نقول: نحن الآن بين أمرين؛ إما أن يلزمني بأن أنقض البناء، وهذا ضرر عليَّ، أو يلزمني بالأجرة، وهذا أيضًا ضرر عليَّ؛ لأنني لو كنت أعلم أنه يطلب الأجرة لأقمت أعمدة أقيم عليها بنائي، حينئذٍ نقول لهذا الراجع: لا رجوع لك ولا أجر لك، إلى متى؟ قال: حتى يسقط، فلو سقط الجدار فإن هذا الذي بنى على الجدار الأول لا يعيد البناء على الجدار الثاني إلا بإذنه ما لم يحتج إليه، فإن احتاج إليه فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ عَلَى جِدَارِهِ» (7).
عُلِمَ من كلام المؤلف هنا أنه لا يجوز الرجوع في العارية إذا تضمن ذلك ضررًا، وهو كذلك، كالجدار الذي أعاره ليبني عليه، وكما لو أعاره سيارة ليذهب بها إلى الرياض، وفي أثناء المسير قال له: خلاص، أنا رجعت في العارية، ما يمكن تكمل المشوار إلا بأجرة.
فنقول: لا أجرة لك؛ لأني الآن ما أتمكن من أن أنزل من السيارة وأستأجر سيارة أخرى، فإن كان يتمكن فللمعير الرجوع.
وكذلك لو أعاره سفينة يذهب بها من جُدَّة إلى مصر، في أثناء البحر قال: هونت، رجعت بالعارية، يمكن ولَّا؟ ما يمكن، لماذا؟ لأن المستعير لا يتمكن من النزول، ولأن هذا يفتح باب شر، يأتي إنسان قد كسدت سيارته أو سفينته، ثم يقول لشخص: أنا أراك محتاجًا إلى السفر عن طريق البحر وهذه سفينتي.
فإذا ركبها وصار في لجة البحر قال: رجعت في العاريَّة، فلا بد من ضرب الأجرة عليك.
مشكلة هذه.
لهذا نقول: إذا تضمن الرجوع في العارية ضررًا فإنه لا يجوز أن يرجع، ونمثل لهذا بالجدار، وبالسفينة، وبالسيارة.
بالزرع؟ لو أعاره أرضًا ليزرعها ثم زرع، خسر الرجل؛ حرث الأرض وأتى بالماكينة وأخرج الماء وأتى بالصبيان، وفي أثناء ذلك قبل أن ينتهي الزرع قال: رجعت، يلَّا خذ زرعك، هل يُلزِمه بهذا أو لا؟ لا يلزمه، هل له أجرة؟ الصحيح أنه ليس له أجرة؛ لأن إذنه له بالزرع يَستلزم رضاه ببقائه حتى يحصد.
والمشهور من المذهب أن له الأجرة إذا رجع في أثناء مدة الزرع، لكنه قولٌ ضعيف، ولا تكاد تجد فرقًا بين هذا وبين الحائط والسفينة.
إذن لا يجوز الرجوع ولا يمكن الرجوع في العارية إذا تضمن ضررًا.
ثانيًا على القول الراجح أيضًا: إذا كانت العارية موقَّتة بوقت فإنه لا يجوز أن يرجع ما دام الوقت باقيًا.
مثل أن يقول: أعرتك هذه لمدة شهر فلا يجوز أن يرجع في نصف الشهر؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ؛ إِذَا حَدَّثَ كَذِبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» (8) وهذا الرجل الذي أعاره لمدة شهر إذا رجع في أثناء المدة فقد أخلف، ولقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]، وهذا قد عهد له أن تبقى هذه العين عنده لمدة شهر، ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (9).
فالنصوص تدل على أن العارية الموقتة لا يجوز الرجوع فيها قبل انتهاء الوقت.
قال المؤلف: (وتُضمَن العارية بقيمتها يوم تلفت) (تضمن العارية) أفادنا المؤلف: أن العارية مضمونة بكل حال؛ لقوله: (تضمن العارية) ولم يُفصِّل.
فالعارية مضمونة على المستعير؛ سواء تلفت بتفريط أو بتعدٍّ، أو بغير تفريط ولا تعدٍّ.
فإذا أعرتك إناء، فجاء اللص فدخل البيت وأخذ الإناء، مع أنك قد أحكمت إغلاق البيت، فعليك الضمان؟
عليك الضمان على كلام المؤلف.
احترق البيت بما فيه، ومنه العين المستعارة، يضمن صاحب البيت ولَّا لا؟
يضمن؛ على كلام المؤلف، مع أنه لم يفرِّط؛ إذن عليه الضمان سواء فرَّط أو لم يفرِّط.
الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، وهذه أمانة وأنت مأمورٌ بأدائها، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» (10). وهذه عينٌ مأخوذة فعلى المرء أن يؤدِّيَها.
فاستدل هؤلاء بدليلين؛ أحدهما من القرآن والثاني من السنة.
وقال بعض العلماء: إن العارية لا تضمن إلا بواحد من أمور ثلاثة؛ أن يتعدى، أو يُفَرِّط، أو يشترط الضمان؛ يشترط المستعير على نفسه بالضمان فيقول: أنا أضمنه إذا تلفت، ففي هذه الأحوال الثلاث يضمن.
أما في مسألة التعدي والتفريط؛ فلأنه بتعديه وتفريطه زال ائتمانه وصار غير أمين، وأما فيما إذا شرط أن يَضْمَنها فلقولِ النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (9)، وهذا قد التزم بذلك، والحديث عام: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ».
وفيه حديث خاص في الموضوع؛ وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار أدرُعًا من صَفْوان بن أُمَيَّة، فقال له صفوان: أغصبًا يا محمد؟ ! قال: «بَلْ عَارِيةٌ مَضْمُونَةٌ» (5).
كلمة: «مَضْمُونَةٌ» من قال: إن العارية مضمونة بكل حال قال: إن «مَضْمُونَة» صفةٌ كاشفة ليست مقيدة، والصفة الكاشفة لا يخرج مفهومها عن الحكم، يصير معنى عارية مضمونة يعني العارية كأنه قال: عارية، وكل عارية مضمونة.
والذين قالوا: لا تُضمَن إلا بشرط، قالوا: لأن «مَضْمُونَة» صفةٌ مقيدة وليست كاشفة، وإذا تعارض القولان هل الصفة مقيدة أو كاشفة فالأصل أنها مقيدة؛ لأن الكاشفة لو حذفت لاستقام الكلام بدونها، والمقيدة لا بد من وجودها في الكلام، لا يتم الكلام إلا بها، والأصل أن المذكور واجب الذكر، هذا هو الأصل، وعلى هذا فتكون الصفة هنا صفة مقيدة، وهو الصحيح، فتكون دالة على أن العاريَّة تُضمَن إن شُرط ضمانها وإلا فلا.
إذا قال قائل: بأي شيء تردون استدلالهم بالدليلين السابقين؟
الجواب أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] تردوا الأمانات، متى تُرد الأمانات؟ إذا كانت باقية، أما إذا تلفت فالآية ليس فيها دليل على وجوب الرد؛ لأن الأمانات زالت الآن، تلفت، وهذا الرجل تلفت تحت يده بلا تفريط ولا تعدٍّ، فلا يكون ضامنًا.
وكذلك نقول: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» (10)، هذا يدل على أنه موجود، وأنه يجب أن يُؤَدَّى إلى صاحبه حيث وجب أداؤه إليه.
ثم نقول: أنتم بأنفسكم لم تأخذوا بمقتضى الآية، فالمستأجر عندكم الذي بيده العين المستأجرة أمين ولَّا غير أمين؟ أمين، والعين بيده أمانة، ومع ذلك تقولون: لو تلفت العين المستأجرة تحت يد المستأجر بدون تعدٍّ ولا تفريط فليس بضامن، فكيف تستدلون بالآية على شيء وتخرجون ما تشمله الآية، والحكم واحد فيهما؟ !
إذن فلا دلالة في الآية والحديث على ما ذهبوا إليه، وتبقى العارية على القواعد العامة، وهي أنها وقعت بيد المستعير برضا صاحبها؛ فيد المستعير يدٌ أمينة ولا خائنة؟ أمينة؛ لأن المال حصل فيها برضا صاحبها، فهي يدٌ أمينة، والأمين لا يضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط، هذه القاعدة العامة.
أما إذا شرط ضمانها؛ فلقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] ولقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: 34] ولقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (9)، ولقوله لصفوان بن أمية: «بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ» (5)، وهذا القول الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصحيح؛ لدلالة النصوص عليه.
قال المؤلف: (بقيمتها يوم تلفت) يعني: متى وجب ضمانها؛ في الصور الثلاث التي ذكرنا، أو مطلقًا على المذهب؛ فإنها تُضْمن بقيمتها يوم تلفت وقت التلف لا وقت الإعارة، قد تكون قيمتها وقت الإعارة مئة ووقت التلف خمسين، فبكم تُضمن؟
طلبة: بخمسين.
الشيخ: تُضمن بخمسين، وقد يكون الأمر بالعكس؛ قيمتها وقت الإعارة مئة وقيمتها وقت التلف خمسين، فتُضمن؟ بخمسين.
ولكن قول المؤلف: (بقيمتها)..
طلبة: بالعكس.
الشيخ: كيف؟
طلبة: يعنى: الأولى أنها بمئة.
الشيخ: نعيد المثال.
قد تكون قيمتها يوم الإعارة مئة وقيمتها يوم التلف خمسين، بكم تُضْمن؟
طلبة: بخمسين.
الشيخ: بخمسين.
وقد تكون قيمتها وقت الإعارة بخمسين وقيمتها وقت التلف بمئة، تضمن بمئة.
إذن المعتبر وقت التلف.
لكن قول المؤلف: (بقيمتها) فيه نظر؛ لأنها لم تُؤخَذ على سبيل المعاوضة، وضمانها ضمان إتلاف، وإذا كان ضمانها ضمان إتلاف فالواجب أن تضمن بالبدل لا بالقيمة.
وما هو البدل؟ البدل هو المثل إن كانت مثلية، والقيمة إن لم تكن مثلية، فإذا قدرنا أن العاريَّة فناجين -تعرفون الفناجين؟ أكواب الشاي- ثم تكسرت الفناجين يضمنها بقيمتها ولَّا بمثلها؟
طلبة: بمثلها.
الشيخ: بمثلها؛ لأنها مثلية، ما يضمنها بالقيمة، يقول المعير: أنا أريد فناجين مثلما أعطيتك، فله ذلك.
لكن لو استعار شيئًا لا مثيل له؛ مثل بعض المعدات التي لا يوجد لها نظير في البلد، فهذا يضمنها بماذا؟ يضمنها بالقيمة.
هذا هو الصحيح في مسألة الضمان.
ولهذا نقول: لو قال المؤلف: تضمن ببدلها لكان أحسن؛ لأن البدل يشمل القيمة في المتقوَّم والمثل في المثلِيِّ، فالضمانات كلها تدور على هذا؛ ما كان ضمانه ضمان يد لا ضمان ملك فإنه يضمن بالمثل إن كان مثليًّا، وبالقيمة إن كان متقومًا.
يستثنى على المذهب من ضمان العارية أربع صور:
الصورة الأولى إذا تلفت فيما استُعملت له، كيف فيما استعملت له؟
يعني: استعار مني ثوبًا، الثوب هذا مع اللُّبس تقطع، فلا ضمان على المستعير، لماذا؟ لأن المعير لما أعاره للبس فهو يعلم أنه سيبلى، فهو داخل على بصيرة، وعلى رضًا بما يتلف به.
وكذلك لو أعاره منشفة، تعرفون المنشفة؟ المنشفة فيها خمل، والخمل معروف، هذا الحب؛ حب خيوط صغيرة، كأنك ما عرفتها أنت؟
طالب: الفوطة.
الشيخ: تعرف الفوطة؟
الطالب: فوطة صغيرة.
الشيخ: فوطة صغيرة أو كبيرة.
ما فيها خمل؛ يعني: فيها خيوط كأنها نابتة مثل الزرع، كذا عرفت هذا؟ إذا نشف الإنسان فيها فإنها تزول هذه؛ الخمل يزول، أعاره هذه المنشفة لمدة سنة يتنشف فيها، هذا الرجل صار يتنشف فيها فتقطعت هذه الخيوط التي تسمى خملًا، نقول: لا ضمان عليه؛ لأنها تلفت فيما استعيرت له، إلا إذا صار يستعملها بشدة؛ يعني يفرك فيها بشدة، فهذا يكون متعدِّيًا فيضمن.
أعرته قلمًا يكتب به، يجوز؟ هذا القلم مع كثرة الكتابة صار غليظًا، ولَّا لا؟ الغالب أنه يكون غليظًا، فهل يضمن؟ لا يضمن، إلا إذا كان يتكئ عليه كثيرًا، يتكئ عليه جدًّا فإنه يضمن لتعديه، واضح؟ هذه الصورة الأولى.
الصورة الثانية إذا كان المعير لا ضمان عليه؛ إذا استعارها ممن لا ضمان عليه؛ كالمستعير من المستأجِر، المستأجر عليه ضمان إذا لم يتعدَّ أو يفرط؟ لا، فإذا استعار من مستأجر ولم يتعدَّ أو يفرط فلا ضمان عليه؛ لأنه فرعٌ عن المستأجر، المستعير فرعٌ عن المعير، والمعير ليس عليه ضمان فلا يكون عليه ضمان.
الصورة الثالثة إذا استعار شيئًا موقوفًا على عموم الناس؛ كرجل استعار كتابًا موقوفًا على طلبة العلم، وهو من طلبة العلم، فتلف الكتاب عنده بلا تعدٍّ ولا تفريط، فليس عليه ضمان؛ لماذا؟
لأنه أحد المستحقين لهذا الكتاب، أحد المستحقين فهو الآن ينتفع به بالاستحقاق لا بالإعارة، وهو إنما طلبه إعارة من القيِّم على المكتبة مثلًا، وإلا فله الحق في أن يطالع فيه ويراجع فيه.
الصورة الرابعة إذا أرْكَب منقطعًا للثواب فإنه لا يَضْمن، كيف منقطعًا للثواب؟
يعني: إنسان معه بعير وهو مسافر إلى مكة، ووجد شخصًا ليس له مركوب، فقال له: اركب بعيري.
قصده بذلك الثواب والأجر، ركب هذا الرجل البعير، في أثناء الطريق عثر البعير وانكسر، وهو عليه هذا الراكب، هل يضمن الراكب أو لا؟
يقول: لا يضمن؛ لأن هذا في الحقيقة لم يُعَر البعير، وإنما منح الركوب فقط، والبعير تحت تصرف مَنْ؟ صاحبها ومالكها.
هذه الصور الأربع؛ يقول الفقهاء: إن العارية لا تُضمَن فيها، لا تضمن العارية في هذه الصور الأربع.
طالب: شيخ بالنسبة (... ) الفوائد؟
الشيخ: لا، لهم الحق في هذه المسألة.
طالب: شيخ، المسألة الثانية؛ إذا كان البعير لا ضمان عليه.
الشيخ: ذكرنا مثالها.
الطالب: كيف؟
الشيخ: استأجرت مني بعيرًا لمدة عشرة أيام، وأعرته فهدًا لمدة يومين، في أثناء المدة هذه تلف عند فهدٍ بلا تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه.
الطالب: لا ضمان عليه؟
الشيخ: إي نعم، ولا ضمان عليك أنت أيضًا؛ لأنه فرعك.
طالب: المستعير لا يجوز أن يعير لي (... ).
الشيخ: صحيح.
الطالب: لأنه ما ملكه.
الشيخ: نعم، صح.
الطالب: ليش الآن هو أعار خطأ، نقوم نضمنه؛ لأنه ليس له الحق في التصرف إلا..
الشيخ: هذا مستأجِر أعار.
الطالب: نحن قلنا: إنه يكون ليس بضامن.
الشيخ: إي، أن يكون المعير غير ضامن، كالمستعير من المستأجر.
الطالب: مستعير مِنْ مستأجر؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ولا مستعير من مستعير؟
الشيخ: إذا استعار من مستأجر فالمستأجر معير، أو لا؟ فقد استعار ممن لا ضمان عليه، واضح؟ إي نعم.
طالب: (... ).
الشيخ: يعني أيش؟ أيهما أحسن ولَّا أيش؟
الطالب: يعني أيهما (... ) في الموضوع؟
الشيخ: الظاهر أنه ما يجوز.
الطالب: ما هو من باب العلم يا شيخ؟
الشيخ: لا، من باب العلم معرفة الحكم الشرعي.
الطالب: إي، لكن هو موجود (... ).
الشيخ: إي موجود، لكن ما وُجِدَ أنهم يتسابقون فيه بعوض.
يقول: هل يجوز الشرط في العارية؛ بأن أقول: لا أعيرك كتابي حتى تعيرني كتابك، أو هذا من باب الشغار؟
المذهب: لا يجوز؛ لأن شرط عقد في عقد لا يجوز، والصحيح: أنه جائز ولا بأس به، لا بأس أني أشرط عليك أنك تعيرني كما لا بأس على القول الراجح أن أقول: لا أبيع عليك بيتي حتى تبيع علي بيتك.
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، لو استعار مني دكانًا ليجعله بنكًا ربويًّا، يجوز أعيره ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: إذن كل ما يستعان به على محرم فإنها لا تجوز إعارته، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
جاء لي واحد قال: بدي تعيرني دكانك لأن ودي أحلق فيها اللحى، يجوز ولَّا لا؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: محرم.
الشيخ: لأنه إعانة على محرم.
إذن نأخذ قاعدة؛ كل ما أعير لفعل محرم، فإعارته حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
(ولو شرط نفي ضمانها) هذه إشارة خلاف؛ لأن من العلماء من يقول: إنها مضمونة إلا أن يشرط نفي الضمان، من اللي يشترط؟ المستعير؛ لأن الضمان عليه، فيقول المعير: أنا أريد أن تعيرني بشرط ألا أضمن حيث لا يحصل تعدٍّ ولا تفريط، فإذا شرط نفي الضمان فإنه لا يضمن، وإن سكت يضمن على القول هذا؛ إن سكت يضمن، وإن شرط نفي الضمان لا يضمن.
هذا القول يقول: إن الأصل في العارية الضمان، ما لم يشترط نفي الضمان، فإن شرط نفي الضمان فلا ضمان.
ما الفرق بينه وبين القول الذي رجحنا؟ الفرق بينهما يحصل فيما إذا سكت، فعلى هذا القول يضمن ولَّا لا؟
يقول: يضمن إلا أن يشترط نفي الضمان؛ فإذا جاءت العارية مسكوتًا عن الضمان، فهل يضمن على هذا القول؟ يضمن.
على القول الذي رجحنا، يضمن ولا ما يضمن؟ لا يضمن، كذا؟
المذهب يقولون: حتى لو شرط نفي الضمان فإنه يضمن؛ فإذا استعرت منك ثوبًا وقلت: يا أخي الإنسان عرضة أخشى أن هذا الثوب يحترق، أو يسرق، أو ما أشبه ذلك.
قال: أبدًا ما عليك ضمان.
فسُرق أو احترق؛ على المذهب يضمن، ولو شرط نفي الضمان، كذا ولَّا لا؟
فالأقوال اللي عندنا الآن كم صارت؟ ثلاثة.
فيه قول رابع: لا يضمن ولو شرط الضمان.
حجة هذا القول يقول: لأن المستعير يده يد أمانة، والأصل في يد الأمانة، أو مقتضى عقد الأمانة أن لا ضمان، فإذا شرط الضمان كان شرطًا مُنافيًا لمقتضى العقد، والشرط المنافي لمقتضى العقد فاسد لا يقبل؛ كما لو شرط الضمان في الإجارة مثلًا، فإنه لا يقبل لأنه شرطٌ مخالفٌ لمقتضى العقد، فصار الأقوال الآن -ما شاء الله- أربعة:
الضمان مطلقًا إلا في المسائل المستثناة، وهذا المذهب عند الحنابلة؛ الضمان مطلقًا إلا في المسائل المستثناة الأربعة، وهذا هو المذهب.
الثاني: عدم الضمان مطلقًا، وهذا مذهب أبي حنيفة، حتى لو شرط الضمان؛ قال: لأنه عقد أمانة وعقد الأمانة مقتضاه عدم الضمان، فإذا شرط الضمان فهو شرط مخالف لمقتضى العقد فيكون فاسدًا.
القول الثالث: الضمان إلا إذا اشترط نفي الضمان.
القول الرابع: عدم الضمان إلا إذا اشترط الضمان، وهذا القول هو الراجح، الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وعرفتم أدلته، فصارت الأقوال الآن أربعة.
الحقيقة أن قول أبي حنيفة قوي جدًّا؛ لولا الحديث: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (9).
وأيضًا إذا قلنا بأنه إذا شرط الضمان لزمه فإنك تجد المستعير يداري ويحرص على ألا يصيب العارية شيء.
إذا قلنا: لا ضمان عليه ولو شُرط الضمان عليه، فإنه لا يهتم، قد لا يهتم ولا يبالي إذا أصابها شيء (... ).
قال: (وعليه مَؤونة ردِّها، لا المؤجَّرة) العين المستعارة يجب على المستعير مؤونة ردها؛ يعني: إذا كان الرد يحتاج إلى مؤونة يعني: نفقة، فعليه نفقة ردها.
مثاله: استعار شخصٌ من آخر ماكينة وانتهى شغله منها، مؤونة ردِّها على مَن؟ على المستعير، الماكينة هذه تحتاج إلى شيء يرفعها وسيارة تحملها وشيء ينزلها، يمكن مؤونة الرد بألف ريال، نقول: مؤونة الرد على مَنْ؟ على المستعير.
الدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» (10)، فكل ما يستلزم لرد هذه العين المعارة فإنه على مَنْ؟ على المستعير.
ولأن هذا الرجل –هذا التعليل- قبض العين لمصلحته الخاصة، فكان عليه أن يقابل هذه المصلحة بتحمل نفقة الرد.
ثالثًا: ولأن المعير محسن، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91].
رابعًا: ولأننا لو ألزمنا المعير مؤونة الرد لكان في هذا سد باب للعارية، أليس كذلك؟ إذا قال المعير: إذا كان يلزمني النفقة؛ المؤونة، مؤونة الرد، فأنا ما أنا معير، خل العين عندي، وأسلمُ من الخسارة، فهذه أربعة أوجه تدل على أن نفقة الرد على المستعير.
قال: (لا المؤجَرة) المؤجرة لا يلزم المستأجر مؤونة الرد؛ لأن عليه مجرد رفع يده عن هذه العين المؤجرة، ولأنه قبضها لا لمصلحته الخاصة، بل لمصلحة مشتركة؛ مصلحة المستأجر الانتفاع، ومصلحة المؤجر الأجرة، فلست منفردًا بالمصلحة، ولأنني إنما أعطيته الأجرة في مقابلة النفع، بدلٌ ببدل، وهذا يقتضي أنه لا مؤونة عليَّ، كما لو استأجرت بيتًا وخرب فيه شيء، فإن أجرة تعميره على مَنْ؟ على المؤجِر إلا إذا كان بتعدٍّ أو تفريط.
إذن نقول: إذا استأجر شخصٌ شيئًا واحتاج في رده إلى مؤونة، فالمؤونة على مَنْ؟ على المؤجِر، كذا؟
مثال ذلك: استأجرت منك حرَّاثة أَحْرُث بها الزرع، وانتهى عملي، من الذي ينقل الحراثة إلى صاحبها؟ المؤجِر صاحب ال..
ولا يُعِيرُها، فإن تَلِفَتْ عندَ الثاني اسْتَقَرَّتْ عليه قِيمَتُها، وعلى مُعِيرِها أُجْرَتُها، ويَضْمَنُ أيَّهُما شاءَ، وإن أَرْكَبَ مُنقَطِعًا للثوابِ لم يَضْمَنْ، وإذا قالَ: أُجرتُك.
قالَ: بل أَعَرْتَنِي.
أو بالعكْسِ عَقِبَ العَقْدِ قُبِلَ قولُ مُدَّعِي الإعارَةِ، وبعدَ مُضِيِّ مُدَّةِ قولِ الْمَالِكِ في ماضيها بأُجرةِ الْمِثْلِ، وإن قالَ: أَعَرْتَنِي أو قالَ: أَجَرْتَني.
قال: بل غَصَبْتَنِي.
أو قالَ: أَعَرْتُكَ.
قالَ: بل أَجَرْتَنِي والبهيمةُ تالفةٌ.
أو اخْتَلِفَا في ردٍّ فقولُ الْمَالِكِ.
﴿باب الغصب﴾
وهو الاستيلاءُ على حقِّ غيرِه قَهْرًا بغيرِ حقٍّ من عَقارٍ ومَنقولٍ، إن غَصَبَ كَلبًا يُقْتَنَى أو خَمْرَ ذِمِّيٍّ رَدَّهُما، ولا يَرُدُّ جِلْدَ مَيْتَةٍ، وإتلافُ الثلاثةِ هَدَرٌ.
وإن اسْتَوْلَى على حُرٍّ لم يَضْمَنْه، وإن اسْتَعْمَلَه كَرْهًا أو حَبَسَه فعليه أُجْرَتُه، ويجب ردُّ المغصوبِ بزِيادتِه وإن غَرِمَ أَضعافَه وإن بَنَى في الأرضِ أو غَرَسَ لَزِمَه الْقَلْعُ وأَرْشُ نَقْصِها وتَسويتِها والأُجرةُ، ولو غَصَبَ جارحًا ولو غَصَبَ جارحًا أو عَبْدًا أو فَرَسًا فحَصَّلَ بذلك صَيْدًا فلِمَالِكِه،
المؤجر صاحب الحراثة، أما أنا ما يلزمني؛ لأن المستأجر عليه أن يرفع يده فقط، والمصلحة للمؤجر هو الذي يأتي يأخذ ماله، فهذا الفرق بين المعارة والمستأجرة.
قال المؤلف: (ولا يعيرها) الضمير الفاعل (يعيرها) يعود على؟
طلبة: المستعير.
الشيخ: على المستعير؛ يعني: أن المستعير لا يجوز أن يعير العارية ولو لمن دونه في الضرر أو مثله، لماذا؟ لأن المستعير لا يملك النفع، وإنما يملك الانتفاع؛ لأن العارية إباحة النفع وليست تمليك النفع؛ فلهذا لا يجوز للمستعير أن يعير العين، فإن فعل فهو متعدٍّ وعليه الضمان، وكذلك لا يؤجرها، كيف ما يؤجرها؟ إي معلوم؛ لأنه لم يملك النفع، إنما أذن له في الانتفاع، وإذا لم يملك النفع فقد آجر ما ليس يملك، ولكن هذا القول مقيد بما إذا أذن المعير، فإن أذن المعير فلا بأس؛ يعني لو ذهب المستعير إلى المعير وقال: إن فلانًا طلب مني أن أعيره هذه العين، فقال: لا بأس، يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ لأن الحق لمالكها وقد أذن في إعارتها.
قال: (فإن تلفت عند الثاني استقرت عليه قيمتها، وعلى معيرها أجرتها) إذا أعارها المستعير وتلفت عند الثاني استقرت عليه قيمة العين على من؟ على الثاني، واستقر على المعير أجرة العين، وجه ذلك: لأن العين تشتمل على منفعة، المنفعة مضمونة على من؟ على المستعير الأول؛ لأنه هو الذي قد أذن له في إتلافها واستعمالها، فكانت أجرتها عليه.
أما العين فإن العين تلفت عند الثاني وهو المباشر للتلف، فتستقر عليه القيمة، سواء علم أم لم يعلم؛ يعني: سواء علم أن هذه العين معارة عند الشخص أو ظن أنها ملكه فإن قيمة العين تستقر عليه.
مثال ذلك: أعرتك كتابًا، ثم إنك أعرته آخر أنت أعرته بدون إذن مني فتلف الكتاب، من الذي يضمنه؟ أنت أعرته شخصًا فتلف الكتاب عند هذا الشخص قيمة الكتاب على من؟
طلبة: على الثاني.
الشيخ: تستقر على الثاني؛ لأن العين تلفت تحت يده فاستقر عليه ضمانها، المعير الأول عليه أجرة الكتاب من حين أعاره، إذا قُدِّر أن هذا الكتاب يؤجر باليوم بعشرة ريالات، وبعد أن استلمه المستعير الثاني بقي عنده عشرة أيام ثم تلف، كم يضمن المعير الأول؟ مئة ريال؛ لأنا قدَّرنا اليوم بعشرة، فيضمن مئة ريال.
وهل يمكن أن نضمن المستعير الثاني الأجرة ولَّا ما يمكن؟ نقول: يمكن أن نضمنه الأجرة وتستقر عليه إن كان عالمًا بالحال، إن كان يدري أن هذه العين معارة فإنه يستقر عليه الضمان، فتبين بهذا الآن أن ضمان العين يستقر على الثاني بكل حال؛ ضمان المنفعة يستقر عليه إن كان عالمًا بأن الأول ليس بمالك وإنما هو مستعير.
صاحب العين له أن يضمن من شاء؛ ولهذا قال المؤلف: (ويضمن أيهما شاء) له أن يضمن المعير قيمة العين وقيمة المنفعة، وأن يضمن المستعير الثاني قيمة العين وقيمة المنفعة.
نعيد المثال مرة ثانية: أعرت -مثلًا- ياسرًا كتابًا، وليكن كتاب المغني لابن قدامة في الفقه، ثم إن سامي طلب من ياسرٍ أن يعيره إياه فأعاره، هو كتاب ثمين، تلف عند سامي، أنا لي أن أُضَمِّن ياسرًا وأن أُضَمِّن سامي، أنا بالخيار، لكن الكلام على من يستقر عليه الضمان؟ نشوف.
لي أن أُضَمِّن ياسرًا وأن أُضَمِّن سامي، أنا بالخيار الآن، أضمن ياسرًا أقول: يالا أنت لما أعرته سامي صرت ويش نقول؟ متعدِّيًا، فعليك الآن ضمان الكتاب وضمان أجرته من حين أعرته إلى سامي، كذا ولَّا لا؟
الآن ضمنته الكتاب؛ قيمة الكتاب وأجرته، هل يرجع ياسر على سامي بشيء؟
طالب: يرجع.
الشيخ: يرجع عليه بقيمة الكتاب على كل حال.
وهل يرجع عليه بقيمة المنفعة في الأجرة؟ فيه تفصيل؛ إن كان سامي قد علم أن ياسرًا مستعير فعليه أيضًا ضمان الأجرة؛ لأنه علم أنه تلقاه من شخص لا يملك هذا، وإن كان لا يعلم -ظن أن الكتاب لياسر- فإنه لا يرجع ياسر عليه بالأجرة، كذا ولَّا لا؟ الآن ضمنت ياسرًا اللي أنا أعرفه، إن ضمنت سامي قلت: يالا عليك الكتاب وأجرة الكتاب، هل يرجع على ياسر بشيء؟ نقول: أما باعتبار قيمة الكتاب فإنه لا يرجع عليه بشيء؛ لأن قرار الضمان على من؟ على الثاني اللي هو سامي.
هذا بالنسبة لقيمة الكتاب.
وأما بالنسبة لأجرة الكتاب فإن كان سامي قد علم فإنه لا يرجع على ياسر، وإن لم يعلم رجع عليه؛ لأن ياسرًا قد غرَّه.
واضح أظن؟
طالب: الأجرة الآن لماذا؟
الشيخ: الأجرة من الانتفاع، هذا الانتفاع لا بد له مقابل.
طالب: الاستعارة (... )؟
الشيخ: لكن لما صار معتديًا فكل إنسان ينتفع بمال غيره بدون إذن شرعي أو إذن من المالك فعليه أجرته، كل من قبض -مر علينا هذا قبل مرات في الإجارة- كل من قبض شيئًا بغير حق فإن عليه ضمان أجرته إن كان مما يؤجر.
إذن يجب أن نعرف الفرق بين الضمان وبين قرار الضمان الذي يستقر عليه الضمان لا يرجع على أحد، والذي لا يستقر عليه الضمان إذا ضمن فإنه يرجع على من؟ على من يستقر عليه الضمان.
يقول المؤلف: (ولا يعيرها) الفاعل من؟
طلبة: المستعير.
الشيخ: المستعير، فإن فعل وأعارها وتلفت عند الثاني استقرت عليه قيمتها، وعلى معيرها أجرتها، قلنا -المسألة الأخيرة-: وعلى المعير أجرتها، تقيد بما إذا لم يكن الثاني عالمًا، فإن كان عالمًا استقر عليه ضمان العين وضمان الأجرة.
ثم قال المؤلف: (ويُضَمِّن أيهما شاء) يعني: في الصورتين يُضَمِّن من؟ يُضَمِّن المالك أيهما شاء؛ يعني: المستعير الأول أو المستعير الثاني، لكن إذا ضَمَّن واحدًا منهما هل يرجع على الثاني فيما ضمن؟ فيه تفصيل؛ إذا ضَمَّن الثاني قيمة العين فقط، أجيبوا.
طلبة: لم يرجع على الأول.
الشيخ: لم يرجع على الأول؛ لأن الضمان يستقر عليه.
إذا ضمنه المنفعة -يعني أجرة المنفعة- هذا فيه التفصيل؛ إن كان عالمًا لم يرجع على الأول، إن كان جاهلًا رجع عليه، وإن ضَمَّن الأول رجع على الثاني بقيمة العين ولا يرجع عليه بقيمة المنفعة إلا أن يكون عالمًا.
قال المؤلف رحمه الله: (وإن أركب منقطعًا للثواب لم يضمن) (إن أركب) أي إنسان، (منقطعًا للثواب لم يُضَمَّن) (منقطعًا) أيش منقطع؟ يعني عاجزًا عن السير، أنت الآن في سفر ومعك بعير، ووجدت شخصًا تعبان من السير فأركبته البعير للثواب، لا بأجرة لكن للثواب؛ تريد ثواب الله عز وجل، ركب البعير ثم عثرت البعير وانكسرت، فعليه الضمان؟ ليس عليه الضمان، لماذا؟ لأن يد صاحبها عليها، ما أعطاه إياها إعارة مطلقة، بل هي تمشي معه الآن، فيد صاحبها عليها فلا ضمان عليه.
فإن ضربها هذا الذي أُرْكِبَ للثواب، ضربها؛ صار يجلدها حتى تسير سيرًا شديدًا كأنما يسابق عليها، فعثرت وانكسرت، فعليه الضمان، ليش؟
طلبة: متعدٍّ.
الشيخ: عليه الضمان؛ لأنه متعدٍّ، وهذه إحدى المسائل الأربع التي لا تضمن فيها العارية.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإذا قال: آجرتك، قال: بل أعرتني، أو بالعكس) بأن قال: أعرتك قال: بل آجرتني، (عقب العقد قُبِلَ قَوْلُ مُدَّعي الإعارة، وبعد مُضِيِّ مُدَّةٍ لها أجرة قول المالك بأجرة المثل).
هذا تنازع بين المالك والقابض؛ المالك قال: آجرتك، وهذا قال: أعرتني، هذا الخلاف وقع بعد أن مضى ثلاثة أيام، المالك يقول: آجرتك، وهذا يقول: أعرتني، من الذي يُقْبَل قوله؟ يُقْبَل هنا قول المالك؛ لأن الأصل في القابض لملك غيره الضمان؛ لأن الأصل أن الإنسان لا يسلطك على ماله إلا بأيش؟ إلا بعوض، هذا الأصل، والتبرع أمر طارئ، فإذا قال: آجرتك، قال: بل أعرتني، ولا فيه شهود، إن كان فيه شهود فالأمر واضح، لكن إذا لم يكن فيه شهود فقول المالك هنا؛ لأنه مضى مدة لها أجرة.
ويحلف ولَّا ما يحلف؟ يحلف أنه أجرها، المستعير اللي يدعي الإعارة يحلف ولَّا ما يحلف؟ يحلف، ما عنده بينة، كلهم ما عندهم بينة يحلف، حينئذٍ نقول: ترد العين إلى صاحبها، وعليه -أي: على القابض للعين- أجرة المثل، ولَّا نلزم قابض العين؟ لا نلزمه بمدة الإجارة التي ادعاها صاحب العين؛ لأنه لم يثبت؛ لا بإقرار ولا ببينة، ولا نذهب منفعة العين هدرًا على مالكها لا نذهبها هدرًا، ولا نقبل قوله في مقدار الأجرة؛ لأنه مدعٍ ولا عنده بينة، فنرجع حينئذٍ إلى أجرة المثل.
واللهِ ما أدري نتكلم إحنا باللغة العربية، أنتم فاهمون المثال؟
أولًا: أعطى رجل شخصًا عينًا، وبعد مضي ثلاثة أيام ادعى صاحب العين المالك على الثاني أنه آجره إياها عشرة أيام كل يوم بدرهم، شوف الآن ويش تضمنت الدعوة هذه؟ تضمنت أن له أجرة، وأن مقدار الإجارة عشرة أيام، الثاني الذي بيده العين قال: أبدًا ما عقدت معك إجارة، وإنما أعطيتني إياها إعارة، فتضمن الآن دعوى هذا أنه لا يلزمه عشرة أيام، ولا يلزمه أجرة، طلبنا من كل مدعٍ منهما بينة قال: ما عندي بينة، نقول: إذن نرجع إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (1)، نقول: احلف أنت -اللي بيده العين- احلف أنك ما استأجرتها منه، قال: واللهِ ما آجرني وإنما أعارني، نقول لمدعي الإجارة: احلف أنك ما أعرته، فيقول: واللهِ ما أعرته وإنما آجرته.
ما عندنا الآن شهود، نقول: إذن نأخذ العين ونردها إلى صاحبها، كيف نردها إلى صاحبها؟ نعم، صاحبها الآن ما هو براضٍ أنها تبقى عند اللي بيده إلا بأجرة، وهذا ما هو براض أن تبقى بأجرة، لا طريق لنا إلى الخلاص إلا بردها إلى مالكها.
بقي علينا الأيام الثلاثة اللي مضت والتي حسب دعوى صاحب العين أنه يستحق فيها كم من درهم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة دراهم، والذي قبض العين ويش يدعي؟ أنه ليس له شيء؛ لأنها عارية، نقول: الآن ما نقبل قولك أنت يا صاحب العين بأنك تستحق ثلاثة دراهم، ولا نقبل قولك أنت القابض أنه ليس عليك شيء؛ لأن ما فيه شيء يرجح؛ لا قول المالك ولا قول القابض، ويش نرجع إليه؟ إلى أجرة المثل؛ لأن الأصل في القابض لملك غيره الضمان، والضمان الآن لم يثبت لشيء معين، فنرجع إلى قيمة المثل، وهي أجرة المثل في باب الإجارة؛ لأن الله تعالى ذكر في المرأة التي لم يُسَمَّ لها المهر أنها تمتع، وبينت السنة أن تمتيعها أن تُعْطَى مهر المثل، كما في حديث ابن مسعود (2).
وبناءً على ذلك نقول: لصاحب العين أجرة المثل، كم تؤجر هذه العين ثلاثة أيام؟ قال: واللهِ هذه تساوي كل يوم ثلث ريال، كم عليه؟ ريال واحد، وذاك يقول: أبغي ثلاثة، يقول: لا، ما كلها ريال؛ لأن هذا أجرة المثل.
لكن المشكل لو قالوا: إن هذا الكتاب يؤجر بستة، هل نعطيه الستة، ولَّا نقول: أنت الآن ما لك إلا ما ادعيت؟ نشوف، مشكلة؛ المذهب نعطيه الستة وإن كان لا يدعيها، والقول الثاني إنما نعطيه إلا ما ادعاه، إلا إذا قال: أنا آجرتك كل يوم بريال؛ لأنه بيأخذه عشرة أيام، ولو علمت أنه ما بآخذه إلا بثلاثة أيام كان ما آجرتها إلا بستة أو بعشرة، وهذا معقول ولَّا غير معقول؟
طلبة: معقول.
الشيخ: معقول، إذا قال هكذا نقول: إذن لك الستة.
والله أعلم.
إذا قال المالك: آجرتك، وقال: بل أعرتني، أو قال المالك: أعرتك، وقال: بل آجرتني، فهذا له حالان:
الحال الأولى: أن يكون عقب العقد؛ أي: قبل أن تمضي مدة لها أجرة؛ يعني مثلًا عقب ما تكلموا بربع ساعة، عقب ما أعطاه العين بربع ساعة اختلفوا هذا الاختلاف، فهذا القول قول من؟ يقول: (عقب العقد قُبِلَ قَوْل مُدَّعِي الإعارة)، إذا قبلنا قول مدعي الإعارة نقول للمالك: خذ مالك، ما فيه شيء، لا مضى مدة تستحق الأجرة، وأنتم اختلفتم الآن؛ هو يقول: آجرتني، وأنت تقول: أعرتك، أو بالعكس، خذ مالك؛ لأنه إن قال المالك: آجرتك وقال من بيده العين: بل أعرتني وأنكر الإجارة، ويش نقول؟ لا يلزم من بيده العين الإجارة ما تلزمه، إذن فهي عارية، نقول للمالك: خذ، ما دام ما هو بحاصل لك أجرة خذ مالك.
فإن قال المالك: ما دام الرجل يقول: إني معيره، وهو يمكن أنا نسيت وهو أضبط مني، خليها تبقى عنده إعارة لا بأس، ولَّا لا؟ لا بأس، ما فيه إشكال.
لو قال مثلًا: أعرتك، وقال من بيده العين: بل آجرتني، فالقول قول؟
طالب: (... ).
الشيخ: المالك، لا يا أخي، المالك يقول: أعرتك، واللي بيده العين يقول: بل آجرتني، هو المؤلف يقول: القول قول مدعي الإعارة في الصورتين، فهنا الذي ادعى الإعارة من؟
طلبة: المالك.
الشيخ: المالك، نقول: القول قوله، نقول: هي الآن معارة، وخذها إذا كان تبغيها، ولا نلزم من بيده أن تكون إجارة؛ لأننا لو قلنا: القول قوله لزمه الأجر، ولزمه عدم الضمان، أيضًا لم يلزمه الضمان؛ لأنها مستأجرة يقول وبعد مضي مدة (... ).
قول المالك بأجرة المثل إذا مضى مدة يُقْبَل، يقول المؤلف: (قول المالك) يعني: أعطيته هذه السيارة وبقيت عنده يومين وجيت لمه قلت: يالا أعطيني الأجرة، أنا مأجرك إياها كل يوم بعشرة، قال: أبدًا، أنت معيرني إياها، كم مضى عندنا الآن كم فيهما؟ عشرون ريالًا، المالك يقول: إنها بإجارة، فأعطني عشرين ريالًا، وهو يقول: بإعارة، فلا شيء لك، من يُقْبَل قوله؟
طلبة: قول المالك.
الشيخ: قول المالك، نقول الآن للذي بيده العين: سَلِّم عشرين ريالًا، لماذا نقبل قول المالك؟ قالوا: لأن الأصل في قابض مال غيره الضمان، وأن الإنسان لا يسلط أحدًا على ماله إلا بعوض، هذا هو الأصل، فما دام الأصل فيمن قبض مال غيره الضمان وأن المالك لن يسلط أحدًا على ماله إلا بعوض إذن فالقول قول المالك.
لكن لاحظ أنه يُقْبَل قول المالك هنا في شيء ولا يقبل في شيء؛ يُقْبَل بالنسبة للمدة الماضية، ولا يُقْبَل بالنسبة للمدة المستقبلة.
لو قال المالك في هذه الصورة: أنا معطيك إياها بأجرة لمدة أربعة أيام، وحصل الاختلاف بعد أن مضى يومان، نقبل قول المالك فيما مضى من المدة، ولا نقبله فيما يستقبل، لماذا؟ لأن خصمه ينكره؛ خصمه يقول: أبدًا، ما أخذتها بأجرة، أخذتها بإعارة، نقول: إذن لا نقبل قول المالك فيما بقي من المدة، ونقبله فيما مضى، ومع هذا نقبله فيما مضى لا على الوجه الذي ادعاه، ويش نقبله فيما مضى؟ بأجرة المثل لا بالأجرة التي ادعاها.
وبهذا نعرف أن الأحكام تتبعض، وهذه قاعدة فقهية: تبعض الأحكام؛ بمعنى إذا وجد ما يثبت أحدها من وجه دون الآخر حكمنا بالوجه الثابت وتركنا الوجه الذي لم يثبت، وهذه قاعدة مفيدة تنفعك في مسائل عديدة، تبعض الأحكام؛ يعني: إذا وجدت صورة تشتمل على حكمين؛ أحدهما وجد ما يقتضيه، والثاني لم يوجد، فهل تلغي ذلك الذي وجد ما يقتضيه تبعًا للثاني، أو تثبت الثاني تبعًا للأول، أو تعطي كل واحد حكمه؟
طلبة: الأخير.
الشيخ: الأخير، أنتم فاهمون المسألة الآن؟ إذا وجدت صورة تشتمل على حكمين وجد ما يثبت أحدهما دون الآخر، فهل نثبت الحكمين جميعًا، أو ننفيهما جميعًا، أو نثبت ما وجد مقتضيه وننفي ما لم يوجد مقتضيه؟
صورتنا هذه من تبعض الأحكام؛ هذا الرجل ادَّعى أنه آجره أربعة أيام، والثاني ينكر ويقول: إنه إعارة، وقد مضى نصف المدة، نقبل قول المالك من وجه ونرده من وجه؛ نقبله بأننا نضمن المستعير أجرة المثل؛ لوجود مقتضى الضمان وهو أن الأصل في قابض ملك غيره أيش؟
طلبة: الضمان.
الشيخ: الضمان، والأصل أيضًا أنه لا يسلط أحد أحدًا على ماله إلا بعوض فنقبل هذا، لكن لا نقبل ما ادعاه من الأجرة؛ لأن ذاك لم يقر بذلك، فنرجع إلى أجرة المثل، كذلك ما بقي من المدة نلزم المستعير بذلك الذي ادَّعى الإعارة ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه ما وجد مقتضيه؛ وهو الإقرار أو البينة.
ونظير ذلك أيضًا: رجل ادعى على شخص أنه سرق من بيته وأتى بشاهد رجل وامرأتين، هذه الصورة تضمنت حكمين؛ ضمان المال وقطع اليد سرقة، إذا ثبتت السرقة فإنه يترتب عليها حكمان؛ الحكم الأول: ضمان المال لصاحبه، والحكم الثاني: قطع اليد، هذا صاحب المال الذي ادعى أنه سُرِقَ أتى برجل وامرأتين، الحد لا يثبت برجل وامرأتين، وإنما يثبت بشهادة رجلين، والمال يثبت بشهادة رجل وامرأتين ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يثبت في هذه الحال، نقول: يضمن السارق المال ولا تقطع يده، شوف صورة واحدة تضمنت حكمين مختلفين؛ لوجود مقتضي أحدهما دون الآخر، فتتبعض الأحكام، وهذا له أمثلة كثيرة.
المبعض -كما يقول الفقهاء في باب الميراث- يرث بحسب حريته، ويمنع من الإرث بحسب رقه.
يقول المؤلف رحمه الله: (وإن قال: أعرتني، أو قال: أجرتني، قال: بل غصبتني) (إن قال: أعرتني) من القائل؟ الذي بيده العين، وهنا ما نقول: المستعير، ولا نقول: المستأجر، ولا نقول: الغاصب.
طالب: لأنه ما ثبت.
الشيخ: لأنه ما ثبت لا هذا ولا هذا، شوف قال: الأحسن نقول: الذي بيده العين، قال: أعرتني، فقال المالك: بل غصبتني، بينهم فرق أو لا؟ المستعير أخذه بإذن واستعمله بحق، والغاصب أخذه بغير إذن واستعمله بغير حق.
(أو قال: أجرتني) من اللي قال: أجرتني؟
طلبة: الذي بيده العين.
الشيخ: الذي بيده العين قال: أجرتني.
طالب: (... ).
الشيخ: (وإن قال: أعرتني أو قال: أجرتني، قال: بل غصبتني) قال: أجرتني -يقول من بيده العين- فقال المالك: بل غصبتني، بينهما فرق؛ المستأجر لا يضمن لصاحب المال إلا الأجرة إن أقر بعقد الإجارة، أو أجرة المثل إن لم يقر لكن العين يضمنها ولَّا لا؟
لا يضمنها الغاصب، يضمن العين، والمنفعة المالك، يقول: بل غصبتني، علشان يضمنه العين والمنفعة.
(أو قال: أعرتك) من القائل: أعرتك؟
طلبة: المالك.
الشيخ: المالك، ما هو الذي بيده العين، المالك (قال: أعرتك، قال: بل أجرتني، والبهيمة تالفة)، فالقول قول المالك، يقول المالك: أعرتك، وذاك يقول: أجرتني، فالقول قول المالك، السبب: لأن المالك إذا قال: أجرتك سوف يضمن له أيش؟ سوف يضمن له الأجرة.
وقول المؤلف: (والبهيمة تالفة) يعني: وكذلك لو كانت باقية، حتى لو ما هي باقية فالقول قول المالك؛ لأن الأصل في قابض ملك غيره الضمان، ما فائدته إذا قال: أعرتك وقال: بل أجرتني والبهيمة تالفة، أيهما أحظ للذي بيده العين الأجرة ولَّا الإعارة؟ الأجرة، السبب لأنه لا يضمن العين إذا كانت تالفة.
لكن قد يقول قائل: إذا قلنا بأن العارية لا تضمن إلا بالتعدية والتفريط.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، صار ادَّعاء الإجارة أغلظ عليه، وكذلك لو قلنا: إن الأجرة أكثر من قيمة العين، أحيانًا تكون الأجرة أكثر من قيمة العين فكذلك يكون الحظ للمالك.
(أو اختلفا في رد) ويش معنى (اختلفا في رد)؟ يعني: جاء المالك إلى المستعير وقال: أعطني عريتي اللي أعرتك، قال: ردها عليك، فالقول قول المالك؛ لأن الأصل عدم الرد، ولكن كل من قلنا: القول قوله في هذه المسألة فالمراد قوله بيمينه، فإن أتى المستعير ببينة على أنه ردها فالقول قول المستعير، لا لمجرد قوله، ولكن من أجل البينة، في باب الإجارة إذا اختلفا في الرد فالقول قول من؟
طالب: المستأجر.
الشيخ: المستأجر، الفرق بينهما يقولون: إن من قبض العين لمصلحته فالقول قول صاحب العين في الرد، وأما إذا قبضه لمصلحة مالكه أو لمصلحتهما فالقول قول القابض، والفرق بينهما ظاهر؛ لأن هذا لمصلحة نفسه، فكان عليه أن يأتي بالبينة أو أن يشهد بخلاف الآخر فهو لمصلحة مالكه، ويأتي -إن شاء الله- بقية بحث في هذه المسألة؛ لأن فيها ترجيح ومناقشة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنه إذا اختلف المالك ومن بيده العين؛ فقال الذي بيده العين: أعرتني، وقال المالك: غصبتني، فالقول قول من؟
طالب: قول المالك.
الشيخ: قول المالك.
لماذا؟
طالب: (... ).
الشيخ: لكنا ألزمنا المالك بما لم نتحقق أنه أذن فيه، أليس كذلك؟ المالك الآن يقول: أنا ما أعرتك ولا أجرتك، إذن ما أذنت لك بأن تنتفع بمالي، بل غصبتني.
إذا اختلفا في ردها (... ) لم يكن فيما له حظ حصد، إذا كان القبض في شيء له فيه حظ فإنه لا يُقْبَل قوله في الرد، والمسألة هذه لها ثلاث حالات؛ إما أن يكون لمصلحة المالك، أو لمصلحة القابض، أو لمصلحتهما جميعًا، لمصلحة المالك فقط كالوديعة، القابض فقط كالعارية، لهما جميعًا كالإجارة، فيُقْبَل قوله في الرد إذا كان لمصلحة المالك فقط، وإذا كان لمصلحته هو فقط فلا يُقْبَل، إذا كان لمصلحتهما جميعًا ففيه وجهان لأصحابنا، والمذهب أنه لا يُقْبَل.
[باب الغصب]
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الغصب)، الغصب مصدر: غَصَبَ يَغْصِبُ غَصْبًا؛ بمعنى: قهر، فالغصب في اللغة: القهر، لكن في الاصطلاح (هو الاستيلاء على حق غيره قهرًا بغير حق).
(الاستيلاء) يعني: أن يستولي الإنسان على حق غيره، سواء كان مالًا أو اختصاصًا.
(قهرًا بغير حق).
فقوله: (الاستيلاء على حق غيره) يشمل ما كان ملكًا أو اختصاصًا، فالملك كالدراهم والسيارات والكتب وغيرها والاختصاص كالشيء الذي لا يملك، لكن صاحبه أخص به؛ مثل: كلب الصيد، فإن كلب الصيد لا يُمْلَك؛ ولهذا لا يباع ولا يُشْتَرى، ولكن صاحبه أخص به، ومثل السرجين النجس، السماد النجس كروث الحمير -مثلًا- فإن صاحبه أحق به وليس بمال، ومثل الخمر بالنسبة للذمي فإنه أخص بها، ولكن هل هي مال أو ليست بمال؟ هي بالنسبة للمسلمين ليست بمال، وبالنسبة للذميين مال.
المهم أن الغصب هو الاستيلاء على حق الغير، سواء كان مالًا أو اختصاصًا.
(قهرًا) خرج به ما إذا استولى على مال الغير باختيار الغير فهذا لا يُسَمَّى غصبًا، لكن إن كان الغير مختارًا على سبيل الإكراه؛ يعني أنه ولاه على ملكه على سبيل الإكراه فإن هذا لا يُعَد إذنًا.
وأيضًا (قهرًا) خرج به ما لو استولى على ملك غيره أو على حق غيره خلسة أو سرقة أو ما أشبه ذلك فإن هذا لا يُعَد غصبًا اصطلاحًا، لماذا؟
طالب: ليس استيلاء.
الشيخ: لا، استيلاء.
طلبة: ليس قهرًا.
الشيخ: ليس قهرًا؛ يعني ما أمسك صاحبه غصبًا عليه وآخذه منه، لكن أتى في الليل وسرق نقول: هذا ليس بغصب.
وقوله: (بغير حق) خرج بذلك الاستيلاء بحق؛ كاستيلاء الحاكم على مال المفلس ليبيعه ويوفي الغرماء، واستيلاء ولي اليتيم على ماله فإن هذا بحق.
إذن تعريف الغصب: الاستيلاء على حق غيره، وهذا جنس، وقوله: (قهرًا بغير حق) هذا فصلٌ، فخرج بقوله: (قهرًا) ما أُخِذَ على سبيل السرقة ونحوها، و (بغير حق) ما أخذ بحق؛ ما كان الاستيلاء فيه بحق؛ كالاستيلاء على مال اليتيم، واستيلاء الحاكم على مال المفلس ليبيعه ويوفي الغرماء، وما أشبه ذلك.
حكم الغصب؟
الغصب محرم بالإجماع بدلالة الكتاب والسنة على ذلك؛ فقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: 42].
وفي السنة قال النبي عليه الصلاة والسلام في أكبر مجمع من أمته: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» (3)، وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقٍّ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (4).
والنظر يقتضي ذلك أيضًا؛ يقتضي تحريمه؛ لما في تحليله من انتهاك أموال المسلمين وإشاعة الشر والفساد بين الناس؛ لأن أي واحد بيتسلط عليك بيأخذ ملكك فإنه لا يمكن أن تمكنه من هذا، وحينئذٍ يحصل القتال والعداوة والبغضاء.
قال: (من عقار ومنقول) (من عقار) هذه بيان لقوله: (على حق غيره) يعني: سواء كان هذا الحق عقارًا أو منقولًا، العقار مثل: البساتين والأراضي والدور، هذه العقار، المنقول: ما ينقل ويتحول عن مكانه؛ مثل: الدراهم والثياب والأقمشة والسيارات وغيرها، فما كان ثابتًا لا ينتقل من الأراضي والدور والمزارع وشبهها فهو عقار، وما كان ينقل ويتحرك ويتحول فهو منقول.
وأشار المؤلف بقوله: (منقول) إلى رد قول من يقول: إن الغصب خاص بالعقارات، فإن الصواب أنه يكون في العقار ويكون في المنقول، كيف المنقول؟ تأتي إلى شخص معه كتابه وهو يراجع الكتاب وتأخذه منه قهرًا، نقول: هذا غصب.
ثم قال المؤلف: (وإن غصب كلبًا يُقْتَنى أو خمرَ ذِمِّيٍّ ردهما، ولا يرد جلد ميتة، وإتلاف الثلاثة هدر) هذه ثلاثة أشياء، (إذا غصب كلبًا يُقْتَنى) يعني: يحل اقتناؤه، والكلب الذي يحل اقتناؤه هو كلب الصيد والحرث والماشية، وما عداها فإن اقتناءه حرام.
ولكن ما تقولون في الكلب الذي يحرس الإنسان؟
نقول: إن الذي يحرس الإنسان يجوز اقتناؤه؛ لأنه إذا كان اقتناء الكلب لحراسة الماشية جائزًا فحراسة بني آدم أولى وأحرى، كذلك إذا كان اقتناء الكلب للصيد، والصيد ليس أمرًا ضروريًّا؛ لأن بإمكان الإنسان أن يعيش بدون؟
طالب: صيد.
الشيخ: بدون صيد، فإن اقتناءه للأمور الضرورية من باب أولى.
وأما اقتناء الكلب تشبهًا بالكفار وتفاخرًا به فإن هذا بلا شك حرام، وينقص من أجر الإنسان كل يوم قيراط أو قيراطان (5)، مع ما في ذلك من إثم التشبه وتقليد الكفار، مع في ذلك من الدناءة؛ لأن الكلب أخبث الحيوانات من حيث النجاسة، فإن نجاسته لا تطهر إلا بسبع غسلات إحداها بالتراب، ولا يوجد نجاسة أغلظ من نجاسة الكلب مع ما في ذلك من إلف الإنسان للأشياء الخبيثة، وقد قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: 26].
فالمهم أن ما نسمع عن بعض التالفين المترفين من اقتناء الكلاب تشبهًا بأعداء الله لا شك أنه ضلال وخطأ وسفه في العقل ونقص في الدين ودناءة في النفس، كأن هؤلاء القوم الذين سبقونا بالصنائع والقوة كأنهم ما سبقونا إلا لأنهم يقتنون الكلاب، وهذا لا شك أنه من ضعف الإنسان في الواقع، وأسمع أن بعض الكلاب هذه تساوي أموالًا كثيرة؛ يعني: يشترون إلى عشرة آلاف ريال الكلب الواحد.
طالب: رخيص بعشرة آلاف.
الشيخ: هذا اللي سمعت يصل إلى عشرة آلاف، والأخ يقول: إنها رخيصة بعشرة؛ يعني تبلغ أكثر من هذا؟
طالب: البوليسي.
الشيخ: لا، دعنا من البوليسي، البوليسي قد يكون فيه مصلحة ويكون اقتناؤه حلالًا، والبوليسي أيضًا ما هو بيحظى الإنسان يستصحبه معه، نسمع بعضهم يستصحبه معه في السيارة، يحطه على المرتبة، ويقعد هو ورا، ونسمع أيضًا أنهم يغسلونه بالصابون والشامبو، هذا اللي لو غسل بماء البحر كله -والبحر يمده من بعده سبعة أبحر- ما يطهر أبدًا؛ لأن نجاسته عينية، والنجاسة العينية لا يمكن أن تطهر إلا بطحنها وإتلافها.
واختلف العلماء فيما لو أحرقها حتى صارت رمادًا هل الرماد هذا نجس ولًّا طاهر؟ إحنا نقول: إذا بغيت تطهر كلبك أحرقه حتى يكون رمادًا وبعدين ننظر عاد هل يطهر بالاستحالة أو لا يطهر؟ نفتيك عاد هل هذا الرماد نجس ولًّا طاهر؟ !
على كل حال إن الكلب الذي يُقْتَنى إذا غصبه الإنسان فإنه يجب عليه رده، وهذا من المال ولَّا من الاختصاص؟
طالب: الاختصاص.
الشيخ: هذا من الاختصاص؛ لأن الكلب لا يجوز بيعه ولا شراؤه، وإنما صاحبه أحق به من غيره فهو مختص به.
كذلك إذا غصب خمر ذمي، الذمي هو: الذي أقام بدار الإسلام مؤمنًا وآمنًا على نفسه وماله وأهله ويُعْطِي الجزية، وهو عندنا معشر المسلمين حرام وليس بمال، ويجب إراقته وإتلافه، فإذا وجد إنسان عند ذمي خمرًا وغصبه فإن الواجب عليه رده.
فإذا قال قائل: كيف أرده؟ أعينه على المحرم؟
قلنا: هو في دينه حلال؛ يعني: في رأيه أنه حلال، وماله عندنا محترم، فالواجب الوفاء له بالعهد، وأن يرد إليه ماله، وهذا متى؟ إذا كان هذا الذمي قد تستر بها، أما إذا أعلنها وخرج إلينا معه الكأس في السوق يشرب الخمر فإننا لا نردها عليه إذا أخذناها منه، بل يجب علينا أن نأخذها ونتلفها أمامه؛ لأنه لا يجوز للذمي أن يعلن ما كان محرمًا على المسلمين في بلاد المسلمين؛ ولهذا يُمْنَع من تعليق الصليب ولو على سيارته، ويُمْنَع أيضًا من الناقوس؛ ضرب الناقوس، ويُمْنَع من إظهار الخمر، ومن كل شيء حرام عندنا في الإسلام يمنع الذمي من إظهاره، والمعاهد كذلك أيضًا، بل من باب أولى أنه يمنع من إظهار الأشياء المحرمة عند المسلمين.
طالب: يقولون: الكلب البوليسي يعرف الحرامي.
الشيخ: يعرف أيش؟
طالب: يعرف الحرامي، إذا حرامي سرقت.
الشيخ: إذا حرامي سرقت؟
الطالب: إذا سرق الحرامي، هل نأخذ بقول الكلب؟ يقولون: الكلب يعرف الحرامي؟
الشيخ: يقول: إن فلانًا هو السارق؟ !
الطالب: يجي يمسك بسنونه كده.
طالب آخر: آه صحيح.
الشيخ: صحيح؟
طالب: (... ) السراق مجموعة متهمين.
الشيخ: إي، هذا إذن فيه مصلحة.
طالب: (... ) هو السارق.
الشيخ: شوف إن تكلم وقال: فلان هو السارق أخذنا بقوله، هو ما يتكلم، مثلما قلت: إنه يأخذ بأسنانه، لكن اعتمادًا على الرائحة، ولَّا هو ما يعلم الغيب، هذه الرائحة ربما يمر إنسان بريء من عند المكان ويلمس -مثلًا- هذا الباب أو ما أشبه ذلك، ثم يمسك به الكلب، مشكلة هذه.
طالب: هي قرينة.
الشيخ: إذن هي قرينة، ما هي حكم، تعتبر قرينة لا حكمًا، لكن فيه كلاب..، أنا سمعت أن فيه كلابًا تشم -مثلًا- إذا جيء بشنطة فيها متفجرات -مثلا- تشم الرائحة هذه؛ يعني: يعودونه يجيبون له متفجرات وأشياء تستعمل للتهريب ويخلونها تشمها، يعودونها على هذا، فإذا شمت هذا الشيء في الحقيبة مسكت الحقيبة؛ يعني كالمغناطيس، وهو مستعمل هذا، هذا أيضًا لا بأس به؛ لأن ما فيه شيء، غاية ما فيه أن نقول لصاحب الحقيبة -مثلًا-: افتح الحقيبة.
طالب: إذا كان فيه مسألة اجتهادية (... ) شيخ يرى جائز، وواحد ثانٍ يرى (... ) غير جائز (... ) أخذ هذا وقال (... ) هذا غير جائز، ما أنا معطيك إياه، مع أن الأول يراه جائزًا؟
الشيخ: ما فيه بأس، ما فيه مانع؛ يعني مثلًا أنا أرى أن هذا الشيء حرام، وهو عندي -مثلًا- أو حصل عندي، وواحد آخر يرى أنه حلال، أعطيه إياه، ما فيه مانع، إي نعم.
طالب: في مسألة (... ) شيخ الإسلام ذكر (... ) تحسب (... ) طلقة ويؤمر بالمراجعة، (... ) هذا معنى غائب في الشرع ويحسب عليه ويؤمر (... )، مثل الحج إن أفسده يجب إتمامه وعليه أيضًا.. ؟
الشيخ: الحج فعل مأمور -بارك الله فيك- نستفيد من إعادته، الحج هو مأمور به، هذا أفسد المأمور يجب عليه أن يأتي بالمأمور على وجه صحيح، أما هذا ففعل محظور ما ترتفع المفسدة بإعادته.
طالب: لكن يلزمه الإتمام مثل (... )؟
الشيخ: لا، أبدًا، إلزامه بالإتمام هنا لأن الأصل فيمن التزم بالشيء أن يتمه، خاصة في الحج؛ لأنه يشبه الجهاد، فهنا ألزمناه بإتمامه ما هو لأنه نافذ وواقع.
يقول المؤلف: (ولا يرد جلد ميتة) يعني: لو غصب الإنسان جلد ميتة فإنه لا يجب عليه رده، لماذا؟ لأن جلد الميتة نجس؛ لدخوله في عموم الميتة، وقد قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145]، فيكون داخلًا في عموم الميتة فلا يجب رده.
وقال بعض العلماء: يجب رده إذا دبغ، وقال بعض العلماء: يجب رده مطلقًا، وهذا القول الأخير هو الصواب؛ أنه يجب رد جلد الميتة إذا كان صاحبه قد تملكه، أما إذا كان قد رمى بالميتة وجاء شخص فسلخ جلدها وأخذه، فهذا لا يجب عليه رده؛ لأن رميها يدل على أن صاحبها لا يريده، لكن إذا كان صاحبها قد سلخ الجلد وأبقى عنده جلودًا من الميتات كثيرة بحيث يكون هذا الراعي -مثلًا- أو المالك كثر عنده الموت في ماشيته، فصار كلما ماتت شاة سلخها واحتفظ بجلدها، فهنا نقول: يجب عليه أن يرده، سواء كان ذلك قبل الدبغ أو بعد الدبغ.
فإذا قال قائل: كيف يرده وهو نجس؟
قلنا: نعم؛ لأن الله تعالى إنما حرم من الميتة أكلها؛ لقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: 145]، ما قال: على مستعمل يستعمله، قال: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ فالمحرَّم ما هو بالجلد، استعمال الجلد المحرم الأكل.
ثانيًا: أن جلد الميتة يمكن الانتفاع به إذا دُبِغَ، كيف يدبغ؟ إذا دبغ فإنه يطهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مَرَّ بشاة يجرونها وهي ميتة، قال: «هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا»، قالوا: إنها ميتة، قال: «يَطَهِّرُهُ الْمَاءُ وَالْقَرَظُ» (6) يعني: الدباغ، وإذا طهر جلد الميتة بالدباغ صار صالحًا للاستعمال في كل شيء؛ في المائعات والجامدات، يمكن أن يجعل سقاء للماء أو للبن، ويمكن أن يجعل حذاء، ويمكن أن يجعل خفًّا.
فالمهم أنه بعد الدبغ يكون طاهرًا تمامًا كجلد المذكاة.
فالصواب إذن:
أولًا: لا يجوز له غصب جلود الميتة.
ثانيًا: إذا غصبه وجب عليه أن يرده؛ لما ذكرنا.
وأما قول المؤلف رحمه الله: إنه لا يرد جلد الميتة ويرد خمر الذمي والكلب الذي يُقْتَنى فهذا عجيب منه رحمه الله؛ لأن الكلب الذي يُقْتَنى لا يمكن الانتفاع به على سبيل الإطلاق، إنما يُنْتَفع به في نطاق ضيق، وخمر الذمي أيضًا لا يمكن لكل أحد أن يشربها، إنما يشربها من؟ الذمي.
جلد الميتة إذا قلنا على المذهب: إنه إذا دبغ لا ينتفع به إلا في اليابسات ففيه نفع، فكان الواجب أن يقال برده، مع أن الصحيح أنه إذا دبغ طهر، ينتفع به في كل شيء.
قال المؤلف: (وإتلاف الثلاثة هدر) لماذا؟ لأنه ليس لها قيمة شرعًا، فإذا أتلف الكلب -كلب الصيد- فهو هدر، كلب الماشية هدر، كلب الحرث هدر، كلب حراسة البيوت في المواضع التي يحتاج فيها إلى حراسة يعتبر هدرًا، ومعنى قولنا: هدر؛ أنه لا يضمنها بالقيمة، ولكن لولي الأمر أن يعذره على عدوانه إذا كان معتديًا؛ مثل أن يتعمد أن يقتل هذا الكلب، أو يتعمد أن يريق خمر الذمي، أو يتعمد أن يغصب جلد الميتة ويتلفه، فلولي الأمر أن يعاقبه على ذلك، وبالنسبة للكلب والخمر الأمر فيهما واضح؛ أنه ليس لهما قيمة شرعًا؛ ولهذا حرَّم الله عز وجل بيع الخمر وبيع الميتة والخنزير، وحرَّم النبي صلى الله عليه وسلم بيع الكلب؛ نهى عن ثمنه (7)، فليس له قيمة شرعًا.
بالنسبة لجلد الميتة؛ إن كان قد دبغ فإن بيعه يجوز، وحينئذٍ يضمن متلفه بالقيمة أو بالمثل إن وُجِدَ له مثل؛ لأنه بعد الدبغ يكون طاهرًا، وإذا كان طاهرًا صار عينًا ينتفع بها في كل شيء، فيجوز بيعها، وحينئذٍ نقول: إذا أتلفه بعد الدبغ ضمنه بمثله إن أمكن، وإلا فبقيمته، أما إذا كان قبل الدبغ فإنه محل نظر، قد نقول بأنه يضمنه؛ لأنه إذا كان مما يمكن تطهيره فهو كالثوب النجس، والثوب النجس يجوز بيعه ولَّا لا؟ يجوز بيعه، وقد نقول: إنه لا يضمنه؛ لأنه إلى الآن لم يكن مما يباح استعماله، وصاحبه قد يدبغه وقد لا يدبغه.
فالمسألة هذه تحتاج إلى نظر وإلى تأمل، فإذا نظرنا إلى أن هذا عين يمكن تطهيرها قلنا: إنه يضمنه؛ كالثوب النجس إذا أتلفه فإنه يضمنه، وإذا نظرنا إلى أنه جزء من الميتة وأنه حتى الآن لم يصل إلى درجة الطهارة والإباحة قلنا: إنه لا يضمنه، فيرجع في هذا إلى نظر القاضي الذي يحكم في القضية.
قال: (وإن استولى على حُرٍّ لم يضمنه) إن استولى على حر فإنه لا يضمنه؛ مثل وَجَدَ صبيًّا يمشي في السوق أخذه وقال: تعال، أنا أبوك، أو أنا أخوك، اقعد عندي، وأغراه، صار مرة يخرج به للملاهي، ومرة يطلع يتمشى بالسيارة، ومرة يشتري له أشياء تفرحه حتى نسي أهله، هذا الصبي استولى عليه، بقي عنده سنوات أو سنين، يقول المؤلف: إنه لا يضمنه، لو مات هذا الصبي ما يضمنه، بل لو استولى على كبير، ويمكن يستولي على كبير ولَّا ما يمكن؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن يستولي على كبير ولو غير مجنون، يصير عنده قوة يقول: ما يمكن تطلع من هذا البيت، يمكن يستولي عليه فإنه لا يضمنه لو مات، وإن استولى على عبد يضمنه إذا مات أو انكسر أو أتاه شيء من النقص.
قالوا: والفرق بينهما أن العبد مال يُمْلَك ويُبَاع ويُشْتَرى، فالاستيلاء عليه استيلاء حقيقي وحكمي، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: أخذ عبد فلان وقال: تعال يلَّا أنت عبدي، واستولى عليه، سواء لبَّس عليه بأن قال: أنت عبدي اشتريتك من سيدك، أو لم يلبِّس.
المهم أن الاستيلاء على العبد يوجب الضمان.
ووجه ذلك: أنه مال يُبَاع ويُشْتَرى ويُمْلَك فصح الاستيلاء عليه حقيقة وحكمًا، أما خالد فيقول: إن الحرَّ لا يُسْتَولى عليه؛ لأنه لا يُبَاع ولا يُشْتَرى ولا يُمْلَك، فالاستيلاء عليه استيلاء صوري، لكن سيأتينا في باب الديات -ومر علينا أيضًا- أنه لو غصب حُرًّا صغيرًا فأصابته صاعقة فإنه يضمنه، وأنه إذا مات بمرض ففي ضمانه قولان، ذكروه هناك، وهذا يقتضي أن اليد تستولي على الحر الصغير؛ لأنه لا يملك الدفاع عن نفسه بخلاف الكبير، وهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال في مذهب الإمام أحمد:
القول الأول: أن الحر لا يستولى عليه أبدًا، وحينئذٍ لا يضمن، وهذا هو المذهب.
والثاني: أن الحر يمكن الاستيلاء عليه، وإذا استولى عليه فهو ضامن لعينه ولمنفعته.
القول الثالث: الفرق بين الصغير والكبير؛ فإذا استولى على الصغير فهو ضامن؛ لأن الصغير لا يمكنه الدفاع عن نفسه، وإن استولى على كبير فإنه لا يضمن؛ لأن الكبير يمكن أن يدافع عن نفسه ويتخلص.
نقرر ما قال المؤلف وإن كان ضعيفا، لكن لا بد أن نقرره، يقول: (وإن استعمله كرهًا أو حبسه فعليه أجرته)، هناك فرق بين الاستيلاء وبين الاستعمال (إذا استعمله كرهًا)
بأن قال: تعال، يلَّا احرث هذه الأرض، فقال له: نعم أحرثها، لكن بأجرة، كم تعطيني في اليوم؟ قال: احرثها غصبًا مجانًا، فحرثها تحت التهديد، يقول المؤلف: إن عليه أجرته؛ لأنه استوفى منه منفعة تلفت لمصلحته، فوجب عليه ضمان هذه المنفعة، وقيمة المنفعة الأجرة، فنقول: يجب عليك أجرة هذا الرجل مدة استعمالك إياه.
قال: (أو حبسه) ما استعمله، لكن يمسكه ويحبسه ليومين ثلاثة وقال: لا تشتغل، فعليه الأجرة.
وظاهر كلام المؤلف في مسألة الحبس أن عليه الأجرة مطلقًا، سواء كان هذا الحر عاطلًا أو عاملًا، وفي المسألة نظر إذا كان عاطلًا؛ لأنه إذا حبسه وهو عاطل ما له شغل، ليس له شغل إلا الجلوس على العتب، فهل هذا الرجل الذي حبسه فَوَّت عليه شيئًا؟ لا، ما فوت عليه شيئًا، أو ربما يحبسه وهو شيخ كبير أعمى زمن ما يعمل، هل عليه أجرته؟
طلبة: لا.
الشيخ: أجرته، حتى لو أطلقه ما هو عامل، فالصواب أن قوله في الحبس: إن عليه أجرته ينبغي أن يقيد بما إذا كان مثل هذا الرجل يعمل، أما إذا كان غير عامل فإنه لم يعطل عليه شيئًا، حتى لو أطلقته ما هو براح يعمل، بل ربما لو أطلقته لذهب يتسكع في الأسواق ويؤذي الناس، ممكن هذا؟ ممكن، يمكن هذا، ومع ذلك يقول: عليه أجرته.
أما إذا استعمله كرهًا فلا شك أن عليه الأجرة؛ لأنها في مقابلة العمل.
قال: (ويلزم رد المغصوب بزيادته وإن غرم أضعافه) (يلزم رد المغصوب) يلزم من؟ الغاصب يلزمه رد المغصوب بزيادته، سواء كانت الزيادة متصلة أو منفصلة.
مثال الزيادة المتصلة: غصب عناقًا صغيرة؛ شاة، ثم كبرت وسمنت، فيجب عليه أن يردها بزيادتها، وهذه الزيادة متصلة، غصب شاة حاملًا فولدت عنده عدة أولاد، يجب عليه أن يردها بزيادتها، والزيادة هنا منفصلة، اللبن الذي كان يشربه أو يبيعه يضمنه ولَّا لا؟
طلبة: يضمنه.
الشيخ: وهو زيادة منفصلة، فيلزمه رده بزيادته المتصلة والمنفصلة.
يلزمه نقصه ولَّا لا؟ نعم، يلزمه نقصه، لو أن هذه البهيمة هزلت وقَلَّ لحمها وجب عليه أرشها، فيضمن النقص.
فالغاصب إذن ضامن للمنفعة؛ وهي الزيادة يردها بزيادتها، ولا يقول: الزيادة لي أنا؛ لأنها زادت عندي، نقول: لا، أنت ظالم، «وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (8)، ويلزمه ضمان النقص.
قال: (ولو غرم أضعافه) أي: أضعاف المغصوب؛ يعني: لو كان لا يمكنه رده إلا يخسر قدر قيمته عشر مرات، نقول: يلزمه رده ولو غرم أضعافه، فلو غصب رزًّا؛ ثلاثة أصواع من الرز وخلطها في ثلاثين صاع من البر، يلزمه أن يرد ثلاثة أصواع من الرز على صاحبها، قال: أنا متى أخلص ثلاثة أصواع من ثلاثين صاعًا، كيف؟ قال: لو جبت واحدًا خليته يلقط حبات الرز من ثلاثين صاعًا يبغي يقعد ثلاثة أيام، ثلاثة أيام كل يوم (... )، وثلاثة أصواع الرز كم من ريال؟ تسعة ريالات، معناها بخسر الآن ثلاث مئة ريال، أنا بعطيك بدل ثلاثة أصواع بعطيك ثلاثين صاعًا، قال: لا، ما أبغي إلا الرز اللي أنت غصبته، يلزم بهذا ولَّا لا؟
طلبة: يلزم.
الشيخ: يلزم؛ ولهذا قال: (ولو غرم أضعافه).
كذلك لو غصب مني آلة؛ آلة سيارة -مثلًا- وربطها في ماكينة سيارة، وكان ربطها قد أكل عليه شيئًا كثيرًا، وفكها أيضًا يستوعب دراهم كثيرة، وقال: أنا أعطيك نظيرها من السوق جديدة أحسن منها، أقول: لا، أنا لا أريد إلا عين مالي، يلزم بذلك ولو غرم أضعافه؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ»، ولأن هذا عين مالي، فيجب أن يسلمه لي، فالمؤلف يقول: (يلزم رد المغصوب بزيادته وإن غرم أضعافه).
غصب مني -مثلًا- راديو وسافر به إلى أمريكا، ثم رجع وقلت: أعطني الراديو اللي غصبته مني، قال: واللهِ الراديو بأمريكا؛ نسيه ولَّا خلاه عمدًا، أقول له: لازم تجيبه لي بعينه، قال: هذا يأكل عليَّ شيء كثير، أقول: نعم، ولو أكل، حتى لو لزم أنك أنت تروح أمريكا وتجيبه، نعم إذا قال: بأعطيك أحسن منه في السوق، أقول: لا، ما دام يمكن الوصول إليه، أما لو تلف فنعم يضمنه لي بالمثل.
وأما إذا كان باقيًا فإنه يلزمه ولو غرم أضعافه؛ ولهذا قال المؤلف في الشرح: ولو غرم أضعافه؛ لكونه بُنِيَ عليه أو بعد ونحوه، حتى لو بُنِي عليه، غصب مني -مثلًا- حجرًا وحطه في أثاث البيت، البيت الآن قائم عليه، فجئت أطلبه هذا الحجر، قال: واللهِ الآن بنيت عليه، عليه عمود لو بأنقض العمود الآن يمكن يطيح البيت كله، ويش أقول له؟ أقول: نعم، ما علينا منك، أنا أريد أن تعطيني مالي حتى وإن خسرت أضعافه.
وهذا يدل على عظم الغصب، وأنه ليس بالأمر الهين، كما قال المؤلف، والمسألة فيها خلاف؛ فإن بعض أهل العلم إذا كان الضرر كثيرًا وليس لصاحبه غرض صحيح بعينه فإنه يُعْطَى مثله أو قيمته، خصوصًا إذا علمنا بأن قصد المالك المضارة بالغاصب.
وهذا القول له وجه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (9)، ويقول: «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ» (10). لكن لو كان هذا التضمين سبيلًا إلى تقليل الغصب والعدوان على الناس لكان القول بالمذهب أقوى من القول الثاني.
فإذن نقول -على القول الراجح-: الأصل أنه إذا كان يلزم على رده بعينه يلزم غرم كثير، وليس لصاحبه -أي: للمالك- غرض صحيح بعينه فإنه يضمن له بالمثل إن كان مثليًّا، وبالقيمة إن كان متقومًا، إلا إذا كان رد عين المغصوب مع الغرم الكثير يقتضي كف الناس عن الغصب والعدوان فهنا يتوجه القول بما قاله المؤلف رحمه الله (... ).
هذه المسألة؛ لو استأجرت شخصًا حرًّا فهل لي أن أوجره أو لا؟ هنا عندي عامل..، استأجرت عاملًا يعمل عندي بالشهر بمئة ريال، فهل لي أن أؤجره شخصًا آخر ولَّا لا؟ المذهب: لا؛ لأن اليد لا تثبت على الحر، لكن هو اللي يؤجر نفسه إذا شاء أن يؤجر.
ولو استأجرت عبدًا لمدة شهر فهل لي أن أوجره؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن العبد تثبت عليه اليد، كما لو استأجرت بعيرًا فلي أن أؤجره من يقوم مقامي لا بأكثر مني ضررًا.
ويرى بعض العلماء -في مسألة الاستئجار- أنه يجوز أن يؤجر هذا العامل؛ لأن المنفعة له، فجاز أن يأخذها هو هذه المنفعة بنفسه أو بوكيله.
وعمل الناس اليوم على أي القولين، أو نسأل أصحاب مكاتب الاستقدام الثاني ولَّا الأول؟
طالب: الأول.
الشيخ: الظاهر: الثاني؛ لأنهم يؤجرون العامل؛ يعني: يكون عنده عامل يؤجره لواحد يشتغل عنده يومًا، يومين، ثلاثة، سواء رضي العامل ولَّا ما رضي؛ لأن المنفعة له فجاز أن يستوفيها بنفسه وبوكيله.
رجل (... ).
قال المؤلف رحمه الله: (وإن بنى في الأرض أو غرس) (بنى) الفاعل يعود على الغاصب؛ يعني: غصب أرضًا فبنى فيها أو غرس، البنيان معروف، والغرس بأن يغرس نخلًا أو عنبًا أو تينًا أو غير ذلك من الأشجار، انظر ماذا يترتب عليه: (لزمه القلع) هذا واحد، (وأرش نقصها، وتسويتها، والأجرة) كم هذه؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: بل نزيد خامسًا: الإثم؛ يعني يترتب عليه خمسة أشياء: الإثم، ووجوب القلع، وجوب تسوية الأرض، والرابع أرش نقصها، والخامس الأجرة؛ أجرة الأرض مدة بقاءها تحت يده.
مثال ذلك: رجل غصب أرضًا وغرس بها نخلًا، وشب النخل وصار طول النخلة مترين، وصارت تثمر، فطالبه المالك بأرضه، ماذا يلزمه؟ يلزمه أن يقلع النخل، إذا قال: اقلع النخل، يلزمه القلع الأرض سوف تنقص؛ لأن عروق النخل تدخل فيها وتفسدها، يلزمها نقص الأرض ولَّا لا؟ ثالثًا: الأرض سوف تحفر لقلع هذه النخل، يلزمه التسوية.
رابعًا: الأرض مدة بقاءها لستِّ سنين أو سبع سنين تؤجر كل سنة -مثلًا- بعشرة آلاف، يلزم الغاصب إذا كان سبع سنين يلزمه سبعون ألفًا، وإذا كانت الأجرة أكثر فأكثر، صار هذا الغاصب يترتب على غصبه الأرض إذا غرس أو بنى فيها خمسة أشياء؛ الإثم، ويش بعد؟
طلبة: القلع.
الشيخ: قلع الغراس والبناء، أرش النقص، تسوية الأرض، أجرتها مدة استيلائه عليها.
الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (11).
فإذا قال الغاصب: أنا إذا قلعت الشجر هلك ومات، فخسرت، فأنا أطلب أن يبقى؛ نخليه وتقدر قيمته ويعطيني إياها مالك الأرض، فهل يلزم مالك الأرض ذلك؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه ونخلص ملكي من ملكك وأنت المعتدي الظالم، و «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ».
إن كان الأمر بالعكس؛ أي: أن صاحب الأرض طلب من الغاصب أن يبقى الشجر وتقدر له القيمة، فهل يجبر الغاصب على ذلك أو لا؟
نقول: إن كان له غرض صحيح بقلعه فإنه لا يجبر، إذا قال: أنا بأقلع النخل هذا وبغرسه بأرضي فإنه لا يجبر، أما إذا لم يكن له غرض صحيح وعلمنا أنه سيقلع هذا الغرس ويرميه في الأرض ييبس ويتلف فإننا لا نوافقه على امتناعه، لماذا؟
أولًا: لأن هذا من باب إضاعة المال والفساد، والله عز وجل لا يحب الفساد، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن إضاعة المال (12).
ثانيًا: أننا نقول: إن صاحب الأرض لو غرس هذه الأرض في الوقت الذي غرست فيه شجرك لكان شجره كشجرك اليوم، فهو يقول: هذه المنفعة التي فوتها عليَّ، أنا أريد أن أنتفع بها؛ أستغلها، فله حق وله شبهة، ثم إن الغاصب يتضرر بذلك ولَّا ينتفع؟
طلبة: ينتفع.
الشيخ: ينتفع، ويش بيجيه؟ سيأتيه قيمة الشجر، وكيف نقوم الشجر؟ نقوم الشجر فنقول: كم قيمة الأرض لو كانت خالية منه؟ قالوا: قيمتها مئة ألف، كم قيمتها إذا كانت مغروسة به؟ قالوا: قيمتها مئة وعشرين ألف، كم قيمة الشجر الآن؟
طلبة: عشرون ألفًا.
الشيخ: عشرون ألفًا، هكذا التقويم، فعرفنا الآن ماذا يترتب على الغاصب إذا غرس أو بنى؟ يترتب عليه خمسة أشياء، ما هي (... )؟
أوردنا على هذا سؤالان؛ السؤال الأول: لو طالب الغاصب أن تبقى الأشجار وتقدر له القيمة هل يلزم رب الأرض ذلك؟
طالب: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه.
لو طالب رب الأرض أن يبقي الغراس ويدفع القيمة ففيه تفصيل؛ إن كان للغاصب غرض صحيح بقلعه فإنه لا يجبر على إبقائه، كيف الغرض الصحيح؟ يقول: أنا بأقلع هذه النخل وأغرسها في أرضي، عند أرض بياض ما فيها نخل أبغي أقلعه وأغرسها في الأرض، ويمكن هذا ولَّا ما يمكن؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: الآن فيه نخل يقلع وهو كبير ويغرس، ويسمى عندنا في العامية جسايس النخل، وإن لم يكن للغاصب غرض صحيح في امتناعه وإنما سيقلع هذا الغرس ويرميه في الشمس ويتلف فإننا لا نمكنه من ذلك، وذكرنا لهذا ثلاثة أوجه، بل أكثر.
الوجه الأول: أن هذا من الفساد، والله لا يحب الفساد.
الوجه الثاني: أنه إضاعة مال، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن إضاعة المال.
الوجه الثالث: أن في بقائه وإعطائه القيمة منفعة للغاصب، ورغبته عن المنفعة يعتبر سفهًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5]، فإذا منعنا أن نعطي هؤلاء أموالهم فكيف لا نمنع هذا أن نعطيه مالًا زيادة على ماله؟
الوجه الرابع: أن لصاحب الأرض حقًّا؛ حيث يقول: لولا هذه الأشجار التي غرسها الغاصب لكنت أنا قد غرست وصارت شجري كشجر الغاصب، الآن فقد فوت عليَّ منفعة الأرض طيلة هذه المدة، والرجل لا ينتفع بغراسه لو قلعه، فله حق في ذلك، فصار هذا معللًا بكم؟
طالب: بأربعة.
الشيخ: بأربعة أوجه، نعم.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ولو غصب جارحًا أو عبدًا أو فرسًا فَحَصَّل بذلك صيدًا) أو: (فحصل بذلك صيدٌ) -نسختان- (فلمالكه).
(غصب جارحًا) ويش هو الجارح؟ ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِين﴾ [المائدة: 4]، الجارح كلب الصيد أو الطير الصقر وشبهه هذا الجارح؛ أي: ما يصيد من الكلاب أو من الطيور، إذا غصبه وحصل بذلك صيدًا فالصيد لمالك الجارحة لا للغاصب.
مثال ذلك: غصب رجل من شخص كلب صيده وخرج يصطاد به، وصاد به صيدًا كثيرًا، فالصيد لمن؟
طلبة: للمالك.
الشيخ: الصيد للمالك لا للغاصب.
فإذا قال الغاصب: لولا أنا ما صاد شيئًا، قلنا له: ولولا الجارح ما صدت شيئًا، والجارح لمن؟
طالب: للمالك.
الشيخ: الجارح لمالكه، إذن فيكون هذا الذي حصل بهذا الجارح الذي لمالكه يكون لمالكه، هذا واحد.
(غصب عبدًا) والعبد جيد جدًّا في صيد الحيتان، نزل البحر وقام يصيد الحيتان الكثيرة، فلمن تكون هذه الحيتان؟
طالب: لمالك العبد.
الشيخ: لمالك العبد.
فإذا قال الغاصب: لولا أنا هيأت له السفينة هذه ما اصطاد، قلنا: ولولا العبد ما صادت السفينة، وحينئذٍ يكون الصيد لمن؟
طلبة: للمالك.
الشيخ: للمالك.
(فرسًا) هذه هي الغريبة، غصب فرسًا فصار يعدو على الصيود ويصيد، فالصيد للمالك لا للغاصب، وهذه الأخيرة فيها نزاع، هذه الأخيرة في الواقع أن الغاصب ما توصل إلى الصيد إلا بالفرس، لكن الذي باشر الصيد ليس هو الفرس، الفرس وسيلة، والذي باشر الصيد من؟
طلبة: الغاصب.
الشيخ: الغاصب؛ ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن الصيد للغاصب وعليه أجرة الفرس، وهذا أقرب إلى القواعد؛ أن الصيد يكون للغاصب وعليه أجرة الفرس؛ لأن الذي باشر الصيد هو في الحقيقة هذا الغاصب؛ السهم سهمه، والقوس قوسه، والعمل عمله، وهذا وسيلة.
طالب: تنكيلًا به.
الشيخ: لا، التنكيل ما هو هكذا، التنكيل نلزمه بالأجرة، ثم لو أردنا أن ننكل فالتنكيل ما نجعل الصيد لصاحب الفرس، نجعل الصيد في بيت المال، وصاحب الفرس ليس له إلا أجرة فرسه.
(فلمالكه) عندي أنا بالشرح: وكذا لو غصب شبكة أو شركًا أو فخًّا وصاد به ولا أجرة لذلك، لمن؟ أقول: لا أجرة لذلك؛ لأن هذه الأشياء أجرتها ما حصل منها من صيد، فهذا استعملها في الصيد فحصل.
قال: (وإن ضرب المصوغ، ونسج الغزل، وقصَّر الثوب، أو صبغه، ونجر الخشب ونحوه، أو صار الحب زرعًا أو البيضة فرخًا، والنوى غرسًا؛ رَدَّهُ وأرشَ نقصِه، ولا شيءَ للغاصب) هذه عدة مسائل نؤجل الكلام عليها إن شاء الله.
طالب: مسألة غصب الفرس والعبد (... ) هل أيضًا يعزر.. ؟
الشيخ: إي نعم، كل إنسان يعتدي على غيره يعزر.
وإن ضَرَبَ الْمَصوغَ ونَسَجَ الْغَزْلَ وقَصَّرَ الثوبَ أو صَبَغَه ونَجَّرَ الخشبَ ونحوَه أو صارَ الحبُّ زَرْعًا, أو البيضةُ فَرْخًا, والنَّوَى غَرْسًا رَدَّه وأَرْشَ نَقْصِه، ولا شيءَ للغاصبِ، ويَلزَمُه ضَمانُ نَقْصِه وإن خُصِيَ الرقيقُ رَدَّه مع قِيمتِه، وما نَقَصَ بسعرٍ لم يضْمَنْ ولا بِمَرَضٍ عَادَ ببُرْئِه، وإن عادَ بتعليمِ صَنعةٍ ضَمِنَ النَّقْصَ، وإن تَعَلَّمَ أو سَمِنَ فزَادَتْ قِيمتُه ثُم نَسِيَ أو هَزِلَ فنَقَصَتْ ضَمِنَ الزيادةَ كما لو عادَتْ من غيرِ جِنْسِ الأَوَّلِ، ومن جِنْسِها لا يَضْمَنُ إلا أَكْثَرَهما.
(فصلٌ)
وإن خَلَطَ بما لا يَتَمَيَّزُ كزيتٍ، أو حِنطةٍ بِمِثْلِهما، أو صَبَغَ الثوبَ، أو لَتَّ سَوِيقًا بدُهْنٍ أو عكسُه - ولم تَنْقُص القيمةُ ولم تَزِدْ - فهما شَريكانِ بقَدْرِ مالَيْهِما فيه، وإن نَقَصَت القيمةُ ضَمِنَها، وإن زادَتْ قِيمةُ أحدِهما فلصاحبِه، ولا يُجْبَرُ مَن أَبَى قَلْعَ الصبْغِ، ولو قُلَعَ غرسُ المشترِي أو بِنَاؤُهُ لاستحقاقِ الأرضِ رَجَعَ على بائعِها بالغَرامةِ، وإن أَطْعَمَه لعالِمٍ بغَصْبِه فالضمانُ عليه, وعَكْسُه بعَكْسِه، وإن أَطْعَمَه لِمَالِكِه أو رَهَنَه أو أَوْدَعَه أو آجَرَه إيَّاه لم يَبْرَأْ إلا أن يَعْلَمَ،
السلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول (... )؟
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1). لو طلب (... ).