طالب: أحسن الله إليكم، الآن في زمن السلام، ما يسمى بالسلام بين العرب وإسرائيل فيه هدنة الآن؛ يعني ما نقول: هدنة وإنما هو سلام دائم، لكن على كل حال لو قلنا بأنه هدنة الآن بمقتضى هذا السلام تأن ُفتَح البلاد أمام اليهود بلاد المسلمين ويفتح فيها السفارات ويكون فيها تبادل دبلوماسي وثقافي وكل شيء، تجاري هذا على قاعدة الفقهاء يا شيخ، سائغ؟
الشيخ: نحن نتكلم عن الحُكْم من حيث هو حُكْم، ما نتكلم عن قضية معينة.
الطالب: إي أنا ما أقصد قضية معينة.
الشيخ: أو نُقَوِّم قضية معينة، واليهود معروفون بالغدر من زمان، والذي نعتقد أنه لن يتم شيء من ذلك، وما هي إلَّا مماطلة ولعب، أبدًا، ولا نريد أن نتكلم عن قضية معينة، ندع هذا للتاريخ، وسوف تبين الأمور.
الطالب: أقول في صلح الحديبية هل كان للمشركين تمكين في بلاد المسلمين؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: هل كان المشركون لَمَّا عاهدوا النبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية كان لهم صلة..
الشيخ: على كل حال، نعم، الناس انفتح بعضهم على بعض، بدأ يأتون بالتجارة، ويدخل بعضهم على بعض، وسمَّاه الله فتحًا، وأَمِنَ الناس بعضهم من بعض.
طالب: قد عرف الكفار منا أننا أهل صدق معشر المسلمين وأننا لا نغدر، وأننا أَوْلَى الناس بالوفاء بالذمم، فقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله ورضي عنه- إذا رأينا المصلحة في قتالهم فإننا ولو أعطيناهم عهدًا إلى أكثر من عشر سنين، فيجوز لنا أن نقص هذا العهد، ونخبرهم بأنه لا عهد لكم، ونقاتلهم، فهم تعودوا منا وعرفوا منا إننا نصدق، وإذا أعطينا ذمة وفينا بها، وإذا أعطينا عهدا وفينا بها، وهذا ما جاء على لسان أبي سفيان.
الشيخ: نعم معروف.
الطالب: فكيف يعني، ما رأيكم؟
الشيخ: الشيخ ما قال: دائم، الشيخ لم يقل: دائم، قال: مطلق، عرفت؟ وفَرْق بين المطلق وبين الدائم.
الطالب: كيف يا شيخ لو سمحت، كيف؟
الشيخ: أقول: لم يقل: إنه دائم، هو مطلق، ما هو شرط أن يحدَّد بعشرين أو ثلاثين سنة، مطلق، وفَرْق بين الدائم المستمر وبين المطلق، الشيخ ما قال هذا، إي، وإلَّا تجب، انتبهوا لها، ما أدري أحد فهم كما فهم الأخ؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، فَرْق بين المطلق وبين المقيد، الشيخ يقول: يجوز مطلقًا، ويكون الحبل بيدينا، ونحن إذا قوِينا واستطعنا أن نقاتلهم، قلنا: ما بيننا وبينكم مدة.
الطالب: صح، هذا صح.
الشيخ: لكن إذا قلنا: مستمر، سلام مستمر، أو عهد مستمر، معناه مقيد الآن، مقيد بالاستمرار، فحينئذٍ تكون أيدينا مكبَّلة، ما نستطيع أن نتحرك.
طالب: (... ) واقع يا شيخ (... ).
الشيخ: إيش؟
الطالب: إذا كان واقعا.
الشيخ: أيهم.
الطالب: هو من المحدد أو المطلق؟
الشيخ: أيهم، أيهم.
الطالب: (... ) في هذا الوقت.
الشيخ: يعني غير اليهود قصدك.
الطالب: اليهود وغيرهم.
الشيخ: إي، لا، المشكلة أن اللي غير اليهود يرون أنه ما بينهم أصلًا حرب، ولا تقوم بينهم حرب أصلًا، نعم، فالمسألة في الحقيقة المسلمون الآن يحتاجون إلى تصحيح الوضع من أصله، من جذوره، ما هي بقضايا معينة.
(... )
طالب: شيخ، يقول المؤلف: إن الأمان تكون مدته عشر سنين فأقل، ما حجة مَنْ قال بهذا القول؟
الشيخ: حجة مَنْ قال بأن هذا ما هو بعقد معهم.
الطالب: التحديد يا شيخ.
الشيخ: التحديد؛ لأن أكثر ما سمعنا: التأمين عشر سنوات بالنسبة للمعاهَد.
الطالب: سمعنا؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: صلح الحديبية؟
الشيخ: في صلح الحديبية، نعم.
الطالب: هذا عهد.
الشيخ: هذا في الحقيقة يعني الذين قالوا: إن العهد لا بد يكون عشر سنين، يقولون: كيف تقيدون الأمان بعشر سنين ولا تقيدون العهد، وأنتم تستدلون بنفس العهد، صحيح.
الطالب: والصحيح يا شيخ نقيد بعشر سنوات؟
الشيخ: والله فيها نظر الحقيقة، خصوصًا الأمان من شخص لشخص كيف يبقى عشر سنوات؟
الطالب: أو حسب الحال؟
الشيخ: هو الأحسن يقيد بحسب الحال.
طالب: أحسن الله إليكم، في الدرس السابق يا شيخ قلنا: للإمام إذا وقف أرضًا فليس للخليفة من بعده أن يزيد إلَّا حسب المصلحة، هل له -الإمام الثاني- أن يوزعها بين المسلمين يا شيخ؟
الشيخ: لا؛ لأن هذه صارت وقفًا، لا يمكن نقل وقفيتها.
الطالب: أين الأرض التي وقفها عمر يا شيخ؟
الشيخ: أين خلافة عمر.
طالب: شيخ (... ) عقد الجزية يا شيخ.
الشيخ: إيش؟
الطالب: (... ) عقد الجزية.
الشيخ: إيش؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، ما هو كل سنة.
الطالب: الجزية كل سنة.
الشيخ: لا، ما هو بكل سنة.
طالب: ترجيحكم في مسألة تحديد المدة في الهدنة.
الشيخ: إيش، أنا أرى رأي شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- رأي شيخ الإسلام هو المصلحة.
طالب: شيخ الذي عنده أرض خَراج، هل تجب عليه الزكاة؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن الزكاة واجبة في الزرع أو الثمر، والخَراج على الأرض، نظيرُها لو استأجرت أنا من شخص أرضًا، وزرعت فيها، وجب علَيَّ زكاة الزرع ودفع أجرة لمالك الأرض (... ).
طالب: قال البهوتي رحمه الله تعالى: والهدنة عقد الإمام أو نائبه على ترك القتال مدة معلومة ولو طالت، بقدر الحاجة، وهي لازمة، يجوز عقدها لمصلحة، حيث جاز تأخير الجهاد لنحو ضعف بالمسلمين، ولو بمال منا ضرورة، ويجوز شرطُ ردِّ رجلٍ جاء منهم مسلمًا للحاجة، وأمره سرًّا بقتالهم والفرار منهم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
في الدرس الماضي سبق لنا أن الهدنة أو المسالمة أو المعاهدة أو المماددة جائزة بشرط أَلَّا يقدر المسلمون على الجهاد، هذا هو الشرط الأساسي؛ لضعف المسلمين.
لكن اختلفوا: هل تجوز فيما زاد على العشر سنوات؟ وإذا جاز ذلك فهل لا بد من تحديد مدة معينة؟ أو يصح أن تكون المدة مطلقة؟
وذكرنا في هذا ثلاثة أقوال، والقول الثالث لشيخ الإسلام ابن تيمية -وهو الراجح- أنها تجوز مطلقًا، ثم إذا كان للمسلمين قوة فيما بعد، فإن لهم أن يُخبِروا الكفار بأنه لا عهد بيننا وبينهم؛ لأنه ليس هناك مدة معينة تلزمنا بأن نَفِيَ بها، هو عقد مطلق، وهم راضون بذلك في أول الأمر، ونحن كذلك راضون به.
ثم نُكمل الفصل الذي ذكره البهوتي -رحمه الله- في الشرح: قال: (ويجوز شرطُ ردِّ رجلٍ جاء منهم مسلمًا للحاجة) يعني: لو شَرَط هؤلاء الكفار أنه مَنْ جاء منهم مسلمًا رددناه إليهم كان ذلك شرطًا جائزًا، لكن إذا دعت الحاجة إليه.
ومن دعاء الحاجة إلى ذلك: أن يتوقف الصلح على هذا الشرط، فإذا توقف الصلح على هذا الشرط، وقالوا: لا نصالحكم إلَّا بهذا الشرط، فإنَّ لنا أن نشترطه.
فإن قال قائل: في هذا غضاضة علينا، قلنا: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك بأمر الله، فإن قريشًا اشترطوا عليه أن من جاء منهم مسلمًا ردَّه إليهم، وفعل ذلك، وجعل الله لمن جاء مسلمًا ورُدَّ إليهم جعل له فرجًا، حتى إنهم هم بأنفسهم جاءوا أو أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقولون: امنع الذين جاؤوا وأسلموا؛ يعني: ويُلغى الشرط، ففعل، والقصة مع مَنْ؟
طلبة: أبو بصير.
الشيخ: مع أبي بصير رضي الله عنه؛ لأن أبا بصير جاء مسلمًا من قريش فأرسلوا في طلبه رجلين، فما إن وصل المدينة حتى وصل الرجلان، ثم طلبا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد إليهم هذا الرجل الذي جاء مسلمًا فردَّه إليهم حسب الشرط، ولما كان في أثناء الطريق وجلسوا يأكلون أو يتغدون، قال لأحدهم: أرني سيفك هذا فإنه سيف جيد، هذاك الرجل غُرَّ، فأراه إياه؛ لأنه قال: هذا الرجل أسير بين يدينا؛ فلما أخذه ضرب به عنقه حتى أطار رأسه، صاحبه الثاني هرب إلى المدينة، وجاء إلى النبي عليه الصلاة السلام فلحقه أبو بصير، وقال: يا رسول الله إن الله أبرأ ذمتك وأوفى بعهدك ورددتني إليهم، ولكن الله أنجاني منهم، فقال النبي عليه الصلاة السلام: «ويل أمه مِسْعَر حرب لو يجد من ينصره» ففهم أبو بصير رضي الله عنه أن الرسول سيردُّه، فخرج من المدينة وجلس على قاعدة في سيف البحر، وصار ما جاء من تجارة لقريش أغار عليها وأخذها، وسمع به أُناس من أهل مكة من الشبان فخرجوا إليه، فصاروا طائفة، حينئذٍ عجزت قريش عنهم، فانتهى الأمر بِرَدِّهِم إلى المدينة (7)، والحمد لله.
قال: (ويجوز شرطُ ردِّ رجلٍ جاء منهم مسلمًا للحاجة وأمَرَهُ سرًّا بقتالهم والفرار منهم) يعني: نعطيه إياهم، ونقول: إن أمكنك أن تقتل أحدًا منهم أو تقاتل فافعل، أو أمكنك أن تَفِرَّ منهم فَفِر، لكن إلى أيِّ شيء؟ إلى البَر، إلى الخلاء، لكن لا تأتِ إلينا، إن أتيت إلينا رددناك عليهم.
(ولو هرب قِنٌّ فأسلم لم يُرَدّ، وهو حرٌّ) (ولو هرب قِنٌّ) يعني: عبدٌ مملوك من سيده، من الكفار، فأسلم لم يُرَدَّ إليهم، لماذا؟ خوفًا من أن يرتد إلى الكفر؛ لأنه قِنٌّ فيأخذه سيده ويُكرهه على الكفر فيكفر.
(ويؤخَذون بجنايتهم على مسلم من مال، وقَوَد، وحَدّ) الضمير في قوله: (يؤخَذون): يعود على المعاهَدين الذين بيننا وبينهم عهد، بجنايتهم على المسلم.
(من مال): لو أخذوا مال مسلم وجب عليهم ردُّه.
(وقَوَد): لو قتلوا مسلمًا قُتِلوا إذا أمكن، (وحَدّ): لو قذفوا مسلمًا حُدُّوا القذف؛ لأنهم معاهَدون.
قال: (ويجوز قتل رهائنهم إنْ قَتَلوا رهائننا) يعني: لو كان بيننا وبينهم رهائن، أحيانًا يخافون أن ننقض العهد، ونحن نخاف أن ينقضوا العهد، فنقول: أعطونا رهائن، وهم يقولون أيضًا أعطونا رهائن؛ يعني: أشخاصًا يكونون عندهم، إذا غَدَر أحد قُتِل هؤلاء الرهائن، فإن قَتلوا رهائننا فلنا أن نقتل رهائنهم.
فإن قال قائل: كيف نقتل رهائنهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: 15]؟ قلنا: لأن القوم طائفة واحدة، فجناية واحد منهم جناية من الجميع.
واستفدنا من كلام المؤلف هذا أنه يجوز أن نعطي الكفار رهائن، ولكن بشرط أن يُعطونا رهائن، أما أن نعطيهم رجالنا يقتلونهم متى شاؤوا دون أن يكون لدينا رهائن نقتلهم إذا قتلوا رهائننا فهذا لا شك أنه لا يجوز، لكن إذا أخذوا منا رهائن فإننا نطلب منهم مقابل ذلك.
(وإن خيف نقض عهدهم أَعْلَمَهُم أنه لم يبق بينه وبينهم عهد قبل الإغارة عليهم) دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58]؛ يعني: تكون أنت وهم سواء في أنه لا عهد بينكم، أما أن تُغِيرَ عليهم بدون أن تُعْلِمَهُم فإنَّ هذا لا يجوز؛ لأن الأصل بقاء العهد.
وقد ذكرنا فيما سبق أن المعاهَدين ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الأول؟
طلبة: من نقض العهد.
الشيخ: من نقض العهد، فهؤلاء انتقض عهدهم ونقاتلهم.
والثاني: من استقام على العهد، فهؤلاء نستقيم على عهدهم ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: 7].
والثالث: مَنْ خِيفَ منه نقض العهد فهذا لا نُغِيرُ عليه ولا نأْمَنُه، ولكننا نقول له: إن العهد الذي بيننا وبينكم قد نُقِض، وإذا انتقض العهد جاز لنا أن نُغِير عليهم.
[باب عقد الذمة وأحكامها]
ثم قال المؤلف: (بَابُ عَقْدِ الذِّمة وأحكامها)
الذمة: هي العهد، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث بُرَيْدَة بن الحُصَيْب: «إِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوا أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ إِنْ تَخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ (8)، وعلى هذا فالذمة معناها العهد، ولكن ما معنى الذمة هنا؟ هل هي العهد السابق؟
نقول: لا، بينهما فَرْقٌ، العهد السابق الذي هو الهدنة نعاهد الكفار وهم في أرضهم، مستقلون عن المسلمين، ليس لنا من شأنهم شيء إلَّا وضع القتال، أما هؤلاء فإنهم يُقَرُّون على كفرهم في بلادنا، بشرط -يقول- أخذ الجزية والتزام أحكام الملة، كما قال الشارح: (معنى عقد الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة)؛ ما هو التزام الملة؛ لأنهم لو التزموا الملة لكانوا مسلمين، لكن التزام أحكام الملة، أي: ما حَكَمَتْ به الشريعة الإسلامية عليهم.
قال المؤلف: (لاَ يُعْقَدُ لغَيْرِ المجُوسِ وَأَهْلِ الكِتَابَيْنِ وَمَنْ تَبِعَهُم)، (لاَ يُعْقَدُ لغَيْرِ المجُوسِ) المجوس: هم الذين يعبدون النار، وهم مشركون، لكنهم طائفة مستقلة عن الشرك العام بخصائص معروفة في دينهم، هؤلاء يُعْقَدُ لهم، ودليل ذلك: أنه ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هَجَر (9)، هَجَر: هي الأحساء، كان فيها مجوس؛ لأنها بجانب أرض الفرس، فكان فيها مجوس، فأخذ منهم النبي صلى الله عليه وسلم الجزية، ومعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أخذ الجزية فهي شريعة.
(وَأَهْل الكِتَابَيْنِ) هذا ثبت بالقرآن: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، ﴿حَتَّى﴾ هنا تعليلية ولَّا غائية؟
طلبة: غائية.
الشيخ: غائية، الفرق بينهما: إذا كانت بمعنى (إلى) فهي غاية، وإذا كانت بمعنى (اللام) فهي تعليلية، قال المنافقون: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: 7].
طلبة: تعليلية.
الشيخ: لا تكونوا سريعين في الجواب.
طلبة: تعليلية.
الشيخ: نحن أعطينا القاعدة: إذا كانت بمعنى (اللام) فهي تعليلية، بمعنى (إلى) فهي غائية، الآن: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إلى أنْ ﴿يَنْفَضُّوا﴾، فإذا انفَضُّوا فأنفقوا عليهم، هذا المعنى؟
طلبة: لينفَضُّوا.
الشيخ: إيش المعنى؟
طلبة: لينفَضُّوا.
الشيخ: لِيَنْفَضُّوا، إذن هي تعليلية.
هذه الآية: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ هل المعنى ليعطوا الجزية، ولَّا إلى أن يُعطوا؟
طلبة: إلى أن يُعطوا.
الشيخ: إلى أن يعطوا، إذن هي غائية: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
قوله: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ قيل: معناها أن يعطوكم الجزية يدًا بيد، بمعنى أن الواحد منهم يأتي ويُسَلِّم الجزية بيده، لا يعطيها خادمه يقول: اذهب بها إلى السلطان أو نائب السلطان، هو بنفسه يأتي؛ لأن هذا أذلَّ له مما لو أرسل بها خادمه.
وقيل: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: عن قوة منكم عليهم، بمعنى أننا نُظْهِر أننا أقوياء أمامهم حتى يَذِلُّوا؛ لأنه كلما قوي الإنسان على عدوه ازداد العدو ذُلًّا.
ولكن الآية تصلح للأمرين جميعًا أنَّ: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أن الواحد منهم يأتي بها يسلمها بيده، وأيضًا نريه نحن القوة والبأس حتى يكون ذلك أذَلَّ له.
أما ما قاله بعض الفقهاء: من أنه يُطال وقوفهم عند تسليمها، بحيث نتصدّى عنهم، إذا جاء: يا عمي خذ الجزية، أقول له: انتظر، أو أتلهَّى بشيء: مراجعة صحيفة أو تخطيط مربعات أو غيره لأجل إيش؟ إذلالًا له، ثم إذا أخذتها منه يقول: لازم يأخذها يجر يدُه بقوة حتى ربما تنخلع يده؛ لأن هذا من باب الإذلال، لكن الصحيح خلاف ذلك، الصحيح أن يكفي أن يأتوا أذلاء يسلمون الجزية عن يد.
إذن لا تُعْقَد إلَّا للمجوس واليهود والنصارى، ومن سواهم لا يُقْبَل منهم إلَّا الإسلام أو القتال، ما فيه جزية، وهذا هو المشهور من المذهب كما رأيتم، واستدلوا بعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» (10) إلى آخر الحديث، قال: «أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ» عامة، خُصَّ منها المجوس، لماذا؟
طلبة: هم أهل كتاب.
الشيخ: لا مو أهل كتاب.
طلبة: سُنَّة.
الشيخ: لأنه ثبت بالسُّنَّة أن الرسول أخذ منهم.
واليهود والنصارى؟
طلبة: بالقرآن.
الشيخ: بالقرآن، فيبقى سائر الكفار على أنه لا يُقْبَل منهم إلَّا الإسلام أو القتال، ولكن الصحيح أنها تصح من كل كافر، والدليل على هذا حديث بُرَيْدَة الذي رواه مسلم في صحيحه أنه كان إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال له: انفذ، وأوصاه بوصايا؛ منها: أنه إذا لم يُسلِم القوم فليدعُهُم إلى الجزية، إلى أخذ الجزية، فإن أجابوك كفَّ عنهم (8)، وهذا دليل على العموم، ويدُلُّ لذلك أيضًا: كَوْن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هَجَر (9) مع أنهم ليسوا من أهل الكتاب، يدل على أنها تؤخذ من كل كافر.
زعم بعض العلماء: أن المجوس لهم شُبْهَة كتاب، ولكن نقول: أين الشُّبْهَة؟ وأين الكتاب الذي يُشتبه فيه؟ إنما أخذها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39]، فإذا كان الدين لله، وغَلَب الدين الإسلامي على غيره، وأعطى هؤلاء الجزية عن يد وهم صاغرون، فهذا هو الذي نريد، نحن لا نريد أن نُلزِم الناس بالإسلام، نريد أن يلتزم الناس بالإسلام، أي بأحكام الإسلام، حتى يكون الإسلام هو العالي، وكلمة الله هي العليا، هذا هو الصحيح، وأن قتال الكفار لا لإلزامهم بالإسلام، ولكن لإلزامهم بالخضوع لأحكام الإسلام، وذلك بأخذ الجزية منهم عن يدٍ وهم صاغرون.
(لاَ يُعْقَدُ لغَيْرِ المجُوسِ وَأَهْلِ الكِتَابَيْنِ وَمَنْ تَبِعَهُم وَلاَ يَعْقِدُهَا إِلَّا إِمَامٌ أوْ نَائِبُهُ)، (وَمَنْ تَبِعَهُم) مَنْ تَبِع أهل الكتاب؛ يعني: وإن لم يكونوا من بني إسرائيل، أو ممن أُنْزِل عليهم الكتاب أولًا.
يقول: (وَلاَ يَعْقِدُهَا إِلَّا إِمَامٌ أوْ نَائِبُهُ) كالهدنة؟ ولَّا كالأمان؟
طلبة: الهدنة.
الشيخ: كالهدنة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟
لأن الأمان يصح من كل أحد، حتى من المرأة كما سبق.
وقوله: (إِلَّا مِنْ إِمَامٌ أوْ نَائِبُهُ) علَّلَها عندي في الشرح؛ لأنه عقد مؤبَّد فلا يُفْتَأَتُ على الإمام فيه، عقد مؤبَّد، بخلاف الهدنة فإنها مؤجلة، وتصح مطلقة، ولا تصح مؤبَّدة؛ لأن عقد الهدنة على التأبيد يتضمن إلغاء الجهاد، وهذا لا يجوز؛ لأن الجهاد فرض كفاية ولا بد منه، و «الْجِهُادُ مَاضٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (11)، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
لكن عقد الذمة فيه خضوع من الكفار، وعدم اعتداء على المسلمين، والتزام لأحكام الإسلام فتصح مؤبَّدة.
وهل يجب إذا طلب الكفار بذل الجزية هل يجب علينا أن نقبل؟ أو نقول: سنقاتل ولو بذلتم الجزية؟
الأول إذا قالوا: نحن لا نقاتلكم أيها المسلمون لكن لكم علينا أن نعطيكم الجزية، فلا يجوز لنا أن نقول: سنقاتلكم ولو أعطيتمونا الجزية؛ لأن الله قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: 29]؛ ولأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِذَا أَعْطَوُا الْجِزْيَةَ» معنى الحديث: «فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ» (12)، هكذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على كذب ما يدَّعيه النصارى اليوم واليهود وغيرهم، من أن الإسلام دين جبروت، وأنه يُرْغِم الناس على ذلك، الإسلام لا يُرْغِم أحدًا، ثم لو فُرِض أنه أرغم فله الحق؛ لأن الإسلام دِين مَنْ؟ دِين الله عزَّ وجل فَرَضَه على عباده، فيلزم العباد أن يقوموا به، لكن من تخفيف الله عزَّ وجل على العباد -ولو كانوا كفارًا- أنه يُقْبَل منهم الجزية بدلًا عن القتال، ونقول: ابقوا على دينكم وسلِّمُوا الجزية، والغالب أنه إذا انفتح الناس هذا الانفتاح، الغالب أنه يحصل بذلك تسهيل لدخول الناس بالإسلام؛ لأنهم سوف يمتزجون بالمسلمين ويشاهدون أحوال الإسلام وربما يرغبون فيه (... ).
طالب: شيخ: من كفر من المسلمين كمن ترك الصلاة هل يؤخذ منه الجزية؟
الشيخ: لا، لا، هذا مرتد يسمى، كل كلام العلماء في الكافر الأصلي، المرتد ما فيه؛ الإسلام أو القتل.
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، دليلنا على مسألة أخذ الجزية من جميع الكفار أخذ النبي عليه الصلاة والسلام من مجوس هَجَر، وجه الدلالة في هذه، ما يحتمل النبي عليه الصلاة والسلام مُشَرِّع ووردت السُّنَّة بهذا، فأين الدليل على أنه يؤخذ من كل الكفار؟
الشيخ: ذكرنا حديث بُرَيْدَة في صحيح مسلم.
الطالب: نعم، أنا قصدت مِنْ هذا.
الشيخ: إي، مِنْ هذا، كَوْن الله ذكر أهل الكتابين فقط (... ) وفي الكتاب، ثم أخذها من مجوس هَجَر دليل على أن القيد المذكور في الآية ليس قيدًا معتبرًا.
طالب: شيخ بارك الله فيك، سؤالان، أولًا.
الشيخ: لا، واحد، خذ الأهم.
الطالب: يعني السؤال هذا ليس سؤالًا، استفسار بسيط، وهو يعني أليس حديثًا، هل حديث: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» (13) صحيح؟
الشيخ: لا، ضعيف، وإذا قُدِّر أنه هذا فيه شيء آخر، ولذلك لا تحل ذبائحهم بالإجماع ولا تحل نسائهم بالإجماع.
الطالب: هذا الاستفسار البسيط، أما سؤالي فهو..
طالب آخر: شيخ، بارك الله فيكم، قلتم يا شيخ: إننا نقتل الرهائن، القول الصحيح نقتل الرهائن.
الشيخ: لا.
الطالب: إذا قتلوا المسلمين.
الشيخ: إذا قاتلونا، إذا قتلوا رهائننا.
الطالب: نعم، نقتل رهائنهم إذا دخلوا قوم كفار ديار المسلمين، ومسكوا بالمسلمين وقَتَّلوهم، حتى الأطفال ما تركوهم، فنقول: إذا دخلنا ديارهم نفعل كما فعلوا؟
الشيخ: نعم.
الطالب: نفعل كما فعلوا؟ ما نُعَيِّن؟
الشيخ: عليك بهم بس.
الطالب: نعم يا شيخ ما نُعَيِّن؟
الشيخ: أبدًا، اقتلهم، كلهم حربيين.
طالب: في مسألة إعطاء الرهائن، ما الدليل على جواز ذلك؟
الشيخ: نعم، الدليل ما يحضرني الآن، لكن في السُّنَّة فيه هذا.
طالب: وأمره يا شيخ، وأمره سرًّا بقتالهم والفرار منهم، هل يؤخذ منه الجواسيس؟ يعني إرسال الجواسيس؟ يعني إذا رُدَّ إليهم يُعَيَّن كجاسوس عليهم.
الشيخ: إي، ما فيه شيء، الجاسوس هذا من القتال.
الطالب: وهم معاهَدون.
الشيخ: لا، معاهَدون لا.
الطالب: هنا الكلام على المعاهَدين و..
الشيخ: لا، المعاهَدين.
الطالب: وأمره سرًّا.
الشيخ: إي، بقتال، هذا إذا أخذوا منا أحدا؛ لأنه ليس من حقهم أنهم يستردون رجلًا مسلما، المسلم ما صمد نفسه.
الطالب: المسلمون لو قتلوا مسلمًا منهم في الحرب، فما الأحكام المترتبة على ذلك؟
الشيخ: كيف قتل المسلمون؟
الطالب: يدفعون الدية؟ ظنوا أنه هو العدو.
الشيخ: يعني قتل الإنسان يظنه عدوًّا، نعم؟ فهذا إن كان في صف العدو فهو الذي أهدر نفسه، وإذا كان في غير صف العدو فعلى قاتله الدية.
الشيخ: يكثر في المكتبات والمحلات التجارية بيع مجلات إسلامية تكثر فيها الصور، فهل يجوز شراؤها، وهل وجودها في المنزل يؤثر كتأثير تعليق الصور؟
الجواب: الذي يظهر أنها ليست كالصور المعلقة، وأنها لا تؤثر؛ لأن هذه المجلات لا يُقصد منها الصور التي فيها، وإنما يُقصد ما فيها من الكلام والفائدة، بخلاف مجلات الصور التي تعتني بالصور وتلونها وتحسنها فهذه لا يجوز اقتناؤها، ولا شراؤها أيضًا.
السؤال الثاني: تقول: استقدمتُ عاملة مع مَحْرَم، وهو زوجها، وفي العقد الذي بيننا أن تبيت مع زوجها ليلة واحدة في الأسبوع خارج المنزل، وقد قَبِل هذا العقد، واستمر الوضع أكثر من سنة، ولقد أفتى أحد المشايخ بالفتوى التالية: إنه لا يحوز إطلاقًا أن تبيت العاملة في منزلنا حتى ولو لضرورة.
الجواب: نرى أنه لا بأس أن تبيت في المنزل إذا لم يخْلُ بها الرجل؛ يعني بأن يكون في المنزل أُناس آخرون؛ لأنه ليس فيه خلوة، ولكن شرطهم على ألَّا تبيت عند زوجها إلَّا ليلة واحدة في الأسبوع شرط قاسٍ، والذي أراه أن يخففوا من هذا الشرط؛ حتى يستمتع الرجل بزوجته، وكذلك المرأة بزوجها.
هذا يقول: تبرع لمسلمي البوسنة والهرسك.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: بَابُ عَقْدِ الذِّمة وأحكَامِهَا، لاَ يُعْقَدُ لغَيْرِ المجُوسِ وَأَهْلِ الكِتَابَيْنِ وَمَنْ تَبِعَهُم، وَلاَ يَعْقِدُهَا إِلَّا إِمَامٌ أوْ نَائِبُهُ، وَلاَ جِزْيَةَ عَلَى صبَيٍّ وَلاَ امْرَأةٍ ولاَ عَبْدٍ، وَلاَ فَقِيرٍ يَعْجَزُ عَنْهَا، وَمَن صَارَ أهْلًا لَهَا أُخِذَتْ مِنْهُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ، وَمَتَى بَذَلُوا الوَاجِبَ عَلَيْهِمْ وَجَبَ قَبُولُهُ، وَحَرُمَ قِتَالُهُمْ، وَيُمْتَهَنُونَ عِنْدَ أخْذِها، وَيُطَالُ وقُوفُهُمْ، وَتُجَرُّ أَيْدِيهِمْ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى في مؤلَّفه زاد المستقنِع في اختصار المقنع: (باب عقد الذمة وأحكامها) هذا الباب كما ترون اشتمل على مسألتين:
المسألة الأُولى: عقد الذمة: ويتضمن مَنْ تُعْقَد له الذمة، وما معنى عقد الذمة، والثاني: أحكام هذه الذمة؛ يعني: ما الذي يلزم المسلمين نحو أهل الذمة؟ وما الذي يلزم أهل الذمة نحو المسلمين.
والذمة في اللغة: العهد؛ قال الله تعالى: ﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلَّاً وَلاَ ذِمَّةً﴾ [التوبة: 10]، الإِلُّ: القرابة، والذمة: العهد؛ وذلك لأن الأصل أن الإنسان يحتمي بأمرين: إما بالقرابة، وإما بالعهد، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]، فالذمة العهد.
ومعناه أو تعريفه اصطلاحًا: إقرارُ بعض الكفار على دينهم على وجه مُعَيَّن، الوجه المعين يأتي في أحكام أهل الذمة.
وقولنا: إقرارُ بعض الكفار على دينهم على وجه مُعَيَّن، يفيد أن الأصل عدم إقرار الكافر على دينه، وهو كذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللًّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» (10)، ووجه هذا الأصل الذي دَلَّت عليه السُّنَّة، بل دَلَّ عليه القرآن، كما سنذكره إن شاء الله، وجه هذا الأصل أن الخَلْق عبادٌ لله يجب عليهم أن يقوموا بمقتضى هذه العبودية من التذلُّلِ له والتزامِ أحكام شريعته، فإذا خالفوا ذلك خرجوا عن مقتضى هذه العبودية، فكان يجب أن يُرَدُّوا إليها؛ لأنهم خُلِقُوا من أجلها، هذا وجه كَوْن الأصل عدم إقرار الكافر على دينه، لكن لنا أن نُقرَّه على دينه بالذمة والعهد، كما سيبين إن شاء الله.
يقول: (والأصل في هذا) يعني: الأصل في عقد الذمة (قوله تبارك وتعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]).
والخطاب في قوله: ﴿قَاتِلُوا﴾ للمسلمين عامة؛ فيكون قتالهم فرض كفاية.
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ﴿مِن﴾ هنا يتعين أن تكون لبيان الجنس، وليست للتبعيض؛ وذلك لأن جميع أهل الكتاب لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حَرَّم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، ولو جعلنا ﴿مِن﴾ للتبعيض لكان بعض أهل الكتاب على دين، ومؤمنًا، ولكنَّ الأمر ليس كذلك، فـ ﴿مِنَ﴾ هنا يتعين أن تكون إيش؟ لبيان الجنس كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [البينة: 6]، فإن ﴿مِن﴾ هنا لبيان الجنس؛ يعني أن الله صَنَّف الكفرة إلى قسمين: أهل كتاب ومشركين.
قال: (لاَ يُعْقَدُ لغَيْرِ المجُوسِ وَأَهْلِ الكِتَابَيْنِ وَمَنْ تَبِعَهُم) (لاَ يُعْقَدُ) بالبناء للمجهول، وسيأتي أن الذي يتولى عقدَها الإمام أو نائبه.
(لاَ يُعْقَدُ لغَيْرِ المجُوسِ) المجوس: تُعْقَد لهم الذمة، وهم الذين يعبدون النار، ويقولون بالأصلين: الظلمة والنور، وهم فِرقة؛ يعني: فِرَق، لكنّ هذه من فِرَقهم من يقول بالأصلين: الظلمة والنور، ويقولون: إن الحوادث إما خير وإما شر، فالخير خلقه النور، والشر خلقته إيش؟
طلبة: الظلمة.
الشيخ: الظلمة، ومع ذلك لا يَرَوْن أن هذين الإلهين متساوِيَيْن، بل يقولون: إن النور خير من الظلمة، ويقولون: إن النور قديم، ويختلفون في الظلمة: هل هي حادثة أو لا، ولهذا قال شيخ الإسلام: لم يُعْلم أن أحدًا من أرباب المقالات قال إن للخَلْق إلهين متساويين أبدًا، حتى القائلين بالتثنية لا يَرَوْن أن هذا مساوٍ لهذا.
ودليل أصلها من المجوس ما رواه البخاري من أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخذ الجزية من مجوس هَجَر (14)، هَجَر اسم للأحساء وما حولها، أخذ منهم النبي صلى الله عليه وسلم الجزية، ومعلوم أن السُّنَّة أصل في الدليل.
قال: (وَأَهْلِ الكِتَابَيْنِ) الكتابان هما: التوراة والإنجيل، أنزل الله التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والمتمسكون بالتوراة يقال لهم: اليهود، وبالإنجيل يقال لهم: النصارى، هؤلاء يُعْقَد لهم بنَصِّ القرآن: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فصار الذي نَصَّ الدليل على عقد الذمة لهم ثلاثة أصناف: اليهود، والنصارى، والمجوس.
قال: (وَمَنْ تَبِعَهُم) عندي في الشرح يقول: (فتَدَيَّنَ بأحد الدِينَيْن كالسامرة والفرنج والصابئين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾) فالذين تبعوهم في دينهم وإن لم يكونوا من بني إسرائيل فإنهم لهم حكمهم؛ لأن العبرة بالدين لا بالنسب أو الجنس.
هذا ما ذهب إليه المؤلف: أنه لا يُعْقَد إلَّا لهذه الأصناف الثلاثة؛ هم؟
طالب: اليهود والنصارى والمجوس.
الشيخ: اليهود والنصارى والمجوس، اليهود والنصارى دليلهم مِنْ؟
الطالب: اليهود والنصارى من الكتاب.
الشيخ: من الكتاب، والمجوس؟ من السُّنَّة، هل يُعْقَد لغيرهم؟ نقول: لا، على كلام المؤلف، لأنه قال: (لاَ يُعْقَدُ لغَيْرِ المجُوسِ وَأَهْلِ الكِتَابَيْنِ) وهو صريح.
وذهب بعض العلماء: إلى أنه يُعْقَد لكل كافر، وهذا هو الصحيح، ويدل عليه ما رواه مسلم من حديث بُرَيْدَة بن الحُصَيْب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله، وبمن معه من المجاهدين خيرًا أو من المسلمين خيرًا، وذكر فيه: «فَإِنْ أَبَوُا الْإِسْلَامَ فَخُذْ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ» (12)، فدل ذلك على أن الجزية تؤخذ من كل كافر، والمعنى يقتضي ذلك؛ لأنه إذا جاز أخذها من أهل الكتاب والمجوس، فغيرهم مثلهم؛ إذ إن المقصود إقرار الكافر على دينه على وجه معين أو مخصوص، وهو حاصل في كل كافر، وعلى هذا فلو أن أحدًا من المشركين طلب الجزية ويُقَرُّ على دينه، ورأينا المصلحة في ذلك فإننا نفعل.
ما دليل من خَصَّها بهؤلاء؟ يقولون: لأن هؤلاء هم الذين نَصَّ عليهم الكتاب والسُّنَّة، ومَنْ عداهم فالأصل وجوب مقاتلته حتى يُسْلِم «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ» (10)، فقالوا: ما دام هذا هو الأصل فإننا نسنثني مَنْ استثناهم القرآن والسُّنَّة والباقي على الأصل.
ولكن يقال: نعم، لو لم يرد حديث بُرَيْدَة بن الحُصَيْب لكان الأمر كما قالوا، أي أنه لا يُعْقَد إلَّا لهذه الأصناف الثلاثة.
(وَلَا يَعْقِدُهَا إِلَّا إِمَامٌ أوْ نَائِبُهُ)، (لَا يَعْقِدُهَا) أي: الذمة بين المسلمين والكفار (إِلَّا إِمَامٌ أوْ نَائِبُهُ)، إذا قال العلماء: الإمام، فيعنون به صاحب السلطة العليا في الدولة، (أوْ نَائِبُهُ) من الوزراء أو الأمراء أو مَنْ يوليهم الإمام مثل هذا العقد.
وإنما كان كذلك؛ لأنه عقد يترتب عليه أحكام كبيرة، وليس كالأمان، الأمان سبق أنه يصح من كل إنسان، حتى من المرأة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» (15)، أما عقد الذمة فلا؛ لأنه يترتب عليه أحكام كثيرة، كبيرة، عظيمة، فلا بد أن يكون من إمام أو نائبه، ولأنه أيضًا عقد مؤبَّد، عقد مؤبَّد، ليس فيه تقييد بسَنَة، أو سنتين، أو شهر، أو شهرين، عقد مؤبَّد، فلهذا صار لا بد من أن يتولاه الإمام أو نائبه.
ثم قال المؤلف: (وَلَا جِزْيَةَ عَلَى صبِيّ، وَلا امْرَأةٍ، ولَا عَبْدٍ، وَلَا فَقِيرٍ يَعْجَزُ عَنْهَا) الجزية: لا تجب على كل واحد من الكفار؛ يعني: لو عقدنا الذمة لهؤلاء اليهود أو لهؤلاء النصارى مثلًا الذين يقيمون في بلادنا، فهل نجعل الجزية على رب العائلة وأفراد العائلة؟
لا، يقول: (لَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ) وإنما لم يكن عليه جزية؛ لأنه ليس أهلًا للقتال، والجزية إنما تكون على من يقاتِل، أما مَنْ لا يقاتِل فلا جزية عليه؛ لأنه لا شر فيه.
وكذلك لا جزية على امرأة؛ لأنها ليست من أهل القتال، هذا هو الأصل: أن النساء لَسْنَ من أهل القتال، ولا يجب عليهن الجهاد، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين سألته عائشة: هل على النساء جهاد؟ قال: «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» (16).
كذلك أيضًا لا جزية على عبد؛ لأنه لا يملك، فهو بمنزلة الفقير أو أشد، مُلْك العبد لمن؟
طلبة: لسيده.
الشيخ: لسيده، دليله قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (17).
(وَلَا فَقِيرٍ يَعْجَزُ عَنْهَا) معلوم؛ لأن الفقير ليس له مال، وكل الأموال الواجبة من شرطها الغنى؛ أي: القدرة عليها، والغنى يختلف: فغِنَى الزكاة الذي يحصُل به الوجوب غير غِنَى الزكاة الذي يحصُل به الامتناع من أخذها، والغِنَى هنا غير الغِنَى هناك، والغِنَى في باب النفقات غير الغِنَى في هذه المواضع، كل شيء بحسبه.
قال: (وَمَن صَار أَهْلًا لَهَا أُخِذَتْ مِنْهُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ) من صار أهلًا لها من هؤلاء: كصبي بَلَغ، وعبد عَتَق، وفقير اغتنى، فإنه تؤخذ منه في آخر الحول.
وكيف تؤخذ؟ هل تؤخذ منه جزيةُ حولٍ كامل؟ أو بالحساب؟
العدل بالحساب؛ يعني مثلًا: لو أنه بَلَغ في نصف العام، وكنا نأخذ منهم الجزية في آخرِ شهرِ ذي الحجة، وهذا بَلَغ في نصف العام، والجزية مقدارها مئة درهم على كل واحد مثلًا كم نأخذ من هذا؟
طلبة: خمسين.
الشيخ: نأخذ منه خمسين، هذا هو العدل، فلا نظلمه، ولا نظلم بيت المال، وكل شيء بحسابه.
قوله: (وَمَتَى بَذَلُوا الوَاجِبَ عَلَيْهِمْ وَجَبَ قَبُولُه) يعني: إذا تم العقد بيننا وبينهم، وبذلوا الواجب، فإنه لا يجوز لنا أن نرجع في هذا العقد، ونقول: لا نقبل منكم إلَّا الإسلام، بل يجب أن نقبل منهم ما بذلوا؛ لقول الله تبارك تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وهذه الآية من أجمع الآيات في باب المعاملات، كل عقد بينك وبين غيرك فإنه يجب عليك الوفاء به إذا كان قد أَذِنَ به الشرع، وهذا الشرط الذي ذكرته مأخوذ من قوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾؛ لأن الله تعالى لا يأمر بوفاء ما لم يأذن به، فيجب علينا أن نقبلها.
وإذا بذلوا الجزية حَرُم قتالهم؛ لأنهم يُؤَمِّنُون أنفسهم بهذه الجزية، ومع ذلك يجب أن ندافع عنهم؛ لأنهم مؤتمنون معنا، ملتزمون بأحكام الذمة، ونحن نلتزم لهم بذلك أيضًا.
إذا أسلم أحد في أثناء الحول هل تسقط؟ نعم تسقط عنه، لماذا تسقط؟ لأنه أسلم، فلم يكن من أهل الجزية، ولا يؤخذ منه شيء ترغيبًا له في الإسلام (... ).
قال: (وَيُمْتَهَنُونَ عِنْدَ أخْذِها) (يُمْتَهَنُونَ) الضمير يعود على مَنْ؟ على أهل الذمة؛ يعني: لا يُكْرَمُون عند أخذها، فإذا جاء الذمي يريد أن يُعطي الجزية إلى الجابي فإنه لا يستقبله بالحفاوة والإكرام ويقدم له الفراش، يقدم له الأكل، يقدم له الشرب، لا، بل يمتهنه؛ لماذا؟ لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، والإكرام ضدُ الصَّغار.
ويقول: (وَيُطَالُ وقُوفُهُمْ) إذا جاء يُسَلِّم إلى الجابي لا يأخذ منه على طول، يخليه يبقى (يُطَالُ وقُوفُهُمْ) إلى متى؟
طالب: إلى آخر النهار.
الشيخ: لا، ما هو إلى آخر النهار، إلى ما يحصُل به الامتهان، فلا يباشَرون بالأخذ منهم، كل هذا إعزازًا للإسلام، لا انتقامًا منهم، ولا انتصارًا لأنفسنا، ولكن إعزازًا لدين الله، وبيان أن الدين قوي.
ولو أن الناس استعملوا هذا في الوقت الحاضر لقيل: هذه عنصرية، وهذه جفاء، وهؤلاء أجلاف؛ لأن الأمور تغيرت.
فهل مثلًا لو قُدِّر أن المسلمين الآن يعقدون الذمة لأحد هل يَحْسُن أن يعامَلوا هذه المعاملة؟ أو يقال: إن صَغَار كل شيء بحسبه؟ فنحن إذا لم نكرمهم فهو في عرف الناس الآن يعتبر إذلالًا وإصغارًا، هذه محل نظر.
قال: (وَتُجَرُّ أَيْدِيهِمْ) تُجَرُّ أيديهم؛ يعني: عندما يُقَدِّم الجزية ما نأخذها بطَرَف، نأخذ يده ونجرها بقوة، وكل هذا كما قلت من أجل إعزاز الإسلام، وإعلاء الإسلام؛ حتى تكون كلمة الله هي العليا.
وقال بعض العلماء: لا يعامَلون هذه المعاملة، لا يُكْرَمون، بل يعامَلون بالصَّغار دون أن يُطال وقوفهم، ودون أن تجر أيديهم، بل تُستلم منهم استلامًا عاديًّا بشرط ألَّا نُظْهِر إكرامهم، ويكفينا أن يأتوا بها إلينا.
فإن قال قائل: هل يجوز للواحد منهم أن يرسل بها خادمه أو ابنه؟
فالجواب: لا؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، شوف، تأمل القرآن: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ هل المعنى: عن قوة؟ أو ﴿عَنْ يَدٍ﴾ يعني: يدًا بيد؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: أو الجميع؟
طلبة: الجميع.
الشيخ: الجميع؛ لماذا؟ لأن لدينا قاعدة في التفسير وهي أنه: متى احتملت الآية معنَيَيْن لا يتنافيان وجب حملُها عليهما جميعاً؛ لأن ذلك أعم، وكلما عمَّت دلالة الآية كان أَوْلى، فنقول ﴿عَنْ يَدٍ﴾: أي يعطونها بأيديهم.
والثاني: ﴿عَنْ يَدٍ﴾: عن قوة، يعني أننا نُظْهِر لهم القوة، وأننا أعلى منهم.
وإلى هنا انتهى حكم العقد.
أما الأحكام فقال: (فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الإِمَامَ أخْذُهُمْ بِحُكْمِ الإِسْلاَمِ) (يَلْزَمُ الإِمَامَ أخْذُهُمْ) أي: أخْذُ أهل الذمة.
(بِحُكْمِ الإِسْلاَمِ) أي: بما يقتضيه الإسلام من الأحكام، فـ (حُكْم) هنا مفرد مضاف فيكون إيش؟
طلبة: عامًّا.
الشيخ: يكون عامًّا؛ لأن المفرد إذا أضيف صار للعموم.
(فصلٌ)
ويَلْزَمُ الإمامَ أَخْذُهم بِحُكْمِ الإسلامِ في النَّفْسِ، والمالِ، والعِرْضِ، وإقامةِ الحدودِ عليهم فيما يَعتقدونَ تَحريمَه دونَ ما يَعتقدونَ حِلَّه، ويُلْزِمُهم التمَيُّزَ عن المسلمينَ، ولهم رَكوبُ غيرِ الخيلِ بغيرِ سُرُجٍ بإكافٍ، ولا يَجوزُ تَصديرُهم في المجالِسِ ولا الْقِيامُ لهم ولا بَدَاءَتُهم بالسلامِ، ويُمْنَعُون من إحداثِ كنائسَ وبِيَعٍ وبِناءِ ما انْهَدَمَ منها ولو ظُلْمًا، ومِن تَعليةِ بُنيانٍ على مُسلِمٍ, لا مُساواتُه له، ومِن إظهارِ خَمْرٍ وخِنزيرٍ وناقُوسٍ، وجَهْرٍ بكتابِهم، وإن تَهَوَّدَ نَصرانِيٌّ أو عَكْسُه لم يُقَرَّ ولم يُقْبَلْ منه إلا الإسلامُ أو دِينُه.
(فصلٌ)
فإن أَبَى الذِّمِّيُّ بَذْلَ الْجِزْيَةِ، أو الْتَزَامَ حُكْمِ الإسلامِ، أو تَعَدَّى على مُسلِمٍ بقَتْلٍ أو زِنًا أو قَطْعِ طريقٍ, أو تَجَسُّسٍ أو إيواءِ جاسوسٍ، أو ذِكْرِ اللهِ أو رسولِه أو كتابِه بسُوءٍ -انْتَقَضَ عَهْدٌ دونَ نسائِه وأولادِه، وَحَلَّ دَمُه ومالُه.
﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، شوف تأمل القرآن: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ هل المعنى: عن قوة؟ أو: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ يعني: يدًا بيد؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: أو الجميع؟
طلبة: الجميع.
الشيخ: الجميع، لماذا؟ لأن لدينا قاعدة في التفسير، وهي: أنه متى احتملت الآية معنيين لا يتنافيان وجب حملها عليهما جميعا؛ لأن ذلك أَعَمّ، وكلما عَمَّت دلالة الآية كان أَوْلَى، فنقول: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ أي: يُعطونها بأيديهم، والثاني: ﴿عَنْ يَدٍ﴾ عن قوة؛ يعني: أننا نُظهِر لهم القوة وأننا أعلى منهم، وإلى هنا انتهى حكم العقد.
أما الأحكام فقال: (فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الإِمَامَ أخْذُهُمْ بِحُكْمِ الإِسْلاَمِ)، يَلْزَمُ الإِمَامَ أخْذُهُمْ؛ أي: أَخْذ أهل الذمة بحكم الإسلام؛ أي: بما يقتضيه الإسلام من الأحكام، فـ (حُكْم) هنا مفرد مضاف فيكون أيش؟
طلبة: عامًّا.
الشيخ: يكون عامًّا؛ لأن المفرد إذا أضيف صار للعموم، ومنه مثال للمفرد الذي يُراد به العموم؟
طالب: قول الناظم: أبدأ بسم الله مستعينًا.
الشيخ: لا، ما نبغي قول الناظم، نبغي من كلام الله وكلام الرسول.
طالب: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34].
الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، فقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ هذا مفرد، والمفرد لو أريد به مدلوله لكنا نحصيه أو لا؟
طلبة: نحصيه.
الشيخ: نحصيه، واحد، لكن المراد: كل النعم، فهي لا تُحصى.
إذن (حكم الإسلام) أي: جميع أحكام الإسلام (في النفس والمال والعِرض) في النفس؛ يعني: إذا قَتلوا أحدًا قتلناهم، وإن قتلهم مثلهم أيش؟ قتلناه، وإن قتلهم مسلم؟ نقتله أو لا؟
طلبة: لا نقتله.
الشيخ: لا نقتله؛ لأنه لا يُقتل مسلم بكافر، خلافًا لمن ذهب إلى قتل المسلم بقتل المعاهَد، والصواب أنه لا يُقتل المسلم بالكافر، ومن حمل هذا الحديث: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» (1) على أن المراد به غير المعاهَد فَحَمْلُهُ ضعيف جدًّا؛ لأن غير المعاهَد يُقتل سواءٌ قُتل على وجه القِصاص أو على وجه الحِرابة؛ لأنه محارب، كذلك في المال، إذا أتلفوا مالَ مسلم ضمَّنَّاهم، وإن أتلف مسلمٌ مالهم ضمَّنَّاه؛ لأن هذا مقتضى حكم الإسلام: أن مُتْلِفَ المال ضامن، سواءٌ كان مسلمًا أو كافرًا، والعِرض؟ كيف؟ العِرض يعني أنه لا يجوز لنا أن نغتابهم، ولا يجوز لنا أن نقذفهم بالزنا، وذلك لأنهم محترمون، فهم من المعصومين، فيجب أن يلزم الإمام أَخْذُهُم بذلك كله، وهم أيضًا إذا اغتابوا أحدًا من المسلمين أو قذفوا أحدًا من المسلمين أُلْزِموا بما يقتضيه الإسلام في هذا الأمر.
قال: (وَإِقَامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ فيِمَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيْمَهُ دُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ) الحدود -وهي العقوبات المقدرة شرعًا في معصية- يجب إقامتها -كما مر علينا- أليس كذلك؟ مر علينا في بلوغ المرام أن إقامة الحدود واجبة، فرض كفاية، والمطالب بها الإمام، فهؤلاء الذِّمِّيُون إذا فعلوا ما يوجِب الحد: إن كانوا يعتقدون التحريم أقمنا عليهم الحد، وإن كانوا لا يعتقدونه فإننا لا نقيم عليهم الحد، فالزنا -مثلًا- يقام عليهم الحد فيه؛ لأنهم يعتقدون تحريمه، فإذا ترافعوا إلينا في قضية في الزنا فإنه يجب علينا أن نحكم عليهم بمقتضى الإسلام: إذا كانوا مُحْصَنِين فالرجم، وإن كانوا غير مُحْصَنِين فالجَلْد والتغريب، إذا قَدَّرْنا أنهم يعتقدون التحريم لكن لا يعتقدون إقامة الحد فهؤلاء نقول: إن ترافعوا إلينا ألزمناهم بحكم الإسلام، وإن لم يترافعوا إلينا تركناهم وشأنهم، مع أن حَدَّ الزنا ثابت حتى في التوراة والإنجيل، ودليل ذلك ما ورد في قصة عبد الله بن صوريا الذي زنا بامرأة يهودية وترافعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجيء بالتوراة فإذا فيها آية الرجم (2). وقوله: (دُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ) مثل الخمر، الخمر يعتقد أهل الكتاب أنه حلال، فإذا جيء إلينا بسكران من أهل الذمة فإننا لا نقيم عليه حد الخمر، حتى وإن قلنا: إن عقوبة شارب الخمر حد فإننا لا نقيم عليه الحد، لماذا؟ لأنه يعتقد حِلَّه، والذي يعتقد حِلَّ الشيء كيف يعاقَب عليه؟ لا يعاقَب، لكن سيأتي أنهم يُمْنَعُون من إظهار شرب الخمر، فإن أظهروا ذلك فإننا نُعَزِّرهم بما يردعهم.
ويؤخذ من هذا الحكم الذي أقره الفقهاء -رحمهم الله- أن من اعتقد حِلَّ شيءٍ مختَلَفٌ فيه فإنه لا يُلْزَم بحكم من يرى تحريمه، مثل الدخان؛ الدخان ليس مُجْمَعًا على تحريمه، من العلماء مَنْ خالف فيه، لا سيما في أول ما ظهر، فإذا رأينا شخصًا يشرب الدخان وهو يرى أنه حلال فإننا لا نُعَزِّره، وإن كان يعتقد أنه حرام فإننا نُعَزِّره؛ لأن التعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، وهل نُقِرُّه؟ بمعنى: هل يجوز أن أجلس إلى جنب واحد يدخن لكن يعتقد حِلّ الدخان؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا تتعجلوا يا جماعة.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما فيه واحد يقول: نعم؟ لو رأيتَ واحدًا أكل لحم إبل ولم يتوضأ، وقام يصلي وهو لا يعتقد وجوب الوضوء من لحم الإبل هل تُنْكِر عليه؟
طلبة: لا.
الشيخ: هل تصلي معه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وهذا إقرار ولَّا إنكار؟
طلبة: إقرار.
الشيخ: نعم هذا إقرار، إذن أَيُّ فرق بين ترك الواجب وفعل المحرَّم؟ لا فرق، لكن لا ينبغي لذوي المروءة أن يجلسوا مع الذين يشربون الدخان ولو كانوا يعتقدون حِلَّه؛ لأن هذا دناءة؛ يعني -وفي ظني- أن الذين يعتقدون حِلَّه من العلماء لا يَرَوْن أنه من فعل ذوي المروءة، كما أننا مثلًا نرى أن تنظيف الفصفص لا بأس به، ولَّا لا؟ نعم؟ لكن لو يجيء واحد معلم، يعلِّم الطلبة، وعنده كيس فصفص يأخذ من ها الفصفص وينقي، ويش يعتبر هذا؟
هذا مخالف للمروءة، وإن كان ليس حرامًا لكن الإنسان يجب أن يكون عنده أدب، فيؤخذ من كلام الفقهاء -رحمهم الله- في هذه أن ما يعتقده الإنسان حلالًا -ولو كان كافرًا- فإنه لا يُلْزَم بحكم الإسلام فيه، وإذا كان ذلك في حق الكفار ففي حق المسلمين من باب أَوْلَى فيما ذهبوا إليه بتأويل سائغ، أما مَنْ عاند، مثل إنسان يأكل خنزيرًا، مسلم يأكل خنزيرًا، ويقول: أنا أعتقد أنه حلال، هل تُقِرُّه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟
طلبة: نص على تحريمه.
الشيخ: لأنه مجمع عليه، ولا يمكن لأي إنسان أن يحلل لحم الخنزير بأي مُسَوِّغ، فَفَرْق بين هذا وهذا.
يقول: (دُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ وَيَلْزَمُهُمُ التَّمَيُّزُ عَنِ المُسْلِمِينَ)، هذه مُعْتَرَك، يلزم أهل الذمة أن يتميزوا عن المسلمين في كل شيء؛ في القبور، تكون قبورهم متميزة في مكان آخر، لا يمكن أن ندفنهم مع المسلمين، كذلك أيضًا في الزِيّ والشكل، لا يمكن أن يلبس أهل الذمة كما يلبس المسلمون؛ لأن هذا تدليس، فإن مَنْ رأى هذا الذمي الذي يلبس كما يلبس المسلم يظنه مسلمًا، فيلزمهم التميز.
ونقف على هذا؛ لأنه بحث مهم وقد أتى دور الأسئلة، نعم.
طالب: وإذا عُكِس الأمر، أي كان الذمي يتميز عن المسلم ولبس المسلم لباس الذمي، في هذه الحالة هل..
الشيخ: يكون حرامًا، لباس المسلم ما يلبسه الذمي على وجه الخصوص حرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (3).
الطالب: يُعَزَّر؟
الشيخ: يُعَزَّر ويُمنَع.
طالب: أحسن الله إليكم، كان في السابق أن غالب النساء لا يقاتِلون مع الرجال، لكن في الوقت الحاضر أنه غالب النساء يقاتِلون مع الرجال، فهل تؤخذ الجزية؟
الشيخ: ما تؤخذ الجزية، لكنَّ في باب القتال إذا كانت تقاتِل فإنها تُقْتَل، وإذا كانت لا تقاتِل فإنها تُسْبَى ولا تُقْتَل.
الطالب: أحسن الله إليكم، من أسباب مشروعية الزكاة للمؤلفة قلوبهم، وهذه الأعمال تُنَفِّر أهل الكتاب؟
الشيخ: إي، هذا سؤال جيد، يقول الأخ: من المعلوم أن الله فرض في الزكاة نصيبًا للمؤلفة قلوبهم، ونحن إذا عاملنا أهل الذمة وهم أتوا إلينا يعطوننا مالًا إذا عاملناهم بهذه المعاملة فهذا تنفير.
نقول: إن بعض العلماء لم يذهب هذا المذهب الذي ذهب إليه المؤلف، وقال: إنه لا يُطال وقوفهم، ولا تُجَرُّ أيديهم، ولكن لا يُكْرَمون؛ يعني لا يتبين لهم أن المسلم قد ذلَّ أمامهم وأكرمهم، كقوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ» (4).
الطالب: (... ) التميز يا شيخ (... ).
الشيخ: يأتينا إن شاء الله، نعم.
طالب: الأعمى والزَّمِن والخنثى تؤخذ منهم الجزية ولَّا لا؟
الشيخ: لا ما تؤخذ، كل من لا يقاتل لا تؤخذ منه الجزية.
الطالب: ولو شاركوا، لو لهم رأي في القتال أو..
الشيخ: إذا شاركوا القتال تعرف أنه له أمد ينتهي إليه، في حال القتال نقتلهم، أما في غير حال القتال؛ لأن عقد الذمة ما فيه قتال..
الطالب: لا تؤخذ منهم.
الشيخ: ما تؤخذ منهم، نعم.
طالب: إذا مات ذو الذمة في آخر الحول أو في أثنائه وقد ترك مالًا، هل يؤخذ..
الشيخ: إذا مات الذمي في أثناء الحول يؤخذ منه بالقسط.
طالب: شيخ قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: 29]، اليد يا شيخ ما هي متعلقة بـ (يأخذ) من الفعل؟
الشيخ: نعم.
الطالب: إذا كان كذلك كيف نحملها على القوة من جانب المسلمين وهي في جانب أهل الذمة؟
الشيخ: لأن أصل ﴿يُعْطُوا﴾ أصلًا فيها مفعول محذوف، والتقدير: حتى يعطوكم الجزية، فالمفعول الأول فيها محذوف، ويكون ﴿عَنْ يَدٍ﴾ وصف للمفعول الأول المحذوف.
طالب: أحسن الله إليك، الزمْنَى والمرضى ما الذي أخرجهم من عموم أمر النبي عليه الصلاة والسلام معاذًا بأن يأخذ من كل حالم دينارًا؟
الشيخ: لأنهم ليسوا أهلًا للقتال.
الطالب: الحديث عام يا شيخ.
الشيخ: إي، لكن معروف الحكمة من ذلك، الحكمة من ذلك هو هذا، ولهذا لا تجب على الصغير.
(... ).
طالب: فقرة في عدم أخذ جزية من الذمي.
الشيخ: إي، الذي لا يستطيع أن يدفعها بعد قوته وقوت عياله.
طالب: شيخ، بالنسبة إذا وقع من الذمي في القَذْف، ولَّا مثلًا انتهك عِرض مسلمة، ولَّا..
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله، هذا ما ينقض العهد.
طالب: أحسن الله إليكم، لو أن الكافر في بلاد المسلمين بغير عهد ذمة كيف يأمن..
الشيخ: هو بالوقت الحاضر.
الطالب: من غير عهد.
الشيخ: في الوقت الحاضر قصدك؟ الوقت الحاضر يعتبر الناس كلهم معهم عهد، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما هو؟ ميثاق الأمم المتحدة، يعتبر كلهم الآن في عهد.
طالب: هم ينقضون العهد.
الشيخ: وأنا أقول لك: ميثاق الأمم المتحدة هو عهد لما يريدون، وليس عهدًا فيما لا يريدون، ولهذا يُقتَّل الناس في بعض الأماكن بدون سبب، إي نعم.
طالب: قلتم يا شيخ: إذا أسلم الكافر ترفع عنه الجزية ترغيبًا في الإسلام.
الشيخ: نعم.
طالب: كيف يكون ترغيبًا وهو أسلم؟
الشيخ: إي نعم، ترغيبه في الإسلام، أي: في ثبوته، ولهذا المؤلفة قلوبهم يُعْطَون للإسلام، ويُعْطَون لتقوية الإيمان في نفوسهم، ويُعْطَون لإسلام نظيرِهم، ربما هذا الإنسان إذا رفعنا عنه الجزية يُسلِم نظيره.
الطالب: وهذا أسلم، يا شيخ كيف (... )؟
الشيخ: إي، ترغيبًا في الإسلام في البقاء عليه.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، إن ارتد -نسأل الله العافية- عاد يُعامَل معاملة المرتد، يقال: إما أن ترجع إلى الإسلام وإلَّا قتلناك.
طالب: إذا كان يا شيخ المسألة خلافية، فعلها الإنسان مثلًا وكنت أرى التحريم، لماذا لا أنكر عليه يا شيخ مع أن الصحابة قد أنكر بعضهم على بعض في مسائل خلافية، وكل منهم لديه دليل؟
الشيخ: هناك فرق بين الإنكار وبين المناقشة، الإنكار أن ترى الإنسان هذا على غير حق، وترى أنه خارج عن الهدى إلى الضلال، والمناقشة شيء آخر، المناقشة لا بأس تناقشه.
الطالب: أُنكر عليه يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما تُنكر عليه.
الطالب: عليٌّ يا شيخ أنكر على ابن عباس المتعة.
الشيخ: نعم، صريح هذا، مخالفة للحديث صريحة.
الطالب: وحديث أَكْل لحم الجزور يا شيخ ينقض الوضوء حديث صحيح.
الشيخ: إي، لكن ما هو بصحيح عند بعض الناس، حديث جابر: كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء ممَّا مست النار (5)، فيقولون: هذا آخر الأمرين، ولهذا قلنا: إن قول بعض الفقهاء: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، ليس على عمومه، بل الشيء الذي له مُسَوِّغ لا ننكر عليه، لكن لا مانع من أن نناقشه.
طالب: قاعدة يا شيخ: لا إنكار في مسائل الاجتهاد فيما لا نص فيه، صحيح؟
الشيخ: إي.
الطالب: فيما لا نصّ فيه؟
الشيخ: لا، فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد، أحسن، فقد يكون فيه نص محتمل.
(... ) وبركاته، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: 31]، هل هناك فرق بين قولنا: إن الضرب بالرجل لا يجوز؟ وبين قولنا أن الضرب حرام؟
لا فرق بينهما؛ يعني العلماء يعبرون تارة يقولون: هذا حرام، وتارة يقولون: هذا لا يجوز.
يقول: أَوْرَدَ عليَّ أحد الإخوة إشكالا فيما يخص الكافر إذا مات هل يُحْكَم عليه بعينه أنه خالِدٌ مخَلَدٌ في النار، فقال: إنه لا يُحْكَم عليه بعينه أنه في النار؛ لأنه قد يكون أسلم وأخفى إسلامه خشية الناس ومات على ذلك، ومَثَّل بالنجاشي، وذكر لقصة الرجل من بني إسرائيل أنه قال لأولاده: إذا ما مِتُ حرِّقُوني ثم ارموا رمادي في البحر والرياح (6).. الحديث، وفي الأخير بعد ما جمعه الله غفر له وأدخله الجنة بعد أن مات كافرًا، فما وجه الاستدلال بهذا الحديث؟
الشهادة بالنار أو بالجنة تنقسم إلى قسمين: شهادة عامَّة، وشهادة خاصَّة، العامَّة: أن تشهد لكل واحد، لعموم الكافرين أنهم في النار، فتقول: كل كافر في النار، وأما الخاصَّة: فهي أن تشهد لشخص معيَّن بأنه في النار، وهذا لا يجوز إلَّا لِمَن شَهِد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك، كعَمْرو بن لُحَي الخزاعي الذي رآه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجر قُصْبَه -يعني أمعاءه- في النَّار (7).
وكذلك الشهادة بالجنَّة تنقسم إلى قسمين: عامَّة وخاصَّة.
فالعامَّة مثل أن نشهد لكل مؤمن أنه في الجنَّة، والخاصَّة أن نشهد لشخص معين أنه في الجنَّة، والثاني لا نشهد -وهو المعيَّن- إلَّا لمن شهِد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإذا مات الإنسان على الكفر فنقول: مَنْ مات كافرًا فهو من أهل النار.
يقول: السلام عليكم ورحمة الله، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، إذا استعمل العاقل مجنونًا في قَذْف الناس كأن يقول له: قل لفلان يا زاني، فاستجاب المجنون لذلك فهل يُقام حدُّ القَذْف على العاقل؟ أم أنه يُشتَرط أن يكون القَذْف منه شخصيًّا؟
نقول: يُعَزَّر الذي أمره بذلك تعزيرًا بالغًا يردعه عن هذا، أما المجنون فلا حدَّ عليه.
(... )
نرجو المبادرة في المسابقة.
(... )
بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى في زاد المستقنِع في باب أحكام أهل الذمة: (وَيَلْزَمُهُمُ التَّمَيُّزُ عَنِ المُسْلِمِيْنَ)، (يَلْزَمُهُمُ) ضمير المفعول به يعود على أهل الذمة، (التَّمَيُّزُ عَنِ المُسْلِمِيْنَ) أي: أن يكونوا متميزين عن المسلمين في الحياة وفي الممات.
أما في الممات فيلزم أن تكون قبورهم منفردة، لا يُقبَرون مع المسلمين، حتى لو كان صبيًّا مات وأبواه كافران فإنه لا يجوز أن يُدْفَن في مقابر المسلمين، بل يُميَزون، كذلك في الحياة يجب أن يتميزوا عن المسلمين في المظهر، والملبس، والمركب، يتميزون عن المسلمين؛ لئلَّا يغتر الناس بهم، فمثلًا: في المظهر قالوا: يَحْذِفون مقدَّم رؤوسهم؛ يعني: يكون لهم قصَّة في الشعر، يُقَصّ حتى يتبين أن هذا من أهل الذمة أو أنه من المسلمين، كذلك يَشُدُّون أوساطهم بالزُّنَّار حتى يُعرف أنهم من أهل الذمة، كذلك يُجعل لهم علامة عند دخول الحمامات، جُلْجُل؛ يعني: جرس صغير، أو طَوْق تُطَوَّق به أعناقهم، بشرط ألَّا يكون فيه الصليب؛ لأنهم يُمْنَعون من إظهار الصليب؛ إذ أن الصليب شعارُ دينِهم فيُمْنَعُون من إظهاره، وكذلك أيضًا في المراكِب، لا يركبون الخيل أبدًا؛ لأن الخيل هي مادة القتال والجهاد فلا يركبونها، إنما يركبون الإبل، يركبون الحمير، وأما الخيل فلا، ولهذا قال: (وَلَهُمْ ركُوبُ غَيْرِ خَيلٍ) بشرط أيضًا (بِغَيْرِ سَرْجٍ) بإِكاف، يركبون غير الخيل كالحمير، ولا يُسْرِجُونها؛ يعني: لا يجعلوا لها سَرْجًا، والسَّرج هو عبارة عن الرَّحْل المنَمَّق المحَسَّن، بل يركبون بإِكاف، والإِكاف هو البرذعة، هذا الإِكاف، واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: نعم، الإِكاف البرذعة، غير واضح، البرذعة هي الوِثارة.
طلبة: (... ).
الشيخ: نعم، هي عبارة عن شيء كالمخدة، مستطيل على طول ظهر الحمار، ثم يُربط على الحمار، ثم يرُكب عليه، أما السَّرْج فمعروف أنه يكون له نقوش ووشي وأشياء تتدلى، ويكون حسنًا.
إذن الإِكاف هو: البرذعة؛ لأنها لا تُنْبِئ عن كبرياء أو عن شرف.
أيضًا يركبون عَرْضًا، يجب أن يكون ركوبهم عَرْضًا، ليس كركوب المسلمين، كيف الركوب العَرْض؟
الإنسان إذا ركب الدابة يجعل إحدى رجليه عن اليمين والثانية عن اليسار، لكن هم يجعلون الأرجل إما على اليمين، وإما على الشمال جميعًا، ما يمكن أن يجعل اليمنى على اليمين واليسرى على اليسار؛ بل يركبون عَرْضًا، هكذا جرت الشروط التي بينهم وبين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
في عهدنا الآن ليس هناك خيل تُرْكَب وتستعمل، وليس هناك حمير تُرْكَب وتستعمل؛ فيه سيارات، فماذا يركبون من السيارات؟
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، الحوض، هذه الحِياض، عربجيات وما أشبهها، أما أشياء فخمة يُمنعون منها؛ لأن هذا يدعو إلى شرفهم وسيادتهم، وأن يشار إليهم بالأصابع، فهم لا يركبون الشيء الفخم.
ويَحْتَمِل أن يقال: إنهم مُنِعُوا من ركوب الخيل لأنها مادة الحرب وآلة الحرب، لا من أجل أنَّ فيها الفخر وفيها الزينة، ولكن الأول أوْلَى، أنهم يُمْنَعون من ركوب الأشياء الفخمة قياسًا على الخيل.
ثم قال المؤلف: (وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيْرُهُمْ فِي الْمَجَالِسِ) يعني: لا يجوز أن يكونوا في صدر المجلس، بل في آخره، هذا عند ابتداء الجلوس لا إشكال فيه؛ يعني: إذا دخل جماعة من المسلمين، ومعهم من أهل الذمة، فإنه لا يمكن أن يتقدم أهل الذمة حتى يكونوا في صدر المجلس؛ لأن صدر المجلس إنما هو لأشراف القوم وأسيادهم، وهم ليسوا من أهل الشرف والسيادة.
لكن إذا كانوا في مجلس جالسين، ثم دخل جماعة من المسلمين هل يُقَامُون من صدر المجلس؟ الجواب: نعم إذا كان المجلس عامًّا، أما إذا كان المجلس بيتًا لهم فهم في بيوتهم أحرار، لكن إذا كان عامًّا فإنهم لا يُصَدَّرون في المجالس؛ لأن الإسلام هو الذي له الشرف، وهو الذي يعلو ولا يُعْلَى عليه.
(وَلاَ يَجُوزُ القِيَامُ لَهُم)، (القِيَامُ لَهُم) إذا أقبلوا مثلًا لا تقم لهم؛ لأن ذلك إكرام لهم، وإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ» (4)، فإن القيام لهم ينافي ذلك تمام المنافاة؛ لأنه إكرام لهم، وعُلِمَ من قول المؤلف: (وَلَا القِيَامُ لَهُم) أنه يجوز القيام للمسلمين، إذا دخَل إنسان ذو شرف وجاه فإنه لا بأس بالقيام له، لكن هو نفسه لا يحب ولا يتمنى أن يقوم الناس له، إنما إذا قاموا له فإنه لا حرج عليهم، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يكره أن يُقام له (8)، فتركه الصحابة استجابة لرغبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكنه لا بأس أن يقوم الإنسان لذوي الشرف والجاه إكرامًا لهم.
ولْيُعْلَم أنَّ القيام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قيام للشخص، وقيام إليه، وقيام عليه.
فالقيام له يعني أنه إذا دخل قمتَ إجلالًا له وإكرامًا له، ثم إن شئتَ فقل: اجلس في مكاني، وإن شئتَ جلستَ.
القيام إليه: أن يتقدم الإنسان إلى القادم ويخطو خُطُوات، وهذا جائز، قال النبي عليه الصلاة والسلام لما أقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه للتحكيم، قال: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» (9)، فأمر بالقيام إليه، وذلك إكرامًا له.
أما القيام على الشخص فإنه لا يجوز، إلَّا إذا كان في ذلك إغاظةٌ للمشركين؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن نقوم على غيرنا كما تقوم الأعاجم على ملوكها، بل في الصلاة لما صلى جالسًا وصلَّوْا خلفه قيامًا أمرهم أن يجلسوا؛ لئلَّا تظهر صورة المشابهة حتى في الصلاة، فإن كان في ذلك إغاظة للمشركين فإنه لا بأس به، بل قد يكون محمودًا ومأمورًا به كما فعل المغيرة بن شعبة حين قام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يراسل، وقريشٌ تراسله في صلح الحديبية، فهذا لا شك أنه محمود؛ ليتبين لهؤلاء الكفار أن المسلمين يُعَظِّمون زعماءَهم وعظماءَهم.
إذن القيام لأهل الذمة ما حكمه؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: حرام، ولا يجوز، حتى لو كان كبيرًا، ولو كان وزيرًا، ولو كان رئيسًا، أي إنسان لا يمكن أن يُقامَ له، لكن إذا لم يكن من أهل الذمة وقَدِم إلى بلد الإسلام فهل يُقام له؛ لأنه من ذوي الشرف والجاه في قومه؛ ولأن ذلك مما جرت به العادة بين الناس ورؤساء الدول؟ أو لا يقام له؟
هذا محل نظر، وهذا فَرْق بين هذه المسألة وبين مسألة أهل الذمة؛ لأن أهل الذمة تحت ولايتنا، ونحن لنا الولاية عليهم، فلا يمكن أن نكرمهم بالقيام لهم.
قال: (وَلاَ بَدَاءَتُهُمْ بالسَّلَامِ) يعني: لا يجوز أن نبدأهم بالسلام، إذا لقيناهم لا نقول: السلام عليكم، فإن سَلَّموا وجب الرد؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86]، ولقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» (10)، فأَمَرَنا أن نَرُدّ عليهم، أما البَداءة فلا.
وهل يجوز أن نبدأهم بـ (كيف أصبحت - كيف أمسيت)، وما أشبه ذلك؟
المذهب: لا يجوز؛ لأن النهي عن بَداءتهم بالسلام؛ لئلَّا نكرمَهم، بدليل قوله: «وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ» (4)، فإذا قلنا: كيف أصبحت، كيف أمسيت، كيف أنت، كيف حالك، فهذا نوع من الإكرام.
وقال شيخ الإسلام: يجوز أن نقول له: كيف حالك، كيف أصبحت، كيف أنت؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما نهى عن بَدْأَتِهِم بالسلام، والسلام يتضمن الإكرام والدعاء؛ لأنك إذا قلت: السلام عليك، فأنت تدعو له، أما هذا فهو مجرد ترحيب وتحية.
وينبغي أن يقال: إذا كانوا يفعلون بنا مثل ذلك فلنفعله بهم، وإذا كان هذا لمصلحة كالتأليف فلنفعله بهم، وإذا كان ذلك خوفًا من شرهم فلنفعله بهم؛ لأنه إذا قُدِّر مثلًا أنك في وقتنا الحاضر أنك في شَركة، مدير هذه الشَّركة كافر، فإنك لو دخلت عليه لتراجعه في شأن هذه الشَّرِكة ولم تُسْلِّم؛ لكان في قلبه عليك شيء، ربما يضرك، فإذا قلت: كيف أصبحت، كيف حالك، نعم، فهذا يزيل ما في قلبه من الضغينة، وتَسلم من شره، ولا يدخل هذا في نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن بَداءتهم بالسلام.
وإذا سلموا هم فكما سمعتم أنه يجب علينا أن نرد عليهم بدلالة القرآن والسُّنَّة، ولكن هل نرد عليهم بقول: وعليكم؟ أو نرد عليهم بمثل ما سَلَّموا؟ نقول: لا يخلو السلام الذي أَلْقَوْه إلينا إمَّا أن يكون صريحًا بقولهم: السلام عليكم، أو صريحًا بقولهم: السام عليكم، أو غير صريح، لم يبيِّنوا اللام، ولم يحذفوها حذفًا واضحًا، فإن صَرَّحوا بقولهم: السلام عليكم، كما يوجد الآن في الكفار الذين عندنا الآن يقولون: السلام عليكم، بصراحة؛ لأن ألسنتهم ألسنة أعجمية فهم يتعلمون السلام تَلْقِينًا، فتجده يقول: السلام عليكم، صراحة، فهنا لنا أن نرد عليهم ونقول: عليكم السلام، ولنا أن نقول: وعليكم.
وإن صَرَّحوا بقولهم: السام عليكم، فإننا نقول: عليكم السام، أو نقول -وهو أَوْلى-: وعليكم، ودليل ذلك أن رجلًا يهوديًّا مر بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: السام عليك يا محمد، فقالت عائشة: عليك السام واللعنة، فنهاها الرسول عليه الصلاة والسلام عن ذلك، وقال: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ» (11)، وقال: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْكِتَابِ فَقُولًوا: وَعَلَيْكُمْ» (10)، وفي الصحيح أنه قال: «إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَقُولُونَ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَإِذَا سَلَّموا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» (12).
فصار إلقاء السلام من الكافر يكون على ثلاثة أوجه: أن يُصَرِّح بالسلام، أن يُصَرِّح بالسام، الوجه الثالث أن يكون محتملًا، فهنا يتعين أن نقول: وعليكم؛ لأنه إن كان قال: السلام، فهو عليه، إن كان قال: السام، فهو عليه.
هل يجوز أن نهنئهم، أو نعزيَهم، أو نَعُود مرضاهم، أو نشهد جنائزهم؟
أما التهنئة بالأعياد فهذه حرام بلا شك، وربما لا يَسْلَم الإنسان من الكفر؛ لأن تهنئتهم بأعياد الكفر رضا بها، والرضا بالكفر كفر، ومن ذلك تهنئتهم بما يسمى (عيد الكريسماس)، أو (عيد الفصْح) أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز إطلاقًا، حتى وإن كانوا يهنئوننا بأعيادنا فإننا لا نهنئهم بأعيادهم، والفرق أنَّ تهنئتهم إِيَّانا بأعيادنا تهنئةٌ بحق، وأن تهنئتنا إيَّاهم بأعيادهم تهنئة بباطل، هذا هو الفرق، فلا نقول: إننا نعاملهم بالمثل: إذا هنَّئونا بأعيادنا فلنهنئهم بأعيادهم للفَرْق الذي سمعتم.
وأما تهنئتهم بأمور دنيوية كما لو وُلِدَ له مولود فهنَّأناه، أو وُجِدَ له مفقود فهنَّأناه، أو بنى بيتًا فهنَّأناه، أو ما أشبه ذلك فهذه يُنظر إذا كان في هذا مصلحة فلا بأس بذلك، وإن لم يكن فيه مصلحة فإنه نَوْعُ إكرام فلا يهنَّؤون، ومن المصلحة أن يكون ذلك على وجه المكافأة، مثل أن يكون من عادتهم أن يُهَنِّئونا بمثل ذلك فإننا نهنِّئُهم.
أما تعزيتهم فلا تجوز، فلا يجوز أن يُعَزَّوْا؛ لأن التعزية تسلية للمصاب، وجبر لمصيبته، ونحن لا نود أن يَسلَمُوا من المصائب، بل نقول: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: 52]، وهذا لا شك في أهل الحرب، لكن في أهل الذمة، فقال بعض أهل العلم: تعزيتهم تجوز للمصلحة -مصلحة التأليف- أو للمكافأة، إذا فعلوا بنا ذلك فإننا نفعله بهم، أما عيادتهم فالصحيح جواز ذلك، لكن للمصلحة أيضًا بأن يُرْجَى إسلامه بعَرْض الإسلام عليه، كما زار النبي صلى الله عليه وسلم خادمًا له يهوديًّا فعَرَضَ عليه الإسلام، فَرَدَّ بصره إلى أبيه كأنه يشاوره، فقال له أبوه: أَطِعْ محمدًا، فأَسْلَم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارَ» (13)، فإذا كان في عيادتهم مصلحة كالدعوة للإسلام فلا بأس، بل قد تكون مندوبة مستحبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (14).
ثم قال المؤلف: (وَيُمْنَعُونَ مِن إِحْدَاثِ كنَائِسَ) (يُمْنَعُونَ) الضمير يعود على مَنْ؟ على أهل الذمة الذين عندنا في بلادنا، (يُمْنَعُونَ مِن إِحْدَاثِ كنَائِسَ وَبِيَعٍ، وَبِنَاءِ مَا انْهَدَمَ مِنْهَا وَلَوْ ظُلْمًا) إلى آخره، هذه الأمور الممنوعة التي يُمنعون منها:
أولًا: إِحداث كنائس، والكنائس: جمع كنيسة، وهي مُتَعَبَدُهُم، سواء كانوا نصارى أو يهودًا، فيُمْنَعُون من بناء الكنيسة؛ لأن هذا إحداث شعائر كفرية في بلاد الإسلام.
وكذلك إحداث البِيَع، البِيَع أيضا يُمْنَعُون من إحداثها، وهي مُتَعَبَّد اليهود، فيُمْنَعُون من إحداثها كما يُمْنَعُون من إِحْداث الكنائس.
فإن قال قائل: إذا كانوا لا يمنعوننا من إحداث المساجد في بلادهم، فهل لنا أن نمنعهم من إحداث الكنائس في بلادنا؟
الجواب: نعم، وليس هذا من باب المكافأة أو المماثلة؛ لأن الكنائس دُور الكفر والشرك، والمساجد دُور الإيمان والإخلاص، فنحن إذا بنينا المسجد في أرض الله فقد بنيناه بحق، الأرض لله، والمساجد لله، والعبادة التي تقام فيها كلها إخلاص لله، واتباع لرسوله، بخلاف الكنائس والبِيَع.
ومن سَفَهِ بعض الناس أنه يقول: لماذا لا نُمَكِّنُهُم من بناء الكنائس في بلادنا كما يمكنونا من بناء المساجد في بلادهم؟
نقول: هذا من السَّفَه، ليست المسألة من باب المكافأة، ليست مسائل دنيوية، هذه مسائل دينية، الكنائس بيوت الكفر والشرك، والمساجد بيوت الإيمان والإخلاص فبينهما فرْق، والأرض لِمَن؟ لله، فنحن إذا بنينا مسجدًا في أي مكان من الأرض فقد بنينا بيوت الله في أرض الله، بخلافهم.
قال المؤلف: (وَمِنْ بِنَاءِ مَا انْهَدَمَ مِنْهَا) يعني: لو كان هناك كنيسة موجودة قبل الفتح، نحن فتحنا البلاد واستولينا عليها، وصار أهلها أهل ذمة بالنسبة لنا، لكن فيها كنائس، انهدمت هذه الكنائس فإننا نمنعهم من بنائها، لماذا؟ لأن البناء إحداث، فنمنعهم.
وقول المؤلف: (وَلَوْ ظُلْمًا) أي: ولو هُدِمَت ظلمًا، كما لو سَطا عليها أحد من المسلمين وهدمها فإنها لا تقام مرة أخرى، وهذه إشارة خلاف، أعني قوله: (وَلَوْ ظُلْمًا)، فإن بعض أهل العلم قال: إذا هُدِمَت ظلمًا فلهم إعادة بنائها، ولو قيل: إنه يعيدها مَنْ هَدَمَها ويُضَمَّن لكان له وجه؛ لأن هذا عدوان وظلم، وأهل الذمة يجب علينا مَنْع الظلم والعدوان عنهم.
فالصواب أنه إذا هُدِمَت ظلمًا فإنها تعاد؛ وذلك لأنها لم تنهدم بنفسها، فإن هدموها هم وأرادوا تجديدها؟
طالب: يُمْنَعون.
الشيخ: فإنهم يُمْنَعون.
ويُمْنَعون أيضًا: (مِن تَعْلِيَةِ بُنْيَانٍ عَلَى مُسْلِمٍ) إذا كانوا في حي من الأحياء، وأرادوا أن يبنوا عمارات رفيعة تعلو بناء المسلمين فإننا نمنعهم، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يكونوا مجاورين ملاصقين أو غيرَ ملاصقين، وهو كذلك، حتى لو كان بينهم وبين المسلم شارع، فإنه لا يجوز أن يُمَكَّنوا من تعلية البنيان على المسلم، لماذا؟ لما في ذلك من إذلال المسلم، واحتمال الأذى لهذا المسلم؛ لأن العالي يستطيع أن يتفرج على النازل، ولا عكس، ونحن لا نأمن هؤلاء الكفار، فلذلك يُمْنَعون من تعلية البنيان على المسلم.
لو رضي المسلم، قال: ما عندي مانع، فهل يُمْنَعون أو لا؟
نعم يُمْنَعون؛ لأن الحق هنا فيه شائبة حق لله، ولأن هذا المسلم موجود الآن، لكن هل سيبقى إلى الأبد؟ سيموت، أو يرتحل، فيبقى البناء عاليًا على مَنْ؟
طالب: مَنْ بعده.
الشيخ: على مَنْ بعده، ولهذا لا يجوز أن يُعْلُوا البنيان على المسلم ولو بإذن المسلم ورضا المسلم.
فإن مَلَكُوه عاليًا مِنْ مسلم؛ يعني هم جاؤوا إلى عمارة فخمة طويلة واشترَوْها من المسلم، فهل يجب أن نهدِمَها؟ نعم.
طلبة: يُمْنَع البيع.
الشيخ: لم نمنع البيع، الآن ما منعنا، تم البيع، ولم نعلم إلَّا بعد إمضائه، نقول الآن: لكم الخيار، إما أن نهدِمَها، وإما أن تردُّوا البيع.