن قول المؤلف: (كقتل الصائل عليه) لا بد فيه من قيد، ما هو القيد؟ ألَّا يمكن دفع صوله إلا بالقتل، فإن كان يمكن دفع صوله بما دون القتل فقتله فعليه الضمان، فإذا صال شخص على إنسان ليقتله وأمكن أن يدفعه بقوله: انتهِ عن ذلك وإلا قتلتك، فإنه لا يحل أن يقتله.

كذلك أيضًا لو أمكن دفعه بالضرب دون القتل لم يكن له أن يقتله؛ لأن دفع الصائل من باب دفع الضرورة، والضرورة تتقدر بقدرها، فإذا أمكن دفعه بما دون القتل وجب، وإن لم يمكن إلا بالقتل فله قتله.
ولكن هنا مسألة لو أن أولياء الصائل المقتول ادعوا على القاتل القتل، فقال: نعم، أنا قتلته، لكن لأنه صال عليَّ، ولم أتمكَّن من دفعه بدون القتل، فكيف يكون القضاء؟ القضاء على القاتل، يعني أن القاضي سيقول للقاتل: ائتِ ببينة على أنه قد صال عليك، وأنه لا يمكن دفعه إلا بذلك، وإلا قتلناك.
هذا هو المشهور من المذهب.
ولكن الصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أنه يُقبل قول من قال: إنه قد صال عليَّ إذا كان المقتول معروفًا بالشر والفساد، وكان المدعي معروفًا بالصلاح، فلو أن شخصًا معروفًا بالصلاح ادَّعَى على هذا المقتول المعروف بالشر والفساد أنه صالَ عليه فإنه لا يمكن أن يُقتل؛ لأن القرينة ظاهرة في صِدْق مَنْ؟ في صِدْق القاتل ظاهرة جدًّا، قد تكون هذه القرينة أقوى من البينة، إنسان معروف بالشر والفساد، وانتهاك الأعراض، وأخذ الأموال، وهذا معروف بالصلاح، وأنه لا يمكن أن يدعي إتلاف نفس بلا حقيقة، فالصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا يُقتل؛ لأن معه قرينة ظاهرة تدل على صدق الدعوة.
(... ).


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن جناية البهيمة، هل هي مضمونة أو لا؟ وقلنا: إن ذلك له ثلاث حالات: الحالة الأولى؟ طالب: (... ).

الشيخ: الدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاءني رجل يريد أن يقتلني، أو يريد أن يأخذ مالي، قال: «قَاتِلْهْ».
قال: أرأيتَ إن قتلَني؟ قال: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ».
قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هُوَ فِي النَّارِ» (6) فقوله: «هُوَ فِي النَّارِ» يدل على أنه معتدٍ ظالم، والمعتدي الظالم ليس فيه ضمان، فهذا دليل.
فإذا قال قائل: قد ورد فيمن وجد شخصًا على امرأته فقتله أنه لا ضمان فيه، وإن كان يمكن أن يندفع بما دون القتل، وأنتم تقولون: إن الصائل لا يجوز أن يقتل إذا كان يمكن دفعه بدون القتل؟ فالجواب على ذلك: أن قتْل من وجد شخصًا على امرأته، أو على محرمه ليس من باب دفْع الصائل، ولكنه من باب عقوبة المعتدي، والعدوان حصل منه ولَّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، حصل منه، فهو يُقتل لعدوانه لا لدفع عدوانه، ففرق بين هذا وهذا، ونظير ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدَرَ عين من نظر من خصاص الباب، فقام إنسان ففقأ عينه بدون أن يُحذِّره (7). يعني لو أن أحدًا وقف عند الباب، وجعل يطالع، والباب مُغلق، يُطالع من شق في الباب فلك أن تفقأ عينه، أو تقول له: يا فلان، وخِّر، أبعد؟ لا، تفقأ عينه مباشرة، وأيضًا تختله؛ لأنك لو كنت تمشي على العادة لأحس بذلك وهرب، لكن تمشي على هونك وتأخد معاك عصا دقيق الرأس وتفقأ عينه، هل هذا من باب دفع الصائل؟ لا، من باب عقوبة المعتدي؛ لأن الآن حصل العدوان، فكيف يُقال: إن هذا من باب المدافعة؟ المدافعة عن شيء لم يقع، أما شيء وقع فليس فيه إلا عقوبة.
(الصائل عليه) من آدمي، أو بهيمة لا ضمان، لكنا أوردنا إشكالًا، وهو أنه إذا أنكر الصيالة، فقال أولياء المقتول: إن صاحبنا لم يصل.
وقال صاحب الدابة التي قُتلت دفعًا للصول: إنها لم تصله، فماذا يكون الحكم؟ ذكرنا أن المذهب أنه لا بد من بينة تثبت أنه صائل، فإن لم يأتِ ببينة فإن قتله مضمون؛ يعني فهو ضامِن.

ولكن قد يقول قائل: إن إقامة البينة على مثل هذه القضية أمْر متعذر؛ لأن الذي يُريد أن يقتل، هل يقتل والناس ينظرون؟ لا، فإقامة البينة مُتعذر.
فالجواب على ذلك أن نقول: ليصبر هذا الرجل الذي قتل الصائل دفعًا عن نفسه ليصبر ويحتسب، وهو إذا قُتِل فإن ذلك رِفْعة في درجاته عند الله عز وجل.
ولكن قد يقول قائل: إننا لا نتحمل هذا الأمر، لا نتحمل الإنسان يقتل بغير حق، فالْمَخْلَص هو أن نأخذ بقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أنه تقبل دعوى (... ). ولو أُخِذ بالقول الأول لحصل مفاسد عظيمة، وكان الرجل يقول: أُمكِّن هذا الإنسان الصائل من أن يفعل ما شاء بأهله لئلا يُقتل صاحب البيت؛ لأن صاحب البيت قد يُفضِّل أن هذا الرجل ينتهك حُرمة أهله، ولا يقتله فيُقتل به، أليس كذلك؟ وهذا فيه من الشر والفساد ما لا يُحتمل.
والصحيح الذي تطمئن إليه النفس، والذي يتعين القول به هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
وأوردتم أمس إيرادًا على هذا القول، قلتم: إذا كان القاتل الذي ادعى الدفع عن نفسه معروف بالصلاح والخير، وذاك معروف بالفساد والشر، أفلا يحتمل أن هذا القاتل قتله لا دفاعًا عن نفسه، ولكن من أجل إعدام المكث في الأرض، ما الجواب؟ الجواب: بلى، هذا وارد، يحتمل، لكن نظرًا لصلاح الرجل نقول: إنه يبعد لصلاحه أن يدعي أنه قتله دفعًا عن نفسه، وهو إنما قتله من أجل إزالة شره عن المسلمين، فنأخذ بالظاهر ونقول: هذا الاحتمال لا عِبرة به.

(كدفع الصائل عليه، وكسر مزمار، وصليب، وآنية ذهب وفضة، وآنية خمر غير مُحترم) ككسر مزمار؛ يعني كما لا يضمن من كسر المزمار، المزمار آلة من آلات اللهو، فإذا جاء شخص وكسَّرها فلا ضمان عليه؛ لأن هذا من باب تغيير المنكر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» (8). ولأن هذه آلة لا يجوز الإقرار عليها، وكسرها وسيلة إلى ذلك إلى عدم الإقرار عليها، فكان في كسرها مصلحة.
إتلاف المزمار فيه ضمان ولَّا لا؟ فيه ضمان، إتلافه غير كسره؛ لأنه إذا كسره منع من استعماله في المحرم، لكن بقيت الآلة، مادة هذا المزمار من خشب ينفع، يقاد به النار حديد، ينفع يُحوَّل إلى قدور وأوانٍ، وما أشبه ذلك، لكن إتلافه بالكلية معناه أنه أزال عين هذا الشيء، وإزالة عينه أكثر من إزالة وصفِه الذي يصح أن يكون به مزمارًا، ولهذا قال المؤلف (وكسر مزمار) ولم يقل: وإتلاف.
يقول: (وصليب) كسر الصليب أيضًا لا ضمان فيه؛ لأن الصليب لا يجوز إقراره، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يدع شيئًا فيه صليب إلا كسره (9). فإذا وجد شخص صليبًا وكسره فلا ضمان عليه، وإن كان قيمته صليبًا أكثر من قيمته مكسرًا؛ لأن القيمة الزائدة بكونه صليبًا قيمة مُحرَّمة، وما كان محرمًا فليس له قيمة شرعًا؛ فإذا كسَّر الصليب مثلًا الصليب يكون له أربعة جوانب، كسر هذه الجوانب، وبقي عيدانًا، فليس عليه ضمان.
طيب لو أتلف الصليب يضمن، لكن هل يضمنه بقيمته صليبًا أو بقيمته مكسرًا؟ بقيمته مكسرًا.
وقال: (وآنية ذهب وفضة) آنية الذهب والفضة على المشهور من المذهب، لا يجوز استعمالها في أكْل ولا شرْب، ولا اتخاذها واقتناؤها، فإذا جاء إنسان وكسَّر الآنية حتى أصبحت فتاتًا من الذهب أو الفضة فليس عليه ضمان، لماذا؟

لأن اتخاذ آنية الذهب والفضة محرَّم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» (8). وعلى هذا، فما يُسمَّى بالكأس الفضي الذي يُجعل في المسابقات يجب أن يُكسَّر، وإذا كسَّره إنسان فإنه لا ضمانَ عليه؛ لأنه مُحرَّم.
طيب فإن أتلفه إتلافًا نهائيًّا فعليه الضمان، لكن يضمنه آنية ولَّا يضمنه مُكسرًا؟ يضمنه مكسرًا.
هذا على القول بأن أواني الفضة والذهب لا يحل استعمالها ولا اتخاذها، فإن قلنا بجواز اتخاذها فإنه يضمنها إذا كسَّرها؛ لأنه حالَ بين صاحبها وبين أمرٍ مباح له فيضمن، لكن هل يضمنها على أنها آنية تُتخذ، أو على أنها آنية تستعمل؟ لأن بينهما فرقًا، الآنية التي تتخذ كالزينة مثلًا، والتي تُستعمل ينتفع بها، وأيهما أغلى الثاني ولَّا الأول؟ طلبة: الأول.
الشيخ: لا، الثاني، ما فيه إشكال؛ لأن آنية عندك لا يحل لك أن تستعملها، بس خليها عندك صورة، وآنية أخرى تستعملها وتنتفع بها، أيهما أغلى؟ لا شك أن الثاني أغلى؛ لأن ينتفع بها الإنسان.
إذا قلنا بجواز استعمالها في غير الأكل والشرب، فما هو القول الراجح؟ فإنه يضمنها أو لا إذا كسرها؟ يضمنها؛ لأن المنفعة مباحة، ويضمنها بقيمتها مستعملة في غير الأكل والشرب، أو بقيمتها مُتخذة فقط؟ بقيمتها مُستعملَة؛ لأن قيمتها مستعملَة أكثر من قيمتها متخذة كما قلنا.
فإذا قال قائل: هل يضمنها بقيمتها مستعملة في الأكل والشرب وغيرهما أو في غيرهما فقط؟ في غيرهما فقط، وأيهما أكثر قيمة أن تكون مُستعملَة في الأكل والشرب وغيرهما أو في غيرهما؟ في الأكل والشرْب أكثر قيمة؛ لأنه لا يُحال بينه وبينها في أي انتفاع أراد بخلاف ما إذا قلنا: إنه يمنع استعمالها في الأكل والشرب، فإن قيمتها سوف تنقص.

الخلاصة الآن: إذا قلنا بأن آنية الذهب والفضة يحرم استعمالها في الأكل والشرب وغيرهما واتخاذها فإن من كسرها لا ضمان عليه، وإذا قلنا: إنه يجوز اتخاذها أو استعمالها في غير الأكل والشرب فعليه الضمان.
طالب: الراجح؟ الشيخ: الراجح ما ذكرناه يضمن؛ لأنه يجوز استعمالها في غير الأكل والشرب.
قال: (وآنية خمر غير محترمة) يعني وكسر آنية خمر، فإنه لا يضمن، فلو وجد الإنسان زجاجة فيها خمر، وكسَّر الزجاجة فليس عليه ضمان، وهل يضمن الخمر؟ طلبة: لا.
الشيخ: الخمر واضح أنه لا يضمن؛ لأن يجب إتلافه، لكن الزجاجة، هل يضمنها أو لا؟ يقول المؤلف: لا يضمنها، قال: (وآنية خمر) ما قال: وخمر، (آنية خمر غير محترمة).
فإذا قال قائل: كيف لا يضمن الآنية والآنية في الأصل يُباح استعمالها؟ قيل: لأنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، فلما كانت هذه الآنية آنية بشيء مُحرَّم انسحب عليها حُكم المحرَّم، فصارت لا حُرمةَ لها.
قالوا: ويدل لذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حرَّق حانوت الخمَّار (10)، حرق حانوته، وهذا أبعد من الإناء الذي فيه الخمر.
وقال بعض العلماء: إنه إذا كسر آنية الخمر فهو ضامِن؛ لأن الآنية محترَمة، ويمكن إتلاف الخمر بدون كسر الإناء، صحيح لو كان هذا الإناء مختومًا لا يمكن إزالة الخمر، أو إتلاف إلا بكسره، فربما نقول: إن ما لا يتم الأمر إلا به فهو داخل في الأمر الذي أُبِيح، لكن إذا كان الإناء واسعًا بحيث تصب الخمر ويبقى الإناء، فكيف نقول بجواز التكسير؟ والصحيح أنه إذا كسر آنية الخمر، فإن كان لا يمكن إتلاف الخمر إلا بكسرها فلا ضمان، وإن كان يمكن إتلاف الخمر بدون كسرها فعليه الضمان؛ لأن الأصل في مال المسلم أنه محترَم.
وقول المؤلف: (آنية خمر غير محترَمة) (غير) هذه صفة، لكن ليست صفة لآنية، بل هي صفة لخمر؛ لأن من الخمر ما هو مُحترَم، لا يجوز إتلافُه، كيف؟

قال العلماء: خمْر الذمي المستورة محترمة؛ يعني اليهودي والنصراني في البلد عنده خمر في بيته، لا يعلنها فهذه الخمر محترَمة، وكيف كانت محترمة؟ لأنها مُقتضى العقد الذي بيننا وبين أهل الذمة، فإننا نقرهم على ما يعتقدونه حلالًا في دينهم، فهم يعتقدون أن الخمر حلال، فإذا كانوا مستترين بها فإنه لا يحل لنا إتلافها.
فلو أن رجلًا دخل بيت ذمي، ووجد عنده خمرًا، وكسر آنيته، يضمن أو لا؟ طالب: يضمن الخمر والآنية.
الشيخ: الخمر يضمنه، لا، الخمر لا يضمن؛ لأن ليس له قيمة شرعًا، لكن يضمن الآنية.
طيب هناك خمر محترمة غير خمر الذمي المستورة وهي خمرة الخلال على ما ذهب إليه الفقهاء رحمهم الله؛ خمرة الخلال، مَنْ هو الخلَّال؟ الخلَّال الذي يصنع الخل، وتعرفون أن الخلال يكون عنده خل كثير، أحيانًا ينسى فيتخمَّر بعض الخل، أو يحدث تغيُّر في الجو؛ يعني بحيث يكون يأتي صُدفة قصدي أنه يأتي من غير توقع من الإنسان فيكون حارًّا الجو، فيتخمَّر الخل.
قال أهل العلم: وهذا الخمر محترَم؛ لأنه يجوز للخلَّال أن ينتظر به حتى يتخلَّل، فاهمين الموضوع ولَّا لا؟ هذا رجل خلَّال، من هو الخلال؟ الذي يصنع الخل، يأتي بالعصير من جميع الأصناف، عصير عنب وتين وغيره من كل الأصناف، يعصره ويضعه في أوانٍ حتى يأتي الناس يشترون منه.
في يوم من الأيام صار الجو حارًّا من غير توقع، فتخمر العصير، يقول العلماء: إن له أن يتربص به حتى يصير خلًّا؛ لأن الخمر أو العصير إذا تخمر يبقى مدة، ثم يعود فيكون خلًّا فله أن ينتظر به حتى يكون خلًّا، لماذا؟ قالوا: لأنه لو أُمِر بإراقته فأراقه لحصل عليه ضرر كبير، فهو رجل خلَّال يفوته بعض الأحيان الوقت، فيتخمر الخل عنده.

وبناءً على هذا القول يكون خمر الخلَّال محترمة؛ لأنه يجوز له إمساك الخمر ليتخلل، ولكن هذه المسألة فيها نظر، فإن عموم جواب الرسول عليه الصلاة والسلام يمنع من ذلك، سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر تُتَّخذ خلًّا، فقال: «لَا» (11). وهذا يشمل ما إذا كانت الخمر للخلَّال أو لغيره.
وعلى هذا فلا يبقى عندنا خمر محترم إلا خمر الذمي شرط أن تكون مستورة (... ). يجوز للإنسان أن يقدم عليها، يعني كسر المزمار والصليب وآنية الخمر، وآلة اللهو أو لا يجوز؟ يُنظر في هذا إلى المصلحة، إن كان الإنسان يمكنه أن يقوم بذلك بدون ضرر فليفعل مثل أن يكون الجو خاليًا، ولا يشاهده أحد، ولا يُخشى من ضَرر فإنه يُكسِّرها، يجب أن يكسرها، وإذا كان يخشى من ضرر فلا يفعل، ولنفرض مثلًا أنه في حكومة جائرة، إذا كُسِّرت هذه الأشياء قالوا: هذا اللي كسَّرها الإخوان، يلَّا جيبوا الإخوان كلهم زُجوهم في السجن، وامنعوا دعوتهم إلى الخير، ولا تدعوا أحدًا يتكلم.
فحينئذٍ نقول: لا يجوز لك أن تُقدم على تكسيرها؛ لأن في ذلك ضررًا، أما إذا كان الأمر بالعكس بحيث يفرح ولاة الأمور إذا جرى مثل هذا، ولم يكن على سبيل التظاهر والمنابذة للحكومة، فإن هذا لا بأس به، بل قد يجب لما في ذلك من إزالة الإثم والعدوان (... )


وعلى نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل أحرق (... ) المؤلف رحمه الله إنما تكلم عن مسألة الضمان، لكن مسألة الإقدام على الفعل يعني تكسير هذه الأشياء، هل هو أمر مطلوب منا أو ليس بمطلوب؟ طالب: (... ). الشيخ: مطلوب أن نُكسِّر على كل حال؟ طالب: لا، (... ). الشيخ: إي، النصيحة، أمامنا شيء محرم الآن، هل يعني قبل أن ننصح صاحبها هل نكسره ولَّا ما نكسره؟ طالب: لا، ما نكسره.
الشيخ: ما نُكسِّره (... ). [باب الشفعة]

الشُّفْعة (فُعلة) من الشَّفْع، والشَّفْع ضد الوِتْر، قال الله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: 3].
وأصله مأخوذ من العدد المثنى، يعني اثنين شفع، وثلاثة وتر، وأربعة شفع، وهكذا؛ فالشفعة من حيث اللغة العربية نقول: مأخوذة من الشفع وهو جعل الواحد شفعًا؛ أي اثنين، وأما في الاصطلاح فقال المؤلف رحمه الله: (وهي استحقاق) إلى آخره، وانتبهوا للتعريف استحقاق الشريك (وهي استحقاق انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد) قال: (استحقاق انتزاع) يعني أن الشريك يستحق أن ينتزع حصة شريكه ينتزعها منين؟ ممن انتقلت إليه بعوض مالي، ينتزعها بثمنها الذي استقر عليه العقد.
ولننظر الآن لمتعلقاتها، (انتزاع حصة شريكه ممن) الجار والمجرور متعلق بـ (انتزاع) (بثمنه) متعلق أيضًا بـ (انتزاع) يعني أنه ينتزع بثمنه الذي استقر عليه العقد، مثال ذلك: زيد وعمرو شريكان في أرض، فباع عمرو نصيبه على خالد، فنقول لزيد أن ينتزع نصيب عمرو منين؟ من خالد (بثمنه الذي استقر عليه العقد)، وسُميت شفعة؛ لأن زيدًا ضم نصيب شريكه إلى نصيبه فشفعه بهذا الضم بعد أن كان مالكًا لهذا الملك من وجه واحد صار مالكًا له من وجهين.
نضرب مثلًا حاضرًا: أنت ومحمد شريكان في أرض، معلوم هذا ولَّا لا؟ بينكما أرض مشتركة، فباع محمد نصيبه على فهد واضح إلى الآن؟ فانتزعت نصيب محمد الذي باعه على فهد من فهد؛ يعني أخذته أنت وقلت لفهد: أعطيك القيمة التي دفعت، أفهمت الآن؟ وجه كونها شفعة؛ لأن الشريك ضم نصيب شريكه إلى نصيبه، فشفَعَه بهذا الضم؛ أي بدل أن كان مالكًا لهذه الأرض من وجه واحد صار مالكًا لها من وجهين.
بقي علينا أن ننظر كلام المؤلف: (استحقاق انتزاع حصة شريكه) من المنتزِع الشريك اللي باع ولَّا الذي لم يبِع؟ طلبة: الذي لم يبِع.

الشيخ: الذي لم يبع.
طيب شريكه الذي باع ينتزعها ممن؟ من المشتري، ممن انتقلت إليه بعوض مالي، وبماذا ينتزعه بالقيمة أو بالثمن؟ قال: (بثمنه الذي استقر عليه العقد)، والمثال -كما عرفنا- زيد وعمرو شريكان في أرض فباع عمرو نصيبه على خالد، فلزيد أن يأخذ هذا النصيب المبِيع من خالد ليضُمَّه إلى نصيبه، تكون الأرض في هذه الحال لمن؟ لزيد، تكون الأرض كلها لزيد، ويسلم من الشريك الجديد.
المؤلف رحمه الله يقول: إن الشفعة: (هي استحقاق انتزاع) والصواب أن الشفعة انتزاع، ما هي باستحقاق الانتزاع؛ لأن هذا المستحق لو لم ينتزع، فهل تثبُت الشفعة؟ طالب: لا.
الشيخ: لا، إذن ليس مجرد الاستحقاق هو الشفعة، ولكن الشفعة هي انتزاع هذا النصيب، ففي تعريف المؤلف لها نظر، والصواب أن يقال: الشفعة انتزاع حصة شريك ممن انتقلت إليه إلى آخره؛ لأنه لا يمكن أن تتحقق الشفعة إلا بالانتزاع، أما قبل أن يننزع فهو مستحق، وليس بِمُشَفِّع.
يقول: (انتزاع حصة شريكه) لو كان جاره، فهل يُشفِّع؟ يعني لو باع الجار مُلكه، فهل لك أن تُشفِّع؟ لا، شفعة كما سيأتي في كلام المؤلف، ويأتي ذكر الخلاف فيه إن شاء الله.
(ممن انتقلت إليه بعِوض)، فإن انتقلت بغير عِوَض، مثل أن يهب الشريك نصيبه لشخص، فهل لشريكه أن يُشفِّع؟ الجواب: لا، لا بد أن يكون الانتقال بِعِوض، فإذا كان زيد وعمرو شريكين في أرض، ووهب عمرو نصيبه منها لخالد، فليس لزيد أن يُشفِّع؛ لأنها انتقلت بغير عوض.
طيب زيد وعمرو شريكان في أرض، فمات عمرو، فانتقل نصيبه إلى ورثته، فهل لزيد أن يُشفِّع؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنها انتقلت بغير عِوَض، لكن هل هناك فرْق بين الهبة والإرْث؟ الجواب: نعم، الإرث انتقلت قهرًا بغير اختيار، والهبة باختيار، ومع ذلك لا فرق بالنسبة للشفعة، فما دام الانتقال بغير عِوض فلا شفعة، سواء كان الانتقال قهريًّا كالميراث، أم اختياريًّا كالهبة.

وقوله: (بعوض مالي) احترازًا مما لو انتقلت بعِوض، لكن غير مالي، مثل أن يجعل نصيبَه صداقًا لامرأة، في النهاية الذي ذكرنا زيد وعمرو شريكان في أرض، فتزوج عمرو امرأة، وجعل صداقها نصيبه من هذه الأرض، فهل لزيد أن يُشفِّع؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لأن عِوض النصيب الآن غير مالي، وكيف يشفِّع؟ إذا أراد أن يأخذه بثمنه فثمنه زوجة، فهل بيعطي الزوج بيعطيه زوجة؟ لا يمكن، على كل حال لا بد أن يكون العوض ماليًّا، وأنا ضربت هذا المثل مع أنه يمكن أن يُقال: إنه يعطيه المهر، لكنننا نقول: أصلًا أنه لا شفعة هنا، وذلك لأن العوض غير مالي.
(بثمنه الذي استقر عليه العقد) يقال: ثمن، ويقال: قيمة، فالثمن هو ما وقع عليه العقد، والقيمة ما كان قيمة بين الناس، هذا هو الفرق، فإذا بعتُ شيئًا بعشرة يساوي عشرين، فما هو ثمنه؟ العشرة، وقيمته العشرون؛ يعني فالقيمة ما يساوي بين الناس، والثمن ما استقر عليه العقد، ولا شك أن الثمن أحيانًا يزيد على القيمة، وأحيانًا ينقص، إذا كان البائع يريد أن يحابي المشتري ينقص ولَّا يزيد؟ طلبة: ينقص.
الشيخ: ينقص، وإذا كان المشتري يريد أن يحابي البائع فالثمن يزيد، أليس كذلك؟ في باب الشفعة يأخذه بالثمن أو بالقيمة؟ بالثمن، مثاله: زيد وعمرو شريكان في أرض، فباع عمرو نصيبه على صديق له، وكان يساوي عشرة آلاف، لكن باعه على صديقه بثمانية، فبكم يأخذه الشريك؟ طلبة: بثمانية.
الشيخ: يأخذه بثمانية، فإذا قال المشتري -وهو الصديق-: إن الرجل حاباني، ونزل لي من الثمن لأنني صديقه، وأنا أريد قيمته عشرة آلاف.
يقول له الشريك: ليس لك إلا ما دفعت، أنت إذا أخذت مني ثمانية، هل جاءك ضرر؟ ويش الجواب؟ لم يأته ضرر، إذن ليس له إلا ما وقع عليه العقد.

ثم قال المؤلف: (الذي استقر عليه العقد) ولم يقل الذي وقع به العقد، أو عليه العقد؛ إذ إن بين العبارتين فرقًا، فإن قوله: (الذي استقر عليه العقد) ليس هو الذي وقع عليه العقد، قد يبيع الشريك نصيبه من هذه الأرض بعشرة آلاف، ثم يظهر في الأرض عيْب، فيُؤخذ الأرش، وتُنزَّل القيمة إلى ثمانية آلاف ريال، فالعقد وقع بكم؟ بعشرة، ولكن استقر على ثمانية، ولهذا قال: (بثمنه الذي استقر عليه العقد)، ولم يقل الذي وقع عليه العقد.
فإذا كان زيد وعمرو شريكين في الأرض، وباع عمرو نصيبه على خالد بعشرة آلاف ريال، ثم ظهر في الأرض عيب، فطالَب خالد عمرًا فنزَّل له لقاء العيب ألفي ريال، بقي الثمن الذي استقر عليه العقد ثمانية آلاف ريال، فيأخذه زيد بثمانية آلاف ريال، والله أعلم (... ).


سبق لنا أن الشفعة لغةً؟ طالب: (... ). الشيخ: أي جعل الواحد اثنين، كذا؟ ومنه الشفاعة أن يتوسط لك شخص (... ). إذن الدليل على ثبوت الشفعة هو حديث جابر: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يُقْسَم (12). وهذا القضاء قضاء حكم وتشريع، وذلك أن قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالشيء قد يكون قضاء حكم وتشريع عام للأمة، وقد يكون قضاء مصلحة تتقيد بزمنها، مثال الأول هذا الحديث الذي معنا، مثال الثاني أن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى بالسلَب للقاتل (13) في باب الجهاد.
السَّلَب ما على المقتول الكافر من الثياب ونحوها، فهل قضاؤه بالسَّلَب للقاتل قضاء عين ومصلحة أو قضاء حكم وتشريع؟ إن قلنا بالأول صار الأمر بالقضاء للسلب للقاتل راجعًا إلى الإمام أو قائد الجند، وإن قلنا بالثاني -أنه قضاء حكم وتشريع- صار السَّلَب للقاتل بكل حال، سواء جعله له القائد أم لم يجعله.
لكن الشُّفعة هي ليست قضاء مصلحة موقتة بوقتها إنما هو قضاء حكم وتشريع عام في كُلِّ ما لم يُقْسَم من كل مشترك، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ (12).

والمثال كما مثَّلنا به سابقًا يكون زيد وعمرو مشتركين في أرض، فيبيع عمرو نصيبه منها على خالد، فيأتي زيد إلى خالد ويقول: شفَّعْت عليكَ، فيأخذ منه -أي من خالد- النصيب الذي اشتراه، ويعطيه أيش؟ يعطي زيد خالدًا الثمن الذي استقر عليه الآخر، فإن عارض خالد وقال: ما يكن تأخذه، أنا اشتريته شراءً شرعيًّا صحيحًا وعارَضَ؛ فإنه يُؤخذ منه قهرًا بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإذا قال قائل: كيف يؤخذ منه قهرًا؟ وهل هذا إلا من أكل المال بالباطل؟ فيقال: معاذ الله أن يكون من أكل المال بالباطل؛ لأن أكل المال بالباطل أن يأخذه الإنسان بغير حق، وهذا أخذه بحق، جعله الشارع له.
فإذا قال قائل: إذن ما وجه كون الشارع سلَّط الشريك على هذا المشتري حتى ينتزع منه ملكه قهرًا؟ فيقال: لما في ذلك من المصلحة وعدم المضرة على المشتري؛ فالمشتري ليس عليه ضرر؛ لأن ثمنه الذي دفع سوف يُدفع إليه، وليُقدِّر نفسه أنه لم يشترِ، وأما انتفاء الضرر الذي يحصل بالشفعة، فلأن هذا الشريك الجديد قد يكون شريكًا سيء الشركة متعِبًا لشريكه، يُحوجه إلى النزاع والخصومة دائمًا، فجعل الشارع للشريك الحق في أن يدفع ما يُخشى من ضرره بماذا؟ بالشُّفْعة، وهذا وارد ولَّا غير وارد؟ وارد، كم من إنسان يأتيه شريك جديد يُتعبه، بينما شريكه الأول رجل ماشٍ معه على ما فيه المصلحة، فيأتي الشريك الجديد ويعارضه في كل ما فيه المصلحة، إذا كان المشترَك حائطًا بستانًا، ونضب الماء، فقال الشريك الأول لهذا الجديد: لنحفر البئر، قال: لا، لا تحفر البئر، يكفي هذا الماء، وزِّعه بالتقسيط على الأرض، فتموت الأرض، أو يحصل بينهما نزاع ومرافعة وتعب، فمن أجل دفْع هذا النزاع والخصومة سلَّط الشارع هذا الشريك على مَنْ؟ طالب: (... ). الشيخ: لا، ما هو على شريكه، على المشترِي أن يأخذ منه نصيب شريكه.

فإذا قال قائل: إذا كانت هذه العِلَّة وقُدِّر أن الشريك باع على رجل أحسن منه شركة، وأسهل انقيادًا، فهل تسقطون الشفعة؟ الجواب: لا، لا نسقطها؛ لأن ما ثبت بِعلََّة خفية فإنه يثبت ولو لم تتحقق العِلَّة.
ولهذا انظر مثلًا السفر، لماذا جعلت الصلاة ركعتين؟ من أجل المشقة غالبًا، فإذا كان السفر ليس فيه مشقة، هل ينتفي الحكم؟ لا، يفطر الإنسان في رمضان، ويصلي ركعتين، وإن لم يكن مشقة إطلاقًا.
هذا نقول: يثبت الحكم، وإن لم يحصل أذية من الشريك الجديد؛ وذلك لأن العلة إذا كانت منتشرة خفية، فإنه يثبت حكمها سواء تحققت أم لم تتحقق؛ لأن الناس ليس عليهم علامات بأن يكون هذا الرجل حسن الشركة والآخر سيء الشركة.
قال المؤلف رحمه الله: (فإن انتقل بغير عِوض) إن انتقل النصيب، بيقول: (فإن انتقل) ومُقتضى السياق أن يقول: فإن انتقلت، لماذا؟ لأنه قال: (انتزاع حصة شريكه) (حصة)، لكنه أعاد الضمير على المعنى؛ لأن (حصة) بمعنى نصيب، فأعاد الضمير على حصة باعتبار معناها لا لفظها.
(فإن انتقل بغير عِوض) (فلا شفعة) مثل: الإرث، مات شريكه فانتقل المال إلى ابنه الذي هو وارثه، فهل يأخذه بالشفعة؟ لا؛ لأنه انتقل بغير عِوض.
مثال آخر في الهبة: وهب الشريك نصيبه لشخص، فهل للشريك أن يأخذه بالشفعة؟ الجواب: لا، لا يأخذه بالشفعة؛ لأنه انتقل بغير عِوض.
هل يجوز للشريك أن يُظهِر أنه قد وهبه وهو قد باعه؟ لا؛ لأن هذا من باب التحيل على إسقاطها، وسيأتينا في كلام المؤلف أنه يحرم التحيل لإسقاطها.

قال: (أو كان عِوضه صداقًا) هذه العبارة فيها تسامح مُخِلٌّ؛ لأننا لو شرحناها على ظاهرها لكان المعنى: أو كان عوض الشقص صداقًا وصورته على حسب اللفظ أن تشتري المرأة نصيب الشريك، بماذا؟ بصداقها؛ لأنه يقول: (أو كان عوضه صداقًا) عوض أيش؟ عِوض النصيب (صداقًا)، صوِّر المسألة، صورتها أن تشتري المرأة نصيب الشريك بصداقها، فعِوَض النصيب الآن صداقها، هذا هو المتبادر من اللفظ، ولكن هذا ليس بمراد قطعًا؛ لأن النصيب إذا انتقل بعِوض سواء كان العوض صداقًا، أو خلعًا، أو صلحًا عن (... )، أو غير ذلك تثبت الشفعة.
لكن مراد المؤلف: (أو كان عوضه صداقًا) يعني أو كان (صداقًا) يعني جعل هذا النصيب صداقًا، فإنه: (لا شُفْعة) كيف هي صورة المسألة؟ صورة المسألة: أن يتزوج الرجل امرأة ويقول: صداقكِ نصيبي من هذه الأرض المشتركة.
ولنرجع إلى المثال الأول زيد وعمرو شريكان، فتزوج عمرو امرأة، وجعل صداقها نصيبه من هذه الأرض المشتركة، فهل لزيد أن يأخذه بالشفعة؟ لا، لماذا؟ لأن عوِضه ليس ماليًّا، ما هو العوض؟ هو بُضع المرأة والاستمتاع بها، فليس ماليًّا؛ لذلك لا تثبت الشفعة.
كذلك قال المؤلف: (أو خلعًا) الخلع هو المبذول من الزوجة، أو وليها أو غيرهما ليطلقها الزوج، ففي الصداق الزوج باذل، وفي الخلع الزوج مبذول له؛ آخذ.
إذا أخذنا كلام المؤلف على ظاهره كان المعنى، أو كان عوضه خلعًا، وهل يستقيم هذا المعنى؟ لا، انتظر شوية، ربما يستقيم؛ لأنه إذا جعلت المرأة نصيبها من هذه الأرض المشتركة عوضًا عن مخالَعة الزوج إياها صار عِوضه خلعًا غير مالي، فالعبارة بالنسبة للخلع تصح، لكن بالنسبة للصداق لا تصح.
إذن كان عوضه خلعًا.
صورة المسألة: أن يكون زيد وهند شريكين في أرض، فخالعت هند زوجها خالدًا أو بكرًا على نصيبها من هذه الأرض، صار العِوض خلعًا، فأخذ الزوج نصيبها، فهل فيه شفعة؟

لا، لماذا؟ لأنه انتقل بعِوض غير مالي، وهو فِراق الزوج إياها، فلا يكون في ذلك شُفعة.
قال: (أو صلحًا عن دم عمد) يُجعل النصيب (صلحًا عن دم عمد) مثال ذلك: زيد وعمرو شريكان في أرض، فقتل عمرو شخصًا عمدًا، وثبت عليه القصاص، فقال لأولياء المقتول، يقول عمرو لأولياء المقتول: أنا أصالحكم على ذلك بهذه الأرض.
صُلْحًا عن دمٍ عَمْدٍ فلا شُفعةَ، ويَحْرُمُ التحيُّلُ لإسقاطِها، وَتَثْبُتُ لشَريكٍ في أرضٍ تَجِبُ قِسمتُها، ويَتْبَعُها الْغَرْسُ، والبناءُ, لا الثمرةُ والزرعُ فلا شُفعةَ لِجَارٍ، وهي على الْفَوْرِ وقتَ عِلْمِهِ، فإذا لم يَطْلُبْها إذنٌ بلا عُذْرٍ بَطَلَت، وإن قالَ للمشترِي: بِعْنِي أو صالِحْنِي.
أو كَذَبَ العَدْلُ أو طَلَبَ أَخْذَ البعضِ سَقَطَتْ، والشفْعَةُ لاثنينِ بقَدْرِ حَقَّيْهِما، فإنْ عَفَا أحدُهما أَخَذَ الآخَرُ الكلَّ أو تَرَكَ, وإن اشْتَرَى اثنان حقَّ واحدٍ أو عَكْسُه, أو اشْتَرَى واحدٌ شِقْصَيْنِ من أَرْضَيْن صَفقةً واحدةً فللشفيعِ أَخْذُ أحدِهما، وإن باعَ شِقْصًا وسيفًا, أو تَلِفَ بعضُ الْمَبيعِ فللشفيعِ أَخْذُ الشقْصِ بحِصَّتِه من الثَّمَنِ، عن القصاص، بماذا؟ بنصيبه من الأرض، فهل لشريكه زيد شفعة؟ لا؛ لأن النصيب انتقل إلى ملك أولياء المقتول عِوضًا عن دم.
وعُلم من قول المؤلف: (صلحًا عن دم عمد) أنه لو كان صلحًا عن دم خطأ، فإن ذلك فيه شفعة، وذلك لأن دم الخطأ يُوجب الدية، والدية مال، فإذا كان زيد وعمرو شريكين في أرض، وقتل عمرو شخصًا خطأً، وصالحهم عن الدية بنصيبه من هذه الأرض، فإن لشريكه الشفعة؛ لأنها انتقلت إلى أولياء المقتول بعِوض مالي؛ لأنها مُصالَحَة عن دية، والدية مال، والله أعلم.


جارٍ التحميل