الذي (يجمع أخلاطًا غير متميزة) لا يصح السَّلَم فيه؛ لأن هذه الأخلاط مجهولة مثل الغالية، الغالية يقولون: إنها نوع من النِّد، نوع من الطيب يجمع أخلاطًا لكنها غير متميزة؛ يعني بمعنى أننا لا نعرف أن نسبة هذا إلى الكل كذا وكذا، فإن تميزت بأن عُلِمت النسبة جاز.
يعني لو علمنا أن هذا الطِّيب مخلوط من ستة أنواع على وجه السواء، هل فيه جهالة؟ ما فيه جهالة؛ لأنا نعلم الآن أن نسبة كل واحد من هذه الأجزاء السدس، فلا يكون فيه جهالة، أما إذا كانت الأخلاط غير معلومة، فإنها مجهولة، فلا يصح.
وهل مثل ذلك لو أننا أسْلَمنا في مئة صاع مخلوط من الحمص والحلوى والكِشْمِش والفصفص، وما أشبه ذلك؟
طالب: نعم.
الشيخ: مثله، غير متميز، ما نعرف نسبة هذا من هذا، أما لو علمنا النسبة فلا بأس.
بأن قال: أسلمتُ إليك في مخلوط من الحمص والحلوى والكِشْمِش والفصفص، وما أشبه ذلك، ونسبة كل واحد إلى المجموع السدس، فهذا لا بأس به؛ لأنه معلوم.
والحاصل أن البيع في الصفة أضيق من البيع بالرؤية، يجوز أن أبيع عليك هذا الزنبيل اللي فيه أخلاط من الحمص والحلوى والكِشْمِش، وما أشبهها، وأنت تعلمه بالرؤية، لكن لا يجوز بالصفة؛ لأن البيع بالصفة أضيق من البيع بالرؤية.
وقوله: (المعاجين)، هذه معاجين تُجعل في الغالب للمرضى، تكون معاجين من أدوية متعددة، وأعشاب متعددة تُجمع وتُخلط وتُعطى المريض، وأنا أذكر أن الناس يستعملونها في أيش؟
طالب: في الجدري.
الشيخ: في الجُدَرِي، الجدري إذا أصاب الإنسان أول ما يصيبه يجمعون له من كل من نوع مما يمكن أن يطعمه، يجمعون له في تمرة أو شبهها، ويعطونه -هذا المجدور- الأكل فيما بعد، أو أكل هذا الطعام لا يستنكره؛ لأن المجدور -نسأل الله العافية- إذا بدأ الجدري، أو صار في طور الشفاء، إذا أكل شيئًا يستنكره ما أكله من قبل، يعود عليه الجدري، مما قد يُهلكه..
طالب: والحصبة.
الشيخ: والحصبة أيضًا، إي نعم، هذه يستعملها الناس -هذه المعاجين- للمرضى، فالمعاجين على هذا ما يصح السَّلَم فيها؛ لأنها مجهولة، ولكن الصحيح أنها يصح السَّلَم فيها؛ لأنه وإن كانت النسبة مجهولة، لكن النسبة قليلة، والغرض من ذلك منفعتها.
الطالب: (... ) الجدري إذا كان (... )؟
الشيخ: في الجمر، ويُبخِّره بها؛ لأجل ألا يستنكر من الرائحة في المستقبل.
قال: (فلا يصح السَّلَم فيه، ويصح في الحيوان والثياب المنسوجة من نوعين).
يصح السلم في الحيوان، كيف في الحيوان؟ يعني بأن أقول: أسلمت إليك ألف درهم بعشر شياه، ولكن لا بد من أن يُذكر نوع هذه الشياه، ووصفها، حتى لا يحصل اللبس في المستقبل.
الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بَكْرًا (7)، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص قد أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن ينفذ جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على إبل الصدقة البعير بالبعيرين، والبعيرين بالثلاثة (8).
وهذا دليل على جواز السَّلَم في الحيوان، ولكن لا بد من ذكر الجنس والنوع، وكل وصف يحتاج إليه السَّلَم.
ويصح أيضًا في (الثياب المنسوجة من نوعين)، مثل القطن والصوف، يجوز أن يُسْلم في ثياب منسوجة من القطن والصوف، أو من القطن والحرير وما أشبه ذلك، لماذا؟ مع أنها أخلاط متعددة؟
طالب: تميز..
الشيخ: لأنها معلومة ومتميزة.
كذلك يصح السَّلَم فيما (خِلطه غير مقصود) فيه خليط، لكن هذا الخليط غير مقصود، كالخبز فيه الملح، و (الجبن) فيه الإنفحَّة، والإنفحَّة معلومة لكم أظن؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: ليست بمعلومة، طيب، الإنفحة هي ما يكون في بطن الرضيع، الحيوان الرضيع أول ما يسقى اللبن، إذا ذُبح، وهو قد سقى اللبا، فإن هذا اللبا الذي في بطنه في (... ) يكون جبنًا، يعني لو تأخذ جزءًا قليلًا من هذا الذي في بطنه وتضعه في لبن صار جبنًا تجبَّن، وتعرفون الجبن، ولَّا فيه إشكال بعد؟
طالب: لا، مجرَّب.
الشيخ: مجرَّب، والدليل على ذلك أن الصغير من الضأن إذا ذُبح في أول يوم، ثم طُبِخ، فإن المرق إذا برد يكون جامدًا، يتجمد مع أن المرق كثير بالنسبة لما في (... )، لكن هذا الجبن -سبحان الله العظيم- لها تأثير قوي، فالجبن يكون فيه أيش؟ الإنفحة، يعني جزء يسير من هذا اللِّبا الذي في هذا الطفل من الحيوان، إذا ذُبِح يُجعل في اللبن يكون جبنًا، هذا لا يضر؛ لأنه كالملح في الطعام.
أيضًا (خلِّ التمر)، ويش فيه؟ خلِّ التمر فيه التمر، فأفادنا المؤلف أنه يجوز الإسلام في الخل، بأن تقول: أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع من الخل بعد سنة، يجوز؟ إي نعم، يجوز، وهنا خُذ بمئة صاع من الخل.
ليش قدرناه بالكيل دون الوزن؟ لأنه مائع، وكل مائع فهو مكيل، يُقدَّر بالكيل.
هل يجوز الإسلام في الشاهي؟
طالب: واقع..
الشيخ: لا، الشاهي المطبوخ.
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، فلو قلت مثلًا: أسلمتُ إليك مئة درهم بعشرة أباريق شاهي إلى سنة، يجوز ولَّا لا؟
طالب: ما يجوز..
الشيخ: انتبهوا، عشرة أباريق؟
الطلبة: لا، ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأنها مجهولة، حتى بالوزن ما يجوز أيضًا، لكن أُقدِّرها بالصاع، أسلمت إليك مئة درهم بعشرين صاعًا من الشاهي؟
طالب: ما ينبغي.
الشيخ: لا، ينبغي
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، أنا أُقدِّر يعني مثلًا كثرة الورق فيه أو قلته، الحلى أو قلته، هذا شيء مُقدَّر، لكن بمئة صاع، هذه لو تقولها عند العامة يمكن يطلقون عليك وصف مجنون، كيف مئة صاع شاهي؟ ما يصير!
لكن نقول: نعم، ما يقدر الشاهي إلا بالأصواع، وكيفية ذلك أن نأتي بإناء يسع صاعًا، فإذا كان مئة صاع يكون ملء هذا الإناء مئة مرة، أو يُوزن الصاع مثلًا، ويشاف قدره من الكيلو، ثم تُوزن البقية على هذا المقدار.
المهم أن الشاهي يجوز الإسلام فيه؛ لأن الورق الذي يكون فيه مقصود ولَّا غير مقصود؟
الطلبة: غير مقصود.
الشيخ: غير مقصود، فهو كخل التمر.
وأما (السكنجبين) فلا أعرفه، ولكن على كل حال، هذا يظهر لي -والله أعلم-أنه نوع من الحلوى يُوضع فيه أشياء أجزاء غير مقصودة.
والمهم أن كل خِلْط متميز أو غير مقصود فإنه لا يمنع من جواز السَّلَم، وكل خِلْط لا يتميز وهو مقصود فإنه يمنع جواز السَّلَم.
وعلى هذا فلو ورد عليك سؤال: هل يجوز الإسلام في الأشياء المختلطة؟ فما الجواب؟
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل على النحو التالي:
إذا كان الخلط غير مقصود جاز، مثاله: الإنفحة في الجبن، والتمر في الخل، وورق الشاهي في الشاهي، و (... ) القهوة في القهوة، وما أشبه ذلك، هذا غير مقصود.
ثانيًا: إذا كان مقصودًا لكنه متميز، ما تقولون؟ جائز ولَّا غير جائز؟
الطلبة: جائز.
الشيخ: جائز، مثل الثياب المنسوجة من نوعين، فإن هذا النسيج مقصود، لكنه متميز معلوم.
الثالث: إذا كان الخلط مقصودًا غير متميز فلا يجوز الإسلام فيه؛ وذلك للجهالة، ودليل هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر (9). فلا يكون جائزًا.
قال المؤلف رحمه الله..
طالب: الخل، التمر في الخل (... )؟
الشيخ: الخل هو أن يوضع التمر في الماء، يُوضع تمر في ماء، ويبقى لمدة يوم أو يومين، فيكتسب الماء من حلاوة التمر، يمتصه، ويبقى التمر ما له قيمة بعد هذا، ومثله أيضًا خل العنب مثله، ومثل خل العصير، كل شيء غير مقصود فلا يضر.
طالب: هذا النبيذ يا شيخ؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: هذا النبيذ.
الشيخ: إي، خل التمر هو النبيذ.
قال المؤلف: (الثاني) يعني من الشروط، (ذِكْر الجنس والنوع، وكل وصف يختلف به الثمن ظاهرًا)
يُشترط في السَّلَم أن يذكر الجنس والنوع والوصف، والقدْر سيأتي أيضًا أنه شرط، ذكر الجنس والنوع والوصف والقَدْر، وسيأتي ذكر القَدْر في شرط مستقل.
(ذكر الجنس والنوع والوصف) مثال ذلك: البُرُّ جنس، والحنطة..
طالب: نوع.
الشيخ: نوع، رديء متوسط وصف، فإذا أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع، فلا بد أن أقول: أسلمتُ إليك مئة درهم بمئة صاع من البُرِّ حنطة جيد، أو أقول: رديء أو متوسط.
لو قلت: أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع حنطة جيد، يجوز ولَّا لا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأنني لم أذكر الجنس، ما ذكرت الجنس، أنا قلت: بمئة صاع حنطة، فذكرت النوع، ولم أذكر الجنس.
لو قلت: أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع بُرٍّ جيد..
طالب: لا يجوز.
الشيخ: السبب؟
الطالب: النوع..
الشيخ: لأني ما ذكرت النوع، مئة صاع بر، ربما يجيب لي القيني، ربما يجيب المير، ربما يجيب الحنطة، ربما يجيب المكسباي، ربما يجيب.. ما أدري.
فإذا لم يُذْكر النوع، فلا شك أنه لا يجوز للجهالة الواضحة، وإن ذُكِر النوع دون الجنس فظاهر كلام المؤلف..
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن المؤلف يقول: (ذِكْر الجنس والنوع).
إذا أسلمتُ إليك في تمر، أسلمتُ إليكَ مئة درهم بمئة صاع من التمر، فلا بد أن أقول: من التمر البَرحي الجيد، فلو قلت: أسلمتُ إليك مئة درهم بمئة صاع من البرحي الجيد، يجوز ولَّا لا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: على كلام المؤلف لا يجوز.
والقول الثاني في المسألة: أنَّ ذكر النوع كافٍ عن ذكر الجنس؛ لأن النوع أخص، والأخص يدخل فيه الأعم، فلا حاجة من ذكر الأعم، وهذا القول هو الراجح، بل هو ظاهر المذهب؛ لأن صاحب المنتهى، وهو العمدة في مذهب الإمام أحمد عند المتأخِّرين لم يذكر ذِكر الجنس، فعلى هذا نقول: القول الراجح في المسألة أن ذكر النوع كافٍ.
ذكر النوع يكفي؛ لأنه إذا قلت: أسلمتُ إليك مئة درهم بمئة صاع من البرحي الطيب، فيه إشكال ولَّا ما فيه إشكال؟ ما فيه إشكال، لكن بمئة صاع من التمر الطيب فيه إشكال.
طيب إذا قلت: أسلمتُ إليك ألف درهم بخمسين رأسًا من الغنم، طالما وقع (منفرد)، يعني خمسين رأسًا؛ يعني خمسين شاة، بخمسين رأسًا من الغنم، يجوز ولَّا لا.
الطلبة: لا يجوز..
الشيخ: ليش؟ لأن الغنم يشمل الماعز والضأن، فهو جنس، لا بد أن أقول: من الغنم الضأن، وأذكر الوقت؛ رباع، ثنِيّ، جيد رديء، المهم على كل حال، الكلام على الجنس والنوع، فلو أقول: أسلمتُ إليك ألف درهم بخمسين رأسًا من الغنم ما صح، بخمسين رأسًا من الضأن؟
الطلبة: على رأي المؤلف.
الشيخ: على رأي المؤلف..
الطلبة: لا يجوز..
الشيخ: لا يصح حتى يقول: من الغنم الضأن، وعلى القول الراجح يصح؛ لأن ذكر الأخص يستلزم ذكر الأعم، ولا عكس إذن.
وقال المؤلف: (وكل وصف يختلف به الثمن ظاهرًا).
طالب: طيب العرف، عندنا العرف في الحنطة البُر؛ يعني الحنطة تشمل جميع الأنواع..
الشيخ: جميع أنواعه.
تكون الحنطة جنسًا، فلا بد من ذكر النوع.
قال المؤلف: (وكل وصف يختلف به الثمن ظاهرًا).
(كل وصف يختلف به الثمن) اختلافًا (ظاهرًا) مثل الجودة والرداءة، والسن في الحيوان وشبهه، والقِدَم والحداثة، وما أشبه ذلك، كما ذكر المؤلف، (كل وصف يختلف به الثمن ظاهرًا وحداثته وقدمه).
(حداثته) يعني كونه جديدًا (وقِدَمه) كونه قديمًا، أيهم أحسن القديم أو الجديد؟
طالب: يختلف.
الشيخ: يختلف، كيف يختلف؟
الطالب: (... ) الطريقة.
الشيخ: متى يأخذ (... )، علِّل؟
الطالب: (... ).
الشيخ: متى يكون أحسن؟
الطالب: مثل السيارات، ممكن يكون موديل قديم أحسن.
الشيخ: يقولون: إن البُر الجديد أقل رغبة من البُر القديم؛ يعني مثلًا البر اللي من العام الماضي أرغب عند الناس من البر الذي من هذه السنة؛ لأنه عند العجن، وعند الطبخ يكون أحسن وأكثر شربًا للماء.
على كل حال إذا كان الوصف بالقِدم أرجح يَذْكُر الوصف بالقدم، إذا كان الوصف بالحداثة، الجِدَّة، أرجح يذكر ذلك، إذا لم يكن أحدهما أرجح من الآخر، هل نحتاج إلى ذكر ذلك ولَّا لا؟ ما نحتاج، ما دام أنه ما يختلف فيه الثمن، فإنه لا حاجة إلى ذكر الحداثة والقدم؛ لأن المعتَبر الوصف الذي يختلف به الثمن اختلافًا ظاهرًا.
طيب، الألوان، يختلف بها الثمن ولَّا لا؟
الطلبة: لا..
الشيخ: قد يختلف اختلافًا بعينه، وقد لا يختلف، ولَّا لا؟ قد يكون مثلًا بعض الناس، بعض الألوان تُرغب رغبة تزيد بها القيمة، وقد تكون بالعكس، فكل وصف يختلف به الثمن اختلافًا ظاهرًا فلا بد من ذِكْره، وأما ما لا يختلف به الثمن إلا اختلافًا يسيرًا تجري العادة بالتسامح فيه فليس بشرط.
قال المؤلف: (ولا يصح شرط الأردأ أو الأجود، بل جيد ورديء).
يعني ما يقول: أسلمتُ إليك مئة درهم بمئة صاع من البر حنطة أجود ما يكون، هذا ما يجوز، السبب؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: لتعذُّر الإحاطة بهذا الوصف، إذ ما من جيد إلا وفيه أجود منه.
أجود ما يكون، وفيه أجود ما في السوق، أقول له: لا، روح البريدة (... ) بها أجود من عنيزة، راح البريدة، وجاب أجود ما في البريدة، أقول له: لا، يمكن بالرياض أجود، راح، وجاب لي أجود ما في الرياض، أقول: يمكن في مكة، يمكن هذا ولَّا لا؟ يمكن، وفي مكة أجود من اللي بالرياض، جاب اللي في مكة، قلت: لا، يمكن في القاهرة، يمكن ولَّا ما يمكن؟
يمكن يكون في القاهرة، وجاب لنا القاهرة، قلت: يمكن يكون في واشنطن، ولَّا لا؟ فإذا جاب من واشنطن، أقول: يمكن يكون في موسكو، يروح على عواصم العالم هذا؟
ولهذا يقولون: لا يصح شرط الأجود، شرط الأجود ما يصح؛ لأنه ما في شيء جيد إلا وفيه أجود منه، ومن يحيط بالأجود؟
طيب (الأردأ) يصح؟ ما يصح، فإذا قال مثلًا: أسلمت إليك مئة ريال بمئة صاع بُر حنطة أردأ ما يكون؟
طالب: (... ) أيش (... ) الأردأ؟
الشيخ: هذا اللي قال (... ) الغنم، قال: أردأ ما يكون، ليش أردأ ما يكون؟ قال: نعم؛ لأنه لو جه بشيء زين، أخشى أني ما أعطيه غنمي، أنا رجل شحيح، ما شوفت (... ) أردأ شيء يلَّا أعطيه له، يمكن يريد الأردأ، هذا أيضًا ما يصح؛ لأنه لو جاب (... ) أردأ ما في البلد، أقول له: روح دوِّر في بلد آخر؛ لأنه يجيب له أردأ ما يكون.
هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وقيل: يصح شرْط الأجود، ويُحمل على الأجود في البلد، أطيب شيء، ويصح الأردأ، ويحمل على أردأ ما في البلد.
وقيل: يصح الأردأ دون الأجود؛ لأن الأجود مطلوب، والأردأ في الغالب غير مطلوب؛ يعني ما فيه واحد تجيب له شيء رديء، ويقول: روح دوِّر لي على شيء أردأ منه.
هذا نادر، لكن جيد يمكن يقول: دوِّر لي أجود منه، فالمسألة إذن فيها ثلاثة أقوال:
قول: أنه لا يصح شرط الأردأ والأجود مطلقًا، وهذا هو المذهب، وعِلَّته أن هذا الوصف لا يمكن تحقيقه، إذ ما من شيء أجود إلا وفيه أجود منه، وما من شيء أردأ إلا وفيه أردأ منه، ومثلًا نتحقق أننا وصلنا إلى القمة أو إلى الصفر.
القول الثاني: يصح شرط الأردأ دون الأجود؛ لأن الأردأ ما من أحد إذا جئت له برديء يقول: هات أردأ منه إلا نادرًا، والنادر لا حكم له.
والقول الثالث: يصح شرط الأردأ والأجود، ويُحمَل على أردأ ما يكون في البلد وأجود ما يكون في البلد، وهذا أحسن شيء، وهذا هو الذي عليه العمل في الأصل، وهذا هو الذي عليه العمل عند الناس.
مثلًا: بُر أطيب ما يكون؛ يعني أطيب ما يُوجد في البلد، ومعلوم عند الناس جميعًا أنه لا يمكن أن يكون المراد أن يُلزم بأن يطلب الأردأ والأجود من كل بقاع العالم، ولهذا قال: (بل جيد ورديء)، أيش معنى (جيد ورديء)؟ يعني يصح أن يكون الوصف (جيد) أو (رديء).
بأن يقول: أسلمت إليك مئة ريال بمئة صاع بر حنطة جيد، يجوز؛ لأن هذا الوصف يمكن الإحاطة به، وكذلك رديء، يجوز؛ لأن هذا الوصف يمكن الإحاطة به، وكذلك المتوسط؛ لأن هذا الوصف يُمكن الإحاطة به.
والحاصل أنه لا بد من ذكر الجنس -على رأي المؤلف- الجنس، والنوع، والوصف الذي يختلف به الثمن اختلافًا ظاهرًا، أما ما لا يختلف به الثمن اختلافًا ظاهرًا إلا شيئًا يسيرًا يُتغابن به، فإن هذا لا يلزم.
وكل هذا التحرير لنتفادى الوقوع في الغرر الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، فقد نهى عن بيع الغَرَر (6)، وإذا لم تتحقق هذه الأوصاف فإن الغرر سوف يتحقق..
طالب: نقول: إن المذهب أفضل يعني (... )؟ لا يشترط أفضل شيء (... )؟
الشيخ: لكن لو وقع هذا الأمر؛ يعني مثلًا قبل أن نعقد العقد ممكن نوجه الناس ونقول: لا تقولوا أردأ شيء، وأطيب شيء، لكن إذا وقع العقد على هذه الصفة؟ على المذهب يكون باطلًا، ما يصح، ونُلغيه، لكن على القول الثاني يصح.
(فإن جاء بما شرط، أو أجود منه من نوعه ولو قبل محله ولا ضرر قي قبضه لزمه أخذه).
(إن جاء بما شَرَط) أو أصح (إن جاء بما شُرِط) أو (إن جاء بما شرط) عليه المسلم، فاعل جاء يعود على، على مَنْ؟
طالب: الْمُسْلَم إليه.
الشيخ: إي، الْمُسْلَم إليه، يعود على الْمُسْلَم إليه، (بما شرَط) أي بما شَرطَ الْمُسلِم، أو (بما شُرِط) أي (بما شُرِط) في العقد.
إذا (جاء بما شُرط) لزم الْمُسلِم (أخذه)؛ لأنه وفَّى بما عليه، وهذا يقول المؤلف: (أو أجود منه من نوعه) يلزمه (أخذه)، فإذا كان شرط من النوع الرديء من التمر، فجاء بنوع ذلك التمر، لكنه أجود مما شُرط يلزمه (أخذه) ولَّا لا؟
طالب: يلزمه.
الشيخ: يلزمه؛ يعني لو قال: أسلمت إليك مئة درهم بعشرين صاعًا من السُّكري الوسط، وسط يعني ما هو جيد، فجاء إليه بعشرين صاعًا من السكري الجيد، يلزمه (أخذه) أو لا؟
الطلبة: يلزمه.
الشيخ: يلزمه (أخذه)، لماذا؟ لأنه زاده خيرًا، لكن يُشترط ألا يكون عليه ضرر في قبضه، في أخذ الجيد؛ فإن كان عليه ضرر لم يلزمه.
ما هو الضرر الذي يمكن أن تتوقعوه في هذا؟
الطلبة: المنة.
الشيخ: المنة، إي نعم، يمكن هذا الذي أتاني بالجيد في يوم من الأيام يُذكِّرني بذلك، إذا حصل معه أدنى مخالفة، كان هذا الجزاء، أني راح أعطيك جيد عن الرديء وأسوي بكذا وكذا، فإذا كان يخشى المنة عليه فله أن يرد، وإذا كان لا يخشى المنة كما لو عُرف بأن هذا الرجل الْمُسْلَم إليه رجل، نعرف أنه ليس بمنان؛ لأن بعض الناس -والعياذ بالله- منان، والمنان -كما تعرفون- لا يكلمه الله يوم القيامة، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم، إذا عُرف بأنه ليس بمنان، وأن هذا لا يمكن أن يطرأ على باله أبدًا، فإنه يلزم الْمُسلِم قبوله؛ لأن هذا مصلحة له، وامتناعه من قبوله نعلم أنه إنما أراد بذلك أيش؟
الإعنات والإشقاق على صاحبه، ومن قصد الإعنات والإشقاق على صاحبه بدون مصلحة له، فإنه يُمنَع من ذلك، وقد مر عليكم حديث أبي هريرة: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً عَلَى جِدَارِهِ» (10). ماذا قال أبو هريرة؟
الطلبة: ما لي أراكم..
الشيخ: ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم، أي لأرمين بالخشب بين أكتافكم، وليس المعنى (لأرمين بها) أي بهذه السُّنَّة، أو بهذه المقالة بين أكتافكم؛ لأن هذا لا يمكن أن يقع من أبي هريرة أن يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف الظهر، لكن المعنى أن أبا هريرة كان أميرًا على المدينة فقال: لأرمين بها بين أكتافكم، أجعلها على كتفكم، وهذا كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمحمد بن مسلمة أو جاره، لما أراد محمد بن مسلمة أن يُجري الماء في أرض جاره إلى أرض أخرى وراءه فامتنع الجار، فقال عمر: لأجرينه ولو على بطنك (11).
لأن في هذا مصلحة لك، أنت إذا مر الماء من أرضك فيه مصلحة، اغرس عليه، ازرع على جوانبه، فأنت في مصلحة، وصاحبك في مصلحة، والمهم أن هذا الذي جاء بأجود مما شُرط عليه إذا لم يكن على الْمُسْلِم ضرر، والمراد بالْمُسلم ضد الكافر؟
الطلبة: لا.
الشيخ: الْمُسلِم من دفع الفلوس، إذا لم يكن عليه ضرر لزمه الأخذ، فإن كان عليه ضرر لم يلزمه.
وقول المؤلف: (أو أجود منه من نوعه) أفادنا أنه لو أتى بنوع آخر لم يلزم قبوله ولو كان أحسن، مثاله؟
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، ما يلزمه أن يقبل، وإن كان السكري أحسن وأكثر قيمة ما يلزم، ولكن لو أخذه، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لو أخذه جاز، فإن جاء بجنس آخر؛ أسلم إليه في تمر، فجاء بِبُر؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: هذا مُخالِف في الجنس.
الطلبة: (... ).
الشيخ: ويجوز؟
طالب: يجوز.
الشيخ: المذهب لا يجوز، والقول الثاني: يجوز؛ وهو الصحيح، وعلى هذا فالمسألة لها ثلاث حالات:
إذا أتى به من نوعه..
ولو قُبِلَ مَحَلُّه ولا ضَرَرَ في قَبْضِه -لَزِمَه أَخْذُه.
(الثالثُ): ذِكْرُ قَدْرِه بكيلٍ أو وَزنٍ أو ذَرْعٍ يُعْلَمُ، وإن أَسْلَمَ في الْمَكيلِ وَزْنًا أو في الموزونِ كَيْلًا لم يَصِحَّ.
(الرابعُ) ذِكْرُ أَجَلٍ معلومٍ له وَقَعَ في الثَّمَنِ، فلا يَصِحُّ حالًا ولا إلى الْحَصادِ والْجِذاذِ ولا إلى يَوْمٍ، إلا في شيءٍ يَأْخُذُه منه كلَّ يومٍ كخُبْزٍ ولَحْمٍ ونحوِهما.
(الخامسُ): أن يُوجَدَ غالبًا في مَحَلِّه, ومكانِ الوَفاءِ, لا وقتَ الْعَقْدِ، فإن تَعَذَّرَ أو بعضُه فله الصبْرُ أو فَسْخُ الكُلِّ أو البعضِ, ويَأْخُذُ الثمَنَ الْمَوجودَ أو عِوَضَه.
(السادسُ): أن يَقْبِضَ الثمنَ تامًّا, معلومًا قَدْرُه ووَصْفُه قبلَ التَّفَرُّقِ، وإن قَبَضَ البعضَ ثم افْتَرَقَا بَطَلَ فيما عَداهُ، وإن أَسْلَمَ في جِنْسٍ إلى أَجَلَيْنِ أو عَكْسَه صَحَّ إن بَيَّنَ كلَّ جِنْسٍ وثَمَنَه وقِسْطَ كلِّ أَجَلٍ.
(السابعُ): أن يُسْلَمَ في الذِّمَّةِ فلا يَصِحُّ في عينٍ، ويَجِبُ الوَفاءُ مَوْضِعَ العَقْدِ، ويَصِحُّ شَرْطُه في غيرِه، وإن عُقِدَ بِبَرٍّ أو بَحْرٍ شَرَطَاهُ، ولا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فيه قبلَ قَبْضِه، ولا هِبَتُه، ولا الْحَوَالةُ به، ولا عَلَيْهِ، ولا أَخْذُ عِوَضِه، ولا يَصِحُّ الرَّهْنُ والكَفيلُ به.
﴿باب القرض﴾
وهو مَندوبٌ، وما يَصِحُّ بيعُه صَحَّ قَرْضُه إلا بَنِي آدَمَ،
يجوز، إذا أتى به من جنس آخر فالقبول حرام على المذهب، لا يجوز تقبله، والصحيح الجواز بشرط أن يكون بسعر يومه.
فصارت الأحوال ثلاثة الآن، انتبهوا لها.
يقول: (ولو قبل مَحِلِّه) ويش معنى مَحِلِّه؟ أي: حُلولُه.
(مَحِل) بكسر الحاء بمعنى: حلول، و (مَحَل) بفتح الحاء بمعنى: الموضع، تقول: هذا مَحَلُّك، أي: موضعك ومكانك.
لكن هذا محِلُّ الدَّيْن، أي؟
طلبة: وقت الحلول.
الشيخ: وقت الحلول، فالمحل بالفتح للمكان، وبالكسر للزمان.
وقوله: (ولو قبل مَحِلِّه) لكن قال: (ولا ضرر في قبضه لزمه أخذه): مثلًا هو يَحِلُّ في ربيع الأول، وجاء به في شهرنا هذا في ذي الحِجة، قال: أنت الآن أنا في ذمتي لك مئة صاع برًّا -حنطة- والآن تفضل خذها، هي تحل في ربيع الأول وخذها الآن في ذي الحجة، يلزمه أخْذُها ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: المؤلف يقول: يلزم بشرط أن لا ضرر في قبضه، إذا كان ما على المسلم ضرر في قبضه لَزِمَه قبْضُه؛ لأن في ذلك مصلحتين؛ مصلحة للمسلم، ومصلحة للمُسْلَم إليه.
أما الْمُسْلَم إليه فمصلحته: تخلُّصُه من هذا الدَّيْن وإبراء ذمته منه.
وأما المسلم فمصلحته: أنه عُجِّل له حقه، وما من أحد يُعَجَّل له حقه إلا كانت المصلحة له ولَّا لا؟ لكن ربما يكون هناك ضرر على المسلم في قبضه، فإذا كان عليه ضرر لم يلزمه قبضه.
مثال الضرر: لنفرض أن هذا الرجل لو قبض هذا البُرَّ في ذي الحجة وأتى عليه ثلاثة أشهر يزداد البر عتقًا، يكون عتيقًا بعد أن كان جديدًا وهذا ضرر، وأنا أحب أن يكون في ربيع الأول لأنه موسم العيش، فإذا أعطيتنيه الآن تضررت.
ومن الضرر أيضًا: أن يعطيه المسلم وليس عنده مكان يغسل به، يقول: والله هذا البُرُّ كثير، والمخازن عندي ما بعد فرغَتْ، وأنا أجَّلْتُه إلى ربيع الأول لأجل أن أُفَرِّغ المخازن، والآن ما فرَغَتْ، وعليَّ ضرر إن استعجلت مَحِلَّها، يجوز أن يمتنع من قبوله؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كذلك لو كان بيته يُخشى من الأمطار أن تَخر على المخازن، وموسم المطر ينتهي في صفر موسم المطر، ففي هذه الحال عليه ضرر إذا أعطاه إياه الآن.
وكذلك لو فُرض أن هناك نَهبًا أو قُطَّاع طريق أو لصوصًا أو ما أشبه ذلك يخشى إذا قبضه في هذه المدة أن يسطوا على هذا المال ويأخذوه، فلا يلزمه القبض.
ولهذا قال: (ولا ضرر في قبضه لزمه أخذه).
طالب: لو أسلمه (... ).
الشيخ: (الثالثُ: ذِكْرُ قدْرِه بكيلٍ أو وزنٍ أو ذَرْعٍ يُعْلَم) ولم يقل: أو عَدٍّ؛ لأن العَدَّ فيه تفصيلٌ، إن كان المعدود يختلف فإنه لا يصح الإسلامُ فيه، وإن كان لا يختلف صح الإسلامُ فيه.
قال المؤلف: (ذِكْرُ قدْرِه بكيل): فيما يُكال، (أو وزنٍ): فيما يُوزن، (أو ذرعٍ): فيما يُذرع.
ولكنه يقول: (يُعْلَم) يعني: يُعْلَم بين الناس ويكون معهودًا بين الناس، مثل: الصاع والْمُد والرطل والوزنة والكيلو وما أشبه ذلك، لا بد أن يكون معلومًا لدى الناس كلِّهم، فإن قلت: أسلمت إليك مئة درهم بملء هذا الإناء خمسين مرة من البر، يجوز ولَّا ما يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟
الطلبة: لأنه غير معلوم.
الشيخ: لأن هذا غير معلوم عند الناس، ولو تلف هذا الإناء بقينا في نزاع لا نهاية له.
فإن قال المسلم: أنا أحتفظ به.
فقال الْمُسْلَم إليه: لا، أخشى أعطيك إياه وتبدله بأكبر منه.
وتقول: هذا الذي اتفقنا عليه.
يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟ يمكن.
فإذا قال الْمُسْلَم إليه: أنا أحفظه.
قال المسلم: أخشى أن تبدله بأصغر منه.
فإن قالوا: يحتفظ به طرف ثالث لا أنا ولا أنت، قلنا: ربما يتلف من الطرف الثالث، ونبقى بعد ذلك في نزاع بخلاف ما إذا قيدناه بمكيال معروف معهود عند الناس، فهذا مأمون ولَّا لا؟
إذن كلمة: (يُعْلَم) ما هو بيعلم بين الطرفين، (يُعْلَم): يعني بين الناس ويكون مكيالًا معهودًا وصنجة معهودة وذراعًا معهودًا.
طالب: إذا كان إناء معروفًا مثل غارشية أو طاسة أو كذا..
الشيخ: غارشية ولَّا طاسة ولَّا كاس كله واحد.
الطالب: (... ) يعني معروف (... ).
الشيخ: إذا كان معروفًا.. بسيطة نجيب الغارشية هذه ونقيسها بالصاع المعهود ونشوف.
الطالب: لازم بالمعهود؟
الشيخ: إي، لازم بالمعهود؛ لأن مثل ما قلت: كل شيء يمكن تَلَفُه.
الطالب: أنا أقول: يعني لها غالب.
الشيخ: ما يخالف، لنفرض أن هذه طاسة نمرتها مثلًا خمسة وعشرون مكتوب عليها نمرتها، ألا يمكن أن تُعدَم من الأسواق فيما بعد؟ يمكن دائمًا الإنسان يدَوَّر من جنس هذه الطاسة ولَّا الغارشية ما يلقاه.
إي نعم الحمد لله بدل من هذا نقول: نُقَدِّرُه بالصاع المعروف.
الطالب: ما عندهم صاع (... ).
الشيخ: ما عندهم صاع؟ ! ما عندنا بلد ما فيه صاع يا شيخ.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي نفس الشيء مشكل هذا، فلا بد أن يكون معهودًا.
لو عيَّنَه قال: مئة صاع بصاع فلان؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: لا يجوز، وفيه التفصيل، (... ) واحد يقول: يجوز.
طالب: تفصيل (... ).
الشيخ: لا، يقول الفقهاء: يجوز لكن يبطل التعيين، يجوز لكن التعيين يبطل، ما دام أن صاع فلان هو صاع الناس فلا فرق بينه وبين هذا، إلا أن بعضهم قال: إذا كان صاع فلان معروفًا بالوفاء فإنه يلزم الأخذ بالتعيين.
ولكن الصواب: أنه لا يلزم التعيين، وإذا كان معروفًا بالوفاء فإننا نقول: صاعًا وافيًا وبس؛ لأن صاع فلان هذا المعين ربما يتلف، وبعض الناس يكون صاعهم وافيًا، وبعض الناس صاعهم غير وافٍ، كما أن بعض الناس يكون كيله وافيًا وبعضهم غير وافٍ.
قال المؤلف: (وإن أسلم في المكيل وزنًا أو في الموزون كيلًا؛ لم يصح)؛ لأنه لا بد أن يُقَدَّر بالمعيار الشرعي، والمعيار الشرعي في المكيل الكيل، وفي الموزون الوزن.
فإذا أسلم في المكيل وزنًا، أو في الموزون كيلًا لم يصح، لو قال: أسلمت إليك مئة درهم بمئتي كيلو تمرًا، أيش تقولون؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: ما يصح ليش؟ لأن التمر يكال مكيل.
ولو قال: أسلمت إليك مئة درهم بمئة مُدٍّ من اللحم، جاز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأن اللحم موزون.
الشيخ: لأن اللحم موزون، ولكن الصحيح خلاف ما قال المؤلف؛ أنه يجوز الإسلام في المكيل وزنًا وفي الموزون كيلًا؛ وذلك لأن التساوي هنا ليس بشرط، نعم في باب (الربا) كما تقدم لا بد من اعتبار الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن؛ لأنه يشترط التساوي، أما هنا فليس بشرط، فالصواب: أنه يجوز أن تسلم في المكيل وزنًا وفي الموزون كيلًا، وهو أحد القولين في المذهب ولا بأس به.
المعدود سبق لنا أن الذي لا يختلف يُسْلَم فيه عَدًّا، فإن كان يختلف يُسْلَم فيه وزنًا.
قال المؤلف: (الرابعُ: ذِكْرُ أجلٍ معلومٍ له وقْعٌ في الثمن)، هذه ثلاثة قيود: ذكر أجل، معلوم، له وقع في الثمن.
(ذِكْرُ أجلٍ): فإن أسلم ولم يذكر أجلًا أو ذكر حالًّا فإن السلم لا يصح، لا بد من ذكر الأجل.
فلو قال: أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع من التمر هكذا، واكتبوا العقد والشهود صح ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لعدم ذكر الأجل.
وإن قال: أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع من البُر إلى قدوم فلان.
طلبة: ما يصح.
الشيخ: لم يصح، لماذا؟ لأن الأجل غير معلوم؛ متى يقدم فلان؟ ! لكن قال: نُقَدِّره بشيء معلوم لا بد أن يأتي.. حتى ينزل عيسى، أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع من التمر إلى نزول عيسى ابن مريم.
يصح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ما هو بسينزل؟
طالب: ينزل لكن ما يأتي ما ينزل إلا وقد مات.
الشيخ: ما هو بعلى كل حال، وقد مات ما هو بعلى كل حال، هات عِلَّة غير هذه.
طلبة: (... ) غير معلوم.
الشيخ: مجهول لا يُعلم متى ينزل، إي نعم.
طالب: غير معلوم.
الشيخ: هذا غير معلوم.
(له وقْعٌ في الثمن) يعني معناه: أجل يتغير به الثمن، هذا معنى (له وقْعٌ في الثمن) يعني أن يكون الأجل يتغير به الثمن.
كيف يتغير به الثمن؟ لأنه مثلًا إذا جعلت الأجل إلى مدة يوم فقط هل يتغير الثمن؟ يعني هل السلع تتغير إذا بعت في أول النهار أو في آخر النهار؟ غالبًا لا، لكن قد تتغير في العُملة في النقود تتغير بين عشية وضحاها، لكن غالب السلع من الطعام والثياب وما أشبه ذلك الغالب أنها ما تتغير في يوم أو يومين أو ثلاثة، فلا بد من أن يكون له وقْعٌ في الثمن، لماذا اشترطنا أن يكون له وقْعٌ في الثمن؟
قالوا: لأن هذا هو الفائدة من السلم.
الفائدة من السلم: أن الْمُسْلَم إليه ينتفع بماذا؟ بالثمن المقدَّر، والمسلم ينتفع بزيادة المبيع؛ لأنه ليس بيع الحاضر كبيع الغائب، السيارة تشتريها مثلًا نقدًا بعشرة آلاف ريال، لكن مؤجلًا باثني عشر ألف ريال، ما يمكن تباع عليك بمثل بيعها نقدًا، هذا أمر معلوم، فإذا لم يكن للأجل وقْعٌ في الثمن فاتت فائدة السلم، عرفتم الآن، ما هو الدليل؟
الدليل: قوله عليه الصلاة السلام في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (1).
قال: «إِلَى أَجَلٍ»: فقَيَّدَ السلف بالأجل، و «مَعْلُومٍ»: قيَّدَ الأجل بكونه معلومًا.
وهذا الذي ذكر المؤلف هو ظاهر الحديث، ولكننا نحتاج أولًا إلى: هل الحديث نَصٌّ في اشتراط الأجل؟ أم نَصٌّ في اشتراط الأجل المعلوم؟
قال بعض العلماء: إنه ليس نصًّا في اشتراط الأجل، بل هو نص في اشتراط الأجل المعلوم، بمعنى أنه إذا كان مؤجلًا فلا بد أن يكون الأجل معلومًا.
قالوا: ويؤيد ذلك أن الحديث: قَدِمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينةَ وهم يُسْلِفُونَ في الثمارِ السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ، فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»؛ لأنه كأنه أراد أنه يقول: هذا الأجل الذي تجعلونه لا بد أن يكون معلومًا، فليس نصًّا في اشتراط الأجل.
وبناء على هذا القول قالوا: إنه يجوز السلم حالًّا، وهذا قول لبعض أهل العلم.
وأما اشتراط أن يكون له وقْعٌ في الثمن فليس في الحديث ما يدل عليه، الحديث يقول: «إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»، وليس فيه قيد: إلى أجل معلوم له وقْعٌ في الثمن؛ ولذلك لم يشترطه كثير من الفقهاء.
قالوا: يُشترَط الأجل وإن لم يكن له وقْعٌ في الثمن، وقد عرفتم أن اشتراط أن يكون له وقْعٌ في الثمن مَبْنِيٌّ على دليل ولَّا على تعليل؟
طلبة: على تعليل.
الشيخ: على تعليل، والتعليل يُنظر فيه: هل يكون صحيحًا فيُقبلَ أو يكون غير صحيح فلا يُقبل؟
فمن نظر إلى ظاهر الحديث قال: اشتراط أن يكون له وقْعٌ في الثمن لا دليل عليه، ومن نظر إلى العلة التي من أجلها شُرِعَ السلم قال: اشتراط أن يكون له وقْعٌ في الثمن لا بد منه؛ لأنه إذا كان من الصباح إلى المساء -والأسعار لا تختلف في هذه المدة القصيرة- فلا فائدة من السلم، فهو في الحقيقة كالذي ليس له أجل، وعلى كل حال فمثل هذه المسائل إذا لم يتبين فيها الدليل من الجانبين فهل نراعي الأحوط أم نأخذ بالرخصة؟
قد يقال: إن مراعاة الأحوط أحسن، لا سيما إذا كان هذا الأحوط هو الذي يكون فيه الحكم فيما لو رُفِعت القضية إلى المحكمة؛ لأنك إذا صححت هذا الشيء والحكم المشهور بين الناس خلافُ ما صححت يؤدي ذلك إلى مفاسد في المستقبل، هذه المفاسد قد تعود عليك أنت وقد تعود على غيرك.
إذا كنت لست ذا ثقة بين الناس فإن هذا يعود عليك أنت، يقال: هذا رجلٌ ما يَعرِف، ولهذا أبطلت المحكمة ما أفتى به.
وإن كنت ذا قيمة صارت المضرة على مَن؟ على المحكمة، واتُّهِم القاضي بالقصور في العلم، أو بالميل إلى أحد المتخاصِمَيْنِ.
(فلا يصح حالًّا ولا إلى الحصاد والْجَذاذ) يعني: ما يصح أن يُحدَّد الأجلُ بالحصاد والجذاذ؛ وذلك لاختلاف الناس فيه، فبعضهم يَحصد مبكرًا ويَجُذُّ مبكرًا وبعضهم يتأخر -انتبه- وعلى هذا فلا يصح؛ لأن الأجل غير معلوم.
وقيل: إنه يصح إلى الحصاد والجذاذ بشرط أن يراد بهما وقتُهما دون الفعل، فالمعنى (إلى الحصاد والْجَذاذ): إلى وقت الحصاد والجذاذ.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الصحيح؛ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، فدائمًا الذين يأخذون السلم أصحاب بساتين يجعلون الأجل إلى أيش؟
طلبة: إلى الحصاد.
الشيخ: إلى الحصاد أو إلى الجذاذ؛ لأن هذا هو وقت تحصيل الثمرة، ولكن يمكن أن نتخلص من ذلك على المذهب بشيء بسيط، نشوف الآن متى يكون وقت الجذاذ؟ فإذا قالوا: وقت الجذاذ يكون في ربيع الأول، بدلًا من أن نقول: إلى الجذاذ، نقول: إلى ربيع الأول، وينتهي الإشكال.
فنكون بذلك قد أتينا بالشرط الذي اشترطه هؤلاء بدون إخلال بالمقصود، وما دام الأمر يمكن أن يُؤتَى به على سبيل الاحتياط فهو أولى.
إنما التحديد بالحصاد والجذاذ من حيث هو: الصحيح جوازه، لكن مع ذلك نختار أنه ينبغي أن يُتَأَمَّل في الشهر الذي يَحصُل فيه الحصاد والجذاذ، ثم يُجعل هذا الشهر هو منتهى الأجل.
طالب: (... ) البداية، بداية الحصاد والجذاذ ما (... ).
الشيخ: حتى هذا؛ لأنه ربما تتأخر الزروع أو تتقدم، هذا تعليلهم.
يقول: (ولا إلى يوم) يعني: ولا يصح التأجيل إلى يوم؟ ليش؟ لأن اليوم ليس له وقْعٌ في الثمن؛ يعني ما يتغير به الثمن، وهم يشترطون أن يكون له وقْعٌ في الثمن، فإذا قلنا: إن هذا ليس بشرط؛ صحَّ الإسلامُ إلى يوم.
(إلا في شيء يأخذه منه كل يوم كخبز ولحم ونحوهما): فهذا يصح إلى يوم بأن يقول: أسلمت إليك مئة درهم بأربع مئة خبزة، صح؟ الخبز أربعة بريال، أسلمت إليك مئة درهم بأربع مئة خبزة كل يوم ثلاث خبز ابتداء من الغد، جائز هذا ولَّا لا؟ هذا جائز؛ لأن آخر هذا الشيء سوف ينتهي بعد أجل له وقْعٌ في الثمن.
فإذا كان مثلًا له معاملة مع هذا الشخص فَرَّان، قال: أنا باخد منك خبزًا مثلًا ألف خبزة كل يوم ثلاث خبز بثمن قدره كذا وكذا، فهذا نسميه سَلَمًا، ويجب -كما سيأتي إن شاء الله- أن يُسَلِّمَ ثمنه حالًّا.
ومثل ذلك ما يفعله بعض الناس فيما سبق -وأظنُّه إلى الآن موجودًا- يتفق مع الفلاح على أن يعطيه أوزانًا معينة من البرسيم، كل يوم مثلًا عشرة أوزان ولْنَقُل: عشرة كيلوات، ويأخذ منه ألف كيلو، كل يوم عشرة كيلوات، هذا جائز أيضًا ويسمى سلمًا، فيجب قبْضُ رأس المال في مجلس العقد.
كذلك اللحم تتفق مع مَن؟ مع الجزَّار، كل يوم تأخذ منه كيلو من اللحم، مئة كيلو، كل يوم كيلو هذا لا بأس به أيضًا وإن كان يبتدئ من العقد؛ ولهذا قال: (إلا في شيء يأخذه منه كل يوم كخبز ولحم ونحوهما) ويش نحوهما؟
طالب: اللبن.
الشيخ: كما لو اتفق معه في اللبن أو اتفق معه في التمر، إنسان مثلًا صاحب نخل (... ) لي كل يوم كذا وكذا من الكيلو، هذا أيضًا لا بأس به وإن لم يكن له وقْعٌ في الثمن في ابتدائه.
طالب: شيخ بعض الناس يشترون برسيمًا (... ).
الشيخ: إي، ما يخالف، وإن لم يُسَلِّم الثمن لا مانع.
الطالب: لا قلنا: إنه أسلم.
الشيخ: ما يصح السلم فيه؛ لأن السلم في شيء معين ما يجوز، السلم في الذمة: عقْدٌ على موصوف في الذمة، فإذا -مثلًا- صار على معين يصير بيعًا.
طالب: ما الذي (... )؟
الشيخ: (... ) أغراض وكل يوم بسعر، ما هو بسعر مقطوع، فهذا لا بأس به وإن لم يُسَلِّم الثمن.
أما إذا كان بسعر مقطوع وهو يجب أن يستلم الثمن مقدمًا إي، أما إذا كان يأخذ منه حوائج ويقيدها بسعر وقتها ثم يحاسبه عليها في آخر الشهر فلا بأس به.
يقول المؤلف رحمه الله: (الخامسُ: أن يوجد غالبًا في محِله ومكان الوفاء) (أن يوجد) الضمير يعود على الْمُسْلَم فيه.
وقوله: (غالبًا) لأنه ما يمكن أن نقول: يقينًا، والسبب -أن ما يمكن أن نقول: يقينًا- لأن هذا الأمر مستقبَلٌ، والمستقبل لا يمكن لأحد أن يحكم عليه حكمًا يقينيًّا؛ ولهذا قال المؤلف: (أن يوجد غالبًا).
وقوله: (في مَحِله) بكسر الحاء، أي: وقت حلوله.
وقوله: (ومكان الوفاء) هذا مكان الحلول، اشترط المؤلف: أن يوجد الْمُسْلَم فيه في الزمن والمكان عند الحلول، فلو أسلم إليه مئة درهم بمئة كيلو من العنب يحل في وسط الشتاء يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأن العنب لا يوجد في الشتاء، وطبعًا هذا قبل وقتنا هذا، أما وقتنا هذا يوجد فيه برَّادات يمكن يُحفظ، لكن في الزمن الماضي ما يمكن تجد العنب في أيام الشتاء؛ ولهذا إذا أرادوا أن يضربوا المثل في الشيء النادر، يقولون: هوت عجوز بشتا حصرمًا، ويش معنى هذا؟ يعني فيه عجوز عندهم صاحت عليهم في الشتاء قالت: أنا أبغي حصرمًا من العنب.
يحصرم لها ولَّا ما يحصرم لها؟ ما يحصرم.
طالب: الآن يحصرم.
الشيخ: لا الآن غير، قصدي في الزمن السابق.
لا بد (أن يوجد غالبًا في محله) أي وقت الحلول.
وقوله: (ومكان الوفاء) ما هو بمكان العقد؛ لأنه ربما أتعاقد أنا وأنت في هذا في عنيزة، والوفاء يكون في الرياض، لا بد أن يوجد في الرياض ولَّا في عنيزة؟
طلبة: في عنيزة.
طلبة آخرون: في الرياض.
الشيخ: في الرياض، فالعبرة مكان الوفاء لا مكان العقد؛ ولهذا قال: (في محله ومكان الوفاء لا وقت العقد) يعني: لا يشترط أن يكون الْمُسْلَم فيه موجودًا في وقت العقد.
وإنما نص على ذلك: (لا وقت العقد) لنفي الخلاف في هذه المسألة، فإن من أهل العلم من قالوا: يُشترَط أن يكون الْمُسْلَم فيه موجودًا في وقت العقد وفي وقت الوفاء، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله، ولكن لا دليل عليه.
مثال ذلك: لو أسلمت إليك مئة درهم بمئة كيلو من العنب، أسلمت إليك ذلك في الشتاء على أن يَحِل في الشهر الفلاني الذي يوجد فيه العنب، فهنا العنب موجود متى؟ في وقت الوفاء ولَّا وفي وقت العقد؟
طلبة: في وقت الوفاء.
الشيخ: في وقت الوفاء، أما في وقت العقد فلا يوجد، ولا يشترط أن يكون موجودًا وقت العقد، إنما يشترط أن يكون موجودًا في وقت الوفاء وفي مكان الوفاء.
فإن كان لا يوجد في مكان الوفاء لكن يوجد في مكان آخر هل يصح ولَّا لا؟ ظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح؛ وذلك لِمَا يترتب عليه من المشقة في تحصيله من المكان الآخر؛ لأننا نعرف الآن إنه إذا كان الزمن شتاء عندنا فهو في الجهة الجنوبية من الكرة الأرضية صيف، يوجد فيه فواكه الصيف، لكن لا عبرة بذلك لمشقة الحصول عليها ولا سيما في الزمن السابق قبل وجود الطيارات والسيارات.
ما هو الدليل على هذا الشرط؟ أو ما هو التعليل؟
الدليل على هذا الشرط ما يفيده حديثُ ابن عباس: كانوا يُسْلِفُونَ في الثمارِ السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ (1) ومعلوم أن الإسلاف في الثمار إنما يكون عند وجودها؛ إذ كيف يسلف الإنسان في الثمار وهي غير موجودة؟ هذا من جهة.
ومن جهة أخرى تعليل؛ لأنه إذا لم يوجد في مكان الوفاء وزمن الوفاء، أدى ذلك إلى التنازع والخصوم بين المسلم والْمُسْلَم إليه، هذا يقول: أحضر لي، ودا يقول: ما هو موجود، فيحصل في ذلك نزاع أو يفوت المقصود عليهما.
لنفرض أننا جعلناه إلى أجل يوجد فيه الْمُسْلَم فيه في الزمان والمكان، لكن قدَّر اللهُ عز وجل على الثمار وأصيبت بجوائح ولم توجد، مثل: أن تصاب البلاد بجفاف ولا تنبت الزروع ولا يوجد البُر، أو أصيبت بآفات أخرى –الثمار- مثل: أصيبت بحر شديد أتلف الثمار أو برد أو غير ذلك فماذا نعمل؟
يقول المؤلف: (فإن تعذر أو بعضه): (إن تعذر) الفاعل مَن؟ الْمُسْلَم فيه، (أو بعضه) أي: بعضُ المسلم فيه، (فله) أي: المسلِم (الصبر أو فسخ الكل أو البعض وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ الموجود أو عِوَضَهُ).
حل الأجل ولكن ما وُجد المسلَم فيه؛ لأن الثمار تلفت، نقول للمسلِم: لك الخيار الآن بين أيش؟
طالب: الصبر.
الشيخ: بين أن تصبر حتى يَقْدِر المسلَم إليه على وفائك، أو أن تفسخ العقد، ويعطيك المسلَم إليه (الثَّمَنَ) إن كان موجودًا، (أو عِوَضَهُ) إن كان معدومًا.
هل يملك الفسخ في البعض؟ يقول المؤلف: نعم يملك الفسخ في البعض؛ وذلك لأن مَن ملك الفسخ في الكل مَلَك الفسخ في الجزء؛ إذ إن الجزء بعض الكل.
وبناء على هذا نضرب مثلًا لذلك: أسلم إليه مئة درهم بخمسين صاعًا من الحنطة من البر تحل في جمادى الثانية، جاء جمادى الثانية وإذا الثمار قد أصيبت -الزروع- بآفات أتلفتها ماذا نقول للمسلِم؟
نقول: أنت بالخيار، إن شئت فسخْتَ العقد في الكل وأعطيناك مئة درهم، وإن شئت فسخت في البعض وأعطيناك ما يقابله من الثمن.
فإذا قال: أنا أسلمت في خمسين وأنا فسخت العقد في نصفها، كم نرد إليه من الثمن؟ خمسين؛ لأن الثمن مئة.
فإن قال: فسخت في الكل، فإنه يرد المئة كاملة.
لنفرض أن المسلَم إليه قد نفَّد الثمن وأنفقه ولم يبق عنده منه شيء ويش يأخذ؟ يأخذ عِوَضَه، والعِوَضُ مِثْلُه إن كان مِثْلِيًّا، وقيمتُه إن كان مُتَقَوَّمًا، هذا العِوَضُ، إذا قيل: عوض كذا فهو مِثله إن كان مِثليًّا، وقيمته إن كان متقومًا.
ما هو المثليُّ؟ الْمِثْلِيُّ على المذهب: كل مكيل أو موزون ليس فيه صناعة مباحة يصح السَّلَمُ فيه، هذا المثلي، وعلى هذا فما ليس بمكيل ولا موزون ليس بمثلي، وما كان مكيلًا أو موزونًا لكن فيه صناعة كالقدور والأواني وشبهها فليس بمثليٍّ، وما كان مكيلًا أو موزونًا لا صناعة فيه مباحة لكن لا يصح السلم فيه فإنه ليس بمثليٍّ؛ وعلى هذا فيكون المثليُّ علي المذهب ضيقًا جدًّا.
والصواب أن المثلي: ما كان له مثيلٌ أو شبيهٌ، هذا هو المثلي.
فالحيوان مثلًا مثليٌّ ولَّا مُتَقَوَّم؟
طالب: متقوم.
الشيخ: على المذهب: مُتقوَّم، وعلى الصحيح: مثلِيٌّ.
والأواني على المذهب؟
طالب: متقومة.
الشيخ: متقومة ما هي مثلية، والصحيح: أنها مثلية؛ ولهذا لَمَّا أرْسلَتْ إِحدى أُمَّهاتِ المؤمنينَ إلى النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ طعامًا وهو عندَ عائشةَ؛ عائشةُ غارَتْ وضربَتْ يدَ الرسولِ حتى سقطَتِ الصَّحْفَةُ وفسدَ الطعامُ وانكسرتْ.
طالب: (... ) ضربَتْ يدَ الرسولِ.
الشيخ: إي الرسول الذي أُرسِل به، ما هو بيدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، نعم يد الرسول يعني الذي جاء بالطعام.
طالب: فهمت أنه الرسول.
الشيخ: فهمت أنه الرسول محمدٌ؟
الطالب: صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: إيه أحسنت، تنبيه غانم في محله.
فقال الرسول عليه الصلاة والسلام، أَخَذَ إناءَ عائشةَ وطعامَها وقال: «إِنَاءٌ بِإِنَاءٍ، وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ» (2). وهذا يدل على أن المثلي: كل ما كان له مثيل مقارب.
لو كسرتُ فنجانًا لك ويش أضمن على المذهب؟
طالب: القيمة.
الشيخ: بالقيمة، وعلى القول الصحيح: بفنجان مثله أو لا؟
ولو كسرتُ قلمك فعلى المذهب: أضمنه بالقيمة، وعلى القول الثاني: أضمنه بقلم مثله، نعم إن تعذر المثل ما وجدنا رجعنا إلى القيمة (... ).
(السادس: أن يقبض الثمن تامًّا): (أن يقبض) الفاعل مَن؟
طالب: المسلَم.
الشيخ: المسلَم إليه.
(أن يقبض الثمن تامًّا): يعني ليس فيه نقص، فإذا أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع وجب أن تستلم مئة الدرهم كلها تامة.
ثانيًا: (معلومًا قَدْرُه) كمئة مثلًا.
(ووصْفُه) إذا كان يحتاج إلى وصف، مثل أن أقول مثلًا: مئة درهم فرنسية أو درهم عربي، أو مئة ورقة دولار، أو مئة ورقة دينار، أو مئة ورقة ريال، لا بد أن يُعلم الوصف؛ وذلك لأنه ربما ينفسخ السلم، فإذا لم نعلم وصف الثمن عاد مجهولًا.
ولكن الوصف يكفي إذا نسبته إلى فئة من الدراهم معلومة، كما لو قلت: مئة ريال سعودي، كلمة سعودي هذا هو الوصف.
ولا بد أيضًا أن يكون القبض (قبل التفرق)، التفرق منين؟ من مجلس العقد، ولو قمنا عن المكان ومشينا جميعًا، مثل: أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع من البر، ولكن ما هي معي مئة الدرهم، قلت: اتفضل نمشي جميعًا إلى أحد أصدقائنا وأتسلف منه وأعطيك، ومشينا جميعًا إلى أحد الأصدقاء وأخذت منه مئة الدرهم وأعطيتها الرجل، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: لأننا لم نتفرق.
(فإن قَبَضَ البعضَ ثم افترقا بطل فيما عداه): وإن لم يقبض الكل؟
طالب: (... ).
الشيخ: بطل العقد، فإذا أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع من البر، ولكني ما سلمتك إياها، تفرقنا وأنا ما سلمتك فالعقد باطل، وإن سلمتك خمسين درهمًا دون الخمسين الباقية صح العقد في خمسين الدرهم دون الباقي، ويكون المسلَم فيه لي منه النصف؛ ولهذا قال: (وإن قبض البعض ثم افترقا بطل فيما عداه).
(وإن أسلم في جنس إلى أجلَيْنِ): صحَّ، (أو عكسه): في جنسَيْنِ إلى أجل (صحَّ إنْ بيَّن كلَّ جنس وثمنَه وقِسْطَ كل أجَلٍ)
إذا (أسلم في جنس إلى أجلين) يعني: في جنس واحد إلى أجلين، مثل أن أقول: أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع من البر -حنطة- لكن إلى أجلين؛ يحل بعضها في رجب وبعضها في شوال، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح، لكن لا بد أن يبين قِسط كل أجل، ما يكفي أن يقول: يحل بعضه في رجب وبعضه في شوال، بل يقول: يحل منه خمسون في رجب وخمسون في شوال؛ لأنه إذا قال: يحل بعضه في رجب وبعضه في شوال، صار فيه جهالة، ما الذي يحل في رجب؟ وما الذي يحل في شوال؟ فلا بد أن يبين قسط كل أجل فيما إذا أسلم إلى أجلين.
إذا أسلم في جنسين إلى أجل واحد صح أيضًا، مثل أن يقول: أسلمت إليك مئة درهم في تمر سُكري وبُر حنطة يحل في شوال، فهنا أسلم في جنسين إلى أجل واحد، ولكن لا بد أن يبين كل جنس وثمنه، فيقول مثلًا: أسلمت إليك في البر والتمر؛ خمسين صاعًا من البر، وخمسين صاعًا من التمر.
لا بد.
ويبين أيضًا ثمن كل جنس بأن يقول: خمسين من المئة للبر، وخمسين من المئة للتمر، أو ستين من المئة للبر وأربعين للتمر.
وإنما يجب هذا التحرير لئلا يحصل النزاع إذا لم يتوافر وجود المسلَم فيه عند الحلول، حتى لا يحصل النزاع.
فعندنا الآن مسألتان: أسلم في جنس إلى أجلين، أسلم في جنسين إلى أجل.
مثاله في جنس إلى أجلين: (... ).
طالب: الصورة اللي ذكرناها باع شيئًا معلومًا (... ).
الشيخ: نعم، صحيح.
الطالب: العلة؟ (... ).
الشيخ: (السابعُ: أن يُسْلِم في الذمة) يعني: أن يقع العقد على شيء في الذمة بأن أقول: أسلمت إليك هذه الدراهم مئة درهم بمئة صاع من البر، ولا أُعَيِّن المئة ما أُعَيِّنها، تكون هنا المئة في ذمة المسلَم إليه.
فإن قلت: أسلمت إليك مئة درهم بهذه المئة من البر؛ بهذه المئة صاعٍ من البر، يجوز ولَّا لا؟
يقول المؤلف: (فلا يصح في عين)؛ لأنه ما دام المسلَم فيه معينًا فلا حاجة فيه إلى السلم، يعطيه الدراهم ويأخذ هذا الشيء ولا يبقى وديعة عند البائع، لا يستفيد منه البائع ولا يستفيد منه المشتري، وأما إذا أسلم في الذمة فإن المبيع -وهو المسلَم فيه- يكون في ذمة المسلَم إليه، والمسلَم إليه ينتفع بكل ما في يده من المال (... ).
لا يجوز لأنها عين، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (3). فقيَّده بالكيل ولم يكن المكيل معينًا.
ولأن الفائدة من السلم: أن ينتفع المسلَم إليه بالدراهم، وذاك ينتفع بزيادة المبيع.
وإذا قلنا بالشيء المعين فإن المسلِم لم ينتفع بشيء.
قال: (ويجب الوفاء في موضع العقد، ويصح شرطُه في غيره) وفاء أيش؟ وفاء السلم، يجب وفاء السلم في موضع العقد، فإذا اتفقت أنا وأنت على سلم ونحن في عنيزة فإن الواجب أن تُسَلِّمه لي في عنيزة، حتى لو كنت أنت من أهل بلد آخر فإن الواجب أن تسلمه لي في عنيزة الذي هو مكان العقد.
(ويصح) أن يشرط (في غيره) فأقول: أسلمت إليك مئة درهم بمئة صاع من البر على أن توفيني إياها في مكة، يجوز ما فيه مانع، إذا اتفقنا على هذا فلا مانع فيه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
والأمر بالوفاء بالعقد يشمل الوفاء بأصل العقد وبما شُرط فيه إذا كان لا ينافي الشرع، ولقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (4)، وقوله: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (5)، وقوله: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (6)، فإذا شرطنا الوفاء في غير مكان العقد فلا حرج، إلا إذا شرطناه في مكان لا يمكن الوصول إليه، كما لو قلت: بشرط أن توفيني إياه على سطح القمر، يمكن؟
طالب: (... ).
الشيخ: طيب لو قال: على أن توفيني إياه في لُجَّةِ البحر يمكن ولَّا لا؟
طلبة: يمكن، نعم.
الشيخ: في لجة البحر؟ !
طلبة: يمكن.
الشيخ: ما أدري؟ !
طالب: على السفينة.
الشيخ: على السفينة؟ ! إي ويش الفائدة من هذا؟
الطالب: يمكن شبكة صيد يعني.
الشيخ: شبكة صيد نعم يمكن، إذا كان شبكة صيد صار فيه فائدة.
(يصح شرطه في غيره): فإن لم يشترط في غير مكان العقد فإنه في مكان العقد حتى وإن لم يكن مكان العقد بلدًا لهما، فلو عقدْتُ أنا وإياك عقد سلَم في مكة ونحن حُجاج، وحلَّ الأجل فما هو الواجب؟ أن أوفيه بمكة، وإن كانت مكة ليست بلدًا لي ولا لك.
ولكن ذهب بعض أهل العلم: إلى أن المرجع في ذلك إلى العرف، فيجب الوفاء في المكان الذي دلَّ العرف على وجوب الوفاء به.
ومعلوم أننا إذا عقدنا السلم في مكة ونحن حجاج: فإن العادة أن يوفَى هذا السلم بماذا؟ في أي مكان؟ في مكان المسلِم، هذه العادة؛ أن المسلِم هو الذي يؤتَى إليه بالمسلَم فيه في بلده.
ولكن على المذهب: نتخلص من ذلك بأن نشترطه في بلده -في بلد المسلِم- يعني لما عقدنا السلم في مكة وكان مقتضى العقد أن يكون الوفاء في مكة، فإننا نتخلص من ذلك بماذا؟ بأن نقول: ويوفَى في بلد كذا.
يعني: بلد المسلِم.
قال المؤلف: (وإنْ عُقِدَ بِبَرٍّ أو بحر شَرَطاه) يعني: إن عُقِد في غير بلد بالبر، أو عُقد في البحر (شرطاه) أي: وجب أن يشترطا مكان الوفاء، لماذا؟ لأن البَرَّ ليس مكانًا للوفاء، وليس البلد الفلاني بأولى من البلد الفلاني، وعلى هذا فيجب أن يُعَيِّن مكان الوفاء.
مثال ذلك: لنفرض أننا قد خرجنا في نزهة في بَرٍّ فعقدت معك عقد سلم، أين يكون الوفاء في الأصل؟ في هذا البر، هذا الأصل؛ لأنه يجب الوفاء مكان العقد، لكن الوفاء في البر غير ممكن، فيجب علينا حينئذٍ أن نعين مكانًا لوفائه؛ لأن وفاءه في مكان العقد غير ممكن.
لكن على القول الثاني الذي أشرنا إليه أن يُرجَع في ذلك إلى العرف: يحتاج إلى تعيين المكان ولَّا ما يحتاج؟
طالب: ما يحتاج.
الشيخ: ما يحتاج؛ لأننا قلنا: إن العرف هو أن يوفَى المسلَم فيه في مكان مَن؟
طلبة: المسلِم.
الشيخ: في مكان المسلِم.
الخلاصة الآن: أين يكون وفاء السلم؟
في مكان العقد، هذا واحد، فإن عُقد في مكان لا يوفَى فيه عادة كالبر والبحر فيجب أن يعيَّن مكان الوفاء، يجب على المذهب أن يعيَّن مكان الوفاء لئلا يحصل النزاع.
والقول الثاني في المسألة: أنه إذا عُقد ببر أو بحر فإنه يُرجَع في ذلك إلى العرف، فما هو العرف؟
العرف أن يُسَلَّم في بلد مَن؟
طلبة: المسلِم.
الشيخ: المسلِم، لا المسلَم إليه، وعلى هذا فلا حاجة إلى التعيين اعتمادًا على ما جرى به العرف.
سؤال: هل يصح أن يشترط مكان الوفاء في غير موضع العقد؟ أيش الجواب؟
الجواب: يصح؛ لعموم الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالشرط ما لم يخالف الشرع، واشتراط مكان الوفاء في غير موضع العقد لا يخالف الشرع.
لو عَقَدَاه في بلد ثم اتفقا في بلد آخر وأَوْفَى المسلَمُ إليه المسلِمَ، هل يجب عليه القبول ولَّا لا؟
يعني مثلًا: أسلمت إليك في المدينة، واتفق أن كنا في مكة وأوفيتني المسلَم فيه في مكة، هل يجب عليَّ القبول ولَّا ما يجب؟
لا يجب عليَّ القبول، إن قبلت باختياري فلا بأس وإلا فلا.
لو طلبت منه أنا المسلِم طلبت من المسلَم إليه أن يوفيني إياه في مكة وأَبَى، هل أُلْزِمُه بذلك؟
طالب: لا.
الشيخ: لا أُلْزِمه؛ لأن الواجب أن يوفَى في مكان العقد.
فلو قال: نعم أنا أوفيك إياه بمكة لكن أضيف إليه الأجرة من المدينة إلى مكة، توافق ولَّا ما توافق؟
هل يجوز أن أوافق؟ المذهب: لا يجوز أن أوافق؛ لأن المسلَم فيه لا يُزاد ولا يُنقص.
فنقول: لا، خذه بدون أجرة وإلا فلا.
وأيضًا: فإن المسلَم إليه هل هو سيحمله من المدينة إلى مكة أو سيشتري لي من مكة؟
الغالب: أنه لا يحمله، الغالب أنه ما يحمله، ولكن ربما يحمله كما لو كان بُرًّا وصار يُنقل البر من المدينة إلى مكة، فربما ينقله ويكون له أجرة، لكن على كل حال المذهب لا يصح أن يضيف إليه الأجرة.
طالب: منين جابوا الشرط هذا والرسول ما اشترطه؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: في مكان العقد.
الشيخ: لا، ما هو بشرط، ما هو شرط، لكن عند التنازع يجب في مكان العقد، هذا هو الأصل، الآن مثلًا..
الطالب: إلى أجل معلوم.
الشيخ: ما يخالف الأجل المعلوم، ولكن الآن المكان إذا جاء المسلَم إليه وقال: أبغي أوفيك أنت من أهل عنيزة، أنا باوفيك في الرياض، هذا فرَضَ عليه.
الطالب: معروف بين الناس أنه يؤتى به إلى المسلِم.
الشيخ: طيب هذه.
الطالب: في أي مكان، لو ما هو مثلًا..
الشيخ: لا، أبدًا، لو مثلًا أنا وإياك في الرياض وتبغي أوفيك الآن، ما يلزمني القبول، إي نعم كيف -سبحان الله وبحمده- كيف يلزمني القبول وأنا وإياك عاقدان هناك؟ ! أنا ما أردت أن..
الطالب: تحولت من المكان هذا إلى المكان هذا..
الشيخ: لا، ما تحولت، نعم لو تحولت وانتقلت وسكنت هناك ربما نقول: إنه يُلْزَم بأخذه، لكنني سافرت لعارض من العوارض، تقول: خذ! أنا يتعبني أني آخذه، قد لا يكون عندي مكان له، وقد يتعبني نقلُه إلى بلدي.
الطالب: لأنه مفسدة؛ لأن المسلم لو تحول من مكان إلى مكان يجب على..
الشيخ: المسلِم يجب عليه إنه يُوصِل المسلَم فيه إلى المسلَم إليه.
طالب: إي نعم، في مكان المسلم.
الشيخ: لا، في مكان العقد، هذا هو الأصل؛ لأنه عندما نعقد أنا وإياك على شيء ويش الأصل نوفيه في مكان العقد، ولَّا في مكان آخر؟
الطالب: في مكان العقد.
الشيخ: الأصل في مكان العقد، هذا هو الأصل.
طالب: أَوَمِنْ شروطِه؟
الشيخ: الشروط واضحة، لكن حتى وإن لم يُشرَط فإن العرف يقتضي أن يوفَى في مكان العقد، وما هو بشرط إنه يوفَى -لاحظوا- ما هو بشرط أنه يوفَى في مكان العقد، لكن عند النزاع يجب أن يوفَى في مكان العقد، أما إذا أُوفِيَ في غير مكانه ورضي الطرفان فلا حرج.
طالب: لو أنك أنت ساكن هنا وقت العقد وبعدين تحولْتَ، والشرط على أساس أنه يسلمه لك هنا في عنيزة، وهو مكان المسلَم إليه..
الشيخ: مكان السلم.
الطالب: إي نعم، وأنت تحولت فلا يجب عليه أن يأتي به؟
الشيخ: ما يجب عليه أن يأتي به إليَّ نعم.
الطالب: يسلمه لك هنا وأنت هناك؟
الشيخ: أقول: ما يجب عليه إلا في مكان العقد، وأنت تنقله إلى بلدك الجديد.
طالب: شيخ، علة المذهب أنه لا يجوز أن يُزاد ولا يُنقص في المسلَم (... )؟
الشيخ: فلا بأس من الأصل؛ لأنه لو من الأصل استأجره وقال: احمل المسلَم فيه إلى مكة من المدينة ولك أجرته فهذا لا حرج فيه.
الطالب: توجيه التعليل؟
الشيخ: هو في حد ذاته ليس بوجيه، لكن يُخشى أن يفتح بابًا للزيادة والنقص في المسلَم فيه.
قال: (ولا يصح بيْعُ المسلَم فيه قبل قبضه) ما هو الدليل؟
الدليل: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» (7) هذا هو الدليل، وأنت إذا بعته قبل القبض فقد صرفته إلى غيره.
مثال ذلك: أسلمتُ إليك مئة درهم بمئة صاع من البُر فحلَّ الأجلُ، وقلت لك: عندك الآن في ذمتك لي مئة صاع من البر اشترها مني، فاشتراها مني بمئة درهم أو بأقل أو بأكثر.
نقول: لا يجوز؛ لأنه صرَفه في غيره، ولأنه إذا باعه بجنس الثمن فإنه قد يكون حيلة إلى بيع الدراهم بالدراهم بإدخال سلعة بينهما، فلا يجوز.
ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم يقولون: يجوز بيعه قبل قبضه، يجوز أن يبيعه قبل قبضه، ولكن بشروط:
الشرط الأول: ألَّا يربح فيه، ألَّا يربح البائع فيه؛ لأنه إذا ربح فيه فقد ربح فيما لم يدخل في ضمانه، وقد نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن ربحِ ما لم يُضْمَنْ (8).
مثاله: الذي حل للمسلم على المسلَم إليه -في المسألة التي ذكرناها- كم؟ مئة صاع برًّا، قيمتها الآن عند الوفاء مئتا درهم فقط، فقلت: أبيعها عليك بمئتين وخمسين درهمًا، هل يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يجوز، السبب؟ لأنني ربحت في هذا البُر قبل أن يدخل في ضماني، ما بعدُ ملكته ولا قبضته، فيكون قد ربحت فيما لم أضمن، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يُضمن.
ويدل لذلك أيضًا حديث ابن عمر قال: كنا نبيعُ الإبلَ بالدراهمِ ونأخذُ عنها الدنانيرَ، ونبيعُ بالدنانيرِ ونأخذُ عنها الدراهمَ، فقال النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا» (9)، لماذا؟ حتى لا يربح فيما لم يُضْمَنْ.
فإن كانت المئة الصاع تساوي مئتي درهم وبعتها عليك بمئة وخمسين، إذا كانت مئة الصاع تساوي مئتي درهم مئتين، بمئتين، وبعتها عليك بمئة وخمسين يجوز ولَّا لا؟ أسألكم هل يجوز ولَّا لا؟
طالب: نعم.
طالب آخر: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأنه إذا جاز بسعر يومها فبما دونه من باب أولى، ولأننا عَلَّلْنا منْع الزيادة بألَّا يربح فيما لم يضمن، وهذا ما رَبِح، هذا خَسِر.
إذن: ما معنى قول الرسول لابن عمر: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا»؟ المراد: ألَّا تزيد، فإن نقصت فأنت فعلت خيرًا.
الشرط الثاني لجواز بيعه -أي: بيع المسلَم فيه على القول بجوازه- الشرط الثاني: أن يحصل التقابض قبل التفرق فيما إذا بِيعَ بما يجري بينهما ربا النسيئة.
الشرط الثاني أيش؟
طلبة: القبض.
الشيخ: أن يحصل القبض قبل التفرق فيما إذا باعه بشيء يجري فيه ربا النسيئة.
مثال ذلك: أن أبيع البر بشعير، وأقول: بعت عليك مئة صاع برًّا بمئتي صاع شعيرًا، جائز ولَّا ما هو جائز؟
جائز بشرط، أيش؟ التقابض قبل التفرق؛ لأن بيع البر بالشعير يشترط فيه التقابض قبل التفرق، ولأن حديث ابن عمر قال: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ»، يعني: بيبيع دراهم بدنانير أو دنانير بدراهم، وبيع الدراهم بالدنانير يشترط فيه؟ التقابض.
خدوا بالكم شرطين.
الشرط الثالث: ألَّا يجعله رأس مال لسلم آخر؛ لأنه إذا جعله رأس مال لسلم آخر فإن الغالب أنه يربح فيه، وحينئذٍ يكون ربح فيما لم يضمن، وأيضًا يكون وسيلة إلى قلب الدَّيْن بهذه المعاملة.
مثال ذلك -والمسألة هي هي-: حل عليك الآن كم من صاع من البر؟ مئة صاع، فقلنا: سنجعلها سلمًا في خمس من الغنم -لأن السلم في الحيوان يجوز كما سبق- في خمس من الغنم صفتها كذا وكذا تَحِلُّ بعد سنة.
هذا لا يجوز والسبب، أيش السبب؟ لأن الغالب أنني لا أفعل هذا إلا بربح ولَّا لا؟ إلا أن الغنم الخمس تساوي مئة وعشرين صاعًا، هذا واحد.
ثانيًا: يؤدي إلى قلب الدَّيْن بحيث يكون كلما حلَّ دَيْنُه جعله سلمًا آخر، وهذا حيلة على قلب الدَّيْن وازديادِه في ذمة المدين بمثل هذه الطريقة، وكلما حلَّ الدَّيْن قال: تعال خَلِّه اجعله سلمًا آخر.
كلما حلَّ قال: اجعله سلمًا آخر.
وهكذا حتى تتراكم عليه الديون.
فصار القول الراجح في هذه المسألة: أنَّ بيعَه جائز لكن بشروط ثلاثة، ما هي؟ ألَّا يربح، وأن يحصل التقابض فيما يجري فيه ربا النسيئة.
والشرط الثالث: ألَّا يجعلَه ثمنًا لِسَلم آخر.
وعلة الشرط الأخير: لأنه إذا جعله ثمنًا في سلم آخر فالغالب أنه يربح، ولئلا يُتخَذ وسيلة إلى قلب الدَّين.
أما المذهب: فإنَّ بيعه لا يجوز مطلقًا، حتى لو مثلًا حل عليه مئة صاع برًّا قيمتها مئتا ريال، وقال: تعال والله ما عندي بر الآن، لكن أبغي أشتري منك هذا البر -مئة الصاع- أبغي أشتريه منك بمئة درهم أعطيك قروشك اللي أعطيتها؟ المذهب: لا يجوز، ودليلهم: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» (7) هذا الدليل.
طالب: حديث يا شيخ؟
الشيخ: حديث نعم، لكن هذا الحديث ضعيف كما حققه ابن القيم في تهذيب السنن، وعلى تقدير صحته فإنه يتعين أن يكون معناه: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ»، أي: إلى سَلَمٍ غيره، يعني: لا يجعله رأس مال لسلم جديد، هذا على تقدير صحة الحديث.
أما إذا قلنا بأن الحديث ليس بصحيح فإن المعاملة –أي: بيعه- الأصل فيها الحل ولا المنع؟ الأصل الحل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]، ولأن حديث ابن عمر: كنا نبيعُ بالدراهمِ ونأخذُ الدنانيرَ (9) أو بالعكس يدل على جواز مثل هذه المعاملة؛ إذ لا فرق بين دَيْن السلم وغيره، ومن ادعى فرقًا بين دَيْن السلم وغيره فليأت به.
طالب: شيخ الشرط الثاني كأنه تعجيزي؛ أن يحصل التقابض (... ).
الشيخ: الجواب عنه بأحد وجهين، من يعرفهما؟
طالب: إما أن يقال..
الشيخ: أي: في سلم آخر؛ لأنه قال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» (7)، الضمير في «غَيْرِهِ»: من جنس السلم، فالمعنى: «إِلَى غَيْرِهِ» أي: إلى سلم آخر.
طالب: شيخ، حديث ابن عمر: كنا نبيعُ الإبلَ بالدراهمِ (9)، ويش نوع البيع هنا؟ قبْض أم بيْع إلى أجل؟
الشيخ: لا، لكن بيع سواء إلى أجل أو لم يُقبض؛ يعني يحتمل أن يكون مؤجلًا، ويحتمل أن يكون لم يُقبض، والذي لم يُقبض فيما يُشترَط قبضُه كالمؤجَّل لا فرق.
طالب: (... ) شيخ كيف الدراهم يعني مثلًا (... ).
الشيخ: (ولا هِبَتُهُ) كيف هبته؟ يعني: هبة المسلَم فيه، ما يجوز أن تَهَبَه، وهذه العبارة تحتها نوعان:
النوع الأول: أن يهبه لمن هو عليه.
والثاني: أن يهبه لرجل آخر، وعموم كلام المؤلف يشمل هذا وهذا، فلا يجوز أن تهب المسلَم فيه إلى مَن هو عليه، ولا إلى رجل آخر.
أما هبته لمن هو عليه، فقالوا: إن هذا داخل في قوله: «فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ».
وأيضًا الهبة تقتضي عينًا مملوكة تعطيها لشخص، وأنت إذا وهبته له ما أخذت عينه ووهبته، غاية ما هنالك أنك أبرأته من الدَّين.
وهذا كما ترون: تعليل عليل جدًّا، لا إن جعلناه بالحديث ولا إن جعلناه بالتعليل.
أما الحديث: فإن الحديث يقول: «لَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» وأنا ما صرفته إلى غيره.
وأما التعليل فنقول: إنه إذا وهب المسلَم فيه لمن هو عليه وقال: وهبتك ما في ذمتك من البُر.
فهذه هبة بمعنى؟
طالب: الإبراء.
الشيخ: بمعنى الإبراء، وهم قد ذكروا في: (باب الهبة) أنَّ مَن أَبْرَأَ غريمَهُ بلفظ الإبراء أو الهبة أو الإسقاط أو ما أشبه ذلك برئ.
فكيف تجيزون الإبراء بلفظ الهبة في الديون ولا تجيزونه في دَيْن السلم؟ أليس دَيْن السلم من جملة الديون؟ يقول: لا؛ لأن السلم يقول: لا يصرفه إلى غيره.
إذن: لا شك أنه إذا وهب المسلَم فيه إلى المسلَم إليه، فهو جائز ولَّا حرام؟
طلبة: جائز.
الشيخ: جائز بلا شك؛ لأن أكثر ما فيه أنه أبرأه منه، والإبراء خير وإحسان، كيف نمنعه؟ !
النوع الثاني: اللي قلت إنه يشمله: إذا وهبه لغيره، مثل: جاءني رجل فقير قال: والله أنا محتاج إلى قوت لعيالي، قلت: والله أنا عند فلان لي سَلم مئة صاع برًّا، وهبتك إياه، يصح ولَّا لا؟
على رأي المؤلف: لا يصح؛ لأنك ما بعد قبضت السلم وصار ملكًا لك حتى تهبه.
ولكن الصحيح: أنه يصح؛ لأن هذه المعاملة ما فيها ضرر إطلاقًا، فكأنني أحلته على هذا الرجل يقبض الحق منه ثم يتملكه لنفسه، وأيُّ مانع شرعي يكون في هذا؟ ! وليس هناك غرر، لو كان بيعًا كُنَّا نقول: نعم، أنت إذا بعت المسلَم فيه على غير المسلَم إليه ربما يتعذر قبْضُه، يصير في هذا جهالة، لكن الهبة الآن الموهوب له غانم ولا غارم؟
طلبة: غانم.
الشيخ: غانم، ولا يمكن أن يكون غارمًا، هو بين أمرين: إما غانم وإما سالم، أما أن يكون غانمًا أو غارمًا فلا.
وعلى هذا فالقول الصحيح: أنه يجوز هبة المسلَم فيه، سواء وهبته للمسلَم إليه أو لرجل آخر.
قال: (ولا الحوالة به ولا عليه) -تضييق عجيب- لا تصح الحوالة به، ولا الحوالة عليه!
الحوالة به: تصدر من المسلَم إليه للمسلِم، هذه الحوالة به.
والحوالة عليه: من المسلِم إلى المسلَم إليه، مفهوم؟ ولَّا إلى الآن يحتاج ترجمة؟
الحوالة به: تكون من المسلَم إليه للمسلِم.
والحوالة عليه: من المسلِم إلى المسلَم عليه.
مثال الحوالة به: أسلمت إلى فلان مئة درهم بمئة صاع برًّا -حنطة- وحل الأجل، جيت يَمَّه قلت: أعطني البُر، قال: أنا أطلب زيدًا مئة صاع برًّا، حوَّلتك عليه، خذ هذه ورقة على أنه يسلمك اللي في ذمته لي، هذه حوالة به ولا عليه؟
طلبة: به.
الشيخ: حوالة به؛ لأن المسلَم إليه اللي هو في ذمته حوَّلني به على فلان، هذه حوالة به.
يقولون: ما يصح.
ما يصح! هذه من الْمُياسَرة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أُحِيلَ -بِدَيْنِهِ- عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» (10). الآن هذا ما هو بدَيْن لي؟ أنا اللي المسلِم ما هو دَيْن لي؟ طيب أُحِلْتُ به على زيد يدخل في الحديث ولَّا ما يدخل؟ يدخل؟
طالب: نعم.
الشيخ: يدخل في الحديث، ويش المانع؟ قالوا: المانع عندنا حديث خاص: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» (7).
سبق الكلام على هذا الحديث وقلنا: إنه ضعيف، وإذا صح فالمعنى: لا يصرفْه إلى سلَمٍ آخر، ويش مثالُه؟ مَثِّلْها بشرط (... ).
المسلَم إليه، مثال ذلك: أنا المسلِم في ذمة زيد لي مئة صاع برًّا سلَمًا، وفيه واحد يطلبني مئة صاع برًّا، يطلبني أنا المسلِم مئة صاع برًّا، فقلت له: قد أحلتك على فلان -اللي أنا أطلبه- يجوز ولَّا ما يجوز؟
على كلام المؤلف: لا يجوز، لا يجوز على كلام المؤلف؛ لأنني أحلت به ولَّا عليه؟
طلبة: عليه.
الشيخ: به ولَّا عليه؟ !
الطلبة: عليه.
الشيخ: عليه، متيقنون؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنني أحلت عليه، فلا يجوز أن أُحِيل على دَيْن السلم.
وهذا ضعيف؛ لأن عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أُحِيلَ -بِدَيْنِهِ- عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» (10). يدخل فيه هذه الصورة، والحديث الذي استدلوا به كما علمتم ضعيف.
الغريب أن الديون غير دين السلم إذا كانت مستقرة يجوز الحوالة بها وعليها، أما دين السلم فلا.
وهم أيضًا يعللون في مسألة دين السلم يقولون: إنه يُشترَط في الدَّيْن المحال عليه أن يكون مستقرًّا؛ يعني يعللون المحال عليه يعللونه أيضًا بتعليل آخر، يقولون: يشترط أن يكون مستقرًّا، ودين السلم ليس بمستقر؛ لأنه سبق أنه إذا تعذر الوفاء فله الصبر أو الفسخ.
فنقول: في الواقع إنه مستقر؛ لأن هذا المحال إذا حل الأجل ولم يجد شيئًا فله الصبر، أو الفسخ ويرجع بالثمن.
كذلك قال: (ولا أخْذُ عوضه) (أخْذُ عوضه) هو ما هو البيع؟ ! سبق لنا أنه ما يجوز بيعه، وهنا قال: (ولا أخذ عوضه)، كيف؟
نقول: إن المراد بالبيع فيما سبق إذا باعه بالنقود، وأخْذُ العوض هنا: إذا تَعَوَّضَ أو اعتاض عنه بغير النقود، وهو ما يجوز، يعني مثلًا: أنا أسلمت في بر ما آخذ عوضه بعيرًا مثلًا، هذا يرونه ما هو بيع، وهو بيع في الواقع، لكنه نظرًا إلى أنهم جاءوا بعبارتين لازم ننزل كل واحدة على معنى يخالف الأخرى حتى لا يكون في ذلك تكرار.
فنقول: (ولا أخذ عوضه): فيما إذا اعتاض عنه ما ليس بنقد.
فهنا نقول: أخْذُ العوضِ أيضًا لا يجوز لأنهم يقولون: إن هذا من باب صرف السلم إلى غيره، وقد نُهِيَ عنه، ولكن الصواب: أنه يجوز لكن بالشروط السابقة، وهي: ألَّا يربح، وألَّا يجعله رأس مال لسلم آخر، والثالث: التقابض فيما يجري بينهما ربا النسيئة.
طالب: شيخ (... ).
الشيخ: (ولا يصح الرهنُ و) لا (الكفيلُ به): رجل جاء إليَّ وقال: أنا ودِّي تعطيني دراهم سَلَمًا، أنا رجل محتاج وأنا فلاح، أبغيك تعطيني دراهم بثمرٍ تمرٍ يحل بعد ستة شهور.
قلت: والله أبغي أساعدك لكن تعرف أن الإنسان بيتوفى، رَهِّنْ لي بيتك وأعطيك دراهم سلمًا.
يقولون: ما يصلح، ما يجوز يعطيك رهنًا، السبب؟ قال: لأنه إذا تعذر الوفاء رجع المسلِم إلى الرهن فاستوفى من الرهن، وإذا استوفى من الرهن فقد صرفه إلى غيره، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» (7) عرفتم ولَّا لا؟ أو ما تصورتم المسألة؟ تصورتموها زين؟
هذا رجل جاء إليَّ وهو فلاح -فلاح يعني زَارِعًا- وقال: أبغيك تعطيني ألف ريال سلمًا وأعطيك ألف كيلو تمرًا -بناء على صحة الإسلام في التمر وزنًا- قلت له: ما يخالف أنا أعطيك ألف ريال، لكني أريد أن أحتفظ لنفسي رَهِّن مثلًا بيتك أو رَهِّن لي المزرعة، قال: ما يخالف أنا أراهنك.
يصح الرهن ولَّا ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: يقول المؤلف: لا يصح الرهن، لماذا يا مؤلف؟ قال: لأنك إذا أعطيته الرهن وتعذر الوفاء في المستقبل يبيع الرهن ويأخذ قروشه من الرهن، فيكون قد صَرَفَ السلم إلى غيره.
الكفيل أيضًا ما يصح يجاب كفيل، سواء كان كفيلًا كفالة إحضار بدن أو كفالة غرم ما يصح، ويش لون الكفيل؟ هذا مثل عيسى أراد سلمًا من عبد الإله –فهمتم؟ ولاحظوا يعني لها فائدة التمثيل بهذين الرجلين- أراد سلمًا من عبد الإله، وقال عبد الإله: ما أعطيك سلمًا حتى تأتي لي بكفيل يكفلك، إذا حل السلم وأنت ما عندك شيء فإنه اللي يُسَلِّم عنك.
فقال بندر: أنا أكفله.
يصح ولَّا ما يصح؟
طالب: يصح.
الشيخ: لا، على المذهب المؤلف ما يصح، يقول: ما يصح الكفيل، لماذا؟ لأن عيسى لو أعسر في المستقبل وراح مثلًا عبدُ الإله يطالب بَنْدَرًا ويش يكون؟ صرَفَه إلى غيره؛ استوفى من غير صاحب الحق.
وهذا أيضًا ضعيف، والصواب: أنه يصح الرهن والكفيل به.
إذن: كل المسائل اللي عندنا الآن: الهبة، والبيع، والحوالة به، والحوالة عليه، وأخذ العوض، والرهن، والكفيل، سبع مسائل كلها الصحيح خلاف ما قال المؤلف، لكن لا بد من ملاحظة الشروط التي أضفناها عند كل مسألة.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، أي على الحديث أو على تعليلات أخرى ما هي صحيحة.
الطالب: (... ).
[باب القرض] (باب القرض)
(القرض) في اللغة: القطع، ومنه: المقراض الذي هو المقص؛ لأنه يقطع ما يقُصُّه، هذا في اللغة.
أما في الشرع: فإنه عقدُ إرفاقٍ يُقصَد به تمليكُ المقرَض للمقرَض، يعني: تمليك الرجل الذي أقرضْتَه لِما تُقرِضه من أعيان، أو منافع -على القول بجواز الإقراض فيها-
فهو إذن: عقد إرفاق، ولا يقصد به المعاوضة والمرابحة، وإنما هو إحسانٌ محض؛ ولهذا جاز القرض مع أن صورته صورة ربا، فإنك لو بعت درهمًا بدرهم ولم يحصل بينكما تقابض يكون ربا، ولو أقرضته درهمًا وبعد شهر أعطاك إياه لم يكن ربا، مع أن الصورة صورة ربا لا يختلف إلا بالقصد.
ولما كان المقصود بالقرض: الإرفاق والإحسان؛ صار جائزًا، ولكنه بالنسبة للمقترض جائز وليس من المسألة المذمومة، وبالنسبة للمقرِض سُنَّة.
فإذا جئت إلى شخص وقلت: أقرضني عشرة آلاف، فهو جائز، ولا يقال: إن هذا من المسألة المذمومة.
والدليل على جوازه: أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا وَرَدَّ خَيْرًا مِنْهُ؛ رَدَّ رَبَاعِيًّا خِيَارًا، وقال: «فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» (11).
وأما بالنسبة للمقرِض: فإنه سُنَّة؛ لأنه من الإحسان المأمور به على سبيل الاستحباب في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195].
وهل يجب القرض؟ نعم، يجب القرض أحيانًا فيما إذا كان الإنسان المقترض مضطرًّا لا تندفع ضرورتُه إلا بالقرض؛ صار القرض واجبًا، ولكنه لا يجب إلا على من كان قادرًا عليه من غير ضرر عليه في مؤونته ولا مؤونة عياله.
ولهذا قال المؤلف: (وهو مندوب): مندوب لِمَن؟
طالب: للمقرِض.
الشيخ: للمقرِض، الدليل على أنه مندوب؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، دليل من القرآن؟
الطالب: (... ).
الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. والإقراض إحسان بلا شك، إذا جاءك رجل يقول: أقرضني، وأقرضته هذا إحسان إليه.
وهل هو أفضل من الصدقة أم الصدقة أفضل؟
طلبة: الصدقة أفضل.
الشيخ: الصدقة أفضل من وجه، وهو أفضل من وجه آخر، فمن حيث إن المقترض لا يأتي إليك إلا في حاجة مُلِحَّة يكون من هذه الناحية أفضل، والصدقة: قد تدفع بها حاجة ملحة وقد لا تدفع بها حاجة ملحة، ولكن الصدقة أفضل من جهة أنها لا تشغل الذمة، إذا أعطيته خلاص ما عاد في ذمته شيء.
قال: (وما يصِحُّ بيعُه صحَّ قرْضُه إلا بني آدم): هذا ضابط في الأعيان التي يصِحُّ قرْضُها.
يقول المؤلف: كلُّ (ما يصِحُّ بيعُه صحَّ قرْضُه).
(ما) في قوله: (ما يصح) هل ترونها اسمًا موصولًا، ولَّا ترونها شرطية؟
طلبة: اسم موصول.
الشيخ: يحتمل، وهي صيغتها صيغة الشرط؛ لأن: (صحَّ قرْضُه) هذه جواب.
فإن قلنا: إنَّ (ما) موصولة، فصواب النطق أن نقول: (وما يصحَّ بيعُه) على أن مجزومَه حُرِّكَ بالفتح لالتقاء الساكنين إذا جعلناها شرطية.
وإن جعلناها موصولة قلنا: (وما يصحُّ)، وأُجِيبَتْ بما يشبه جواب الشرط؛ لأن اسم الموصول يشبه الشرطَ في أيش؟ في العموم، ما مرَّ علينا هذا؟ أنَّ اسمَ الموصول يشبه الشرط في العموم فيُجاب بجواب الشرط، ومنه المثال المشهور: الذي يأتيني فله درهم.
هذه بمنزلة قولك: مَن يأتيني فله درهم.
قالوا: ويُجابُ الاسمُ الموصول بجواب الشرط؛ لأنه يشبهه في العموم.
على كل حال يقول المؤلف في هذا الضابط..