وقوله: (قصَّر من شعره) أفادنا رحمه الله أن الأفضل للمتمتع أن يقصَّر من شعره، وهو الذي دلت عليه السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أنهى الطواف والسعي أمر من لم يكن معه هدي أن يقصِّر ويحل، ولم يأمره أن يحلق؛ لأنه لو حلق والمدة قصيرة لم يجد شعرًا يحلقه في الحج، والحج أولى بالمراعاة من العمرة؛ لأنه أكبر.
فعلى هذا نقول: في هذه الصورة التقصير أفضل من الحلق؛ من أجل أن يتوفر الشعر للحج.
قال: (قصَّر من شعره وتحلل) أي: من محظورات الإحرام، فلا يبقى عليه محظور من محظورات الإحرام حتى النساء.
قال: (وإلا) كلمة (إلا) تشمل ثلاث صور: إذا كان مفردًا، وإذا كان قارنًا، وإذا كان متمتعًا معه هدي، على القول بصحة هذه الصورة الثالثة، فيكون (إلا) أي: وإلا يكن متمتعًا، وهو؟ أجيبوا.
طلبة: القارن.
الشيخ: المفرد والقارن، (وإلا) أيضًا بأن كان متمتعًا معه هدي، وهي الصورة الثالثة، (حَلَّ إذا حج) يعني: إذا جاء وقت الحل في الحج، وليس المراد إذا كَمَّل الحج؛ لأن الإنسان يحل يوم العيد، إذا رمى جمرة العقبة وحلق أو قصَّر حَلَّ.
(والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية) المتمتع إذا شرع في الطواف يقطع التلبية ويشتغل بذكر الطواف، وعُلِمَ من كلامه أن القارن والمفرد لا يقطعان التلبية، وعموم كلامه في قوله: (والمتمتع) يشمل المتمتع الذي معه هدي مع أنه لن يحل، فالمتمتع سواء كان معه هدي أو لا إذا شرع في الطواف قطع التلبية.
ومتى يبتدئها؟
طالب: بعد الإحرام.
الشيخ: إذا أحرم بالحج.
باب صفة الحج والعمرة
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب صفة الحج والعمرة.
يسن للمحلين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال منها) أي: من مكة، (ويجزئ من بقية الحرم) (يسن للمحلين بمكة) من المحلون؟
طالب: المتمتعون.
الشيخ: المتمتع، ومن لم يأت بعمرة ولا أحرم بحج ولا عمرة، (يسن الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال) هذا هو الأفضل؛ أن يحرم بالحج يوم التروية قبل الزوال، ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، وسمي بذلك لأن الناس يتروون فيه الماء في منى، قبل أن تأتي هذه العيون -والحمد لله- تجدهم يجهزون الماء ويروونه ويهيئونه للنازلين في منى، وهذا أول يوم من أيام الحج، وأيام الحج الخمسة كلها لكل يوم منها اسم؛ فالثامن يوم التروية، والتاسع يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم القَرِّ، والثاني عشر يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني، كل الأيام الخمسة أيام الحج كل واحد له اسم.
(قبل الزوال منها) وعُلِم من كلامه أنه لا يسن قبل طلوع الشمس أن يحرم بالحج، إلا من مرَّ بالميقات وكان قارنًا أو مفردًا فمتى مرَّ به أحرم من الميقات، لكن كلام المؤلف هنا في المحلِّين أنهم لا يتقدمون على يوم التروية، بل في ضحى يوم التروية.
وعُلِمَ منه أيضًا أنه لا ينبغي أن يؤخر الإحرام عن الزوال، بل يحرم قبل الزوال؛ ليستغل الوقت في طاعة الله؛ لأنه لو أخَّر الإحرام إلى العصر فاته ما بين الضحى والعصر، ولو أخَّره إلى الغد -كما يفعله بعض الناس يقول: أحرم يوم عرفة وأمشي إلى عرفة- فهذا أشد حرمانًا.
وقوله: (منها) أي: من مكة، ومن أي مكان من مكة؟
قال بعضهم: يحرم من تحت الميزاب، ميزاب أيش؟
طلبة: الكعبة.
الشيخ: ميزاب الكعبة، ومَنْ لميزابِ الكعبة في هذه الأوقات؟ ! ولو قلنا للمحلين: ادخلوا المسجد الحرام وأحرموا من تحت الميزاب، متى يحرمون؟ بعد أيام، وهذا لا دليل عليه؛ لا دليل على أنه يحرم من المسجد الحرام، ولا أخص؛ وهو كونه من تحت الميزاب، وإنما يحرم الناس من مقرهم؛ إن كانوا في البيوت فمن البيوت، إن كانوا في الخيام فمن الخيام، من مقرهم.
وقوله: (منها) أي: من مكة، (ويجزئ من بقية الحرم) فيه حرم غير مكة؟ إي نعم؛ لأن حدود الحرم واسعة، يجزئ -مثلًا- من مزدلفة، يجزئ من منى، يجزئ مما دون التنعيم، يجزئ مما دون الحديبية، وهلم جرًّا، المهم أنه يجزئ من أي مكان من الحرم؛ وهو الذي داخل حدود الحرم.
وعُلِمَ من كلامه رحمه الله أنه لا يجزئ من الحل؛ لقوله: (من بقية الحرم) وهو أحد القولين في المسألة، والمذهب خلاف ذلك؛ أنه يجزئ من الحل.
فبناء على كلام المؤلف لو أحرم من عرفة لم يجزئه، وعلى المذهب يجزئه، ولا شك أن الأفضل أن يحرم من مقره، سواء كان في الحل أو في الحرم، متى؟ ضحى اليوم الثامن.
قال: (ويبيت بمنى) يبيت الليلة التي بعد الثامن؛ وهي ليلة التاسع، ولم يذكر المؤلف كيف يصلي؛ لأن هذا يذكر في باب صلاة أهل الأعذار، لكن نحن نذكره إن شاء الله.
يستقر في منى يوم الثامن فيصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر بقصر دون جمع؛ أما القصر فواضح لأن الإنسان مسافر، وأما الجمع فواضح أيضًا لأن الجمع إنما يسن عند وجود المشقة بعدمه، وأما مع انتفاء المشقة فإنه لا يجوز إلا إذا كان في سفر، فالصواب أن السفر يجوز فيه الجمع ولو لم يكن قد جَدَّ به السير.
هل هذا الحكم؛ القصر والجمع خاص بأهل الآفاق أو لهم ولأهل مكة؟
المذهب لا، ليس لأهل مكة قصر ولا جمع؛ لأنهم ليسوا مسافرين؛ إذ إن السفر ما بلغ ستة عشر فرسخًا؛ أربعة برد، ومقدارها بالكيلو نحو ثلاثة وثمانين كيلو، ومعلوم أن عرفة لا تبلغ ثلاثًا وثمانين كيلو، ولذلك يقولون: لا يجوز لأهل مكة أن يجمعوا في مزدلفة ولا في عرفة، ولا أن يقصروا في منى، والصحيح أن أهل مكة كغيرهم من الحجاج، لكن بشرط أن يكونوا مسافرين؛ أي خارجين عن مكة.
في يومنا هذا إذا تأمل المتأمل يجد أن منى حي من أحياء مكة؛ مختلطة، وحينئذٍ يقوى القول بأنهم لا يقصرون في منى، نعم في مزدلفة في عرفة لهم الترخص برخص السفر؛ لأنهم مسافرون، فهم يتأهبون لسفر الحج بالطعام والرحل والماء، فهم مسافرون، ولذلك كان أهل مكة مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانوا يقصرون في منى وعرفة ومزدلفة، ويجمعون في مزدلفة وعرفة، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتموا، لكن اختلف الوضع الآن.
وقال بعض أهل العلم: إن القصر والجمع في الحج ليس سببه هو السفر وإنما سببه النسك.
وعلى هذا القول فأهل مكة -الحجاج منهم- يقصرون ويجمعون في موضع الجمع، لكن هذا القول ضعيف؛ إذ لو كان سببه النسك لكانوا إذا حلوا من النسك التحلل الثاني -وهذا يمكن أن يكون يوم العيد- لم يحل لهم أن يقصروا في منى، ولو كان سببه النسك لكانوا إذا أحرموا في مكة بحج أو عمرة جاز لهم الجمع والقصر، فالقول بأنه هو للنسك ضعيف جدًّا ولا ينطبق على القواعد الشرعية.
يقول رحمه الله: (فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عُرَنَة) (سار إلى عرفة) ولم يذكر النزول في نمرة، مع أن السنة جاءت به، فيسير من منى إلى نمرة؛ وهي موضع تقع جنوبًا غربًا عن عرفة، معروفة حتى الآن بهذا الاسم، هذا المكان نزله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى زالت الشمس، فلما زالت الشمس أمر بالقصواء فرُحِلَت له، ثم ركب حتى أتى بطن عُرَنَة، كما في حديث جابر في صحيح مسلم (10).
ذكر لي بعض الناس الذين كانوا ينزلونها، لما كان الناس قليلين قال: إن النزول بها يكسب الإنسان راحة؛ راحة نفسية عجيبة، وراحة قلبية، وراحة بدنية، وأنه ينصرف منها إلى عرفة وهو على أتم الاستعداد للوقوف بعرفة، وهذه من حكمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ولكن هل هي مَشْعَر أو هي عبارة عن نقضِ تعبٍ؟ يحتمل أن تكون مَشْعَرًا، ويحتمل أن تكون لنقض التعب، ويرجح الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم ضُرِبَت له القبة بنَمِرَة ولم ينكر ذلك، ولما أرادوا أن يضربوا له خيمة في منى منعهم وقال: «مِنَى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» (11)، فهذا يرجح أن النبي صلى الله عليه وسلم نزلها؛ لأنه أسهل حتى يستريح ويستعد للوقوف.
ثم هل هي -أعني نمرة- هل هي من عرفة؟
الجواب: لا، لا شك أنها ليست من عرفة؛ لأنه إذا كان بطن عُرَنة ليس من عرفة، فهي أبعد من بطن عُرَنَة.
فإن قال قائل: ماذا تجيبون عن حديث جابر رصي الله عنه قال: ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم -يعني من منى- حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضُرِبَت له بنَمِرَة (1)؛ فإن ظاهره يقتضي أن نمرة جزء من عرفة؟
فالجواب أن مراد جابر رضي الله عنه أنه لم ينزل في مزدلفة كما كانت قريش تنزل في مزدلفة؛ قريش من تعصُّبهم وحميتهم يقولون: ما نقف بعرفة؛ لأن عرفة خارج الحرم، ونحن -أهل الحرم- ما يمكن نخرج عنه، فيقفون في مزدلفة، فقول جابر: أجاز حتى أتى عرفة؛ يعني أنه لم يقف في مزدلفة، ولهذا قال في نفس الحديث: ولا تشك قريش أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت تصنع في الجاهلية، فأجاز حتى أتى عرفة (12)، فيكون هذا بيانًا لمنتهى سيره، وأن منتهى سيره أيش؟
طالب: عرفة.
الشيخ: إلى عرفة.
يقول: (إذا سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عرنة) كلها موقف، وهي واسعة، لا تظن أنها المسجد وما حوله، بل هي واسعة جدًّا تأخذ الحجيج مهما بلغوا، (كلها موقف) لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما ارتحل من نمرة وأتى بطن الوادي؛ بطن عرنة، وهو معروف حتى الآن، نزل فصلَّى الظهر والعصر، لكنه خطب أولًا الخطبة البليغة الشهيرة، ثم أمر بلالًا فأذن، ثم صلى الظهر، ثم أمره فأذَّن فصلى العصر، ولم يُجَمِّع -أي لم يصلِّ جمعة- مع أن ذلك اليوم كان يوم الجمعة، مما يدل على أن المسافر لا يقيم جمعة حتى لو كان معه أهل الأرض جميعًا، خطب الناس، ثم أمر بلالًا فأذن فصلى الظهر، ثم العصر، ثم ركب ناقته حتى أتى الموقف الذي اختاره عليه الصلاة والسلام، وهو شرقي عرفة عند الصخرات، وهو معروف حتى اليوم، ووقف هناك وقال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (13).
وهو يشير عليه الصلاة والسلام بكلمة: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» إلى أن الأفضل أن الإنسان ينزل في مكانه؛ لأنها كلها موقف، لا فرق بين هذا وهذا، فلا تتعب نفسك بالذهاب إلى موقف الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وهذا من حكمته صلوات الله وسلامه عليه ورحمته بالأمة.
فإن قيل: لماذا اختار الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الموقف؟
فالظاهر لي -والله أعلم- أن من هديه صلى الله عليه وسلم في أسفاره أنه يكون في أُخْريات القوم، والمكان الذي اختاره في شرق عرفة، فالناس كلهم بين يديه، فإذا دفعوا سيكونون؟
طالب: أمامه.
الشيخ: أمامه، ويكون هو في المؤخرة عليه الصلاة والسلام، وهذا من تواضعه صلوات الله وسلامه عليه ومن حسن سياسته؛ لأنه إذا كان في أُخْرَيات القوم تفقد الناس، والذي ينقطع يساعده، والذي يحتاج إلى شيء يساعده.
(كلها موقف إلا بطن عُرَنة) (بطن عُرَنَة) يعني: الوادي، وانتبه لكلمة (بطن عُرَنة) يعني: دون الحافتين اللتين لا يأتيهما السيل إلا إذا كان الوادي قويًّا جدًّا، البطن هو الممنوع؛ بطن عرنة.
الحكمة من ذلك؛ هل لأنه خارج عرفة أو لأن السنة ألَّا ينزل إنسان في الأودية؟
فيه احتمال أنه من عرفة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ارْفَعُوا عَنْهُ» (14) لَأَنَّهُ وَادٍ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْأَوْدِيَةِ.
ويؤيد هذا أنه لولا أنه منها لم يقل: ارفعوا عن بطن عرنة، لكانت قد عُرِفَ أن بطن عرنة أيش؟ خارج عرفة.
وينبني على هذا لو أن إنسانًا وقف في بطن عُرَنة ولم يدخل عرفة وخرج؛ كَمَّل حجه.
فإن قلنا: إن الوادي منها لكن أُمِرْنا بأن نرتفع عنه؛ لأنه وادٍ، فحجه صحيح.
وإن قلنا: ليس منها؛ فحجه غير صحيح.
وهذا يحتاج إلى تحرير بالغ؛ لأنه مهمٌّ، ينبني عليه أن الإنسان أدى فريضته أو لم يؤدِّ فريضته، فتحريره مهم جدًّا.
كلمة (كلها موقف) هل المشروع أن يكون الإنسان واقفًا أو يجلس ويستقبل القبلة؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني، الثاني هو الأقرب، والموقف قد يراد به السكون لا الوقوف قيامًا.
ثم هل الأفضل أن يكون على راحلته أو الأفضل أن يكون غير راكب؟
في هذا خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من قال: إن الأفضل أن يكون راكبًا؛ تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ومنهم من يقول: الأفضل أن يكون ماشيًا لا راكبًا.
والذي ينبغي أن يقال: يفعل ما هو أصلح لقلبه، وهذا يختلف؛ قد يكون بقاؤه على الراحلة -وهي السيارة في الوقت الحاضر- سببًا لانشغاله، وإشغاله أيضًا، ويكون انفراده في مكان تحت شجرة أو في أي مكان أراد أولى وأخشع، فهنا نقول: الأفضل ألَّا يكون في السيارة، وقد يكون في السيارة أخشع له وأقل تشويشًا؛ لأنه يكون متهيئًا متأهبًا، فهنا نقول: انظر ما هو أصلح لقلبك.
قال رحمه الله: (ويسن أن يجمع بين الظهر والعصر) تقديمًا أو تأخيرًا؟ تقديمًا، كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
والحكمة من هذا أمران؛ الأمر الأول: أن يطول وقت الدعاء.
والأمر الثاني: أن يجتمع الناس على الصلاة؛ لأنهم إلى الآن لم يتفرقوا في المواقف، ثم يتسع الوقت لاختيار كل إنسان موقفه، ففي التقديم فائدتان؛ الأولى: اتساع وقت الدعاء والقراءة والذكر، والثاني: اتساع الزمن ليقف الناس مواقفهم، لأنكم تلاحظون الآن أنكم كأنما تشاهدون حج النبي صلى الله عليه وسلم، الناس كلهم دفعوا مِن؟
طالب: منى.
الشيخ: من منى إلى نمرة، وجاؤوا جميعًا، وصلوا جميعًا، فلا بد إذا تفرقوا في عرفة أن يكون الوقت متسعًا، فكان من حكمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يجمع جمع تقديم.
والأفضل أن تصلي خلف الإمام إذا تيسر، وفي وقتنا هذا لا يتيسر، جربنا هذا فيه مشقة، وربما يكون فيه أذية على الناس، لكن من الأفضل أيضًا أن يسمع خطبة الإمام، سماع الخطبة الآن متيسر وإن لم تكن في المسجد عن طريق الإذاعة، ولهذا ينبغي للناس أن يستمعوا إلى خطبة الإمام يوم عرفة؛ لأنها خطبة مشروعة، ثم إذا انتهت الخطبة يؤذِّنون في خيامهم ويصلون الظهر والعصر جمع تقديم.
(ويسن أن يجمع بين الظهر والعصر) قال: (ويقف راكبًا عند الصخرات) يحتمل في (يقف) أن تكون منصوبة معطوفة على (يجمع)، ويكون المعنى: ويسن أن يقف راكبًا، ويحتمل أن تكون مستأنفة، وعلى هذا الاحتمال تكون مرفوعة (ويقفُ).
(راكبًا عند الصخرات وجبل الرحمة) أما عند الصخرات فحق؛ لأن هناك صخرات كبيرة واضحة يقف عندها، وأما قوله: (جبل الرحمة) فلا أصل له في السنة، وإنما يسمى: إلال، الجبل هذا يسمى: إلال، ويسمى: جبل عرفة، أو جبل الموقف، وأما جبل الرحمة فلا، يحتاج إلى دليل؛ لأنك إذا قلت: جبل الرحمة صار موضع رحمة، فيحتاج إلى دليل، ولا دليل، وعلى هذا فيسمى باسمه الأول الجاهلي، أو باسمه الثاني؛ وهو جبل عرفة أو جبل الموقف، أما جبل الرحمة فلا، لكن الفقهاء رحمهم الله أخذوها صاغرًا عن كابر ومشت.
الجبل هذا جبل صغير وقف خلفه النبي عليه الصلاة والسلام عند الصخرات، ولم توضع فيه علامة؛ يعني: عمود يدل عليه، أبدًا، ولا يشرع صعوده، ولا يشرع التبرك بترابه، ولا يشرع استقباله واستدبار الكعبة، هو ليس إلا مجرد علامة على مكان وقوف الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس له مزية على غيره من الجبال اللي حوله إلا أنه علامة.
فإذا قال قائل: أليس مشعرًا؟
قلنا: لا، المشعر كل؟
طالب: عرفة.
الشيخ: كل عرفة مشعر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (13).
(ويكثر من الدعاء ومما ورد) يعني: يكثر من الدعاء بما يريد، (ومما ورد) يعني: يخص الوارد، وهكذا ينبغي للإنسان أن يختار الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سواء وردت في هذا المكان أو وردت في مكان آخر؛ لأن الأدعية النبوية أجمع الأدعية وأنفعها، وهي صادرة من أعرف الناس بالله عز وجل وأعلمهم بما يحبه الله تعالى، فينبغي أن يحافظ على الأدعية النبوية، حتى وإن وجدنا أدعية مسجعة ربما تُلَيِّن القلب فإن المحافظة على ما جاءت به السنة أولى.
ومنها -وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر-: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (15)، ربما يمل الإنسان من الدعاء مثلًا، فنقول: استرح قليلًا ثم استأنف الدعاء، أو خذِ القرآن الكريم، واقرأه بتدبر وتمهل واتعاظ، وتعوذٍ عند آيات الوعيد، ودعاءٍ عند آيات الرحمة، وتسبيحٍ عند آيات التسبيح، في هذه الحال لا تجد مللًا.
(ويكثر من الدعاء ومما ورد، ومن وقف ولو لحظةً من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر وهو أهل له؛ صح حجه، وإلا فلا) (من وقف ولو لحظةً) اللحظة ويش مقدارها؟
طالب: بقدر الثانية.
الشيخ: إي نعم، قدر ما تلحظ الشيء، أقل من الثانية الظاهر.
(ولو لحظةً من فجر يوم عرفة) أفادنا المؤلف رحمه الله أن وقت الوقوف يكون من فجر يوم عرفة، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعروة بن مُضَرِّس حين وافاه في صلاة الفجر يوم العيد وسأله عن صحة وقوفه، وأنه ما ترك جبلًا إلا وقف عنده، قال: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (16)، أخذ الإمام أحمد رحمه الله بقوله: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» من المعلوم أن المراد بالليل هنا ليلة العيد؛ لأنه وافاه متى؟
طالب: في صلاة الفجر.
الشيخ: في صلاة الفجر، أما «أَوْ نَهَارًا» من المعلوم أنه التاسع، وإذا أخذنا بعموم الليل أخذنا بعموم النهار، فيكون وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة، وفسَّره بطلوع الفجر؛ لأن اليوم الشرعي يبتدئ من طلوع الفجر.
وذهب أكثر أهل العلم إلى أن وقت الوقوف من زوال الشمس يوم التاسع، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (17)، وهو لم يقف إلا بعد الزوال قطعًا، ويكون المراد بقوله: «أَوْ نَهَارًا» يعني نهارًا يصح فيه الوقوف، وهو؟
طالب: ما بعد الزوال.
الشيخ: ما بعد الزوال، وهذا القول قوي جدًّا، فيحمل المطلق في قوله: «نَهَارًا» على المقيد بفعل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويكون ابتداء الوقوف من زوال الشمس.
طالب: أحسن الله إليك، إذا قلنا يا شيخ: إنه التعريف إلى قبل الفجر ولو بلحظةٍ واحدة، فإذا أتى في الليل قبل الفجر بلحظةٍ ومرَّ على عرفة، ثم أتى إلى مزدلفة فإنه لا يكون له بها مبيت، فهل نقول له إذا أتى بعد منتصف الليل أو قبل الفجر..
الشيخ: تعجلت.
الطالب: تعجلت..
الشيخ: تعجلت أنت، ما بعد وصلنا لها.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، هل يُفهم من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم أن القبة الذي ضُرِبت له بنمرة أنه لم يضربها ولم يعلم أنها.. حتى وصلها، إنما هو فعل الصحابة؟
الشيخ: نعم صحيح، هذا هو الظاهر، لكن لو كانت منكرًا هل يقرها ويجلس فيها؟
الطالب: لا، ما يفعل.
الشيخ: هذه هي.
طالب: بارك الله فيكم، من لا يتمكنون من سماع الخطبة هل يشرع لهم أن يقيموا خطبة في أماكنهم؟
الشيخ: هذا سؤال وجيه، يعني إذا كان الذي في الخيام لا يستطيعون سماع الخطبة، ليس عنده -مثلًا- إذاعة، هل يشرع أن يخطب؟ إن كان طالب علم فيُشْرع أن يخطب ليعلم الناس، وأما إن كان عاميًّا ويش يقول للناس؟ لا يخطب.
طالب: أحسن الله إليكم، من طاف وهو متوضئ، ثم أحدث، فهل يبتدئ الطواف أو يتم؟
الشيخ: متى أحدث؟
الطالب: أحدث في منتصف الطواف.
الشيخ: أنت تقول: من طاف ثم أحدث؟ !
الطالب: من طاف وهو متطهر.
الشيخ: إي، ثم أحدث.
الطالب: ثم أحدث بعد ذلك.
الشيخ: يعني بعد الطواف؟
الطالب: لا وهو يطوف.
الشيخ: ليش طيب ما قيدته؟
الطالب: قيدته.
الشيخ: هذه مرت علينا أمس أو لا؟ راجع هذا الشريط.
الطالب: (... ).
الشيخ: راجع الشريط، أنت الذي أهملت نفسك.
طالب: يجوز للمحرم أن يقطف ثمرة من الشجرة؟
الشيخ: ثمر؟ المحرم ولَّا هل يجوز قطع الثمر في شجر الحرم؟
الطالب: لا، يعني المحرم.
الشيخ: المحرم ما له دخل في مسألة الأشجار، الأشجار ما لها علاقة بالإحرام إطلاقًا، لكن الحرم ما كان داخل حدود الحرم من الشجر الذي لم ينبته الآدمي فهو محترم، وثمره جائز.
طالب: شيخ بارك الله فيك، هل تشترط الطهارة في الطواف؟
الشيخ: سبق في الدرس الماضي، أليس لك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: راجع الشريط.
طالب: في الحملات يجتمع رجال كثير يعني..
الشيخ: يجتمع في الحمالات رجال كثير.
الطالب: يعني قد يصلون ما بين سبعين إلى مئة وخمسين، ويكون بجانبهم مسجد جماعة، ويغلب على الظن أنهم لو ذهبوا جميعًا لامتلأ المسجد ولصلَّى بعضهم خارجًا فيشق عليهم، فهل يجب عليهم السعي إلى المسجد أو يصلون في.. ؟
الشيخ: مسجد مبني يعني يصلى فيه الصلوات الخمس، أرى أن يصلوا في مكانهم؛ في مخيمهم.
طالب: أحسن الله إليك، قلنا: القِرَان أفضل من الإفراد؛ لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفيه عمرة، واللي يقولون: إن الإفراد أفضل يقولون: هو من فعل الخلفاء الراشدين، كيف نجاوب عنه يا شيخ؟
الشيخ: الخلفاء الراشدون أمروا بالإفراد سياسةً؛ لأجل ألَّا يُهْجَر البيت، وفي عهدهم لا يأتي الناس إلى البيت إلا للنسك، فقالوا: تكون العمرة في غير أشهر الحج، والحج في أشهره، فهم اختاروا هذا سياسةً.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- أحيانًا في عرفة وفي المناسك بعض الجهال يتمسحون بالأستار وبالأحجار.
الشيخ: من؟
الطالب: بعض الحجاج.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وهذا يعتبر شركًا أكبر ولَّا شركًا أصغر، هذا التبرك؟
الشيخ: ما ندري عن ويش نياتهم؟ هل إنهم يتبركون بناءً على أن هذه الأشجار تنفع وتضر، أو بناءً على أنها في أمكنة محترمة، فيرجون البركة فقط؟ هذا يختلف، كما نقول فيمن طاف على القبر؛ إذا كان يعتقد أن الطواف به جائز وقربة إلى الله عز وجل فليس كالذي يطوف تعظيمًا للميت وتقربًا إليه، الثاني مشرك شركًا أكبر، والأول لا، وهذه المسائل خطيرة جدًّا، والظاهر لي -والله أعلم- أن هؤلاء إنما يتبركون تبركًا فقط ما يقصدون أن هذه الأشياء تنفع أو تضر.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- هل الأفضل في يوم عرفة طالب العلم يقتصر بالدعاء أحسن أو يدعو الناس إذا رأى مخالفات؟
الشيخ: إي، يعني هل الأفضل التفرغ للدعاء أو التفرغ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ الأول هو الظاهر، لكن يمكن أن يجمع بينهما؛ بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حتى إذا صار العصر فإنه عشية عرفة لا تتركها بلا دعاء.
طالب: أحسن الله إليكم، في القصر والجمع بعرفة ومزدلفة، بعض الحجاج يؤخرون الصلاة في يوم عرفة يؤخرون صلاة الظهر إلى قرب صلاة العصر، ثم يجمعون، ويقولون: هذا جمع صوري، صورته صورة جمع، وكل صلاة وقعت في وقتها..
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فهل هذا مشروع يا شيخ؟
الشيخ: هؤلاء الذين يرون أنه لا يجوز الجمع، وأن السنة الواردة في الجمع هي الجمع الصوري، لكن قولهم هذا من أضعف الأقوال، كيف جمع صوري؟ ! المراد بالجمع الرأفة بالناس والرفق بهم، الجمع الصوري أشد ما يكون مشقة، عرفت ولا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: عرفت؟
الطالب: إي.
الشيخ: من يدرك أن الشمس صار ظل كل شيء مثله بعد فيء الزوال، ثم يتحرى إلى أن يدخل وقت العصر، من يدرك هذا؟ ! وأصعب من ذلك الشفق الأحمر؛ من يدرك أن يقول: انتظر، حتى إذا بقي على مغيب الشفق الأحمر مقدار صلاة المغرب فصلِّ المغرب؟ ! يعني لو كُلِّفْنا بهذا لكان من تكليف ما لا يطاق، ولكن مع الأسف الشديد أن الإنسان إذا حوصر في الجدال ارتقى مرتقى فوق قمم الجبال، وأجاب بأشياء لو تصورها لعرف أنها لا تصح في المضايقات.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، لو اعتمر في أشهر الحج بغير نية الحج، ثم حج، فهل هو متمتع يعني يجب عليه.. ؟
الشيخ: لا، لو اعتمر في غير أشهر الحج وهو لا ينوي الحج، ثم بدا له بعد فحج فهو مفرد.
الطالب: في أشهر الحج؟
الشيخ: في أشهر الحج نعم؛ لأن قوله: ﴿مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] يفيد أن الإنسان لولا هذه العمرة لبقي في إحرامه إلى يوم العيد.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- حال الصحابة هل كانوا ينوون التمتع حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإحلال؟
الشيخ: نعم.
الطالب: حالهم ما كانوا..
الشيخ: لا، ينوون التمتع، نووا الحج، ناوين الحج، لكن ناوين على أنه إفراد أو على أنه قِرَان.
الطالب: ما نووا يا شيخ التمتع؟
الشيخ: ما يخالف، يجوز أن تفسخ النية المفضولة إلى نية فاضلة، لكن الصورة التي أنت سألت عنها إنسان جاء معتمرًا في أشهر الحج ولا عنده نية الحج إطلاقًا، ثم بدا له فحج، كيف يصح أن نقول: هذا تمتع بالعمرة إلى الحج؟ ! لأن هذه عمرة مستقلة ما تمتع بها إلى الحج.
طالب: شيخ، لو قارن ولم يحرم إلا اليوم التاسع، ثم ذهب إلى عرفة ولم يطف طواف القدوم، كيف نقول: إنه قارن وهو ما طاف طواف العمرة؟
الشيخ: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (18).
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، بالنسبة لحديث عروة لو أن إنسانًا ابتداءً عمل به وهو يعلم الأحكام ويعلم المفروض، وكذا، لكن لظروفٍ معينة عمل بهذا الحديث ولم يقف إلا آخر ساعة من الليل، ثم قدم إلى مزدلفة وصلى مع الناس؟
الشيخ: الظاهر أنه جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» (16)، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
طالب: يا شيخ -بارك الله فيكم- لماذا العلماء؛ يعني بعضهم الذين يرون الفدية يلزمونه إما بالرجوع إذا كان وقف شيئًا من النهار، إن وقف الحاج شيئًا من النهار ودفع قبل الغروب يلزمونه بالرجوع أو الفدية؟
الشيخ: إي نعم، هو الحديث ليس فيه إلا عن تمام الركن فقط، ولا شك أن ركنه تمَّ حتى وإن لم يقف نهارًا، وأما كونه يقف نهارًا ثم نقول: اخرج لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» فغلط؛ لأن كون الرسول عليه الصلاة والسلام ينتظر حتى غابت الشمس ولم يدفع من عرفة إلا بعد غروبها فهنا اختار الأشق على الأخف، ولا يختار الأشق على الأخف إلا لكونه واجبًا، وإلا فسير الناس بعد العصر أهون عليهم.
هذه واحدة.
ثانيًا: لو قلنا: إنه يجوز لكان في ذلك مشابهة للكفار؛ لأن وقوف الكفار في عرفة إلى أن يقرب غروب الشمس حتى إذا كانت على الجبال مثل عمائم الرجال دفعوا.
طالب: أحسن الله إليك، من كان متمتعًا هل هناك فترة زمنية محددة لا ينبغي أن يقصر عنها في فترة تحلله؟
الشيخ: عندي أن من وصل مكة بعد دخول وقت الحج فلا يمكن التمتع، لأن ﴿إِلَى الْحَجِّ﴾ يقتضي أن يكون بينهما زمن فاصل، يجيء واحد عقب الظهر يوم ثمانية يقول: بأتمتع، يتمتع بأيش؟ ويش تمتع؟
الطالب: يوم السادس -مثلًا- يا شيخ؟
الشيخ: لا، السادس يمكن أن يتمتع.
بسم الله، وقوله رحمه الله: (وهو أهل له) من وقف بعرفة (وهو أهل له) وذلك بأن يكون محرمًا، فإن وقف بعرفة وأحرم من بعد لم يصح حجه.
(وأن يكون عاقلًا) فلو مرَّ بها وهو مجنون فإنه لا يصح حجه؛ لأنه ليس أهلًا لذلك، لو مرَّ بها مغمى عليه فهو أهلٌ لهذا، فيصح حجه؛ لأن الإغماء لا يرفع التكليف مطلقًا بخلاف الجنون، أعاذنا الله وإياكم منه.
(ومن وقف نهارًا ودفع قبل الغروب ولم يعدْ قبله فعليه دم، ومن وقف ليلًا فقط فلا) (من وقف نهارًا) يعني: يوم عرفة، (ودفع قبل الغروب) فهو حرام؛ فقد فعل محرمًا؛ لمخالفة أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: «خُذُو عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (19)، ولموافقته هدي المشركين اندفع قبيل الغروب.
وقوله: (ولم يعدْ قبله) عُلِم منه أنه لو عاد إما ندمًا، أو عُلِّم بعد جهله، أو ذُكِّر بعد نسيانه، ثم عاد قبل الغروب؛ فلا شيء عليه.
وعُلِم من كلامه أنه لو لم يعد إلا بعد الغروب فعليه دم، وهذا أحد القولين في المسألة في مذهب الحنابلة.
والقول الثاني أنه إذا رجع قبل فوات وقت الوقوف فلا دم عليه، وعلى هذا فلو رجع بعد الغروب فلا دم عليه.
لكن ما ذهب إليه المؤلف أقرب إلى الصواب، ووجهه أنه لما وقف في النهار لزمه مقتضى ذلك الوقوف؛ وهو أن يبقى إلى الغروب، وهذا الرجل لم يبق إلى الغروب؛ دفع قبل الغروب ولم يرجع إلا بعده، فما ذهب إليه المؤلف رحمه الله أقرب إلى الصواب وأولى للاحتياط.
وقوله رحمه الله: (فعليه دم) كلما مرت عليك كلمة دم فقد سبق معناها اصطلاحًا، وهي؟
طلبة: شاة.
الشيخ: شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة، تُذْبَح في الحرم، وتوزع على الفقراء هناك، فإن لم يجد فقيل: إنه يصوم عشرة أيام، وقيل: لا يصوم، والصحيح أنه لا يصوم، إن لم يجد سقط عنه؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] وهذا لا يستطيع، وإذا كان لا يستطيع الدم فإيجاب الصوم عليه؟
طالب: إيجاب بغير دليل.
الشيخ: إيجاب بغير دليل.
أما قياسه على هدي التمتع فمن أبعد القياس؛ لأن هدي التمتع هدي شكران، والدم الواجب لترك الواجب دم جبران، فكيف يقاس هذا على هذا؟ ولذلك لا يوافقون على هذا القياس في مسألة الأكل؛ هدي التمتع يجوز الأكل منه، وهدي ترك الواجب لا يجوز الأكل منه، فافترقا، فالصواب أن كل دم قيل: إنه واجب لترك واجب إذا عجز عنه الإنسان سقط.
قال: (ومن وقف ليلًا فقط فلا) ويش معنى (ليلًا فقط)؟ يعني لم يأت إلى عرفة إلا بعد الغروب فلا دم عليه؛ لحديث عروة بن مُضَرِّس: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» (16).
(ثم يدفع بعد الغروب إلى مزدلفة) بعد غروب الشمس إذا تأكد يدفع من عرفة إلى مزدلفة، وسميت مزدلفة؛ لأنها مَشْعَر قريب أقرب من المشعر الحلال، لأن في الحج مشعرين: مَشْعَر حرام؛ وهو مزدلفة، والثاني: مشعر حلال؛ وهو عرفة.
وتسمى جمعًا؛ لاجتماع الناس بها، ففي الجاهلية لا يجتمع الحجاج جميعًا إلا في مزدلفة؛ لأن عرفة يتخلف عنها من؟ قريش.
(إلى مزدلفة بسكينة) (بسكينة) يعني: بهدوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دفع هكذا؛ دفع وقد شَنَقَ لناقته القصواء زمامها حتى إن رحلها ليصيب مورك رحله عليه الصلاة والسلام؛ من شدة شنق الزمام، ويقول بيده الكريمة: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ؛ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ» (20) أي: ليس بالإسراع، لكنه يقول رحمه الله المؤلف: (ويسرع في الفجوة) الفجوة يعني: المتسع؛ يعني إذا أتى مكانًا فسيحًا لا يزدحم فيه الحجاج أسرع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كلما وجد فجوة نَصَّ؛ يعني: أسرع، وكلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لناقته الزمام (21).
وهذا من سياسته عليه الصلاة والسلام حتى في البهائم؛ لأنه إذا أتى حبلًا -يعني طلعة- والناقة مشنوقٌ زمامها تتعب، ولهذا تجد الإبل عندما تسير هرولة تمد عناقها كأنما تسبح في الهواء، فلو بقي قد شنق الزمام لها لتعبت، لكنه عليه الصلاة والسلام كلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لها قليلًا حتى تصعد، اللهم صلِّ وسلمْ عليه.
يقول: (ويجمع بها بين العشاءين) إذا وصل إلى مزدلفة جمع فيها بين العشاءين؛ يعني المغرب والعشاء.
وهنا سؤال؛ هل يُسَن أن يقف عند المأزمين ويبول ويتوضأ وضوءًا خفيفًا ثم يركب؟
الجواب: لا، مع أن هذا وقع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن وقع من النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقًا أو قصدًا؟ اتفاقًا لا شك؛ يعني وقع له اتفق له أن احتاج إلى النزول فنزل، خلافًا لبعض الصحابة الذين ظنوا أن هذا من باب السنة، فصاروا إذا وصلوا المكان نزلوا وبالوا وتوضؤوا وضوءًا خفيفًا وركبوا، ومنهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، لكن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن الصحابة خالفوا عبد الله بن عمر في هذا الأصل، وقالوا: ما وقع من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اتفاقًا فلا يُتَعبد به، وهذا الأصل أصح؛ أنه ليس عبادة.
قوله رحمه الله: (ويجمع بين العشاءين) ظاهره أنه يجمع بين العشاءين متى وصل إلى مزدلفة، سواء وصلها في وقت المغرب أو في وقت العشاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع بينهما من حين وصل.
ولكن من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يصل إلى مزدلفة إلا بعد خروج وقت المغرب ودخول وقت العشاء؛ لأنه انطلق من أقصى عرفة وهو يقول: «السَّكِينَةَ، السَّكِينَةَ» وقد شنق لناقته القصواء الزمام، ونزل وبال وتوضأ (22)، فلا جرم ألَّا يصل إلا بعد مغيب الشمس.
ولهذا كان ابن مسعود رضي الله عنه إذا وصل إلى مزدلفة قريبًا من العشاء نزل وأذَّن المؤذن وصلى المغرب، ثم دعا بالعَشاء فتعشى، ثم أذن وصلى العشاء، وكأن ابن مسعود رضي الله عنه رأى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع بين المغرب والعشاء للضرورة؛ لأنه سائر من عرفة إلى مزدلفة، فما ظنكم لو وقف في الطريق وصلى ماذا يحصل؟ يحصل أذى كثير على الناس؛ إبل كثيرة كلها مشرئبة إلى المسير إلى المزدلفة، لو وُقِّف الناس في هذا المكان وصلوا لكان في هذا مشقة عظيمة؛ يحتاجون إلى وضوء، ويحتاجون إلى إناخة الإبل، وفيه مشقة، فلذلك لم يصلِّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى إن أسامة بن زيد ذكَّره وقال: يا رسول الله، الصلاة، قال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» (23).
ومن ثم رأى ابن حزم رحمه الله -لأنه ظاهري- أنه لو صلى الإنسان المغرب والعشاء في غير مزدلفة ما له صلاة، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيش؟ «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ»، ما هو هنا، فيكون هذا تعيينًا لمكان المغرب والعشاء تلك الليلة، لكن قوله ضعيف ولا يعول عليه.
هل نقول الآن: إنك إذا وصلت مبكرًا قبل دخول العشاء فصلِّ المغرب ثم صل العشاء في وقتها؟
نقول: نعم، إذا تيسر هذا فهو أولى، لكن في الوقت الحاضر لا يتيسر ذلك، لماذا؟ للزحام الشديد واشتباه الأماكن، الإنسان ربما ينطلق أمتارًا قليلة عن مقره ثم يضيع، فإذا ضاع تعب هو وتعب أصحابه.
ويَبيتُ بها، وله الدَّفْعُ بعدَ نِصْفِ الليلِ، وقَبْلَه فيه دَمٌ، كوُصولِه إليها بعدَ الفَجْرِ لا قَبْلَه، فإذا صَلَّى الصبْحَ أتى الْمَشْعَرَ الحرامَ فَرَقَاهُ، أو يَقِفُ عندَه ويَحْمَدُ اللهَ ويُكَبِّرُه ويَقْرَأُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيتين، ويَدْعو حتى يُسْفِرَ، فإذا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسرعَ رَمْيَةَ حجَرٍ وأَخَذَ الْحَصَا -وعدَدُه سَبعونَ بينَ الحِمِّصِ والْبُنْدُقِ - فإذا وَصَلَ إلى مِنًى - وهي من وادي مُحَسِّرٍ إلى جَمرةِ العَقبةِ - رَماها بسَبْعِ حَصَيَاتٍ مُتعاقباتٍ يَرْفَعُ يَدَه حتى يُرَى بياضُ إِبِطِه ويُكَبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ، ولا يُجْزِئُ الرميُ بغيرِها، ولا بها ثانيًا، ولا يَقِفُ، ويَقْطَعُ التلبيةَ قَبْلَها، ويَرْمِي بعدَ طُلوعِ الشمسِ ويُجْزِئُ بعدَ نِصفِ الليلِ - ثم يَنْحَرُ هَدْيًا إن كان معه، ويَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ من جميعِ شَعْرِه، وتُقَصِّرُ منه المرأةُ أَنْمُلَةً، ثم قَدْ حَلَّ له كلُّ شيءٍ إلا النساءَ
ومن ثَمَّ رأى ابن حزم رحمه الله -لأنه ظاهري- أنه لو صلى الإنسان المغرب والعشاء بغير مزدلفة ما له صلاة، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» (1)، ما هو هنا، فيكون هذا تعيينًا لمكان المغرب والعشاء تلك الليلة، لكن قوله ضعيف ولا يُعَول عليه.
هل نقول الآن: إنك إذا وصلت مبكرًا قبل دخول العشاء فصلِّ المغرب ثم صلِّ العشاء في وقتها؟
نقول: نعم، إذا تيسر هذا فهو أولى، لكن في الوقت الحاضر لا يتيسر ذلك، لماذا؟ للزحام الشديد واشتباه الأماكن؛ الإنسان ربما ينطلق أمتارًا قليلة عن مقره ثم يضيع، فإذا ضاع تعب هو وتعب أصحابه، فالذي أرى أنه من باب الرفق بالناس -والله تعالى يريد بنا اليسر- أنهم متى وصلوا إلى مزدلفة صلوا المغرب والعشاء، وإن كنت قد ذكرت في المنهج التفصيل؛ أنهم إن وصلوا مبكرين صلوا المغرب في وقتها والعشاء في وقتها؛ استنادًا إلى حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وإلى المعنى الذي من أجله جاز الجمع، لكن نظرًا للواقع الآن أن من الرفق بالناس والتسهيل عليهم أن يُؤْذن لهم في الجمع من حين أن يصلوا إلى مزدلفة، سواء جمع تأخير أو جمع تقديم.
ولكن إذا حبسهم السير وخافوا أن يخرج وقت العشاء -وهو منتصف الليل- فماذا يصنعون؟ يجب أن ينزلوا ويصلوا المغرب والعشاء قبل منتصف الليل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حدَّد وقت العشاء بنصف الليل.
فإذا قالوا: لا نستطيع، معنا نساء والطرق مزحومة، السيارة لا يمكن أن تخرج عن الخط ولا يمكن أن تقف في الخط، فماذا نصنع؟ نقول: صلوا على حسب حالكم، حتى على الراحلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على راحلته (2) في يوم من الأيام حينما كانت السماء تمطر والأرض تسيل للضرورة، فهنا نقول: صلوا على الراحلة؛ للضرورة.
طالب: شيخ، إذا تعارض الذكر المخصوص بعرفة ذكر المساء مخصوص أيضًا، فماذا يقدم؟ يقدم ذكر عرفة لأفضليته؟
الشيخ: على كل حال، ذكر المساء لا يعدو أن يكون ذكرًا ودعاء فيأتي به، أو يجعل ذكر المساء وهو سائر إلى مزدلفة.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- لا يسن إحياء ليلة مزدلفة، ولكن الإنسان أحيانًا لا يستطيع أن ينام بسبب السيارات؛ يعني إزعاج كثير جدًّا (... ) ما سوى شيئًا وراح الوقت؟
الشيخ: ويش تسوي؟ لا بأس، يعني ليلة المزدلفة السُّنة فيها المبيت؛ وهو النوم، لكن ما نقول: الإنسان الذي لا يمكن أن ينام مع الأصوات ما نقول: ابلع حبة (... )، اذكر الله وأنت على فراشك.
طالب: لو قام يصلي -مثلًا- يا شيخ؟
الشيخ: لو قام يصلي؛ إن كان لا يراه أحد فلا بأس، وإن كان يرى فلا؛ لأنه لو رآه أحد -وهي ليلة مباركة- اقتدوا به ولا يعلمون أنه (... ) لا سيما إذا كان طالب علم ومحل التقليد، الحمد لله يبقى يذكر الله ويقرأ القرآن.
بعض الناس إذا أتاه الأرق قرأ القرآن، ثم إذا قرأ القرآن انصب عليه النوم صبًّا؛ لأن الشيطان هو الذي يؤرقه، ثم إذا جاء النوم أو ذكر الله على طول نَوَّم.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، هل الخروج من الخلاف لأهل مكة معناه ألا يجمعون ولا يقصرون؟
الشيخ: أما في منى ما نفتيهم بالقصر، لكن في عرفة ومزدلفة نقول: اقْصُر واجْبُر.
طالب: الوتر في مزدلفة؟
الشيخ: الوتر ويش يعني؟
طالب: ليلة المزدلفة لم يُنْقَل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوتر.
الشيخ: إي طيب، ألم يأت في صحيح البخاري (3) وغيره أنه كان لا يدع الوتر حضرًا ولا سفرًا، ألم يقل عليه الصلاة والسلام: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» (4)، ما الذي يُخْرِج ليلة المزدلفة؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما هو قال: اضطجع حتى طلع الفجر، لكن هل جابر رضي الله عنه وقف عند فراشه وراقبه إلى طلوع الفجر، أو بناءً على ظنه أنه رآه مضطجعًا في أول الليل وجابر مضطجع في مكانه فقال هكذا؟ وأنا أعطيتكم -يا إخوان- القاعدة: إذا جاءت النصوص المحكمة فاحملوا المتشابه عليها، فحديث جابر فيه احتمال أن الرسول أوتر ولم يره جابر، أو أنه لم يوتر، لكن النصوص اللي فيها القول نصوص قولية: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا».
وسنة فعلية ما اسْتُثْني منها شيءٌ؛ كان لا يدع الوتر حضرًا ولا سفرًا (3).
وكذلك يقال في سنة الفجر يوم مزدلفة، جابر يقول: فصلى الصبح حين تبين له الصبح بأذان وإقامة (5)، ولم يذكر سنة الفجر، مع أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لا يدعها حضرًا ولا سفرًا.
طالب: قلنا: الأفضل للإنسان أن يقتصر على الأذكار الواردة من النبي صلى الله عليه وسلم، وبالنسبة للعجمي، بعض الناس ما يفهم ما يقول حتى في الأذكار الواردة من النبي صلى الله عليه وسلم..
الشيخ: تُتَرْجَم له.
الطالب: هل الأفضل أن..
الشيخ: على كل حال إذا كان لا يعقل الترجمة -وهذا هو الغالب عنده- يدعو بما يعلم في قلبه بلغته وبما يريد، والإرادات مختلفة؛ واحد يقول: اللهم نجحني، إن كان تلميذًا، آخر يقول: اللهم هيئ لي سيارة، الثاني يقول: هيئ لي دارًا، والثالث يقول: هيئ لي زوجةً، تختلف الإرادات.
طالب: بعضهم إذا اقتصر على الأذكار الواردة كأنه (... ) وإذا رجع إلى لغته؟
الشيخ: لا، أبدًا، اللي لغته غير عربية وهو لا (... ) الدعاء الوارد بلغته يدعو بما شاء.
الطالب: ويدفع بها بين العشاءين ويبيت بها، وله الدفع بعد نصف الليل، وقبله فيه دم، كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله، فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام فيرقاه أو يقف عنده ويحمد الله ويكبره ويقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: 198] الآيتين، ويدعو حتى يسفر.
فإذا بلغ مُحَسِّرًا أسرع رميةَ حجرٍ، وأخذ الحصى، وعدده سبعون بين الحمص والبندق.
فإذا وصل إلى منى -وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة- رماها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده حتى يُرى بياض إبطه، ويكبر مع كل حصاة.
ولا يجزئ الرمي بغيرها ولا بها ثانيًا، ولا يقف، ويقطع التلبية قبلها، ويرمي بعد طلوع الشمس، ويجزئ بعد نصف الليل.
ثم ينحر هديًا إن كان معه، ويحلق أو يقصر من جميع شعره، وتقصر منه المرأة أنملة، ثم قد حل له كل شيء إلا النساء، والحلاق والتقصير نسك، ولا يلزم بتأخيره دم ولا بتقديمه على الرمي والنحر.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في بقية صفة الحج، وقد سبق أن أول مرحلة.
طالب: (... ).
الشيخ: أول مرحلة أن أيش؟
طالب: (... ).
الشيخ: أن يقف كذا؟
طالب: الذهاب إلى منى.
الشيخ: أن يبيت في منى ليلة التاسع من زوال الشمس يوم ثمانية إلى؟
طالب: (... ).
الشيخ: من متى؟ يبقى في منى إلى متى؟
طالب: من زوال الشمس.
الشيخ: إلى؟
طالب: إلى طلوع الشمس.
الشيخ: إلى طلوع الشمس، طيب.
المرحلة الثانية؟
طالب: يذهب إلى عرفة ويقف بها.
الشيخ: ما فيه مرحلة قبلها؟
طالب: قبل ذلك يُسَن له أن ينزل إلى الزوال في نمرة.
الشيخ: أن ينزل بنمرة إلى الزوال ثم إلى عرفة.
متى ينصرف من عرفة؟
طالب: إذا غربت الشمس.
الشيخ: إذا غربت الشمس يوم عشرة.
طالب: في اليوم التاسع.
الشيخ: في اليوم التاسع، تمام.
المرحلة الرابعة؟
طالب: يدفع إلى المزدلفة.
الشيخ: النزول للمزدلفة، مِنْ؟
طالب: غروب الشمس يوم التاسع إلى الإسفار جدًّا في اليوم العاشر.
الشيخ: طيب، تمام.
يقول رحمه الله تعالى: (ويبيت بها) أي: ينام، ولا ينبغي أن يمضي تلك الليلة بتهجد ولا قرآن ولا ذكر بل الأفضل أن ينام، ولكن إذا كان يأرق ولا يأتيه النوم من كثرة الناس أو من استغراب المكان -لأن بعض الناس إذا تغير مكان نومه لا يأتيه النوم سريعًا- فله أن يذكر الله وأن يقرأ ويسبح ويتهجد أيضًا، إلا أنا نختار ألَّا يتهجد؛ لأن التهجد يراه الناس فيظن بعض الناس أن التهجد ليلة المزدلفة من السنن، لا سيما إذا كان الإنسان ممن يُقْتَدى بعلمه.
قال: (وله الدفع بعد نصف الليل، وقبله فيه دم) (له الدفع) أي: للحاج، (الدفع) يعني: من مزدلفة بعد نصف الليل، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين القادر وغير القادر.
وعُلِم من كلامه أنه ليس له أن يدفع قبل منتصف الليل.
ووجه ذلك: أن المبيت يُطْلَق على الكل أو الأكثر، ولا يمكن أن يكون الأكثر إلا بعد منتصف الليل، فيقولون رحمهم الله: إن الحكم معلق بنصف الليل؛ لأنه إذا مضى نصف الليل صار أكثر وقته في مزدلفة، والأكثر ملحق بالكل.
وهذا ظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين القادر على مزاحمة الناس من الرجال البالغين الأقوياء وغير القادر.
قال: (وقبله فيه دم، كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله) (وقبله) أي: قبل منتصف الليل، (فيه دم) لأنه ترك واجبًا، وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا (6). قال بعضهم: ومثل هذا لا يكون إلا عن توقيف؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه.
والحقيقة أنه يمكن أن يقول قائل: إن للاجتهاد فيه مجالًا وهو قياسه على حلق الرأس؛ لأن حلق الرأس انتهاك محظور، والالتزام بالمحظور -أي بتركه- واجب، فكذلك إذا ترك الواجب المأمور به فقد انتهك التزامه، فيلزمه دم.
والقول بأنه لا مجال للاجتهاد فيه فيه نظر.
ولكنا نقول: على الأقل هو قول صحابي، ولا نثبت له حكم الرفع للشك في كونه له حكم الرفع.
وحكم الرفع يعني أنه يُنْسَب إلى الرسول، وهذا صعب أن تنسب إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيئًا لم يتبين نسبته إليه، فنقول: على الأقل اجعله قول صحابي.
ويبقى المناقشة الثانية في هذا القول؛ هل قوله رضي الله عنه: (فليهرق دمًا) على سبيل الوجوب؟
إن قلنا: على سبيل الوجوب أشكل؛ لأن ظاهر قوله: (من ترك شيئًا من نسكه) يعم كل شيء، حتى الرمل والاضطباع والسعي بين العلمين، وما أشبه ذلك، وركعتي الطواف، وهذا ليس بواجب، ولا يجب في تركه دم، أو يقال: إنه من باب المشترك الذي يُحْمَل على معنييه جميعًا، فيكون في موضع للوجوب، وفي موضع للاستحباب.
وعلى كل حال فإيجاب الدم بترك الواجب ليس أمرًا يقطع به الإنسان أو يغلب على ظنه من الناحية النظرية؛ لأنه ما فيه دليل إلا هذا الأثر.
لكن من الناحية التربوية ينبغي أن يُفْتَى الناس بذلك، وأن يقال: يلزم من ترك واجبًا دمٌ يُذْبَح في مكة ويوزع على الفقراء ولا يُؤْكَل منه شيء.
فإذا قال قائل: كيف تستبيحون أموال عباد الله بدون دليل؟
قلنا: لا حرج في هذا؛ فإن التعزير بالمال جاءت به السنة، كإحراق رحل الغال (7)، وإضعاف القيمة على من كتم ضالة، وما أشبه ذلك، فنجعل هذا أقل ما نقول فيه: إنه من باب التعزير والردع؛ لأن عامة الناس إذا لم يمسهم الأخذ من المال لا يبالون بترك الواجب، شاهدنا هذا.
إذا قلت: يا فلان، ما عليك دم، قال: ويش علي؟ قلنا: عليك التوبة والاستغفار.
قال: سهل.
لكن لو تقول: عليك دم صار يحمر ويصفر، متى نحصل على الدم؟ وكيف نوزع الدم؟ وما أشبه ذلك.
فإذا قال قائل: إذا عدم الدم ماذا يصنع؟
قال أصحابنا رحمهم الله: إنه يصوم عشرة أيام؛ قياسًا على هدي التمتع الذي إذا لم يجده الإنسان يصوم عشرة أيام.
ولكن هذا القياس فيه نظرٌ، ليس بمطرد.
وجه ذلك: أن دم التمتع إنما وجب شكرًا لله على النعمة، وهذا إنما وجب توبة إلى الله تعالى وجبرًا لما نقص.
هذا من جهة.
من جهة أخرى أن دم التمتع يُؤْكَل منه ويُهْدَى ويُتَصَدَّق، والدم الواجب لترك واجب لا يُؤْكَل منه؛ لأنه بمنزلة الكفارة، وإنما يُتَصَدَّق به على الفقراء في مكة.
لكن -كما قلت لكم- نُفْتِي بإيجاب الدم على من ترك واجبًا، ونقول: هكذا قال العلماء، ونخرج -إن شاء الله تعالى- من العهدة بنسبة هذا للعلماء، ولا حرج علينا أن نسلك الطريق الأشد في تربية الناس والتزامهم للواجب، وهذا له نظائر عن السلف رحمهم الله.
نرجع إلى كلام المؤلف يقول: (وله الدفع بعد نصف الليل) (نصف الليل) من متى؟ هل نقول: من الغروب إلى الشروق أو من الغروب إلى طلوع الفجر؟
أما شرعًا فالليل ينتهي بطلوع الفجر، وأما لغة فالليل ينتهي بطلوع الشمس، فأيهما أحوط؛ أن نقول بنصف الليل الذي ينتهي بطلوع الفجر أو بنصف الليل الذي ينتهي بطلوع الشمس؟
طلبة: الثاني.
طلبة آخرون: الأول.
الشيخ: (... ) أيهما؟
طلبة: الشرعي.
طالب: اللغوي.
طالب آخر: إذا اعتبرنا توقيت الرسول صلى الله عليه وسلم لأحكام الشريعة حسبنا على القاعدة.
الشيخ: طيب، هذا قول.
أنا أقول: أيهما أحوط؟ طيب خلينا نشوف، إذا قلنا: إلى طلوع الفجر ينتصف الليل قبل ما.. قلنا: إلى طلوع الشمس، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: إذن الاحتياط اللغوي أن نقول: إلى طلوع الشمس، فلا تنصرف حتى ينتصف الليل اعتبارًا من غروب الشمس إلى طلوع الشمس.
هذا لا شك أنه أحوط.
بقي أيضًا المناقشة الثانية، ما هو الدليل على تعليق الحكم بنصف الليل؟
نقول: ليس هناك دليل إنما هناك تعليل، فما هو التعليل؟
يقولون: إذا انتصف الليل فقد مضى معظمه، والمعظم ملحق بالكل في كثير من مسائل العلم؛ فلذلك نقيده بأيش؟
طالب: نقيده بالنصف.
الشيخ: طيب.
نقيده بالنصف؛ لأنه إذا انتصف الليل صار أكثر الليل قد مضى.
ولكن السنة دلت على خلاف ذلك؛ على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر أهله أن ينصرفوا بليل (8)، وفي بعض الروايات: سحرًا (9)، وهذا يقتضي أن يكون ذلك في آخر الليل؛ يعني قد مضى ثلثاه أو نحوه.
وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما تقول لغلامها: ارقب القمر، فإذا غاب القمر دفعت (10). وغروب القمر ليلة العاشر لا يكون إلا بعد ثلثي الليل؛ لأنه قد مضى عشرة أيام من خمسة عشر، فنقول: الاحتياط أن يكون الانصراف من المزدلفة في أيش؟ في آخر الليل.
ثم هل نوافق المؤلف رحمه الله بأن الإنسان له أن يدفع مطلقًا، أو نقول: نتقيد بالسنة؛ فمن يشق عليه أن يزاحم الناس عند جمرة العقبة فإنه يتقدم، ومن لا فإنه يتأسى برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ حيث بقي في مزدلفة وصلى فيها الفجر، وذكر الله عند المشعر الحرام، وانصرف من مزدلفة حين أسفر جدًّا؟
الصحيح الثاني؛ أنه لا يدفع أحد من مزدلفة إلا من لا يستطيع مزاحمة الناس أو يشق عليه مزاحمة الناس.
بقي عاد تحقيق المناط؛ في وقتنا الحاضر كل الناس يشق عليه مزاحمة الناس، حتى الرجل الجلد القوي عند جمرة العقبة يوم العيد في أول النهار يجد مشقة شديدة، حتى إنه ليؤدي هذه العبادة وكأنه خاض مغمار القتال، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: إذن نوسع للناس ونأخذ بما ذهب إليه الفقهاء رحمهم الله، ونقول: الحمد لله، الأمر واسع.
فإن قال قائل: لماذا لم يؤخر النبي صلى الله عليه وسلم أهله معه، وإذا وصلوا إلى منى انتظروا حتى يخف الزحام؛ لأنه لا بد أن يخف الزحام؟
فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يفعل ذلك؛ لأجل أن ينال هؤلاء الذين انصرفوا من قبل فرحهم بالعيد والتحلل من أول النهار؛ لأننا لو قلنا: اذهبوا إلى منى وانتظروا حتى يخف الزحام، ربما لا يخف إلا في الظهر، فيتأخر حلهم ولا يتم فرحهم بالعيد.
فهذا هو الحكمة في أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للظعن -يعني النساء- وللضعفاء من أهله أن ينصرفوا من مزدلفة قبل الفجر (10).
يقول رحمه الله: (وقبله فيه دم) قبل أيش؟ قبل منتصف الليل، (فيه دم) خلافًا لمن قال: إنه يكفي في النزول في مزدلفة أن يصلي المغرب والعشاء وينصرف؛ لأنه صدق عليه أنه ذكر اسم الله عند المشعر الحرام، والله عز وجل يقول: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] وقد حصل، فإن الصلاة من أعظم الذكر، لكن الصواب ما سمعتم؛ أنه لا بد أن ينتظر حتى يذهب عامة الليل وينصرف في آخر الليل.
(كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله) (كوصوله إليها) أي: إلى مزدلفة بعد الفجر، فإنه إذا وصل إليها بعد الفجر فقد انقضى الليل، فيلزمه دم.
وظاهر كلام المؤلف حتى ولو أدرك صلاة الفجر مبكرًا فإنه يلزمه دم؛ لأنه ترك واجبًا، ولكن عند مناقشة هذه المسألة يشك الإنسان في إيجاب الدم عليه إذا أدرك صلاة الفجر في وقتها المبكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعروة بن مُضَرِّس: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ» يعني: صلاة الفجر التي بكَّر فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في مزدلفة بكَّر بصلاة الفجر حتى صلاها قبل وقتها المعتاد؛ يعني قبل فعلها المعتاد، فإذا أدرك الفجر في الوقت المبكر وقد وقف قبل ذلك بعرفة، فلا وجه لوجوب الدم عليه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعروة إيه؟ قال: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (11).
فإيجاب الدم على من وصل إليها بعد طلوع الفجر، لا سيما إذا كان بعد تعب وعناء وتعطل السيارة -مثلًا- وما أشبه ذلك، أقول: إيجاب الدم عليه فيه نظر، حتى على قاعدة: أن من ترك واجبًا فعليه دم.
(فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام فيرقاه أو يقف عنده) (إذا صلى الصبح) وينبغي أن يصلي الصبح مبكرًا، (أتى المشعر الحرام) وهو المكان الذي وقف عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد أن صلى الفجر في مزدلفة، (فيرقاه) إن تيسر وإلا وقف عنده، ومع ذلك نقول إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رخص لأمته فقال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (12). جمعٌ يعني: مزدلفة، فلا حاجة تذهب إلى المشعر الحرام، بل ادع الله عز وجل وأنت في مكانك حتى تسفر جدًّا.
يقول: (فيرقاه أو يقف عنده ويذكر الله ويكبر ويقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: 198] الآيتين ويدعو حتى يسفر) في حديث جابر: حتى أسفر جدًّا؛ يعني: ليس حتى بان الفجر، بان السفرُ، لا، أسفر جدًّا واتضح وكان يرى من أمامه ويتبين له شخصه، فإذا بلغ إلى هذا الحال انتهى ودفع إلى أيش؟ إلى منى.
وكان أهل الجاهلية يقولون: أشرق ثبير كيما نغير، فيقفون في مزدلفة حتى تطلع الشمس على الجبل ثبير، ثم يدفعون، خالفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدفع من عرفة وفي الدفع من مزدلفة؛ في الدفع من عرفة كانوا يدفعون قبل الغروب، وفي مزدلفة يدفعون بعد الشروق، فخالفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ودفع من عرفة بعد غروب الشمس، ومن مزدلفة قبل طلوع الشمس.
يقول: ويقرأ ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] إلى آخر الآيتين، هذه الآية لم أعلم إلى ساعتي هذه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأهما، ولكن الله أمر إذا أفضنا من عرفات أن نذكر الله عند المشعر الحرام، وكأن الفقهاء رحمهم الله قاسوا هذه المسألة على مسألة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أقبل على الصفا عند ابتداء السعي قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، وحين تقدم إلى مقام إبراهيم قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] (5).
(فإذا بلغ محسرًا أسرع) إذا بلغ محسرًا كيف؟ يعني يسير؛ يدفع من المشعر الحرام متجهًا إلى منى، فإذا وصل محسرًا.. إذا بلغ محسرًا وهو وادٍ معروف، وسُمِّي بذلك؛ لأنه يحسر سالكه؛ أي يعيقه، فإنكم تعرفون أن الوادي الذي هو مجرى السيل يكون في الغالب رمليًّا ويعيق سالكه، فلهذا سُمِّي محسرًا.
(أسرع رميةَ حجرٍ) ذكر الأزرقي رحمه الله أن ذراع هذا الوادي خمس مئة وخمسة وأربعين ذراعًا؛ يعني خمس مئة ذراع ونصف تقريبًا.
يُسْرِع -كما قال المؤلف- رميةَ حجرٍ، ولكن رمية الحجر ممن؟ الظاهر أنه المتوسط؛ لأن بعض الناس رميةَ الحجرِ عشرة أذرع، وبعض الناس خمسين ذراعًا، أو أكثر، فالمراد الوسط.
وإنما يسرع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسرع فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
واختُلف لم أسرع؛ فقيل: لأن الله أهلك أصحاب الفيل في هذا المكان، فهو مكانُ غضبٍ، فينبغي الإسراع فيه، كما أسرع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين مرَّ بديار ثمود (13). هذا قول.
القول الثاني أنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا المكان ويذكرون أمجاد آبائهم، وكلٌّ يمدح ويمتدح، فخالفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأسرع، قالوا: وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: 198]، ثم قال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200].
وقال بعضهم: إنما أسرع؛ لأنه أهون لمسير الناقة؛ لأن هناك فرقًا بين أن تسير الناقة على أرض جلد وعلى أرض هينة لينة فتحتاج إلى التحريك، ونحن لا يهمنا أن نفهم العلة التي من أجلها أسرع النبي صلى الله عليه وسلم، الذي يهمنا أننا نعلم أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسرع فنسرع؛ تأسيًا به.
في وقتنا الحاضر هل يمكن الإسراع؟
طالب: المشاة.
الشيخ: المشاة يمكن، حتى المشاة أحيانًا ما يمكن، حتى المشاة إذا مشيت مع المسير الذي يسيرون فيه ما يمكن؛ لأنه (... )، فإذا ترك الإنسان هذه السنة لعدم قدرته عليها فإنها تُكْتَب له بإذن الله.
(وأخذ الحصى وعدده سبعون) ظاهر كلامه أنه يأخذ الحصى من هناك؛ أي من عند مُحَسِّر.
وفيه نظر؛ لأنه يحتاج إلى دليل، وأنت إذا قرأت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في حجه كأنما تشاهده أنه لم يأخذ الحصى من ذاك الوادي.
وكان بعض التابعين يأخذ الحصى من مزدلفة، لا لاختصاص الحصى بخصيصة توجب أن يُؤْخَذ الحصى من مزدلفة ولكن من أجل أن يكونوا قد تأهبوا لرمي جمرة العقبة حين وصولهم إلى منى؛ لأن السنة أن الإنسان يبادر برمي جمرة العقبة قبل أن يحط رحله؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرميها على ناقته يسلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة ويرميها وهو راكب عليه الصلاة والسلام (14).
وذكر ابن حزم رحمه الله في منسكه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقف على الجمرة، وأمر ابن عباس أن يلقط له الحصى من هناك (15). وهذا أقرب ما يكون في الاحتمالات؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم ينزل ليلقط الحصى، ولو أمر ابن عباس أن يلقط الحصى وهو ماشٍ صار في هذا تعب على ابن عباس، فالظاهر أن ما ذكره ابن حزم هو الواقع؛ أي أنك تأخذ الحصى من هناك ولا تتحمل في نقله.
لكن أخذ الحصى من عند الجمرة في الوقت الحاضر سهل؟ صعب، لا يتمكن الإنسان من أخذ الحصى من عند الجمرة، فيأخذه من طريقه من منى ويرمي به الجمرة، قال: (وعدده سبعون بين الحمص والبندق).
طالب: شيخ بارك الله فيكم، هل يجوز للإنسان إذا عزم على الإحرام، فلما تجاوز الميقات وشق عليه الرجوع قال: بطلت نية الإحرام (... )؟
الشيخ: لا بأس، يعني رجل قدم مكة ناويًا العمرة ولكنه تجاوز الميقات، وليس براجع له، وليس بمحرم من مكانه، فيلزمه دم.
قال: إذن هونت، ما فيه مانع؛ لأنه ما دام لم يدخل في النسك فهو مخير؛ كالرجل يخرج الصدقة ويعزلها، ثم يبدو له فلا يتصدق، فلا حرج.
طالب: أحسن الله إليكم، قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] (... ) الاقتصار على الذكر فقط أفضل من الدعاء؟
الشيخ: أتدري ما الذكر؟
الذكر نوعان: ذكر خاص؛ وهو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وذكر بالمعنى العام، فيشمل كل قول يقرب إلى الله؛ لأن كل قول يقرب إلى الله لا بد أن تذكر الله فيه بنية التقرب إليه، إي نعم.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- النهي يقتضي التحريم ويقتضي فساد المنهي عنه، وحج المرأة إذا حجت بدون محرم حجها لا يصح؟
الشيخ: لا؛ لأن هذا لا يعود لمعنى يعود للحج، هذا لمعنى يعود لحمايتها وصيانتها، لكن قل لي: هل لها أن تقصر الصلاة أو لا؟ وهل لها أن تجمع أو لا؟ وهل تمسح على خفيها ثلاثة أيام أو لا؟ تقول هذا؟ تسأل ولا ما تسأل عن هذا؟
الطالب: أسأل.
الشيخ: طيب.
هذا ينبني على هل يشترط في سفر القصر أن يكون مباحًا؟ وفيه خلاف مشهور، يكاد القولان يكونان سواء، فمن العلماء من يقول: لا يُشْتَرط لرخص السفر أن يكون السفر مباحًا، بل يجوز أن يترخص ولو كان سفره محرمًا.
ومن العلماء من يقول: لا بد أن يكون مباحًا؛ لأن رخص السفر رخصة، والمسافر سفرًا محرمًا من أهل الرخص أو لا؟ لا، ليس من أهل الرخص ينبغي أن نشدد عليه.
والمسألة سهلة نقول: تبْ وترخَّص.
طالب: أحسن الله إليك، وقف في عرفة في أول الليل، ثم وصل إلى مزدلفة بعد منتصف الليل، هل له الدفع بدون أن يقف بمجرد المرور بمزدلفة؟
الشيخ: يسأل يقول: هذا إنسان وصل مزدلفة بعد منتصف الليل، هل يكفي أن يمكث بها يسيرًا ويذهب إلى منى؟
هو على ما سمعت، أما إذا كان رجلًا جلدًا يمكنه المزاحمة بلا مشقة فلينتظر، وإذا كان يخشى على نفسه فليمض.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، الإبل (... ) بنفسها هي ما (... ) وهي ماشية أو راكبة بشيء (... )؟
الشيخ: إي، هذا مما يؤيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أسرع في وادي مُحَسِّر رفقًا بالبهيمة؛ بالناقة.
طالب: الذين يدفعون بالليل لهم أن يرموا قبل طلوع الشمس؟
الشيخ: إي، هذا لم نصله، نعم يرمي متى وصل؛ لأن رمي جمرة العقبة تحية منى، فمتى وصل منى فله الرمي، ولا فائدة من كوننا نقول: انصرف ولا ترم، انتظر حتى تطلع الشمس، وحديث: «أَيْ أُبَيْنِيَّ، لَا تَرْمُوا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (16) ضعيف.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- مكان المشعر الحرام هو المسجد الذي في مزدلفة؟
الشيخ: والله يقولون هكذا، أنا ما تيقنت أن المشعر الحرام هو المسجد المعروف الآن في المزدلفة.
طالب: أحسن الله إليك، نرى بعض الناس تشير أيديهم في الصفا والمروة إلى الكعبة، هل هو مشروع؟
الشيخ: يعني يقول كذا؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، الصواب أنه يرفع يديه رفع دعاء هكذا.
طالب: بارك الله فيك، بعض الناس يأخذون الحصى معهم من بلادهم؟
الشيخ: من بلادهم.
الطالب: إي نعم، يقولون: دفعًا للمشقة.
الشيخ: هذه المشقة، عجيب!
الطالب: مجموعة حصى يأخذها معه (... ).
الشيخ: طيب ما يخالف، مجموع الحصى سبعين حصاة، هذا وهم، إلا إذا كان يعتقد أن حصى بلده أفضل من حصى مكة (... ) ما فيه مشقة، هذا كذاب ولا جاحد.
الطالب: لو رمى بها -يا شيخ- هل يجزئه؟
الشيخ: إي يجزئ، الأحجار أي حجر يرمي به.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- على قول الفقهاء بإلزام من ترك واجبًا دمًا هل من دفع بعد نصف الليل وقبل الثلثين يُفْتَى بأن عليه دم؟
الشيخ: لا، عندهم لا.
الطالب: على قولهم.
الشيخ: عندهم جائز.
الطالب: على قولهم.
الشيخ: نحن قلنا: إن الإيجاب فيه نظر، وما دام هذا ليس عليه دم -على رأي الفقهاء- الحمد لله، هذا توفيق.
الطالب: قبله؟
الشيخ: قبله، لا شك أنه ترك واجبًا.
طالب: أحسن الله إليك، إذا دفع بعد الإسفار من مزدلفة إلى منى، هل يُشْرع -يا شيخ- دعاء معين؟
الشيخ: لا، تلبية، يلبي؛ لأنه يلبي إلى أن يرمي جمرة العقبة.
طلبة: (... ).
الشيخ: كذا؟
طلبة: (... ).
الشيخ: (... ).
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- بالنسبة للدفع من عرفة إلى مزدلفة لو أن إنسانًا خرج من الطريق إلى مكة؟
الشيخ: من لو خرج أيش؟
طالب: (... ) إلى مزدلفة ذهب إلى مكة (... ) الغسيل والطعام؛ لأنه أيسر وأفضل (... )، ثم دخل (... ).
الشيخ: لا بأس، المهم أن يصل إلى المزدلفة.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- بعض الناس يقولون: إن السعي بين العَلمين ما يكون إلا في الأشواط الثلاثة الأولى؟
الشيخ: إي، هذا وهم، ظنوا أنه كالطواف، ولكنه لا شك أنه غلط.
الطالب: كأنهم يقيسون..
الشيخ: يقيسون مع وجود النص، أقول: يقيسون مع وجود النص، خلِّ عندك قاعدة: إذا وُجِد النص ما فيه قياس، وإلا لاتبع الحق أهواءهم.
طالب: شيخ، قلنا: إن القول الراجح في عدم اشتراط النية في الطواف وكذا تعيينه، وعللنا بأنه جزء من عبادة، وقلنا في الموالاة بين الطواف والسعي: إنه لا يُشْترط، وعللنا لأنه عبادة مستقلة، ويا شيخ ما فهمت.
الشيخ: يعني عبادة منفصلة عن الطواف، السعي منفصل عن الطواف مستقل؛ يعني مستقل بمعنى منفصل عن الطواف، وإلا فهو عبادة لا شك.
طالب: بالنسبة للذين يدفعون قبل طلوع الفجر من مزدلفة، هل لهم أن يذكروا الله (... ) ثم يدفعوا؟
الشيخ: نعم، كان ابن عمر يرسل أهله حتى يقفوا عند المشعر ويأمرهم بالانصراف قبل الفجر.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- بالنسبة لهدي المتمتع وهدي القارن هل بينهما فرق من حيث إنه يلزم القارن أن يسوق الهدي (... )؟
الشيخ: لا، ما هو بشرط، لكن القارن إذا ساقه امتنع عن التمتع.
الطالب: إذا لم يتيسر له أن يسوقه ثم اشتراه أو دفع قيمته للمكاتب المعروفة (... )؟
الشيخ: يعني ساق الهدي؟
طالب: لا، ساق الدراهم، صار كالمتمتع في مسألة الهدي.
الشيخ: وهو كالمتمتع في مسألة الهدي، هو والمتمتع سواء.
طالب: ما يكون مخالفًا لفعل النبي عليه الصلاة والسلام وقولِه: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (17).
الشيخ: أبدًا، يعني يجوز أنه يشتري القارن الهدي من منى، ويجوز أن يأتي به معه من الحل.
قال المؤلف رحمه الله: (وعدده) أي: عدد الحصى، (سبعون) عدده سبعون لمن تأخر؛ لأن اليوم الأول سبع، والثاني واحد وعشرون، والثالث واحد وعشرون، والرابع واحد وعشرون، فثلاثة في واحد وعشرين تبلغ ثلاثًا وستين، وسبع يوم العيد؛ هذه سبعون.
وقوله: (عدده سبعون) نعم عدده سبعون، لكننا لا نوافق المؤلف في قوله: (يأخذ سبعين حصاة) بل نقول: يأخذ لكل يوم حصاه؛ اليوم الأول سبع، والثاني واحد وعشرون، والثالث واحد وعشرون، والرابع واحد وعشرون، بل لو قال قائل: يأخذ في اليوم الثاني سبع حصيات للجمرة الأولى، وفي طريقه منها إلى الثانية يأخذ سبعًا، وفي طريقه من الثانية إلى الثالثة يأخذ سبعًا؛ لم يكن هذا بعيدًا.
أما أن يجمع سبعين حصاة من أول الأمر فهذا ليس بسُنة.
قال: (بين الحمص والبندق) الحمص معروف، والبندق من يعرفه؟ تعرفه؟
طالب: أكبر من الفولة، البندق أكبر من الفولة.
الشيخ: والفولة ويش كبرها؟
طالب: بين الحمص والبندق.
الشيخ: (... ).
طالب: كبر النبق.
الشيخ: النبقة، لا، ما أظن، النبق كبير.
طالب: النبق الصغير (... ) في حجم الزيتونة.
الشيخ: يمكن هي للزيتونة أقرب، أو أقل من الزيتونة، والزيتون أيضًا فيه اختلاف؛ بعضه كبير، وبعضه صغير.
على كل حال المسألة متقاربة، الممنوع أن تكون صغيرة كالشعيرة، هذه لا تجزئ، أو تكون كبيرة أيش نقول؟
طالب: كالصخرة.
الشيخ: لا، صخرة من بيجيب صخرة، سبع صخرات.
طالب: كالتفاحة.
الشيخ: كالتفاحة، هذا ممكن.
وبهذا نعرف أن رمي الجمرات ما هو إلا عبادة محضة، تعبد محض، وتذلل محض، وإلا فما الفائدة من أن نأخذ حصيات بصفة معينة ونرميها في هذا المكان على وجه معين؟ ليس إلا مجرد التسليم للعبادة، كما قال عمر في تقبيل الحجر: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبَّلتك (18). وبهذا يظهر كمال الذل والتعبد لله عز وجل؛ أن الإنسان يأخذ الحصى معه من رحله إلى المكان ويرمي تعبدًا لله وتأسيًا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد جاء في حديث فيه نظر: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» (19). ورمي الجمار فيه ذكر الله القولي والفعلي؛ القولي التكبير عند كل حصاة، والفعلي رمي الحصاة، فإن هذا ذكر لله عز وجل.
وأما القول بأنه يرمي الشيطان، فهذا ليس بصحيح، لو كنا نرمي الشيطان لكنا نقول عند الرمي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لكننا لا نرمي الشيطان.
خذ بناء على هذه العقيدة التي ليس لها أصل كيف يأتي الناس الجهال لرمي الجمرات؟ يأتون بعنف شديد جدًّا جدًّا ويشتمون ويلعنون، حتى إنه بلغنا أن بعضهم يضرب بحصاة كبيرة ويشتم ويقول: عليك لعنة الله، أنت اللي فرَّقت بيني وبين زوجتي شوف، سبحان الله!
وأنا شاهدت بعيني رجلًا وامرأته قبل الزحامات هذه الشديدة في جمرة العقبة، كانت جمرة العقبة فيها جبل من الخلف، ما أحد يصعد للجبل وفيها حوض، هو جالس على شفا الحوض ومعه كنادر يضرب العمود هو وزوجته، امرأة معه ما أدري زوجته ولَّا غيرها، والحصى يضربهم، سبحان الله! ولا يتحركون، هذا العجيب.
فكأنما يقولون:
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبِعٌ دَمِيتِ
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ
ليش؟ لأنهم اعتقدوا أنهم يضربون الشيطان، هذا غلط، الذي يجب على طلبة العلم أن يبينوا للناس أن هذه من مشاعر الحج ومن مناسك الحج، وأنها تُرْمَى تعبدًا لله عز وجل وإقامةً لذكره، هذا هو الواجب على طلاب العلم.
لكن يقول قائل: أرأيتم لو كان هذا العامي ما يعرف إلا إذا قلت له: ارم الشيطان الصغير، ثم الوسط، ثم الشيطان الكبير، هل أقول له هذا؟ لو تقول له: ارم الجمرة الأولى، ويش هي الجمرة الأولى؟ ما يعرفها.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، المكان هو أهم شيء، فهل نتكلم معه بلغته ثم بعد أن يعرف تقول: هذه لا تسمى شياطين؟ أنا أرى هذا أحسن، نكلمه بلغته ثم نقول: هذه ليست بشياطين، هذه من مناسك الحج وشعائره، فلا تعتقد ما ليس بصواب.
يقول: (بين الحمص والبندق) وسمعنا بعض الناس يرمي بالحذاء.
شاهدتم هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، بالحذاء والشمسيات، سبحان الله! الجهل.
طالب: تجزئ يا شيخ؟
الشيخ: إن أخذها فقير يتظلل بها يمكن، ما يجزئ إلا الحصى، سيأتينا إن شاء الله تعالى.
قال العلماء: لو رمى دنانير بدل الحصى ما نفع إلا الحصى؛ لأن المسألة عبادة، فإذا وصل إلى منى؛ وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة، (من وادي) المعروف عند العلماء -علماء اللغة- أن ابتداء الغاية داخل لا انتهاؤه، ولكن في هذا الموضع ابتداء الغاية وانتهاؤها خارج، فتبتدئ مِنَى من وادي مُحَسِّر، والوادي ليس منها، وتنتهي بجمرة العقبة، والجمرة ليس منها.
ولهذا لو عَبَّر المؤلف فقال: وهي ما بين وادي مُحَسِّر وجمرة العقبة لكان أَسَدَّ؛ لأنه إذا قال: (ما بينهما) خرجا.
طيب وادي محسر عرفتم ما هو، جمرة العقبة لماذا سميت جمرة العقبة؟ لأنه كانت على عقبة في الواقع، شاهدناها على عقبة؛ يعني طلعة؛ لأنها في أصل جبل، وتحتها الوادي مجرى سيل.
ولكن كيف يرمي الجمرة؟
يقول الفقهاء رحمهم الله: يرمي الجمرة -جمرة العقبة- مستقبل القبلة والجمرة عن يمينه، وهذا ما يمكن، خصوصًا في وقتنا الحاضر؛ يعني -مثلًا- القبلة هكذا والجمرة هنا (... )، هل يمكن أن تتصور أن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا؟ أبدًا؛ ولذلك وقف ابن مسعود رضي الله عنه في نفس الوادي مستقبلًا الجمرة جاعلًا منى عن يمينه والكعبة عن يساره، وقال: واللهِ الذي لا إله إلا هو، إن هذا هو المكان الذي رمى منه النبي صلى الله عليه وسلم، أو قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة (20). أقسم رضي الله عنه، وهذا هو المدرك حسًّا؛ أن تجعل الجمرة أمامك وتجعل مكة عن اليسار ومنى عن اليمين من بطن الوادي.
طيب لو رماها من جهة أخرى وجعل مكة عن يمينه ومنى عن يساره والجمرة أمامه، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز.
ولو رمى الجمرة مستقبلًا لها والكعبة خلف ظهره يجوز.
المهم أن يقع الحصى في المرمى.
طيب إذا وقعت في المرمى ثم تدحرجت تجزئ أو لا؟ تجزئ؛ لأن الاستقرار ليس بشرط، إذا وقعت خارج المرمى ثم تدحرجت فيه بغير فعل أحد تجزئ أو لا تجزئ؟ تجزئ.
إذا ضرب العمود الذي جعل علامة، ثم إنها -يعني الحصاة- نجزت حتى خرجت عن المرمى تجزئ أو لا؟ لا تجزئ؛ ولذلك ينبغي للإنسان ألَّا يشتد في الرمي؛ لأنها إذا أصابت العمود ثم نجزت لا تجزئ.
طيب، هل يكفي غلبة الظن أو لا بد من اليقين أن تقع في المرمى؟ يكفي غلبة الظن؛ لأن غالب العبادات مبناها على غلبة الظن، ولأن اليقين في عصرنا صعب؛ إذ لا يمكن أن تتيقن إلا إذا وقفت على الحوض، فيكفي غلبة الظن، إذا رأيتها -مثلًا- طارت وغلب على ظنك أنها وقعت في الحوض كفى، وهذا من التيسير، ولو قلنا: لا بد من اليقين لصعب على الناس صعوبة عظيمة؛ لكان كل واحد يريد أن يقف على الحوض وحصل فيه مشقة.