الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 2146-2185

وإن تصرف مشتريه بوقفه أو هبته أو رهنه، لا بوصية سقطت الشفعة وببيع فله أخذه بأحد البيعين، وللمشتري الغلة والنماء المنفصل، والزرع والثمرة ظاهرة، فإن بنى أو غرس.. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يقول المؤلف رحمه الله: (ولا شُفْعة بشركة وقف) يعني: لو كان الملك بين رجلين أحدهما الذي بيده وقف، والثاني الذي بيده ملك، وهذا واقع يعني: ليس صعبًا؛ يكون الرجلان الشريكان نصيب أحدهما ملك ونصيب الآخر وقف، فباع صاحب الملك، فهل لصاحب الوقف أن يُشَفِّع؟ يقول المؤلف: لا، ليس له أن يشفع؛ لأنه وإن كان مالكًا فإن ملكه غير تام؛ لأنه لا يملك -أي: الموقوف عليه- أن يتصرف في الوقف ببيع ولا رهن ولا غيرهما من نقل الملك.
هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله وهو المذهب، والعلة كما سمعتم: أن الملك أيش؟ غير تام.
والصحيح أن له الشفعة؛ أن الشريك الذي يكون نصيبه وقفًا له أن يُشَفِّع، بل لو قيل: إنه أحق بالشفعة ممن نصيبه ملك لكان له وجه، لماذا؟ لأن صاحب الوقف لا يملك بيعه، ولو كان مالكًا لكان يملك البيع إذا تأذى من الشريك الجديد؛ فالصواب إذن أن لصاحب الوقف أن يُشَفِّع، ولكن إذا شَفَّع، هل يُضم إلى الوقف فيكون وقفًا، أو يكون ملكًا للمشفع؟ يُنظر؛ إذا كان نواه للوقف فهو للوقف، وهذا يتصور فيما إذا كان بيده ثمن الشقص المبيع من الوقف، أو أراد أن يتبرع؛ مثاله: الوقف الذي كان بيده، يريع ريعًا كبيرًا، وعنده الآن دراهم، فلما شَفَّع قضى الثمن من هذه الدراهم ونواه لأيش؟ للوقف، فيكون للوقف، أو يريد أن يتبرع هو بنفسه فيما أخذه بالشفعة لكون الوقف لوالده أو ما أشبه ذلك، المهم إذا نواه الشفيع للوقف صار للوقف، وإن نواه لنفسه صار لنفسه.

فإن قال قائل: إذا صار لنفسه فإن الشركة لم تنتفع؛ لأنه لم يكن الملك مصرفه واحدًا.
قلنا: نعم، هذا حق، إذا كان للمشتري فالواقف لم ينتفع به، لكن لا شك أن كون الإنسان مشاركًا بنفسه لنفسه خير من كونه يتلقى شريكًا جديدًا.
كذلك: (غير ملك سابق) (لا شفعة بغير ملك سابق)، ومثال ذلك: أن يشتري اثنان الملك معًا، بأن يكون هذه أرض اشتراها رجلان من رجل واحد، فليس لأحدهما أن يشفع؛ لماذا؟ لأن الحقين وردَا على هذه العين ورودًا واحدًا فتعارضَا، وإذا تعارضَا فإنه لا يمكن أن نفضِّل أحدهما على الآخر.
إذن لا بد من أن يكون ملك الشريك الذي يأخذ بالشفعة سابقًا على أيش؟ على على ملك أخيها الذي باع، أو موافقًا له، المهم سابق على ملك المشتري الذي انتقل إليه النصيب.
(ولا لكافر على مسلم) يعني: لو كان الشريك كافرًا، والمسلم باع نصيبه من هذه الأرض (على مسلم) فإنه لا يحق للشريك أن يأخذ بالشفعة؛ لماذا؟ طالب: فيه إهانة للمسلم.
الشيخ: نعم؛ لأن فيه إهانة للمسلم؛ حيث إنه سيؤخذ منه ما ملكه قهرًا، ففيه إذلال له، والإسلام يعلو ولا يعلى؛ شريكان في أرض أحدهما مسلم والثاني كافر، فباع المسلم نصيبه على مسلم فليس للكافر أن يأخذ بالشفعة.
لو كان الشريكان كافرين، وباع أحدهما على مسلم، هل يأخذ شريكه الكافر بالشفعة؟ لا؛ لأن العلة واحدة، وإن كان البائع على المسلم كافرًا فإنه لا يأخذ شريكه الكافر بالشفعة؛ لأن العلة هي إهانة المسلم.
وقال بعض أهل العلم: بل للكافر شفعة على المسلم؛ لأن الشفعة من حق التملك، وليس من حق المالك، إذا كان الكافر له الخيار؛ خيار المجلس، ويمكن أن يفسخ العقد غصبًا على المسلم؛ لأن هذا حق ملك، فكذلك الشفعة.
صورة المسألة الأخيرة: مسلم باع على كافر شيئًا، فهل للكافر ما دام في مجلس الخيار أن يفسخ البيع؟ نعم، له ذلك؛ لأن هذا من باب حق التملك، فله أن يفسخ، حتى وإن كره المسلم؛ لأن هذا حقه، وهذا مقتضى العقد.

الشفعة حقٌّ، ومقتضى البيع -أي: بيع الشريك على أجنبي- أن يكون للشريك الأول حق الشفعة، فالمسألة فيها خلاف بين العلماء.
ولو قلنا برجوع هذا إلى نظر الحاكم القاضي لكان هذا جيدًا، ويظهر هذا بالقرائن؛ إذا عرفنا أن الكافر سوف يفتخر بأخذ الشفعة من هذا المسلم، ويرى أنه علا عليه، فحينئذ لا نمكنه، أما إذا علمنا أن الكافر مهادن، وأنه لم يأخذ بالشفعة إلا لأنه مضطر إليها لمصلحة ملكه فإننا نمكنه منها.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل، وإن تصرف مشتريه بوقفه).
(مشتريه) أي: مشتري الشقص، (بوقفه) أي: تسبيله؛ يعني أنه حين اشترى الشقص وقَّفه، سواء على خاص أو على عام؛ فعلى الخاص مثل أن يقول حين اشترى الشقص: هذا وقف على فلان أو على ذريته، فإن الشفعة تسقط.
العام مثل أن يقول حين اشتراه هذا وقف على الفقراء، فتسقط الشفعة؛ لماذا؟ لأن الشقص انتقل بعقد لا تثبت فيه الشفعة، كيف لا تثبت فيه الشفعة؟ لأن الشفعة إنما تثبت فيما إذا انتقل بعوض مالي، وهنا انتقل الملك إلى الوقف، والوقف ليس فيه شفعة؛ يعني: لو أن أحد الشريكين وقَّف نصيبه من أرض مشتركة فليس للشريك أن يُشَفِّع؛ لأن انتقل ملكها بغير عوض مالي.
أو تصرف بـ (هبته) يعني أن الذي اشترى الشقص وَهَبَه لشخص آخر فتسقط الشفعة؛ لأنه لو انتقل الشقص بالهبة لم تثبُت الشفعة، فإذا انتقل من المشتري إلى جهة أخرى لا تثبُت الشفعة بانتقاله إليها فإن الشفعة تسقط.
(أو رهنه) يعني: أن المشتري -مشتري الشقص- رهنه، مثاله: أرض بين شريكين، باع أحدهما نصيبه على ثالث، الثالث استدان من شخص وأرهنه نصيبه الذي اشتراه، يقول المؤلف: إن الشفعة تسقط؛ لماذا؟ لأن الرهن ليس انتقالًا، ولكنه إشغال، الإنسان إذا رهن ملكه عند شخص، هل معناه أنه باعه عليه؟ وهبه له؟ لا، ولكن شغله، شغل الملك للتوثقة -توثقة صاحب الدين- فليس انتقال ملك.

هذا ما ذكره المؤلف رحمه الله، والصحيح أنها لا تسقط بالرهن؛ لأن الملك لم ينتقل للمرتهن، لكن يقال: إن أوفى الراهن دينه أخذ الشريك بالشفعة، وإن لم يوف وبِيعَ الرهن حينئذ نرجع إلى انتقاله بالبيع، وسيأتي ذكره إن شاء الله؛ وذلك لأن الرهن لم ينتقل به الملك، فهو على ملك المشتري، إنما تعلق به حق الغير، فإذا تعلق به حق الغير، فإننا نُبْقِي حق الغير وحق الشفيع، ونقول: ما دام مرهونًا لا يمكن أن تأخذه بالشفعة؛ لأنه مرهون مشغول، لكن إن أوفى المدين دينه بقي الرهن الآن طِلقًا ليس مرهونًا فخذه بالشفعة، وإن لم يوفِ وبيع فخذه أنت بأحد البيعين كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
هذا القول هو الراجح؛ لأن الملك لم ينتقل، ومثل ذلك: لو آجر النصيب الذي اشتراه، فهل تسقط الشفعة أو لا؟ المذهب: تنفسخ الإجارة ويأخذه بالشفعة، والصحيح أنها لا تنفسخ الإجارة، وأنها باقية، ولكن للشفيع الأجرة من حين أخذه بالشفعة، مثال ذلك: باع أحد الشريكين نصيبه على شخص ثالث، الشخص الثالث آجره على طول، قال لواحد: أجَّرتك نصيبي تجعله معارض، تجعله أي شيء، أجَّرتك نصيبي لمدة خمس سنوات، فالإجارة على المذهب تنفسخ؛ لأن حق الشفيع سابق على حق المستأجر.
القول الثاني: لا تنفسخ، وللشفيع الأجرة من حين أخذ بالشفعة، فإذا قدَّرنا أنه أخذ بعد شهر، صار بقية الخمس سنوات أجرتها لمن؟ للشفيع؛ وذلك لأن المشتري آجر الشقص وهو على ملكه، فالإجارة صحيحة، وهي عقد لازم أو جائز؟ هي عقد لازم، وإذا كان هذا الرجل تصرف تصرفًا مأذونًا فيه بعقد لازم فإننا لا يمكن أن نضيع حق المستأجر، بل نقول للمستأجر: تبقى، ولكن الأجرة من حين أخذ الشفيع تكون للشفيع، وهذا لا شك أنه أقرب إلى العدل، القول بأن الإجارة لا تنفسخ أقرب إلى العدل بلا شك.

قال: (لا بوصية) يعني: لا إن تصرَّف مشتريه بوصية فإنها لا تسقط، فيكون المؤلف رحمه الله ذكر ثلاثة أشياء تسقط بها الشفعة، وذكر شيئًا واحدًا لا تسقط به الشفعة؛ مثاله: اشترى الشقص؛ يعني: رجلان شريكان في أرض، باع أحدهما نصيبه على شخص، ومن حين اشتراه الشخص أوصى به، قال: أوصيت بنصيبي الذي اشتريت أن يكون وقفًا على طلبة العلم، فالشفعة لا تسقط؛ لماذا؟ لأن الوصية لا تثبت إلا بعد الموت، وقبل الموت يكون الموصى به مُلْكًا للموصي، له أن يتصرف فيه بما شاء، التعليل؛ لماذا؟ لأن الوصية لا ينتقل بها الملك إلا بعد موت الموصي وقبول الموصى له إن كان معينًا، أو جماعة يمكن حصرها.
المثال؟ طالب: باع زيد نصيبه من الأرض.. الشيخ: باع زيد نصيبه من أرض مشتركة على بكر.
الطالب: فقال الرجل: أوصيت بنصيبي من هذه الأرض وقفًا لطلبة العلم.
الشيخ: فقال بكر: أوصيت بنصيبي من هذه الأرض وقفًا على طلبة العلم.
الطالب: فإن الشفعة لا تسقط.
الشيخ: فإن الشفعة لا تسقط، وللشفيع أن يشفع، إذا شفع انتقل الملك من نصيب الموصي إلى نصيب الشريك، تبطل الوصية أو لا تبطل؟ تبطل الوصية؛ لأن محلها تعذر أن تُنفذ به الوصية.
ثم قال: (وببيع)، والخلاصة أن نقول: إذا تصرف المشتري تصرفًا لا تثبت به الشفعة ابتداءً على وجه التمليك فإن الشفعة تسقط، هذا الضابط؛ إذا تصرف المشتري في فيما اشتراه تصرفًا ينقل الملك على وجه لا تثبت فيه الشفعة فإن الشفعة تسقط، وإن تصرف فيه تصرفًا لا ينقل الملك فالشفعة باقية، حتى في الرهن على القول الراجح خلافًا لما قال المؤلف رحمه الله، إذا تصرف تصرفًا لا ينقل الملك فالشفعة باقية؛ مثل الإجارة، الوصية، الرهن، العارية، وما أشبه ذلك، فالشفعة باقية.
وإن تصرَّف فيه بنقل الملك على وجه تثبت به الشفعة ابتداءً فهو ما ذكره المؤلف رحمه الله: (وببيع فله أخذه بأحد البيعين)، إذا تصرف في الشقص ببيع فله أخذه بأحد البيعين.


طالب: (... ) الوصية، فأوصى به، لو أنه مات بعد أن أوصى (... ). الشيخ: نعم.
فلو مات بعد أن أوصى به، (... ) الموصى إليه إذا كان معينًا أو جماعة يمكن حصرهم، هل قبلوا الوصية أو لا؟ إذا قبلوا الوصية سقطت الشفعة؛ لأن الوصية تبرع بالمال بعد الموت، أما إذا ردوها بقيت الشفعة.
طالب: لو رهن أحد الشريكين نصيبه عند المرتهن، ثم عجز عن الإيفاء، فباع المرتهن الشقص، فالشفيع يأخذ ممن اشترى الشقص؟ الشيخ: يأتي.
لأن اللي بيبيع ما هو بالمرتهن، اللي بيبيع نفس الراهن.
الطالب: لكنه لو باع المرتهن ما يمكن.. الشيخ: حتى لو باع فهو بالنيابة عن الراهن.
طالب: وحينئذ يأخذ الشفيع؟ الشيخ: يأخذ الشفيع، نعم.
طالب: (... ) هذا؛ لأنه تصرَّف حال كونه مالكًا للتصرف هذا، لكن أليس حق الشفيع سابقًا على حق هذا؟ الشيخ: إي، لكن ما يمكن إبدال الوقف.
الطالب: هذا مقتضى ما مشينا عليه في أول الباب؛ يعني: حق الشفيع لا يمكن أن يسقط بحق.
الشيخ: لا، ما قلنا بهذا، لكن على قولنا مسألة الإجارة فقط؛ لأن الإجارة ما فيها نقل ملك، يكون التصرف صحيحًا، وللشفيع أن يأخذ، وله الأجرة من حين أخذه.
الطالب: أليس الشفيع حقه ما يسقط؟ لعلمْنا أنه تركه أو تصرف تصرفًا يدل على رضاه بالتصرف هذا.
الشيخ: إي، لكن سقطت هذه بتصرف المشتري، إلا إذا علمنا أنه حيلة، فعلى الحيلة لا تبطل الشفعة.
الطالب: (... ) أن هناك فرصة للشفيع يفكر أو يجمع مال أو.. الشيخ: هذه المسألة فيها الفورية؛ هل تجب على الفور أو لا تجب؟ قلنا: إنها لا تجب على الفور.
الطالب: أليس هذا مما يترتب عليه، يا شيخ؟ الشيخ: لا، هذا يترتب عليه أن هذا الرجل لم يأخذ بالشفعة إلا بعد أن تصرف؛ يعني: بمعنى تصرف تصرفًا ينقل الملك على وجه لا شفعة فيه ولا يمكن أخذه.

طالب: رضي الله عنك يا شيخ، مضى علينا أن للكافر على قولين في الشفعة؛ قول اللي هو الشفعة، والقول اللي رجحته أن ما فيها الشفعة، وعلى هذا إذا كان فيها الشفعة يا شيخ (... ) على بيع الخيار، العلة الموجودة في الشفعة هو الإذلال من الكافر على المسلم، ما هي موجودة في الخيار يا شيخ، موجودة في الشفعة، ولا هي موجودة.. الشيخ: نعم، ولذلك قلنا: يرجع للقاضي، القاضي إذا رأى أن في هذا إذلال للمسلم وأنه ربما يتعالى الكافر، فحينئذ لا يمكنه من الشفعة، أما إذا كان الكافر رجلًا عاديًّا، ولا يهمه هذا الشيء، لكن من مصلحة ملكه أن يأخذ بالشفعة، فهذا كسائر المعاملات.
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، في مسألة الإجارة -أحسن الله إليك- المذهب يقولون: تنعقد الإجارة، وتكون الشفعة، وعند مذهب (... ) قلنا: إن انتقلت (... ) انتقل الملك إلى آخر الإجارة ما (... ). الشيخ: ولهذا بطلت.
الطالب: لكنهم يثبتون الشفعة.
الشيخ: لا، ما يثبتون الشفعة، في الإجارة ما يثبتونها.
الطالب: يقولون: تبطل الإجارة، وليس كذلك.
الشيخ: تبطل الإجارة من المشتري، المشتري أجَّر، وليس معناه أن الشريك هو الذي أجَّر، الشريك إذا أجر ما فيه شفعة، أصلًا ما فيه شفعة؛ لأنه ما انتقل الملك، لكن هذا الذي أجَّر هو المشتري.
طالب: مسألة (... ) الشفعة للكافر (... ) قضاء النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم (3) (... )، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141] كيف يعني؟ الشيخ: هذا في المحاكمة يوم القيامة، الله قال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ هذا ما هو بكل حق، هذا يوم القيامة، يكون الخصوم بين المسلمين والكفار، ولا يمكن أن يحكم الله للكافرين.
الطالب: (... ).

الشيخ: لا، واضحة الآية، السياق ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
طالب: والحديث؟ الشيخ: أي حديث؟ طالب: أن الإسلام يعلو ولا يُعلى.
الشيخ: ما يخالف، الإسلام نفسه يعلو ولا يعلى، ومن عُلُوِّه أن نمكن الكافر من من الشفعة؛ لئلا يقال: إن الإسلام دين حَيْف وجور، قد يكون في هذا مصلحة للمسلمين أيضًا.
وبِبَيْعٍ فله أَخْذُه بأحَدِ الْبَيْعَيْنِ، وللمُشترِي الْغَلَّةُ، والنَّماءُ والْمُنْفَصِلُ والزرْعُ والثمرَةُ الظاهرةُ، فإن بَنَى أو غَرَسَ فللشفيعِ تَمَلُّكُه بقِيمتِه وقَلْعُه ويَغْرَمُ نَقْصَه, ولربِّه أَخْذُه بلا ضَرَرٍ وإن ماتَ الشفيعُ قبلَ الطلَبِ بَطَلَتْ وبعدَه لوارِثِه ويأخذه بكلِّ الثمَنِ، فإن عَجَزَ عن بعضِه سَقَطَتْ شُفعتُه، والْمُؤَجَّلُ يَأخُذُه المليءُ به وضِدُّه بكَفيلٍ مَليءٍ، ويُقْبَلُ في الْخَلَفِ مع عَدَمِ الْبَيِّنَةِ قولُ الْمُشْتَرِي، فإنْ قالَ: اشْتَرَيْتُه بأَلْفٍ أَخَذَ الشفيعُ به ولو أَثْبَتَ البائعُ بأكثرَ، وإن أَقَرَّ البائعُ بالبيعِ وأَنْكَرَ الْمُشترِي وَجَبَتْ، وعُهدةُ الشفيعِ على الْمُشترِي وعُهدةُ الْمُشترِي على البائعِ.
طالب: (... ) قضاء النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم (... )، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ كيف يعني؟ الشيخ: هذا في المحاكمة يوم القيامة، كما قال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، هذا ما هو بكل حق، هذا يوم القيامة تكون الخصومة بين المسلمين والكفار، ولا يمكن أن يحكم الله للكافرين.
الطالب: العبرة بعموم اللفظ يا شيخ؟

الشيخ: لا، واضحة الآية، السياق: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
الطالب: والحديث؟ الشيخ: أي حديث؟ الطالب: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ» (1). الشيخ: ما يخالف، الإسلام نفسه يعلو ولا يُعلى، ومن علوِّه أن يمكِّن الكافر من الشفعة لئلا يقال: إن الإسلام دين حيف وجور، قد يكون في هذا مصلحة للمسلمين أيضًا، إذا مكَّنا الإنسان الذي له حق في عصمة ماله من أن يأخذ بالشفعة، قد يكون هذا من مصلحة المسلمين.
الطالب: قول السلف: لا شفعة (... )؟ الشيخ: ما يخالف، إذا قال هذا نقول: وقال الآخر له الشفعة.


طالب: (... ) وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الشفعة: فصل

وإن تصرف مشتريه بوقفه أو هبته أو رهنه -لا بوصية- سقطت الشفعة، وببيع فله أخذه بأحد البيعين، وللمشتري الغلة والنماء المنفصل والزرع والثمرة الظاهرة، فإن بنى أو غرس فللشفيع تملكه بقيمته وقلعه، ويغرم نقصه، ولربه أخذه بلا ضرر.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن تصرف المشتري في الشقص الذي به الشفعة ينقسم إلى ثلاثة أقسام، ما هي؟ طالب: القسم الأول (... ) ليتصرف فيه على وجه لا يثبت فيه الشفعة ابتداءً، ولا ينتقل فيه الملك.
الشيخ: أن ينتقل الملك على وجه لا تثبت فيه الشفعة ابتداءً.
ما الحكم؟ الطالب: هنا تسقط الشفعة.
الشيخ: تسقط الشفعة، أحسنت.
الثاني؟ طالب: أن ينتقل الملك على وجه لا تثبت الشفعة فيه.
الشيخ: هذا اللي قال.
الطالب: على وجه تثبت الشفعة، أو القسم الثاني إن انشغل الملك، عين الـ.. بالرهن.
الشيخ: لا، أعطنا قاعدة، الرهن مثال.

طالب: رضي الله عنك يا شيخ، الثاني انتقال الملك بدون عوض.
الشيخ: إي نعم، هذا الذي ذكر الأخ.
طالب: أن يتصرف فيه تصرفًا لا ينقل الملك.
الشيخ: طيب، أن يتصرف فيه تصرفًا لا ينقل الملك، فما الحكم؟ الطالب: لا تسقط الشفعة.
الشيخ: أنها لا تسقط الشفعة.
طالب: أن يتصرف تصرفًا تثبت فيه الشفعة.
الشيخ: أن يتصرف تصرفًا ينقل الملك على وجه تثبت به الشفعة ابتداءً.
ما الحكم؟ الطالب: (... )؟ الشيخ: تأتي، طيب.
إذا تصرف به بإجارة؛ آجر الشقص الذي به الشفعة، أتسقط الشفعة أو لا؟ طالب: لا تسقط الشفعة.
الشيخ: لا تسقط؟ يأخذ بالشفعة؟ الطالب: نعم، يأخذ بالشفعة.
الشيخ: أجره، طيب أخذ بالشفعة، تنفسخ الإجارة أو لا؟ الطالب: لا تنفسخ الإجارة على القول الصحيح.
الشيخ: لا تنفسخ الإجارة على القول الراجح، تمام.
إذا قلنا: لا تنفسخ، فما الحكم؟ طالب: (... ) للشفيع (... ) ينتقل إليه (... ). الشيخ: يعني: يكون للشفيع الأجرة من حين أخذ بالشفعة، كذا؟ يعني إذا مضى من الإجارة ستة أشهر من سنة، كم يكون له؟ الطالب: (... ) إنها ستة أشهر.
الشيخ: لكن كم يُعْطَى من الأجرة؟ الطالب: (... ) نصف الأجرة.
الشيخ: نصف الأجرة؟ ماذا تقولون؟ مضى من السنة ستة أشهر، وقلنا على القول الراجح: إنها لا تنفسخ الإجارة، كم للشفيع إذا أخذ بعد مضي ستة أشهر؟ طلبة: (... ). الشيخ: من يعرف؟ طالب: ربع الأجرة.
الشيخ: كيف ربع الأجرة؟ أجر سنة، ومضى ستة أشهر، وقلنا: الصحيح أن الإجارة هذه لا تنفسخ، كم يستحق؟ طالب: النصف الباقي.
الشيخ: نصف الأجرة ولَّا ثلثيه ولَّا ثلاث أرباعه؟ الطالب: نصف الأجرة.
الشيخ: كما قال الأخ، لا، يجب أن تلاحظوا، يجب له من الأجرة بقسط، قد يكون ما بقي من المدة زمن موسم، وتكون الأجرة فيه أغلى، فإذا كانت أغلى فإنه لا بد أن يقدر هذا الشيء، مثلًا إذا كان في المدينة أيام الحج يكون الأجرة أكثر وأغلى فهنا يُعْطَى بقسطه، ويجب أن نعرف هذا الفرق.

إذا رهنه -المشتري رهن الشقص- تسقط الشفعة أو لا؟ طالب: على المذهب تسقط.
الشيخ: وعلى غير المذهب؟ الطالب: لا تسقط.
الشيخ: وعلى ما مشى عليه المؤلف؟ الطالب: على ما مشى عليه المؤلف تسقط.
الشيخ: وعلى المذهب؟ الطالب: (... ). الشيخ: لا.
الطالب: على قول المصنف تسقط الشفعة، والمذهب أنها لا تسقط.
الشيخ: المذهب أنها لا تسقط.
فإذا أخذ بالشفعة أينفسخ الرهن أو لا؟ طالب: ليس له أن يأخذه بالشفعة (... )، فنقول له: إن أوفى المدين الدين فله أن يأخذه بالشفعة بعد ذلك.
الشيخ: هذا على القول الراجح، أما المذهب فيأخذه؛ لأن ما دام أن الشفعة باقية فله أن يأخذها وينفسخ، كالإجارة تمامًا.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وببيع فله أخذه بأحد البيعين) يعني: إن تصرف فيه ببيع، من الفاعل؟ المشتري؛ يعني: المشتري باعه على آخر، (فله) أي: للشفيع؛ وهو الشريك الأول، (أخذه) أي: أخذ الشقص، (بأحد البيعين).
مثاله: باع الشريك -وهو زيدٌ- على عمرو نصيبه من الملك، ثم باع عمرو نصيبه على بكر، فعندنا الآن بيعان؛ بيع زيد على عمرو، وعمرو على بكر، فبم يأخذ الشريك؛ أيأخذ بالبيع على عمرو، ولَّا بالبيع على بكر؟ يقول المؤلف: (له أخذه بأحد البيعين)، أيهما يفضل؛ أن يأخذ بالأقل ثمنًا أو بالأكثر ثمنًا؟ طلبة: بالأقل.
الشيخ: إي نعم، الغالب بالأقل، وقد يأخذ بالأكثر إذا كان هناك مماطلة.
باع الشريك -الذي هو زيد- على عمرو بمئة ألف، ثم إن عمرًا باعه على بكر بمئتي ألف، الشريك -شريك زيد- يأخذ بأي البيعين هنا؟ بالأول، إذا أخذه بالبيع الأول سوف ينتزع ملكه ممن؟ الطلبة: من الشريك الثاني.
الشيخ: منين؟ لا، بيع -يا جماعة- سيأخذه من بكر، وسيعطيه مئة ألف، فأين تذهب مئة الألف التي سلمها بكر؟ نقول: يرجع بها على من باع عليه.

أعيد المثال: باع زيد على عمرو نصيبه بمئة ألف، وباع عمرو ذلك النصيب بمئتي ألف على بكر، الشريك الأول يريد أن يأخذ بالشفعة، إذا أخذ بالبيع الأول، هو بيأخذ الآن من بكر، الملك الآن منتقل إلى بكر، سيأخذه الشريك من بكر، فكم يعطي بكرًا؟ مئة ألف.
بكر يقول: أنا سلمت مئتي ألف، نقول: ترجع بمئة ألف على عمرو الذي باع عليك.
طالب: (... )؟ الشيخ: يرجع على عمرو بمئة، إحنا قلنا: مئة ومئتين.
إذا كان العكس: زيدٌ باعه على عمرٍو بمئتي ألف، وعمرٌو باعه على بكرٍ بمئة ألف، فالشريك الآن سيأخذ بأي البيعتين؟ بالثانية، لا شك أنه يأخذ بالثانية، إذا أخذ بالثانية سوف يعطي بكرًا مئة ألف وينتهي، بكرٌ لن يرجع على أحد، لماذا لا يرجع؟ لأنه ما ضمن شيئًا، سلَّم مئة ألف، وأخذ منه الشقص، وأُعْطِي مئة ألف.
المهم أنه إذا بيع فللشفيع أخذه بأحد البيعين، وإن بيع ثلاث مرات أو أربع مرات يأخذ باللي يبغي؛ باللي يرى أنه أنسب له، سواء أول بيعة أو آخر بيعة أو ما بينهما، والرجوع كل يرجع على من أخذه منه بما زاد على ما أعطي.
ثم قال المؤلف: (وللمشتري الغلة والنماء المنفصل والزرع والثمرة الظاهرة) (للمشتري) يعني: لمشتري الشقص، (الغلة والنماء المنفصل والزرع والثمرة الظاهرة)، (الغلة) مثل أن يكون هذا النصيب مؤجرة؛ يعني: رجلان شريكان في عمارة، وأجراها السنة بمئة ألف، ثم إن أحد الشريكين باع نصيبه على شخص، وخفي على الشريك أنه باع حتى مضى أربعة أشهر، فالغلة في هذه الأربعة أشهر لمن؟ للمشري.
التعليل: لأنه نماء ملكه، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (2)، فهو ملكه مضمون عليه، فتكون له غلته.
له أيضًا (النماء المنفصل)، مثاله: رجل باع نصيبه من النخل قبل أن يثمر؛ قبل أن تطلع فيه الثمرة، ولم يطالب الشريك إلا بعد أن خرجت الثمرة وجذها، الآن انفصلت الزيادة، أليس كذلك؟ من تكون له؟ تكون للمشتري؛ لأنها نماء ملكه.

كذلك (الزرع والثمرة الظاهرة) لو أنه -أي: الشريك- باع على شخص وزُرِعَت الأرض، فالزرع لمن؟ للمشتري، ما دام أنه قد ظهر، أما إذا كان حبًّا مدفونًا في الأرض فإنه يتبعها، لكن إذا ظهر فإنه يكون للمشتري؛ لأنه بَرَزَ وبان وتعلقت به نفسه.
وكذلك (الثمرة الظاهرة) تكون أيضًا للمشتري حتى وإن لم تؤبر، ففي هذا الموضع لم يفرقوا بين المؤبر وغير المؤبر، وجعلوا الثمرة الظاهرة نماء منفصلًا.
ولكن الصحيح أنها إذا لم تؤبر فإنها تتبع؛ قياسًا على البيع، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا» (3). وعُلِمَ من قول المؤلف: (النماء المنفصل) أن النماء المتصل يتبع وليس للمشتري منه شيء.
مثاله؟ طلبة: الشاة.
طلبة آخرون: السمن.
الشيخ: الشاة والسمن ما فيها شفعة -بارك الله فيكم- وهذا ما أريد منكم، الآن عندكم مطب، لا يمكن أن نمثل بالسمن؛ لأن الغنم ما فيها شفعة إلا على القول الراجح.
لكن مثاله: اشترى نصيب زيدٍ من النخل، والنخل توه غراس صغيرة، وبقي الشريك لم يعلم أن شريكه قد باع، ونما النخل؛ كبر، فهل للمشتري هذا النماء أو ليس له؟ كلام المؤلف مفهومه يدل على أنه ليس له؛ لأنه نماء متصل، مع أن المشتري تعب عليه، وخسر في إصلاح حرث الأرض وفي جلب الماء له.
المهم أنه خسر عليه، يقولون: ليس له شيء؛ لأن هذا نماء متصل فيتبع.
لكن القول الراجح -بلا شك- أن النماء المتصل كالمنفصل يكون لمن انتقل عنه الملك، ولا فرق، وهذا هو العدل؛ لأن الرجل تعب عليه، ونما بسبب عمله، ومثل ذلك الشاة في غير الشفعة، إلا على القول الراجح إذا سمنت فإن النماء المتصل يكون للمشتري.
إذن الصواب خلاف مفهوم كلام المؤلف، كلام المؤلف يدل على أن النماء المتصل يتبع العين، وليس للمشتري شيء.

والقول الراجح أنه لا يتبع -أنه يتبع العين ضروري؛ لأنه ما يمكن الفصل- لكن تُقَدَّر قيمته للمشتري، كيف يُقَدَّر؟ يُقَوَّم النخل وهو فسيل صغير، ويُقَوَّم وهو كبير قد نما، فتُقَوَّم الأرض وفيها النخل على صفته حين البيع، ثم تُقَوَّم وفيها النخل على صفته حين الأخذ بالشفعة، والفرق بين القيمتين يكون لمن؟ يكون للمشتري؛ لأنه قيمة النماء المتصل.
وهذا اللي ذكرته هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولا شك أن هذا هو العدل؛ فالعدل أن يُعْطَى كل إنسان ما تعب عليه وعمل فيه.
(فإن بنى أو غرس فللشفيع تملكه بقيمته) هذه واحدة، (وقلعه ويغرم نقصه) ثنتين، (ولربه أخذه بلا ضرر).
أولًا: قال المؤلف: (فإن بنى أو غرس) مع قوله فيما سبق: إن الشفعة تكون على الفور.
كيف يكون بناء وغراس والشفعة على الفور؟ نعم، يكون هناك حيلة؛ بأن يُخْفِي على الشريك البيع، يأتي المشتري وكأنه وكيل لشريكه ثم يعمل، والشريك يظن أن هذا وكيل ولا يدري أنه انتقل الملك، وبعد ذلك يدري أنه انتقل الملك، فحينئذٍ يُتَصَور أن المشتري يبني ويغرس.
إذا بنى أو غرس فيخير الشفيع بين أمرين: بين تملكه، أو قلعه ويغرم النقص، فإن اختار التملك فله ذلك.
ولكن كيف نعرف قيمة الغراس والبناء؟ نقدر الأرض خالية منهما، ثم نقدرها وهما فيها، والفرق بين القيمتين هو قيمة الغراس والبناء.
فإن قال قائل: لماذا لا نعطيه قيمة الغراس والبناء من أصله، ونقول: أعطنا الفواتير بما أصرفت ونعطيك؟ نقول: هذا لا يستقيم؛ لأن الأمور قد ترخص وقد تزيد، وقد يكون قيمة المواد قبل أن تبنى ويؤلف بينها شيئًا وقيمتها بعد البناء شيئًا آخر، والعدل هو أن تُقَوَّم الأرض خالية من الغراس والبناء، ثم تُقَوَّم وفيها الغراس والبناء، فما بين القيمتين يكون هو قيمة الغراس والبناء.
فإذا قال الشفيع: أنا أريد أن يبقى الغراس والبناء وأنا أعطيكم القيمة، قلنا: ما فيه مشكلة.

وإن قال: أنا لا أريد أن يبقى الغراس والبناء؛ لأني أريد أن أبني الأرض على شكل آخر على غير الشكل هذا، فهل له الحق أن يقلعه؟ نعم، له الحق.
فإذا قال المشتري: هذه أدواتي وآلاتي، هذا حديدي، هذا لبني، هذه أبوابي، فلا تتصرف فيها، نقول له: تصرف فيها واقلعها، لكن يغرم النقص.
فإذا قدَّرنا أن الأبواب نقصت بعد قلعها يضمن نقصها؛ اللَّبِن نقص، يمكن هذا أو لا يمكن؟ يقولون: إن الأسمنت لا يمكن؛ لأنه إذا نقض خرب ما يصلح لشيء، لكن لَبِن الطين يمكن، ولهذا أنقاض الطين من اللبن تنفع.
أنقاض من الأسمنت ما تنفع.
على كل حال إن نفعت نفعت يضمن النقص.
الغراس يضمن النقص أو لا؟ يضمن النقص؛ إذا نقصت الشجرة بعد قلعها يضمن نقصها، فإن كانت الشجرة بعد قلعها لا يمكن أن تنمو يضمنها كلها.
فإذا قال قائل: لماذا تضمنونه النقص، وفي الغصب لا تجعلون للغاصب حقًّا؟ نقول: لأن المشتري غرسها وبنى بحقٍّ، والغاصب غرس وبنى بلا حقٍّ فلا شيء له.
يقول: (ولربه أخذه بلا ضرر) إذا تعارض رأي المالك -مالك الغراس والبناء- ورأي الشفيع؛ الشفيع يقول: أبغي آخذه، وذاك يقول: لا، أبغي أخذه أنا، من يُقَدَّم؟ طلبة: (... ). الشيخ: رب الغراس والبناء؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟ طالب: لأنه صار ملكه.
الشيخ: لأنه ملكه.
فإذا قال الشريك الذي هو الشفيع: أنا أريد أن آخذه وثمنوها علي، وقال ربها: أريد أن آخذها، أنا لي -مثلًا- مكان آخر، آخذ الغراس هذا وأغرسه في مكانه، فالقول قول ربها؛ لأنه ملكه.
لكن المؤلف رحمه الله قيَّد هذا قال: (بلا ضرر) ولا بد من هذا؛ بلا ضرر ولا مضارة، فإن كان هناك ضرر فإنه لا يمكن أن يزال الضرر بمصلحة؛ لأن أخذ ربها له مصلحة له، لكن ضرر رب الأرض ضرر.

ومن المعلوم أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، لا سيما إذا علمنا أن صاحبها -أي: المشتري- يريد أن يأخذ الغراس، والبناء مضارة لا لمصلحة، وهذا قد يقع؛ قد يأخذها مضارة وإن كان لا ينتفع بها، يقول: أنا أبغي أهدم البناء، وأنا أعرف الآن أنني لا أنتفع بالحديد ولا باللَّبِن، لكن أنا أريد أن أهدمه، نقول: هذا سفه، ولا يمكن أن نمكنك من السفه؛ فإن الله يقول: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5]، فنمنعه.
إذن نمنعه في حالين: إذا كان على الأرض ضرر، وإذا كان هو -أي المشتري- لا ينتفع بها، فيكون زدنا على كلام المؤلف: (بلا ضرر)، والثاني: أن يمكنه الانتفاع بها؛ لأنه إذا كان ضرر فإنه لا يمكن أن يقع الإنسان في ضرر مع مصلحة؛ لأن دفع الضرر مقدم على المصلحة.
وإذا كان لا ضرر لكن يفسد هذا الغراس والبناء فإننا لا نُمَكِّن المشتري من ذلك؛ لأن هذا من باب إضاعة المال والسفه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال (4)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
الغريب أن المذهب رحمهم الله يخالفون كلام المؤلف يقولون: له أخذه ولو تضررت الأرض؛ ولو مع ضرر، لكن هذا القول -أعني: المذهب- ضعيف، وهذا يدلنا على أن صاحب الكتاب لم يلتزم بالمذهب في جميع المسائل، وهذا كثير لمن تدبره؛ يعني: لو أن أحدًا تدبَّر الكتاب هذا منطوقًا ومفهومًا وإشارة لوجد فيه أشياء كثيرة تخالف المشهور من المذهب.
طالب: (... ) وعلى البناء لا أريده؛ لأني أريد أن أبني على نسق معين، فلماذا تلزمونني بقاء هذا البنيان؛ لأن المشتري فقط يتضرر من (... )؟ الشيخ: نقول: هو وضعه بحق؛ المشتري وضعه بحق.. الطالب: (... ) قلنا: إنه يأتي حيلة كأنه وكيل؟

الشيخ: لا، هو على كل حال إذا كان حيلة ربما يكون للقاضي الحق أن يعامله بضد ما أراد، لكن إذا وقعت غير حيلة، أما إذا كان حيلة فيتوجه أن يقال: أنت فعلت هذا على وجه محرَّم فلا شيء لك.
الطالب: (... ) حتى لو كان بحق؟ الشيخ: لا، إذا كان بحق فمفهوم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (5) أن العرق غير الظالم له حق، وهذا ربما يخسر آلاف.
الطالب: (... ) حق سابق على حقه؟ الشيخ: لا، بس هذا بحق.
الطالب: (... )؟ الشيخ: ما دام مشروع كبير بيكون الربح كثير، ويكون ضمانه يسير إن شاء الله.
طالب: كيف نعرف أنه أراد المضاربة أو لم يرد المضاربة؟ الشيخ: إي، إن أراد المضاربة إذا كان يريد أن يأخذها وهي لا تفيده شيئًا، الغالب أن مثل هذا أراد المضاربة أو يتحدث الرجل عند أصحابه يقول: واللهِ هذا الذي أخذها مني قهرًا لأضرنه -مثلًا- قد يكون هذا.
طالب: (... ) فيكون ثمنه رهنًا بدلًا منه؟ الشيخ: يمكن أن نقول هكذا، لكن الذي سيستفيد من الثمن هو المشتري، وربما يقول المرتهن: أنا لا أريد إلا رهني فقط، أنا لا أريد دراهم.
طالب: (... )؟ الشيخ: إي نعم، يقولون: إن المذهب هو ما جاء في المنتهى -منتهى الإرادات- فإن لم يكن صريحًا فيه فالإقناع، فإذا تعارض منطوق هذا ومفهوم هذا قُدِّم منطوق القناع على مفهوم المنتهى؛ يعني: لهم اصطلاحات العمدة عند المتأخرين في المذهب هو المنتهى.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- القول الصحيح الذي رجحناه لو اشترى (... )؟ الشيخ: الولد هل هو موجود حين البيع ولَّا نشأ بعد؟ أسألك: هل الولد موجود في بطنها حين البيع؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يتبع، إذا كَبُرَ فعلى القول الراجح أن النماء المتصل يتبع، فيُقَدَّر هذا الثور -مثلًا- وهو حمل ويُقَدَّر وهو ثور كبير.
الطالب: والبقرة يا شيخ؟ الشيخ: والبقرة أيضًا مثله.
ما شاء الله، المهم المنفصل يكون للمشتري.

طالب: يا شيخ، واحد الشريكين باع نصيبه لأحد، وهذا مشترٍ بنى الأرض، لكن في نفس الوقت (... ) باعه نصفه لأحد (... )؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: المشتري الآن بنى (... ). الشيخ: بنى، ثم باع بعد البناء.. الطالب: شيئًا من الأرض.
الشيخ: أصلًا ما يمكن يبيع شيئًا من الأرض منفردة؛ لأن الأرض مشاعة الآن.
طالب: (... ) إذا تصرف المشتري.. ؟ الشيخ: إذا تصرف بنقل الملك على وجه لا تثبت فيه الشفعة ابتداءً تسقط.
الطالب: (... )؟ الشيخ: إي، بس الآن لا يمكن الأخذ به، والمشتري تصرف تصرفًا مأذونًا فيه.
الطالب: (... ). الشيخ: لا، دعنا من..، القول الراجح يأخذه حتى لو تصرف، حتى وإن لم يبع، القول الراجح شيء آخر.
طالب: على القول الراجح يأخذه يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم، يأخذه ويُقَوَّم له.
طالب: أحسن الله إليك، لو أخفى أحد الشريكين البيع، فهل على المشتري (... )؟ الشيخ: الواجب على البائع، لكن المشتري إذا أراد أن يحتاط لنفسه قبل أن يتصرف فليبلغ الشريك؛ لأن هذا أحسن له حتى يكون كما يقول العوام: (... ). طالب: شيخ -بارك الله فيكم- لو أن الشفيع اختار قلع الغراس، ولكن المشتري ليس عنده ما يقلع به هذا الغراس، فهل للشفيع أن ينتفع به بالمعروف حتى يقلعه من أرضه؟ الشيخ: لا، هو يأخذه بالشفعة، ويبقى هذا للمشتري، إما يأخذه -إذا كان نخل- يأخذه مساقاة، وإذا كان بناء فله نصيبه من الأجرة، أو يقول: أنا أعطيك قرضًا أو أقلع.
الطالب: يعني: لا بد من أحد الخيارين؟ الشيخ: لا بد من هذا، ما يضيع حقه، وضمان القلع على المشتري؛ لأنه ملكه.


طالب: وإن مات الشفيع قبل الطلب بطلت، وبعده لوارثه، ويأخذه بكل الثمن، فإن عجز عن بعضه سقطت شفعته، والمؤجل يأخذه المليء به، وضده بكفيل مليء.
ويُقْبَل في الخلف مع عدم البينة قول المشتري، فإن قال: اشتريته بألف أخذ الشفيع به ولو أثبت البائع بأكثر، وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري وجبت.

وعهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
سبق الكلام على تصرف المشتري بالشقص الذي فيه الشفعة أنه على ثلاثة أقسام، وناقشنا فيها أيضًا.
وتقدم أيضًا أن المشتري لو بنى أو غرس فللشفيع الخيار بين تملكه بقيمته وقلعه، ويغرم نقصه، وأن خيار الغارس الذي هو المشتري مقدم، بشرط ألَّا يكون في ذلك ضرر.
فلو قال الشفيع: أنا أريد أن أتملكه، وقال الباني والغارس: أنا أريد أن آخذه فإنه يقدم قوله، لكن بشرط ألَّا يكون هناك ضرر على الأرض مثلًا.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وإن مات الشفيع قبل الطلب بطلت وبعده لوارثه) إذا مات الشفيع -وهو الشريك الأول- قبل أن يطالب بالشفعة فإن الشفعة تبطل، وليس لوارثه المطالبة بذلك، أما إذا كان بعده فإن الوارث يأخذ بها، المطالبة أن يقول: أنا أريد أن أشفع، ولي الحق في هذا، والأخذ أن يقول: أخذته بالشفعة، فيصرح بأنه تملكه.
يشبه من بعض الوجوه الخطبة والعقد؛ الخطبة إبداء الخاطب الرغبة في هذه المرأة، والعقد تملكه إياها بعقد النكاح.
فالشفيع إذا مات قبل أن يطالب فإنه لا شفعة له؛ لأنه لم يطالب، ولا لوارثه؛ لأن الشفعة حق للشفيع؛ حيث إن الخيار له، فلما مات ولم يختر لم يكن لوارثه أن يختار، كخيار الشرط.
ولكن القول الراجح في هذه المسألة أنه ينتقل حق المطالبة بالشفعة إلى الوارث؛ لأن هذا تابع للملك، فإذا مات الشفيع ولم يطالب، فللوارث أن يطالب؛ لأن هذا من حقوق الملك، فإذا كان من حقوق الملك فإن الملك ينتقل بحقوقه؛ ولهذا نجد في وثائق البيع يقول: فصار المبيع ملكًا للمشتري بجميع حقوقه وحدوده، ومنها الأخذ بالشفعة، وهذا هو الصواب؛ لأنه حق ثابت، فيورث عن الميت كما يورث المال، وكما يورث بقية الحقوق.

قال: (ويأخذ بكل الثمن) (يأخذ) الضمير يعود على الشفيع وليس على الوارث، بل على الشفيع عمومًا؛ يعني: من أراد أن يأخذ الشقص بالشفعة فإنه يأخذه بكل الثمن؛ بدون مماكسة، وبدون أن يحاول تنزيل شيء من الثمن؛ لأن المشتري -مثلًا- اشتراه بألف، فيقال للشفيع: خذه بألف، فإذا قال: أنا آخذه بتسع مئة، قلنا: سقطت شفعتك، ولا تأخذه بأقل من ألف، نعم لو تم الأخذ ثم قال الشفيع للمشتري: أريد أن تسقط عني مئة من الألف، فهذا حكمه؟ هذا جائز، لكنه لا ينبغي أيضًا للشفيع أن يسأل المشتري إسقاط شيء؛ لأن هذا من المسألة المذمومة، ولأنه قد يحرج المشتري، فيضع من الثمن وهو لا يريد ذلك.
(فإن عجز عن بعضه سقطت شفعته) (إن عجز) الفاعل الشفيع، إذا قال: أنا ليس عندي إلا تسعة آلاف، والثمن عشرة آلاف، سقطت الشفعة؛ لأننا لو قلنا بثبوت الشفعة مع إعساره ببعض الثمن صار في ذلك ضرر على من؟ على المشتري، صار في ذلك ضرر على المشتري، والمشتري سيؤخذ منه الملك قهرًا، فكيف نضره من وجهين؛ من جهة أننا أخذناه منه قهرًا، ومن جهة أننا عاملناه بالأشد من جهة الثمن.
(فإن عجز عن بعضه سقطت شفعته).
ثم قال: (والمؤجل يأخذه المليء به) (والمؤجل) يعني: الثمن المؤجل، فالمؤجل هنا صفة لموصوف محذوف، التقدير: الثمن المؤجل.
(يأخذه) الضمير يعود على الشفيع؛ وهو الشريك؛ يعني: الفاعل في (يأخذه) يعود على الشفيع؛ وهو الشريك.
وقوله: (الملي) الملي هو القادر بماله وحاله.
هذا الملي؛ القادر بماله بمعنى أن يكون عنده مقدار الثمن، والقادر بحاله ألَّا يكون مماطلًَا.
فمثلًا إذا قُدِّر أن الشفيع فقير والثمن مؤجل؛ بأن يكون الشريك باع هذا الشقص بألف ريال إلى سنة، أراد الشريك أن يأخذ الشقص المبيع، نقول: خذه بثمن حاضر أو مؤجل؟ طلبة: حاضر.
طلبة آخرون: مؤجل.

الشيخ: سبحان الله! نقول: إذا كان مليًّا أخذه بثمنه المؤجل، فإذا كان يحل بعد سنة أخذه المليء لمدة سنة، فإذا كان فقيرًا -أعني الشفيع- وقال: الثمن لم يحل، وسوف يرزقني الله عز وجل في هذه المدة وأوفي، نقول: نعم، إن الله على كل شيء قدير، لكن هات كفيلًا يضمن؛ ولهذا قال: (وضده بكفيل مليء) هات كفيلًا يضمن.
فإذا حَلَّ الأجل ولم يسلم الشفيع أخذنا من الكفيل، فإذا كان الكفيل معسرًا سقطت الشفعة، إذا كان الشفيع غنيًّا؛ عنده مال لكنه معروف بالمماطلة، فالمماطل كالمعسر تمامًا، وإن كان المماطل يمكن لصاحب الحق أن يطالبه ويحبسه عليه، لكن المشتري يقول: أنا ما لي وللمطالبة؟ فهذا رجل معروف بالمماطلة؛ فلا أقبل منه إلا إذا أقام كفيلًا مليئًا.
ويُشْتَرط أيضًا أن يكون المشتري الذي سيؤخذ منه الشقص قادرًا على مطالبته؛ أي: مطالبة الشفيع، فلو فُرِضَ أن الشفيع من ذوي السلطان الذين لا تمكن مطالبتهم والثمن مؤجل؛ بأن يكون الشريك باع نصيبه على شخص بألف ريال إلى سنة، فأراد الشفيع أن يأخذ الشقص بثمنه المؤجل، وكان هذا الشفيع من ذوي السلطان الذين لا تمكن مطالبتهم، فماذا يكون الحكم؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: (... ). الشيخ: نقول: أقم كفيلًا مليئًا تمكن مطالبته، وإلا فلا شفعة لك، من المعلوم أن مثل هذا المليء المماطل لكونه ذا سلطان لا يمكن لأحد أن يجرأ عليه، فيقول: أقم كفيلًا، هذا شيء متعذر حسب العادة، فللمشتري الآن أن يمنع من أخذه بالشفعة؛ وذلك لأنه لا يمكنه مطالبته عند حلول الأجل، ولا يمكنه أن يطالبه بكفيل مليء.
أليس كذلك؟ الطلبة: بلى.
الشيخ: لا يمكن، كذلك إذا كان المشتري لا يمكن أن يطالب الشفيع لكونه أباه؛ لأن الابن لا يمكن أن يطالب أباه إلا بنفقته الواجبة، الابن إذا كان له على أبيه دين فإنه لا يمكنه مطالبته، حتى لو طالبه عند القاضي فالقاضي لا يسمع دعواه إلا في شيء واحد؛ وهي النفقة الواجبة.

فإذا كان الشفيع في المثال الذي ذكرنا أبًا للمشتري، وقال المشتري: لا يمكن أن يأخذه أبي؛ لأن أبي لا يمكنني مطالبته، فهل نقول: إن له أن يمتنع، أو نقول: إذا كان الأب يتملك من مال ولده ما شاء فليس لولده أن يمتنع؟ طالب: الأول.
الشيخ: لا، الثاني؛ لأنه لو فُرِضَ أن الأب قال: أنا لا أريد أن آخذه بالشفعة، أنا أريد أن آخذه بالتملك، أيملك هذا أو لا؟ يملك، فإذا أخذه بالشفعة زاد الابن خيرًا؛ لأنه إذا أخذه بالشفعة فسوف يدفع الثمن، ولا يأخذه بالقوة.
إذن يشترط بالإضافة إلى قولنا: إن المليء هو الذي يقدر على الوفاء بماله وحاله، نضيف إلى ذلك: ويشترط ألَّا يلحق المشتري ضرر؛ لكونه لا يستطيع مطالبته، والمثال الذي ليس عليه توجيه اعتراض هو أن يكون الشفيع من ذوي السلطان الذين لا تمكن مطالبتهم.
(وضده بكفيل ملي) (ضده) ضد من؛ ضد المؤجل ولَّا ضد الملي؟ ضد المليء؛ يعني: إذا كان الشفيع غير مليء والثمن مؤجلًا فللشفيع أن يأخذه ولو كان فقيرًا، بشرط أن يقيم كفيلًا مليًّا.
وهنا نقول: هل المراد الكفيل بالبدن أو الكفيل بالمال؟ الثاني، وعلى هذا فالكفالة هنا بمعنى الضمان.
ولقد مرَّ عليكم فيما سبق أن الضمان والكفالة بينهما فرق، لكن هنا المراد بالكفالة الضمان، الذي يسميه العامة عندنا كفيلًا غرامًا؛ يعني: أنه ضامن، (وضده بكفيل ملي).
ثم قال: (ويُقْبَل في الخلف مع عدم البينة قول المشتري) يعني: إذا اختلف الشفيع والمشتري -والمثال لا يزال قائمًا- فقال الشفيع: قيمة الشقص ألف، وقال المشتري: بل قيمته ألف ومئة، فمن القول قوله؟ القول قول المشتري؛ لأن المشتري غارم؛ إذ إنه سيؤخذ منه الشقص -لو قُبِلَ قول الشفيع- بأقل مما غرم، فيكون القول قول المشتري.
لكن لو كان هناك بينة على أن البيع بألف، فالقول ما شهدت به البينة، وهنا يجب أن ننتبه إلى شيئين:

الشيء الأول: كل من قلنا: القول قوله فلا بد من يمين عليه؛ لاحتمال صدق خصمه، فيحلف.
هذه واحدة.
الشيء الثاني: ألَّا تكون دعواه مخالفة للعرف، فإن كانت مخالفة للعرف سقطت، فلو ادَّعى المشتري في المثال الذي ذكرنا أن قيمة الشقص عشرة آلاف وهو لا يساوي إلا ألفًا.
قل لي يا أخي، ماذا تقول؟ طالب: (... ). الشيخ: ما هو المثال الذي ذكرنا؟ الطالب: (... ) ولا يساوي إلا ألفًا.
الشيخ: القول قول المشتري.. الطالب: في هذا المثال (... ). الشيخ: قول من؟ الطالب: قول الشفيع.
الشيخ: طيب، قول الشفيع، وهذا أيضًا إذا أمكن؛ لأن كل دعوى لا تمكن غير مقبولة، فإذا كان هذا الشقص لا يساوي عشرة آلاف؛ لا يساوي إلا ألفًا إن زادت قيمته، فالقول قول الشفيع ويحلف، وإذا كان يساوي خمسة آلاف فهنا لا نقبل قول الشفيع ولا قول المشتري؛ لأن المشتري زاد خمسة آلاف على المعتاد، وهذا نقص أربعة آلاف عن المعتاد فلا يُقْبَل.
وهذه قاعدة عامة في كل الدعاوى.
ما هي القاعدة العامة؟ طلبة: (... ). الشيخ: طيب، قلها يا أخ.
طالب: (... ) القول قوله حلف.. الشيخ: أن كل من قيل القول قوله فلا بد من يمينه، لاحتمال؟ الطالب: صدق خصمه.
الشيخ: والثاني؟ الطالب: أن ما (... ) العرف لا (... ) أصلًا.
الشيخ: أن هذا مشروط بما لا يخالف العرف، فإن خالف العرف فإنه لا يُقْبَل.
(ويُقْبَل في الخلف) (في الخلف) أي: في الاختلاف، اختلاف من؟ الشفيع والمشتري، (قول المشتري) فإن قال -أي المشتري-: اشتريته بألف، أخذ الشفيع به ولو أثبت البائع بأكثر.
إذا قال المشتري للشفيع: الثمن ألف ريال، فإن الشفيع يأخذه بكم؟ بألف ريال، لكن البائع قال للمشتري: قد بعت عليك بألفين، وأقام بينة، فهنا يثبت على المشتري ألفان بمقتضى دعوى البائع الثابتة بالشروط.
بقي علينا: هل يثبت على الشفيع ما ثبت على المشتري ونقول: يجب على الشفيع أن يدفع ألفين، أو نقول: لا يلزم الشفيع إلا ما أقر به البائع وهو ألف؟

يقول المؤلف: (فإن قال: اشتريته بألف أخذ الشفيع به ولو أثبت البائع بأكثر) لماذا؟ التعليل: لأن البائع لما أثبت أنه بألف بالبينة لزم المشتري ما شهدت به البينة، أما بالنسبة للشفيع فالشفيع يقول: أنا لا يلزمني إلا ما أقر به المشتري، والمشتري أقر بأنه كم؟ بأنه بألف، فلا يلزمني أكثر مما أقر به، وكيف أعطيه ألفين وهو يقول: إني اشتريته بألف؟ ! فصار لدينا الآن حقان: الحق الأول حق البائع على المشتري، وثبت أنه بألفين.
والثاني حق المشتري على الشفيع، وثبت بأنه بألف بإقرار المشتري.
ومنها تتبعض الأحكام باختلاف أسبابها.
ولكن لو قال المشتري: أنا نسيت أو غلطت، أو أنا رجل لا أدري عن تجارتي؛ تجارتي بيد العمال، فظننت أنه بألف فقلت: بألف، فهل يُقْبَل قوله في هذه الحال أو لا؟ لا يُقْبَل، وقالوا: إن غلطك على نفسك، وإن جهلك على نفسك، وإن نسيانك على نفسك، ولا نقبل قولك، لا عذر لمن أقر، وهذا هو المشهور من المذهب كما علمتم.
والقول الثاني في المسألة: أنه إذا كان المشتري معروفًا بالصدق وقال: إني نسيت الثمن أو غلطت؛ أردت أن أقول: ألفين فقلت: ألف، أو أنا رجل لا أباشر أعمال التجارة، يباشرها غيري، وهذا الذي ظننته، فما المانع من أن نقبل قوله، ولكن باليمين؟ وهذا القول هو الراجح، بل المتعين؛ لئلا تضيع الحقوق، ولأننا أثبتنا أن على المشتري كم؟ ألفين بمقتضى الشهادة التي أتى بها البائع، والمسألة كلها صفقة واحدة تعتبر، فلا يمكن أن نبعضها، والسبب واحد.
إذن الصواب أنه إذا ثبت أن البيع بأكثر مما أقر به المشتري؟ طالب: (... ). الشيخ: ما هو القول الراجح؟ الطالب: إذا كان المشتري صادقًا.. الشيخ: صادق بأيش؟ الطالب: بنفسه في الثمن (... ). الشيخ: هو قال: بألف اشتريته، وثبت أنه بألفين، ثم قال: إنه غلط أو نسي أو جاهل؟ الطالب: نقبل قوله بيمينه.

الشيخ: على القول الراجح؟ إي نعم، يُقْبَل قوله بيمينه؛ لأن ما قاله محتمل، وهو رجل معروف بالصدق، فتعين أن نعطيه ما ثبت دون ما أقر به.
قال: (ولو أثبت البائع بأكثر) فإن أثبت البائع بأقل -عكس المسألة- وهو قال: اشتريته بألف، وأثبت البائع أنه بثمان مئة، فماذا نقول؟ طلبة: قول البائع.
الشيخ: نقول: إن هنا يأخذه الشفيع بما أثبته البائع؛ لأنه ظهر كذب المشتري أو غلطه أو جهله.
أفهمتم الصورة هذه؟ المشتري قال: إني اشتريته بألف، وأثبت البائع أنه اشتراه بثمان مئة، لدينا الآن دعوى المشتري أنه بألف، وثبوت أن الثمن ثمان مئة، فهل نأخذ بدعوى المشتري ونلزم الشفيع بألف، أو نأخذ بما ثبت؟ هنا نأخذ بما ثبت؛ لأنه تبين أن المشتري كاذب؛ إما متعمدًا الكذب، وإما غالط، وإما جاهل.
(وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري وجبت) وجبت أي: الشفعة، إذا قال البائع: إني بعت نصيبي.
والبائع هنا مشارك ولَّا مستقل؟ طلبة: مشارك.
الشيخ: إذا قال البائع للشريك: إني بعت نصيبي على فلان، وقال فلان: لم أشتره منه، يقول المؤلف: (وجبت) أي: الشفعة؛ لأن البائع الآن أقر بأن الملك انتقل إلى من؟ إلى المشتري، وبإقراره تثبت الشفعة، ولا نلزم المشتري بذلك؛ لأنه ليس عند البائع إلا الدعوى، أما لو أقام بينة بأنه باعه فالأمر واضح، لكن ليس فيه إلا دعوى البائع، فصار الكلام الآن إقرار ودعوى؛ إقرار بالنسبة للشفيع، ودعوى بالنسبة للمشتري.
أصل المسألة: أن البائع أقر بالبيع على فلان وفلان، قال: لم تبع عليَّ.
فهنا نقول: تضمن قول البائع إقرارًا ودعوى، إقرار أيش؟ أنه باع، وإذا أقر بالبيع فلزم هذا البيع ثبوت الشفعة.

ودعوى على من؟ على المشتري؛ المشتري يقول: أبدًا، أنا ما اشتريت، المشتري بريء حتى يقيم البائع البينة، فالمشتري الآن ليس عليه شيء.
والصواب أن نقول بالتعبير: المدعى عليه الشراء؛ لأنه لم يثبت أنه مشترٍ، هذا لا شيء عليه، ولكن تثبت الشفعة، فيقال للبائع: بكم بعت؟ قال: بعت بألف، يأخذ الشفيع بكم؟ بألف.
يقول رحمه الله: (وعهدة الشفيع على المشتري) العهدة هي ما نعرفه بالمسؤولية، هذه العهدة مسؤولية الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع، كيف العهدة؟ يعني: لو ظهر أن الشقص مغصوب أو أنه ملك لغير البائع أو ما أشبه ذلك أو أن البائع باعه على شخص ثم باعه مرة أخرى -وهذا ربما يقع- فالعهدة على من؟ عندنا ثلاثة: بائع ومشترٍ وشفيع، عهدة الشفيع على المشتري، الشفيع ما يدور أحد إلا المشتري، لو أن الشفيع ذهب إلى البائع وقال: وجدت أن الأرض بها عيب؛ أن الأرض مملوكة، أن الأرض مرهونة، فهل يملك أن يطالبه؛ أعني: الشفيع يملك أن يطالب البائع؟ لا، سيقول البائع له: وجهك على المشتري، أنا ما بعت عليك ولا شيء.
إذن عهدة الشفيع على المشتري بالتسلسل، عهدة المشتري على البائع.
فلو أن الشفيع طالب البائع بالعهدة فإنه ليس له حق، إلا في مسألة مرت علينا؛ إذا أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري، فهنا عهدة الشفيع على من؟ على البائع؛ لأن المشتري لم يثبت أنه اشترى، فعليه يحتاج أن يستثنى من هذا.
(عهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع) إلا فيما إذا ادعى البائع البيع وأنكر المشتري فإن الشفيع ليس له عهدة على المشتري.

ومن هنا نعرف أن ما يفعله الآن بائعو السيارات غلط محض؛ تجده يشتري السيارة، ثم يبيعها، والثاني يبيعها، والثالث يبيعها، وتكتب السيارة باسم الرابع على أنه اشتراها من الأول، وهذا غلط؛ لأنه لو ظهر أن السيارة مسروقة، فالمشتري الرابع يطالب من؟ حسب الوثيقة يطالب الأول، وقد تكون مطالبة الأول صعبة، لكنه يجب في هذه الحال أن يقال: فلان باع السيارة على زيد، وزيد باعها على عمرو، وعمرو باعها على خالد، وخالد باعها على بكر، يجب التسلسل؛ من أجل أن يعود كل إنسان إلى من باع عليه حتى لا يقع الغلط.
(عهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع) قلنا: يستثنى منها أيش؟ إذا أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري.
العهدة فهمتوها الآن، ما هي؟ الطلبة: المسؤولية.
الشيخ: المسؤولية التي يُطَالَب بها الإنسان.
طالب: لو رجع (... ) لماذا لا نقول بالصحة ونقول يرجع الأول على الثاني، والثاني على.. ؟ الشيخ: ما يستقيم.
الطالب: لماذا يا شيخ؟ الشيخ: لأن الأول ما اشتراها من الثاني، بل بالعكس؛ الثاني هو الذي اشتراها من الأول.
الطالب: صحيح؟ طالب: إذا (... ) الشقص (... )؟ الشيخ: لا، يأخذه بأرشه، لكن فيما أظن أن بعض العلماء يقول: إنه إذا انتقل الشقص بشفعة فإن الملك يكون للشفيع من العقد الأول، لكن هذا القول ضعيف؛ لأنه سبق لنا أن نماءه للمشتري، فغرمه عليه أيضًا.
طالب: في مسألة إذا كان الشفيع أبًا للمشتري، فإن الشفيع يأخذ الشقص (... ) حتى (... )؟ الشيخ: لا، مستثنى هذا؛ يعني: لو فرضنا أنه تضرر وأنه لا يمكن للأب أن يتملكه، فهنا لا شك أنه ما له يتملك؛ لأن من شروط تملك الأب ألَّا يلحق على الابن ضررًا.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- إذا كان الثمن مؤجلًا فما الحاجة (... )، لماذا لا يرجع الشفيع على البائع أولًا؟

الشيخ: قد يكون البائع أولًا: مماطلًا أو معسرًا، فيقول الشفيع: أنا ما أعرف الأول، البائع الأول فقير، والمشتري غني، تبين أن الشقص مغصوب، أو أن البائع الأول قد باعه على شخص آخر ولكنه فقير، الشفيع يقول: ما أرجع على هذا.
الطالب: يا شيخ، أليس الشفعة حق للجار على جاره.. ؟ الشيخ: لا، ما هي للجيران.
الطالب: (... ) حق لشفيع، لماذا نقول: طالب من لك الحق عليه، حتى هذا الرجل الجديد، فلما أخرجناه في الشفعة يخرج؟ الشيخ: لا، ما يخرج؛ لأنه انتقل الملك من البائع الأول إلى المشتري، انتقال تام، وسبق لنا أن له نماءه المنفصل، والمتصل على القول الراجح؟ الطالب: (... ). الشيخ: ما يخالف، ولو كان لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدٌ مِنْهُمُ الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعَ» (6). طالب: (... ) قرينة، (... ) من البينة، لماذا (... ) ونقول.. ؟ الشيخ: ما فيه بينة، الشفيع يقول: المشتري (... ) العهدة على المشتري للشفيع، وعلى البائع للمشتري، فيقول الشفيع: ويش ذنبي؟ رجل أقر عندي بأنه اشتراها بثمان مئة، وذاك البائع أثبتها بألف، أنا ما أدري؛ ولهذا قلنا: إن القول قول المشتري في هذا الحال إذا كان معروفًا بالصدق وأنه لا يمكن أن يخالف.
طالب: (... )؟ الشيخ: يقول: أنا ما أعرف، يمكن يكون ثمان مئة تريد أن تسمح عني بالمئتين، لكن عند العلماء إذا أقر الإنسان فالاحتمال غير مقبول، حتى لو احتمال غلط.
طالب: إذا تعذر (... ) المشتري فهل تكون (... ) البائع؟ الشيخ: لا، يقال (... ) للمشتري في أي مكان، وهذه مشكلة، مثلًا إنسان باع على شخص سيارة في غير الشفعة باع عليه سيارة، ثم إن المشتري باع السيارة وهرب، ثم ظهر أن السيارة مملوكة، وثبت بالبينة أنها ملك فلان، فلان يأخذها، مشتري السيارة من يرجع عليه؟ طلبة: البائع.
الشيخ: على الذي باع عليه، الذي باع عليه وينه؟ هرب، يضيع حقه.

طالب: رضي الله عنك يا شيخ، إنسان باع شقصًا من الأرض على إنسان بمجرد الانتقال للملك، جاء إنسان قابل الشفيع وقال: أكسبك ألفين ريال، قال: ما أني بايع (... ) سبعة آلاف مكسب خذها (... )، وجاء الشفيع وشفع، للمشتري حق (... )؟ الشيخ: لا، هذا ما له حق؛ لأنه ما باع، لكن لو باع بأكثر الشفيع يأخذ بالأحوط لنفسه، ما الأحوط الأقل ولَّا الأكثر؟ الأقل.
طالب: (... ) باع المشتري (... ) بأحد البيعين؟ الشيخ: إي نعم، لكن ما يرجع عليهم كلهم، يأخذ بأحد البيعين، وإذا أخذ بأحد البيعين صارت العهدة على من أخذه في صفقته.
الطالب: أيش ذنب البائع (... )؟ الشيخ: لا، هذه ما تعدد البيع، في المسألة التي ذكرها المؤلف الأخيرة ما تعدد، لكن لو تعدد البيع؛ مثلًا باع زيد على عمرو، وعمرو على خالد، وخالد على بكر، وأخذ الشفيع ببيع خالد؛ لأنه أنقصهم تكون العهدة على خالد دون الآخرين.
طالب: شيخ، في مسألة البناء في الأرض.. إذا بنى الشريك في الأرض التي بها الشركة فلم يستطع أن يشتريها يتملكها، فهل له أن يطالب بالمشاركة؟ الشيخ: لم يستطع الشفيع، يقول: أقلعه، يقلعه ويغرم النقص.
الطالب: فيه ضرر.
الشيخ: على من؟ الطالب: ضرر (... ). الشيخ: ما هو مضار، أنا ما أقدر (... )، أقلعه وأضمن لك نقصه فقط، كما مر علينا (... ). طالب: جزاك الله خيرًا، لو قال البائع: بعتك وكنت أنا المشتري، ثم قلنا: للشفيع أن يشفع، فلو قال البائع وجاء ببينة: إنه باع بألف، والآن يقول: ما أريد أن أبيع بألف، لكن بألف ومئة، هل يشفع للشفيع بألف ومئة ولَّا لا؟ الشيخ: البائع أثبت ببينة أنه باع بألف؟ الطالب: لكن الآن يريد أن يبيع بألف ومئة.
الشيخ: من اللي يريد؟ الطالب: البائع.
الشيخ: لا، ما له إلا ما أقر به.
طالب: أحسن الله إليكم، إن عجز الشفيع (... )؟ الشيخ: تسقط.
الطالب: لكن إذا أحضر -مثلًا- كفيلًا أو رهنًا؟

الشيخ: لا، الرهن ما ينفع، والكفيل ما ينفع؛ لأن هذا حاضر ما هو مؤجل، فيقول: سلمني الآن (... )، لكن لو طلب الإمهال، أحيانًا يطلب الشفيع الإمهال، يقول: أنا الآن ما بيدي شيء، لكن أمهلني يومين أو ثلاثة، فهنا يمهل ما جرى به العرف؛ ويمهل يومين، ثلاثة، أربعة، إن رأى الحاكم هذا.. طالب: شيخ، إذا (... )؟ الشيخ: فكما لو عجز تسقط الشفعة.


(... ) ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هل ثبتت الشفعة في الشريعة الإسلامية؟ وما الدليل؟ طالب: قول جابر: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم (7). الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
هل الشفعة من محاسن الشريعة أو فيها ظلم؟ طالب: (... ). الشيخ: حتى لا يتضرر الشريك السابق بهذا الشريك الجديد.
هل فيها ضرر على الشريك الجديد؟ طالب: قد يكون فيها ضرر.
الشيخ: كيف؟ الطالب: (... ). الشيخ: لا، على الشريك الجديد الذي أخذ منه الشقص، هل فيها ضرر عليه؟ زيد باع على عمرو نصيبه من الأرض، هل على عمرو ضرر إذا أخذ شريكه زيد بالشفعة؟ الطالب: (... ). الشيخ: السؤال: هل عليه ضرر أو لا؟ الطالب: (... ). الشيخ: قد يكون وقد لا يكون.
ما هو الضرر الذي يمكن أن يكون عليه؟ الطالب: (... ). طالب آخر: أن يكون عليه ضرر (... ). الشيخ: (... ) يثمن له، ما يخسر.
طالب: ليس عليه ضرر (... ). الشيخ: نعم، ليس عليه ضرر إلا فوات الربح إن زادت القيمة، وهذا ليس بضرر، فاته ربح لكنه لم يخسر شيئًا.
وإذا قال قائل: إن فوات الربح كالخسارة، بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ حَرْثٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» أو قال: «قِيرَاطَانِ» (8)، وهذا فوات؟ فالجواب: أن هذه المضرة إذا قُدِّر وجودها فهي منغمرة في جانب دفع الضرر عن الشريك الأول.

تعريف المؤلف للشفعة فيه انتقاد؛ استحقاق انتزاع، لكن الشفعة هي استحقاق الانتزاع ولَّا الانتزاع؟ الانتزاع.
إذن تكون العبارة فيها خطأ.
قوله: (وبعوض مالي) الجار والمجرور متعلق بأيش؟ طالب: (... ) بانتزاع.
الشيخ: بانتزاع.
طالب: متعلق بالانتقالات.
الشيخ: متعلق بالانتقالات؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إذن عندنا قولان، رجح.
طالب: (... ). الشيخ: متعلق بالانتقالات.
ما تقول؟ طالب: (... ). الشيخ: انتقلت.
ما معنى قوله: (أو كان عوضه صداقًا)؟ طالب: أن يكون (... ) يعني العوض أو الشقص الذي أخذ يكون صداقًا.
طالب آخر: شيخ، (... )؟ الشيخ: إي، إذن العبارة فيها ركاكة، كيف نعبر إذا أردنا التعبير الصحيح؟ ذكرتها لكم بالشرح يا إخوان! (أو كان عوضه غير مالي بأن جُعِلَ صداقًا) (أو كان عوضه غير مالي) أما عوض الشخص يكون صداقًا ما يمكن، الصداق لمن؟ للمرأة؛ للزوجة، ما هو للشقص، فيكون في العبارة شيء من الركاكة، والظاهر -والله أعلم- أن سبب هذا أن الفقهاء رحمهم الله يقلد بعضهم بعضًا في التعبير، وقد يختصر الإنسان -مثلًا- العبارة التي قلَّدها فيحصل الخلل.
قوله: (فلا شفعة لجار) هذه مفرعة على أي شيء؟ طالب: (... ). الشيخ: ما أقول: لأنها، أنا أقول: مفرعة على أي شيء؟ الطالب: (... ). الشيخ: على أيش؟ الطالب: غير.. الشيخ: غير شفعة؟ طالب: من حديث.. الشيخ: لا، من كلام المؤلف.
طالب: قوله: (انتزاع حصة شريكه).
الشيخ: من قوله: (انتزاع حصة شريكه) بناء على اشتراط الشركة قال: (فلا شفعة لجارٍ)، هل في هذه المسألة خلاف؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: (... ). الشيخ: مطلقًا، فيه قول؟ الطالب: على القول الراجح (... ). الشيخ: فيه قول: إنه يشفع.
على كل حال؟ الطالب: على كل حال.
الشيخ: فيه أقوال هذا، لكن ما هو الراجح؟ الطالب: الراجح (... ). الشيخ: على كل حال.
والأخ ماذا يقول؟ طالب: (... ) يشتركان (... ) الشفعة.

الشيخ: يعني: إن اشتركا في شيء من حقوق الملك؛ كالطريق والماء وما أشبه ذلك فله الشفعة، وإلا؟ الطالب: وإلا (... ). الشيخ: هذا على القول الراجح ولَّا المرجوح؟ الطالب: القول الراجح (... ). الشيخ: متأكد؟ الطالب: أيوة.
الشيخ: ما هو الدليل على هذا القول، وهو التفصيل؟ الطالب: الدليل على هذا القول.. الشيخ: حديث جابر.
الطالب: نعم، حديث جابر: قضى النبي صلى الله عليه وسلم (... ) بالنسبة للشفعة (... ). الشيخ: قوله: فإذا وقعت الحدود وصُرِّفَت الطرق فلا شفعة (7). إذن القول الراجح أن الجار له شفعة إذا اشترك مع جاره في شيء من حقوق الملك؛ كالطرق، أو عين الماء تسقي الأرضين، وما أشبه ذلك.
إذا تعدد المشتري هل للشفيع أن يأخذ بأحد نصيب المشتريين؟ طالب: نعم، له ذلك.
الشيخ: له ذلك.
مثاله؟ الطالب: إن اشترى شريكان أو اشترى واحد حق شريكين.. الشيخ: إذا تعدد المشتريان، هل للشريك الأول أو يأخذ ببيع أحدهما؟ الطالب: نعم، مثاله: اشترى زيدٌ وعمرٌو حصة -مثلًا- محمد من الأرض، فللشريك أخذ حق واحد منهما.
الشيخ: توافقون على هذا، يقول: باع زيدٌ نصيبه على اثنين، فلشريكه عمرٍو أن يأخذ من أحد الاثنين ويترك الآخر.
لو تعدد البائعان، هل له أن يأخذ بأحد البيعتين؟ كيف صورتها؟ طالب: (... ). لشيخ: هل للشفيع أن يأخذ بإحد البيعتين، مثاله؟ الطالب: (... ). الشيخ: ما يصير هذا.
طالب: يا شيخ، زيد وعمرو (... ) باع زيد وعمرو على واحد.. الشيخ: على واحد، تعدد الآن البائعان والمشتري، هل للشفيع أن يأخذ بأحد البيعين؟ الطالب: له أن يأخذ بأحدهما.
الشيخ: إي نعم، صحيح.
ما معنى قول المؤلف: (ولا شفعة بشركة وقف)؟ طالب: أنه لو كان اثنان في أرض (... ) نصيبه وقف عليه، والثاني نصيبه طلق، وباع صاحب النصيب الطلق، فإنه ليس لصاحب النصيب المفروض أن يشفع على الطلق.

الشيخ: أحسنت، أرض بين شريكين نصيب أحدهما وقف والثاني طلق، فباع من نصيبه طلق على شخص ثالث، فإن الشريك الذي نصيبه وقف لا يأخذ بالشفعة، التعليل؟ طالب: التعليل، القول الراجح؟ الشيخ: لا ما هي بالراجح (... ). طالب: (... ) قاصر.
الشيخ: بأن ملك الموقوف عليه بالوقف قاصر؛ ولهذا لا يجوز أن يبيعه ولا يرهنه، والملك القاصر لا يقوى على انتزاع المشتري.
هل في هذا قول آخر؟ طالب: (... ). الشيخ: أن للموقوف عليه الأخذ بالشفعة.
الطالب: (... ). الشيخ: اصبر، ما سألت عن الدليل، اثبت على هذا القول، فيه قول آخر أنه يجوز لشريك الوقف الذي نصيبه وقف أن يأخذ بالشفعة.
هل هذا الراجح؟ الطالب: (... ). الشيخ: هذا الراجح، الدليل؟ الطالب: الدليل (... ). الشيخ: وهذا عام، التعليل؟ الطالب: (... ). الشيخ: أن العلة -وهي الضرر- موجودة فيما إذا كان الشريك نصيبه وقف، بل هذا أشد ضررًا، لماذا؟ الطالب: (... ). الشيخ: تمام، إذن معناه المشاركة إذا كانت الشركة وقفًا، فإثبات الشفعة فيها من باب أولى؛ لأن الشريك في الوقف إذا رأى الضرر من المشتري لا يتمكن من البيع، بخلاف الذي ملكه طلق، وهذا القول هو الراجح.
قوله: (ولا غير ملك سابق) كيف يكون المثال؟ طالب: اثنان اشتركا في شراء أرض من شخص واحد، فملكهما دخل معه ليس لأحد (... ) على الآخر، فلا يشفع أحدهما على الآخر.
الشيخ: بارك الله فيك.
قول المؤلف: (ولا لكافر على مسلم) صورتها؟ طالب: صورتها: لو كان اثنان شريكان؛ أحدهما مسلم والآخر كافر، فباع المسلم نصيبه فإنه ليس للكافر أن يشفع.
الشيخ: على من باع؟ الطالب: باع على كافر أو على مسلم.
الشيخ: ما يصير.
الطالب: باع المسلم نصيبه على مسلم، فليس للكافر أن يشفع.
الشيخ: فليس للكافر أن يشفع، فإن باعه على كافر؟ الطالب: له الشفعة.
الشيخ: له الشفعة، لو كان الشريك كافرًا؛ هذه أرض بين كافرين، فباع أحدهما نصيبه على مسلم؟ الطالب: أيضًا كذلك لا شفعة.

الشيخ: لا شفعة، نعم، لا شفعة لكافر على مسلم، سواء كان شريكه الذي باع مسلمًا أو كافرًا.
إذا كان شريكه كافرًا وباع على مسلم، هل للكافر الشريك أن يشفع؟ الطالب: له أن يشفع.
الشيخ: انتبه.
الشريك كافر، فباع على مسلم، فهل لشريكه الكافر أن يشفع المسلم؟ الطالب: لا، ليس له أن يشفع.
الشيخ: ليس له ذلك، أحسنت.


باب الوديعة

يقول المؤلف: (باب الوديعة) (الوديعة) وزنها الصرفي (فعيلة)، وثبتت الياء في الميزان؛ لأنها زائدة، وهذه قاعدة صرفية كل الحروف الزائدة في الميزان يؤتى بها بلفظها، كيف تزن قائم؟ فاعل؛ لأن الألف هذه زائدة.
كيف تزن (يُقَام)؟ طالب: (يُفَال).
الشيخ: (يُفَال) غلط.
(باب الوديعة) إذا تَلِفَتْ من بينِ مالِه ولم يَتَعَدَّ ولم يُفَرِّطْ لم يَضْمَنْ، ويَلْزَمُه حِفْظُها في حِرْزِ مِثْلِها، فإن عَيَّنَه صاحبُها فأَحْرَزَها بدونِه ضَمِنَ وبِمِثْلِه أو أَحْرَزَ فلا، وإن قَطَعَ العَلَفَ عن الدابةِ بغيرِ قولِ صاحبِها ضَمِنَ، وإن عَيَّنَ جَيْبَه فتَرَكها في كُمِّه أو يَدِه ضَمِنَ وعكسُه بعكسِه، وإن دَفَعَها إلى مَن يَحْفَظُ مالَه أو مالَ ربِّها لم يَضْمَنْ، وعَكْسُه الأجنبيُّ والحاكمُ، ولا يُطالَبانِ إن جَهِلَا، وإن حَدَثَ خَوفٌ أو سَفَرٌ رَدَّهَا على رَبِّها, فإن غابَ حَمَلَها معَه إن كان أَحْرَزَ وإلا أَوْدَعَها ثِقَةً، ومَن أُوْدِعَ دابَّةً فرَكِبَها لغيرِ نَفْعِها أو ثوبًا فلَبِسَه أو دَرَاهمَ فأَخْرَجَها من مَحْرِزٍ ثم رَدَّها, أو رَفَعَ الْخَتْمَ ونحوَه عنها أو خَلَطَها بغيرِ مُتَمَيِّزٍ فضاعَ الكلُّ ضَمِنَ.
يقول المؤلف رحمه الله: (باب الوديعة) (الوديعة) وزنها الصرفي: فعيلة، وثبتت الياء في الميزان؛ لأنها زائدة، وهذه قاعدة صرفية: أن الحرف الزائد في الميزان يُؤتَى به بلفظه، كل الحروف الزائدة في الميزان يؤتى بها بلفظها، كيف تزن (قائم)؟ طلبة: فاعل.

الشيخ: فاعل؛ لأن الألف هذه زائدة.
كيف تزن (يُقام)؟ طلبة: يُفال.
الشيخ: يفال؟ ! غلط.
طلبة: يُعال.
الشيخ: يعال؟ ! غلط.
طلبة: (... ). الشيخ: لا، (يُقَام) أزنها (يُفعَل)، لماذا جعلْتُ الألف عينًا؟ لأنها أصلية ليست زائدة.
فالقاعدة إذن في الميزان: أن تأتي بالزائد بلفظه.
(الوديعة): فعيلة، حروفها الأصلية ما هي؟ الواو، والدال، والعين؛ ولهذا نقول في وزنها: فعيلة، فنأتي بالياء وبالتاء؛ لأنهما حرفان زائدان، وهي بمعنى مفعولة، أي: مُودَعة.
فلنسأل الآن: ما معنى الإيداع؟ الإيداع: إعطاء المال لمَن يحفظه لصاحبه، وهي بالنسبة للمودِع مباحة، يعني: يباح أن يُودِع الإنسانُ مالَه، وهي بالنسبة للمودَع سُنَّة، بشرط أن يكون قادرًا على حفظها وصيانتها.
مثال ذلك: رجل أعطى شخصًا بقرتَه وديعة، صاحب البقرة يجوز أن يعطيها وديعة لهذا الشخص أو لا يجوز؟ يجوز، المودَع الذي سيأخذ البقرة يجوز أن يقبل البقرة وديعة؟ يجوز بشرط أن يكون قادرًا على مؤونتها وحفظها، وإلا فلا يجوز.
كذلك أيضًا: لو فُرِض أن صاحب البقرة أراد أن يُودِعها على مَن يضيعها، فلا يجوز له أن يودعها؛ لأن هذه حيوان تحتاج إلى رعاية وعناية، بخلاف المال، المال الذي لا حياة فيه لا بأس أن يودعه عند شخص.
فهي بالنسبة للمودِع (بالكسر)؟ الطلبة: مباحة.
الشيخ: مباحة.
بالنسبة للمودَع؟ الطلبة: سُنَّة.
الشيخ: سُنَّة بشرط أن يكون قادرًا على حفظها والعناية بها.
إذا تمت الوديعة فعندنا: مودِع، ومودَع، ومودَع إليه.
المودِع: صاحب المال.
والمودَع: المال.
والمودَع عنده: مَن؟ طالب: المُؤتمَن.
الشيخ: المُؤتمَن.
المؤلف لم يتكلم على هذا، وكأنه رحمه الله علم أن المسألة واضحة فلم يتكلم عليه، وتكلم على الآثار الناتجة أو المترتبة على الوديعة.

بهذا التعريف للوديعة يتبين لنا أن قول العامة الآن إذا جعلوا أموالهم عند البنوك أو ما يُلحَق بها؛ قالوا: هي وديعة.
يتبين أن هذا القول غير صحيح؛ لأنهم لم يجعلوا الدراهم عند البنك -أو ما يقوم مقامه- لم يجعلوها للحفظ؛ إذ إن الدراهم ستُجعل في صندوق البنك وسيتصرف فيها، فهو في الحقيقة قرض وليس بوديعة؛ ولهذا نص الفقهاء رحمهم الله على أن المودِع إذا أذن للمودَع أن يتصرف في الوديعة صارت قرضًا.
فكلمة إيداع خطأ؛ لأن الإيداع أن يبقى المالُ لصاحبه على ما هو عليه، وهي في الحقيقة: إقراض وليست إيداعًا، ولذلك لو كانت إيداعًا لقلنا: يجب على البنك أن يجعلها في غلافها، وألا يتصرف فيها.
ماذا يترتب على هذه المسألة؟ يترتب لو أن البنك احترق بأمواله بدون تعدٍّ ولا تفريط، فإذا قلنا: إن وضع المال فيه وديعة؟ طالب: فلا ضمان عليه.
الشيخ: فلا ضمان عليه، وإذا قلنا: إنه بإذن صاحب المال للبنك أن يتصرف فيه صار ضامنًا، كما لو احترق مال المستقرِض فإن القرض ثابت في ذمته.
يقول المؤلف رحمه الله: (إِذَا تَلِفَتْ من بينِ ماله ولم يتعدَّ ولم يفرطْ لم يضمنْ، وإن تلفَتْ مع ماله فمِن بابِ أولى) (إذا تلفت) يعني الوديعة (من بين ماله) بأن احترقت، أو أفسدها المطر، أو سرقها السراق دون أن يتأثر ماله بذلك: فلا ضمان على المودَع، ما الدليل؟ الدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91] والمودَع محسن، فإذا كان محسنًا فلا ضمان عليه، لكن إن تعدى أو فرط ضمن.
إن تعدى بأن أخذ الوديعة أو فك قَيْدَها، أو فرط بأن وضعها في غير حرز، والفرق بين التعدي والتفريط من حيث العموم؛ أن التعدي فِعْل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب، فلننظر إذا كان المودَع طعامًا فأكله المودَع عنده، فهذا أيش؟ طلبة: تعدٍّ.

الشيخ: هذا تعدٍّ.
إذا كان طعامًا وأبقاه في ليالي الشتاء خارج السقف، فهذا تفريط؛ لأنه ترك ما يجب.
فصار تلَفُ الوديعة إن كان بتعدٍّ أو تفريط: ضمن المودَع عنده، وإلا فلا.
وإذا قال قائل: لماذا قال المؤلف: (من بين ماله)؟ لماذا لم يتركها مفتوحة: إذا تلفت ولم يتعدَّ ولم يفرط لم يضمن؟ قلنا: إنه قال هذا إشارة إلى قول بعض العلماء: إنها إذا تلفت من بين ماله فهي مضمونة مطلقًا؛ قالوا: لأن تلفها من بين ماله يدل على نوع تفريط، وإلا فما الذي جعلها تتلف دون ماله؟ ! ولكن الصحيح ما قاله المؤلف: أنه لا ضمان على المودَع عنده إلا بتعدٍّ أو تفريط.
ثم قال مبينًا ما يجب على المودَع عنده: قال: (ويلزمُه) أي: المودَع عنده (حِفظُها في حرز مثلها)، الحِرْزُ: ما يَصُون الشيء ويحمي الشيء، فمثلًا الذهب أين يوضع؟ طلبة: في الصناديق.
الشيخ: في الصناديق المُغلقة الوثيقة، وكلما ازداد الخوف وكثُر السراق وجب التحفظ أكثر فأكثر.
إذا أودعه شاة أيضعها في الصندوق الوثيق؟ ! طلبة: لا.
الشيخ: لو فرضنا أنه وضعها لصار ضامنًا؛ لأنه تعدى إذ ليس هذا مكانًا لها.
وقول المؤلف: (في حرز مثلها) هذا يدل على أن كل مال معتبر بنفسه.
(فإن عيَّنه صاحبُها) أي: عيَّن الحرز، (فأحرزها) أي: حَفِظَها (بدونه ضَمِن، وبمثله أو أَحْرَزَ فلا).
(إن عيَّنه صاحبها فأحرزها بدونه): ولو كان الحرز الذي أحرزها به حرز مثلها عادة فإنه يضمن، فلو أعطاه كتابًا وقال: احفظ هذا الكتاب في الصندوق التجُوري، تعرفون الصندوق التجوري؟ طلبة: (... ). الشيخ: لا، خزانة الأموال، خزانة الذهب والفضة، وهي خزانة قوية ثقيلة، قال: احفظ الكتاب في الصندوق التجوري.
فحفظه في شنطة عادية -أتعرفون الشنطة؟ قولوا: لا بعد! تعرفونها- حفظه في شنطة عادية، فجاء السارق فسرقه هو والشنطة، مع أن الشنطة عادة حرز للكتاب، فهنا عليه الضمان، لماذا؟ لأنه حفظها بأدنى مما عينه صاحبها.

فإذا قال المودَع عنده: أنا حفظتها في حرز مثلها، كل الناس يجعلون الكتب في الشناط، وربما جعلوها في الرفوف بارزة.
نقول: لكن صاحب الكتاب عَيَّنَ، لماذا لم تقل له: لا، حينما قال: ضعه في الصندوق التجوري؟ لماذا لم تقل: لا؟ أما أن تأخذها على أنك ستضعها فيما عيَّن، ثم تُحرِزها بما دونه فعليك الضمان.
(وبمثله) فلا ضمان، (أو أحرز) فلا ضمان.
مثل أن يقول له: خذ هذا الكتاب اجعله في هذا الصندوق، ويُعَيِّن، فأخذه وجعله في صندوق مثله، فهنا لا ضمان، إلا أن يتميز الصندوق الذي عينه بزيادة حرز، بكونه داخل البيت مثلًا أو نحو ذلك فهنا يضمن، إذا عينه فأحرزها بأقوى؟ طلبة: فلا ضمان.
الشيخ: فلا ضمان، مثل أن يقول: احفظها في هذا الصندوق، والصندوق صغير يمكن للسراق أن يحملوه، فأحرزها في صندوق أكبر، هل يضمن أو لا؟ طلبة: لا؟ الشيخ: لا يضمن؛ لأنه أحرزُ.
رجل عنده صناديق ستة مثلًا، وقال له: احرزها في آخر ما يكون.
فأحرزها في أول ما يكون، يضمن أو لا يضمن؟ طلبة: لا يضمن.
طلبة آخرون: يضمن.
الشيخ: ما شاء الله، هي ستة من الباب إلى نهاية الحجرة، قال: احفظها في هذا؛ آخرها.
فأحرزها في الأول، يضمن أو لا يضمن؟ طلبة: يضمن.
طالب: فيه التفصيل.
الشيخ: الظاهر إن اللي قال: فيه التفصيل، ذكي، فراسة فقط؛ لأنه لما رآني توقفت قال: لعل فيها تفصيلًا.
نشوف الآن: أيهما أحرز: آخر واحد ولَّا أول واحد؟ طلبة: آخر واحد.
الشيخ: آخر واحد قد يكون أحرز؛ لأنه أبعد من أن يأخذ السارق الصندوق أو يكسره ويمشي على طول، وقد لا يكون أحرز؛ لأن السارق سيقع في نفسه أن الأبعد هو اللي فيه المال المهم، فهنا أحدهما أحرز من الآخر من وجه، فأيهما نُغَلِّب؟ الظاهر أن مثل هذه الحال يقال: إنه أحرزه بمثله؛ لأن كل واحد من الأعلى والأول أحرز من الآخر من وجه، فإن لم يكن كذلك فالقاضي عنده الأمر، يُرفع الأمر إلى القاضي ويحكم بما يراه صوابًا.


طالب: شيخ بارك الله فيك، لو أن الشفيع أسقط شفعته قبل أن يتم البيع، ثم لما تم البيع قال: إن لي الشفعة، هل (... ) صاحب البيع؟ الشيخ: ما سبب ثبوت الشفعة؟ الطالب: البيع.
الشيخ: البيع، هل يصح أن يُقدَّم المسبب على السبب؟ الطالب: لا.
الشيخ: لا يصح، فعند الفقهاء لا يصح هذا الإسقاط، وله أن يطالب بعد البيع؛ لأن هذا من باب تقديم الشيء على سببه، ولكن ظاهر الحديث الوارد في هذا -أنه لا يحل للشريك أن يبيع حتى يُؤذِن شريكَه-يدل على أنه إذا أسقطها سقطت، وهذا هو الأصح؛ لأن ما دل عليه الدليل مقدم على القواعد، ثم إن هذا أسقط نصيبه، فلو طالب بالشفعة بعد أن أسقطها صار في ذلك تغريرٌ للبائع وللمشتري، فالصواب أنها تسقط.
طالب: أحسن الله إليك، يقول: (أو اشترى شقصين من أرض صفقة واحدة فللشفيع أخْذُ أحدِهما).
طيب هذا الشفيع.. الشيخ: لا، (شقصين من أرضين).
الطالب: من أرضين.
إيه.
(... ).


الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، ما هو تصرُّف المشتري الذي يُبطِل حقَّ الشفيع؟ طالب: على قول المؤلف؟ الشيخ: الضابط على قول المؤلف؟ الطالب: الضابط على قول المؤلف: إنْ تصرَّف فيه بنقل ملك على وجه لا تثبت فيه الشفعة ابتداء.
الشيخ: نعم، أنْ يتصرَّفَ فيه المشتري بنقل الملك على وجه لا تثبت فيه الشفعة ابتداء، هذا هو الضابط، مثاله؟ صوِّر صورة المسألة.
طالب: مثال: اشترى المشتري من الشريك الأول.. الشيخ: باع زيد.
الطالب: باع زيد على عمرو نصيبه، فوهب عمرو نصيبه إلى رجل آخر: تسقط الشفعة.
الشيخ: أحسنت، تسقط الشفعة، التعليل؟ الطالب: التعليل أنه انتقال بغير حق.
الشيخ: لأنه انتقل على وجه لا تثبت به الشفعة ابتداء، وإذا كان لا تثبت به الشفعة ابتداء فما تفرَّع على ذلك من باب أولى.
هل إذا أجَّر الشفيع الشِّقْص هل تسقط الشفعة؟ طالب: لا تسقط.
الشيخ: لا تسقط الشفعة، وكيف نصنع؟ الطالب: أجَّره؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: لأنه (... ).

الشيخ: يعني هذه عمارة مثلًا فيها شركة مشتركة بين اثنين، لكل واحد نصفها، فأجَّر أحدُهما نصيبَه لشخص، هل تثبت الشفعة أو لا؟ اشترى واحد نصيب هذا الشريك ثم أجَّره، هل تسقط الشفعة أو لا؟ الطالب: لا تسقط الشفعة.
الشيخ: كيف نعمل إذا قلنا: لا تسقط؟ طالب: على المذهب: لا تثبت ابتداء.
الشيخ: يعني ويأخذ الشفعة.
الطالب: ويأخذ الشفعة، وعلى القول الراجح: يأخذ الشفيع أجرة في نصيبه بالشفعة.
الشيخ: يعني على القول الراجح: لا تنفسخ الإجارة، وللشفيع نصيبه من الأجرة من حين أخَذ بالشفعة، هذا القول هو الراجح.
كيف تنزل هذا على الضابط؟ الضابط الذي قلنا: إنه يُسقِط الشفعة، كيف ننزل مسألة التأجير على هذا الضابط؟ طالب: ضابط سقوط الشفعة يعني؟ الشيخ: ما هو قلنا: لو أن المشتري الذي اشترى الشقص وهبه فليس للشريك أن يُشَفِّع، تسقط الشفعة، وذكرنا الضابط لهذا، قلنا: لو أجَّره المشتري انفسخت الإجارة والشفعة باقية ما تسقط، فما الذي يمكن أن نعرف أن هذا هو الحكم من الضابط اللي ذكرنا؟ الطالب: لأنه لم تثبت ابتداء الشفعة.
الشيخ: لا.
طالب: لأن الملك لم ينتقل.
الشيخ: لأن الملك لم ينتقل، وإحنا ذكرنا: لا يسقطها إلا انتقال الملك على وجه؟ طلبة: لا تثبت به الشفعة.
الشيخ: لا تثبت به الشفعة.
خذوا هذا الضابط عشان كل مسألة تفرع عليه.
بناء على هذا الضابط: لو أنه تصرَّف برَهْنٍ؟ طالب: لا تسقط الشفعة.
الشيخ: لا تسقط بناء على هذا الضابط، خلاف اللي ما مشى عليه الماتن، الماتن يرى أن الرهن مثل الوقف، ولكنه قول ضعيف.
فماذا نصنع؟ الطالب: له أن يأخذ بالشفعة، ولكن إذا سدَّد المدينُ الدينَ وفكَّ الرهن تخرج من يديه.
الشيخ: إحنا ذكرنا فيها القول الصحيح والقول المرجوح.
الطالب: المذهب يقولون: إنه يأخذ بالشفعة في الحال ويبطل الرهن.
الشيخ: يأخذ بالشفعة في الحال ويبطل الرهن.
والثاني؟ الطالب: القول الراجح: أنه لا يبطل الرهن.

جارٍ التحميل