(رماها بسبع حصيات متعاقبات يرفع يده حتى يُرَى بياض إبطه) (رماها بسبع حصيات متعاقبات) يرمي لا بد من حقيقة الرمي هكذا، وعلى هذا فلو وضع الحصاة وضعًا لم يجزئه؛ لو وقف على الحوض وصار يجلِّس الحصى على المكان ما أجزأه، لا بد أن يكون هناك رمي.
وقوله: (متعاقبات) يفيد أنه لا بد أن تكون الحصى واحدة بعد الأخرى، فلو رماها دفعة واحدة كم تجزئ؟ عن واحدة، ما لم يكن مستهزئًا والعياذ بالله، فإن استهزأ لا تجزئ عن واحدة ولا عن نصف واحدة، لكن كان جاهلًا فظن أن المقصود أن يقع في الحوض سبع حصيات فرماها جميعًا لا سيما مع الزحام، نقول: لا يجزئ إلا عن واحدة.
قال رحمه الله: (يرفع يده حتى يُرَى بياض إبطه) (يرفع يده) يعني: عند الرمي هكذا، (حتى يُرى بياض إبطه) هو في اليوم الأول نعم يُرَى بياض الإبط؛ لأن عليه رداء، والرداء إذا رفعته يُرى بياض الإبط، لكن في الأيام الأخرى الناس قد حلوا ولبسوا القمص لا يُرى بياض إبطه، والمقصود أن يرفع يده حتى يتحقق الرمي، ولكن لاحظ ألَّا تؤذي من وراءك؛ لأن بعض الناس من شدة الرمي يقول كذا ثم يضرب اللي وراه، وهذا شاهدناه، خطرٌ هذا إذا كان مرفقه من جنس محجن البعير، خطر جدًّا؛ لهذا نقول: إذا أردت أن ترمي وترفع يدك فانتبه للي وراء؛ لئلا تؤذيه.
وهل هذا شرط أن يرفع يده حتى يُرى بياض إبطه؟ ليس بشرط، بل لو رمى هكذا والإبط لم يُرَ فلا حرج.
(ويكبر مع كل حصاة) نعم (يكبر) يعني يقول: الله أكبر الله أكبر، مع كل حصاة، ولا يكفي التكبير في الأولى فقط بل مع كل حصاة، كما قال رحمه الله.
(ولا يجزئ الرمي بغيرها) أي: بغير الحصى، لا يجزئ الرمي بغير الحصى، لو وجد الإنسان مدرًا -يعني طينًا- على هيئة الحصى الذي يرمى به ورمى باثنين، يجزئ؟ لا.
لو رمى فُتَاتًا من صبة إسمنت يجزئ أو لا يجزئ؟ لا يجزئ، ليش؟ لأنه ليس حصى.
لو رمى بخرزٍ يجزئ؟ لا يجزئ.
رمى بالمرو يجزئ؛ لأنه حجر.
رمى بالذهب؟
طالب: لا يجزئ.
الشيخ: ذهب لا يجزئ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (17). والباقي -كما تعرفون- مثل الرمي بالخفاف والنعال والشماسي من باب أولى.
قال: (ولا يرمي بها ثانيًا) يعني: لا يرمي بحجر رُمِي به، لماذا؟ قالوا: لأنه رُمِي به فلا يجزئ؛ كما لو أعتق العبد في الكفارة فإنه لا يجزئ أن يكفِّر به مرة ثانية، خذِ القياس.
قياس آخر: كما لو توضأ بماء قد تُوِضِّئَ به -يعني بماء مستعمل في طهارة واجبة- فلا يجزئ.
وهذا القياس فيه نظر ظاهر.
أما قياسه على العبد فنقول: إن العبد إذا أعتق في الكفارة خرج عن كونه عبدًا، صار حرًّا؛ ولهذا لو قُدِّر أنه لحق بالكفار ثم استولينا عليه واسترققناه صار عبدًا، فيجزئ، إذن القياس هذا غير صحيح.
طيب، قياسه على الماء المتوضأ به أيضًا غير صحيح؛ لأننا لا نسلم أصلًا أن الماء المتوضأ به لا يرفع الحدث، بل نقول: إن الماء المتوضأ به يرفع الحدث،
وحينئذٍ يكون هذا القياس قياسًا على غير أصل صحيح، وإذا بطل الأصل بطل الفرع.
وعلى هذا فيجزئ أن يرمي بحصاة رُمِيَ بها، وهذا يحتاج الإنسان إليه في مثل هذه الأيام؛ أحيانًا يسقط الحصى من يده أو بعض الحصى لو خرج إلى مكان بعيد شق عليه، وأحيانًا يرمي ولا تقع في الحوض، فيحتاج إلى بدلها، فيشق عليه، فالقول الراجح أنه يجوز أن يرمي بحصاة رُمِيَ بها.
أتدرون ماذا ألزم الذين يقولون بعدم الإجزاء؟ ألزموا الذين يقولون بالإجزاء أنه يقتضي أن يرمي الحجيج كلهم بحصاة واحدة، فاهمون كيف؟ (... ) يجزئ ما رُمِيَ به، يقف واحد ومعه حصاة يرميها، ثم يأخذها ويرميها، ويأخذها ويرميها، كم مرة؟ سبع مرات، انتهى هو.
جاء الثاني أخذ هذه الحصاة ورماها، هذه حصاة أخذها ورماها سبع مرات.
جاء الثالث.
شوف كيف الإلزام؟ ! قالوا: يلزمكم إذا قلتم بجواز الرمي بحصاة رُمِيَ بها أن تجزئ حصاة واحدة عن جميع الحجيج.
لكن هذا الإلزام هو منطقي إذا كانوا مليون نفرٍ كل واحد بيرمي سبع مرات كم؟ سبع ملايين مرة على هذه الحصاة؟ ! هذا ما هو يعني كلام إلزام بما لا يمكن أن يكون، لكن الذي يمكن أن يكون -كما قلت لكم- أن الإنسان -مثلًا- يرمي الجمرات، ثم تسقط حصاة في الأرض، ثم تدحرجت الحصاة اللي هو رمى بها أولًا تدحرجت (... )، ما فيه بأس يأخذها ويرمي، أو كان هو واقف على الحوض وأخذ من الحوض ورمى ما فيه مانع؛ لأن الكل حجر، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ» (15).
قال: (ولا يقف) أي: لا يقف عند جمرة العقبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقف، وحسبنا أن نتأسى به، وقيل: إنه لا يقف؛ لأن المكان ضيق؛ إذ هو مجرى الوادي، والجبل فوق الجمرة فهو ضيق، ولكن هذا يمكن أن نعلل به فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما نحن ما نعلل بهذا، نعلل بأيش؟ بالسنة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف، وحسبنا أن نفعل ما فعل.
طالب: بارك الله فيكم، بعض الناس لا يعرف الرمي تمامًا لا سيما من النساء ترمي هكذا؟
الشيخ: خاتمه؟
طالب: لا، ترمي الحجر حتى ترفع يدها هكذا.
الشيخ: إي كذا، ويش تقولون في هذا؟ على كلام الفقهاء ما يكون رميًا، ولكن الذي أرى أنه يكفي أن يرمي هكذا؛ يعني يدفعه دفعًا، إن شاء الله يجزئ.
طالب: أحسن الله إليك، هل المقصود بالرمي العمود أو الحوض؟
الشيخ: الحوض، العمود هذا إنما جعل علامة على المكان فقط.
طالب: أحسن الله إليكم، لو قلنا بجواز دفع القادر من مزدلفة بعد منتصف الليل فلا يكون قد استفاد الضعفة من الرخصة التي لهم مش هيكون في (... )؟
الشيخ: الإنسان بيشوف السهل لنفسه، وأما غيره (... )؛ لأن الزحام واقع واضح، هو لو أعطي الناس فرصة من آخر الليل وهم أعطوا أنفسهم فرصة الآن فيه، الآن من يذهب إلى القول بأنه يكفي أن يصلي المغرب والعشاء في مزدلفة ويمشي، ليش هذا؟ قال: هذا قول بعض العلماء.
وكل له اجتهاده.
طالب: أحسن الله إليك، المراد بقول الفقهاء: (جمرة) هو نفس المكان المحوط، حتى في السابق ما فيه شاخص؟
الشيخ: ما فيه؛ يعني (... ) الحوض هذا المحوط في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ما هو موجود، ما كان موجودًا؛ ولهذا جرى بحث هل يمكن أن يوسع الحوض أو لا يمكن؟ بعض الناس قال: لا بأس؛ لأنه كأنما تتصور أن الذين مع الرسول عليه الصلاة والسلام عددهم كبير، وبعضهم على إبله في يوم العيد، فهل أحد يظن أن حصى هؤلاء الجمع الكبير يقع في هذا المكان الضيق؟ ولهذا قال الفقهاء: إنه في يوم الحادي عشر والثاني عشر إذا رمى الأولى يبعد، وقالوا: لئلا يصيبه الحصى، لكن نحن نقول: نبقي الحياض على ما هي عليه، والحمد لله ما دمنا نقول: إن الحصاة إذا وقعت ثم تدحرجت أجزأت، الحمد لله.
طالب: (... )؟
الشيخ: لا.
الطالب: (... ) قول الفقهاء (... ) إلى خارج الحوض (... )؟
الشيخ: بناء على الواقع، الواقع هو هذا، الآن فيه ناس تشوف الحصاة يضرب الشاخص ثم يطير على وراء.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- يحصل ضيق شديد أحيانًا في رمي الجمار، وأصحاب الأسر اللي معهم نساء وضعفة يأتون بالنساء والضعفة فيجدون فيه زحامًا، ثم يعودون؛ الرجوع، والرجوع صعب شيخ، كانوا يعودون إلى خيامهم فيه ضيق في الشارع، فالواحد لما يرجع على الأسرة ثم يأتي به يرجع؛ يعني يصيبه أحيانًا يكون فيه سخونة الشمس حارة، شيخ أحسن الله إليكم هل له أن يأخذ الجمرة يرمي عن الضعفة؟
الشيخ: إي نعم، يعني هم إذا وصلوا إلى الجمرات وجدوا زحامًا شديدًا لا بأس أن يتوكل عن النساء، إلا إذا كان يعرف أنهم إذا انصرفوا الآن وصار في الليل أوله أو آخره أو وسطه وجد سعة فلا يرمي؛ لأن الأصل أن كل جزء من أجزاء الحج والعمرة يجب أن يقوم به الإنسان نفسه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، لكن أحيانًا ما يتمكن الإنسان من التأخير، مثل إذا كان يريد أن يتعجل في اليوم الثاني عشر، فهو أتى وحضر الآن بعد الزوال، ما يمكن يرجع، ولا يمكن يبقى إلى الغروب، يخشى أنه يلزمه المبيت مع أنه ما يلزمه المبيت، إذا كان الإنسان تأهب ودفع من منى ثم حبسه السير أو الضيق الشديد فإنه يرمي ولو بعد غروب الشمس، ويتوكل على الله يمشي.
طالب: له أن ينيب عن ثلاثةٍ أربعةٍ ولا أن يرمي عن واحد ثم يرمي عن الآخر؟
الشيخ: ماذا تريد؟ تريد -مثلًا- يقف على هذه ويقول: واحدة، ثنتين، عشرة، إحدى عشر، عشرين، واحد وعشرين؛ هذه عن الثلاث.
الطالب: إي، (... ) ويرمي عن (... ).
الشيخ: عن عشرة؟
طالب: يشيل -مثلًا- زي ثلاث وستين حبة، يرمي عن ثلاث، يرمي إلى أن (... ).
الشيخ: لا، لا بد أن يرمي سبعًا أولًا عن نفسه، ثم عن واحدة من التي وكلته، ثم الثانية، ثم الثالثة، يعني بمعنى أن يميز كل واحد (... ).
وكان بعض الفقهاء يقولون: لا بد يرمي الثلاث عن نفسه، ثم يعود ويرمي الثلاث عن موكله، ثم يعود ويرمي الثلاث عن الموكل الثاني، وهذا ما فيه دليل واضح، فلا نلزم الناس به؛ إذ لو ألزمنا الناس بذلك حصل مشقة عظيمة، لكن نقول: ارمها في مكان واحد ويكفي بس (... ) هكذا جميعًا، سبعًا ترميها عنك، سبع عن فلان، سبع عن فلان، إي نعم.
الطالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى في باب صفة الحج والعمرة من كتاب المناسك:
ولا يقف، ويقطع التلبية قبلها، ويرمي بعد طلوع الشمس، ويجزئ بعد نصف الليل، ثم ينحر هديًا إن كان معه، ويحلق أو يقصِّر من جميع شعره، وتقصِّر منه المرأة قدر أنملة، ثم قد حلَّ له كل شيء إلا النساء.
والحلاق والتقصير نسك، ولا يلزم بتأخيره دم، ولا بتقديمه على الرمي والنحر.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا ما تقدم بعد الدفع من مزدلفة أنه يبدأ أول ما يبدأ برمي جمرة العقبة، وصفة الرمي سبقت أيضًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويقطع التلبية قبلها) يعني: التلبية بالحج، أو بالحج والعمرة إن كان قارنًا، يقطع قبل الرمي، وعلى هذا فلا يزال يلبي في الدفع من منى إلى عرفة، ومن عرفة إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى.
واختلف العلماء رحمهم الله هل يلبي وهو ماكث أو لا يلبي إلا وهو سائر؟
فمن العلماء من قال: إنه يلبي وهو سائر فقط، وأما إذا كان ماكثًا -أي نازلًا- في عرفات أو مزدلفة أو منى فإنه لا يلبي؛ لأن التلبية معناها الإجابة، وهي لا تتناسب مع المكث؛ إذ إن المجيب ينبغي أن يتقدم إلى من يجيب، لا أن يجيب وهو باقٍ.
وهذا الثاني اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ أنه لا يلبي إلا في حال السير بين المشاعر.
وأما القول الثاني فيقول: يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، سواء كان ماكثًا أم سائرًا، قال: ويرمي بعد طلوع الشمس، هذا هو الأفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس.
قال: (ويجزئ بعد نصف الليل) بناء على ما سبق من أنه يجوز الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل، فإذا دفع ووصل إلى منى فلا بد أن يرمي، فيرمي بعد نصف الليل.
وسبق أنا ناقشنا المؤلف رحمه الله بتقييد ذلك بنصف الليل، وقلنا: إن ظاهر السنة أن الدفع إنما يكون في آخر الليل، إذا مضى أكثر الليل؛ الثلثان أو نحوهما.
وقوله: (ويجزئ بعد نصف الليل) يشمل القادر وغير القادر؛ يعني الذي يقدر على أن يبقى إلى أن يسفر جدًّا في مزدلفة ويرمي مع الناس وغير القادر، وهو المذهب.
والقول الثاني أنه لا يجوز الدفع من مزدلفة قبل أن يصلي الفجر إلا إذا كان يخشى على نفسه من الزحام؛ لكونه كبير السن أو مريضًا أو امرأة، أو ما أشبه ذلك.
وأما من قال: إن العاجز يدفع من مزدلفة في آخر الليل ولكنه لا يرمي حتى تطلع الشمس فقوله ضعيف؛ لأنه ليس عليه دليل، ولأن أكبر فائدة لمن دفع في آخر الليل هو أن يرمي، ولَّا ما الفائدة؟ ولهذا كان النساء اللاتي يبعث بهن الصحابة في آخر الليل يرمين مع الفجر أو قريبًا من الفجر، متى وصلن، فمتى وصل الإنسان فإنه يرمي، سواء وصل قبل طلوع الشمس أم بعد طلوع الشمس.
(ثم ينحر هديًا إن كان معه) ومن الذي يجب عليه الهدي؟ المتمتع والقارن، وأما من سواهما فإن أتى بهدي فهو أفضل، وإلا فلا شيء عليه.
وقوله: (إن كان معه) هل كلام المؤلف على ظاهره؛ بمعنى أنه إن كان يحتاج إلى شراء وطلب فإنه يحلق أولًا، أو نقول: هذا بناء على الغالب؟ الثاني هو الظاهر، وأنه حتى الذي يحتاج إلى شراء نقول: الأفضل أن تنحر بعد الرمي ثم تحلق، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام حين رمى جمرة العقبة انصرف إلى رحله، ثم نحر، ثم حلق.
قال: (ويحلق أو يقصر من جميع شعره) لو قال المؤلف رحمه الله: ثم يحلق لكان أولى؛ حتى نعرف أنه مرتب، (يحلق) يعني: جميع الشعر، وذلك بالموسى وليس بالماكينة، حتى لو كانت الماكينة على أدنى نمرة فإن ذلك لا يعتبر حلقًا، الحلق لا بد أن يكون بموسى يحلق رأسه.
والحكمة من حلق الرأس أنه ذلٌّ لله عز وجل لا للتنظيف؛ ولهذا لم يؤمر به في غير الإحرام؛ يعني لا نؤمر بأن نحلق رؤوسنا، وأمرنا أن نحلق العانة وننتف الإبط للتنظيف، وعليه فيكون حلق الرأس عبادة لله عز وجل نتقرب به إلى الله تعالى، فنحلق الرأس ذلًّا وتعبدًا لله عز وجل.
(أو يقصر من جميع الشعر) ولم يبين المؤلف رحمه الله كيف يقصر الرجل؛ هل يقصر كثيرًا أو يقصر قليلًا، فما المراد؟ نقول: المراد أن يقصر من شعره بحيث يتبين أن الرجل مقصر ويظهر عليه علامة التقصير.
وقوله: (من جميع شعره) أفادنا رحمه الله أنه لا يكفي أن يقصر من جانب واحد، كما قال به بعض أهل العلم، بعضهم قال: يكفي ربع الرأس، وبعضهم قال: يكفي ما يماط به الأذى، وما أشبه ذلك من الأشياء المقدرات التي ليس عليها دليل، والقرآن الكريم قال الله تعالى فيه: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] أي مقصرين رؤوسكم، فيقصر من جميع الرأس.
ولكن هل يجب أن يقصر من كل شعرة؟ لا يجب؛ لأنكم تعلمون أن الشعرات بعضها طويل وبعضها قصير، والمقصود أن يعمم الرأس بالتقصير كما يعممه بالمسح في الوضوء، ولو قلنا: يجب من كل شعرة لم نتمكن من الجزم بذلك إلا بالحلق، وحينئذٍ لا تقصير.
أيهما أفضل؟ الأفضل الحلق؛ ولهذا قدمه المؤلف رحمه الله عز وجل، كما هو مقدم في القرآن الكريم: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27]، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاث مرات والصحابة يراجعونه فيقولون: والمقصرين؟ حتى بلغ ثلاثًا ثم قال: «وَالْمُقَصِّرِينَ» (21)، وأتى بحرف العطف دون أن يقول: اللهم ارحم المقصرين للدلالة على أن مرتبة التقصير نازلة جدًّا.
(وتقصر منه المرأة أنملة) تقصِّر المرأة من رأسها أنملة؛ إن كانت ضفائر فمن كل ضفيرة أنملة، وإن كانت غير ضفائر فتمشي على شعر الرأس كله على قدر أنملة، والأنملة هي مفصل الأصبع، وفيها لغات تسع.
طالب:
وَهَمْزَ أَنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثَهُ
التِّسْعُ فِي أُصْبُعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ
الشيخ: تمام.
(وهمزَ أنملةٍ ثلِّث) يعني: ثلاث حركات، و (ثالثه) ثلاث حركات، اضرب ثلاثة في ثلاثة تكون تسعة؛ ولهذا قال:
..................................
التِّسْعُ فِي أُصْبُعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ
الأصبع إذن فيه عشر لغات، والأنملة فيها تسع لغات.
ومن ثَمَّ نقول: إنه لا يمكن للإنسان أن يغلط في أنملة إلا في الإعراب فقط، أما من حيث التصريف فلا يغلط.
(قدر أنملة) يعني أي الأنامل؟ نقول: الأنامل متقاربة، حتى الإبهام الذي ليس فيه إلا مفصلان أنملته قريبة من بقية الأصابع، وأما ما اشتهر عند النساء أن الأنملة أن تطوي المرأة طرف شعرها على أصبعها فمتى التقى الطرفان فذاك الواجب، أفهمتم؟ يعني -مثلًا- لنفرض أن هذه الضفيرة تكون هكذا، إذا التقى الطرفان فهذه الأنملة، ولكن هذا غير صحيح، الأنملة معروفة.
وإنما كان المشروع للمرأة التقصير؛ لأنها محتاجة إلى التجمل والتزين، والشعر جمال وزينة، وإنما كان الواجب بقدر الأنملة؛ لئلا يجحف برأسها، وهذا يدل على أن الشريعة الإسلامية تراعي حوائج الناس وميولهم، وأنها لا تأتي أبدًا بما فيه العسر والحرج، والحمد لله.
(ثم قد حلَّ له كل شيء إلا النساء) ثم بعد أيش؟ بعد فعل هذه الأشياء؛ الرمي والنحر.
ثم قَدْ حَلَّ له كلُّ شيءٍ إلا النساءَ، والحِلاقُ والتقصيرُ نُسُكٌ، ولا يَلْزَمُ بتأخيرِه دَمٌ، ولا بتقديمِه على الرَّمْيِ والنَّحْرِ.
(فصلٌ)
ثم يُفيضُ إلى مَكَّةَ، ويَطوفُ القارِنُ والمُفْرِدُ بنِيَّةِ الفريضةِ طوافَ الزيارةِ، وأَوَّلُ وقتِه بعدَ نِصفِ ليلةِ النحْرِ، ويُسَنُّ في يومِه وله تَأخيرُه، ثم يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمروةِ إن كان مُتَمَتِّعًا أو غيرَه ولم يكنْ سَعَى مع طَوافِ القُدومِ، ثم قد حَلَّ له كلُّ شيءٍ ثم يَشربُ من ماءِ زَمزمَ لِمَا أَحَبَّ، ويَتَضَلَّعُ منه ويَدعو بما وَرَدَ.
ثم يَرْجِعُ فيَبيتُ بِمِنًى ثلاثَ ليالٍ فيَرْمِي الجمرةَ الأُولَى، وتَلِيَ مَسجدَ الْخَيْفِ - بسبْعِ حَصَياتٍ ويَجعلُها عن يَسارِه ويَتأَخَّرُ قليلًا ويَدعو طَويلاً، ثم الوُسْطَى مِثْلَها، ثم جَمْرَةَ العَقَبَةِ ويَجعلُها عن يَمينِه ويَسْتَبْطِنُ الوادِيَ ولا يَقِفُ عندَها، يَفعلُ هذا في كلِّ يومٍ من أَيَّامِ التشريقِ - بعدَ الزوالِ مُستقْبِلَ القِبلةِ مُرَتِّبًا – بعدَ الزوالِ مُستقْبِلَ القِبلةِ مُرَتِّبًا- فإن رَماهُ كلَّه في الثالثِ أَجْزَأَه ويُرَتِّبُه بنِيَّتِهِ،
الأنملة معروفة، وإنما كان المشروع للمرأة التقصير؛ لأنها محتاجة إلى التجمل والتزين، والشعر جمال وزينة، وإنما كان الواجب بقدر الأنملة؛ لئلا يجحف برأسها، وهذا يدل على أن الشريعة الإسلامية تراعي حوائج الناس وميولهم، وأنها لا تأتي أبدًا بما فيه العسر والحرج، والحمد لله.
(ثم قد حل له كل شيء إلا النساء) بعد فعل هذه الأشياء؛ الرمي والنحر والحلق (حل له كل شيء إلا النساء) كل شيء من محظورات الإحرام، لا من كل الأفعال وكل الأعيان، لا، المراد من محظورات الإحرام.
وقوله: (ثم قد حل له) قد يقول قائل: إن ظاهر كلام المؤلف -رحمه الله- أنه لا يحل إلا بالثلاثة؛ لأنه قال: (ثم قد حل له كل شيء)، ولكن هذا الظاهر غير مراد؛ لأن الأصحاب -رحمهم الله- صرحوا بأنه يحل هذا الحل إذا رمى وحلق، وإن لم ينحر، أو إذا رمى فقط، وإن لم يحلق، ولهذا كان في المسألة روايتان عن أحمد.
هل يحصل الحل بالرمي والحلق أو بالرمي وحده؟
في ذلك روايتان عن الإمام أحمد:
الرواية الأولى: أنه يحل برمي جمرة العقبة يوم العيد، وأنه بمجرد ما يرمي يحل من إحرامه إلا النساء، واستدلوا بحديث: «إِذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءُ» (1).
وبتعليل: وهو أن الإنسان إذا شرع في الرمي قطع التلبية، وهذا يعني أنه شرع في التحلل؛ لأن المحرم مجيب لله عز وجل حتى يشرع في التحلل، ولكن هذا فيه نظر، هذا التعليل فيه نظر؛ لأننا نقول: إن المعتمر يقطع التلبية، متى؟ إذا شرع في الطواف، ومع ذلك لم يشرع بالتحلل، لكن الحديث: «إِذَا رَمَيْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءُ» هو الدليل.
الرواية الأخرى يقول: لا يحل إلا إذا رمى وحلق، واستدلوا بحديث: «إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءُ» (2)، (وحلقتم) فأضاف الحلق إلى الرمي في جواز التحلل، ولكن الزيادة هذه في ثبوتها نظر؛ لأن فيها الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف عندهم، واستدلوا بحديث عائشة: كنت أطيِّب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت (3)، فقالت: لحله قبل أن يطوف، ومعلوم أن الذي يسبق الطوافَ الرميُ والنحر والحلق، وإلا لقالت: ولحله قبل أن يحلق، فلما ذكرت أن الحل يكون قبل الطواف عُلِم أن ما سبقه يتوقف عليه الحل، والاستدلال بهذا الحديث على ظاهره صحيح.
لكن إذا علمنا أن السبب في ذلك أنه حصل خلاف هل يجوز للمحرم إذا حل التحلل الأول أن يتطيب قبل أن يطوف؟ فأرادت عائشة رضي الله عنها أن تبين جواز الحل وجواز التطيب قبل الطواف، فيكون سبب اقتصارها على الطواف أنه محل الخلاف وذلك؛ لأن الطيب مما يعطي النفس نشوة ورغبة في النكاح، والنكاح ممنوع بعد التحلل الأول، فكرهه بعض السلف؛ أي: كره أن يتطيب الإنسان قبل أن يطوف بالبيت، فأرادت عائشة أن تبين أن هذه كراهة لا وجه لها؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يتطيب قبل أن يطوف.
والمسألة لم يتبين لي فيها الدليل الذي يحصل به رجحان أحد القولين على الآخر، لكن يبقى النظر أيهما أحوط؟ أن نقول: إنه لا يحل حتى يرمي ويحلق، أو نقول: إن الأحوط أن نقول: إنه يحل بالرمي، إن قلتم: الأول، لم تصيبوا، وإن قلتم: الثاني، لم تصيبوا؛ وذلك لأنه قد يكون الأحوط أن نقول بالأول، وهو أنه يحل برمي جمرة العقبة، وقد نقول: إن الأحوط الثاني.
ولنضرب مثلًا يتبين به الأمر: إذا جامع رجل امرأته بعد رمي جمرة العقبة وقبل الحلق، فإن قلنا: إنه يحل بالرمي لم يفسد نسكه؛ لأن الوطء وقع بعد التحلل الأول، والوطء لا يُفسد النسك إلا إذا كان قبل التحلل، وأيضًا لا نوجب عليه -إذا قلنا: إنه حل بالرمي لا نوجب عليه- لا نوجب عليه فدية إلا شاة، وإذا قلنا: إنه لم يحل ألزمناه ببدنة، فأيهما أحوط الآن؟ أن يتحلل بالرمي هو الأحوط؛ أن لا نلزمه بشيء لم يتبين لنا إلزامه، ولكن إذا قلنا: إنه لا يحل إلا بالحلق صار أحوط من جهة أننا نمنعه من محظورات الإحرام حتى يحلق، فيكون هذا أحوط.
فالمسألة فيها يعني الإنسان يتردد كثيرًا، ولعلنا نقول: ما دامت المسألة لم تتضح فلنتبع الأسهل، إن جاءنا رجل يستفتي بأنه جامع بعد رمي جمرة العقبة وقبل الحلق، نقول له: حجك لم يفسد؛ لأنه ليس عندنا ما نستطيع أن نجشمه المصاعب، ونقول: حجك فاسد، وعليك أن تمضي فيه، وأن تقضيه من العام القادم، وأن تفدي فعلك ببدنة، وأما إذا جاء يسأل: هل يجوز أن يلبس ويتطيب قبل الحلق؟ قلنا له: لا؛ لأن هذا أحوط وأبرأ للذمة.
وقوله رحمه الله: (إلا النساء) كلمة إلا النساء هذه هي الكلمة التي وردت في الحديث، لكن ما المراد؟ هل المراد كل ما يتعلق بالنساء؟ فيشمل الجماع والمباشرة والنظر لشهوة والخطبة وعقد النكاح، أو أن المراد الجماع؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من يقول: المراد بالنساء الجماع، فيحرم بعد التحلل الجماع، وأما عقد النكاح فيصح، والقبلة واللمس لشهوة وما أشبه ذلك؛ لأن كل هذه الأشياء إنما حرمت لأنها وسيلة للجماع، فلا نُحَرِّم عليه إذا حل التحلل الأول إلا ما كان مقصودًا، وهو الجماع.
وشيخ الإسلام رحمه الله يختار أن عقد النكاح بعد التحلل الأول صحيح؛ يعني: لو رمى وحلق وعقد على امرأة فالعقد صحيح، من باب أولى أن تكون الخطبة جائزة، وهذا أيضًا من الأمور التي ينبغي فيها أن يسلك الإنسان الاحتياط، فإذا جاءنا رجل ابتلي وعقد النكاح قبل أن يطوف طواف الإفاضة، أو خطب امرأة قبل أن يطوف طواف الإفاضة، فنقول: لا تعد؛ لأن التحريم وإبطال العقد بعد أن وقع فيه صعوبة، لكن نقول: لا تعد لهذا، وأما إذا جاءنا يستشير ويقول: هل تفتونني بأن أخطب أو أعقد النكاح وقد حللت التحلل الأول؟ فنقول له: لا.
هذه المسألة تقع في عقد النكاح، بعض الناس يكون طاف طواف الإفاضة على وجه غير صحيح، ثم يأتي إلى بلده ويتزوج، فنقول: إن هذا النكاح فيه خلاف؛ من العلماء من يقول: إنه صحيح، ومنهم من يقول: إنه فاسد، فنمضيه؛ لأنه تم الأمر، ولو أنا أعدنا العقد من جديد لكان أولى، فيكون الحل لا شبهة فيه، أما إذا جاءنا يستشيرنا فنقول: لا تتزوج؛ لأن لكل مقام مقالًا.
قال: (والحلق والتقصير نسك) الحلق والتقصير نسك، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ» (4)، وهذا حث على الحلق، ثم قال في الرابعة: «وَالْمُقَصِّرِينَ» وهذا أيضًا يدل على أن التقصير عبادة رُتبت عليها الرحمة، وإذا كان عبادة فهو نسك، وليس كما قيل: إنه إطلاق من محظور؛ لأن بعض العلماء يقول: الحلق ليس نسكًا في ذاته، لكنه علامة على الحل، حيث استباح ما كان محظورًا، ولكن هذا قول ضعيف، يقول شيخ الإسلام -رحمه الله: لو كان الأمر كذلك لكان لا فرق بين حلق الرأس وحلق العانة على القول بأن محظورات الإحرام تشمل جميع شعور البدن.
وصدق رحمه الله.
وعلى القول بأنه إطلاق من محظور، قالوا: يجزئ لو يقصر أو يقص شعرتين أو ثلاث شعرات، كفى.
وهذه كلها أقوال لا أصل لها؛ يعني: ليس لها دليل، والصواب: أن الحلق والتقصير نسك.
وإذا كان نسكًا فهل هو واجب أو سنة؟ نقول: إن وصف الله تبارك وتعالى المؤمنين بدخول البيت الحرام محلقين رؤوسهم ومقصرين، ومراده؟ ويش مراده؟ معتمرين، فأطلق الحلق والتقصير على العبادة، ولا يمكن أن يطلق بعض العبادة على جميع العبادة إلا وهو واجب فيها، وهذا استدلال قد لا يدركه كثير من الناس، فنقول: الصحيح أنه واجب.
ثم هل يلزم بتركه دم؟ نقول: نعم؛ لأن ترك الواجبات في الحج موجب للدم، كما سبق تقريره، وكما سبق أيضًا ذكر دليله، وأن على ذلك عامة العلماء، قال: لا يلزم بتأخيره دم، تأخيره إلى متى؟ أطلق المؤلف.
طالب: يوم القيامة.
الشيخ: لا، يمكن يموت قبل يوم القيامة، وإن طال التأخير، ولكن الصحيح أنه لا يجوز تأخيره عن شهر ذي الحجة؛ لأنه نسك، فهو من الحج، وقد قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، فلا يجوز أن يخرج شهر الحج إلا وقد أتم الإنسان جميع أنساك الحج.
لكنه إذا أخره هل يحل أو لا يحل؟ أجيبوا.
لا يحل، يبقى عليه التحلل الثاني على قول الفقهاء وغير الفقهاء، لكن هل نقول: لا يحل التحلل الأول؛ لأن الحديث: «إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ» (2)، ولم يُذكر الطواف؟
فنقول: ظاهر الحديث إنه لا بد من الحلق، وأنه لا يمكن أن يحل التحلل الأول إلا به، لكن أكثر الفقهاء يقولون: إنه إذا رمى وطاف طواف الإفاضة حل التحلل الأول، وجعلوا لذلك ضابطًا، وقالوا التحلل الأول يحصل بفعل اثنين من ثلاثة، الرمي والحلق والطواف، فعلى هذا القول إذا رمى وحلق حل التحلل الأول، إذا حلق وطاف حل التحلل الأول، إذا رمى وطاف حل التحلل الأول.
لكن هذا الضابط لم نجد له شيئًا نعتمد عليه إلا تعليلًا يُنظر فيه، وهو أنهم قالوا: إذا كان للطواف تأثير في التحلل الثاني لزم أن يكون له تأثير في التحلل الأول.
وجه ذلك أنه إذا طاف وحلق ورمى وسعى، والسعي تابع للطواف، فإنه يحل التحلل كله، وإذا رمى وحلق حل التحلل الأول، قالوا: فلما كان للطواف تأثير في التحلل الثاني كان له تأثير في التحلل الأول.
قال: (ولا بتقديمه على الرمي والنحر) يعني: ولا يلزم دم بتقديمه على الرمي والنحر، فلو نزل الإنسان من مزدلفة رأسًا إلى مكة وطاف، ثم عاد ورمى فلا بأس، ولو أنه رمى ثم نزل إلى مكة وطاف فلا بأس، ودليل هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُسْأل يوم العيد في التقديم والتأخير، فما سُئِل عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» (5).
وبهذا يحسن أن نتكلم على ما يُفعل بعد الدفع من مزدلفة, يُفعل الرمي، ثم النحر، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف، ثم السعي، وهي خمسة مرتبة على هذا، ولكن لو قدمت بعضها على بعض فلا حرج، حتى السعي لو قدمته على الطواف، فإن القول الراجح أنه ليس فيه حرج، وهذا قد يحتاج الإنسان إليه، كرجل معه نساء، وخاف أن يأتيهن الحيض في أول اليوم؛ يوم العيد، فدفع من مزدلفة رأسًا إلى مكة، وطاف طواف الإفاضة قبل الفجر مثلًا، يجوز هذا أو لا؟ يجوز، وكذلك أيضًا يحتاج الإنسان إلى أن يؤخر النحر إلى بعد الحلق؛ لأنه إذا رمى وحلق حل التحلل الأول، وذهب يطلب الهدي وهو قد حل ولبس ثيابه وسلم من الحلق.
فالمهم أن الأفضل ترتيب الأنساك الخمسة على النحو التالي: رمي، نحر، حلق، طواف، سعي، وأنه لو قدم بعضها على بعض فلا حرج، والصحيح أنه لا حرج، سواء نسي أو جهل أو تعمد عالمًا كله سواء، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُسْأل فيقول: «افْعَلْ»، افعل هذه للماضي ولّا للمستقبل؟ للمستقبل «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» (5)، لو اقتصر على قوله: «لَا حَرَجَ» لكان يمكن أن يُقال: إن السائل قال: يا رسول الله لم أُشْعِر، ففعلت كذا قبل كذا، لكن قال: «افْعَلْ» للمستقبل ولا حرج، ولهذا إذا كان الشيء معفوًّا عنه بالجهل، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: افعل ولا تعد، مثل حديث أبي بكرة رضي الله عنه أنه دخل والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم راكع، فأسرع وركع قبل أن يدخل في الصف، فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «زَادَكَ اللَّهُ حَرْصًا وَلَا تَعُدْ» (6)، هنا لم يقل للسائل: لا حرج ولا تعد، بل قال: «افْعَلْ»، وهذا للمستقبل، «وَلَا حَرَجَ»، وبه نعرف أن الترتيب بين هذه الأنساك للأفضلية فقط، وهذا من رحمة الله ونعمته؛ لأن الناس يختلفون في الحاجات، بعضهم يود أن يطوف مبكرًا، وبعضهم يود أن يتأخر، فجعل الأمر واسعًا، والحمد لله.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، من أخر صيام ثلاثة أيام التي في الحج عمدًا بغير عذر فهل نلزمه بالفدية على قاعدة الفقهاء؟
الشيخ: لا، الصحيح ِأننا لا نلزمه، وعجبًا منهم -رحمهم الله- أن يقولوا: تلزمه الفدية، وهو أصلًا ما عنده فدية، وهو أيضًا لما عَدِمَ الهدي ما الذي صار واجبًا في حقه؟ الصيام، وإذا كان هو الصيام فنقول: إنه يجب أن يكون في الحج، وإذا تأخر -ولا سيما إن كان لعذر- فإنه يقضى كرمضان، الصواب أنه لا دم.
طالب: أحسن الله إليكم، من وقع بعض طوافه في المسعى في الزحام، هل له حكم خاص إذا قلنا: إن المسعى ليس من الحرم؟
الشيخ: إي نعم، هو لا شك أن المسعى ليس من المسجد الحرام، ولكن نظرًا للزحام الشديد واتصال الناس بعضهم ببعض نفتي بأنه لا حرج، وإن كنا أفتينا سابقًا بأن الطواف غير صحيح، وأنه يجب على من فعل هذا أن يرجع إلى مكة، ويطوف طواف الإفاضة، لكن تأملت ووجدت أن المسألة فيها مشقة، والعذر موجود وصحيح، وما دام المصلون إذا صلوا خارج المسجد بعد امتلائه يعدون كالذين صلوا داخل المسجد، فأرجو أن يكون هذا مثله.
طالب: أحسن الله إليك، بعض الحجاج الوافدين من خارج هذه البلاد بعد رمي جمرة العقبة ينصرفون إلى مكة لشراء حوائجهم، فإذا جاء وقت الرمي جاءوا ليرموا، ثم يبيتون، قد يبيتون في مكة وكذا، هل يترتب على هذا نقص ثوابهم؟
الشيخ: كيف؟ يعني يوم العيد؟
الطالب: بعد يوم العيد ينصرفون إلى مكة.
الشيخ: بعد يوم العيد.
الطالب: أيام التشريق لا يقضون بمنى.
الشيخ: أيام التشريق يكونون خارج منى؟
الطالب: إي.
الشيخ: نعم، قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (7)، وهؤلاء لم يمكثوا في منى كما مكث النبي صلى الله عليه وسلم، هل يكون حجهم ناقصًا؟
طالب: خالفوا الهدي.
الشيخ: هل يكون ناقصًا أو لا؟ أنا ما سألتك هل هو خالف الهدي ولّا ما خالف.
الطالب: إي ناقص.
الشيخ: ناقص، حينئذ قل لي: لأنه خالف فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: الحمد لله، هذا الجواب، اللهم إلا لعذر كإنسان مثلًا أصابه مرض، واحتاج أن ينزل إلى المستشفيات، هذا معذور.
طالب: هذه الأنساك الخمسة التي تفعل يوم العيد ذكرنا أنه يجوز تقديم بعضها على البعض، لكن هل يجوز تقديم السعي على الطواف؟
الشيخ: نعم.
الطالب: بعد يوم العيد؟
الشيخ: الظاهر أنها عامة أنه يجوز تقديم السعي على الطواف حتى بعد يوم العيد.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا قلنا: إن التحلل يكون بالرمي وحده، هل يكون بالشروع فيه أو بالانتهاء منه؟
الشيخ: بالانتهاء منه، إذا قلنا: التحلل بالرمي وحده فلا بد من كماله، وكذلك في الحلق، لا يحصل التحلل إذا حلق نصف الرأس مثلًا ثم ذهب الحلاق ليأتي بموسى أحسن، ما نقول للرجل: تطيب الآن، نقول: انتظر حتى يتم الحلق.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، كان الوقت السابق يا شيخ الهدي يسير بمنى، بنفس منى، وتيسر للإنسان اليوم للحجيج يجي يرمي جمرة العقبة يجي يذبح، يأخذ الهدي ويذبح، ها الحين يشق يا شيخ عليه، والإنسان (... ) لفظًا إذا كان يشترط (... )..
الشيخ: أنا رأي أنه يريد الأفضل يذهب إلى المنحر، ويشتري وينحر، ثم يحلق أو يقصر.
طالب: فيه مشقة يا شيخ بعيدة..
الشيخ: الأمر واسع، ما دام فيه مشقة تحلل بالحلق أو التقصير عند الجمرة، موجود ناس يحلقون وحينئذ تحل.
طالب: المتمتع، قلنا: يقطع التلبية إذا شرع في الطواف؛ طواف العمرة، في اليوم الثاني إذا أحرم للحج يبدأ التلبية؟
الشيخ: إي نعم، يبدأ تلبية جديدة.
طالب: أكرمكم الله يا شيخ، قلنا: إنه يحل إما بالحلق أو التقصير أو إنه بالرمي على القول الثاني، لكن يا شيخ الآن النحر ما له تأثير في هذا؟
الشيخ: ما له تأثير إلا إذا ساقه، فظاهر السنة إنه إذا ساق الهدي فلا يحل حتى ينحر، كما جاء في الحديث.
طالب: وغير الذي لم يسق؟
الشيخ: لا، الذي لم يسق ما له دخل.
طالب: أحسن الله إليك، متى ينتهي وقت الرمي في يوم النحر؟
الشيخ: ينتهي وقت الرمي في يوم النحر ويوم الحادي عشر ويوم الثاني عشر بطلوع الفجر من اليوم الثاني، وأما رمي الثالث عشر فينتهي بغروب الشمس.
الطالب: لو تأخر ينتظر؛ يعني يخاف من الزحام حتى قرب طلوع الفجر، ورمى، ما عليه شيء؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: ما عليه شيء؟
الشيخ: إي نعم، المهم أنه رمى قبل الفجر، إي نعم، ما عليه شيء، وهذه مسألة ما بعد جاوبتها، لكن عاد حصلت.
طالب: رجل قصر من رأسه، لكنه لم يعمم، وحل، ماذا عنه؟
الشيخ: يقال له: البس ثيابك -إذا كان في العمرة- البس الثياب وكمل؛ لأنه إلى الآن ما حل، له أن يلبس.
طالب: ثياب الإحرام يا شيخ؟
الشيخ: إي ثيابه اللي لابسها؛ لأنه حل، أنت ذكرت أنه حل؛ يعني لبس الثياب العادية القميص.
قال: (فصل.
ثم يفيض إلى مكة، ويطوف) (يفيض إلى مكة) يعني: الحاج، والإفاضة تعني الكثرة، كما يقال: فاض الماء إذا تدفق بقوة وشدة، (إلى مكة، ويطوف القارن والمفرد بنية الفريضة طواف الزيارة) والمتمتع أيضًا يطوف بنية الزيارة، لكنه نص على المفرد والقارن؛ لأن أحد القولين في المذهب أن المفرد والقارن إذا لم يكونا دخلا مكة من قبل يطوفان أولًا للقدوم، ثم ثانيًا للإفاضة، فأراد المؤلف -رحمه الله- أن يدفع هذا القول، ولو أنه ترك التنصيص عليهما وأتى بلفظ عام لكان أبعد عن الاشتباه، لكن لعله تبع غيره في العبارة، فالله أعلم.
المهم (يطوف القارن والمفرد) زد: والمتمتع (بنية الفريضة طواف الزيارة) أفادنا -رحمه الله- أن هذا الطواف فرض، وهو كذلك، وأنه يجب أن ينويه فرضًا، فلو نوى مجرد الطواف دون أن يستحضر أنه فرض لم يصح، وسبق الخلاف في هذا، وبينَّا أن من العلماء من قال: إن نية الطواف والسعي تدخل في نية النسك -النية العامة- وأنه إذا نزل إلى مكة وطاف ولم يكن في قلبه أنه طواف الإفاضة فالطواف صحيح، وهذا القول هو الراجح، لا سيما في أوقاتنا هذه، فإن الإنسان مع الدهشة قد تغيب عنه نية الفريضة، وأنه طواف إفاضة، ينوي أنه طواف وبس، فالقول الراجح -وهو قول أكثر العلماء- أنه يكفي إذا نوى أنه طواف، وما دام في نسك فهو طواف لهذا النسك.
وقوله: (طواف الزيارة) مع قوله: (يفيض) إنما غيَّر ما يقتضيه السياق؛ ليتبين أن هذا الطواف يُسمى طواف الإفاضة، ويُسمى طواف الزيارة.
قال: (وأول وقته بعد نصف ليلة النحر) لأنه سبق أنه يدفع من مزدلفة بعد منتصف الليل، فمتى دفع من مزدلفة دخل وقته، (ويُسن في يومه) أي: في يوم العيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم طاف يوم العيد، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (7)، وفي القرآن الكريم: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ وذلك بالتحلل ولبس الثياب ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ وذلك بذبح الهدي ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ [الحج: 29]، وهذا هو طواف الإفاضة، فيُسن في يوم.
قال المؤلف: (وله تأخيره) يعني: له أن يؤخر طواف الإفاضة إلى متى؟ أطلق المؤلف، لم يقل: إلى الليل، ولا إلى آخر أيام التشريق، ولا إلى آخر شهر ذي الحجة، فله تأخيره، متى شاء طاف، ولكنه يبقى عليه من المحظورات؟
طلبة: النساء.
الشيخ: النساء، يبقى عليه النساء، لا يتزوج ولا يجامع زوجته، ولكن هذا القول أنه يؤخره متى شاء فعله ضعيف؛ لأن الله قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، فإن قلنا: إن الأشهر إلى تمام شهر ذي الحجة، قلنا: ليس له أن يؤخره إلى ما بعد ذي الحجة، ومن العلماء من قال: لا يؤخره عن أيام التشريق؛ لأن الحج ينتهي بأيام التشريق، فلا يجوز أن يؤخر عن الوقت الذي حدده الشرع لإقامة النسك.
وظاهر كلام المؤلف أنه إذا أخره ليس عليه شيء لقوله: (وله تأخيره)، ولم يقل: وعليه الفدية، ولو قال: وعليه الفدية، لكان هناك تناقض بين قوله: وله، وقوله: عليه؛ لأنه متى جاز أن يؤخر فلا فدية، وظاهر كلامه أيضًا أنه لو أخره عن يوم العيد لم يعد محرمًا، كما جاء في ذلك حديث رواه أبو داود (8)، لكن هذا الحديث مضطرب لا يُعتمد عليه، وهو أيضًا شاذ لمخالفته الأحاديث الصحيحة الصريحة في أن المحرم يحل قبل أن يطوف بالبيت، وإذا ثبت أنه يحل فإنه لا يمكن أن يعود محرمًا بدون نية، ولا يمكن أن ينوي نسكًا آخر الآن.
ثم هو شاذ عملًا، فلم تعمل به الأمة الإسلامية، وقد قيل: إن أول من عمل به عروة بن الزبير أحد فقهاء المدينة السبعة، فحكم شرعي لم يعمل به إلا واحد من التابعين هو أول من عمل به لا يمكن أن يُقال إنه حديث صحيح، ثم هذا الحديث مما تتوافر الهمم على نقله، ولو نقل لكان معلومًا محفوظًا عند أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وغيرهما، ولكان محفوظًا معلومًا عند الأمة للعمل به، فهو حديث شاذ، والقول به قول شاذ، ولذلك لم نر علماءنا الذين هم أهل الحديث يعملون به، ولا علماءنا أهل الفقه يعملون به، بل إذا تحلل الإنسان يوم العيد لم يعد محرمًا إلا بنسك جديد، أما هذا النسك فقد انتهى وحل.
قال: (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعًا أو غيره) أي: غير متمتع (ولم يكن سعى مع طواف القدوم) قوله -رحمه الله: (ثم يسعى بين الصفا والمروة)، وسبق صفة السعي وعدده إن كان متمتعًا، وعلى هذا فيلزم المتمتع سعيان؛ أحدهما للعمرة والثاني للحج، وهذا هو القول الصحيح المتعين؛ لأن ذلك صريح في حديث ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما أن الذين حلوا طافوا طوافين بين الصفا والمروة (9)، فقد فصلت رضي الله عنها بذلك تفصيلًا بيِّنًا واضحًا، ثم إن نسك العمرة انفصل عن نسك الحج، فبينهما حل تام، فكيف يقال: إن السعي الذي قام به المتمتع أولًا يكفي عن سعي الحج؟ هذا لا يُمكن أن يُقال به.
ثم يُقال أيضًا: لو قلتم: إن سعي الحج قُدِّم، قلنا: هذا لا يصح، كيف يُقدم سعي الحج قبل الإحرام بالحج، وهل يمكن أن يركع الإنسان قبل أن يدخل في الصلاة؟ لا يمكن، وليس لمن قال بأن المتمتع يكفيه سعي واحد إلا ما يفيده ظاهر حديث جابر، قال: لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا؛ الطواف الأول (10).
والإجابة عن هذا سهلة جدًّا، ما هي؟ أن يُقال: المراد بأصحابه الذين لم يحلوا وكانوا مثله، وهذا سهل الإجابة عنه، فالصواب المقطوع به عندي أنه لا بد من طواف وسعي في الحج، كما أنه قد طاف وسعى في العمرة.
قال المؤلف (أو غيره، ولم يكن سعى مع طواف القدوم) (أو غيره) غير من؟ غير المتمتع، وهو القارن والمفرد، فيسعى بعد طواف الإفاضة إن لم يكن سعى مع طواف القدوم، فإن كان سعى مع طواف القدوم كفى؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان قارنًا وسعى بعد طواف القدوم، ولم يعد السعي مرة أخرى (11)، ولأنه لا يجب في الحج سعيان، فإن قال قائل: قد أوجبتم طوافين؛ طواف القدوم، وطواف الإفاضة.
قلنا: لم نوجب طواف القدوم، بل هو سُنة.
وقوله رحمه الله: (ولم يكن سعى مع طواف القدوم) يفيد أن تقديم سعي الحج في القارن والمفرد لا يكون إلا إذا وقع بعد طواف القدوم، أريد بهذا لو قدم السعي على طواف القدوم يجزئ ولّا ما يجزئ؟ ما يجزئ؛ لأنه لم يكن بعد طواف نسك.
وبه نعرف خطأ من أفتى أهل مكة الذين يحرمون بالحج من مكة أن يطوفوا بالبيت ويسعوا بين الصفا والمروة بنية سعي الحج، وجه الخطأ أن هؤلاء لا قدوم لهم، طواف القدوم إنما يشرع لمن قدم إلى مكة من خارج مكة، وهؤلاء طوافهم ليس طواف قدوم، فلا يجزئهم تقديم السعي، وهذه الفتوى وهم لا أساس لها من الأدلة، ولهذا انظر كلام المؤلف: (ولم يكن سعى مع طواف القدوم) ولا طواف للقدوم في أهل مكة.
(ثم قد حل له كل شيء) ماذا يريد بكل شيء؟ يعني النساء، حتى النساء تحل.
هل تحل له امرأته في آخر نهار العيد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تحل، نعم؛ لأنه رمى وحلق وطاف وسعى، فتحل له، مع أنه باقٍ عليه المبيت والرمي، نقول: هذا لا أثر له في الحل أو في التحلل.
قال: (ثم يشرب من ماء زمزم لما أحب) ظاهر كلامه -رحمه الله- أنه يشرب من ماء زمزم بعد السعي، وليس مرادًا، بل يشرب من ماء زمزم بعد الطواف؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شرب من ماء زمزم بعد الطواف، كما يدل عليه حديث جابر (12)، إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسعَ للحج؛ لأنه سعى مع طواف القدوم، ثم ما رواه أهل السنن من أنه شرب من ماء زمزم حين طاف أول ما طاف يعني طواف القدوم فقد شرب قبل أن يسعى (13).
(ثم يشرب من ماء زمزم)، وقوله: (لما أحب) اللام للتعليل؛ يعني: يشرب من أجل أن يحمله على ما يحب، إذا شربه لظمأٍ روي، إذا شربه لجوع شبع، إذا شربه لمرض شفي بإذن الله، إذا شربه لنسيان هل يقوى حفظه؟ بعض العلماء ولا سيما المحدثون يفعلون هذا، يشربون ماء زمزم لقوة الحفظ، استنادًا إلى الحديث: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (14).
وهذا فيه تردد، أما شربه لإزالة العطش فواضح، لرفع الجوع واضح، للمرض واضح؛ لأن المرض علة بدنية عضوية، يمكن أن يزول بشرب زمزم كما يزول العطش والجوع، لكن مسائل معنوية عقلية الإنسان يشك في هذا، إلا أن نقول: لا يضرك، انْوِ ما تريد إن كان الحديث يتناوله حصل لك المقصود، وإلا لم تأثم، لو شربه الفقير للغنى نقول: إذا كنا نتردد في شربه للحفظ وقوة الحفظ فمن باب أولى للغنى.
لو شربه إنسان خطب امرأة وهو بين الرد والإجابة، وشربه لأجل يجيبونه، نعم، إذا أخذنا بالعموم قلنا: لما شرب له، لكن مثل هذا لا يظهر لي -والله أعلم- أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أراده؛ لأن هذه لا علاقة لها بالبدن الذي يستفيد بالشرب.
يقول: (لما أحب، ويتضلع منه، ويدعو بما ورد) يتضلع منه؛ يعني: يروى كثيرًا حتى تتسع أضلاعه من كثرة الماء في بطنه؛ لأنه ورد أن التضلع من ماء زمزم هو الفرق بين المؤمن والمنافق؛ لأن المؤمن يؤمن بأنه شفاء وأنه نافع، والمنافق لا يؤمن بهذا، فالمنافق لا يشرب منه إلا عند الضرورة لدفع ضرورة فقط، والمؤمن يشرب ويتضلع رجاء بركته التي جاءت في الحديث: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (14).
قال بعضهم: ويستقبل القبلة، ولكن هذا ضعيف؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شرب من ماء زمزم (15) ولم يرد عنه أنه استقبل القبلة، ولا أنه رفع يديه يدعو بعد ذلك، لكن ورد فيه أدعية أشار إليها المؤلف -رحمه الله- أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يشرب من ماء زمزم دعا بدلو –الدلو: الذي يُسقى به الناس- فأراد عمه العباس أن يرسل الفضل ابنه إلى أم الفضل لتعطيه من الماء الذي كان قد خبأه عندها، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم وشرب مما يشرب الناس منه (16)، كل هذا ليدفع التكلف عن الأمة، وتواضعًا لله عز وجل.
كما رد المنديل حين أتته به ميمونة رضي الله عنها بعد أن اغتسل (17)؛ لئلا تتكلف الأمة في مثل هذه الأمور، وهذا هو المناسب طِبًّا في الوقت الحاضر، كما سمعنا الآن أن فيه بعض الولايات في البلاد الكافرة ولاية كاملة بدؤوا يدعون القول: لا تتنشف بمنشفة تنشف بها غيرك، وما أشبه ذلك، ولا تشرب في إناء شرب منه غيرك، وقالوا: إن هذا يضر البدن؛ لأنه يصبح غير قادر على المقاومة والمناعة، وهذا -فيما يبدو والله أعلم- صحيح.
طالب: بارك الله فيكم هل الشرب من ماء زمزم بعد الطواف سنة مقصودة؟
الشيخ: والله يا أخي أنا عندي فيها تردد يعني كونه يقع بعد الطواف، أما أصل الشرب من ماء زمزم سنة، لكن كونه بعد الطواف يحتمل إن الرسول فعل هذا؛ لأنه أيسر له، أو لأنه عليه الصلاة والسلام عطش بعد الطواف، أو ليستعد للسعي، لكن اشرب، والحمد لله ما فيه إلا خير.
طالب: أحسن الله إليك، جمرة العقبة من المكان الذي كان فيه جبل لا يوجد حوض، هل يجزئ الرمي فيه؟
الشيخ: لا، هو كان بالأول وضعوا جدارًا عريضًا يغطي كل الحوض، فصار الناس يأتون ويرمون من نحو الجدار، ويقع في الأرض، بعد ذلك هدموا الجدار وأبقوا العمود فقط، وهذا فتح الباب للناس؛ لأنهم صاروا يشاهدون الحوض فيرمون من الخلف، ولكن تقع الحصات في الحوض.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، هل على الحاج صلاة العيد؟
الشيخ: الحاج؟ لا ما عليه صلاة العيد.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة لماء زمزم هل يشرع أن يصب على الرأس للتبرد به، وللشفاء من الأمراض؟
الشيخ: بعض العلماء قال: إنه يرشه على رأسه وعلى صدره، لكن الشيء الذي لم تثبت به السنة لا تفعله، هذه أمور غيبية، ربما يفعل الإنسان هذا الشيء ويشفيه الله عز وجل فتنة، ولذلك نسمع أن بعض الناس الذين يأتون إلى القبور يدعون القبور يُستجاب لهم، فتنة من الله عز وجل، كما اختبر سبحانه وتعالى الصحابة في سهولة تناول الصيد وهم محرمون.
طالب: أحسن الله إليك، كثير من الحجاج يأخذون ماء زمزم معهم إلى بلادهم، وهناك يزيدون عليه ماء كثيرًا ويوزعون على الناس؟
الشيخ: هذا غش، أما نقله إلى بلاد أخرى لا بأس، والخصائص التي فيه تبقى، أما خلطه بماء كثير أخشى أن يخلط اللتر بعشرة أرتال، أو لا؟ تزول فائدته، يضمحل.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، كنت ذكرتم في التقصير بالنسبة للرجل أنه لا بد يكون تقصيرًا بيِّنًا بحيث اللي يراه يراه مقصرًا، هل هذا مثلًا تقصير بالنسبة يعرف أن له شعرًا كثيرًا، أهله حين يرونه بعد التقصير يرون واضحًا التقصير فيه، لكن غيره لا يرى أي شيء؟
الشيخ: القصد أن بعض الناس يقصر من جهة، إذا قصر من جهة علم أنه ما قصر من بقية الرأس، ولا نعم اللي ما كان يراه من الأول ما يدري هل هو مقصر ولّا ما قَصَّر.
طالب: هل يجوز التحلل بالحلق خارج الحرم؛ يعني خارج الأرض؟
الشيخ: إي نعم، يجوز أن يحلق في كل مكان، ولكنه يبقى عليه التحلل الثاني.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هل يقال: إنه ينبغي للإنسان بعد أن يتحلل ويفرغ من إحرامه أن تتغير حاله عن ما كانت قبل الإحرام..
الشيخ: من أي ناحية؟
طالب: من ناحية العبادة والإكثار من الذكر والدعاء..
الشيخ: تتغير؟
طالب: يعني قبل أن يتحلل كان مقبلًا على الله بالدعاء، كان تاركًا لأهله أو مداعبة أطفاله ومن معه من زملائه، فيتغير حاله يعني استبشارًا بخروج الحج مثلًا هذه الأيام الثلاثة.
الشيخ: أما يتغير حاله إلى ترك الطاعة وفعل المعصية لا، أما يتغير حاله عن الالتزام بمحظورات الإحرام واضح، تتغير، لا بد أن تتغير، وأيضًا يوم النحر يوم عيد يوم فرح وسرور، وإذا كان معه أهله وحل التحلل الثاني فأنت سألت وتجيب نفسك.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، مثل العضو اللي يوجع الإنسان يا شيخ، وحضر عند ماء زمزم، ما ترى أنه يغسل شيئًا من ها العضو؟
الشيخ: لا أنا ما أرى هذا، أرى أنه يشرب ليبرأ.
طالب: جزاك الله خيرًا، هذه مهمة يا شيخ.
الشيخ: إي، هذه إن شاء الله.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، معنى لا إله إلا الله عندما كانت خير الدعاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (18)، معناها إيه يا شيخ؟
الشيخ: معناها أن هذا الذكر أفضل الأذكار؛ لأنه مبنى التوحيد، ولا يتم الإسلام إلا به، أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهذا الذكر في الحقيقة دعاء عظيم؛ لأنك أنت لم توحد الله إلا ترجو المغفرة والثواب.
طالب: أحسن الله إليك، ما رأيكم في قول بعض العلماء إنه يشرع شرب ماء زمزم واقفًا.
الشيخ: أرى أنه ليس بصواب، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما شرب واقفًا لضيق المكان، فإن الدلو إذا رُفع للرسول عليه الصلاة والسلام وشرب فالمكان واسع، لكن لو جلس ضاق المكان، نعم.
طالب: بالنسبة للرمي، إذا لم يتيقن الرامي وقوع الحصاة في الحوض ما عليه؟
الشيخ: لا جواب على هذا، ما سبق لنا البارحة ويش قلنا: يكفي غلبة الظن، نعم.
طالب: يرى (... ) الطيب، وإذا لمسه قبضًا يعلق، هل له أن (... ) السنة أو (... ).
الشيخ: لا، ما يجوز، إذا علم أنه لو استلمه علق بيده أو لو قبَّله علق بشفته ما يجوز.
طالب: (... ).
الشيخ: إي؛ يعني هؤلاء الذين وضعوا الطيب منعوا المسلمين من هذه السنة.
طالب: أحسن الله إليك، امرأة بقي عليها طواف الإفاضة وطرأ عليها الحيض، هل يجوز لها المكث في بيتها إلى أن تطهر، وذلك خارج مكة؟
الشيخ: إي نعم، هذا سؤال مهم، امرأة أصابها الحيض قبل أن تطوف طواف الإفاضة، إذا كان يمكنها أن تبقى هي ومحرمها في مكة فهذا هو الأفضل لا شك، وإذا كان لا يمكنها خرجت من مكة إلى بلدها وتبقى على ما بقي من إحرامها؛ يعني إذا كانت مزوجة لا يقربها الزوج، ولا يُعقد عليها النكاح على القول اللي ذكرنا.
لكن أنصاف طلبة العلم صاروا يفتون النساء بما أفتى به شيخ الإسلام -رحمه الله- من لا تتمكن من طواف الإفاضة، وقالوا لو كان أهلها في جدة فإنها تتحفظ وتطوف ولو كانت حائضًا، وهذا غلط عظيم، غلط على العلماء، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يحبس كل اللي معه ويريدون مصاحبته حتى تطهر صفية كيف نخلي المسألة بهذه السهولة؟ !
وشيخ الإسلام -رحمه الله- إنما جعل المسألة في صورة صعبة جدًّا، قال في امرأة إذا سافرت لا يمكنها أن ترجع إلى مكة، فهذه إما أن نقول: إنها محصرة، تذبح الهدي في مكة، ولكن حجها لم يتم، وهذا لا شك أنه ضرر عليها، هي ما وصلت إلى مكة إلا بشق الأنفس، ثم نقول: لا حج لها، مُشكل، وإما أن تبقى محرمة مدى الدهر حتى ترجع إلى مكة، وهذا أيضًا مُشكل، وإما أن تتلجم -يعني: تتحفظ- وتطوف، أي ها الأقوال اللائق بالشريعة الإسلامية؟ الثالث.
أما امرأة في المملكة الحمد لله لو شاءت لرجعت إلى مكة في يومها، ورجعت في يومها إلى بلدها، يقول: تتلجم، هذا ما هو صحيح أبدًا، ولذلك يجب التنبه لهذا وعدم التسرع في الإفتاء إلا عن عالم يُعرف.
طالب: قال المصنف -رحمه الله تعالى- في باب تصفية الحج والعمرة من كتاب المناسك: ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال، فيرمي الجمرة الأولى، وتلي مسجد الخيف بسبع حصيات، ويجعلها عن يساره، ويتأخر قليلًا، ويدعو طويلًا، ثم الوسطى مثلها، ثم جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي، ولا يقف عندها، يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال، مستقبل القبلة مرتبًا، فإن رماه كله في اليوم الثالث أجزأه، ويرتبه بنيته، فإن أخره عنه أو لم يبت بها فعليه دم، ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب، وإلا لزمه المبيت والرمي من الغد، فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع، فإن أقام أو اتجر بعده أعاده، وإن تركه غير حائض رجع إليه، فإن شق أو لم يرجع فعليه دم، وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع، ويقف غير الحائض بين الركن والباب داعيًا بما ورد، وتقف الحائض ببابه، وتدعو بالدعاء، وتستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقبري صاحبيه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبق لنا أن رمي الجمار يُفعل لأمور ثلاثة، قلها.
طالب: التعبد لله جل وعلا، والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم.
طالب آخر: إقامة ذكر الله عز وجل.
الشيخ: إقامة ذكر الله، التعبد لله يعني: امتثال أمر الله؛ لأن الله أمر بذلك في قوله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، والرمي جزء من أجزاء الحج.
الثاني: التأسي برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الثالث: إقامة ذكر الله.
ما الذي في رمي الجمار من ذكر الله؟
طالب: أحسن الله إليك، قول: الله أكبر عند الرمي، هذا القولي، والفعلي: رمي الحصاة.
الشيخ: نفس الرمي فهو ذكر قولي وفعلي كذا؟
متى يحل للمحرم جميع محظورات الإحرام؟
طالب: إذا رمى وحلق أو قصر وطاف.
الشيخ: وطاف ثلاثة.
الطالب: نعم.
الشيخ: يحل؟
طالب: يحل.
الشيخ: من جميع المحظورات، توافقونه؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، يلّا ويش تقول أنت؟
طالب: بعد طواف الإفاضة يا شيخ.
الشيخ: هو قالها، قال: رمي الجمرة والحلق أو التقصير وطواف الإفاضة.
طالب: بعد خمس من المناسك المعروفات.
الشيخ: المهم، عندك زود ولّا لا؟
الطالب: عندي زود.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: رمي الجمار.
الشيخ: لا، قالها.
الطالب: نعم؟
الشيخ: أقول: ذكرها.
الطالب: الحلق والتقصير.
الشيخ: أو التقصير، الحلق أو التقصير، نعم.
الطالب: وطواف الإفاضة والسعي بين الصفا والمروة.
الشيخ: والسعي بين الصفا والمروة.
الطالب: خليني بَعِدَّها من أولها يا شيخ.
الشيخ: عدها من أولها.
الطالب: رمي الجمار.
الشيخ: رمي جمرة العقبة.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: والثاني؟
الطالب: ذبح الهدي.
الشيخ: لا.
الطالب: ذبح الهدي يا شيخ بعد..
الشيخ: ما هو بشرط للتحلل.
الطالب: لأني أعرفها خمسة (... ).
الشيخ: لا، ما ضعت، لكن أنت تعرف خمسة ما هو يترتب عليها الحل.
طالب: يحل بالرمي والحلق أو التقصير.
الشيخ: الرمي والحلق أو التقصير، لا كله، التحلل كله؛ يعني التحلل الثاني.
نعم؟
طالب: الطواف.
الشيخ: قلها من أولها.
الطالب: جمرة العقبة، ثم الحلق أو التقصير.
الشيخ: الحلق أو التقصير.
الطالب: الطواف.
الشيخ: الطواف؛ طواف الإفاضة.
طالب: السعي بين الصفا والمروة.
الشيخ: السعي بين الصفا والمروة.
الطالب: إن لم يكن قد سعى.
الشيخ: لا، هو إذا سعى فقد حصل، نحتاج نقول: إن لم يكن سعى؛ لأنه إذا سعى معناه أن السعي سبق هذه الثلاثة، المهم يحصل التحلل الكامل بفعل أربعة أشياء؛ رمي جمرة العقبة، الحلق أو التقصير، الطواف بالبيت طواف الإفاضة، الرابع السعي سواء قُدِّم أو أُخِّر.
هل يمكن أن يحل التحلل كله قبل أن يبيت بمنى؟
طالب: التحلل الكامل قبل أن يبيت بمنى؛ يعني ليلة العشر.
الشيخ: ليلة العشر؟ ! لا، قبل أن يبيت بمنى ليلة إحدى عشر واثني عشر وثلاث عشر، يمكن؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يمكن.
طالب: يعني يوم العاشر يوم النحر يحصل؛ يعني يمكن أن يتحلل (... )، هو لم يرمِ جمرة العقبة ثم الحلق أو التقصير ثم طواف الإفاضة ثم السعي ثم التحلل من كل شيء.
الشيخ: توافقونه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الحمد لله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويدعو بما ورد ثم يرجع فيبيت بمنى ثلاث ليال) إلى آخره، ثم يرجع من مكة يخرج إلى منى، فيبيت بمنى ثلاث ليال الحادي عشرة والثاني عشرة والثالث عشرة، ثلاث ليال فيرمي الجمرة الأولى، وتلي مسجد الخيف بسبع حصيات، ويجعلها عن يساره إلى آخره، يرمي الجمرات الثلاث، يبدأ بالأولى، وهي التي تلي مسجد الخيف، وهي أبعد الجمرات عن مكة.
يقول: (ويجعلها عن يساره، ويكون مستقبل القبلة) إذا جعلها عن يساره وهو مستقبل القبلة صار يرمي هكذا، وهذا ما ذهب إليه الأصحاب رحمهم الله، والصواب أنه يجعلها بين يديه مستقبلًا القبلة، فيجعلها تلقاء وجهه؛ لأن هذا هو الذي يمكن أن يتمكن به من الرمي، فإذا جعلها بينه وبين القبلة تمكن من الرمي تمامًا، وإذا قُدِّر أن الزحام كان شديدًا من الناحية هذه ولكنه ليس بشديد من الناحية الأخرى فهل يزاحم في هذه الجهة أو يذهب إلى الجهة الأخرى التي هي أقل زحامًا؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، نعم يذهب إلى الجهة الأخرى التي هي أقل زحامًا، حتى يؤدي هذه العبادة وهو مطمئن لا يؤذي ولا يتأذى، ويتأخر قليلًا، وأطلق المؤلف القلة، ولم يحددها بذراعٍ ولا غيره، لكن غيره قال: يتأخر قليلًا بحيث لا يصيبه الحصى؛ يعني: حصى الذين يرمون، ونحن نقول زيادة على هذا: ولا يتأذى بالزحام؛ لأن الوقت تغير عن ما كان عليه العلماء سابقًا، فنقول: بحيث لا يصيبه الحصى ولا يتأذى بالزحام؛ لأن الرجل سوف يقف، فإذا وقف والناس يتزاحمون شق عليهم وعلى نفسه أيضًا، فيقف.
يقول رحمه الله: (ويدعو طويلًا) يعني: يدعو دعاء طويلًا، وبماذا يدعو؟ بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، ويكون رافعًا يديه مستقبل القبلة (ثم الوسطى مثلها ثم جمرة العقبة) يرمي الوسطى مثلها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة وظاهر كلام المؤلف أنه يجعلها عن يساره ولكن الذين قالوا بأنه يرمي الجمرات عن جنب، يقول: يجعل هذه عن يمينه، والصحيح أن يقال في هذه مثل ما قيل في الأولى أنه يجعلها بين يديه، مستقبل القبلة ما لم يكن الزحام شديدًا فيرمي من الجهة التي تيسرت.
يقول: (ثم الوسطى مثلها)، وبعد أن يرمي الوسطى يتأخر قليلًا؛ يعني: يتقدم بحيث لا يصيبه الحصى ولا يتأذى بالزحام، فيقف فيدعو الله تعالى دعاء طويلًا حسب ما يتيسر، ثم يرمي جمرة العقبة، ويجعلها عن يمينه، كما سبق في رميها يوم العيد، يجعلها عن يمينه، وتكون الكعبة أمامه.
لكنه سبق أن هذا ليس بصواب، وأن الصواب أن يجعلها تلقاء وجهه، وأن يجعل منى عن يمينه، والكعبة عن يساره، هكذا وقف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (19)، وهذا هو المناسب؛ لأنه في ذلك الوقت كانت الجمرة على أسفل الجبل جمرة العقبة والوادي من تحت، وإذا جعلها تلقاء وجهه صارت منى عن يمينه والكعبة عن يساره، وهذه نقول فيها ما قلنا في الجمرتين السابقتين، إذا قدرنا أن هذه الجهة فيها زحام شديد وأنك لو أتيتها من جهة القبلة صار أخف فاتبع الأخف والأيسر؛ لئلا تتأذى وتؤذي.
قال: (ويستبطن الوادي) يعني يأتيها من بطن الوادي، ولا يأتيها من فوق الجبل؛ لأن رميها من فوق الجبل فيه صعوبة؛ لأنه سيقف على حافة الجبل وتكون الجمرة تحته، وفيه صعوبة، ثم إنه لا يخشى أن يسقط، فيحصل بذلك ضرر أو تلف.
(ويستبطن الوادي ولا يقف عندها) بل إذا رماها انصرف، قال بعض العلماء: لأن المكان ضيق، فلو وقف لحصل منه تضييق على الناس وتعب في نفسه.
وقيل: لا يدعو؛ لأن الدعاء إنما يكون في بطن العبادة، وليس بعد العبادة، ولذلك دعا بعد الأولى ودعا بعد الوسطى، وهذه انتهى بها الرمي فلا يدعو؛ لأن الدعاء التابع للعبادة يكون في جوفها ولا يكون بعدها، والله أعلم، والذي نعلل به دون أن يعترض معترض أن نقول: هكذا فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (20)، وحينئذ لا أحد يستطيع أن يعترض.
والعلل التي لم يُنص عليها قد تكون خفية وقد تكون ظاهرة، والخفي لا ينبغي للإنسان أن يتمحل له؛ لأنه إذا كانت العلة خفية وتمحل لها الإنسان فما أيسر أن تُنقض.
يقول: (ولا يقف عندها، يفعل هذا في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال) يفعل هذا؛ أي: الرمي، على هذا الوجه في كل يوم من أيام التشريق، وأيام التشريق ثلاثة بعد العيد، وسميت أيام التشريق؛ لأن الناس يشرقون فيها اللحم؛ أي: ينشرونه إذا طلعت الشمس، فتشرق عليه الشمس وييبس ولا يعفن، فلهذا سميت أيام التشريق.
وقيل: إنها تسمى أيام التشريح أيضا؛ لأن الناس يشرحون فيها اللحم، المهم أنها (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: تمام، بارك الله فيك، يفعل هذا بعد الزوال، أي بعد زوال الشمس وجوبًا، ولا يجزئه قبل الزوال، فلو رمى قبل الزوال فهو كما لو صلى الظهر قبل الزوال؛ لأن الله تبارك وتعالى حد حدودًا فلا يجوز أن نعتديها، وتحديد الرمي بالزوال ظاهر من فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يترقب الزوال.
فمن حين أن تزول الشمس يرمي قبل أن يصلي الظهر، مما يدل على أنه لا يجوز الرمي قبل الزوال؛ لأنه لو جاز الرمي قبل الزوال لقدمه حتى من أجل أن يصلي الظهر في أول وقتها، كالذي ينتظر بفارغ الصبر أن تزول الشمس حتى يرمي ثم يصلي الظهر، علم أنه لا يجوز قبل الزوال، هذا وجه.
الوجه الثاني أيما أيسر للأمة أن ترمي قبل الزوال في الصباح أو بعد الزوال؟
الأول؛ لأنه بعد الزوال يشتد الحر ويشق على الناس أن يأتوا من مخيمهم إلى الجمرات، ومع شدة الحر يكون الغم مع الضيق والزحمة، فلا يمكن أن يختار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأشد ويدع الأخف فإنه ما خُيِّر بين اثنين بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا (21)، فنعلم من هذا أنه لو رمى قبل الزوال صار ذلك إثمًا، ولذلك تجنبه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثم لعل هناك أيضًا فائدة أخرى وهي الابتلاء، ابتلاء العباد، هل يرمون مع المشقة أو يتقدمون خوف المشقة؟
وليس هذا ببعيد أن يبتلي الله عباده في مثل هذا، لذلك نقول: لا يجوز لإنسان أن يرمي الجمرات في أيام التشريق قبل الزوال، رخص بعض العلماء في اليوم الثاني عشر لمن أراد أن يتعجل أن يرمي قبل الزوال، ولكن لا ينفر من منى إلا بعد الزوال، وبعضهم أطلق جواز الرمي قبل الزوال في اليوم الثاني عشر، ولكن لا وجه لهذا إطلاقًا مع وجود السنة النبوية، ولهذا قال ابن عمر: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا (22)، فلو قال قائل: إن الله تعالى يقول: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْه﴾ [البقرة: 203]، والأيام تكون في أول النهار وآخر النهار.
فالجواب أن هذا المطلق في القرآن بينته السنة، وليس هذا أول مطلق تبينه السنة، فما دام النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الله برمي الجمرات في هذا الوقت فإنه لا يجزئ قبله.
لم يذكر المؤلف إلى متى يكون الرمي، لكن سيشير إليه قريبًا (بعد الزوال، مستقبل القبلة مرتبًا) يعني يكون حين رميه مستقبل القبلة، وأين تكون الجمرات؟ تكون العقبة عن يمينه، والأولى عن يساره، والوسطى سكت عنها المؤلف، ولكنه قال: إنها مثل الأولى، فتكون عن يساره، وغيره قال: إنها تكون عن يمينه، والصواب أن الجمرات كلها تكون بين يديه.
يقول: (مستقبل القبلة مرتبًا) يعني بادئًا بالأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، دليل هذا أنه مرتب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (7)، والترتيب شرط، فلو بدأ بالعقبة ثم الوسطى ثم الأولى، ما الذي يصح؟ الأولى فقط، ونقول: ارم الوسطى والعقبة، ولو بدأ بالعقبة ثم الأولى ثم الوسطى تصح الأولى والوسطى؟ ونقول: ارم العقبة؛ لأنها صارت قبل أن يجوز رميها.
فالترتيب شرط، فإن خالفه ونكس فإن كان متعمدًا فكما سمعتم لا يصح منه إلا رمي الأولى، أو الأولى والوسطى على حسب المثال، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا، جاهلًا يظن أنه لا فرق بين أن يبدأ بهذا أو هذا، أو نسي أو تاه، فهل نقول: إنه يلزمه أن يعيد الرمي مرتبًا أو يسقط؟
في هذا قولان للعلماء، ونظيرها الترتيب في الوضوء، لو خالف الترتيب ناسيًا أو جاهلًا ففيه الخلاف، فمن العلماء من يقول: يسقط؛ لأن هذا وصف في عبادة وليس عبادة، والوصف يسقط بالجهل والنسيان، فنقول: إذا أمكن أن يعيد هذا (... ).
فأرجو أن لا يكون عليه بأس إن شاء الله.
قال رحمه الله: (فإن رماه كله في الثالث أجزأه ويرتبه بنيته) إن رماه أي الجمرات كلها في اليوم الثالث أجزأ، وظاهر كلام المؤلف أنه يجزئ ولا شيء عليه؛ بمعنى: لو أخر رمي جمرة العقبة يوم العيد ورمي الجمرات الثلاث يوم الأحد عشر ويوم اثني عشر، ورماها كلها في آخر يوم، يقول: لا بأس، يجزئ.
وفي هذا القول نظر، والصواب أنه لا يجزئ، وأنه يجب أن يرمي كل جمرة في يومها؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يرمي كل يوم في وقته، ويكلف نفسه أن يمشي إلى الجمرات، وأن يقف بعد الجمرتين الأولى والثانية، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (7)، ولأنه رخص للرعاة أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا (23)، وكلمة (رخص) تعني أن غيرهم غير مرخص لهم.
وهذا هو المتعين أنه لا يجوز أن يجمع الجمرات في آخر يوم إلا إذا كان هناك حاجة، الحاجة مثل أن يكون الإنسان مريضًا لا يستطيع أن يتردد كل يوم إلى الجمرات، أو يكون بعيدًا عن الجمرات يشق عليه التردد مثل أن يكون في آخر منى من الناحية الشرقية، فهذا يشق عليه أن يتردد، وربما يكون أبعد من هذا فنقول، إذا كان هناك سبب يقتضي أن يؤخر فلا بأس، وأما بدون سبب فلا وجه لهذا القول إطلاقًا.
وسبحان الله، النبي صلى الله عليه وسلم يأتي كل يوم ويرمي الجمرات، ونقول: لا بأس أن تجمع، هذا بعيد من الصواب، ولكن إذا جمع إما مطلقًا -على ما يفيده كلام المؤلف- وإما لعذر.
يقول المؤلف: (يرتبه بنيته) يرتبه: أي يرتب الرمي بنيته، فيرمي الثلاث أولًا عن اليوم الحادي عشر، ثم يعود ويرميها عن الثاني عشر، ثم يعود ويرميها عن الثالث عشر، ولا بد؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة، فلا بد أن يأتي بعبادة اليوم الأول قبل عبادة اليوم الثاني، ولا يجوز أن يجمع رمي الأيام الثلاثة في موقف واحد، فيرمي مثلًا الأولى بإحدى وعشرين حصاة عن ثلاثة أيام، والوسطى كذلك، والأخيرة كذلك، هذا لا يجوز؛ لأنه الآن دخل العبادات بعضها ببعض، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعلها كل يوم على حدة.
فإن قال قائل: ألستم تجيزون لمن ناب عن غيره في الرمي أن يرمي عن نفسه وعن موكله في مكان واحد؟
فالجواب: المسألة فيها خلاف، ما هي إجماعية، فمن العلماء من قال: إذا وُكِّل الإنسان في الرمي فلا بد أن يرمي أولًا عن نفسه الثلاث، ثم يعود فيرمي عن موكله، وإذا كان الذي وكله خمسة أو ستة يعود بعدد الموكلين؛ لأنها عبادة لا يمكن يتداخل بعضها ببعض.
ولكن من تأمل كون الصحابة رضي الله عنهم يرمون عن النساء وعن الصبيان فإن ظاهر الحال أنهم يرمون في موقف واحد، وإلا لقالوا فيرمي أحدنا عن نفسه ثم يعود فيرمي عن من توكل عنه، فنقول: لولا ظاهر فعل الصحابة لكان القول بأنه لا بد أن يرمي الثلاث أولا عن نفسه ثم عن موكله هو الصواب، لكن ما دام هذا ظاهر فعل الصحابة، ثم الحال تقتضي ذلك في الوقت الحاضر -هذا الزحام الشديد- كيف نلزم عباد الله بشيء لم يتبين فيه الدليل ظاهرًا؟ وهذه قاعدة ينبغي أن يبني الإنسان عليها كل شيء لا يكون فيه الدليل ظاهرًا، فلا تلزم به الناس مع المشقة؛ لأن الأصل براءة الذمة وعدم التكليف.
وما دام ليس هناك دليل ظني جدًّا أو قطعي فإن الأولى أن لا تلزم العباد، نعم، لو كان الناس مثل الأول كان في الأول ما تجد عند الجمرة إلا عشرة، عشرين فقط، هذا ربما يُقال: الاحتياط أولى، لكن الآن كما تشاهدون المسألة صعبة جدًّا، فلا يجسر للإنسان أن يلزم عباد الله بأمر فيه احتمال.
طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، التوكيل في الرمي أليس ظاهر حال الصحابة أنهم يتوكلون للحاجة لا للضرورة، يعني النساء والصبيان بالذات، يمكن يأتي الصبي فيرمي.
الشيخ: لا، قد يقال مثلًا إن الصبيان الذي لا يمكن، ولهذا قال الفقهاء -رحمهم الله- إذا أراد أن يرمي عن الصبي فالأفضل أن يجعلها في يد الصبي ثم يأخذها ويرمي عنه؛ يعني: يحملونهم معهم.
طالب: على هذا يا شيخ ضابط التوكيل؟
الشيخ: التوكيل نرى أنه بالوقت الحاضر الإنسان الذي لا بد أن يرمي في الزحام، فالمرأة توكل، ومن شاهد الواقع لا يستريب في جواز التوكيل، ولولا أن الصحابة توكلوا عن صغارهم ونسائهم لولا هذا لقلنا: إنه يسقط بالعجز عنه كسائر الواجبات، وكما قال به بعض المتأخرين؛ لأنه مع العجز عنه أو خوف التلف يسقط، لكن الصواب أنه لا يسقط ما دام جرى التوكيل أو الوكالة من الصحابة، فهم خير من يُقتدى بهم.
وأما تساهل الإنسان في التوكيل فغلط؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرخص للضعفاء أن يوكلوا بل أمرهم أن يتقدموا في الدفع من مزدلفة ليرموا قبل الزحام (24)، وأيضًا لم يأذن للرعاة أن يوكلوا، ويقول: وكلوا من تريدون وتبقون في مرعاكم.
طالب: لو مرض في اليوم الأول أو الثاني وهو يرجو البرء هل يوكل أم ينتظر؟
الشيخ: لا، ينتظر من مرض في أول أيام التشريق وهو يرجو أن يبرأ كزكام يسير وما أشبه ذلك فالأفضل أن ينتظر ويرمي الجمرات بعد ذلك.
طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، بالنسبة لمن له عذر في تأخير رمي الجمار إلى آخر يوم الدليل -بارك الله فيك- هو رخصة النبي صلى الله عليه وسلم للرعاة أن يرموا يومًا ويؤخروا يومًا، لكن يا شيخ -بارك الله فيك- الدليل أليس هو أخص من المدلول؛ لأنهم يرمون يومًا ويتركون يومًا، لكن إحنا قلنا: إنه يرمي آخر يوم، النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يرموا يومًا..
الشيخ: نعم، هذا يكون أصلًا في جواز التأخير، وإذا كان الإنسان يتكلف أن يأتي في اليوم الثاني عشر ثم يأتي في الثالث عشر قد يتكلف.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، من شك في جواز التوكيل في الرمي يا شيخ، كيف نجيز التوكيل في الحج كله من أوله إلى آخره ونمنع الضعيف اللي ما يستطيع؟
الشيخ: هل يجوز أن يتوكل الإنسان في الحج كله؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ويش الدليل؟
طالب: الدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للمرأة لما سألت وقالت: إن أبي لا يستطيع (25)..
ويُرَتِّبُه بنِيَّتِهِ، فإن أَخَّرَه عنه أو لم يَبِتْ بها فعليه دَمٌ، ومَن تَعَجَّلَ في يومينِ خَرَجَ قبلَ الغُروبِ، وإلا لَزِمَه الْمَبيتُ والرَّمْيُ من الْغَدِ، فإذا أرادَ الخروجَ من مَكَّةَ لم يَخْرُجْ حتى يَطوفَ للوداعِ، فإن أَقامَ أو اتَّجَرَ بعدَه أَعادَه، وإن تَرَكَه غيرُ حائضٍ رَجَعَ إليه فإن شَقَّ أو لم يَرْجِعْ فعليه دَمٌ، وإن أَخَّرَ طَوافَ الزيارةِ فطَافَه عندَ الخروجِ أَجْزَأَ عن الوَداعِ، ويَقِفُ غيرُ الحائضِ بينَ الركْنِ والبابِ داعيًا بما وَرَدَ، وتَقِفُ الحائضُ ببابِه وتَدْعُو بالدعاءِ، وتُسْتَحَبُّ زِيارةُ قَبْرِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ.
و(صِفَةُ العُمرةِ) أن يُحْرِمَ بها من الْمِيقاتِ أو من أَدْنَى الْحِلِّ من مَكِّيٍّ ونَحوِه لا من الْحَرَمِ، فإذا طافَ وسَعَى وقَصَّرَ حَلَّ، وتُباحُ كلَّ وقتٍ وتُجزئُ عن الفَرْضِ.
و(أركانُ الْحَجِّ): الإحرامُ، والوُقوفُ، وطَوافُ الزيارةِ، والسعيُ.
و(وَاجِبَاتُه): الإحرامُ من الْمِيقاتِ الْمُعْتَبَرِ له،
طالب: الدليل، بارك الله الله فيك، هو رخصة النبي صلى الله عليه وسلم للرعاة ليرموا يومًا ويؤخروا يومًا، الحديث، بارك الله فيك، الدليل ليس هو (... ) يوم لكن إحنا قلنا (... ).
الشيخ: هل يكون الأصل في جواز التأخير؟ وإذا كان الإنسان يتكلف أن يأتي في اليوم الثاني عشر، ثم يأتي في الثالث عشر قد يتكلف.
طالب: رضي الله عنك يا شيخ، من شك في جواز التوكيل في الرمي يا شيخ، كيف نجيز التوكيل (... ) كله من أوله لآخره ونمنع الناس الضعيفة اللي ما يستطيع؟
الشيخ: طيب، هل يجوز أن يتوكل الإنسان في الحج كله؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ويش الدليل؟
الطالب: الدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للمرأة لما سألته قالت: إن أبي لا يستطيع الثبوت على الراحلة.
الشيخ: طيب صحيح.
الطالب: ولكن..
الشيخ: الجواب: لأنه لما شرع في الحج صار فرضًا عليه، تعين أنه يقوم به كما قال عز وجل: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: 197]، وقال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29].
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أيهما أفضل للضعفاء أن يوكلوا بكل يوم يعني أم يُجمعوا في آخر اليوم الثاني إذا كانوا يتأخرون؟
الشيخ: أجبنا عنه، أجبنا عن هذا؟ أجبنا.
طالب: سؤالي ما تم يا شيخ.
الشيخ: إي، يتم إن شاء الله.
قلنا: الأفضل أن يؤخر، وهذا سأله الأخ، قال: مثلًا إنسان مريض يرجو أن يشفى في آخر أيام التشريق فهل يُوكِّل أو ينتظر؟ نقول: ينتظر، كمِّل؟
الطالب: عفا الله عنك يا شيخ، من الأول اللي يشق على الناس (... ) الجمرات، ما هو الزحام، الأول الزحام ما فيه زحام، لكن ها الحين القوي على خطر ما الضعيف؟ !
الشيخ: إي نعم، صحيح.
الطالب: (... ) ها الحين بعض الضعفاء (... ) اللي تتبعها الروعة، الروعة تمزع قلبها وهي (... ) يا شيخ المرة، كيف بنلزمها وهي (... )؟
الشيخ: لا، (... ) فأنا من الحين أقولك: أبدًا لها رخصة.
الطالب: اللي يدل على كلامي أنا الشيء الواقع.
الشيخ: إحنا على الواقع وإلا ما نطيعك، ولهذا أفتينا في يوم اثني عشر اللي بيتعجلون لازم يرمون بعد زوال قلنا: لا، رجعناهم، رجعنا الحريم من أثناء الطريق، قلنا: رجعوهن وتوكلوا عنهن في يوم اثني عشر، لكن غير يوم اثني عشر الحمد لله الليل كله محل للرمي.
طالب: (... ) جمعوا جمرات في يوم واحد بلا سبب، ماذا عليه؟
الشيخ: إي، هو إذا كان مقلدًا لمن أفتاه بذلك فلا حرج عليه، إحنا من قاعدتنا أن كل إنسان يعمل ما نراه خطأ بناءً على فتوى، ما عليه؛ لأنه فعل ما يجب عليه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
الطالب: إذا كان عن جهل؟
الشيخ: عن جهل إن شاء الله ما نرى عليه شيئًا، هذا من جنس الترتيل، اختلاف الترتيل.