الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 4224-4263

طالب: يُرْجَع فيه إلى رأي الإمام.
الشيخ: يُرْجَع فيه (... ) هؤلاء.
طالب: يكونون مع الغنائم.
الشيخ: أرِقَّاء.
الطالب: أرِقَّاء.
الشيخ: يكونون أرقَّاء بمجرد السَّبي، صحيح.
إذا سُبِيَ البالغ العاقل المقاتل؟ طالب: للإمام فيه أربعة اختيارات؛ إما أن يقتله.
الشيخ: يُخَيَّر فيه الإمام.
الطالب: نعم، إما أن يقتله، وإما أن يفدي نفسه بمالٍ أو بنفس، وإما أن.. الشيخ: بمال أو نفس، زِدْ.
الطالب: بمال أو مصلحة أو مسلم، أو أسير مسلم.
الشيخ: بمال، أو أسير، أو منفعة.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب.
الطالب: وإما أن يمُنَّ عليه مجانًا، وإما أن يسترقَّه، وفي الآخِر (... ). الشيخ: هذا التخيير تَشَهٍّ أو مصلحة؟ الطالب: لا، تبع المصلحة.
الشيخ: تبع المصلحة.
الطالب: لِما يرى الإمام من المصلحة.
الشيخ: أحسنت، ما هو الضابط لتخيير التشهِّي وتخيير المصلحة؟ الطالب: كلما خُيِّر للغير فإنه يراعي المصلحة، أما (... ) لنفسه فإنه للتشهي (... ). الشيخ: إذا كان مُخَيَّرًا ومتصرِّفًا للغير فهو مصلحة، وإذا كان لنفسه فهو تخيير تَشَهٍّ، يعني أي شيء أراد يفعل.
متى تُملَك الغنيمة؟ هل يُشترط حيازتها إلى دار المسلمين؟ أو تُملَك ولو في دار الحرب؟ طالب: تُملَك ولو في دار الحرب.
الشيخ: حتى في دار الحرب؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: يعني لو أن المسلمين ما نقلوا الغنائم إلى دار الإسلام، هل يملكونها؟ الطالب: إي نعم يملكونها، إذا كانوا يخافون عليها -يخافون على الغنيمة- من العدو لهم أن يدخلوها.. الشيخ: هم لا بد أن ينقلوها، إذن تُمْلَك بالاستيلاء عليها ولو في دار الحرب، أحسنت.
قال: (فَيُخْرِجُ الخُمُسَ)، (يُخْرِجُ) الضمير يعود على الإمام أو نائبه، يعني: يُخْرِجُ الإمام الذي هو الرئيس الأعلى في الدولة أو من ينيبه كقائد الجيش مثلًا.

(يُخْرِجُ الخُمُس)، (الخُمُسَ) أي: خُمُس الغنيمة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41].
(يُخْرِجُ الخُمُسَ)، ويُصْرَف على ما ذَكَر الله في القرآن: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾، هذا واحد، ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾؛ خمسة، إذن الخُمُس يُقْسَم خمسة أسهم، فيكون: لله ورسوله من أصل الغنيمة جزء من خمسة وعشرين جزءًا، أليس كذلك؟ طالب: (... ). الشيخ: إذ إننا إذا أخرجنا الخُمُس ثم قَسَمْناه خمسة أسهم صار لله ورسوله من أصل الغنيمة جزءٌ من خمسة وعشرين جزءًا.
أين يُصْرف هذا؟ كما ذَكَر الله، الذي لله ورسوله -وهو خُمُس الخُمُس- يكون فَيْئًا في مصالح المسلمين، هذا هو الصحيح، وقيل: ما لله فيء، وما للرسول فللإمام؛ لأن الإمام نائب من هذا الرسول في الأمة، فيكون ما لله في مصالح المسلمين، وما للرسول يكون للإمام، ولكن الصحيح أن ما لله والرسول فإنه يكون فيئًا، يُدْخَل في بيت المال ويُصْرَف في مصارف المسلمين.
﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾، قُرْبَى مَنْ؟ قربى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وهم: بنو هاشم، وبنو المطلب، هؤلاء هم أصحاب الخُمُس، يعني خُمُس الخُمُس لذي الْقُرْبَى، وكيف يُقْسَم بينهم؟ قيل: يُقْسَم بينهم بحسب الحاجة، وقيل: بل للذكر مثل حظ الأُنثيين، وقيل: بل للذكر والأنثى سواء.
أما مَنْ قال: بحسب الحاجة، قال: لأن من مقاصد الشرع دفع الحاجات، لكن خَصَّ ذوي القربى؛ لأنهم أحق الناس بمثل هذا الفيء، أو هذه الغنيمة، وأما مَنْ قال: هم سواء، فقال: لأنهم يستحقونه بوصف وهو القرابة، وهذا يستوي فيه الذكور والإناث، كما لو وقَّف على قريبه فإنه يستوي الذكر والأنثى.

وأما مَنْ قال: إنه يُفَضَّل الذكر على الأنثى، فقال: لأن الإرث في القرابة يكون هكذا، للذكر مثل حظ الأُنثيين.
والأقرب الأول أننا نراعي الحاجة، فإن كانوا كلهم في حد سواء أعطيناهم سواءً، سواءٌ في الغنى أو في الحاجة يُعطَون سواءً، المهم أن لهم حقًّا خاصًّا في الْمَغْنَم.
﴿وَالْيَتَامَى﴾ من؟ مَن مات أبوه قبل أن يبلغ، أي قبل أن يبلغ الأب؟ طلبة: (... ). الشيخ: الضمير يعود على أقرب مذكور.
طلبة: (... ). الشيخ: إذن مَنْ مات أبوه ولم يبلغ هو، واضح؟ سواءٌ كان ذكرًا أو أنثى، وهل يختص بالفقراء منهم أو لا يختص؟ الصحيح أنه لا يختص؛ لأننا لو جعلناه خاصًّا بالفقراء لم يكن لعطف المساكين عليهم فائدة، والصواب أن اليتيم يستحق خُمُس الخُمُس من الغنيمة ولو كان غنيًّا؛ جبرًا للنقص الذي حصل له بفقد أبيه، ولا سيَّما إذا كان اليتيم مترعرعًا في الشباب، يعني يعرِف قَدْر وجود أبيه، ويعرِف ما يفوت بفقد أبيه، فاليتامى إذن يُعْطَون وإن لم يكونوا في حاجة، لكن لا شك أنه مَن كان أحوج فهو أحق، لو قدَّرنا أن خُمُس الخُمُس قليل فإننا نبدأ بمَنْ؟ بالأحق فالأحق.
﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ المساكين هم الفقراء، وهنا يدخل الفقراء في اسم المساكين.
﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ هم المسافرون الذين انقطع بهم السفر، فيُعْطَوْن ما يوصِلُهم إلى سفرهم، يُعْطَون تذكرة أو متاعًا أو ما أشبه ذلك مما يحتاجون إليه.
وهل هو كالزكاة؟ بمعنى أنه يجوز الاقتصار على واحد من هؤلاء؟ أو يجب التعميم؟ المشهور من المذهب أنه يجب التعميم، يعني أننا نعمِّم بحسب القدرة والطاقة، فمثلًا: اليتامى في البلد لا نقول: إنه يجزئ أن نعطي ثلاثة منهم؛ لأن هذا أقل الجمع، بل نبحث عن كل يتيم في البلد ونعطيه من هذا الذي هو خُمُس الخُمُس، أما مستحق الزكاة فقد عرفتم أنه يكفي أيش؟ يكفي واحد، يجوز الاقتصار على واحد.

فإن قال قائل: ما الفرق؟ قلنا: الفرق هو أنه ثبت بالسُّنَّة جواز الاقتصار على واحد، في حديث معاذ بن جبل: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» (5)، ولم يذكر بقية الأصناف، مع أن هذا بعد نزول الآية، وأما هنا فقال الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41]، فكل مَنْ قام به هذا الوصف استحق.
ثم قال المؤلف: (ثُمَّ يَقْسِمُ بَاقِي الغَنِيْمَة)، كم الباقي؟ طلبة: أربعة أخماس.
الشيخ: أربعة أخماس، (لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلفَارِسِ ثَلَاثَةُ أسْهُمٍ؛ سَهْمٌ لَهُ، وَسهْمَانِ لِفَرَسِهِ)؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعل ذلك في خيبر، جعل للراجل -يعني الذي على رِجْله- سهمًا واحدًا، وللفارس ثلاثة أسهم (6)، لماذا فُرِّق بينهما؟ لأن غَناء الفارس ونفعه أكثر من غَناء الراجل، أكثر بكثير.
فإذا قال قائل: فما تقولون في حروب اليوم، فالناس لا يحاربون على خيل وإبل وأرجل، بالطائرات والدبابات وما أشبهها؟ قلنا: يقاس على كل شيء ما يُشْبِهه، فالذي يُشْبِه الخيل أيش؟ الطائرات؛ لسرعتها وتزيد أيضًا الخطر فيها، والذي يُشْبِه الإبل؟ الدبابات والنقليات وما أشبهها، هذه يكون لصاحبها سهم ولها سهم، يعني سهمين، والراجل الذي برجله -مثل القناصة هؤلاء- لهم سهم واحد.
فإن قال قائل: الطائر لا يملك الطائرة، الطائر لا يملكها، فهل تجعلون له ثلاثة أسهم؟ نقول: نعم، نجعل له ثلاثة أسهم؛ سهم له وسهمان للطائرة، وسهم الطائرة يرجع إلى بيت المال؛ لأن الطائرة غير مملوكة لشخص معين، بل هي للحكومة، وإذا رأى ولي الأمر أن يُعْطِي السهمين لقائد الطائرة فلا بأس؛ لأن في ذلك تشجيعًا له على هذا العمل الخطير.
طالب: هل يكون للمسلم حق (... )؟ الشيخ: المسلم؟

الطالب: للمسلم حق؟ الشيخ: كل مسلم له حق.
الطالب: ولو لم يعمل؟ الشيخ: ولو لم يعمل، لكن ما نعطي كل واحد، نبدأ بالأحوج فالأحوج.
طالب: يا شيخ، لو قال قائل إنما جعل للفارس ثلاثة أسهم لشدة خطورته على العدو، ولذلك –في الوقت الحاضر- نرى أي المعدات أشد على العدو نعطيه هذا السهم.
الشيخ: هي الطائرات.
الطالب: نعم.
الشيخ: في الوقت الحاضر الطائرات.
الطالب: الصواريخ يا شيخ.
الشيخ: الصواريخ جالس الواحد، ما عَمِل.
طالب: أخطر يا شيخ طالب آخر: بس هي أشد على العدو.
الشيخ: ما يخالف هي أشد ضررًا في العدو لكن بالنسبة لعمل المجاهد ما هي شيء، الواحد جوة غرفة مكندشة، وعنده (... )، والله أعلم (... ) كان عنده شيء آخر، يضغط الزر وتنطلق القذيفة.
طالب: ما هي محتملة؟ الشيخ: أيش لون محتملة؟ الطالب: أنها لشدتها على العدو؟ الشيخ: لا، شدة الخطر، وشدة الغنائم للمسلمين كلها.
طالب: هل نقطع الآن بأن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة؟ الشيخ: إي هو ماضٍ شرعًا.
الطالب: لكن الجهاد المسلح ولَّا الجهاد.. ؟ الشيخ: كل أنواع الجهاد.
الطالب: لكن: «لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ» (7)، هل نحمل هذا على الجهاد المسلَّح ولَّا على غيره؟ الشيخ: لا، ما دام «يُقَاتِلُونَ» هذا الجهاد المسلَّح، لكن لا يمنع أنه في وقت من الأوقات لا يستطيعون هذا.
الطالب: لكن الجهاد فيه قتال، في كل سنة وفي كل عام وفي كل قرن فيه قتال.
الشيخ: قد يكون وقد لا يكون؛ لأنه منوط بالقدرة.
الطالب: هذا إخبار من الرسول ماضٍ إلى يوم القيامة.
الشيخ: صحيح هو ماضٍ شرعًا، لا ماضٍ قدرًا، والماضي شرعًا قد يتخلف.
الطالب: يعني ربما يكون في بعض الأعوام ما فيه جهاد.
الشيخ: إي نعم، ربما، وقد كان.
طالب: (... ) قلنا: إن التولي يوم الزحف هذا كبيرة من الكبائر، (... ) الحكم، فإنهم في بعض البلاد يُقْتَل رميًا بالرصاص، فهل هذا العمل.. ؟ الشيخ: كيف؟

الطالب: إحنا قلنا الحكم؛ هل يُسجَن؟ الشيخ: ما الحكم؟ الطالب: حكم الذي تولى من الزحف.
الشيخ: أيش فيه؟ الطالب: في بعض البلاد الذي يتولى من الزحف يُقْتَل رميًا الرصاص.
الشيخ: مَنْ يقتله؟ الطالب: الدولة، هذا في القوانين.
الشيخ: ما يجوز، هذا ما يجوز، نقول: لا يجوز قتل مَن تولى مِن الزحف.
الطالب: كيف يتصرفون معه؟ الشيخ: إذا لم يكن له عذر فهذه من جملة المعاصي التي قال العلماء: إن فيها التعزير، لكن التعزير بالقتل لا يجوز.
طالب: في أثناء المعركة (... ). الشيخ: نعم.
طالب: في درس من دروس السياسة الشرعية قررنا أن ولي الأمر له أن يجعل للعامل، ولو كان أقل عمل له راتب أعلى، فالآن بالنسبة لموجِّهِين الصواريخ قد يكون نَفْعُهم أعظم، وإن كان عملهم أقل ومريح أكثر، لكن نفعهم يا شيخ أكثر بكثير.
الشيخ: ما هو بجهدهم، بجهد الصاروخ.
الطالب: لا يا شيخ، في بعضهم قد يوجهون الصواريخ إلى أماكن معينة تحتاج إلى دراسات و.. الشيخ: على كل حال، يُنظَر.
الطالب: حسابية.
الشيخ: إذا كان يحتاج إلى جهد وعمل فيُنظَر فيه.
طالب: شيخ، العمليات الانتحارية التي يقوم بها بعض الجنود، ما رأيك؟ الشيخ: كيف هي؟ الطالب: يا شيخ يتسلَّحون بأسلحة متفجرات، ويدخلون على العدو، ما رأيك فيها يا شيخ؟ الشيخ: رأيي أنهم قتلوا أنفسهم.
الطالب: لا، إذا كانت لضرورة.

الشيخ: ما هي ضرورة، لكن شيخ الإسلام -رحمه الله- قال: إنه إذا كان فيه نفع عظيم للمسلمين ما هو قَتْل عشرة من العدو أو عشرين، نفع عام للمسلمين، فلا بأس به، واستدل بقصة الغلام الذي كان يدعو الناس إلى توحيد الله، وكان فيه مَلِك يقول إنه ربهم، وأخذ هذا الغلام وألقاه من شاهق، وألقاه في البحر، وكل يأتي، فقال له هذا الغلام: اجمع الناس، وإذا اجتمعوا فخُذْ سهمًا من كِنانتي ثم قل: باسم ربِّ هذا الغلام، وارمني به، فإنك سوف تقتلني، ففعل الملِك، فصاح الناس: باسم ربِّ الغلام باسم ربِّ الغلام (8)، وعَرَفوا أن الرب حقيقةً هو رب هذا الغلام.
وأما البراء بن مالك (9) فإنه ليس منتحرًا، هذا الرجل اللي بتقول مُنْتَحِر يقين به الموت، والبراء بن مالك ما هو بيقين.
طالب: (... ). الشيخ: إي ولو مهلكة، ما هو بيقين، ولذلك نجا طالب: ورد حديث –وأظنه في صحيح مسلم (10) - أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القتال تحت راية عُمِيَّة، فما معناه يعني؟ الشيخ: يعني المراد بذلك: التي لا يُعرَف وجهها، مأخوذة من العَمَى.
الطالب: أو التي لا يُعرَف إمامها؟ لأننا اشترطنا في.. الشيخ: لا، التي لا يُعرَف وجهها، حتى لو عُرِف الإمام وما يعَرِف وجهه، بس قال: روحوا قاتلوا جهة معينة.
طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، إذا كان تَعَدَّد الأئمةُ –مثلًا- كما حصل في بعض البلاد يقاتلون، فِرَق أكثر من ثلاث أو أربع ولا يُعرَف إمام لهم عام، بل لكل إمام فِرقته وجماعته، فما حكم الجهاد؟ الشيخ: الظاهر أن هذا (... ) ما لهم إمام.
الطالب: لكن لكل إمام جماعته.
الشيخ: ما يصير هذا، لازم يتفقون؛ لأن فيه ضررًا.
طالب: شيخ (... ) في كتاب الزكاة يا شيخ أن الزكاة لا تُعْطَى لِمُطَّلِبي.
الشيخ: إلَّا؟ الطالب: لِمُطَّلِبي.
الشيخ: لا تُدْفَع لهاشمي الزكاة، والذي مشى عليه في المختصر: المُطَّلِبي، والصحيح أنها تُدفع له.
الطالب: إلى الهاشمي والمُطَّلِبي؟

الشيخ: لا، إلى الْمُطَّلِبي فقط.
الطالب: ولا تُدفع للهاشمي.
الشيخ: ما تُدفع لهاشمي.
الطالب: (... ) الغنيمة يا شيخ تُدفع للهاشمي؟ الشيخ: إي نعم، الغنيمة؛ لأن الرسول شَرَّك بني عبد الْمُطَّلِب، وقال: «إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ» (11)؛ لأن بني عبد الْمُطَّلِب هم الذين وقفوا معه -مع بني هاشم- لَمَّا حصر قريشٌ بني المطلب وبني هاشم، ولذلك أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخُمُس، وأما الزكاة فإنه لم يَرِد، قال: «الزَّكَاةُ لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ» (12) فقط.
طالب: يا شيخ، بالنسبة في بعض الحروب يرسِل الإمام أحد الجواسيس يتجسس على الحرب، على الأعداء يعني، فهذا يأخذ منه، يكون بأي قسم من أقسام المسلمين؟ الشيخ: أيش؟ طالب: يكون بأي قسم؟ يعني يأخذ كم سهم؟ هو يعني مهمته صعبة.

الشيخ: إي نعم، هذا يعطيه الإمام نفلًا، يزيده من عنده، وله سهمه الأصلي.

طالب: شيخ، بالنسبة للشظايا الآن، يعني شظايا القنابل والقذائف لها ثمن، وهي كثيرة ومنتشرة في بلاد (... )، فهل للإمام أن يقول: كل من التقط الشظايا فإنه يملكها؟ الشيخ: إي نعم، إذا رأى المصلحة في ذلك فلا بأس.
طالب: شيخ، ما دليلنا عندما رجَّحنا أن مال الرسول صلى الله عليه وسلم في بيت المال؟ الشيخ: الدليل فعل الصحابة والخلفاء الراشدين.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا كانت عملية الانتحار لقتل رئيس كافر فاسد يفسد في الأرض، هل للمصلحة العامة يا شيخ؟ الشيخ: لا؛ لأنه يأتي بعد الكلب كلبان.
طالب: قد يأتي خير منه.
الشيخ: وقد يأتي أَكْلَب منه، قد وقد، والانتحار مَفْسَدَة ظاهرة؛ لأن النصوص: مَن قتل نفسه بحديدة، ومَن قتل نفسه بِسُم (13)، عامَّة، ولولا قصة الغلام لقلنا: ما يجوز حتى ولو كان فيه نفع عظيم للمسلمين.

طالب: بالنسبة للأسلحة، إن المقاتل يستخدم أسلحة، والأسلحة مملوكة لبيت مال المسلمين، الأسلحة مهما (... ) تكون غالية جدًّا فتكون لبيت مال المسلمين، إذا كان سلاح يدوي.
الشيخ: لا يجوز استعمال أي سلاح إلَّا بإذن الإمام.
الطالب: لا، يعني الأسلحة بإذن الإمام، السهم هل يكون لهذه الأسلحة نصيب؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: فمثلًا (... ) الأسلحة التي تُحمَل على اليد، إذا كانت مدافع صغيرة أو سواء كانت بنادق مثلًا.
الشيخ: ويش فيها؟ الطالب: هل يُجْعَل النصيب من السهم لبيت مال المسلمين باعتبار السلاح من بيت مال المسلمين؟ الشيخ: إي، لا، ما هو بلازم، لكن لأن الإمام له أن يقول: مَنْ حمل هذه فله سهم، مع أن هذه ما لها سهم، السهم مثل الطائرات بمنزلة الخيل، (... ) بمنزلة الإبل، أما هذه فهي مثل السهم.
طالب: هل نقول: إن قصة الغلام شَرْعُ مَنْ قَبْلَنا، وشَرْعُنا أتى للعموم، بأنه لا يقتل شخص نفسه، وشَرْعُ مَنْ قَبلَنا هل (... ) شرع؟ الشيخ: نعم، إذا ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام فهو على سبيل العبرة.

طالب: شيخ، هل يُقْبَل هذا الدليل؟ الشيخ: إي نعم، وقد استدل به شيخ الإسلام رحمه الله، استدل بهذه القصة على جواز هذا العمل.
طالب: شيخ، القائد لو أمر واحدًا ينتحر (... ) المسلمين هل يطيعه ولَّا لا؟ للمصلحة العامة.
الشيخ: إي، الظاهر أنه ما يلزمه أن يُطيعه.
طالب: حتى لو (... ) ولي أمر؟ الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه لا يلزمه أن يقتل نفسه، لكن إن اختار هو ذلك فلا بأس.
طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، من المعلوم –كما أخذنا في درس الزكاة- أن بني هاشم لا يأخذون من الصدقات؛ لأنهم يأخذون من الخُمُس، ولكن الآن عصور طويلة مضت وما حصل غنائم ولا حصل جهاد، فتعطَّل هذا الباب، فهل نعطيهم من الصدقات؟ الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ طالب: نقول: يؤخذ من بني هاشم ويُعْطَى لبني هاشم، تؤخذ الزكاة من بني هاشم وتُعْطَى لبني هاشم.

الشيخ: إن كانوا كلهم فقراء؟ الطالب: ما يصير.
الشيخ: يصير، إذا صار ما باقي من بني هاشم في هذا البلد إلَّا رجلان؟ الطالب: نقول: إن شيخ الإسلام أجاز إعطاءهم للضرورة.
الشيخ: نعم، صحيح، شيخ الإسلام يقول: إذا لم يكن خُمُس فإنه يجوز إعطاؤهم للضرورة، يعني لدفع فقرهم وقضاء دَيْنهم.
(... )


أخرج مسلم في صحيحه (14) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أُتِيَ بِضبٍّ فأبى أن يأكله، فقال: «إِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنَ الْقُرُونِ الْأُولَى الَّتِي مُسِخَتْ»، فهل نقول: إن العلة في عدم أكل الرسول صلى الله عليه وسلم للضبِّ هي هذه العلة؟ العلة علَّتَان: العلة هذه، وهي متردد فيها الرسول عليه الصلاة والسلام، فهو على سبيل الاحتياط، كقوله في التمرة التي وجدها: «لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا» (15)، والعلة الثانية: هو أنه ليس في أرض قومه، قال: «فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» (16) وهذا (... ). يقول: إذا أُسِرَ مسلم في أيدي الأعداء، وخَيَّرُوه بين أمرين: أما أن يُقْتَل، وإما أن يُفشي أسرار الجيش الإسلامي، فماذا يعمل جزاكم الله خيرا؟ هذا أظنه سهلًا، يخبرهم بأخبار يُضرِّبْهُم يمينًا وشمالًا، وهم لا يعلمون ما في قلبه، والكذب في الحرب جائز، إذا قالوا: ماذا تقول؟ قال: والله جيش عظيم، قوة عظيمة، صواريخ فتَّاكة، وهكذا، وهذا طيب، يؤجَر عليه ويُثاب عليه ولو كان كذبًا، وهم لا يعلمون الغيب (... ).


طالب:.. والصلاة والسلام على رسول الله.

قال المصنف رحمه الله: وَيشَارِك الجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيمَا غَنِمَت، وَيُشَارِكُونَهُ فِيمَا غَنِمَ، وَالغَالُّ مِن الغَنِيمَةِ يُحَرَّقُ رَحْلُهُ كُلُّهُ إِلَّا السِّلَاحَ وَالمُصْحَفَ، وَمَا فِيهِ رُوحٌ، وَإِذَا غَنِمُوا أَرْضًا فَتَحُوهَا بالسَّيْفِ خُيِّرَ الإِمَامُ بَيْنَ قَسْمِهَا وَوَقْفِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، ويضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا يُؤْخَذُ مِمَّن هِي بِيَدِه، والمَرْجِعُ فِي الخَرَاجِ والجِزْيَةِ إِلَى اجْتِهَاد الإِمَامِ، وَمَنْ عَجَزَ عَن عِمَارَةِ أرْضِهِ أُجْبِرَ عَلَى إِجَارَتِهَا، أوْ رَفْعِ يَدهِ عَنْهَا، وَيَجْرِي فِيهَا المِيرَاثُ، وَمَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ كَجِزْيَةٍ وَخَرَاجٍ وَعُشْرٍ، وَمَا تَرَكُوهُ فَزَعًا، وَخُمْسِ خُمْسِ الغَنِيْمَةِ، فَفَيءٌ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ المُسْلِمِينَ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كيف تُقسَم الغنيمة؟ طالب: يؤخذ منها الخُمُس.
الشيخ: أولًا أخماسًا.
الطالب: يؤخذ الخُمُس، وهذا الخُمُس يُقسَم خمسة أسهم؛ سهم لله ورسوله، وسهم ذوي القربى، وسهم اليتامى، وسهم المساكين، وسهم ابن السبيل، والأربعة أسهم تُقسم على الجيش، للراجِل سهم، ولصاحب الفرس ثلاثة أسهم؛ سهم له، وسهمان لفرسه.
الشيخ: سمعتم؟ يقول: تُقْسَم أولًا خمسة أسهم، فيؤخذ الخُمُس يوزع أيضًا خمسة أسهم؛ سهم لله ورسوله، وسهم لذوي لقربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، فإلى أي شيء يُصْرَف سهم الله ورسوله؟ طالب: الصحيح أنه يكون فيئًا يُصْرَف يُجْعَل في بيت المال يُصْرَف في مصالح المسلمين.
الشيخ: يُصْرَف؟ الطالب: في مصالح المسلمين.
الشيخ: في مصالح المسلمين، وما المراد بذوي القربى؟ طالب: ذوي القربى؟ هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم.

الشيخ: من أين يبدؤون؟ الطالب: يبدؤون من بني طالب.
الشيخ: بني طالب؟ الطالب: المُطَّلِبِي والهاشمي.
الشيخ: فسِّر المطَّلِبي، لو قلت: الْمُطَّلِبِي أخذناه على القبول، لكن ما ندري شو تعريف الْمُطَّلِبِي هذا.
الطالب: المسلمين من ذوي قرابته، من بني طالب وبني هاشم، من الْمُطَّلِبِي والهاشمي.
الشيخ: من هو الْمُطَّلِبِي؟ الطالب: بني عبد الْمُطَّلِب.
الشيخ: بنو عبد الْمُطَّلِب، والهاشمي؟ الطالب: بنو هاشم.
الشيخ: بنو هاشم وبنو الْمُطَّلِب هل يُمْنَعُون من الزكاة؟ أو هل تحل الزكاة لهم؟ الطالب: لا، لا تحل الزكاة لهم، ولكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا لم.. الشيخ: كلهم (... ). الطالب: نعم، بنو هاشم لهم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: وبنو الْمُطَّلِب.
الطالب: بنو عبد الْمُطَّلِب لا تحل لهم الزكاة.
الشيخ: وبنو عبد شمس؟ الطالب: لا، تحل لهم؛ بنو أمية وبنو عبد شمس وغيرهم تحل لهم الزكاة.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: الصحيح أن بني هاشم هم الذين لا تحل لهم الزكاة، أما بنو عبد الْمُطَّلِب فتحل لهم.
الشيخ: تحل لهم الزكاة، ولهم من الخُمُس.
الطالب: ولهم من الخُمُس.
الشيخ: وبنو الْمُطَّلِب؟ الطالب: تحل لهم الزكاة، ولهم من الخُمُس.
الشيخ: لا فرق إذن على كلامك.
الطالب: نعم؟ الشيخ: بنو هاشم أنت قلت: تحل لهم الزكاة ولهم من الخُمُس.
الطالب: بنو هاشم لا تحل لهم الزكاة.
الشيخ: ولهم من الخُمُس؟ الطالب: ولهم من الخُمُس.
الشيخ: وبنو الْمُطَّلِب؟ الطالب: تحل لهم الزكاة، ولهم من الخُمُس.
الشيخ: تمام، وبنو عبد شمس وبنو نوفل؟ الطالب: تحل لهم الزكاة فقط.
الشيخ: وليس لهم من الخُمُس شيء؟ الطالب: وليس لهم من الخُمُس شيء.

الشيخ: مع أن هؤلاء الأربعة إخوان، لكن لمَّا كان بنو عبد شمس وبنو نوفل معادين للرسول عليه الصلاة والسلام لم يستحقوا من الخُمُس شيئًا، على أن بني عبد الْمُطَّلِب فيه خلاف، يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة، اللامية المشهورة التي قال ابن كثير فيها: هذه أقوى من المعلَّقات السبع -المعلَّقات السبع قصائد للعرب مشهورة اختاروا أن تكون معلَّقة في جوف الكعبة، عَلَّقوها في جوف الكعبة وسمَّوْها المعلَّقات- يقول: هذه اللامية أقوى من المعلَّقات، وأحق بأن تكون معلقة في الكعبة، يقول فيها أبو طالب: جَزَى اللهُ عَنَّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا عُقوبَةَ شَرٍّ عاجِلٍ غَيْرِ آجِلِ

لأنهم قاطَعُوهم مع قريش، (... ) قرأتم في التاريخ أن قريشًا قاطَعُوا بني هاشم، وأن بني المطَّلب انضموا إلى بني هاشم وحُصِروا في الشِّعب -شِعْب عامر- بمكة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ» (11)، فجعل لهم من الخُمُس، لكن الصحيح أن الزكاة تحل لهم، وأن الذين تحرم عليهم الزكاة هم بنو هاشم فقط.
هل يجب استيعاب هذه الأصناف؟ طالب: نعم، يجب استيعاب هذه الأصناف، والفرق بينها وبين الزكاة أنه ورد الدليل في الزكاة على أنه لا يجب استيعابها، وهو حديث معاذ، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» (5)، أما الغنيمة (... ) دليل.
الشيخ: أسمعتم؟ يعني: يجب أن تُسْتَوعَب هذه الأصناف، ويُعْطَى كل فرد قَدَرْنَا على إعطائه، هذا هو المذهب.
والقول الثاني في المسألة: أنه لا يجب الاستيعاب، وأن حكم هذه حكم الزكاة، وأن الله تعالى إنما ساقها لبيان المستحقين فقط.

هذا القول هو الراجح، القول الراجح أنه لا يجب استيعابهم، كالزكاة تمامًا، ويمكن أن نقول هذا، أعني قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» يدل على أن الاستيعاب ليس بواجب.
طالب: والآية يا شيخ؟ الشيخ: أي آية؟ طالب: آية الزكاة.
الشيخ: لبيان المستحقين فقط.
لماذا جُعِل للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد؟ طالب: لأنه مُعَرَّض للخطر أكثر من غيره.
طالب آخر: له ثلاثة أسهم للفارس؛ لأن وجود المنفعة أكثر من الراجل؛ لأن الراجل منفعته أقل منه.
الشيخ: تمام؛ لأنه أكثر نفعًا في الحرب، فيعطيه ثلاثة أسهم.
طالب: شيخ، تحديد الفارس بالفارس العربي؟ الشيخ: نعم، التفريق بين الفرس العربي والهجين ظاهر؛ لأن الهجين (... )، ما فيه خير.
طالب: لكن الآن يا شيخ الدبابات.
الشيخ: لا، انتهينا، تكلمنا عنها، بيَّنَّاها.
بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف: (وَيشَارِك الجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيمَا غَنِمَت، وَيُشَارِكُونَهُ فِيمَا غَنِمَ)؛ لأن الجيش واحد، (سَرَايَاهُ) التي يَبُثُّها إذا دخل دار الحرب، وسبق أنه يمكن أن يبعث سرية في ابتداء القتال، وسرية في الرجوع بعد القتال، ما غنمته السرايا يُضَمُّ إلى أيش؟ إلى غنيمة الجيش، وكذلك غنائم الجيش تُضَمُّ إلى غنائم السرايا، لكن سبق أن للإمام أن يُنَفِّل الثُّلُث في الرجعة، والرُّبُع في البَدأة، أو بالعكس؟.
(وَيشَارِك الجَيْشُ سَرَايَاهُ فِيمَا غَنِمَت، وَيُشَارِكُونَهُ فِيمَا غَنِمَ)، عندي قال ابن المنذر: رُوِّينَا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تُرَدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعَدِهِمْ» (17)، وعلى كل حال العلة واضحة؛ أن هذا جيش واحد انطلق في وجه واحد فصاروا شركاء.

ثم قال المؤلف: (وَالغَالُّ مِنَ الغَنِيمَةِ يُحَرَّقُ رَحْلُهُ) الغالّ: هو مَن كتم شيئًا مما غنمه واختصه بنفسه، والغلول من كبائر الذنوب، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 161]، وحذَّر النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك، وبيَّن أن الإنسان يأتي بما غلَّ يوم القيامة، إن كان شاة أو بعيرًا أو أي شيء يأتي به حاملًا إياه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، فهو إذن من كبائر الذنوب، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر أن رجلًا غلَّ نعلَيْن من الْمَغْنَم، وأخبر أنهما نارٌ على هذا الغالِّ (18)، والعياذ بالله.
فماذا يُصنع به في الدنيا؟ قال المؤلف: (يُحَرَّقُ رَحْلُهُ كُلُّهُ إِلَّا السِّلَاحَ وَالمُصْحَفَ، وَمَا فِيهِ رُوحٌ)، (يُحَرَّقُ) ظاهر كلامه أن هذا واجب، يعني: يجب أن يُحَرَّقَ رَحلُه.
(إِلَّا السِّلَاحَ) كالسيف والبُنْدَق وما أشبه ذلك، (وَالمُصْحَفَ) لاحترامه.
(وَمَا فِيهِ رُوحٌ)؛ لأن ما فيه الروح لا يعذَّب بالنار، مثل: البعير والفرس، ما الذي بقي؟ بقي الدراهم التي كدراهمنا الآن، وهي أوراق، وبقي الرَّحْل أوعية الأواني، وبقي الشِّداد اللي على البعير، وبقي السَّرْج، والمِقْوَد، وما أشبه ذلك، المهم يُحَرَّق.
وهنا نقول: لماذا يُحرَّق؟ أفلا يكون من الأحسن أن يضاف إلى الغنيمة؟ أو من الأحسن أن يؤدَّب صاحبه بالضرب مثلًا، ويكون المال له؟

فنقول: لا، أما قولنا: إن الأحسن أن يضاف إلى الغنيمة لأن إحراقه إضاعة مال، فالجواب عنه أنَّ المقصود بهذا التحريق هو أيش؟ التنكيل بهذا الرجل، ومصلحة التنكيل أكبر من مصلحة ما يُضَمُّ إلى بيت المال أو إلى الغنيمة من المال، فيكون بهذا مصلحة أكبر من مصلحة المال الذي يحصُل لو لم يُحَرَّق، وأما كونه يُحَرَّق ولا يُتْلَف بنوع آخر أو يُتصَدَّق به فلأن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم، وقال يزيد بن جابر: السُّنَّة في الذي يَغُلّ أن يُحْرَقَ رَحْله (19). ولكن هل كلام المؤلف صحيح في أنه يجب إحراقه؟ أو نقول: إن الإحراق راجع إلى اجتهاد الإمام؟ المذهب أنه يجب إحراقه، والذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا راجع إلى اجتهاد الإمام، فإن رأى من المصلحة أن يُحَرَّق حَرَّقَه، وإن رأى أن يُبقِيَه أبقاه، ولكن لا بد أن يُنَكِّل بهذا الغالِّ.
قال: (وَإِذَا غَنِمُوا أَرْضًا)، (وَإِذَا غَنِمُوا) الواو، وهي الفاعل، تعود على المسلمين، (أَرْضًا) يعني: من الكفار فَتَحُوهَا (بالسَّيْفِ) ويسمى الفتح بالسيف: عَنْوة؛ لأنهم أخذوها قهرًا.
فإذا فتحوا أرضًا بالسيف يقول: (خُيِّرَ الإِمَامُ بَيْنَ قَسْمِهَا وَوَقْفِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، ويضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا) إلى آخره.
مثال ذلك: قاتل المسلمون قرية ففتحوها، وجلا عنها أهلُها، وصارت بأيدي المسلمين كالغنائم من الأمتعة وغيرها مما يُنقَل، فماذا نصنع؟ نقول: يُخيَّر الإمام بين شيئين: إما أن يقسِمَها بين الغانمين، وإما أن يوقِفها على المسلمين عمومًا، ويضرب عليها خَراجًا مستمرًَّا، فإن قَسَمَها على المسلمين فله في ذلك سَلَف، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه قَسَمَ أرض خيبر بين المسلمين (20).

وإن لم يقسِمْها وجعلها وقفًا للمسلمين، وأعطاها الناس وضرب عليها خراجًا مستمرًَّا، فله في ذلك سَلَف، وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإن عمر بن الخطاب قال: إذا قسمتُ الأرض بين المقاتلين الآن لم ينتفع بها مَنْ بعدهم، وهي أرض ليست شيئًا منقولًا تتلف بممرِّ الزمن، بل هذه ستبقى أبد الآبدين، فكَوْني أقسمها بين الغانمين، وتبقى ملكًا لهم يتوارثونها فيما بينهم، ويتبايعونها فيما بينهم، هذا يَحْرِم مَنْ؟ يَحْرِم بقية الأجيال -أجيال المسلمين- فأنا أُبْقِيهَا وَقْفًا، وأضرب عليها خراجًا.
الخراج يعني مثلًا يقول: كل -مثلًا- كذا وكذا من الأمتار -مثلًا- ألف متر عليه خراج ألف ريال -مثلًا-، هذا الخراج يضع عليه ألف ريال، يؤخذ مِمَّن؟ مِمَّن هو بيده، فإن كانت بيد من عَمَرَها بيتًا أُخِذ من صاحب البيت، إذا كانت بيد مَن زرعها وغرسها أُخِذت من الزارع والغارس، تُشْبِه ما يسمى عندنا هنا: بالصُّبْرَة، وما يسمى بالحجاز: بالحِكْرَة أو الْْحُكُوْرَة، يعني تبقى الأرض لا تُمْلَك، للمسلمين، لكن مَن هي بيده فهو أحق بها من غيره، وعليه مقابل كونه ينتفع بها دراهمُ يُقَدِّرها الإمام، ولهذا قال: (بَيْنَ قَسْمِهَا وَوَقْفِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ).
وهذا التخيير هل هو تخيير تشهِّي؟ بمعنى أن الإمام له أن يفعل ذلك، سواء كان لمصلحة أو لغير مصلحة؟ أو هو تخيير مصلحة؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، لماذا؟ للقاعدة التي سبقت؛ أنَّ مَن خُيِّر بين شيئين وهو يتصرف لغيره وَجَبَ عليه فِعْلُ الأصلح، وإِنْ كان لنفسه فله أن يَعْدِل إلى الأسهل، سواءٌ أَصْلَح أو غير أَصْلَح.
ولذلك نقول: مَنْ عليه كفارة يمين فهل يجب عليه أنْ يعْدِل إلى الأصلَح وهو عِتق الرقبة، ومِن بعده الكسوة، ثم الإطعام؟ أو هو مُخَيَّر بأيها شاء؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: نعم، الثاني، حتى لو اختار الأقل -وهو الإطعام في الغالب- فإن له ذلك.

إذن يجب على الإمام أن يستشير ذَوِي الرأي، ما رأيكم؟ هل نقسم الأرض بين الغانمين، ونجعل كل إنسان أرضه له يتصرف فيها، وتورَث مِن بعده؟ أو نقول: هي وقف للمسلمين وليست مُلكًا، ولا يدخل فيها الإرث، ويُضْرَب عليها خراج مستمر تؤخذ ممن هي بيده؟ قد يقولون: الأفضل كذا، وقد يقولون: الأفضل كذا، حسب الحال.
قال: (ويضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا يُؤْخَذُ مِمَّن هِي بِيَدِه) يعني بمعنى أنها تكون كالأجرة، كأجرة على مَن هي بيده كل عام.
يقول: (والْمَرْجِعُ فِي الْخَرَاجِ والجِزْيَةِ إِلَى اجْتِهَاد الإِمَامِ).
(المَرْجِعُ فِي الخَرَاجِ) يعني: الذي يوضَع على الأرض المغنُومة، المَرْجِعُ إِلَى اجْتِهَاد الإِمَام، أما الجزية فقدَّمها المؤلف هنا -وإن لم يكن أتى بابُها- استطرادًا.
الجِزْيَةِ: هي التي تُوضع على كل فرد من أفراد أهل الذمة عِوَضًا عن إقامتهم في دارنا وعن حمايتهم، وهذه أيضًا مرجعها إلى الإمام، ومعلومٌ أن هذه تختلف باختلاف الأراضي، واختلاف الأزمان، واختلاف الأشخاص في باب الجزية، فيُرجَع فيها إلى اجتهاد الإمام.
لكنهم قالوا: إذا وضعه مَنْ سَبَقَه فإنه لا يجوز للثاني تغييره ما لم يتغير السبب، يعني مثلًا ما وضعه عمر على الأرض الخَراجية وإن كان الأمر راح الآن اندرس، لكن ما وضعه لا يجوز أن نغيره بزيادة أو نقص إلَّا إذا وُجِد السبب -سبب التغيير- بأن تكون الأراضي رَخَصَت فنُنَزِّل، الأراضي زادت فنرفع الخراج، حسب الحال، أما إذا لم يوجد سبب فالواجب اتِّباع ما ضربه الإمام الأول على هذه الأرض وعلى أهل الذمة.
كيف الخراج؟ الخراج إذا غَنِم المسلمون أرضًا، قال الإمام: لا تَقْسِمُوها، والأموال اللي فيها تُقسَم أو لا تُقسَم؟

تُقْسَم كما سبق، لكن الأرض لا تُقْسَم، أبقُوها، واجعلوا كل إنسان له أرض، لكن يكون عليها أجرة تؤخَذ منه كل سنة، هذا نسميه أيش؟ نسميه الخراج، مَنْ يُقَدِّر هذا الخراج؟ يُقَدِّره الإمام، ومعلوم أنه يختلف إذا كانت الأراضي غالية -مثلًا- مرتفع قيمتها، فإذن نرفع أيش؟ نرفع الخراج، وإن كان الأمر بالعكس نُنَزِّله، حسب رأي الإمام.
إذا ذهب هذا الإمام وجاء من بعده آخر هل يُغَيِّر ما حَكَم به الأول ويقول: أنا أريد أن أرفع الخراج؟ طلبة: لا، إلَّا إذا.. الشيخ: إن قلتم: لا، أخطأتم، وإن قلتم: نعم، أخطأتم.
طلبة: إذا تغير السبب.
الشيخ: نقول: إن لم يوجد سبب يقتضي التغيير فإنه لا يجوز أن يغيره؛ لأن وضع الإمام الأول لَهْ حُكْم، والحُكْم لا يُنقض إلَّا لوجود سبب، فتبقى على ما هي عليه.
الجزية، قلت لكم توضع على مَنْ؟ على أهل الذمة على رؤوسهم، بدلًا عن إقامتهم بدارنا وحمايتهم، هذه أيضًا ترجع إلى رأي الإمام، قد يقول: على كل رأس مئة ريال في السَّنَة، أو خمسون ريالًا، أو عشرة ريالات، حسب ما تقتضيه الحال.
هذه الأرض الخراجية هل تنتقل بالإرث؟ الجواب: نعم تنتقل، ويكون الورثة أحقَّ بها مِن غيرهم، ولكن الخراج الذي وُضِع على مُوَرِّثِهِم يكون عليهم، هذا بحث.
البحث الثاني: هل يتعلق الخراج بذمة الْمُوَرِّث ويكون دَيْنًا في ذمته تتعلق به نفسه بعد موته؟ أو هو على مَن انتقلت إليه؟ الثاني، إلَّا إذا كان بقي من الخراج الذي أدركه الأول حيًّا شيءٌ فإنه يتعلق بذمته.
مثلًا: لو مضى عليه خمس سنوات ما أدَّى الخراج ثم مات، فهذا يتعلق بذمته كم؟ خمس سنوات، وما بعدها مما انتقلت فيه الأرض إلى الورثة يكون على الورثة.
وبهذا أيضًا -بهذا التقرير- يطمئن الإنسان الذي اشترى بيتًا فيه صُبْرَة، ثم أدى الصُّبْرَة التي حلَّت في حياته ومات، فهل نقول: هذه الصُّبْرَة تتعلق بذمة الميت؟ الجواب: لا، لا تتعلق؛ لأنه برئت ذمته في حياته.

وكذلك أيضًا لو أن الأرض المُصَبَّرة بِيعَت على شخص، فهل للذي صبَّرَها الأول أن يرجع على البائع؟ أو يرجع على المشتري الذي هي بيده؟ طالب: على المشتري.
الشيخ: أنا تصَبَّرت أرضًا ثم بِعْتُها على زيد، فهل الذي صبَّرني إياها يرجع عليَّ وأنا أرجع إلى زيد، أو يرجع إلى زيد؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: يرجع إلى زيد، إلى الثاني، لماذا؟ لأنه جرت العادة أن الصُّبْرَة يُطالَب بها مَن كانت العين في يده، فلا يُطالَب بها البائع، قد يقول المُصَبِّر الأول: أنا صَبَّرتُك أنت، أعطني صُبرَتي؟ أقول: لا؛ لأنه جرت العادة أنني إذا بعتها فأنت تطالب مَن؟ المشتري، كالأرض الخراجية سواء.
يقول: (وَمَنْ عَجَزَ عَن عِمَارَةِ أرْضِهِ أُجْبِرَ عَلَى إِجَارَتِهَا، أوْ رَفْعِ يَدهِ عَنْهَا)، هذا رجل من الناس اقتطع أرضًا من الأرض الخراجية يريد أن يزرعها، يعني جاء لولي الأمر وقال: أعطني من هذه الأرض الخراجية مساحة كيلو -مثلًا- يريد أن يزرعها، فالإمام يجب عليه أن يعطيه؛ لأن هذا من مصلحة المسلمين؛ إذ سيعود الدخل هذا إلى بيت مال المسلمين، أخذها ثم عجز عن عمارتها، نقول له: يجب عليك أحد أمرين؛ إما أن ترفع يدك ليأخذها غيرُك، وإما أن تؤجرها، لماذا؟ لأنه إذا عجز عن العمارة وبقيت أرضًا بيضاء، وأردنا أن نطالبه بالخراج فمن أين نأخذ؟ يضيع حق المسلمين، فنقول: إما أن تَعْمُرَها، وإما أن تُؤْجِرَها.
وهل يُعْطَى مهلة؟ نعم يُعْطَى مهلة، لو قال: أمهلوني شهرًا، فإننا نعطيه مهلة شهر، بشرط ألَّا يَفُوت وقت الزرع، فإن طلب مهلة يفُوت بها زرعُها لم يعطَ؛ لأنه إذا فات الزرع ثم قال: الآن ما أستطيع أزرع؛ لأنه فات الزرع؛ لأن الزرع له وقت معروف، فما حجتنا عليه؟ طالب: (... ). الشيخ: لا، ما فيه فائدة الآن، ذهب موسم الزرع، المهم أنه إذا طلب منا مهلة أعطيناه مهلة، أنتم متصورون المسألة ولَّا لا؟ طلبة: نعم.

الشيخ: ما أدري ما أنتم فلاحين الظاهر، فاهمين زين؟ طلبة: فاهمين يا شيخ.
الشيخ: إن جاء رجل لولي الأمر: أعطني قطعة أرض أريد أن أزرعها في أرض خراجية، قال: طيب، قدَّرَ له أرضًا وأعطاها إياه، بناءً عليه يريد أن يزرعها، لكن الرجل عجز عن زرعها، ماذا نقول؟ نقول: إما أن تُؤْجِرَها أو ترفع يدك عنها، قال: أمهلوني أنظر في أمري، قلنا: لا بأس، نمهلك، لكن نمهله مدةً لا يفوت بها موسم الزرع، يعني -مثلًا- لو بقي على البث في الأرض وزرعها لو بقي شهر، وقال: أمهلوني شهرين، ماذا نقول؟ لا؛ لأنه إذا أمهلناه شهرين فات الموسم ولم تُزرَع، نقول: نمهلك خمسة عشرة يومًا، نمهلك عشرين يومًا، نمهلك شهرًا، لا بأس، إذا طلب أكثر قلنا: لا، إذا كنت لا تستطيع أن تُدْرِك زرعها إلَّا بعد الشهرين فارفع يدك؛ لئلَّا تتعطل الأرض ثم يتعطل خراجها.
قال: (وَيَجْرِي فِيهَا المِيرَاثُ)، (يَجْرِي فِيهَا) أي في أيش؟ في الأرض الخراجية يجري فيها الميراث، فإذا مات إنسان قد استولى على أرض خراجية عن وَرَثة، انتقلت الأرض بخراجها إلى الورثة.
إذا قال الورثة: لا نريدها، ما دام قد ضُرِبَ عليها خراج فنحن لا نريدها، ماذا نقول؟ نقول: أهلًا وسهلًا، ارفعوا أيديكم عنها، نعطيها أُناسًا آخرين، ما نجبرهم؛ لأن الذي التزم بها هو الأول –أبوهم- هؤلاء نورِّثهم على الأصح.
يقول: (وَمَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ كَجِزْيَةٍ)، (مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ) يعني: أو غيره ممن لا يَدِين بالإسلام.
(مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ) المراد بذلك مَنْ لا يَدِين بالإسلام، سواء كان يهوديًَّا، أو نصرانيًَّا، أو وثنيًَّا، أو غير ذلك، المهم أنه كافر لا يَدِين بالإسلام.
(كَجِزْيَةٍ) التمثيل بالجزية وما عُطِف عليها يدل على أنه أُخِذ بغير قتال، وذلك أنَّ ما أُخِذ من مال الكفار بالقتال فهو غنيمة كما سبق، لكن هذا أُخِذ بغير قتال.

(كَجِزْيَةٍ) وهي ما يوضع على مَنْ؟ على أفراد أهل الذمة؛ من يهود ونصارى وغيرهم على القول الراجح.
وكذلك أيضًا الخراج، ما هو الخراج؟ المال المضروب على الأرض الخراجية التي غُنِمَت ثم وُقِفَت على المسلمين.
(وَعُشْرٍ) العُشْر يؤخَذ من كل كافر اتَّجَر إلى بلاد الإسلام، انتبهوا، كل كافر يُوَرِّد تجارة على بلاد الإسلام يؤخذ منه العُشْر، إن كان حربيًّا أخذنا منه العُشْر، إن كان ذِمِّيًّا أخذنا منه نصف العُشْر، حق لنا، ليس هذا بمَكْس، حق لنا نحن المسلمين؛ لأنه إذا أورد التجارة إلينا مَنْ المستفيد؟ المستفيد أولًا هو، فنأخذ منه العُشْر إن كان حربيًّا، لكن كيف يكون حربي ويُوَرِّد علينا تجارة؟ طلبة: مستأمن.
الشيخ: يكون مستأمنًا؛ لأنه يجوز أن يطلب الأمان ليدخل التجارة ويبيعها ويمشي، فهذا حربي أخذ الأمان، أما لو كان حربيًّا دخل بغير أمان، إيش نعمل فيه؟ نأخذه هو وماله؛ لأنه حربي، لكن إذا كان حربيًّا طلب الأمان ودخل بأمان نقول: نأخذ عليك العُشْر، عُشْر التجارة، عرفتم؟ إذا كان ما معه يساوي عشرة آلاف نأخذ ما يساوي؟ ألفًا، أما إذا كان ذميَّا فهو نصف العُشْر؛ لأن الذمي له شيء من الحق، وإن كان مسلمًا؟ لا نأخذ شيئًا.
إذن الناس ثلاثة أقسام: ذمي، وحربي، ومسلم؛ الذمي نأخذ منه نصف العُشْر، يعني واحد في العشرين، والحربي نأخذ منه العُشْرَ كاملًا، يعني: واحد من عشرة، والمسلم لا يحل لنا أن نأخذ منه شيئًا؛ لأنه محترَم بماله ونفسه.
الآن جاء السؤال.
طالب: (... ). الشيخ: العُشْر.
طالب: (... ). الشيخ: لا، دخل بأمان، أوردنا هذا السؤال وأجبنا عنه، قلنا: كيف يدخل وهو حربي؟ إن دخل وهو حربي بدون أمان أخذناه كله، بأمان نأخذ منه العُشْر.

طالب: شيخ ذكرتم -بارك الله فيكم- مسألة وأوضحتموها ولكن ما فهمتها، وهي إذا كان -يعني الأرض الخراجية- كانت لأحد ولم يدفع الخراج لمدة خمس سنوات مثلًا ثم عجز فأُعْطِيَتْ لغيره، فهل مال الخمس سنوات على غيره (... )؟ الشيخ: لا.
الطالب: الأول ما استطاع أن يدفع.
الشيخ: إذا لم يستطع ليس عليه شيء، قد نقول: القائم على ولاية الأرض إذا كان مُفَرِّطًا فربما نُضَمِّنْهُ إياها.
الطالب: كيف كان مُفَرِّطًا، يعني مثلًا.. الشيخ: الذي يَجْبِي الخراج مُفَرِّط، يرى هذا لكنه قريب منه ولَّا صاحبه يتركه، نُضَمِّنْهُ، أما إذا لم يكن الأمر كذلك، ولو كل سنة نرجو أن يكون هذا قادرًا هذا (... ). طالب: ما هو دَيْن عليه نلزمه به إن استطاع في يوم من الأيام.. ؟ الشيخ: لا، ما يستطيع هذا.
الطالب: يعني ليس في ذمته، انتهى ما عنده؟ الشيخ: ما يستطيع.
طالب: شيخ، هل يجوز التجارة مع الكافر الحربي مع القدرة على الاستغناء عنه؟ والتجارة مع.. الشيخ: إي، هو على كل حال وَلِيُّ الأمر لا بد أن ينظر: هل من مصلحة المسلمين أن تدخل أموال هذا الرجل إلى المسلمين لينتفعوا بها؟ افرض إن هذا يُهَرِّب سلاحًا للمسلمين يقاتلون به عدوهم، هذا فيه مصلحة، ولهذا يوجد الآن -مثلًا- في البوسنة والهرسك أُناس كروات وصرب يُهَرِّبون السلاح للمسلمين، ليش؟ لأن المسلمين يأخذون السلاح بأكثر، قيمة كبيرة، فهذا فيه مصلحة لنا.
طالب: قلتم يا شيخ حفظكم الله: إن الحربي إذا لم يستأذن نأخذه ونأخذ ماله.
الشيخ: نعم.
الطالب: نأخذ ماله إلى بيت مال المسلمين؟ الشيخ: هذا عاد إذا كان على وجه الغنيمة -كما لو كان بقتال- فهو غنيمة، وإلَّا فَفَيْء لبيت مال المسلمين.
الطالب: طيب وإذا.. الشيخ: أو لمن أخذه إذا أخذه على وجه شرعي.
طالب: (... ) للإمام أن يزيد على العُشْر من التاجر الحربي أو نصفه من التاجر الذمي؟

الشيخ: هذا ينبني على أنه هل ما رتَّبه الخلفاء الراشدون في هذه المسألة هل هو سُنَّة، أو حكم قضاء مؤقَّت؟ إن قلنا بالأول فليس لنا أن نزيد، وإن قلنا بالثاني فللإمام أن يزيد وينقص أيضًا.
الطالب: الراجح يا شيخ؟ الشيخ: والله اللي يظهر لي أن المسائل هذه إذا لم تكن صادرة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها من أمور القضاء الوقتي، يعني الذي رأى الخلفاء في ذلك الوقت أنها من الأنسب.
طالب: شيخ، مَنْ زرع يا شيخ الأرض الخراجية ففسد الثمر، فلم يستطع إعطاء خراج، هل يسقط عنه، أم يكون دَيْنًا عليه؟ الشيخ: نعم، سمعتم؟ يقول: إذا فسد الزرع في الأرض الخراجية فهل يسقط الخراج؟ نقول: لا يسقط، كالأجير، إلَّا على قول مَنْ يقول -وهو اختيار شيخ الإسلام-: إن الجوائح تُعْتَبَر حتى في مثل هذه الحال، وأنه يقدَّر النقص، فشيخ الإسلام يرى أن الجوائح لا تختص بالثمار.
الطالب: ولكن الخراج يؤخذ منه إذا -مثلًا- لم تسقط؟ الشيخ: إذا قلنا: لا تسقط، يؤخذ منه.
الطالب: يؤخذ من نفس الثمرة؟ الشيخ: لا، يؤخذ من الرجل؛ لأن الخراج دراهم مضروبة في ذمة صاحب الأرض.
طالب: شيخ، بالنسبة (... ) أي إنسان يدخل إليها بتجارة، سواء ذمي أو حربي أو مسلم، يطلبون عليه أرسمة الجمارك، فلو كان استعماله الشخصي فهل هذا جائز أو غير جائز؟ الشيخ: جائز لمن؟ الطالب: للدولة، الدولة تفرض عليه ذلك.
الشيخ: ما ذكرنا هذا يا جماعة؟ طلبة: نعم ذكرنا.
الشيخ: ذكرناها قريبًا.
الطالب: في السياسة الشرعية.
الشيخ: لا، في غير السياسة، هنا، ذكرناها الآن.
طلبة: المسلم لا.
الشيخ: قلنا: المسلم لا يجوز أن يُؤخذ من ماله شيء، والذمي يؤخذ نصف العُشْر.
طالب: هو ماذا يفعل؟ يترك تجارته ولَّا (... )؟ الشيخ: لا، يتَّجر ويصبر على ظلم الوُلاة.
الطالب: يرفع السلعة على.. الشيخ: ويش نعمل، ماذا يصنع؟ الطالب: هذا التصرف جائز ولَّا غير جائز؟

الشيخ: تصرف الوُلاة غير جائز، لكن بالنسبة للمأخوذة منه ماذا يصنع؟ النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اصْبِرْ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ» (21). طالب: شيخ، بارك الله فيك، في نسختي يقول في الزاد: (وَمَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ بِغَيْرِ قِتَالٍ كَجِزْيَةٍ).
الشيخ: إي، إحنا ذكرنا هذا، قلنا: قوله: (كَجِزْيَةٍ) هذا التمثيل للتقييد.
الطالب: ما التقييد؟ الشيخ: يعني بغير قتال.
الطالب: عندي متن.
الشيخ: متن، ما هي عندي، يمكن.
الطالب: (... ). الشيخ: شرح؟ ما هي عندي لا شرح ولا متن، لكن التمثيل يدل على ذلك.
طالب: أحسن الله إليكم، قروض الصندوق العقاري هل هي مثل الصُّبْرَة، بحيث إن الذي اقترض إذا هلك ينتقل القرض ويكون في ذمة الورثة؟ أو أنها تبقى في.. الشيخ: إي نعم، (... ) الصندوق العقاري إذا كان الميت قد أوفى ما عليه من الأقساط الذي حلَّ قبل موته.
الطالب: نعم.
الشيخ: الباقي يتعلق بذمة الورثة.
الطالب: إي، أحسن الله إليك.
طالب: ما هي الصُّبْرَة؟ الشيخ: ما هي الصُّبْرَة في عُرْف الفقهاء؟ الطالب: ما أدري.
الشيخ: ما تدري؟ ما قرأتم في كلية الشريعة كتاب البيع؟ الطالب: ما أخذناها.
الشيخ: ما هو مستواك أنت؟ الطالب: ثاني ثانوي.
الشيخ: إي، الصُّبْرَة عند الفقهاء الكومة من الطعام، كومة من البُرّ، كومة من التمر، تسمى صُّبْرَة، لكنها عندنا بلغتنا نحن هنا في القصيم الصُّبْرَة بمعنى الحُكُورة في الحجاز.
طالب: الحِكِر يا شيخ.
الشيخ: أو الحِكِر، أتعرف الحِكِر؟ لا حول ولا قوة إلَّا بالله، الحِكِر أن تؤجِّر الأرض أجرة دائمة، كل سنة بمئة ريال، دائمة.
طالب: (... ).

الشيخ: طبعًا المستأجر يملك منافعها والْمُؤْجِر يملك أصلها، بحيث لو -مثلًا- تمت المدة ترجع للمُؤْجِر، ويقال: إن بعض الناس عندنا تَصَبَّر بيتًا خمس مئة سنة، فلما أراد الشيخ أن يكتب بينهما -وكان الشيخ هو القاضي- قال المستأجر -المتصبِّر-: يا شيخ ما تكفي، أنا قلت: ألف سنة، قال: تكفي يا ابن الحلال، قال: ما تكفي، باكر يُطَلِّعون عيالي بالشارع إذا تمت المدة، فقال له الشيخ: إذا طلَّعوا أولادك للشارع بعد خمس مئة سنة فأنا عندك، هاتهم عندي (... ). طالب: بارك الله فيكم، إذا أردنا أن نبني مبنى على هذه الأرض، يجوز لنا؟ الشيخ: الخَراجية؟ إي نعم.
الطالب: يجوز نبني مبنى ويأخذ هو منه الخَراج.
الشيخ: إي نعم، الخَراج على صاحب البيت.
الطالب: لا، هو منزل للسكن.
الشيخ: ما يخالف.
الطالب: (... ). الشيخ: يأخذ.
طالب: شيخ، الخراج هل هو مختص بالأرض البيضاء أو المعمورة؟ الشيخ: الظاهر من كلام المؤلف مطلق، الأرض إذا غنموها.. وما تَرَكُوه فَزَعًا وخُمُسُ خُمُسِ الغَنيمةِ ففَيْءٌ يُصْرَفُ في مَصالِحِ المسلمينَ.

(بَابُ عَقْدِ الذِّمة وأحكامها)

لا يُعْقَدُ لغيرِ الْمَجوسِ وأهلِ الكتابينِ ومَن تَبِعَهم، ولا يَعْقِدُها إلا إمامٌ أو نائبُه، ولا جِزْيَةَ على صَبِيٍّ ولا امرأةٍ ولا عَبْدٍ ولا فقيرٍ يَعْجِزُ عنها، ومَن صارَ أَهْلًا لها أُخِذَتْ منه في آخِرِ الْحَوْلِ، ومَتَى بَذَلُوا الواجِبَ عليهم وَجَبَ قَبولُه وحَرُمَ قِتَالُهم, ويُمْتَهَنُون عندَ أَخْذِها ويُطالُ وُقوفُهم وتُجَرُّ أَيْدِيهِم.

ويقال: إن بعض الناس عندنا تَصَبَّر بيتًا خمس مئة سنة، فلما أراد الشيخ أن يكتب بينهما، وكان الشيخ هو القاضي، قال المستأجر للمتصبِّر: يا شيخ ما تكفي، أنا أريد ألف سنة، قال: تكفي يا ابن الحلال، قال: ما تكفي، باكر يطلعون عيالي بالشارع إذا تمت المدة، فقال له الشيخ: إذا طلَّعوا أولادك بالشارع بعد خمس مئة سنة فأنا عندك، تحاكموا عندي (... ). طالب: شيخ جزاك الله خيرا، إذا أردنا أن نبني مبنى على هذه الأرض، يجوز لنا؟ الشيخ: الخَراجية؟ إي نعم.
الطالب: يجوز نبني مبنى ويأخذ هو منه الخَراج.
الشيخ: إي نعم، الخَراج على صاحب البيت.
الطالب: لا يا شيخ، منزل للسكن.
الشيخ: ما يخالف.
الطالب: مشروع؟ الشيخ: يأخذ.
طالب: شيخ الخَراج هل هو مختص بالأرض البيضاء؟ أو المعمورة؟ الشيخ: الظاهر من كلام المؤلف مُطْلَق، الأرض إذا غنِموها (... ). الطالب: إذا غنِموا مدينة كاملة.
الشيخ: مدينة كاملة.
الطالب: فيها أسواق وعمارات، هل يُضْرَب الخَراج على العمارات وعلى؟ الشيخ: إذا رأى أنه من المصلحة أنها تُقسَم، ويُجعل الخَراج على الأرض البيضاء اللي خارج المدينة فهذا طيب.
الطالب: والعمار.. الشيخ: يكون العمار يُقسم بين الغانمين، لكل واحد منهم يأتيه بيت.
الطالب: يجوز ضرب الخَراج على العمار؟ الشيخ: ويجوز ضرب الخَراج، لو أرادوا أن يضرب الخَراج على الكل فهو جائز.
طالب: أحسن الله إليكم، الأرض اللي كانت أصلًا للمسلمين ثم احتلها الكفار، ثم أرجعها المسلمون.
الشيخ: استرجعوها.
الطالب: استرجعوها، هل تُقَسَّم؟ الشيخ: أما مَنْ عَرف مُلْكه فهو له، وأما مَنْ لم يعرِف مُلْكَه فيُقسم؛ يعني يُجعَل في بيت المال.
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «تُرَدُّ سَرَايَاهُمْ عَلى قَاعِدِهِمْ» (1) شنو معناه يا شيخ؟ ما معناه؟ الشيخ: معناه السرايا: جمع سرية التي بعثها، والقاعدة: قاعدتهم؛ يعني اللي هي أصل الجيش.

طالب: الأسير يا شيخ في الحرب إذا أُريد منه أن يفضح أسرار العدو، هل يعامَل بطريقة غير جيدة؛ يعني: بالضرب أو كذا حتى يُفصِح عن..، بالنسبة للعدو إذا صرَّح بالعداء، وأردنا أن نعرف معلومات عنهم، ولكن لا يريد أن ينطق هل نستخدم معه القوة؟ الشيخ: والله ما أدري، أتوقف فيها حتى نراجعها، لكن لو أردنا أن نستعمل معه ما يسمى بالتنويم المغناطيسي، بدون قوة، وصار عندنا واحد يدير هذا الشيء، هل يجوز؟ لأن هذا ما فيه ضرر عليه، لكن بس يُخشى أن يُخبِر بأسرار خاصة؛ يعني أسرارًا شخصية خاصة؛ لأن النائم إذا نُوِّم تنويمًا مغناطيسيًّا يخاطبه الإنسان يقول: ويش بذهنك؟ ويش عندك؟ هو كل الذي عنده يعلمه.
طالب: هو كرسي الاعتراف التنويم المغناطيسي؟ الشيخ: كرسي؟ يمكن، ما أدري ويش يسمونه، لكن هذا ينومه ثم يخليه يخبِّر كل اللي بدماغه.
طالب: موجود يا شيخ هذا؟ الشيخ: إي موجودة، موجودة وجرت لواحد من جماعتنا.
طالب: شيخ ليس لها حرمة الآن.
الشيخ: مَنْ؟ الطالب: يجوز لنا أن نسمع كل أسرارهم، فمثلًا نستحل زوجاتهم وبناتهم، كيف أسرارهم؟ طالب آخر: أو يقال يا شيخ: يثبت تبعًا ما يثبت استقلالًا، أسراره الخاصة جاءت تبعًا.
الشيخ: على كل حال، ربما نقول: إذا كنا نملك أن نقتله إذا لم نعطه الأمان، أما إن أعطيناه الأمان ما يجوز نقتله، ما فيه إشكال، فإذا كان لم نعطه الأمان ويجوز نقتله -كما مر علينا أنه يجوز أن يُقْتَل الأسير- فضربه حتى يبين لنا أسرار العدو من باب أَوْلى؛ يعني في ذلك مصلحة، وإيلام الضرب أهون من القتل.
طالب: (... ) يا شيخ.
الشيخ: يقول: هل يحق للوكيل على مال اليتيم الأخذ من هذا المال بقصد السُّلْفَة على أن يرَجِّعَه في وقت قصير؟ الجواب: لا، لا يجوز له ذلك.
(... ) بعض الناس أن يُلقي موعظة عند القبر عند دفن الميت ثم يدعو للميت ويؤمِّن الناس خلفه، فهل هذا العمل مشروع؟

والجواب: ليس بمشروع، الرسول كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ» (2) ولم يكن يدعو بهم لهذا الميت بالمغفرة، ولم يكن أيضًا يخطُب بالناس خُطبة، غاية ما ورد عنه أنه كان على شفير قبر ابنته وهي تُدْفَن، فقال عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ»، قالوا: أفلا نَدَع العمل ونتَّكِل على ما كُتِب؟ قال: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (3) هذه واحدة، الثانية: جاء يوم من الأيام وهم في جنازة رجل من الأنصار ولمَّا يتم لَحْدُه، فجلس، وجلس الصحابة حوله، وجعل يحدثهم حديث المجلس (4)، ليس أنه يقوم ويخطُب، نعم.
تكلمنا عنها أمس.
طالب: (... ). الشيخ: في الدرس.
الطالب: (... ). الشيخ: إي نعم، هذه يُنظَر فيها، إذا وجدتها إن شاء الله نجيب عليها.
طالب: أحسن الله إليكم، المؤلف في الكتاب، في كتاب الجهاد، ربما هذا لا يخفى عليكم، الحقيقة أنه اختصر الكتاب -كتاب الجهاد- اختصارًا ربما يكون مُخِلَّاً بشكل كبير، فما أدري يا شيخ هل يمكن أن يُقتصر على الشرح؟ أو إن رأيتم مثلًا أنه.
الشيخ: لا، نقرأ الفصل اللي في الشرح.
الطالب: أي فصل؟ الشيخ: الأمان، المؤلف ما تعرض للهدنة، الماتن ما تعرض للهدنة ولا للأمان، نقرؤه.

الطالب: إن رأيتم، أحسن الله إليكم، القراءة في كتاب المقنع كتاب الجهاد للتعليق عليه لكان حسنًا.
الشيخ: نشوف.
الطالب: فيه مسائل كثيرة.
الشيخ: بارك الله فيك، إذا قررنا قراءة في كتاب المقنع أكثر الطلاب ما عندهم المقنع، ولا يستفيدون الفائدة المرجوة، لكن ممكن الروض المربع إن رأينا المصلحة قرأنا أحكام أهل الذمة في الروض المربع.
أُحِبُّ أن نقرأ فصلًا عقده الشارح ولم يتكلم الماتن على موضوعه أبدًا، وهو فصل الأمان والهدنة أو المعاهدة أو المسالمة أو ما أشبه ذلك.
طلبة: (... ). الشيخ: كيف؟

طلبة: (... ). الشيخ: ما يخالف، ما فيه مانع، نُكمل كلام الماتن، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وَمَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ) والمراد بالمشرك هنا مَنْ لم يكن مسلمًا.
طلبة: درسناها، (وَمَا تَرَكُوهُ فَزَعاً).
الشيخ: جزاكم الله خيرًا، اصبروا علَيَّ، مَنْ لم يكن مسلمًا.
طالب: (... ). الشيخ: عجيب، يقول: (مَا أُخِذَ مِنْ مَالِ مُشْرِكٍ كَجِزْيَةٍ وَخَرَاجٍ وَعُشْرٍ)، وسبق معنا هذه الثلاثة، فما هي الجزية؟ طالب: الجزية: هي مال يؤخذ من الكافر مقابل إقامته في دار المسلمين وحمايته.
الشيخ: الخَراج؟ طالب: المال المأخوذ عن الأرض التي غُنِمَتْ ثم وُقفَتْ على المسلمين.
الشيخ: المال المأخوذ أو المضروب على الأرض المغنومة التي وُقفَتْ على المسلمين؛ لأنه سبق أنهم إذا غنِموا أرضًا يُخَيَّر الإمام بين قَسْمِها على الغانمين وبين وقْفِها والعُشْر؟ طالب: عُشْر الزكاة.
الشيخ: كيف عُشْر الزكاة؟ الطالب: عُشْر المأخوذ، الكافر الذمي أو المستأمن أو المعاهَد.
الشيخ: ويش عُشْر الزكاة؟ الطالب: لا، عُشْر التجارة.
الشيخ: التجارة.
الطالب: من الكافر الذمي؛ يعني إذا دخل.
الشيخ: إذا دخل الذمي.
الطالب: إلى بلاد المسلمين في تجارة يؤخذ منه عُشْرٌ.
الشيخ: العُشْر؟ وغير الذميّ؟ الطالب: نأخذ منهم، المعاهَد، المعاهَد والمستأمن.
الشيخ: كلهم على عُشْر عُشْر.
الطالب: الذمي نصف العُشْر، والحربي نأخذ منه العُشْر.
الشيخ: أيهما أصحّ؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني أصح، الحربي يؤخذ منه العُشْر كاملًا، والذمي يؤخذ منه نصف العُشْر.
(وَمَا تَرَكُوهُ فَزَعًا) كيف تَركوه فَزَعًا؟ طلبة: (... ) هذه اللي ما أخذناها بعد.

الشيخ: قال: (وَمَا تَرَكُوهُ فَزَعًا) يعني: ما تركه الكفّار فزعًا منا؛ يعني لمَّا علموا بأن المسلمين أقبلوا عليهم هربوا وتركوا الأموال، هذه الأموال أُخِذَتْ بغير قتال فتكون فيئًا؛ وذلك لأن المقاتلين لم يتعبوا في تحصيلها، فلم تُقْسَم بينهم، بل تكون فيئًا يُصْرَف في مصالح المسلمين العامة، كرزق القضاة، والمؤذنين، والأئمة، والفقهاء المعلمين، وغير ذلك من مصالح المسلمين.
(وَمَا تَرَكُوهُ فَزَعاً، وَخُمُسِ خُمُسِ الغَنِيْمَةِ) وهو واحد من خمسة وعشرين جزءًا أيضًا يُصرَف في الفيء.
(وَخُمُسِ خُمُسِ الغنيمة) معروف لديكم هو أن الغنيمة إذا غُنِمَت يؤخَذ منها الخُمُس لخمسة أصناف، وتقسم أربعة أخماس على الغانمين.
الخُمُس الذي يؤخذ أولًا يُصرَف إلى خمس جهات: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41] خمسة، فهذا الخُمُس؛ أي: خُمُس الخُمُس يُصْرَف في مصالح المسلمين، كما قال المؤلف: (يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ).
ولكن كيف صَرْفُه؟ لا بد أن يكون على مَنْ فيه مصلحة للمسلمين، وقد سبق لنا في السياسة الشرعية أن شيخ الإسلام قال: لا يجوز أن يُصْرَف هذا في غير المصالح، كأن يُعطى المغنِّين والْمُسَخِّرِين، وما أشبه ذلك؛ لأن هذه منافع محرّمة، فلا يجوز أن تُبْذَل الأموال فيها، وإنما تُبذَل في المصالح، وهنا أسئلة: أولًا: هل إصلاح الطرق من المصالح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم من المصالح، هل إقامة السدود على الأودية من المصالح؟ نعم، من المصالح، هل غَرْس الأشجار في مواقف الناس التي يحتاجون إلى الوقوف فيها من المصالح؟ من المصالح.

إذن، المصالح عامة، كل ما فيه مصلحة للمسلمين في دينهم أو دنياهم فإنه يؤخذ مِنْ بيت المال، ولا يجوز أن يُصْرَف هذا الفيء؛ أعني بيت المال، إلى ما لا مصلحة للمسلمين فيه، فهو يُصْرَف في الواقع بما فيه المصلحة، أو بما فيه المَضرَّة، أو بما لا مصلحة فيه ولا مَضرَّة، ما هو الجائز؟ طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، ما فيه المصلحة، فأما ما لا مصلحة فيه فإنه لا يجوز أن يُصْرَف منه قرش واحد؛ لأن هذا من إضاعة المال، وإذا كان الإنسان في ماله الذي يملكه منهيا عن إضاعة المال، فكيف بإضاعة المال الذي هو للمسلمين عمومًا.
وإذا بُذِل في محرم، في ضار، صار أشدَّ وأشدَّ، صار فيه إِثْمَان: الإثم الأول: اقتطاع جزء من مال المسلمين في غير مصالحهم.
الإثم الثاني: أنه صَرْفٌ في المُحَرَّم، فهو إعانة على المُحَرَّم.
ولهذا نقول: إن المسؤولية عظيمة في مَنْ يَتَوَلَّوْن أموال المسلمين، عظيمة جدًّا، أشد من مسؤولية من يتولى على مال اليتيم، أو على مال سفيه، أو على مال نفسه؛ لأن هذا يتعلق به جميع حقوق المسلمين، كل المسلمين لهم حق فيه، ولا يخفى عليكم ما جرى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما يذكره أهل التاريخ، أنه كان رضي الله عنه في الليالي يَعُسُّ حول المدينة؛ يعني يخرج يتفقد الناس حول المدينة، فوجد نارًا فذهب إليها، وكان معه مولى يُقال له: أَسْلَم، ذهب إلى هذه النار فوجدها عجوزًا عندها صبيان جَوْعَى يصيحون، وهي قد أوقدت النار تحت القِدْر، ليس فيه إلَّا الماء لتُسَكِّنَهم به، فجاء إليها فقال: ما لك يا أمةَ الله؟ قالت: هؤلاء صبيان، قال: ما الذي في القِدْر؟ قالت: ماءٌ أُسكتهم به، الله بيننا وبين عمر.

الله أكبر، كلمة عظيمة، عمر ولَّاه الله على العباد، لا بد أن يسأله عن هذه الولاية، فقال لها عمر -وهي لا تعلم أنه عمر- قال لها: ما أدرى عمر بكم؟ ما أدرى عمر بكم؟ قالت: يتولى أمرنا ولا يدري عنا؟ هذه كلمة أكبر من الأولى، فذهب مسرعًا إلى خِزانة الطعام وأخذ كِيسًا من دقيق، وأخذ ما يقابله من الوَدَكْ وحَمَله، فقال له مولاه أَسْلَم: يا أمير المؤمنين أنا أحمله، قال: إنك لو حملته عني لن تحمل عني أوزاري يوم القيامة، ثم خرج به، وجعل هو ينفخ النار حتى إنَّ الدخان يتخلل لحيته، ينفخ النار ويصب من الدقيق والوَدَكْ في هذا القِدْر حتى طبخه هو بنفسه، خليفة المسلمين من مشرق الأرض ومغربها يطبخه بنفسه لهذه العجوز، لماذا؟ لأنه يطبخه لله، مخلصًا لله بذلك، يُبرئ ذمته بهذا، ففعل، ثم تَنَحى ناحية وجلس، قال: والله لا أرجع حتى أرى هؤلاء الصبيان الذين يبكون يتضاحكون، فشبِعوا من الطعام وجعلوا يضحكون ويتصارعون، وتعرفون الصبيان إذا استأنسوا وشبعوا، فذهب وقال لها: إذا كان غد فَأْتِي إلى عمر، ائْتِي إلى عمر، وذهب وهي لا تدري ما هذا الرجل، قالت: والله إنك لخير لنا من عمر، سبحان الله، معلوم عمر -على زعمها- نائم في فراشه، وهذا يتفقد الناس ويجيب لهم الطعام.
فالمسؤولية عظيمة جدًّا، نسأل الله تعالى أن يُعين ولاة أمورنا على ما فيه خير البلاد والعباد.
(5) نقول: الآن إذا قبلتم اقتراحي أن نقرأ الفصل، طيب.
يقول الشارح، صاحب الروض المربع: (فصل في الأمان والهدنة) قال: (يصح الأمان من مسلم، عاقل، مختار، غير سكران ولو قِنًّا أو أنثى، بلا ضرر، في عشر سنين فأقل، مُنَجَّزًا ومُعَلَّقًا، ومن إمام لجميع المشركين، ومن أمير لأهل بلدة جُعِل بإزائهم، ومن كلِّ أحد لقافلة وحِصْن صغيرين عُرْفًا، ويحرم به قتل، ورق، وأَسْر).

(الأمان) الأمان: عبارة عن تأمين الكافر مدة محدودة؛ يعني: يُؤَمِّنُه حتى يبيع تجارته ويرجع، يُؤَمِّنُه حتى يشاهد بلاد المسلمين ويرجع، يُؤَمِّنُه حتى يسمع كلام الله ويرجع، هذا التأمين، ما هو عَقْد، أمان فقط، ولهذا صح من كل إنسان حتى من امرأة، حتى من قِنْ، لكن لا بد أن يكون المُؤَمِّنُ مسلمًا.
فلو فرضنا أن في البلد طوائف متعددة، في البلد نصارى ومشركين لكنهم باقون في عهد المسلمين فهؤلاء لا يصح منهم التأمين، أن يؤمِّنوا كافرًا يدخل من بلاد الكفر إلى بلاد المسلمين، لماذا؟ لأنهم لا يُؤْمَنُونَ، قد يكون بينهم وبين هذا الطالب للأمان اتفاق؛ يؤمِّنونه حتى يأتي ليأخذ أسرار المسلمين وأحوال المسلمين، لكن لا بد أن يكون المُؤَمِّن مسلمًا.
(عاقل) ضده المجنون؛ يعني المجنون لا عقل له، ولا قَصْد له.
(مختار) لا مكره، فلو دخل كافر مسلح ووجد رجلًا من المسلمين وقال: أمِّنِّي، قال: لا أُؤَمِّنُك، وقال: أمِّنِّي وإلَّا قتلتك، فأمَّنَه مُكرهًا فهذا الأمان لا يصح.
ولكن اشترط المؤلف: (بلا ضرر)، واشترط شرطًا آخر: (في عشر سنين).
فإذن الأمان يُشترط أن يكون من مسلم، وأن لا يكون فيه ضرر على المسلمين، وأن يكون في عشر سنين فأقل؛ يعني لا يملك أي إنسان أن يُؤَمِّنَ كافرًا أكثر من عشر سنين.
يقول: (مُنَجَّزًا ومُعَلَّقًا) (مُنَجَّزًا) يقول: أمَّنْتُك، (مُعَلَّقًا) يقول: إذا دخل الشهر الفلاني فأنت في أماني.
(من إِمامٍ لجميع المشركين) يعني: يصح الأمان من إمامٍ لجميع المشركين؛ لماذا؟ لأن ولايته عامة، فجاز أن يكون تأمينه عامًَّا.
(ومن أمير لأهل بلدة جُعِل بإزائهم) هذا أقل من عموم المشركين، أهل بلدة يؤمِّنهم أمير جُعِل بإزائِهم، مثل: أن يكون هناك قرية مسلمة وعليها أمير مسلم، وبجانبها قرية كافرة فيؤمِّنُها هذا الرجل المسلم.

قال: (ومن كل أحد لقافلةٍ وحِصْن صغيرين)، (من كل أحد) إيش معنى: (من كل أحد)؛ يعني: من عامة المسلمين، أي واحد يؤمّن القافلة الصغيرة والحصن الصغيرين، أو الرجل أو الرجلين، وما أشبه ذلك، فإنه جائز.
وما الذي يترتب على الأمان؟ يقول: (ويحرم به) أي: بالأمان (قتل ورَقٌّ وأَسْر) يعني: إذا أعطينا الأمان لشخص حَرُم قتله، وحَرُم رَقُّه، وحَرُم أَسْرُه؛ لأنه أُعْطِي أمانًا، والمسلمون هم أشد الناس وفاءً بالعهود.
(ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرِف شرائع الإسلام لزم إجابته ثم يُرَدُّ إلى مأمنه) ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6]، لكن بشرط ألَّا نخاف أنه قال ذلك احتيالًا ومكرًا، فإن خفنا هذا فإننا لا نُؤَمِّنُه؛ لأنه يُخْشَى من شرّه.
انتهينا من التأمين، بقي لنا الهدنة، وهي: عقد يُبْرَم بين المسلمين والكفار على ترك القتال، عقد يُبْرَم ويُكْتَب كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في؟ طالب: صلح الحديبية.
الشيخ: صلح الحديبية.
قال: (والهدنة: عَقْدُ الإمام أو نائبه على ترك القتال مدة معلومة ولو طالت بقدر الحاجة) وكلامه هنا لا يخالف كلامه الأول؛ لأن الكلام الأول إنما هو تأمين فقط، لكن هنا هدنة: عقد يكون بين الإمام وبين كفار.
واشترط المؤلف يقول: (عقد الإمام أو نائبه)، وهناك يقول: (يصح من الأمير لقرية حوله، ومن عامة الناس لقافلة صغيرة أو رجل أو رجلين)، ولكن هذا لا يكون إلَّا من الإمام أو نائب الإمام، ومعروف أن الإمام هو الذي له الولاية العامة على كل المسلمين، ولكنَّ هذا فُقِد من أزمنة طويلة، وأَقَرَّ المسلمون الوضع على ما هو عليه، وقالوا: كل إنسان وَلِيُّ أَمْرٍ على البلاد التي تحت سيطرته، وتجب طاعته، كما ذكره في سبل السلام، وغيره أيضًا من أهل العلم.

يقول: (على ترك القتال مدة معلومة) فلا يصح أن يقول: نحن عاهدناكم مدة ألَّا نقاتلكم؛ لأنها مجهولة، لا بد أن تكون معلومة، فلو قال: نعقد الهدنة بيننا حتى يكون لنا قدرة على القتال، فهنا لا تصح، لماذا؟ طلبة: غير معلومة.
الشيخ: لأنها غير معلومة، لا بد أن تكون معلومة.
قال: (ولو طالت لكن بقدر الحاجة)، وقوله: (ولو طالت) إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: لا تجوز الهدنة مع الكفار إلَّا في عشر سنين فأقل، أما أكثر فلا تجوز، الحجة في هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سالم قريشًا لمدة عشر سنوات، قالوا: والأصل وجوب قتال الكفار، وجهاد الكفار، فلا نَعْدِل عن هذا الأصل إلَّا بمقدار ما جاءت به السُّنَّة، والسُّنَّة جاءت بكم؟ طلبة: بعشر سنوات.
الشيخ: بعشر سنوات، فلا نزيد، فإن زاد -على هذا الرأي- بطلت الزيادة، وقيل: يبطُل العقد كله، وهذا مبني على تفريق الصفقة المعروفة في كتاب البيع، وأظن الصفقة ما بعد مرت على كثير منكم.
الصفقة: إذا باع الإنسان شيئًا يجوز بيعه وشيئًا لا يجوز، هل يبطل البيع في الجميع أو فيما لا يجوز؟ فيما لا يجوز؛ يعني: باع عبدًا وحرًّا، أو باع سيارته وسيارة جاره، وجاره ما وَكّله، ما الذي يصح؟ طلبة: سيارته.
الشيخ: يصح بيع سيارته دون سيارة جاره، وقيل: يبطل البيع كله.
إذا زادت المدة على عشر سنين -على القول بتحديدها- فقيل: يبطُل العقد كله، وقيل: لا يبطُل إلَّا ما زاد على العشر.

لكن المذهب -كما ترَوْن- يقولون: إنه لا بأس أن تزيد المدة على عشر سنين إذا كان في ذلك حاجة، وتقدير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدة بعشر سنين؛ لأنه رأى أن هذا كافٍ، وأن المسلمين سوف يَقْوَوْن وتزيد قوتهم في هذه المدة، فيكون تقدير المدة لا لِاختصاصها بهذا القَدْر ولكن تبعًا للحاجة، وهذا هو المذهب؛ أنها تصح مؤقتة ولو عشرين سنة أو ثلاثين سنة أو أكثر إذا دعت الحاجة لذلك، مثل أن يَعْرِف المسلمون أنهم ضعفاء لا يستطيعون في خلال خمس سنوات، أو عشر سنوات، أو عشرين سنة أن يقابلوا العدو، فلهم أن يزيدوا إلى المدة التي تقتضيها الحاجة.
وقال شيخ الإسلام: يجوز عقد الهدنة مطلقًا بدون تحديد إذا كان في ذلك مصلحة، ولكن يكون هذا عقدًا جائزًا، بمعنى أن للمسلمين أن ينقضوه إذا رَأَوا المصلحة في نقضه، فصارت الأقوال الآن كم؟ ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجوز أن يُعْقَد السلام أو الهدنة -السلام والهدنة والمعاهدة والمسالمة كلها واحد، ألفاظ واحدة، المعنى واحد- لا يجوز أن يُعْقَد أكثر من عشر سنوات.
والثاني: يجوز أكثر لكن يُحَدَّد؛ لأن العقد على وجه الإطلاق يعني إبطال الجهاد.

القول الثالث: يجوز مطلقًا بدون تحديد للمصلحة، ولكن هذا القول يجعله عقدًا جائزًا، بمعنى أن المسلمين إذا رَأوا من أنفسهم القوة نبذوا العهد، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن لا بد أن يُعْلِمُوا عدوهم بأننا عقدنا معكم الهدنة للحاجة، والآن لا نحتاج، فإما أن تُسْلِمُوا، وإما أن نقاتلكم، وهذا الذي قاله شيخ الإسلام هو قياس المذهب في أن المرجع في ذلك إلى المصلحة ولو زاد على عشر سنين، ما دمتم تقولون: إننا نزيد على عشر سنوات التي حددها الرسول عليه الصلاة والسلام في الصلح بينه وبين قريش من أجل المصلحة، فلنقل: المصلحة قد نظن أنها في عشر سنوات مثلًا أو عشرين سنة، ولكن يتبين أننا نحتاج إلى وقت أطول، فإذا أطلقناها وصار لنا الحق في أن نقول لهؤلاء القوم: نحن أطلقناها ولم نُقَيِّد مدة معينة، فإذا لم نُقَيِّد مدة معينة فإنكم لا تَلزموننا بشيء، لا تَلزموننا بشيء، لكن متى نقول لهم هذا؟ طلبة: إذا قوينا.
الشيخ: إذا قوينا، وصار عندنا قدرة نقول: إن الهدنة والسلام مطلق، ونحن الآن لدينا من القوة ما نستطيع أن نُجْبِرَهم على الإسلام، أو على بذل الجزية إن كانوا من أهل الجزية، فصارت الأقوال ثلاثة.
قال المؤلف: (وهي لازمة، يجوز عقدها لمصلحة حيث جاز تأخير الجهاد لنحو ضعف بالمسلمين) (وهي) الضمير يعود على إيش؟ (لازمة)؛ لأنها عهد بيننا وبين الكفار.
وليُعْلَم أن العهد الذي بيننا وبين الكفار يكون لنا معهم فيه ثلاث حالات؛ كلها في القرآن: الحالُ الأولى: أن ينقضوا العهد، هم بأنفسهم، فإذا نقضوا العهد انتقض العهد الذي بيننا وبينهم، ومثاله: قصة قريش؛ لأن قريشًا نقضوا العهد حين ساعدوا حلفاءهم على حلفاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحينئذٍ ينتقض العهد والدليل.
طالب: ﴿مَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾ [التوبة: 7].

الشيخ: لا، ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ إلى آخره [التوبة: 12، 13]. الحال الثانية: أن يستقيموا لنا، ولا نخاف منهم خيانة، ولم نرَ منهم خيانة، فحينئذٍ يجب علينا أن نستقيم لهم كما قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
الحال الثالثة: أن نخاف منهم نقض العهد، فهنا لا يلزمنا أن نبقى على العهد، ولا يجوز لنا أن نقاتلهم، بل ننبذ إليهم على سواء، وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58]، يعني: انبذ العهد على سواء؛ لتكون أنت وإياهم على سواء في أنه لا عهد بينكم، وهذا هو الإنصاف؛ يعني الآن الدين الإسلامي أَقْوَم الأديان وأعدلها وأنصفها، هذا إنصاف، ما استقاموا لنا فإننا.. طلبة: نستقيم.
الشيخ: نستقيم لهم، نقضوا عهدنا فلا عهد لهم، هم الذين نقضوا، خفنا منهم ننبذ إليهم على سواء؛ يعني نقول: لا عهد بيننا وبينكم، ولا نأتيهم على غِرَّة ونباغتهم؛ لأننا نخشى أن ينقضون، لا، نقول: إذا خشيت انبذ إليهم على سواء؛ لأن الأصل قيام العهد.
يقول: (الهدنة تجوز بشرط حيث جاز تأخير الجهاد لنحو ضعف في المسلمين) وقتنا الحاضر فينا ضعف؟ طلبة: (... ). الشيخ: إي نعم، ما هو فينا ضعف، كلنا ضعف، في الوقت الحاضر كلنا ضعف، الله يرحم الحال، لذلك تجوز الهدنة على المذهب بدون تقييد، ولكن لا بد أن تكون المدة معلومة مقيدة.

(ولو بمال مِنَّا ضرورة) قوله: (ولو بمال مِنَّا ضرورة) يعني: ولو كان عقد الهدنة بمال، وعقد الهدنة بمال إما أن يكون منهم، وإما أن يكون منا، ولا ثالث لذلك، متى يكون منهم؟ طلبة: (... ). الشيخ: إذا كانوا هم الضعفاء يفرحون أن نأخذ منهم ضريبة مالية ونَدَعَ جهادهم، ومتى يكون مِنَّا؟ إذا كان الضعف منا.
ولهذا قال المؤلف قَيَّدَه قال: (ولو بمال منَّا ضرورة) وهذه إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: لا يجوز أن نعطيهم على الهدنة مالًا أبدًا، ولهذا لما شاور النبي عليه الصلاة والسلام سعد بن عُبادة، وسعد بن معاذ على أن يعطي مالًا في مقابلة المصالحة أَبَوا، وقالوا: ما يمكن يا رسول الله، كيف نعطيهم، في الجاهلية ما يقدرون يدخلون المدينة إلَّا بأمان ليأخذوا التمر، كيف نعطيهم الآن تمرًا من المدينة (6)، وَأَبَوا فوافقهم النبي عليه الصلاة والسلام.
قال بعض العلماء: إن عرض النبي صلى الله عليه وسلم ذلك يدل على جواز.
وقال بعض العلماء: إن موافقته للسَّعْدَيْن تدل على المنع، وأنَّ هذا ذل للمسلمين أن يبذلوا مالًا لعدوهم.
ولكن يقال: بَذْلُ المال أهون من القتل، إذا كان العدو قويًّا وليس لنا به طاقة إطلاقًا، فإنَّ بذل شيء من أموالنا أهون من أن يسحقنا العدو نحن وأموالنا، فالمسألة كلها تعود إلى المصلحة ودفع الضرر، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. ثم قال: (ويجوز شرطُ ردِّ رجلٍ جاء منهم مسلمًا للحاجة، وأمرُه سرًّا بقتالهم والفرار منهم) (... ). طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، ما الفرق بين قول المذهب في تفسير الهدنة وقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
الشيخ: إي، الفرق أن المذهب يقول: لا بد أن يحدد المدة، عشرين سنة، ثلاثين سنة، عشر سنوات، لا بد من تحديد، أما الشيخ يقول: ما هو شرطٌ التحديد.

جارٍ التحميل