يقول: (أَوْ لَتَّ سَوِيقًا بِدُهْنٍ) غصب سويقًا ولتَّه بدهن، معنى لتَّه يعني: صب عليه الدهن، ومعلوم أن الدهن الآن لا يمكن أن يتميز، فهما شريكان، (أَوْ عَكْسُهُ) ويش معنى عكسه؟ لت دهنًا بسويق؛ يعني غصب دهنًا فأضاف إليه السويق.
(وَلَمْ تَنْقُصِ القِيمَةُ وَلَمْ تَزِدْ، فَهُمَا شَرِيكَانِ بِقَدْرِ مَالَيْهِمَا فِيهِ)، وعند التنازع فالأصل أن الغارم يُقبل قوله، (وَإِنْ نَقَصَتْ القِيمَةُ ضَمِنَهَا) مَن الضامن؟ الغاصب، لو أن هذا السويق الذي لتَّه بدهن نقصت قيمته؛ لأن الناس لا يرغبون الدهن، أو لَتَّه بدهن له رائحة كريهة أو ما أشبه ذلك، فعلى الغاصب أيش؟ ضمان النقص؛ لأنه ظالم.
(وَإِنْ زَادَتْ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا فِلِصَاحِبِهِ) يعني مثلًا: هذا الدهن يساوي عشرة، والسويق يساوي عشرة، الدهن للغاصب لكنه لما لُتَّ بالسويق زادت قيمته؛ لأنه صار فيه نفع، فتكون الزيادة لمن؟
طالب: للمالك.
الشيخ: لا، الغاصب لته بالدهن؛ يعني الدهن من الغاصب، وزادت قيمة الدهن فلصاحبه، أما لو نقصت قيمة السويق بلته بالدهن والسويق هو المغصوب فعلى الغاصب ضمان النقص.
والخلاصة أن القاعدة عندنا الآن: كل نقص يترتب على فعل الغاصب أو على غير فعله في المغصوب فإنه مضمون على الغاصب.
قال: (وَلَا يُجْبَرُ مَنْ أَبَى قَلْعَ الصِّبْغ)، المؤلف -رحمه الله- ما ذكر القسم الثاني فيما إذا خلط بما يتميز، إذا خلط بما يتميز وجب على الغاصب تخليصه ولو ضاع عليه مال كثير، فإذا غصب برًّا وخلطه بشعير، فهل يتميز البر من الشعير يا إخوان؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يتميز، نقول للغاصب: خلِّص البر من الشعير، قال: يا جماعة هذا يتعبني ويكلفني، أبغي أبقى يومين أو ثلاثة وأنا أخلصها له، نقول: وليكن؛ لأن عين المال المغصوب الآن موجودة فيجب ردها إلى صاحبها، فإذا قال: هذا إضرار بي؟ فالجواب سهل، ماذا نقول؟ أنت الذي جنيت على نفسك، لماذا تغصب أولًا؟ ولماذا تخلطه ثانيًا؟ و «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1)، إذن يلزمه التخليص ولو غرم أضعافه.
لو قال الغاصب: الآن أنا خلطت البر بالشعير، والبر الذي خلطته خمسة أصواع، أنا أعطيك أيها المالك عشرة أصواع، ما تقولون؟ هل يجبر المالك أو لا؟ يقولون: لا يجبر، بل يقال: خَلِّص البر، أعطيكم أكثر من مثله، نقول له خَلِّص البر.
هذا في الحقيقة من جهة قد نقول: إنه قول جيد؛ لأن في ذلك ردعًا للغاصبين، يردعهم إذا علموا أنهم سوف يضمن إلى هذا الحد لا يغصب، وإن نظرنا إلى أن فيه إضرارًا، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (2)، قلنا: هنا يتوجه القول بأن المغصوب منه يجبر على قبول مثل بره الذي غُصِب، ويعد البر الآن كالتالف، وإذا أتلف شخص بُرًّا ضمنه بمثله، فالمسألة فيها تردد، وحينئذٍ ننظر -في مسألة القضاء والحكم بين الغاصب والمغصوب منه- ننظر إلى المصلحة، إذا رأى القاضي أن من المصلحة أن يُلزَم الغاصِبَ بتخليص مال المغصوب منه فليفعل، وإن رأى العكس فلا حرج؛ لأن المضارة في هذا واضحة.
قال: (وَلَا يُجْبَرُ مَنْ أَبَى قَلْعَ الصِّبْغ) من أين؟ من الذي يأبى، الغاصب أو المغصوب منه؟ ما ندري هل المغصوب الصبغ، أو المغصوب الثوب؟ على كل حال سواء هذا أو هذا، إذا قيل: اقلع الصبغ، لا يمكن هذا؛ لأن الصبغ بعد أن صار في الثوب صار من جنس الصفة لا يمكن فصلها عن الموصوف، وكيف يمكن أن يقلعه؟ ! لا يمكن، اللهم إلا أن يُرَبَّص في الماء ثم يخرج الماء –مثلًا- ملونًا بلون هذا الصبغ، ويعود الثوب على ما كان عليه، وهذا فيه إفساد، حتى الثوب يتضرر بهذا، فلا يُجبر من أبى قلع الصبغ.
إذن كيف تكون الحال؟
نقول: الحال كما قال في الأول: إذا صبغ الثوب صار شريكًا لصاحب الثوب، هما شريكان.
فإن قال صاحب الثوب: أنا لا أريد مشاركته؛ ثمنوا صبغه وأسلم الثوب، فهنا نقول: نعم نجيبه إلى هذا، إذا قال: أنا لا أريد مشاركته هذا لو شاركته في هذا الثوب وأردت أن أبيعه قال: لا تبع.
أردت أن أبقيه قال: لا، بعه.
يحصل ولّا ما يحصل؟ يحصل نزاع لا شك، فنقول: إذا طلب صاحب الثوب أن يدفع قيمة الصبغ ويكون له الثوب مصبوغًا فإنه يتعين إجابته؛ لما في عدم الإجابة من الإضرار بالجميع، وربما يحصل نزاع لا ينتهي.
قال رحمه الله: (وَلَوْ قُلِعَ غرْسُ المُشْتَرِي أَوْ بِنَاؤُهُ لاسْتِحْقَاقِ الأَرْضِ رَجَعَ عَلَى بَائِعِهَا بِالغَرَامَةِ) رجل باع أرضًا، والمشتري غرس فيها، أو بنى، ثم أقام مالك الأرض بَيِّنة على أن هذا غاصب، الآن الأرض مستحقة لمن؟ للذي أقام البيِّنة على أنها ملكه، تبين الآن أن الأرض التي باعها الغاصب مغصوبة لا يصح العقد عليها، صاحب الأرض قال للمشتري -الذي غرس أو بنى- قال: اقلع الغرس، اقلع البناء، فهنا المشتري يرجع على البائع؛ لأنه غَرَّه، حيث أظهر أنه مالك.
وهل يرجع المالك على الغاصب رأسًا؟ لأنه قد يكون من مصلحة المالك أن يرجع على الغاصب.
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، هو راجع على الغاصب، لكن الآن نقول: المشتري يرجع على الغاصب؛ لأنه غره، ويأخذ قيمة الشجر من أين؟
طلبة: من الغاصب.
الشيخ: من الغاصب.
لو علم المشتري أن الأرض مغصوبة، لكنه تجاهل الأمر وطمع في الأرض، وقال: لعل مالكها لا يكون عنده بينة، وغرس أو بنى، فهل يرجع على الغاصب أو لا يرجع؟
طلبة: لا يرجع.
الشيخ: لا يرجع؛ لأنه دخل على بصيرة، فلا يرجع على الغاصب.
(وَلَوْ قُلِعَ غرْسُ المُشْتَرِي أَوْ بِنَاؤُهُ لاسْتِحْقَاقِ الأَرْضِ رَجَعَ عَلَى بَائِعِهَا) من هو بائعها؟
طلبة: الغاصب.
الشيخ: الغاصب، (بِالغَرَامَةِ) أي: فيغرمه ما نقص.
(وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِعَالِمٍ بِغَصْبِه فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ) (أطعمه) أي: الغاصب، أطعم المغصوب، (لعالم بغصبه فالضمان عليه) أي: على الآكل، (وعكسه بعكسه)، مثال ذلك: رجل غصب شاة، وذبحها وأطعمها شخصًا آخر، والشخص الآخر يعلم أنها مغصوبة، فالضمان على مَن؟ الضمان على الآكل؛ لأنه مباشر للإتلاف والغاصب متسبب، والقاعدة الشرعية عندنا في المتلفات: أنه إذا اجتمع متسبب ومباشر فالضمان على المباشر، وعليه فهنا نقول: إذا كان الآكل يعلم أن هذه هي العين المغصوبة فعليه الضمان، وإن كان لا يعلم فالضمان على الغاصب الذي أطعمه.
بقي علينا أن نقول: صاحب الشاة في هذه الحال، هل له أن يرجع على الغاصب مع أن الآكل قد علم أنها مغصوبة؟
الجواب: نعم، له ذلك، فهو مُخَيَّر بين أن يرجع على مَن؟ على الغاصب أو على الآكل، لكن قرار الضمان على الآكل إن كان عالمًا بالغصب، وإن لم يكن عالمًا بالغصب فالقرار على الغاصب، حينئذٍ نقول: يخير المالك بين الرجوع على الغاصب -لأنه هو الذي غصب ملكه، باشر الغصب- والرجوع على الآكل؛ لأن التلف كان تحت يده، ولكن إذا رجع على أحدهما فعلى من يكون قرار الضمان عليه؟ نقول: على الآكل إن كان عالمًا بأنه مغصوب، وعلى الغاصب إذا كان الآكل غير عالم.
وقد ذكر ابن رجب -رحمه الله- في القواعد الفقهية: أن الأيدي المترتبة على يد الغاصب عشرة أيدي، وأنها كلها أيدي ضمان، يعني يصح أن نضمِّنَها، إلا ما دخل الذي انتقلت إليه على أنه لا ضمان عليه فلا ضمان عليه.
طالب: المسألة الأخيرة؟
الشيخ: وهي؟
طالب: ما ذكر ابن رجب.
الشيخ: المسألة الأخيرة ما ذكر ابن رجب، الآكل -الذي أطعمه الغاصب- دخل على أن الأكل مضمون عليه ولَّا غير مضمون؟
الطالب: غير مضمون.
الشيخ: غير مضمون، فهنا يكون قرار الضمان على؟
الطالب: الغاصب.
الشيخ: الغاصب، لكن المستعير –مثلًا- من الغاصب دخل على أنه ضامن أو غير ضامن؟
الطالب: ضامن.
الشيخ: ضامن، فيكون قرار الضمان عليه، حتى وإن كان جاهلًا؛ لأنه لو أعاره المالك لكان قرار الضمان عليه، فإذن يكون لو أنه ضمن الغاصب يرجع به على المستعير.
طالب: لو غصب غاصب برًّا وخلطه بشعير، وعند رَدِّه وافق المغصوب منه على أن يرد أكثر من النوع الذي اغتصب منه، هل له ذلك؟
الشيخ: إي نعم؛ يعني: لو غصب برًّا وخلطه بشعير، غصب صاعًا وخلطه بشعير، وقال لصاحبه: أصالحك على أن أعطيك صاعين، فلا بأس، هذه من باب المصالحة.
الطالب: مع أنه ربوي.
الشيخ: نعم، مع أنه مال ربوي، المصالحة لا بأس بها.
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، لو أن إنسانا غصب أرض مصلحة عامة كأرض مدرسة، وباعها على إنسان، الإنسان إذا أراد أن يبني في هذا الأرض المشتري يمنعه منها فيقول: أعد لي المال..
الشيخ: كيف؟ غصب أرضًا معدة لمدرسة.
الطالب: ثم باعها على مشترٍ، هل نرجع على المشتري أو على البائع الأول؟
الشيخ: يعني الحكومة؟
الطالب: نعم الحكومة.
الشيخ: ترجع على من شاءت.
الطالب: (... ).
الشيخ: ترجع على من شاءت.
الطالب: المشتري دفع مالًا مقابل هذه..
الشيخ: ما يخالف، ترجع على المشتري، وهو يرجع على البائع.
الطالب: إي نعم، البائع الآن يا شيخ يقول: نفد المال عنده (... ).
الشيخ: يبقى في ذمته.
طالب: شيخ، لو زادت قيمة المغصوب الذي أعاره الغاصب، المالك يرجع على من الآن في الزيادة هذه؟ يرجع على الغاصب ولّا على المستعير؟
الشيخ: كما لو تلف الأصل؛ يعني لو زاد فالزيادة لصاحب الملك؛ للمالك الأول، ولكن لو نقص فإنه يرجع إما على المستعير وإما على المعير، يُخيَّر.
طالب: شيخ (... ) جميع الملك (... ) صح في البيع (... ) المسألة الأخيرة (... ) صح في البيع؟
الشيخ: لا، بترجع لمالكها، العين المغصوبة سوف ترجع لمالكها، لكن لو تلفت فعلى المتلف المثل أو القيمة؟
طالب: شيخ (... ) إذا كان جاهلًا بأنها مغصوبة (... ).
الشيخ: لكن أكل على أنه غير مضمون عليه، على أن ذلك متبرع به.
طالب: (... ).
الشيخ: مِنه.
طالب: هو مباشر، يعتبر مباشرًا.
الشيخ: نعم، للمالك إن كان عالمًا فعليه.
طالب: وإن كان جاهلًا؟
الشيخ: وإن كان جاهلًا فعلى المؤكِّل على الغاصب، لكن نقول: إذا غَرَّم المالك الآكل فللآكل أن يرجع على الغاصب.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، مثل ما مر علينا في الدرس من أكل من شاة غصبًا فالضمان على الآكل ما هي على الغاصب؟
الشيخ: على الآكل إن كان عالمًا.
طالب: ولكن يا شيخ نفس الشاة هذه حية تساوي لها خمس مئة ريال، وميتة تساوي لها مئة ريال، وهذا هو الذي أتلف المصلحة العامة.
الشيخ: الآكل يضمنها لحمًا كما أكل، وإذا كانت تختلف القيمة -كما قلت- فالزائد على الغاصب؛ لأنه هو الذي ذبحها، أما لو أنه غصبها ثم أعطاها هذا الرجل وذبحها فهذا الرجل يضمن قيمتها على أنها حية.
طالب: شيخ، قلنا: الغاصب لو صبغ الثوب فإنه يكون شريكًا للمالك، لكن يا شيخ هذا الحديث «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1)، جعلنا له حقًّا؟
الشيخ: لا؛ لأن الغاصب الذي غصب الثوب قلنا: لك حق في الصبغ، الذي صبغ نقول: له حق في الصبغ؛ لأن الصبغ عين، وملكها باقٍ، لكن لو زاد الثوب بالصبغ قلنا: الزيادة لمالك الثوب، وليس لك حق في الزيادة، أما قيمة الصبغ لا بد أن أعطيه إياه.
هذا رجل غصب خشبًا ونجره بابًا، والمسامير من عنده، هل نقول: إن مالك الخشب يكون له الباب بمساميره؟
لا، المسامير للغاصب؛ لأنها ملكه، هذا مثله تمامًا، لأن الصبغ عين قائمة بنفسها، فتكون للغاصب، لكن كما قال المؤلف رحمه الله: من أَبَى قلع الصبغ فإنه لا يُجبر.
طالب: يا شيخ (... ) يفعلوا جميعًا، الغاصب أم الآكل (... )؟
الشيخ: مالك الطعام هو بالخيار، مالك الطعام إن شاء ضمن الغاصب، وإن شاء ضمن الآكل، لكن إن كان الآكل عالمًا فقرار الضمان عليه، وإن كان غير عالم فقرار الضمان على الغاصب.
طالب: (... ) الغاصب (... )؟
الشيخ: هذا عاد يرجع إلى ما يسمونه في عصرنا الحاضر الحق العام، وكلام الفقهاء - رحمهم الله- في الحقوق الخاصة، أما هذا الغاصب فلولي الأمر أن يؤدبه حتى لا يعتدي على الناس ويغصبهم.
طالب: يا شيخ، مثلًا إذا نجر بابًا (... ) لصاحب الخشب (... ) أصل الخشب (... ) يعني صاحب المال قال: هذه المسامير؛ يعني (... ) على الخشب (... ).
الشيخ: لكن هذه المسامير زادت قيمة الخشب بها.
طالب: (... ).
الشيخ: المسامير له، تثمن له.
الطالب: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الغصب:
وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِمَالِكِهِ أَوْ رَهَنَهُ أَوْ أَوْدَعَهُ أَوْ آجَرَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَبْرَأْ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ وَيَبْرَأُ بِإِعَارَتِهِ وَمَا تَلِفَ أَوْ تَفيَّبَ مِنْ مَغْصُوبٍ مِثْلِيٍّ غَرِمَ مِثْلَهُ إِذن، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ يَوْمَ تَعَذُّرِهِ، وَيُضْمَنُ غَيْرُ المِثْلِيِّ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ تَلَفِهِ، وَإِنْ تَخَمَّرَ عَصِيرٌ فَالمِثْلُ، فَإِنِ انْقَلَبَ خَلًّا دَفَعَهُ وَمَعَهُ نَقْصُ قِيمَتِهِ عَصِيرًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن جميع ما يحصل من نقص بيد الغاصب فهو مضمون عليه، وما حصل من زيادة فهو لمالكه، هذه القاعدة العامة، واستدللنا لذلك بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1).
ثم ذكرنا أنه إذا خلط المغصوب بغيره فعلى قسمين؟
طالب: إما أن يكون مما يتميز، فإن كان مما يتميز أُجْبِر على تمييزه.
الشيخ: أُجبر على تخليصه، إذا خلطه بما يتميز أُجبر على تخليصه، ولو غرم أضعاف أضعاف القيمة، والقسم الثاني؟
طالب: إن كان مما لا يتميز.
الشيخ: القسم الثاني: أن يخلطه بما لا يتميز، فما الحكم؟
الطالب: فهذا يُنظر إن لم تنقص القيمة فهما شريكان بقدر ماليهما، وإن نقصت القيمة أو زادت فالنقص على الغاصب والزيادة لصاحبها.
الشيخ: يعني يشتركان في هذا، يشتركان في المخلوط على حسب ماليهما، فمثلًا الصاع بصاعين صاحب الصاع له الثلث، وصاحب الصاعين له الثلثان، ثم إن نقصت قيمة المغصوب ضمنها الغاصب، وإن زادت فللمالك.
مثال المخلوط بما يتميز؟
طالب: مثل أن يخلط حنطة بشعير.
الشيخ: مثل أن يخلط حنطة بشعير، فماذا يعمل؟
الطالب: يُجبر على التمييز.
الشيخ: يلقط الحنطة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يلقطها؟
الطالب: نعم، يُجبر على تمييز الشعير.
الشيخ: إي، ما يتميز إلا بالتلقيط، يلقطها حبَّة حبَّة؟
الطالب: هو إما أن يقال: إنه (... ).
الشيخ: أسأله إما أن يقال أو ما يقال، الكلام على كلام المؤلف اللي إحنا شرحنا.
طالب: (... ).
الشيخ: يلقط حبَّة حبَّة، ولو كان وعاءً كبيرًا يبقى يومين، ثلاثة أيام.
الطالب: حتى ولو بقي.
الشيخ: ولو بقي، توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن الملك معين الآن، وثابت لصاحبه.
إذا كان لا يتميز، مثل أيش؟
طالب: كما لو غصب زيتًا وخلطه بزيت.
الشيخ: كخلط زيت بزيت، أو بدهن مثلًا؟
طالب: نعم، ولا يكونان شريكين فيه، ويضمن المغصوب النقص إن نقص.
الشيخ: فهنا لا يمكن التمييز؟
طالب: نعم.
الشيخ: يكونان شريكين؟
طالب: يكونان شريكين بقدر ماليهما.
الشيخ: مَثِّل؟
طالب: غصب صاعين من زيت بصاع، هنا إذا لم تزد القيمة ولم تنقص..
الشيخ: فلمالك الزيت؟
طالب: فلمالك الزيت صاعان.
الشيخ: إي، يعني: ثلثان.
طالب: يعني ثلثان، وللغاصب الثلث، إن نقصت القيمة..
الشيخ: وإن نقصت؟
طالب: يكون للمالك الثلثان، ويضمن الغاصب النقص.
الشيخ: صحيح، واضح؟
رجل باع أرضًا على شخص وهي مغصوبة، فطُلِب من المشتري أن يخلص الأرض، يرجع المشتري على مَن؟
طالب: على الغاصب.
الشيخ: على الذي باعها؟
الطالب: إي نعم، الغاصب اللي باعها.
الشيخ: على الذي باعها، يرجع عليه بالغرامة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن الغاصب غبنه.
الشيخ: لأنه غبنه، فإن علم أنها مستحقة للغير فهل يرجع أو لا يرجع؟
الطالب: لا يرجع.
الشيخ: لا يرجع؛ لأنه دخل على بصيرة.
غصب طعامًا فأطعمه مالكه؟
طالب: إذا اجتمع يا شيخ مسدد وضامن..
الشيخ: إلى الآن ما وصلنا للتعليل، إنسان غصب طعامًا خبزًا وأطعمه مالكه، هل يضمن أو لا يضمن؟
طالب: يضمن (... ) آكله.
الشيخ: الآكل مالكه.
طلبة: (... ).
الشيخ: (... ).
بسم الله الرحمن الرحيم، قال: (وَإِنْ أَطْعَمَهُ لِمَالِكِهِ) فإنه (لَمْ يَبْرَأْ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ).
رجل غصب طعامًا كخبز ورز وغيره فأطعمه لمالكه، المالك أكله على أنه ملك الغاصب، فهنا نقول: إنه لا يبرأ -يعني: الغاصب- إلا إذا أعلمه، بأن قال: تفضل، أنا غصبت هذا المال منك، والآن أنا تائب فتفضل كُلْه.
فإذا أكله برئ؛ لأنه علم.
كذلك لو رهنه إياه، استدان من المالك دينًا وأرهنه المغصوب، فإنه لا يبرأ، لماذا؟ لأن المرتهن داخل على أنه لا ضمان عليه، يده يد أمان، فلو تلف فإن الغاصب لا يضمن إلا إذا أعلمه بأن قال: إن الذي رهنتك هو مالك..
طلبة: (... ).
الشيخ: نعم، الغاصب.
طالب: فلو تلف.
الشيخ: إذا رهنه شيئًا فيده –أي: يد المرتهن- يد أمانة، إذا تلف بغير تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه، فإذا رهنه -أي: رهن المغصوب لمالكه- فإنه لا يبرأ لو تلف، إلا إذا علم مالكه أن هذا ملكه فإنه يبرأ الغاصب؛ لأنه الآن مكَّنه منه وسلَّطه عليه.
(أَوْ أَوْدَعَهُ) (إِيَّاهُ)، (أَوْدَعَهُ) أي: أودع المغصوب (إِيَّاهُ) أي: المالك أودعه إياه، يقول: (لَمْ يَبْرَأْ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ)، والوديعة هي الاستحفاظ؛ يعني: استحفاظ المالك بأن تعطي الشخص مالًا يحفظه لك، ويُسمى عند الناس أمانة، وهو في الحقيقة وديعة، فإذا أودعه عنده فمن المعلوم أن المُودَع لا يضمن إلا إن تعدى أو فرط، فإذا أعلمه -أي: الغاصب- أن هذا ملكه برئ منه سواء تلف أم لم يتلف؛ لأنه إذا تلف فهو بيد مالكه، وأما إذا أودعه إياه ولم يعلم فإنه يضمنه إذا أودع الغاصب المال المغصوب لمالكه، ومالكه لم يعلم فالضمان على مَن؟ على الغاصب، حتى لو تلف تحت يد المُودَع بلا تعدٍّ ولا تفريط، فإن الغاصب يضمنه؛ لأنه معتدٍ، والمالك أخذه على أنه ملك لمن؟ للغاصب.
(أَوْ آجَرَهُ إِيَّاهُ) غصبه سيارة -مثلًا- وآجره إياها يومًا أو أكثر ولم يعلم، فالضمان لو حصل عليها تلف -ولو بلا تعدٍّ ولا تفريط- الضمان على الغاصب؛ لأن يده يد عدوان، و «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1).
يقول: (أَوْ آجَرَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَبْرَأْ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ) يعني إلا أن يعلم مَن؟ المالك الذي أُودِع أو ارتهن أو أكل أو استأجر، فإذا علم، فمعلوم أن السلطة له على ماله والغاصب برئ.
قال: (وَيَبْرَأُ بِإِعَارَتِهِ)، (يَبْرَأُ) الفاعل الغاصب (بِإِعَارَتِهِ) يعود الضمير إلى المغصوب، لمن؟ إعارته لمن؟ لمالكه، يبرأ بإعارته لمالكه، مثال ذلك: رجل غصب كتابًا وأعاره مالكه، فهنا يبرأ، سواء علم المالك أم لم يعلم؛ وجه ذلك أنه إن علم أنه ملكه فقد تلف تحت يده، وإن لم يعلم فالمستعير ضامن بكل حال، فهو حتى وإن أخذه على أنه ملك للغاصب، فهو أيش؟ ضامن، ضامن بكل حال، وهذا مبني على أن المستعير ضامن بكل حال.
وقد سبق أن القول الراجح أن المستعير كغيره ممن يكون المال تحت يده بإذن من المالك أو إذن من الشارع، وأن يد المستعير يد أمانة، وعلى هذا لو تلف تحت يد مالكه في إعارة فالضمان على مَن؟ على الغاصب، إلا أن يعلم المالك أنه ملكه فيبرأ به، فكونه يبرأ بالإعارة وجهه أن المستعير ضامن بكل حال، وهنا نقول: إن أخذه المالك على أنه ملك للغاصب فهو مستعير، والمستعير ضامن، وإن أخذه عالمًا أنه ملكه فقد تم استيلاؤه عليه، فلا يضمن الغاصب، واضح؟
وعليه فيكون هذا مبني على القول بأن المستعير ضامن على كل حال سواء فرط أو تعدى أو لم يتعدَّ ولم يفرط، والصواب أنه كغيره من الأمناء؛ لأن المال حصل بيده أي بيد المستعير بإذن مِن، مِمَّن؟ من مالكه فإن تعدى أو فرط ضمن وإلا فلا.
قال: (وَمَا تَلِفَ أَوْ تَفيَّبَ مِنْ مَغْصُوبٍ مِثْلِيٍّ غَرِمَ مِثْلَهُ إِذن) أي: حين تلفه، (وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ يَوْمَ تَعَذُّرِهِ، وَيُضْمَنُ غَيْرُ المِثْلِيِّ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ تَلَفِهِ).
المغصوبات تنقسم إلى قسمين:
مغصوب مثلي؛ يعني له مثيل، ومغصوب غير مثلي.
المغصوب المثلي يُضمن بمثله، وغير المثلي يُضمن بقيمته، فلننظر ما هو المثلي؟
المثلي ضيق جدًا على المذهب، هو كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه، وليس فيه صناعة مباحة، هذا هو المثلي، كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه، وليس فيه صناعة مباحة.
فخرج بقولنا: "كل مكيل أو موزون" ما عدا المكيل أو الموزون، وعلى هذا فتعتبر البهائم مثلية أو غير مثلية؟
طلبة: غير مثلية.
الشيخ: غير مثلية، وخرج بقولنا: "يصح السلم فيه" المكيل المخلط الذي لا يصح السلم فيه لعدم انضباط صفاته، فهذا ليس بمثلي حتى ولو كان مخلطًا على وجه دقيق، بأن يكون فيه مثلًا جرام من كذا، وجرام من كذا، وجرام من كذا، فإنه لا يُعتبر مثليًّا؛ لأنه لا يصح السلم فيه، وخرج بقولنا: "ليس فيه صناعة مباحة" ما كان مصنوعًا صناعة مباحة، فليس بمثليٍّ، فالأواني كلها ليست مثلية، لماذا؟ لأن فيها صناعة مباحة، وأواني الذهب والفضة؟
طلبة: مثلية.
الشيخ: لا، غير مثلية، الصناعة حرام ولّا حلال؟
طلبة: حرام، نعم تكون على كلامهم مثلية؛ لأن هذه الصناعة ليس لها قيمة، فنعود إلى أصل الذهب والفضة، وهو الوزن، ويصح هذا على المذهب، كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه وليس فيه صناعة مباحة.
الفناجيل الموجودة الآن مثلية ولّا غير مثلية؟
طلبة: على المذهب غير مثلية.
الشيخ: إحنا على المذهب الآن، (... ).
طلبة: غير مثلية.
الشيخ: غير مثلية، لماذا؟
طلبة: فيها صناعة مباحة.
الشيخ: لأن فيها صناعة مباحة، الأواني كلها -حتى ولو كانت طقمًا واحدًا وفي سنة واحدة- ليست مثلية؛ لأن فيها صناعة مباحة..
وما تَلِفَ أو تَغَيَّبَ من مغصوبٍ مِثْلَيْ غُرْمِ مِثلِه إِذْنٌ، وإلا فقيمتُه يومَ تَعَذُّرِهِ، ويَضْمَنُ غيرَ المِثْلِيِّ بقيمتِهِ يومَ تَلَفِهِ، وإن تَخَمَّرَ عصيرٌ فالمِثْلُ، فإن انْقَلَبَ خَلًّا دَفَعَه ومعَه نَقْصُ قِيمتِه عَصِيرًا.
(فصلٌ)
وتَصَرُّفَاتُ الغاصِبِ الحُكْمِيَّةُ باطلةٌ، والقولُ في قِيمةِ التالِفِ أو قَدْرِه أو صِفَتِه قولُه، وفي رَدِّه وعَدَمِ عَيْبِه قولُ رَبِّه، وإن جَهِلَ ربَّه تَصَدَّقَ به عنه مَضمونًا، ومَن أَتْلَفَ مُحْتَرَمًا أو فَتَحَ قَفَصًا أو بابًا أو حَلَّ وِكاءً أو رِباطًا أو قَيْدًا, فذَهَبَ ما فيه أو أَتْلَفَ شيئًا ونحوَه ضَمِنَه،
غير مثليَّة، الصناعة حرام ولَّا حلال؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: حرام، إذن تكون على كلامهم مثلية؛ لأن هذه الصناعة ليس لها قيمة فنعود إلى أصل الذهب والفضة وهو الوزن ويصح هذا على المذهب كل مكيل أو موزون، أيش؟ يصح السلَّم فيه، وليس فيه صناعة مباحة.
الفناجين الموجودة الآن مثليَّة ولَّا غير مثلية؟ على المذهب؛ الآن نعرف المذهب قبل..
الطلبة: غير مثلية.
الشيخ: غير مثلية؛ لماذا؟
الطلبة: لأنها مباحة.
الشيخ: لأن فيها صناعة مباحة.
الأواني كلها حتى ولو كانت طقمًا واحدًا، وفي سنة واحدة ليست مثلية؛ لأن فيها صناعة مباحة.
الأقلام؛ لو أنه غصب القلم وكسَّره نعم؛ ليس مثليًّا لماذا؟ لأن فيه صناعة مباحة، مع أن القلم صنف واحد وشكل واحد في اللون والحجم وكل شيء يقول: هذا ليس بمثليٍّ؛ لأن فيه صناعة مباحة.
ولكن القول الراجح في هذا أن المثليَّ ما له مثيل أو مشابه سواء كان مكيلًا أو موزونًا، مصنوعًا أو غير مصنوع، كل ماله مثيلٌ أو مشابه فإنه مثلي.
القاعدة الآن: المِثليُّ يُضمن بمثله، متفَق عليها ولا غير متفق؟ القاعدة هذه متفق عليها، المثلي يضمن بمثله، لكن ما هو المثلي؟
هنا يأتي الكلام؛ وعلى هذا فلو أن شخصًا كسر فنجانًا لشخص، فهل نلزمه أن يأتي بفنجان مثله لصاحب الفنجان الأول؟
على المذهب لا، له قيمة الفنجان، وعلى القول الراجح يلزمه أن يأتي بفنجان.
لو أنه ذبح شاة ثنية التي صفتها كذا وكذا في السِّمَن والهزال واللون، وعنده أي عند ذابح الشاة شاة مثلها تمامًا، هل يضمن الشاة بهذه الشاة أو بالقيمة؟
طالب: المذهب، لا.
الشيخ: المذهب يُلزِمه بالقيمة، والقول الراجح في المسألتين جميعًا في الفنجان، يضمن بفنجان وفي الشاة يضمن بشاة.
لو أن رجلًا أخذ خبزة إنسان وأكلها، بماذا يضمنها على المذهب وعلى القول الراجح؟
على المذهب بالقيمة؛ ليش؟ لأن فيها صناعة، وأيضًا هي غير مكيلة، وعلى القول الراجح: يضمنها بمثلها، فإذا كان رجلان واقفين عند الفرَّان، فقدَّم الفران الخبزة لفلان وأخذها ثم خطفها الثاني من يده وأكلها فكيف يضمن؟
على المذهب بالقيمة، وعلى القول الراجح يقول: انتظر حتى يعطيني خبزتي، وخذها وينتهي كل شيء.
فالقول الراجح هو هذا أن المثلي أيش؟ كل ما له مثل أو شبه، وسواء كان مكيلًا أو موزونًا أو حيوانًا أو جمادًا أو مصنوعًا أو غير مصنوع، ويدلُّ لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف إبلًا فرد مثلها ولم يرد القيمة.
وعلى المذهب لو استسلفت شاة من جارك تردُّ قيمتَها لا مثلها؛ لأنها غير مثلية ليست مكيلة ولا موزونة، ويدل لهذا أيضًا قصة الصحفة والطعام؛ حيث أرسلت إحدى أمهات المؤمنين إلى النبي صلى الله عليه وسلم طعامًا بصحفة مع رسول لها، فأتى الرسول بالطعام بالصحفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بيت إحدى نسائه، فغارت التي هو في بيتها، وضربت بيد الرسول حتى سقطت الصحفة وتكسَّرت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم صاحبة البيت أن تعطي هذه صحفتها وهو طعامها، وقال: «طَعَامٌ بِطَعَامٍ وَإِنَاءٌ بِإِنَاءٍ» (1) وهذا دليل واضح، ثم -سبحان الله- أيُّما أدق أن يضمن الإنسان فنجانًا بفنجان أو صاعًا بصاع؟
الطلبة: الأول.
الشيخ: الأول، بلا شك؛ لأن المماثلة في الفنجان بالفنجان متطابقة تمامًا، والمماثلة بين صاع وصاع لا بد أن تختلف، لا بد أن يكون هناك زيادة يسيرة فصارت القاعدة، أولًا القاعدة ما هي؟
أن المثليَّ يضمَّن بمثله؛ لأن مطابقة المثلي لمثله أقوى من مطابقة القيمة للشيء، القيمة تقدير وتخمين، والمماثلة مماثلة، لكن يبقى النظر ما هو المثلي؟ المذهب عرفتموه وأنه ضيق، والصواب أنه أعمُّ مما قالوا، إذا قدَّرنا أنه أتلف مثليًّا ولكن تعذر المثلي؛ مثل غصبه في مُحَرَّم وأتلفه، وما زال له نظير في السوق، وفي ربيع مثلًا فُقِدَ من السوق، ثم في جمادى طالبه المالك أن يضمَّن، فماذا يضمن الآن؟
الطلبة: القيمة.
الشيخ: القيمة متى؟ وقت الضمان أو وقت التعذر؟ يقول المؤلف: (وإلَّا فقيمته يوم تعذره) ووجه هذا القول أنه لما تعذَّر ثبتت القيمة فلزمه الضمان بالقيمة وقت التعذر، ولو قيل: إن عليه الضمان بالقيمة وقت الاستيفاء منه لكان له وجه؛ وذلك أن الأصل ثبوت المثل في ذمته حتى يسلمه، هذا هو الأصل، وهو إذا تعذَّر فيما بين الإتلاف وبين الاستيفاء فقد لا يتعذر عند الاستيفاء، ربما يتعذر مثلًا في ربيع ولكن لا يتعذر في جمادى، لو قيل بهذا لكان أوجه وهو أن نضمنه المثل، فإن تعذَّر فقيمة المثل متى؟ وقت الضمان؛ لأن الأصل أن الذي ثبت في ذمة الغاصب هو المثل، والتعذر قد يكون في حين ولا يكون في حين آخر؛ فالصواب أنه يضمنه؛ يضمن المثلي إذا تعذر بقيمته وقت الضمان.
قال: (ويضمَّن غيرُ المثليِّ بقيمتِه يومَ تَلَفِه) غيرُ المثليِّ يضمنه بقيمته يوم تلفه؛ وذلك لأن غير المثلي تثبت القيمة من حين ما يغصبه من حين الغصب تثبت القيمة، وإذا كانت تثبت القيمة فإننا نقول: لو تلف هذا الذي ليس بمثلي فقيمته وقت التلف؛ لأنه قبل التلف لا يزال ملكًا لأيش؟ لصاحبه، فزيادته ونقصه على صاحبه، لكن المغصوب كما تعرفون اختلف العلماء هل يُضمَّن بنقص السعر أو لا؟ وسبق القول فيه.
قال: (وإن تخمَّر عصيرٌ فالمثل) إنسان غصب عصير عنب ثم تخمر، لما تخمَّر العصير زالت ماليته وصار الواجب إراقته، فيقول المؤلف: إنه إذا تخمَّر العصير ضمنه بالمثل أي: مثل أيش؟ مثل العصير لا مثل الخمر؛ وذلك لأن تخمره بمنزلة تلفه والعصير مثليٌّ؛ لأنه مكيل أو موزون؛ قال: (وإن تخمَّر عصير فالمثل) مثل أيش؟ مثل العصير؛ وذلك لأن تخمره بمنزلة التلف.
(فإن انقلبَ خَلًّا) (انقلب) يعني: بعد أن تخمر (انقلب خلًّا) يعني: زالت الشدة المسكرة فيه، (دفعه) أي: دفع الخل، (ومعه نقص قيمته عصيرًا)؛ لأنه إذا تخمَّر ثم تخلل، لا بد أن ينقُص فيضمن نقص قيمته عصيرًا؛ لأنه حصل النقص وهو في يد الغاصب.
وكونه يضمَّن النقص الآن نقص القيمة قد يكون مؤيدًا لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ وهو ضمان نقص السعر، لكن هم يقولون: إن النقص هنا ليس لمجرد السعر، لكن لنقص العين، ما هو لنقص السعر؛ لأنه لو بقي خمرًا فهو على قيمته، لكن نقصت قيمته؛ لأنه تخمَّر ثم عاد فصار خلًّا فصار هذا النقص في الحقيقة ليس عائدًا لمجرد نقص السعر، ولكنه لنقص العين، معلوم هذا فاهمين الصورة الأخيرة؟
الطلبة: لا يا شيخ.
الشيخ: لا إله إلا الله، كما يقول العامة: نسقي بلا ماء؛ رجل غصب عصير عنب، أتعرفون عصير العنب أو ما تعرفونه؟ ثم تخمَّر لما تخمر صار تحول الآن من عين حلال إلى عين حرام، لكنه في نفس الوقت عاد خلًّا؛ لأنه قد يتخلل الخمر بنفسه، وإذا تخللت الخمرة بنفسها فهي حلال، الآن عاد إلى كونه عصيرًا، لكنه عصير متخلل من خمر، هل يَنْقُص أو لا ينقص؟ ينقص طبعًا؛ لأنك لو أتيت بهذا الإناء الذي تخلل بعد التخمر وإناء مثله عصير لكانت قيمة الإناء العصير أكثر بلا شك، يقول المؤلف: يدفعه يعني الغاصب يدفع هذا الخمر الذي تخلل؛ لماذا؟ لأنه عين ملكه عين ملك صاحبه، فيدفعه المالك يقول: نقصت عينه غصبه عصيرًا يساوي مئة الآن، ما يساوي إلا ثمانين، هل يضمن النقص أو لا؟
الطلبة: يضمَّن.
الشيخ: يضمَّن النقص؛ ولهذا قال: (ومعه نقصُ قيمته عصيرًا) يعني: نقص قيمته عن كونه عصيرًا، واضح الآن، ولَّا ما هو بواضح؟
الطلبة: واضح.
الشيخ: الحمد لله، قلنا: هل يمكن أن يقال: إن هذا شاهد لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية من أن نقص السعر مضمون على الغاصب؟
نعم قلنا: لا يمكن، لماذا؟ لأن نقص السعر هنا لنقص العين، ليس للقيمة، بل لنقص العين، فلا يكون فيه رَدٌّ على من قالوا: إن النقص بالسعر لا يضمن، ولكن سبق لنا أننا فصَّلْنا في هذا، وأنه إن قَصَد تأخير تسليمه حتى يزول الموسم وينقص السعر فعليه الضمان وإلا فلا، ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل: وتصرفاتُ الغاصبِ الحُكْمِيَّةُ باطلة) تصرفات الغاصب الحكمية.
تصرفات الغاصب تنقسم إلى قسمين حُكْمِيَّة وغير حكمية، الحكمية هي التي توصف بالحكم صحة أو فسادًا، هذه الحكمية، البيع منه صحيح وفاسد، الإجارة منها صحيح وفاسد، الوقف منه صحيح وفاسد، الرهن منه صحيح وفاسد، جميع التصرفات الحكمية التي يلحقها حكم بالصحة أو الفساد تعتبر بقول المؤلف باطلة، فبيع الغاصب للمغصوب باطل، تأجيره للمغصوب باطل، ويظهر ذلك فيما لو غصب دارًا وآجرها شخصًا بعشرة آلاف ريال، ثم مَنَّ الله عليه بالتوبة ورَدِّ الدار إلى مالكها، فهل تأجيره هذا صحيح أو باطل؟ فهذا باطل، لو قلنا: إنه صحيح، لكان لمالك البيت الأجرة التي تم العقد عليها، كم هي؟
الطلبة: عشرة آلاف.
الشيخ: عشرة آلاف، وإذا قلنا: غير صحيح.
فإنه يضمَّن -أي الغاصب- الأجرة، فإذا قدَّرْنا أنه يؤجر باثني عشر ألفًا فإنه يضمن الغاصب العشرة والألفين؛ لأن العقد الأول غير صحيح، ولو قلنا: إنه صحيح لم يلزمه إلا عشرة.
رجل غصب بيتًا وآجره بعشرة آلاف ريال، الإجارة تنقسم إلى صحيحة وفاسدة ثم مَنَّ الله عليه واهتدى وردَّ البيت إلى مالكه، وقد أخذ عشرة آلاف، الأجرة هل نقول: نمضي هذه الأجرة ونقول لمالك البيت: خذ عشرة آلاف؟ لأن الإجارة باطلة، إذن ما الذي يجب؟
يجب الأجرة، يقدِّر البيت بالأجرة قالوا: الأجرة باثنا عشر ألفًا نأخذ عشرة من المستأجر ونطلب من الغاصب كم؟ ألفين؛ لأن عقد الإجارة صار غير صحيح وهي باطلة، ويجب أن يُضمن لصاحب البيت الأجرة المعتادة.
لو قلنا: إن الإجارة صحيحة، كم يلزم؟
الطلبة: عشرة آلاف.
الشيخ: عشرة آلاف فقط، لكن الإجارة فاسدة، أما المستأجر الذي أخذها بعشرة آلاف، والبيت يساوي اثني عشر ألفًا، هل نضمنه اثني عشر ألفًا أو عشرة؟
طلبة: عشرة.
الشيخ: خطأ.
طالب: فيه التفصيل.
الشيخ: فيه التفصيل؛ إن كان عالمًا بأنه مغصوب نضمنه بكم؟
الطلبة: باثني عشر.
الشيخ: باثني عشر إن كان غير عالم نضمنه عشرة (... ).
طالب: لو غَصَب آلةَ صانع وردَّها إليه بعد فترة، وكان العامل الصانع منع العمل في هذه الفترة من أجل غصب الآلة، فهل يضمن ما كان يكسبه الصانع في هذه المدة؟
الشيخ: لا، يضمن الأجرة، أجرة الماكينة هذه.
الطالب: لكن يقول الصانع: إنه منع العمل بسبب الغصب.
الشيخ: من؟
الطالب: الصانع.
الشيخ: هو منع الصانع ولَّا غصب الآلة؟
الطالب: غصب الآلة التي يعمل بها.
الشيخ: ما عليه منه.
طالب: شيخ، ليس فيه صناعة مباحة.
الشيخ: ليس فيه صناعة مباحة، الحلي صناعة مباحة ولَّا غير مباحة للنساء؟
طالب: مباحة.
الشيخ: مباحة، هذا ليس بمثلي؛ لأن فيه صناعة مباحة، آنية الذهب صناعة غير مباحة، هذا مثلي لكن لا يضمنه بآنية، أفهمت؟
يعني: مثلًا إنسان غصب حليَّ امرأة مباحًا، وأتلفه نقول: عليك أيش؟
طالب: إذا كان فيه صناعة مباحة؟
الشيخ: إي، حلي، مباحة.
طالب: القيمة يا شيخ.
الشيخ: عليه القيمة.
ورجل آخر غصب إناء من ذهب وأتلفه؟
الطالب: عليه المثل.
الشيخ: المثل، ويش المثل؟
الطالب: يعني: (... ).
الشيخ: يعني: إناء من ذهب يجوز الإناء من الذهب؟
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: أيش نعمل؟
نقول: كم وزن هذا الإناء من الذهب؟ قالوا: وزنه مثلًا ثلاثين غرامًا نعطيه ثلاثين غرامًا من الذهب فإذا قال مالك الإناء: الإناء مصنوع، وأنا أريد قيمة المصنوع، قلنا: هذه الصناعة صناعة محرمة ليس لها قيمة شرعًا فنعطيك ذهبًا غير مصنوع، واضح ولَّا لا؟
طالب: (... ) الغاصب تصرفاته الحكمية باطلة إذا غصب بيتًا مثلًا وأَجَّره مثلًا بعشرين ألف، وأجرة المثل عشرة آلاف، ثم قبض قيمته، المستأجر ماذا يدفع (... )؟
الشيخ: (... ) أمثلك يجهل هذا؟
طالب: قيمة المثل يا شيخ، عشرة آلاف.
الشيخ: إي نعم، يعني: قيمة المثل أنقص مما آجره به، أمثلك يجهل هذا؟ ألم يتقدمنا إِنَّ كَسْبَ المغصوب ونماءه لمن؟ للمالك.
طالب: (... ) المغصوب الغاصب.
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله.
طالب: قول (... ) هل على المالك أن يقبلها أو له أن يقبلها وله أن يردها ويأخذ عين عصيره؟
الشيخ: سمعتك، كلام المؤلف واضح.
الطالب: (... ) قبوله.
الشيخ: يقول: يرده يا رجل نقص القيمة.
الطالب: بنقص القيمة، هل يلزم بهذا؟
الشيخ: من الذي يلزم؟
الطالب: المالك.
الشيخ: إي يلزم (... ).
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل
وتصرفات الغاصب الحكمية باطلة، والقول في قيمة التالف أو قدره أو صفته قوله، وفي رده وعدم عيبه قول ربه، وإن جهل ربه تصدق به عنه مضمونا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين سبق لنا.
(وما تلف أو تعيَّب من مغصوب) إنها نسختان (تعيَّب) و (تغيَّب) لكن الشارح حلها على أنها (تغيَّب) بالْغَيْنِ، ومراده تغيب غيبة لا يمكن الحصول عليها؛ لأنه إذا تغيب غيبة لا يمكن الحصول عليه فكأنما تلف، فتصحح النسخ إلى تغيب.
قال المؤلف رحمه الله: (فصل: وتصرفات الغاصب الحكمية باطلة) (تصرفات) مبتدأ و (الحكمية) نعت لـ (تصرفات).
(الحكمية) يعني التي يلحقها حكم من صحة أو فساد؛ لأن تصرفات الغاصب من حيث الحكم التكليفي كلها حرام من حيث الحكم الوضعي، وهو الحكم بالصحة والفساد، ما كان له حكم من صحة أو فساد فإن تصرفات الغاصب فيه باطلة، يعني أن وجودها كالعدم؛ فمثلًا إذا غصب ثوبًا فباعه، الغصب حكمه حرام البيع حرام، هل هو صحيح أو فاسد؟ ننظر؛ هل البيوع منها صحيح وفاسد؟
الجواب: نعم، منها صحيح وفاسد، وعلى هذا فيكون هذا البيع باطلًا، لا ينتقل به الملك إلى المشتري؛ لأن من شرط البيع أن يكون من مالك أو من يقوم مقامه، والغاصب لا يقوم مقام المالك.
وفُهِمَ من قوله: (الحكمية) أن غير الحكمية لا يُحكم لها بصحة أو فساد، فلو غصب ماءً فأزال به نجاسة، فهل نقول: إن الإزالة غير صحيحة؟
الجواب: لا؛ لأن إزالة النجاسة لا يقال: صحيحة وفاسدة، وعلى هذا فلو غصب ماء فأزال به نجاسة على ثوبه طهر الثوب؛ لماذا؟ لأن إزالة النجاسة ليس له حكم بالصحة ولا بالفساد.
لو غصب ماء فتوضأ به فهل يصح وضوؤه؟ ننظر هل الوضوء ينقسم إلى فاسد وصحيح؟
الجواب: نعم، إذن لا يصح وضوؤه بالماء المغصوب؛ لأنه تصرفٌ حكمي، أي: يلحقه الصحة والفساد.
فصار الضابط الآن تصرفات الغاصب من حيث الحكم التكليفي حرام مطلقًا، من حيث الصحة والنفوذ تنقسم إلى قسمين؛ ما له حكم من صحة أو فساد يكون تصرفُّ الغاصب به باطلًا، وما ليس له حكمُ تصرفٍ فيه نافذًا؛ المثال: رجل غصب ماءً فأزال به نجاسة على ثوبه، فهل يطهر الثوب؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنه لا يقال: إزالة النجاسة قسمان صحيحة وفاسدة.
وآخر غصب الماء وتوضأ به نقول: وضوؤه ليس بصحيح، لماذا؟ لأن الوضوء ينقسم إلى صحيح وفاسد.
مثال آخر: رجل غصب ثوبًا فباعه، حكم البيع فاسد، لماذا؟ لأنه من التصرفات الحكمية التي يلحقها الصحة والفساد.
هذا هو الضابط.
وظاهر كلام المؤلف أن تصرفات الغاصب الحكمية باطلة سواء أجازه المالك أم لم يجزه، وسواء تضرر الغاصب وغيره بذلك أم لا.
ولننظر فالقول الراجح في هذه المسألة خلاف ظاهر المؤلف، وهو أنه إذا أجازه المالك فالتصرف صحيح؛ لأن تحريم التصرف لحق الغير لا لحق له، فإذا أجازه صاحب الحق زال المانع، وعلى هذا فإذا قيل للمالك: إن الغاصب قد باع ثوبك، فقال: أنا أجزته.
فالبيع صحيح، والمشتري يملك الثوب، أما إذا لم يجزه فإن البيع لا يصح، ويجب على المشتري ردُّ الثوب وأخذ ثمنه الذي بذله فيه؛ لأن التصرف غير صحيح.
الآن فهمنا ظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح سواء أجازه المالك أم لا، والصحيح أنه إذا أجازه فهو صحيح نافذ؛ لأن تحريم التصرف فيه في حق الغير، فإذا أسقط حقه سقط.
القول الثاني في هذه المسألة يقول: إن كانت التصرفات يسيرة؛ مثل أن باعه على شخص ثم اطلع عليه المالك وطالب به فهو له ويأخذه من المشتري، أما إذا صَعُبَ وتعسَّر أو تعذر، مثل أن باعه الغاصب على واحد، والواحد على آخر، وهكذا تناقل الناس هذا المغصوب، فإن التصرفات صحيحة، بناء على الحرج والمشقة التي تلحق فيما لو حكمنا ببطلان التصرف؛ لأن فيه مشقة، وأيضًا ربما يكون المغصوب بعيرًا غصبه الغاصب وباعه على شخص وولدت البعير وكثُر نسلها، فكيف نقول: إنه باطل مع العسر والمشقة العظيمة؟ !
المخرج من هذه المشقة أن يجيزه المالك؛ إذا أجازه المالك على القول الراجح صح البيع وانتهى كل شيء، لكن إذا لم يجزه فالمذهب لا بد أن يرد إلى مالكه مهما كانت الظروف، والقول الثاني أنه مع العسر والمشقة يُحكَم بالصحة للضرورة، ويقال لمالكه: لك مثل بعيرك إذا قلنا بأن الحيوان مثلي أو قيمته إذا قلنا: إن الحيوان ليس بمثلي.
ظاهر كلام المؤلف: أن الغاصب لو ذكَّى الشاة التي غصبها صارت حرامًا؛ لأن التذكية تنقسم إلى صحيحة وفاسدة، فتكون تذكية الغاصب غير مبيحة للمذكاة.
القول الثاني في أصل المسألة أن تصرفات الغاصب صحيحة، وهي رواية عن أحمد رحمه الله رواية مطلقة أن تصرفاته صحيحة، ولكن للمالك أن يستردها؛ فمثلًا إذا ذكى الشاة، فالتذكية على هذه الرواية صحيحة والشاة لمن؟ لمالكها ترجع لمالكها وإذا طالب بالمثل وقلنا: إنها مثلية ضمنها بمثلها، وإذا قلنا: إنها متقومة وطالب بمثلها حية، وقال: إن قيمتها حية أكثر من قيمتها لحما أعطيناه الفرق أو أعطيناه القيمة كاملة واللحم يكون للغاصب.
كذلك أيضًا لو توضأ بماء مغصوب فعلى هذه الرواية التي هي خلاف المذهب الوضوء صحيح وهو الصحيح أن الوضوء صحيح؛ لأن هذا التصرف لا يختص بالوضوء؛ إذ إن تصرف الغاصب بالمغصوب يشمل الوضوء وغير الوضوء، فالغاصب لم يُنه عن الوضوء، لم يُقل له: لا تتوضأ من الماء المغصوب، بل قيل له: لا تتصرف بالماء المغصوب، ولما لم يكن النهي خاصًّا بل كان عامًّا صارت العبادة صحيحة، هذا هو القول الراجح، ويدلُّ لهذا الغِيبة على الصائم حرام ولا حلال؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: والأكل؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: حرام، لو أكل فسد صومه، لو اغتاب لم يفسد؛ لماذا؟ لأن الأكل حرام على الصائم بخصوصه، والغِيبة ليست حرامًا على الصائم بخصوصها، عليه وعلى غيره، فتبين بهذا الفرق الواضح بين العموم والخصوص.
إذن خلاصة القول الراجح: تصرفات الغاصب أيش؟ صحيحة، أما إن أجازها المالك فهذا أمر واضح مثل الشمس، وأما إذا لم يجزها.
فالصحيح أيضًا صحتها، لكن إذا كان عين ماله باقيًا أي عين المالك باقيًا؛ فله أن يسترده ويقول: هذا عين مالي، وأنت أيها المشتري اذهب إلى الغاصب ومالي أريده.
ثم قال: (والقول في قيمة التالف، أو قدره، أو صفته قوله).
أي: قول الغاصب.
(القول في قيمة التالف) يعني: لو غصب شيئًا فتلف -وكان متقومًا- فقال المالك: قيمته ألف، وقال الغاصب: قيمته خمس مئة، مَنِ القول قوله؟
الطلبة: الغاصب.
الشيخ: قول الغاصب، لماذا؟
إن شئت فقل: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (2) والآن الغاصب والمالك اتفقا على أن القيمة خمس مئة وادعى المالك الزيادة، فيكون المالك مدعيًا، والبينة على من؟ على المدعي واليمين على من أنكر، ومن هذا الحديث أخذ العلماء القاعدة التي ذكرناها لكم، وهي أن كل غارم فالقول قوله.
لكن كل من قلنا: القول قوله -وهو يتعلق بحق الآدميين- فإنه لا بد من اليمين لقوله عليه الصلاة والسلام: «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، أما الذي يتعلق بحق الله فالقول قول المنكِر بلا يمين، فلو قال المحتسِب: يعني: الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لصاحب المال: أدِّ الزكاة، فقال: والله أنا زكيت مالي، فقال المحتسب: لا، الزكاة باقية عليك قال: أبدًا ما بقيت؛ فالقول قول مَنْ؟ المالك، بيمين أو بغير يمين؟
الطلبة: بغير يمين.
الشيخ: بغير يمين، ولو قيل له: صَلِّ، قال: صليَّتُ، لا يجوز أن نحلِّفَه، ولا يَلْزمه اليمين، لو قلنا: احلف، قال: ما أنا بحالف، لَكُنَّا نحن الآثمين؛ الذين نأمره باليمين هذا شيء بينه وبين ربه، والناس مؤتمنون على أديانهم، لكن بما يتعلق بحق الآدميين؛ المنكِر لا بد من اليمين على إنكاره (... ).
طالب: المساجد (... ) أحدًا (... ) المساجد، هل لنا أن نلزمه أو نحلفه أو نسكت عنه؟
الشيخ: لا، أبدًا نسكت عنه إذا قال: صلى؛ صلى، نعم إذا قلنا: صلِّ مع الجماعة، وقال: صليت مع الجماعة وهو لم يُصلِّ، نقول: نسأله في أي مسجد؟ حتى لو قال: صليت في أي مسجد ما نقول: عيِّن، لكن لكل مقام مقال، بعض الناس يقف على ظني أنه لم يصل مع الجماعة وبعض الناس لا.
طالب: (... ) أن الراجح (... ) فعل الغاصب أشكل عليَّ أنه قلنا في بداية شروط البيع أنه لا بد أن يكون البائع مالكًا أو من ينوب منابه، كيف صححنا؟
الشيخ: إي على هذا الرأي الغاصب مستثنى.
طالب: هل إذا قُذف الإنسان فهل يُطالب بالإنكار ثم بالحلف؟
الشيخ: كيف يُطالب بالإنكار؟ يُقال للقاذف: إما أن تقيم بينة على قذفك فلانًا وإلا فثمانون جلدة.
الطالب: هل يطالب بالإنكار المقذوف؟
الشيخ: كيف يطالب؟
الطالب: يعني: يقال: أنكر بأنه وقع منك هذا الذي قُذفت به.
الشيخ: إذا كان المقذوف قد زنى، ما يجوز يُنكر؛ لأنه إذا أنكر جلد هذا.
الطالب: هل يطلب منه ابتداء أو لا يطلب أبدًا؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: هل يطالب بهذا الإنكار أو لا يطالب أصلًا؟
الشيخ: من؟
الطالب: المقذوف.
الشيخ: إذا علم المقذوف أنه زان ما يجوز ينكر فضلًا عن أن يقال له: أنكرْ.
طالب: بارك الله فيك (... ).
الشيخ: (... ).
الطالب: (... ).
الشيخ: في أيش؟
الطالب: تصرفات الغاصب، ما قولكم؟
الشيخ: هو على كل حال تحتاج إلى القاضي، وأنا قلت لكم: إذا وَجد المالك عين ماله فله أن يأخذه ويقول للمشتري أو المستأجر: ارجع إلى الغاصب.
طالب: ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في المسألة وهي في الحقيقة أن لها وجهة أخرى وهو قرينة العدالة في المنكِر والمدَّعي.
الشيخ: منكر إيه؟
الطالب: المنكر الحق يعني قرينة العدالة يخاصمه اثنان؛ واحد صاحب عدالة، وواحد صاحب فسوق.
الشيخ: ما قال شيخ الإسلام؟
الطالب: قال إيه؟
الشيخ: لو ادعى مسلم على كافر، وأنكر الكافر ما حكمنا للمسلم.
الطالب: أذكر، مرت علينا.
الشيخ: دور وأعطيني إياها، لعلها في غير هذا، في غير المسألة هذه لعلها فيمن قُتِلَ للدفاع عن النفس وادعى أولياء المقتول أنه غير صائل، وكان القاتل الذي ادعى الصولة معروف بالصلاح والخير وكان الصائل المقتول معروف بالشر والفساد لعلك ذهب وهمك إلى هذا.
الطالب: الله أعلم يا شيخ، أتأكد هذا.
الشيخ: تعمله وتعطيني إياه جزاك الله خيرًا.
طالب: (... ) نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب الغصب:
(والقولُ فِي قيمة التالف أو قدره أو صفته قولُه.
وفي ردِّه وعدم عيبه قول ربه، وإن جهل ربَّه تصدق به عنه مضمونًا.
ومن أتلف محترمًا أو فتح قفصًا أو بابًا أو حلَّ وكاء أو رباطًا أو قيدًا فذهب ما فيه أو أتلف شيئًا ونحوه ضمنه، وإن ربط دابة بطريق ضيق فعثر به إنسان ضَمِنَ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، ما حكم تصرفات الغاصب في الحكم التكليفي والحكم الوضعي؟
طالب: في الحكم التكليفي التصرفات الحكمية باطلة.
الشيخ: في الحكم التكليفي؟
الطالب: صحيحة.
الشيخ: إي.
طالب: تصرفاته حرام.
الشيخ: حرام، تصرفاته حرام؛ لأنه تصرف في غير ملكه؛ يعني: ليس له حق التصرف لا بملك ولا بالولاية، تصرفاتُه الوضعية؟
طالب: فيها تفصيل؛ إن كان مما يُحكَم فيه بصحة وفساد.
الشيخ: إن كان مما يحكم فيه بصحة وفساد فهي فاسدة وإلَّا..
الطالب: فهي صحيحة.
الشيخ: وإلا فهي صحيحة.
توافقه على هذا ولَّا لا؟ توافقه؛ أيش قال؟
طالب: إذا كانت (... ) بالصحة والفساد فهي فاسدة.
الشيخ: إذا كانت مما يلحقه الحكم بالصحة والفساد وإلَّا..
طالب: فهي صحيحة.
الشيخ: مثلٌ للأول؟
الطالب: كالبيع.
الشيخ: البيع؛ يعني؟
الطالب: إذا غصب ثوبًا وباعه فلا يصح البيع.
الشيخ: فإذا غصب ثوبًا وباعه فالبيع غير صحيح، هل ينتقل الملك إلى المشتري أو لا؟
الطالب: لا ينتقل.
الشيخ: لا ينتقل؛ مثال تصرفات الغاصب غير الحكمية؟
طالب: الرهن.
الشيخ: لا، الرهن ما فيه صحيح وفاسد؟
الطالب: فيه.
الشيخ: إذن لا يصح التمثيل به.
طالب: (... ).
الشيخ: لا.
طالب: إذا غصب طعامًا وأكله.
الشيخ: إي، صحيح، ماذا نقول: هل نقول: هذا الأكل صحيح ولَّا باطل؟
الطالب: ما فيه باطل وغير باطل.
الشيخ: يعني: ما فيه فاسد وغير فاسد، صحيح، مثال آخر؟
طالب: إزالة النجاسة، غصب ماء وأزال به النجاسة..
الشيخ: مثل أن يغصب ماء فيزيل به النجاسة، فالثوب يطهر كذا؟ ثم إنا ذكرنا أن المسألة فيها رواية أخرى عن أحمد..
طالب: صلاة الغاصب صحيحة.
الشيخ: أنها صحيحة، وبناء على ذلك لو توضأ بماء مغصوب.
الطالب: فالوضوء صحيح.
الشيخ: فالوضوء صحيح، وعليه لصاحبه قيمة الماء أو مثله، فيه قول ثالث وهو أصح؟
طالب: إن كان في حقه مشقة (... ) قلنا له بأن البيع هذا التصرف صحيح ليس بفاسد..
الشيخ: للضرورة يعني: إذا كان يشق أن تُبطل تصرفات الغاصب لكون المغصوب، انتقل من شخص لشخص وما أشبه ذلك، فهنا يُحكم بالصحة للضرورة، في قول رابع؟
طالب: قول ثالث.
الشيخ: لا، تكلم قول رابع، ولعله أحسنه.
طالب: قلنا: إن تصرفات الغاصب صحيحة، إن أجازها المالك وإذا لم يجزها.
الشيخ: أنه إذا أجازها المالك.
الطالب: فهي صحيحة.
الشيخ: فهي صحيحة، وإذا لم يجزها فهي باطلة، فلو غصب شاة فباعها فجاء مالكها فله أن يبطل البيع ويأخذ الشاة، ولكن على من يرجع المشتري بالثمن؟
الطلبة: على الغاصب.
الشيخ: يرجع على الغاصب؛ لأن قرار الضمان عليه، الصحيح أن أصح الأربعة هو إما أن يُوقف على إجازة المالك أو يقال: إنه إذا كان يلحق بذلك مشقة، فإنا نمضي التصرف للضرورة.
قال: (والقول في قيمة التالف أو قَدْرِه أو صفته قولُه) (القول في قيمة التالف) يعني؛ لو غصب شيئًا فتلف؛ غصب مأكولًا فأكله، أو ملبوسًا فأبلاه، أو حيوانًا فهلك ثم اختلفا المالك والغاصب في قيمة التالف فالقول قول الغاصب؛ مثاله غصب شاة وهلكت؛ ماتت فأراد أن يضمنها لصاحبها فقال صاحبها: قيمتها مئة، وقال الغاصب: بل ثمانون، فالقول قول الغاصب، الدليل لذلك؛ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (2) فهنا القيمة التي قدرها ثمانون متفق عليها، أليس كذلك؟ رب الشاة يقول: قيمتها ثمانون.
والغاصب يقول: قيمتها ثمانون، العشرون الزائدة هذه بها مدع ومنكر، مَن المدعي؟ المالك، والمنكر الغاصب فنقول للمالك: ائت ببينة على أن قيمتها مئة وإلا فلك يمين الغاصب، هذا دليل من السنة، هذه السنة بنى عليها العلماء رحمهم الله قاعدة؛ وهي أن القول قول الغارم؛ ولهذا تجدون في كتب الفقهاء تعاليل كثيرة القول قوله؛ لأنه غارم وهذا التعليل مأخوذ من الحديث الذي سمعتم.
القول في قَدْرِه قول الغاصب؛ فرجل غصب شاة وتلفت ثم جاء صاحبها وقال: إنك غصبت شاتين أو شاة وولدها، فقال: بل غصبت واحدة لا ولد معها.
فالقول قول مَنْ؟
طالب: الغاصب.
الشيخ: ماذا قلت؟
الطالب: لو اختلفا في القدر فإن القول قول الغاصب.
الشيخ: لكن بماذا مثلت؟
الطالب: إذا قال: غصبت شاة (... ) الغاصب.
الشيخ: أو شاتين فالقول قول الغاصب الدليل «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
ومن التعليل؛ أن الغاصب غارم وكل غارم فإنه يُقبَل قوله فيما غرم ولكن لاحظوا أن كل من قلنا القول قوله، فإنه لا بد من اليمين فيما يتعلق بحقوق العباد، أما حق الرب عز وجل فإن الإنسان لا يُحلَّف لو قيل له: صلِّ.
قال: صليت، لا يجوز أن نحلفه، قيل له: أدِّ زكاة مالك.
قال: أديتها.
لا يجوز أن نحلفه، هذا شيء بينه وبين ربه.
(أو صفته) صفة أيش؟ صفة المغصوب القول قوله، فإذا غصب من شخص شاة، وتلفت، فقال مالكها: إنها سمينة لبون بمعنى؟
الطلبة: ذات لبن.
الشيخ: ذات لبن، فقال الغاصب: بل هزيلة لا لبن فيها، فالقول قول الغاصب، والدليل والتعليل كما عرفتم.
(وفي ردِّه وعدم عيبه قول ربه) يعني: إذا اختلف الغاصب والمالك؛ فقال للغاصب: إني رددته عليك، وقال المالك: لم ترده، فهنا قد اتفقا على شيء وادعى أحدهما خلاف ما اتفقا عليه، اتفقا على أن العين كانت عند الغاصب، ثم ادعى الغاصب أنه ردَّها، وهذه دعوى فوق ما اتفقا عليه، فنقول: القول قول المالك، الدليل: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» فالطرفان متفقان على أن العين المغصوبة كانت عند الغاصب، ثم ادَّعى الغاصب أنه ردَّها فنقول: عليك البينة، وإلا فيحلف المالك ويُحْكَم له بها، هذا من حيث الدليل.
من حيث التعليل؛ نقول: الأصل عدم الرد، ما دام الغاصب قد أقرَّ أنها عنده وأنه غصبها فالأصل عدم الرد، وهذا يقاس على قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ وَجَدَ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ، أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؛ فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (3) فإن هذا الحديث أصل في بناء الأمور على ما كانت عليه، كذلك أيضًا.
(في ردِّه وعدم عيبه قولُ ربِّه) هنا يجب أن ننظر بعض الشيء؛ غصب شاة فتلفت فأراد أن يضمنها بقيمتها، لكنه -أي: الغاصب- قال: إنها معيبة، إنها تعرج وعرجها بَيِّن، وقال المالك: بل هي سليمة؛ ومعلوم أن السليمة أغلى من المعيبة، فهنا مَن القول قوله؟
تعارَضَ في الحقيقة أصلان، أو أصل وظاهر، الأصل الأول السلامة، وإذا أخذنا بهذا الأصل قلنا: القول قول المالك؛ لأن الأصل السلامة وعدم العيب، وتعارض أصل آخر وهو الغرم؛ لأن الغاصب -إذا قلنا: إنها سليمة- فسوف يَغرم زيادة على ما أقر به؛ أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: لأنها إذا كانت معيبة سيغرم -مثلًا- ثمانين ريالًا، وإذا كانت سليمة سيغرم مئة، الآن زاد الغرم عليه، والأصل أن الغارم يُقبَل قوله.
فهل نقول: إن القول قول الغاصب؛ لأنه غارم، أو نقول: إن القول قول المالك؛ لأن الأصل السلامة؟
نقول: القول قول المالك؛ لأن الأصل السلامة، وهذا الأصل متقدم على الأصل الثاني؛ لأن العيب حادث على السلامة فقُدم هذا الأصل على أصل الغرم، وهذه في الحقيقة قاعدة ينبغي لطالب العلم أن ينتبه لها، أحيانًا يتعارض الأصل والظاهر، وأحيانًا يتعارض أصلان فيُقَدَّم بعضهما على بعض حسب ما تقتضيه الشريعة، وحسب ما تقتضيه قرائن الأحوال؛ لهذا -مثلًا- لو أن امرأة فارقت زوجها وأمسكت بيدها بالدلة؛ دلة القهوة -وقهوة البُنِّ يشربها غالبًا الرجال- وادعت أن الدلة لها، والزوج يقول: لي.
فعندنا أصل وظاهر، ما هو الأصل؟ الأصل أن ما بيد الإنسان فهو له، وعندنا ظاهر؛ أن ظاهر الحال أن هذا الدلة لمن؟
طالب: للرجال.
الشيخ: للرجال، فأيهما نقدم؟ ينظر الإنسان إذا كان الظاهر قويًّا أقوى من الأصل قدمنا الظاهر.
(وفي ردِّه وعدم عيبِه قولُ ربه) هذا النزاع الذي ذكره المؤلف وقال: قول الغاصب، أو القول قول ربه، من الذي يُحْكَم به؟ يوجه هذا إلى القاضي، أو إلى رجلٍ حُكِّم؛ أي حَكّمه الغاصب ورب المال، فيعطى هذه القواعد.
قال: (وإن جهل رَبَّهُ تَصَدَّقَ به عنه مضمونًا).
(إن جَهِلَ) الفاعل الغاصب (ربه) أي: رب المغصوب، أي: صاحبه، إذا جهل صاحبه، بأن يكون قد غصب هذا الشيء من زمان قديم ونسي، أو غصب شيئًا من عند باب المسجد، أخذ نعلًا ومشى به، أو أخذه من شخص معين لكنه لا يعرفه، المهم إذا جهل مَن ربه يقول المؤلف: (تصدق به عنه مضمونًا)، وهنا طريقان:
الطريق الأول: أن يدفعه إلى الحاكم -أي: إلى القاضي- فيبرأ منه بلا نزاع، يعني: لم ينازع أحد من العلماء في ذلك أنه إذا جهل ربه يعطيه الحاكم، والحاكم يتصرف فيه، وهذا لا شك أنه أسهل على الإنسان.
لكن أحيانًا لا يكون الحاكم ثقة، اسمعوا إلى ما قال الإمام أحمد -رحمه الله- قال: أما حكامنا هؤلاء فلا أرى أن يُدْفَع إليهم شيئًا.
ومات الإمام أحمد في القرن الثالث يقول: حكامه لا يرى أن يدفع إليهم شيئًا؛ لأنهم ما هم ثقات، كيف عاد حكام الوقت؟ ! الثقة فيهم أندر من الكبريت الأحمر إلا أن يشاء الله، لكن على كل حال إذا كان الحاكم غير ثقة وخاف أنه إذا أعطاه إياه مشاه من جهة أخرى، أو أن الحاكم أبى، أحيانًا يأبى الحاكم يقول: لا، فالأول -يعني: إذا كان غير ثقة- لا يجوز أن يعطيه إياه.
والثاني: هل يلزم الحاكم أن يُقبَل أو لا يلزمه؟
هذا محل نظر وتفصيل، يقال: إذا كانت الدولة قد جعلت جهة معينة لاستقبال الضائع فللحاكم أيش أن يمتنع، ويقول: اذهب إلى الجهة الأخرى، لكن إذا لم يكن هناك جهات مسؤولة عن استقبال الضائع، فأرى أنه يجب على القاضي أن يقبل هذا.
وهذه المشكلة قد لا تكون في مسألة الغصب إلا قليلًا -والحمد لله- لكن تكون في لُقَطَة مكة كثيرًا، لقطة مكة تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» (4) يعني: إلا لشخص يُنشِد عنها مدى حياته ويوصي بها بعد مماته؛ لأنه لا يمكن يملكها أبدًا، كل ما في الحرم آمن حتى الجمادات؛ فالإنسان الآن إذا رأى -مثلًا- دراهم، ألف ريال، ألفين ريال، عشرة آلاف ريال في سوق من أسواق مكة، إن تركها فيا ويلها من اللصوص، وإن أخذها مُشكل تعب فيها، ماذا يصنع؟
إذا كان هناك جهة مسؤولة لاستقبال الضائع هذا واضح الآن الأمر سهل -والحمد لله- يأخذها ويُؤْجَر على إيصالها إلى هذه الجهة، لكن إذا لم يكن جهة فأرى أنه يجب على الحاكم الشرعي أن يستقبلها؛ لأن هذه من جملة ما يتولاه الحاكم، السلطان ولي من لا ولي له، ماذا يصنع الناس؟
الإنسان ليس مستعدًّا أن يأخذ هذه اللقطة من مكة وينشد عنها مدى الدهر، لكن يسهل عليه جدًّا أن يأخذها ويوديها إلى المحكمة مثلًا إذا لم تكن جهة مسؤولة عن ذلك.
المهم؛ إذا جهل الغاصب (ربه) رب أيش؟ أي:
الطلبة: مالكه.
الشيخ: مالكه، يقول المؤلف: يتصدق عنه، ولكننا ذكرنا طريقين؛ الطريق الأول: أن يسلمه إلى الحاكم فإن لم يفعل يقول: (تصدَّق به عنه) يعني: دفعه للفقراء.
(عنه) أي: عن ربه، عن المالك (مضمونًا) أي: بشرط الضمان إذا وجده، يعني: يعتقد أنه تصدق بهذا عن ربه مضمونًا عليه لو وجد ربه، فعندنا شيئان:
الشيء الأول: أن تكون الصدقة عن ربه لا عن نفس الغاصب.
والثاني: أن ينوي أنه ضامن له إذا وجد ربه وطالب به.
فإن تصدَّق به عن نفسه؛ فإن ذمته لا تبرأ وصدَقتَه لا تُقْبَل؛ لأنها صدقة غير طيبة، والله عزَّ وجل لا يقبل إلا ما كان طيبًا، وذمته لا تبرأ؛ لأنه لم ينو هذه الصدقة عن ربها ولم ينو الضمان، فلم يستفد الآن، لم يستفد التقرب إلى الله، ولم يستفد إبراء الذمة، بل أقول: إن ذلك لا يزيده إلا إثمًا؛ يعني: لو تصدق به عن نفسه فهو آثم.
إذا وجد ربها بعد أن تصدق فإنه يقول: أنت الآن مخيَّرٌ إن شئت فأمضِ الصدقة والأجر لك، وإن شئت ضمنت لك مالك، والأجر لمن؟ للغاصب؛ لأن الغاصب اتَّقى الله وهذا غاية ما يستطيع فيُؤجَر على تصرفه.
وهذه المسألة من مسائل تصرف الفضولي التي أجازها الفقهاء رحمهم الله؛ لأنها ضرورة، إذ إنه لا يعرف صاحبها فلا بد أن يتخلص منها بهذا.
وقوله: (تَصَدَّق به عنه) لو أراد أن لا يتصدق بها أن يجعلها في مسجد فهل يجوز ذلك؟ ظاهر كلام المؤلف: لا، ولكن هذا الظاهر غير مراد، بل له أن يجعلها في طرق الخير من بناء مسجد، بناء أربطة للفقراء، شراء كتب لطلبة العلم، المهم أن يصرفها فيما يقرِّب إلى الله، وحينئذٍ هل يُخَيَّر بين جهات الخير أو يَنْظُر ما هو أفضل؟ نسأل: هل هو متصرف لنفسه ولَّا لغيره؟ فإذا كان يتصرف لغيره فماذا يصنع؟ ينظر للأصلح؛ قد يكون هذا البلد أهله ليسوا بذاك الفقراء لكنهم محتاجون إلى مسجد، فهنا نقول: صرفُه في بناء المسجد أفضل، وقد يكون العكس، المساجد كثيرة وأهل البلد فقراء، فنقول أيش: الصدقة أفضل.
فعلى كل حال كلام المؤلف -رحمه الله- غير مراد، وإن قلنا: إنه مراد فإن الراجح خلافه، وأن له أن يصرف هذا المغصوب في أي جهة خيرية.
لو قُدِّرَ أن له أقارب محتاجين، هل يصرف هذا في أقاربه؟
الجواب: نعم، يصرف هذا في أقاربه، لكنه لا يجوز أن يحابيهم، فيرى غيرهم أحوج ويعطي أقاربه هذا لا يجوز، لكن إذا كان أقاربه مساوين لغيرهم أو أحوج من غيرهم فلا بأس أن يعطيهم.
وهل له أن يأخذه هو إذا كان فقيرًا؟
الجواب: فيه خلاف؛ من العلماء من قال: إنه إذا تاب إلى الله -وهو على كل حال تائب؛ لأنه الآن يريد أن يتخلص- وكان فقيرًا فله أن يأخذه، ومن العلماء من قال: لا يجوز سدًّا للباب؛ لأن الإنسان ربما يُفتِي نفسه بأنه فقير وليس كذلك، فيتهاون أو يتربص حتى يفتقر، وهذا القول بمنعه من أن يجعل نفسه مَصرفًا قول قوي، لكن لو سلمه إلى الحاكم وكان هو فقيرًا فأعطاه الحاكم منه، فهذا يجوز بلا شك؛ لأن التهمة الآن أيش؟ منتفية تمامًا، وعلى هذا فلو أعطاه الحاكم وهو من أهل الحاجة ودفع إليه ما غصبه فلا حرج عليه أن يقبله وذمته قد برئت.
(إن جهل رَبَّهُ) يعني: ربَّ المغصوبِ أي: مالكه، هل يقال هذا في كل مال مجهول صاحبه؟
الجواب: نعم يقال، كوديعة أُودعها الإنسانُ ثم نسي الذي أودعها فنقول: إذا نسيت وأيست تصدق به مضمونًا.
كذلك إنسان خياط يخيط، أعطاه شخص ثوبًا ليخيطه، وذهب الرجل وأيسنا منه، فماذا يصنع الخياط في هذا الثوب؟
الطلبة: يتصدق به مضمونًا.
الشيخ: يتصدق به مضمونًا، أو يبيعه إذا رأى أن المصلحة في بيعه مثل أن يكون ثوبًا كبيرًا واسعًا لا يشتريه أحد فيبيعه ويشتري ثوبين -مثلًا- فله ذلك.
فالقاعدة إذن: كل مَنْ بيده مال جُهِلَ صاحبُه وأيس من العثور عليه؛ فله أن يتصدق به بشرط أيش الضمان.
هنا مسألة تشبه هذه من بعض الوجوه؛ وهي ما يؤخذ غرامة على المخالفين؛ هل يجوز أن يُشترى أو لا يجوز؟
يعني مثلًا في غرامة على المخالفين في بعض البضائع، إذا دخلوا فيها وصودرت منهم، فهل يجوز أن تُشتَرى من الجهات المسؤولة أو لا؟
الجواب: نعم يجوز أن تُشْتَرى؛ لأنها الآن خرجت عن ملك أصحابها بمقتضى أيش العقوبة، والعقوبة المالية جائزة في الشريعة ولها وقائع وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام؛ فيجوز أن يشتريها الإنسان وتدخل ملكه ولا حرج عليه في ذلك.
كالمغصوب إذ جُهِلَ مالكُه وبِيعَ وتُصُرِّف فيه على وجه جائز فلا حرج أن يشتريه.
فإن قال قائل: أنا أعلم رب هذه العين التي صودرت أنه فلان، فكيف يجوز لي أن أشتريها؟ !
نقول: نعم؛ لأنها أُخِذَت بحق، أما لو جاءتك وهي مسروقة تعرف أنها سرقت فهنا لا يجوز أن تشتريها، لكن إذا صودرت عقوبة فقد أُخِذَت بحق؛ لأن لولي الأمر أن يعاقب من خالفَ ما يجب عليه بما يرى أنه أردع وأنفع، ولولا هذا لكانت الأمور فوضى، وصار كل إنسان يعمل على ما يريد، وهذا لا يمكن، ولذلك نرى أن الأنظمة التي ليس فيها مخالفة للشريعة وإنما هي اجتهادية أنه يجب اتباعها امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] ولو لم نفعل وقلنا: لا يجب أن يطاع ولي الأمر إلا فيما أمر الله به، لقلنا: الجواب على هذا من وجهين:
الأول: أن طاعته في غير معصية أيش؟ مما أمر الله به.
الثاني؛ إذا قلنا: إنه لا يطاع إلا إذا أمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج وبر الوالدين، قلنا: هذا أمر لا فائدة منه؛ لأن هذه الأشياء قد أُمر بها من قِبَلِ الشرع، ويكون الأمر بطاعة ولي الأمر عبثًا؛ لأن طاعته في هذه الأشياء داخلة في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ولهذا يغلط غلطًا عظيمًا من ظن أن أوامر ولاة الأمور لا يجب تنفيذها إلا إذا كان مأمورًا بها شرعًا لأننا نقول الجواب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أن طاعتهم في غير المعصية مأمور بها شرعًا، وإن لم يكن في هذا الشيء بعينه.
والثاني: أننا لو قلنا بذلك لكان قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ عديم الفائدة؛ لأننا إذا قلنا: لا يطاعون إلا فيما أمر الله به ورسوله لم يكن لأمرهم فائدة إطلاقًا.
ومثل هذه المسائل ينبغي لطلبة العلم أن يبيِّنوها لبعض الإخوة الذين ينطلقون في الكلام في الحكام من العاطفة دون التأمل والتأنِّي، وهذه مسألة خطيرة في الحقيقة؛ يعني: كون الإنسان ينطلق بمقتضى العاطفة، هذا غلط سواء في معاملة الحكام أو غيره حتى في الصلاة والزكاة، بعض الناس ينطلق من العاطفة ثم يوجب على المسلمين ما لا يجب، وكذلك بالعكس بعض الناس ينطلق من منطلق التأخر بمعنى أنه يقول: هذا غير واجب والدين يسر وما أشبه ذلك، وينفلت الزمام، كل هذا خطأ، الواجب الوسط، فالوسط هو الحق والغالب؛ أي: إذا تأملت خلاف العلماء وتأملت تصرفات الناس وجدت أن الصواب يكون غالبًا في أيش؟ في الوسط، حتى مسائل خلاف العلماء الآن -مثلًا- أهل التعطيل وأهل التمثيل في صفات الله، ما هو الوسط؟ الإثبات بلا تمثيل، وكذلك في القدَر، وكذلك في الإيمان وغير ذلك.
طالب: بعض المغاسل؛ يبدو أن المغسلة غير مسؤولة عن الثياب بعد مثلًا مرور شهر فهل هذا الشرط يصح؟
الشيخ: هذا صحيح، هذا شرط صحيح بعض المغاسل يقول لك: إلى شهر، بعد الشهر أبيع الثوب مثلًا، لا بأس به، كذلك أيضًا يوجد بعض المخازن ولا سيما على الموانئ يقدِّرُون المدة وبعد أن تمضي يخرج ويباع، إي نعم.
طالب: نسمع أن الخياط لو باع الثوب، ثم جاء المالك، فهل على المالك أن يدفع الراتب حق الخياط؟
الشيخ: نعم، يدفع الأجرة.
الطالب: وعلى الخياط أن يدفع حق القماش؟
الشيخ: نعم، وعلى الخياط أن يرد عليه القيمة قيمة الثوب اللي باع.
طالب: إذا أراد الغاصب أن يُرجِع المال إلى صاحبه ويعلم أن بإرجاعه المال سيستخدمه صاحبه في الحرام.
الشيخ: مثاله.
طالب: مثل مثلًا غصب مالًا، وصاحبه صاحب..
الشيخ: غصب تلفزيونًا.
الطالب: لا، مالًا.
الشيخ: مالًا.
طالب: صاحب المال بيبع به مخدرات إذا أرجعه سيشتري به مخدرات.
الشيخ: ما عليه منه، ما دام أنه ماله يرده عليه والإثم على هذا (... ).
طالب: قلنا يا شيخ: إنه يتصدق بنصيبه (... ) ولكن ألَا يتصدق أيضًا (... ) صدقات.
الشيخ: هذا شيء ثانٍ إذا جاء رَبُّه ضمَّنه ما ذكره إلا يتصدق به فقط.
طالب: هل يُعمل بالقرائن إذا عارضت أصل الغُرم؟ يعني: رجل غصب ساعة من شخص فادعى أن الساعة بعشرين ريالًا، ومعروف أن هذا الشخص لا يلبسها؛ يعني: مثله لا يلبس أقل من مئة ريال، وقال: أنا لو أعلم (... ) لوضعت (... ).
الشيخ: لا، ما يلزم؛ لأن ربما يكون هذا الرجل المغصوب منه لا يلبس مثل هذه الساعة لكن تكون ساعته مثلًا ضاعت ولبسها للضرورة، دائمًا الإنسان يفعل هذا، أليس كذلك؟
الطالب: في غير يعني..
الشيخ: المهم، بطل هذا.
طالب: هل يجوز الاستئجار من الغاصب مع العلم بتعذر الرد؟ يعني: معلوم أن الغاصب غصب منزلًا أو بيتًا، ويقينًا أنه لا يعود إلى صاحبه كما يحصل في البلاد الشيوعية، هل يجوز للإنسان أن يستأجر من هذه الحكومة مع أنه يعلم أنه لن يعود إلى صاحبه أبدًا للحاجة؟
الشيخ: إي نعم، لا بأس؛ لأنه الآن إما أن يستأجر أو يتعطل الملك ولا تنتفع ضرورة هذا.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- القول بأن الغاصب يقبل قوله في التلف.
الشيخ: يعني: هذه قاعدة لو فرضنا أن الدولة الشيوعية تغصب أموال الناس وتؤجرها أو تبيعها ولا يمكن ترجع عليه فلا حرج.
الطالب: يا شيخ، بالنسبة للغاصب؛ قلنا بأنه يقبل قوله في ادعاء التلف والقدْر.
الشيخ: يقبل.
طالب: نعم يقبل.
الشيخ: يقبل أيش؟
الطالب: قوله.
الشيخ: قوله في؟
الطالب: في ادعاء التلف والقدر؛ قدر المال المغصوب.
الشيخ: لا، القول في قيمة التالف، لكن لو ادعى التلف ما يقبل قوله.
الطالب: نعم، قدر قيمة التالف، هل (... ) القبول مطلقًا يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، مطلقًا إلا إذا خالف العائد؛ يعني: لو اتفقوا على أن المغصوب شاة واتفقوا على وصفها، وقال: قيمتها كذا وذاك.
قال: قيمتها كذا، ونعلم أنه ما يمكن هذا قال: قيمتها عشرة، وربُّها قال: قيمتها مئة، ونعلم إن ما يمكن تباع هذه بعشرة.
الطالب: لو كان يا شيخ معروف إن هذا الرجل (... ).
الشيخ: لا، الدعاوي ما فيها فسق ولا عدل؛ حتى الكافر مع المسلم يُعمل بما تقتضيه القواعد انتهى (... ).
طالب: وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
قال رحمه الله تعالى في باب الغصب: ومَنْ أتلف محترمًا، أو فتح قفصًا، أو بابًا، أو حَلَّ وِكاء، أو رباطًا أو قيدًا، فذهب ما فيه، أو أتلف شيئًا ونحوه ضمنه، وإن ربط دابة بطريق ضيق فعثر به إنسان ضُمِّنَ؛ كالكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه أو عَقَره خارج منزله.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومَنْ أتلف محترمًا) إلى آخره (من) هذه شرطية، المعنى؛ أي إنسان (أتلف محترمًا) أي: شيئًا محترمًا واحترز به عما ليس بمحترم كالكافر الحربي، فالكافر الحربي غير محترم فمن أتلفه فلا ضمان عليه، الخمر في يد المسلم غير محترم، فمن أتلفه فعليه ضمانه؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه ليس بمحترم، وقوله: (من أتلف محترمًا) يعمُّ الصغير والكبير، والحيوان وغير الحيوان، ويعم -أيضًا- ما كان عن عمد وما كان عن غير عمد، إلا أن الفرق بين العامد وغير العامد هو أن العامد آثم، وغير العامد ليس بآثم، لكن حق الآدمي لا يسقط، يجب عليه ضمانه.
فلو أتلف الإنسان مالًا يظنه مال نفسه، فتبين أنه مالُ غيره فعليه الضمان؛ وذلك لأنه أتلف محترمًا، فإذا قال: إن الله يقول: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] قلنا: نعم، قال الله هذا، لكن هذا في حق مَنْ؟ في حق الله تعالى فقط، أما في حق الآدمي فعليه الضمان.
ولو أن رجلًا مُحْرِمًا قتل صيدًا مملوكًا جهلًا أو نسيانًا فعليه الضمان لصاحبه وليس عليه الجزاء، والفرق أن الجزاء حق لله، والضمان حق للآدمي، ولو أنه أتلفه عمدًا؛ قتله عمدًا وهو مملوك لزمه ضمانان؛ الضمان الأول للآدمي، والضمان الثاني الجزاء حق لله عز وجل.
إذن كل من أتلف محترمًا فعليه الضمان سواء كان عالمًا أو جاهلًا أو ناسيًا أو ذاكرًا أو عامدًا أو مخطئًا، فعليه الضمان بكل حال، وسواء كان هذا المحترم قليلًا أم كثيرًا.
(أو فتح قفصًا فذهب ما فيه أو أتلف شيئًا) القفص وعاء تُجعل فيه الطيور، ففتح القفص فطار الطائر فعليه ضمانه؛ لأنه متسبب، والمتسبب إذا لم يكن معه مباشر فعليه الضمان.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يهيج الطائر أو لا؛ يعني أنه لا فرق بين أن ينهر الطائر حين فتح القفص أو لم يفعل، وأنه لا فرق بين أن ينضم الطائر إلى جانب القفص لمَّا فُتِح عليه ثم يطير بعد أن يتولى هذا الذي فتحه، أو يطير وهو حاضر؛ لأن بعض الطيور إذا فتحت عليه الباب انحاز إلى جهة من القفص خوفًا من فتح الباب، فظاهر كلام المؤلف أنه متى فتح القفص وطار ما فيه فإنه ضامن.
نظير القفص في وقتنا الحاضر الشبك؛ لو كان هناك شبك فيه طيور وفتح الباب شخص ثم طارت الطيور فعليه الضمان؛ لأنه متسبب، فإن اجتمع معه مباشر فالضمان على المباشر، مثل أن يفتح الباب ثم يأتي آخر فيهيج الطائر فيطير فعليه الضمان؛ مَنْ؟ المباشر الذي أهاج الطائر.
(أو بابًا) يعني: فتح بابًا فذهب ما فيه، فتح بابًا عن مواش، عن شاة -مثلًا- ولما فتح الباب خرجت الشاة فتلفت، فعلى فاتح الباب الضمان؛ لماذا؟
لأنه متسبب، والمتسبب عليه الضمان، فإن اجتمع معه مباشر فالضمان على المباشر، يعني: لو فتح الباب وجاء إنسان وأخرج الشاة وتلفت فالضمان على الثاني؛ لأنه مباشر ولا ضمان على المتسبب مع المباشر إلا إذا كانت المباشرة مبنية على السبب.
كذلك أيضًا: (حَلَّ وِكَاءً) يعني: دهن أو عسل في وعاء، فَحَلَّ هذا الوعاء، فاندفق الدهن أو العسل، فعليه الضمان؛ علِّلْ.
لأنه متسبب.
وظاهر كلام المؤلف أنه ضامن ولو كان حين حلَّ الوكاء جامدًا ثم أذابته الشمس، أو كان حين حل الوكاء واقفًا ثم حرفته الريح فعليه الضمان؛ لأنه متسبب.
(أو رباطًا) يعني: وجد حيوانًا مربوطًا؛ فحل رباطه فذهب، فعليه الضمان.
وهذا الذي ذكره المؤلف -رحمه الله- أمثلة، ما هي قواعد، لكن القاعدة أن كل من أتلف شيئًا بسببٍ فعليه الضمان.
وما هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله إلا أمثلة أو صُوَر فذهب ما فيه فعليه الضمان.
ثم قال المؤلف: (أو أتلف شيئًا ونحوه) زيادة على هذا؛ لو فُرِض أن هذه الشاة التي فُتِحَ الباب لها خرجت وأكلت زرع إنسان، فعلى مَنْ فَتَحَ الباب ضمان الشاة، وضمان ما أتلف من الزرع، وكذلك لو أن الطائر اصطدم بشيء وتلف هذا الشيء فعلى من فتح قفصه الضمان، وكذلك لو أن الدهن اندفق على شيء فأفسده فعليه ضمان الدهن وضمان ما أفسده، المهم أنه يضمن الشيء وما ترتب عليه.
ثم قال المؤلف: (وإن رَبَطَ دابةً بطريق ضيِّق فعَثَر به إنسانٌ ضمن).
في وقت المؤلف لا توجد السيارات، وفي وقتنا لا توجد الدواب لكن الشيء يقاس بالشيء، إذا ربط دابة بطريق ضيق فعثر بها إنسان انكسر هلك فعليه الضمان؛ لأنه متعدٍّ في ربطها في هذا المكان الضيق.
وعُلِم من كلام المؤلف: أنه لو ربطها بطريق واسع فلا ضمان عليه، وهذا متجه إذا لم يربطها في طريق المارة، فإن ربطها في طريق المارة فهو كما لو ربطها في طريق ضيق، يعني: عليه الضمان.
فإن قال قائل: الطريق الواسع -وإن كان مطرق الناس في وسطه مثلًا- يستطيع الإنسان أن ينحرف يمينًا أو شمالًا.
قلنا: لنسأل هل هذا الرجل الذي ربط الدابة في الطريق الواسع -في مطرق الناس- هل هو معتدٍ أو غير معتدٍ؟