الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 1826-1865

كذلك أيضًا ربما يكون جار لا يحب النزاع والمخاصمة، ورفع الأمر إلى القاضي حتى يجبر الجار على أن يضع الخشب على جداره، فهنا نقول: في الحال التي يجب على الجار أن يمكِّن جاره من وضع الخشب على الجدار؛ إذا كان المحتاج لوضع الخشب لا يريد المقاضاة والمحاكمة وأراد أن يدفع له عوضًا من أجل التمكين من وضع الخشب فإن ذلك جائز لمن؟ طالب: للمستأجر.
الشيخ: نعم، جائز للمستأجر، وليس جائزًا لصاحب الجدار؛ لأن الواجب على صاحب الجدار إذا لم يكن على الجدار ضرر وكان صاحبه محتاجًا أن يمكنه منه.
إذا قال قائل: هل يُشْتَرط في هذه الحال تقدير المدة أو يُتَسامح عنه للحاجة؟ الجواب: الثاني؛ لأنا ما ندري متى ينهدم الجدار، وعلى هذا فنقول: يضرب عليه أجرة كل سنة بكذا، ولا يحتاج إلى تقدير مدة السنين.
علل؟ طالب: (... ). الشيخ: للحاجة إلى ذلك، ولا يمكن أن نحيط به علمًا متى يقع هذا الجدار، وعلى هذا فيكون اشتراط تعيين المدة هنا غير واجب، وذلك؟ طلبة: للحاجة.
الشيخ: لدعاء الحاجة إليه؛ أي: لعدم اشتراطه.
(ولا تؤجر المرأة نفسها بغير إذن زوجها) المرأة إذا تزوجت إنسانًا ملكها، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم النساء بأنهن عوان عند الأزواج (17)، والعواني جمع (عانية)، والعانية هي الأسيرة، وقد سمَّى الله تعالى في القرآن الزوج سيداً فقال: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ أي: زوجها، ﴿لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: 25]، فهي إذن مملوكة، ونفعها مملوك للزوج، حتى إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَا يَحِلُّ لَامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (18)، فالوقت مملوك للزوج، فلا تؤجر نفسها بغير إذن زوجها حتى يأذن، وإذا أذن فالحق له.
إذا طلبت المرأة من زوجها أن يأذن لها أن تخدم فقال: لا بأس اخدمي، يجوز لها ذلك أو لا؟ يجوز.

لو استأذنت من زوجها أن تُعَلِّم؛ تشتغل بالتدريس وأذن لها جاز، فإن لم يأذن فإنه لا يحل لها أن تؤجر نفسها إلا بإذن الزوج.
فإن شُرِطَ على الزوج عند العقد أنها تستخدم نفسها فلا بأس؛ المسلمون على شروطهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (19)، وهذا يقع كثيرًا في الآونة الأخيرة؛ لأن من النساء من تكون معلمة أو دارسة فإذا تزوجت ولم يذكر في الشرط أن الزوج يمكِّنها من التدريس أو الدراسة فله منعها من ذلك، وأما إذا اُشترِط عليه فالمسلمون على شروطهم.
(فصلٌ) ويُشترَطُ في العينِ المؤجَّرَةِ مَعرفتُها برؤيةٍ أو صِفةٍ في غيرِ الدارِ ونحوِها، وأن يَعْقِدَ على نَفْعِها دونَ أجزائِها، فلا تَصِحُّ إجارةُ الطعامِ للأكلِ ولا الشمْعِ ليُشْعِلَه ولا حيوانٍ ليَأْخُذَ لبَنَه إلا في الظِّئْرِ، ونقْعِ البِئْرِ وماءِ الأرضِ يَدخلانِ تَبَعًا.
والقدرةُ على التسليمِ, فلا تَصِحُّ إجارةُ الآبِقِ والشارِدِ، واشتمالُ العينِ على الْمَنفعةِ, فلا تَصِحُّ إجارةُ بَهيمةٍ زَمِنَةٍ لِحَمْلٍ، ولا أَرْضٍ لا تُنْبِتُ للزرْعِ، وأن تكونَ الْمَنفعةُ للمُؤَجِّرِ أو مَأذونًا له فيها، وتَجوزُ إجارةُ العينِ لِمَنْ يَقومُ مَقامَه, لا بأكثرَ منه ضَرَرًا.
وتَصِحُّ إجارةُ الوَقْفِ, فإن ماتَ الْمُؤَجِّرُ وانْتَقَلَ إلى مَن بَعْدَه لم تَنْفَسِخْ, وللثاني حِصَّتُه من الأُجْرَةِ، يجوز لها ذلك أو لا؟ يجوز، لو استأذَنَتْ من زوجها أن تُعَلِّم؛ تشتغل بالتدريس، وأَذِن لها جاز، فإن لم يأذن فإنه لا يَحِلّ لها أن تُؤَجِّر نفسها إلا بإذن الزوج.

فإن شُرِطَ على الزوج عند العقد أنها تستخدم نفسها فلا بأس، المسلمون على شروطهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (1)، وهذا يقع كثيرًا في الآونة الأخيرة؛ لأن من النساء مَن تكون معلِّمة أو دارسة، فإذا تزوَّجت ولم يُذْكَر في الشرط أن الزوج يُمَكِّنُها من التدريس أو الدراسة فله منعها من ذلك، وأما إذا اشْتُرِطَ عليه فالمسلمون على شروطهم.
وقول المؤلف: (لا تُؤْجِر نفسها) يخرج بذلك ما لو استُؤْجِرَت على عمل مشترك، بمعنى: أَجَّرْنَاها مثلًا أن تخيط ثوبًا، أو تخصف نعلًا، أو ترقع ثوبًا، أو ما أشبه ذلك، فهنا لم تُؤَجِّر نفسها؛ لأن المستأجر لها لا يملكها، إنما استأجرها على أيش؟ على عمل، وهذا فيه تفصيل: إن كان يشغلها عن حقوق زوجها فإنه لا يحل لها إلا بإذن الزوج، وإن كان لا يشغلها فلا بأس، فإذا قدَّرْنا أن هذه امرأة لها زوج موظف في أول النهار ليس موجودًا عندها، واستُؤْجِرَت لخياطة ثوب تخيطه في وقت غيابه عن البيت دون أن تُقَصِّر بأعمال البيت، فهذا جائز؛ لأنه ليس على الزوج ضرر في هذا.
وكذلك لو كان الزوج غائبًا واستُؤْجِرَت لتخيط ثوبًا أو تغسله، أو ما أشبه ذلك، فلا بأس؛ لأنه في هذه الحال لا يضيع شيء من حق الزوج.
فإن أَجَّرَت نفسها في حال غياب الزوج فظاهر كلام المؤلف أن ذلك لا يجوز؛ لقوله: (لا تؤجر نفسها)، وهو -كما هو ظاهر الكلام- لا يجوز؛ لأنه قد لا يرضى الزوج أن تخرج من بيته وإن كان غائبًا، فلا تُؤَجِّر نفسها مطلقًا إلا بإذن الزوج.
أما استئجارها على عمل فقد عرفتم أن في ذلك تفصيلًا، وهو أنه إذا كان لا يضيع به حق الزوج؟ أَتِمّ.
طالب: صح.
الشيخ: فلا بأس، فهو صحيح، فالإجارة صحيحة، وإن كان يضيع به حق الزوج فلا بد من إذنه.

ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل: ويُشْتَرَط في العين الْمُؤْجَرة معرفتها برؤية أو صفة)، هذه من شروط تأجير العين، لا بد أن تكون معروفة (برؤية)، مثل لو استأجرت من شخص سيارة فلا بد أن تراها، أو يصفها لك بصفة تتميز بها عن غيرها وتنضبط بها.
قال: (في غير الدار ونحوها)، فالدار ونحوها لا يكفي فيها الصفة، لا بد من الرؤية.
السيارة تكفي فيها الصفة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، البعير يكفي فيه الصفة، كذلك أيضًا الحيوان استأجره يكفي فيه الصفة، لكن الدار ونحوها كالأرض للزرع، وما أشبه ذلك، لا يحوز إلا برؤيتها بالعين، لماذا؟ لأنه لا يمكن إحاطة الوصف بها، لو أتاك إنسان من أشد الناس دقة في الوصف فإنه لا يمكن أن يحيط بالدار، لو قال لك: البيت –مثلًا- فيه عشر حُجَر، وخمس غُرَف، ساحة، حمامات، ما تستطيع أن تتصورها، بل إن بعض الناس ربما يكون من أدق الواصفين، لكن تدخل البيت فتجدك مغمومًا، يعني بعض البيوت -سبحان الله! - إذا دخلها الإنسان سُرَّ بها، وبعضها إذا دخلها غُمَّ بها.
إذن فلا بد في استئجار البيت من الرؤية، وكذلك الأرض؛ استأجر أرضًا للزرع لا بد أن يراها بنفسه؛ لأن الأرض تختلف، سبخة، رملية، تُرابية، حَجَرِيّة، كذلك أيضًا تختلف ارتفاعًا وانخفاضًا، فلا يمكن أن يحيط بها الوصف، إذن لا بد أن يراها المستأجر بعينه.
فقول المؤلف رحمه الله: (في غير الدار ونحوها) عائد على قوله: (أو صفة)، يعني: إلا في الدار، (ونحوها) فإنه لا يجوز تأجيرها بالصفة، بل لا بد فيها من الرؤية.

بالنسبة ما يُسْتَأْجَر لصوته، بماذا يُعْلَم؟ بالسماع، قد يكون مثلًا أنت استأجرت ساعة منبِّهة، من أجل أن تُنَبِّهك لعمل ما هذا لا بد أن تسمع، يكفي الرؤية أو لا يكفي؟ لا يكفي الرؤية، اللهم إلا إذا كانت مثلًا من صنعة معينة معروفة، وأن صوتها في التنبيه معروف، إذا رُؤِيَت الساعة فهذه ربما يُكْتَفَى بذلك، على أنه ربما يكون هذا النوع غُيِّرَت نغمة صوته، أو حصل بها خلل، إذن لا بد من السماع.
استأجر ديكًا لأذانه لا بد يسمع أذان الديك؟ طلبة: معروف.
الشيخ: لا، ما هو معروف، بعض الديكة صوته جميل وبعضه أَبَحّ، ما هو جميل، تختلف اختلافًا عظيمًا، لكن لو استأجر ديكًا يوقظه للصلاة؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ لأنه لا يمكن استيفاء المنفعة، هل الديك إذا صار تلك الليلة نائمًا وصار في الصباح تُوَبِّخُه؟ ما ينفع، إذن الديك يُسْتَأْجَر لصوته، أما لكونه يوقظك للصلاة فهذا شيء لا يمكن؛ لأن استيفاء المنفعة منه أيش؟ غير ممكن.
خلاصة القول أنه يُشْتَرَط معرفة العين الْمُؤْجَرة، ما استؤجر للرؤية فبالرؤية، ما استؤجر للصوت فبالصوت، ما لا يمكن إدراكه إلا بالرؤية فلا بد من الرؤية، وما يمكن إدراكه بالصفة فيكفي فيه الصفة.
طالب: الغالب أن الناس يستأجرون استراحات (... ) للترويح عن النفس، ويدخل في هذا (... ). الشيخ: هذا يسأل يقول: بعض الناس الآن يستأجرون الأحواش والاستراحات للترفيه عن النفس، ويكون فيها من جملة الترفيه الدشوش، إذا علمنا أنهم سوف يجعلون من ضمن الترفيه الدشوش ما يجوز نؤجِّرها، لكن لو أجَّرناهم على أننا إنما نريد كما قلت: الترويح عن النفس، ثم هم أتوا به وأنا لا أعلم، ولم يغلب على ظني حين العقد، فلا بأس.
طالب: بالنسبة للبيوت قلنا: إنه لا بد أن يراها، إذا كانت مثلًا فيه بيوت جاهزة، يقول لهم: مثل بيت فلان بالضبط؟ في بيوت جاهزة ما تتغير.

الشيخ: ما تقولون في هذا السؤال؟ لو أنه قال الذي أجَّر البيت: أنا أؤجرك البيت، وهو مثل بيت فلان، روح انظر إليه هو هو كأنه نسخة منه، يكفي؟ طلبة: لا يكفي.
الشيخ: هو على كل حال من جهة شكل البيت قد يكونون سواء، ويمكن إدراكه برؤية نظيره.
لكن المشكِل أن بعض البيوت -كما قلت لكم- منين ما دخل الإنسان يجد غمًّا، وبعضها ينشرح صدره، حتى أن بعض البيوت تكون أسوأ من البيوت الأخرى من جهة التنفيذ ومن جهة الأنوار، ومع ذلك ينقبض بها الإنسان، فالظاهر أنه لا بد من الرؤية على كل حال.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، يكثر في بعض البلاد بيع البيوت على المخططات، تُشْتَرَى ويأتي المهندس يرسم خريطة لهذه العمارة وخريطة للشقق التي فيها، وتجد الناس يعني يدفعون أقساطًا شهرية دفعة أولى مبلغًا كبيرًا، ثم أقساطًا شهرية حتى ينتهي هذا البناء، وعليه عمل معظم الناس هناك في تلك البلاد، وهم بحاجة إليها ماسة، فهل هذا جائز؟ الشيخ: يعني يريد أن يبني لهم بناءً موصوفًا.
الطالب: نعم، لكن ليست إيجارًا إنما هو بيع.
الشيخ: ما فيه بأس، إذا كان بس مضبوطًا يعني.
طالب: غالب هؤلاء صادقون، لكن يحصل في بعض البعض تحايل.
الشيخ: هو على قواعد الفقهاء لا يجوز؛ لأن الدار ونحوها ما يمكن ضبطها إلا بالرؤية حتى في البيع، كالإجارة، لكن إذا كان الناس اعتادوا ذلك ودعت الضرورة إليه، وكان الذي باع البيت وأراد أن يبنيه على هذا الوصف رجلًا أمينًا فللحاجة والضرورة نقول: لا بأس به.
طالب: أحسن الله إليك، هل يجوز أن يُرَدِّد الإنسان الغناء الذي هو محرَّم لدخول المعازف عليه، أما القصيدة فما فيها شيء؟ الشيخ: لا، فيها معازف ما يجوز.
طالب: الغناء مشهور معروف أنه بالمعازف هو، يعني الذي قاله قاله بالمعازف، هل يجوز أن يردده الإنسان ما دام أنه لا يستخدم معه المعازف؟ رغم أن.. الشيخ: ما هو يستمع، يعني تسأل يردِّده لكن بدون استماع.

طالب: يردده نعم، هو بدون إدخال معازف عليه والقصيدة.. الشيخ: ما فيها بأس، بس بعض العلماء كره ذلك لأنه يُخْشَى أن يجذبه هذا الغناء، لكن ما فيها بأس، يردِّد الغناء على شبه أغنية مثلًا في البيت مثلًا وحده ما فيه بأس.
طالب: هناك يا شيخ بعض الأغاني يعني هادفة في المواضيع، لكن يكون أداؤها بتكسر في الصوت، هل هذا له الحكم.
الشيخ: يعني صفة الأداء؟ الطالب: نعم.
الشيخ: أنا أرى أنه إذا كان أداء الأغنية كأداء الأغاني الماجنة أنا أرى أنها لا تجوز، حتى وإن كانت هادفة وموضوعها جيد.
طالب: إذا كان بعض طلبة العلم يقولون: إن الغزل جائز، يجيزونه، ويستدلون ببعض الأدلة، يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم تغزل أمامه أحد الصحابة بانت سعاد (2)، وغيره، فيكون الغزل يجوز على هذا الحال؟ الشيخ: هو على كل حال الغزل جائز، يعني استعمله العلماء رحمهم الله، لكن بانت سعاد ترى ما صحت، انتبه لهذا! هي مشهورة أنها أُنْشِدَت عند الرسول عليه الصلاة والسلام لكن لم تصح، سندًا ما صحت، لكن على كل حال هذا غير، يعني مثلًا يتحدث عن معشوقته، لكنه ليس يمدح الزنا، أو يمدح الْمُرْدَان أو ما أشبه ذلك.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، إذا أَجَّر داره على غيره لسكناها ثم استعملها في منفعة محرَّمة بأن وضع فيها دشًا أو نحوه، فهل له أن يطلب منه إزالتها أو فسخ العقد، وأن يرفع ذلك للقاضي؟ الشيخ: أما فسخ العقد لا يتم.
الطالب: ولا يمكنه القاضي؟ الشيخ: ولا يمكنه القاضي، حتى ولا يَحِلّ له أن يفسخ العقد، لكن ينصح هذاك الذي استعملها في المحرَّم ينصحه ويخوِّفه بالله، وإذا تمت المدة قال له: إما أن تُزِيلَ هذا المحرَّم وإما أن تخرج.
طالب: تأجير الرافضة والمبتدعة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الشيخ: هذا جرى عرف الناس الآن أنهم يُؤَجِّرُونه، كما أن الإنسان يؤجِّر الكافر والنصراني.
الطالب: حديث: «مَنْ آوَى فِيهَا مُحْدِثًا» (3).

الشيخ: إي، معناه نصره على ذلك.
الطالب: تأجيرهم ما هو من الإيواء؟ الشيخ: فيه نظر.
طالب: ذكرنا أقسام الغناء أنه ينقسم إلى محرَّم ومكروه ومباح.
ذكرنا قسمين وتركنا المكروه يا شيخ.
الشيخ: المكروه اللي أجبنا عنه الأخ.
طالب: بارك الله فيك، ما هو الفرق بين إدراك الوصف في الدار والسيارة؟ الشيخ: الفرق بينهم واضح.
الطالب: هي ربما تكون مستعملة.
الشيخ: لا هو بيصف له سيارة ما استُعْمِلَت إن كان يريد جديدة، أو مستعملة مثلًا مشت كذا وكذا، المهم إذا لم تنضبط فنفس الشيء، لكن الغالب أن السيارة كالإناء تنضبط.
والدار ليس أن الإنسان لا يحيط بها وصفًا، قد يحيط بها وصفًا لكن نفس الدار بعضها ينشرح الصدر إذا دخل الإنسان وبعضهم يضيق صدره.
طالب: لو استأجر نساء يغنين مع الدف ثم يسجِّله ويجعله في الأعراس ليكون مكان الأغاني المحرَّمة، فهل يقال: إن الشرع أجاز الدف للزواج، أو يقال: إن التسجيل يختلف؟ الشيخ: لا، هذا لا بأس به، يعني استأجر نساءً يدْفُفْن من أجل أن يكون بدلًا عن اجتماع النساء.
الطالب: ويسجِّل يا شيخ، تسجيل.
الشيخ: إي نعم، هو الآن مستعمل هذا الذي تقول، ما فيها شيء.
طالب: شيخ، الدف في غير الأعراس للرجال وللنساء.. الشيخ: ما هذا موضوعنا، سيأتينا في باب الوليمة.


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: في فصل ما يشترط في العين المؤجرة: وأن يعقد على نفعها دون أجزائها، فلا تصح إجارة الطعام للأكل، ولا الشمع ليشعله، ولا حيوان ليأخذ لبنه إلا في الظئر، ونقع البئر وماء الأرض يدخلان تبعًا، والقدرة على التسليم؛ فلا تصح إجارة الآبق والشارد، واشتمال العين على المنفعة؛ فلا تصح إجارة بهيمة زَمِنَة لحمل، ولا أرض لا تنبت للزرع، وأن تكون المنفعة للمؤجِّر أو مأذونًا له فيها.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
في الفصل الأول ذكر شروط الأجرة، وفي هذا الفصل ذكر شروط العين الْمُؤْجَرة، منها: أن تكون معلومة برؤية أو صفة، فما هو الدليل على هذا الشرط؟ طالب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر (4). الشيخ: دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، هذا دليل أثري، ونريد دليلًا نظريًّا؟ طالب: أن الأشياء التي تؤجَّر تختلف اختلافًا بيِّنًا بينها، فلما كان ذلك وجب ضبطها إما بصفة منضبطة أو (... ). الشيخ: لأن الجهالة تؤدي إلى النزاع والخصام، وهذا يُثْمِر العداوة والبغضاء بين المسلمين، وهذا مما تحاربه الشريعة الإسلامية، هذا الدليل النظري.
ما هي العين التي لا يصح أن تؤجر بالصفة؟ طالب: كالدار والأرض.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه لا يمكن أن توصف بالوصف أو.. الشيخ: لا يمكن انضباطها بالوصف، وهذا هو الذي ذكره الفقهاء رحمهم الله، لكن فيه قول ثاني؛ أنه يجوز الإجارة، وله الخيار إذا رآها، يعني يجوز أن تؤجَّر بالصفة، يقول: أنا أَجَّرْتُك مثلًا شقة صفتها كذا وكذا، تدخل من على الباب على يمينك المجلس، وعلى يسارك المأكل، وأمامك مثلًا الباب اللي يدخل على البيت، وما أشبه ذلك، المهم يصفها له تمامًا ولو على الخارطة، وله الخيار إذا رآها.
فإذا قال قائل: إذا كان كذلك فلماذا لا يصبر حتى يراها؟ نقول: الفائدة من قولنا: إنها تصح وله الخيار إذا رآها، أنه لو جاء أحد آخر فاستأجر من الْمُؤْجِر من صاحب الشقة وقلنا: إن الإجارة صحيحة، فهل يملك الثاني أن يستأجر؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنها مُؤَجَّرة، وعلى القول بأنها لا تصح له أن يؤجرها، هذا هو الفائدة.

وإلا لو قال قائل: ننتظر حتى يراها، نقول: ربما يكون الناس عندهم إقبال شديد على البيوت والشقق، فهذا رجل بادر على طول واستأجر بالوصف، إذا قلنا: الإجارة صحيحة وله الخيار، صار بمجرد العقد تكون المنفعة لمن؟ للمستأجِر، فلا يملك صاحب البيت أو الشقة أن يؤجرها، وعلى القول بأن الإجارة لا تصح هو بالخيار، هذه من جهة.
من جهة أخرى: من الناحية الْحُكْمِيَّة كل عقد غير صحيح فهو حرام؛ لأنه ليس في كتاب الله، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وهذه قاعدة اعرفوها، جميع العقود الفاسدة والشروط الفاسدة عقدها حرام واشتراطها حرام؛ لأنه من المضادة لله عز وجل.
فإذا قلنا بأنه يصح العقد وله الخيار إذا رآها، صار العقد حلالًا، وإذا قلنا: لا يصح العقد، صار العقد حرامًا، وصار كل من المستأجر والمؤجِّر آثِمَيْنِ؛ لأنهما فعلَا حرامًا، أفهمتم الآن؟ أيهما المذهب؛ أنه لا يصح، أو يصح وله الخيار؟ طلبة: الأول.
الشيخ: الأول؛ أنه لا يصح مطلقًا، وعلى هذا فيحرم تعاطي هذا العقد، ويجب عليهما إذا رآها وقنع بها أن يعيدَا العقد.
فيه أيضًا الشرط الثاني: (أن يعقد على نفعها دون أجزائها)، (أن يعقد) مَن؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: المستأجر والْمُؤْجِر، ولهذا لو قال: أن يعقدَا، أو قال: أن يكون العقد، لكان أوضح في الشمول.
(أن يعقد على نفعها دون أجزائها)، يعني أن يكون المعقود عليه النفع دون الجزء.
مثاله قوله: (فلا تصح إجارة الطعام للأكل)، إنسان مثلًا وجد له إناءً من التمر، وقال: أَجِّرْنِي هذا التمر بأكله، لا تصح الإجارة، ليش؟ لأنه كيف يستأجر؟ لا يمكن أن ينتفع به إلا بأكله وذهاب أجزائه.
إذن كيف العمل إذا كان الإنسان يريد أن يأكل قدر ملء بطنه والباقي يكون لصاحبه؟ يشتري، قلنا: اشترِ منه بمقدار ملء البطن، يجوز ولّا ما يجوز؟ الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: مجهول العين.

الشيخ: مجهول، ما ندري، قد يكون هذا الرجل قنوعًا وقد يكون أكولًا، أفهمتم؟ إذن الطريق أن يبيعها جميعًا.
لو قال مثلًا: أبيعها عليك بقدر ما تأكل منه، بمعنى: أننا نكيل هذا التمر أو نزنه، فإذا بلغ خمسة كيلوات مثلًا، ثم بعت عليه مقدار ما يأكل أو يشرب، والباقي ينزل من الثمن بقسطه، هو لما أكل أكل كيلوين وقد بعت عليه الخمسة كيلوات بخمسين ريالًا، أكل كيلوين كم يبقى؟ الطلبة: ثلاثة كيلوات.
الشيخ: ثلاثة كيلوات، ينزل من الثمن ثلاثون ريالًا، هل يجوز هذا أو لا يجوز؟ المذهب: لا يجوز، لا بد أن نعرف مقدار ما يؤكَل عند العقد، وهذا متعذِّر، لكن القول الثاني: الجواز، وأنه لا بأس ما دام عُلِمَ وقيمة الخمسة كيلوات بخمسين ريالًا، أي أن كل كيلو بكم؟ بعشرة ريالات، ما أكلت منه فبقسطه من الثمن، وما أبقيت فينزل من الثمن بقسطه.
الحقيقة أن هذا ليس فيه جهالة؛ لأنه لو حتى لو قُدِّر أنه حين العقد فيه جهالة فسيؤول إلى العلم.
ننتقل من هذا إلى مسألة بدأ الناس يتعاملون بها الآن، وهي البيع على التصريف، هل يجوز أو لا؟ يقول مثلًا: هذه خمسة كراتين حليبًا، أو خمس طرائق خبز، يبيعها على البقال على التصريف، يعني فيأتي إليه في آخر النهار ويقول: كم صَرَّفت؟ كذا وكذا، هو عليك بكذا والباقي رُدَّه ويسقط من الثمن، أيجوز هذا أو لا؟ طالب: على المذهب لا يجوز.
الشيخ: نعم المذهب لا يجوز، ولا إشكال، لكن على هذا القول الذي قلنا: إنه لا بأس به في مسألة التمر المأكول، نقول: يجوز، بشرط أن نقدِّر لكل شيء ثمنًا، أما أن يقول: على ما تُصَرِّف، وهو لم يقل مثلًا: كل كرتون بكذا، أو كل طريقة من طرائق الخبز بكذا، فهذا يؤدي إلى الجهالة ولا ندري.

وعليه فنقول في مسألة التصريف: له طريقان؛ إما أن يُوَكِّلَه، يعني الذي أتى بالخبز أو أتى باللبن أو ما أشبه ذلك يُوَكِّل البقال، فيقول: خذ هذا بعه، ولك على كل صندوق أو على كل كرتون كذا وكذا، جائز هذا ولّا غير جائز؟ طلبة: جائز.
الشيخ: هذا جائز قولًا واحدًا؛ لأنه توكيل بعِوَض، ما فيه إشكال.
أو يقول على القول الراجح: هذه مثلًا عشرة صناديق هي عليك بمئة، كل صندوق بعشرة، وما لم تُصَرِّفْهُ يُرَدّ بقسطه من الثمن، فهذا نرى أنه جائز؛ لأنه ليس على أحد الطرفين ضرر، وليس فيه ظلم، وصاحب اللبن مُسْتَعِدّ لقبول ما تَبَقَّى ولا بأس، ومثله الظاهر الصحف والجرائد، الظاهر إنها على هذا.
إذن المهم أن نحدد مقدار ثمن كل واحد، وحينئذٍ يكون صحيحًا.
إذن الطعام للأكل لا تصح إجارته، لكن يصح أيش؟ بيعه.
(ولا الشمع ليُشْعِلَه)، أيضًا لا تصح إجارة الشمع ليشعله، والشمع تعرفونه أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: كلكم؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: الشمع عبارة عن شيء جامد يذوب مع النار، لكنه يغذِّي النار، مثل الفتيلة تمامًا، هذا يُسْتَعْمَل فيما سبق، أنا لم أدركه، لكن يحدِّثُونا عنه، يضعونه في حوض صغير، ويضعون الشمعة ويوقدون في الفتيلة، ثم تبدأ الفتيلة تضيء والشمع يذوب.
طالب: موجود.
الشيخ: موجود؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يُسْتَعْمَل؟ طالب: عند الضرورة.
الشيخ: عند الضرورة حتى! الضرورة تبيح أكل الميتة، على كل حال هذا الذي يُسْتَعْمَل لو قال المستأجِر: أنا أريد أن أستأجر هذه الشمعة من أجل أن عندي الليلة ضيوفًا، وأستاجرها منك بكذا وكذا لمدة ساعة أو ساعتين.
المذهب: لا يجوز، لماذا؟ لأننا لا ندري ماذا يُسْتَهْلَك من الشمعة.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله أن ذلك جائز، ولكن كلام الشيخ رحمه الله لا بد فيه من تحرير.

التحرير أن نقول: إما أن يُقَدَّر بالمساحة، بمساحة الشمعة، فيكون مثلًا الآن مساحتها شبر -تعرفون الشبر- بعشرة ريالات، وما نقص من الشبر فبقدره، هذه تكون معلومة ولّا غير معلومة؟ طلبة: معلومة.
الشيخ: تكون معلومة، أو يقدرها بالساعة، ونحن نعرف استهلاك النار من الشمعة بالساعة والدقيقة، هذا أيضًا يكون معلومًا، أليس كذلك؟ إذن نقول: شيخ الإسلام رحمه الله اختار الجواز، لكن لا شك أن كلامه لا بد فيه من تقييد، وهو أن يكون معلومًا بالزمن أو بالمقدار بالحجم، فإذا كان معلومًا فلا بأس.
(ولا حيوان ليأخذ لبنه إلا في الظئر)، الحيوان لا يجوز أن يستأجره لأخذ لَبَنِه.
مثال ذلك: رجل عنده أطفال صغار من الضأن أمها ماتت، فاستأجر شاة إنسان لمدة يوم أو يومين حتى يشتري شاة ترضع الأطفال، يجوز أو لا؟ يقول: لا يجوز؛ لأن المعقود عليه الآن اللبن، واللبن أجزاء، والإجارة لا تكون إلا على منافع، ما تكون على أجزاء، فإذا استأجر حيوانًا لأخذ لبنه فلا يجوز، ومثل ذلك ما كانوا يستعملونه قديمًا، يكون عند الإنسان ضيوف فيستأجر من جاره بقرة لمدة يوم أو يومين من أجل أخذ اللبن، على المذهب لا يجوز؛ لأن اللبن مجهول، ثم حَلْبُها أيضًا مجهول، وبعض البهائم تمنع الحليب، ما تطيع أن تحلب، ففيه جهالة، لكن الظئر مُسْتَثْنى.
والظئر هي المرضعة لولد غيرها، فيجوز للإنسان أن يستأجر امرأة تُرْضِع ولده بأجرة معلومة، مع أن المعقود عليه اللبن، لا شك أن هذا هو المعقود عليه.

الفقهاء رحمهم الله أُورِد عليهم إيراد واضح، قيل لهم: إن الظئر إجارتها جائزة بنص القرآن، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]، وقال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، وقال: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6]، يعني: المسألة جائزة بالقرآن، ما لأحد أن يقول: لا، وأُورِدَ على الفقهاء، قيل: أي فرق بين لبن الآدمية ولبن غير الآدمية؟ أجاب بعضهم بجواب ليس بسديد، قال: لأن الآدمية إنما تستؤجَر لأجل أخذ الطفل ووضعه في حجرها وإلقامه الثدي، وما أشبه ذلك، الحيوان هل يفعل هذا بما يرضعه؟ طلبة: لا.
الشيخ: ما يفعل؟ طلبة: (... ). الشيخ: لا، غالبًا ولا طارئًا، هو لا يفعل لكنه يقف لما يرضعه، ويتأنَّى ويفتح رجليه، لا شك أنه يخدمه.
فنقول لهم: بارك الله فيكم، هل من المعقول أن الإنسان يستأجِر مرضعة ترضع ولده من أجل أن تأخذه وتضعه في حجرها وتلقمه الثدي إذا لم يكن في الثدي شيء؟ أجيبوا.
طلبة: لا يمكن.
الشيخ: ما يمكن، إذن ما المقصود؟ اللبن لا شك، لكن هذه وسائل إلى الحصول على اللبن، فالمقصود أولًا وبالذات هو اللبن.
إذن وما دمنا قياسيين يجب أن نقول: إن استئجار الحيوان لأخذ لبنه جائز بالقياس على الظئر، وهذا أيضًا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الصواب أنه يجوز، وسواء استأجره وأتى به إلى محله أو استأجره وهو عند صاحبه؛ لأن استئجار الحيوان لأخذ اللبن على وجهين: إما أن يستأجره ويأتي به إلى بيته وينفق عليه، وإما أن يستأجره وهو عند صاحبه ويكون الإنفاق على صاحبه، كل ذلك جائز على القول الصحيح، لكن على المذهب ماذا يصنع إذا كان عنده ضيوف ويريد أن يأخذ لهم لبنًا؟ يشتري.

اللبن في الضرع يجوز بيعه؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا يجوز بيعه، نقول: احلبها، وإذا حلبتها يشتريها المحتاج، فالمهم أنه حتى لو سددنا الباب في مسألة استئجار الحيوان لأخذ لبنه فهناك أبواب مفتوحة والحمد لله.
(نقع البئر وماء الأرض يدخلان تبعًا)، هذا أيضًا إجابة عن سؤال، لو استأجر الإنسان بئرًا يستقي منه، البئر معروف؟ طالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: البئر هو يُحْفَر في الأرض لجلب الماء منها.
الشيخ: يعني (... ). الطالب: نعم.
الشيخ: على كل حال البئر معروف، استأجر شخص من آخر بئرًا يسقي إبله، يسقي زرعه، هذا جائز، لمدة شهر، قال: أنا باستأجر منك البئر هذه باسقي الزرع لمدة شهر، أو استأجرته منك لمدة شهر باسقي الإبل؛ لأني سوف أبقى في هذه الأرض الْمُرْبِعَة لمدة شهر، هذا جائز، مع أن المعقود عليه الآن الماء وهو عين وأجزاء.
فكيف يجيبون عن القاعدة أن الإجارة لا بد أن تقع على المنفعة، يقولون: هذا يدخل تبعًا، تبعًا لأيش؟ قالوا: لأن المعقود عليه البئر لها فم، الفم يأتي المستأجِر ويُدْلِي دلوه بهذا الفم والرِّشَا ويضع البكرة، تعرفون البكرة؟ طيب، يقولون: هذا هو المعقود عليه، مرور الرشا بالبئر، مرور الدلو بالبئر، أما الماء فليس معقودًا عليه، فهل هذا معقول؟ يعني لو كان البئر ما فيها ماء يجيء واحد بيحط عليه دلوًا ورشا وبكرة وما شاء الله ينزّل الدلو ويصعّده، هل هذا ممكن؟ ما هو المقصود إذن؟ الماء، المقصود هو الماء.
فقولهم: إن ماء البئر يدخل تبعًا، الحقيقة أنه بالعكس، الأصل هو الماء، والبئر لو لم يكن فيها ماء ما استأجرها أحد.
ماء الأرض أيضًا كذلك يدخل تبعًا، إنسان مثلًا استأجر أرضًا للزرع لا بأس، الأرض فيها ماء؛ إما من نهر، أو وادي يأتي إليها، أو ما أشبه ذلك، يكون الماء يدخل تبعًا.

وهذا عكس ما يريده كل إنسان، كل إنسان يستأجر أرضًا للزرع فإنما استأجرها من أجل مائها، لو لم يكن فيها ماء ما استُؤْجِرَت، وكذلك البئر.
لكن الصواب الذي يظهر ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله، قال: إن الأجزاء التي تتولَّد وتتابع شيئًا فشيئًا بمنزلة المنافع تمامًا، ولهذا اختار رحمه الله أنه يجوز استئجار الحيوان لأخذ لبنه، واستئجار البئر لأخذ مائه، واستئجار الأرض لأخذ مائها.
وقوله رحمه الله هو الصواب؛ أن الأعيان التي تأتي شيئًا فشيئًا بمنزلة المنافع.
إذا قلنا: استأجَر حيوانًا لأخذ لبنه، وقلنا بهذا القول الراجح، فأبى الحيوان أن يحلب، في بعض الحيوانات يأبى أن يحلب، إما أنه يحلب على كيفه، وإلا إنه ما يحلب حتى يؤتَى بالولد ولده ويحلب عليه، وإما إنه ما يحلب حتى يؤتى له بطعام، المهم أنها تختلف الحيوانات.
إذا أبى هذا الحيوان أن يحلب إطلاقًا فماذا يكون الحكم على القول بأن الإجارة صحيحة؟ نقول: له الفسخ، للمستأجر الفسخ، وذلك لتعذُّر استيفاء المنفعة بغير سبب منه، فله أن يفسخ.
إذ إن المعقود عليه تعذَّر بغير سبب منه، ليس هو المفرِّط، وبذلك يتبين أن القول الراجح ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله في هذا الأمر.
قال: (ونقع البئر وماء الأرض يدخلان تبعًا) نقف على هذا الشرط، اللي بعده الشرط الثالث.
طالب: شيخ بارك الله فيك، هناك محلات واقعة الآن تبيع الأطعمة تكون مثلًا تدفع مبلغًا مثلًا عشرين ريالًا، والأكل حتى الشبع.

الشيخ: إي نعم، الظاهر أن هذا مما يُتَسَامح فيه، يعني مثلًا نحن الآن (... ) معروف إن الوجبة مثلًا بعشرين ريالًا، معروف، وأن الناس يختلفون في الوجبة، ولّا لا؟ (... ) إنسان صحن إدام ونصف خبزة ويكفي، وإنسان يحتاج إلى صحنين إدام وخبزتين، بينهم فرق ولّا لا؟ فالظاهر لي أن هذا مما يُتَسَامَح فيه، لكن إذا عرف الإنسان من نفسه أنه أكول فيجب أن يشترط على صاحب المطعم، عرفت؟ أنه أكول، يعني يقول: أنا ترى ما تَسُدُّني الخبزة والخبزتان.
طالب: هو يقول: إلى الشبع؟ طالب آخر: هو الذي يخدم يا شيخ.
الشيخ: يا إخوان، السبب ما يهمهم الآن؛ لأن الأمور متيسرة والحمد لله، لكن تأتون في بلد فقيرة كل شيء عندهم محسوب، والناس يختلفون، ألم تعلموا أن بعض الناس يأكل زبيل التمر، ألم تعلموا هذا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: أن أشهد أن الواحد منكم يأكل زبيل التمر، في أيام كثيرة، لكن في ناس يجلسون على التمر ما شاء الله يأكلون زبيلًا، يعني ما هو زبيل كامل، كثيرًا يعني.
على كل حال: أرى أن هذه مما يُتَسَامح فيه عادة، إلا أن يكون الواحد منهم أكله خارجًا عن العادة فلا بد أن يخبر صاحبه، لا بأس مثلًا، يجلس على الماصة ويقول له: هات، جاء بما يُشْبِع غيره عادة انتهى، قال: جِيب.
طالب: (... ). الشيخ: أنا ما أعرف هذا، أنا أعرف إنك في المطاعم تجلس على الماصة: أعطني كذا أعطني كذا.
طالب: يعني اللي موجود.. الشيخ: يعني على الطاولة.
الطالب: نعم، ولك ما تريد، وهل يدخل فيه الأخيرة.. الشيخ: طيب، آخذ اللي أريد، افرض مثلًا إنه فيه صحن بيض قيمته خمسة ريالات، وفيه صحن بصل قيمته ريال، كله واحد عندهم؟ طالب: هذا اللي أسأل عنه، إنه واحد يأكل ما قيمته ريال، والثاني يأكل ما قيمته سبعون ريالًا، وكلهم يدفعون.. الشيخ: والله ما أدري يا أخي.
طالب: يقال: إنها خدمة من صاحب المطعم.

الشيخ: إي، تحتاج إلى نظر، أما الفرق اليسير لا بأس به مما يُتَسَامَح فيه عادة، أما الفرق الكثير فيحتاج إلى نظر في الواقع.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، فيه الجرائد هذه (... ) فيحطها صاحب البقالة في الخارج يعرضها للبيع، فيأتي بعض الناس ويفتح ويقرأ كل الجريدة ثم يردها ويمشي، فحكم هذا الفعل؟ هذه ظاهرة.
الشيخ: صحيح، ما دام صاحب المكان ما منع، ما قال: لا أسمح لأحد أن يراجع وينصرف، هو الذي سلَّط الناس على ماله.
طالب: له أن يرده حين شاء؟ الشيخ: إي نعم، له أن يرده حين شاء، ما دام هكذا قيل.
طالب: استئجار حيوان لأخذ شعره وصوفه ووبره يقاس على اللبن؟ الشيخ: أما القول الراجح في مسألة الصوف يبيعه الآن حاضرًا، أما الصوف المستقبل ففيه جهالة عظيمة؛ لأنه متى ينبت الصوف حتى يكون أَخْذه ممكنًا؟ طالب: ما يُقاس على اللبن؟ الشيخ: قد يُقاس، لكن فيه صعوبة.
طالب: البيع على التصريف، جاء إنسان صاحب محل مثلًا وأعطاه بضاعة، وقال: ما زاد.. يعني أعطاه بضاعة بمبلغ معيّن، بمئة ريال، وقال: بع أنت والزود، واللي يجلس ما تبيعه آخذه منك.
الشيخ: هذا على المذهب ما يجوز، المذهب أن هذا حرام، والراجح إذا عُيِّن الثمن لكل كرتون فلا بأس؛ لأن (... ). طالب: عين بمئة، والزود.. الشيخ: لكن يعيِّن لكل كرتون ثمنًا معينًا.
طالب: الآن ينتشر تأجير (... ) فانوس الغاز، يأخذ يوميًا مثلًا خمسة ريالات، هل هي مثل الشمعة؟ الشيخ: إي نعم، والصحيح أنه جائز.
الطالب: لكن يختلف الاستخدام، ربما يستخدمه استخدامًا.. الشيخ: ما يخالف، أنا عارف إني أنا متواطئ على أنه (... ). الطالب: وبعض الناس (... ). الشيخ: ما يخالف، أنا راضٍ، يعني مثلًا اللي أعطاه تريك معبيه تعبئة مليئة يعني يقول (... ). طالب: في الشرح قلنا بالتقييد، وهنا بالإطلاق؟

الشيخ: إي نعم، هنا لأن التقييد صعب، كيف تتقيد؛ لأن الشمعة مشاهَدة اللي يترك منها، أما هذا صعب، إذا أمكن تقييده فهو أحسن لا شك.
طالب: الإطلاق للشمعة ليس أولى يعني لكونه (... ) يسير.
الشيخ: ما هو على كل، أنا قلت لكم قبل قليل، ما دام الناس في سعة كل شيء عندهم هين، لكن يأتي زمن القرش يسوى ريالًا أو أكثر من الريال.
طالب: بيع التصريف ما يدخل تحت بيع ما لا يقبض أو بيع ما لا يملك؟ الشيخ: لا؛ لأن البائع يملك، البائع هو اللي جاب لك البضاعة.
الطالب: تقول: الزائد.
الشيخ: الزائد يعني معناه إنه ما وقع عليه البيع.
الطالب: والضمان على مَن؟ الشيخ: الضمان على المشتري، يعني لو تلف هذا فالضمان على المشتري، يعني لو فرض أنه احترق أو سُرِق فالضمان عليه.
طالب: ما حكم قول بعض الإخوان البارعين في صنعة ما: أنا أصلح لك هذه الآلة مثلًا بمئة وعشرين إن خرج فيها سلك أوصلته (... )، ويعتمد في ذلك على خبرته، هل هذه.. الشيخ: كيف؟ طالب: يعني بعض الأجهزة يكون مغلقًا.
الشيخ: مغلقة يعني إيه؟ الطالب: يعني مغلقة بصواميل أو كذا، يعني ليس بظاهر عيبها، ما سبب العطل ليس بظاهر، فيقول: أنا أصلحها.. الشيخ: يعني افرض أنها آلة تصوير.
الطالب: مثلًا، آلة تصوير أو مسجل، يقول: أنا قبل أن أفتحه أفتحه وأصلحه لك، بكل حال، إن كان فيه سلك فاصل فأنا أصلحه بعشرين، وإن كان فيه موتور أو محوّل خارج.. الشيخ: هذا مجهول، هذا ظاهر الجهالة، قد يحتاج إلى قطع غيار أيضًا.
طالب: بارك الله فيك، (... ) ما حكم.. الشيخ: لا، قلنا: فيها قول ثاني، بس حكينا بالقول الثاني؟ الطالب: رجَّحْنَا (... ). الشيخ: إحنا رجَّحْنا أن العسل والحبة السوادء من أحسن ما يكون للشفاء.
الطالب: يا شيخ، قلنا في الدرس الماضي أنه.. الشيخ: قلنا: لا يمكن، لكن الدرس هذا زدنا أننا شرحنا القول الثاني لأن في قول آخر يجوز وله الخيار إذا رآها.
الطالب: وهو الراجح يا شيخ؟

الشيخ: إذا كان ما فيه خصومة ولا شيء.
طالب: إذا بقى شيء ووعده بالرد يا شيخ، إحنا قلنا بالدرس الماضي: إنه الإنسان.. الشيخ: ما دام قلنا له الخيار إذا رآها (... ). طالب: يُسْتَثْنَى من ذلك لبن الظئر؟ الشيخ: الظئر؟ ويش الظئر؟ الطالب: هي المرضعة التي يستأجرها الرجل لإرضاع مثلًا ولده.. الشيخ: المرضعة المستأجرة للإرضاع، ما وجه الاستثناء؟ الطالب: قالوا بأن المرضعة استُثْنِيَت لأنه جاء القرآن الكريم بالتنصيص على جواز إجارتها.
الشيخ: لكن ما وجه ذلك؟ الطالب: وقالوا بأن المؤجَّر في الحقيقة ليس هو اللبن وإنما هو كونها تضع مثلًا الولد في حجرها.
الشيخ: يعني الاستئجار على عملها، تحمل الطفل تضعه في حجرها تلقمه الثدي.
الطالب: نعم هذا.
الشيخ: ما تقول في هذا؟ هل هذا التعليل صحيح؟ طالب: لا، ما هو صحيح.
الشيخ: ما هو الصحيح؟ الطالب: الصحيح أن العقد على العين؛ على عين الحليب.
الشيخ: على اللبن.
الطالب: على اللبن.
الشيخ: الدليل؟ أو التعليل ما يخالف.
الطالب: التعليل أن هذه المرأة لو لم يكن بها حليب لم تُسْتَأْجَر.
الشيخ: أحسنت، تمام بارك الله فيك، شيخ الإسلام أخذ من هذا مسألة، وهي؟ طالب: (... ). الشيخ: الأعيان، أن الأعيان المتجددة بمنزلة المنافع، فعلى رأيه رحمه الله يجوز أن يستأجر الحيوان لأخذ لبنه، والشمع ليشعله، وما أشبه ذلك.
إذا استأجر دارًا وفيها ماء، أو أرضًا وفيها ماء، وسقى بهذا الماء، فهل يصح أو لا يصح؟ طالب: الإجارة (... ). الشيخ: ويدخل الماء تبعًا، نقع البئر؟ طالب: (... ). الشيخ: يدخل تبعًا، أما على اختيار شيخ الإسلام فالمسألة واضحة مبنية على أن الأعيان المتجدِّدة بمنزلة المنافع، ولا حاجة إلى أن نقول: يُسْتَثْنَى أو لا يُسْتَثْنَى.
ثم قال المؤلف: (والقدرة على التسليم)، هذا الشرط الثالث من شروط العين المؤجرة أن يكون قادرًا على تسليمها للمستأجِر.

(فلا تصح إجارة الآبق والشارد)، الآبق يعني العبد الآبق، (والشارد) الجمَل الشارد.
الآبق: هو الذي هرب من سيده وتَغَيَّب ولا يدري عنه سيده شيئًا، لا تصح إجارته؛ لأنه غير مقدور على تسليمه، وحينئذٍ إما أن يستطيع المستأجِر استلامه، وإما ألَّا يستطيع، فإن استطاع أن يتسلمه صار غانمًا، وإن لم يستطع صار غارمًا، وإنما قلت: إنه إذا استطاع أن يتسلمه صار غانمًا؛ لأن العبد الآبق لا يمكن أن تكون أجرته كأجرة العبد الحاضر؛ لأنه سوف تنزل أجرته، وسوف يعتبر المستأجِر نفسَه مخاطرًا، فإذا قدَّرْنَا أن هذا العبد يؤجَّر في اليوم بخمسين ريالًا لو كان حاضرًا، فإذا كان آبقًا سيؤجر في اليوم بخمسة ريالات أو عشرة ريالات، وحينئذٍ إن وجده فهو غانم -أي: المستأجر- وإن لم يجده فهو غارم.
والقاعدة الشرعية أن كل عقد يكون متردِّدًا بين الغُنْم والغُرْم فهو باطل؛ لأنه ميسر، ويدخل هذا أيضًا في ضمن نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغَرَر.
(الشارد) كذلك، إنسان له جَمَل شارد هارب، فجاء شخص يستأجره منه وقال: أنا أريد أن أستاجر منك الجمل شهرًا بكذا وكذا، ابتداؤه من اليوم، وأنا وحظي؛ إما أن أجده اليوم، وإما ألَّا أجده إلا بعد عشرة أيام، وإما ألَّا أجده أبدًا، نقول: هذه إجارة فاسدة باطلة، وذلك لعدم القدرة على التسليم، والعجز عن التسليم يقتضي أن يكون المستأجِر غانمًا أو غارمًا.
الشرط الرابع: (اشتمال العين على المنفعة)، لا شك أن هذا شرط مهم.

(اشتمال العين على المنفعة)؛ لأن المعقود عليه بالإجارة هو المنفعة، فلا بد أن تكون العين مشتملة على هذه المنفعة، فإن لم تكن مشتملة على هذه المنفعة صار هذا من باب إضاعة المال الذي لا فائدة فيه، ولهذا قال: (فلا تصح إجارة بهيمة زَمِنَةٍ لِحَمْل)، الزمنة هي التي لا تستطيع المشي، فلو أتى إنسان ليستأجرها ليحمل عليها قلنا: هذه الإجارة غير صحيحة؛ لأنه (... ) على أيش؟ على لا شيء، هي مستأجرة للحمل عليها، وهي الآن لا تستطيع أن تمشي، كيف يُحْمَل عليها؟ فتكون الإجارة غير صحيحة، باطلة.
فإذا قال المستأجر: أنا أريد أن أنفع صاحبها وأَجْبُر قلبه؛ لأن بهيمته شُلَّت وانكسر قلبه، وكان يأخذ عليها كل يوم عشرة ريالات يؤجرها، والآن شُلَّت ما تستطيع أن تعمل، وأنا أحب أن أجبر قلبه وأقول: أستأجرها منك عشرة أيام كل يوم بعشرة ريالات، ويش المانع؟ نقول: إذا كنت تريد أن تجبر قلبه فاجبر قلبه بالهبة، أعطه مالًا يكفي، وخَلِّ ناقته عنده، أما أن تعقد عقدًا فاسدًا من باب أكل المال بالباطل فهذا لا يجوز، وباب التبرع والإحسان مفتوح، لسنا نقول: لا تنفعه، انفعه.
إذن لا يصح إجارة بهيمة زَمِنَةٍ لِحَمْل.
إجارة سيارة مُبَوّشَة للسفر عليها؟ طلبة: لا، ما يصح.
طالب آخر: تفصيل.
الشيخ: لا، المبوشة؟ معناها الماكينة خربانة مرة، ما تستطيع تمشي، لا تصح الإجارة عليها، إذا قال متى أصلحتَها، يقول المستأجر لصاحبها: متى أصلحتها فقد استأجرتها منك الشهر بكذا وكذا، لا تصح أيضًا.
أولًا: بناءً على أن العقود لا يصح تعليقها كما هو المذهب، كل عقود المعاوضات لا يصح تعليقها.
وثانيًا: أن هذا مجهول، ابتداء المدة من متى؟ من التصليح، التصليح متى؟ غير معلوم، وعلى هذا فلا تصح.
إذا كان فيها خراب قليل، كأن تكون مثلًا العجلات ما تستطيع أن تمشي بها، لكن نعلم أنها تُصَلَّح خلال يوم أو يومين، يجوز تأجيرها ولّا لا؟ يجوز.

كذلك يقول: (ولا أرض لا تنبت للزرع)، يعني لا يصح استئجار أرض لا تنبت للزرع، فهذا إنسان عنده أرض واسعة، لكنها سبخة لا تنبت أبدًا، يوجد بعض الأراضي لا تنبت، فاستأجرها للزرع، نقول: لا يجوز أن يستأجرها، لماذا؟ لعدم وجود المنفعة المعقود عليها.
لو استأجرها على أن تكون مستودعًا له، يجوز؟ نعم؛ لأنه يمكن الانتفاع بها، أما إذا استأجرها من أجل أن يزرعها فلا يصح؛ لعدم اشتمالها على المنفعة.
الشرط الخامس: (أن تكون المنفعة للمؤجِر أو مأذونًا له فيها)، وهذا يعني أنه يُشْتَرَط أن يكون مالكًا أو قائمًا مقام المالك، وهذا شرط في جميع العقود، كل العقود لا بد أن يكون العاقد مالكًا للعقد عليها؛ إما بملك أو بنيابة عن المالك، كل العقود، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، فلا بد أن تكون المنفعة المعقود عليها ملكًا للمؤجِر، أو مأذونًا له فيها، لا بد من هذا.
المنفعة للمؤجر مثل: شخص وُهِبَت له منفعة هذه العين، قيل: يا فلان، وهبتك منفعة هذه العين، والعين ليست ملكه، ملكًا لصاحبها، فأجَّرَها، فالإجارة صحيحة؛ لأنه يملك المنفعة وإن لم يملك العين.
وكرجل أُوصِيَ له بمنفعة عبد ليخدمه، وهذا يقع، يكون ملك العبد للسيد، لكن أوصى بعد موته لفلان بخدمة هذا العبد، نقول: الآن الْمُوصَى له مالك للرقبة أو للمنفعة؟ للمنفعة.
إذن لا بد أن تكون المنفعة للمؤجِر.
(أو مأذونًا له فيها)، والمأذون له فيها إما وكيل، وإما ولي، وإما وصي، وإما ناظر؛ ناظر وقف، فلا بد من أن يكون مالكًا أو قائمًا مقام المالك، وهم كم؟ أربعة: الولي، والوصي، والوكيل، والناظر.
فإن آجَرَ ملك غيره فإنه لا تصح الأجرة، فإن وافق على ذلك، أعني صاحب العين وافق، فالمذهب لا يصح، بناءً على أنه لا يصح تصرف الفضولي.

والقول الثاني: يصح، وهذا القول هو الراجح.
فلو أن شخصًا عنده علم بأن صاحبه يريد أن يؤجر بيته، يعني صاحب البيت يريد أن يؤجره، وجاء أناس يريدون أن يستأجروه، وصاحبه غير موجود -رب البيت غير موجود- ولكن صاحب رب البيت موجود، فأجَّر هؤلاء، ثم وافق المالك على ذلك، فالصحيح أن الأجرة صحيحة؛ لأن أصل منع نفوذ العقد في مملوك الغير لحق الغير، فإذا وافق فقد أسقط حقه.
يقول: (أو مأذونًا له فيها، وتجوز).
طالب: لو استأجر البيت قبل تمامه (... ) هذا البيت بكذا من خوف مثلًا، يعني.. الشيخ: (... ). الطالب: نعم.
الشيخ: ما يجوز؛ لأنه ما يدري متى يرجع، هذه واحدة، الشيء الثاني: إذا لم يتم البناء قد يكون هناك نواقص يريدها المستأجر ولكنها ما وُجِدَت.
طالب: (... ) يا شيخ، في الوقت الحاضر (... ). الشيخ: أما المذهب ما يجوز، لكن على القول بأنه يجوز تعليق العقد يصح، فإذا تم فهو له.
طالب: ما يمكن يستفاد منه يمكن سبعة يؤجروه مثلًا.. الشيخ: يعني ما أنا بصاحب سيارة، لكنهم قالوا: إن الْمُبَوِّشة ما تمشي أبدًا.
طالب: يكون فيها صدى بسيط، ولّا مخبّطة.
الشيخ: يعني المخبّطة ما تمشي.
طالب: نعم هذه.
الشيخ: والمبوشة ما تخالف؟ طالب: ممكن تمشي.
طالب آخر: ممكن تمشي وممكن لا تمشي.
الشيخ: على كل حال، ارجعوا إلى أهل الخبرة، فالمقصود أنه لا يمكن أن ينتفع منها.
طالب: أحسن الله إليك، معنى كلام شيخ الإسلام: الأعيان التي تأتي شيئًا فشيئًا بمنزلة المنافع، تفسير قوله؟ الشيخ: يظهر ذلك بالمثال: اللبن عين، لكنه يَحْدُث شيئًا فشيئًا، فهو بمنزلة المنفعة، فكما أنك لو استأجرت هذه البعير للركوب جائز لأن منفعتها تتجدد فكذلك اللبن؛ لأنه يعتبره منفعة، يقول: ليس هذا جزءًا من البعير، بل هو منفعة ينفصل عنه، فهو بمنزلة المنافع، وله الأصل الذي استند عليه وهو جواز استئجار المرضع.

طالب: إذا كان الإنسان يكون في نفسه شيء أن يقبل الإحسان من الناس، فيلجأ أصدقاؤه إلى عقد صوري، كما في المسألة هذه التي مرت معنا حتى يقبل منهم المال، يقول: أنا أستأجر هذه السيارة التي لا تصلح للمشي، أستأجرها، لا أقول له: إني أستأجرها لأسافر أو كذا، لكن أستأجرها فقط حتى يأخذ مني المال ويقبله، وأنا أعرف أنه محتاج، فأيضًا يبقى على المنع بأنه عقد فاسد، أو يكون لها وجه؟ الشيخ: لا، يبقى، شرط الله أحق، شرط الله أوثق، حتى الناس يعرفون أن هذا لعب وهك على صاحب العين.
طالب: إجارة المشاع مفردًا لغير الشريك، يجوز؟ الشيخ: من أين أتتك هذه العبارة.
طالب: من الروض؟ الشيخ: من الروض، واحنا نقرأ؟ طالب: (... ). الشيخ: في الزاد، إجارة المشاع لغير شريكه إذا أمكن الانتفاع فلا بأس، وإذا لم يمكن فلا يجوز، والانتفاع فيما نرى ممكن.
طالب: (... ). الشيخ: نعم لكن يمكن تأجيره.
(... )


الطالب: وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامَه لا بأكثر منه ضررًا، وتصح إجارة الوقف، فإن مات المؤجر وانتقل إلى مَن بعده لم تنفسخ، وللثاني حصته من الأجرة، وإن آجَرَ الدار ونحوها مدة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها صح، وإن استأجرها لعمل كدابة لركوب إلى موضع معين، أو بقر لحرث أو دياس زرع، أو مَن يدله على طريق اشتُرِطَ معرفة ذلك وضبطه بما لا يختلف.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن من شروط صحة عقد الإجارة على العين أن تكون مشتملة على المنفعة، وأن التي لا منفعة فيها لا يجوز عقد الإجارة عليها، وسبب ذلك أن المعقود عليه هو المنفعة، وإذا كانت معدومة فأين المعقود عليه؟ هذا تعليل الفقهاء رحمهم الله.

ولنا أن نعلِّل بدليل وهو نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال (5)، وهذا إضاعة مال بالنسبة للمستأجِر، فإذا قال: إني أريد أن أنفعه، فقد علمتم الجواب فيما سبق؛ أننا نقول: انفعه بما شئت، لكن لا تجعله على صفة عقد محرَّم؛ لأن جميع العقود المحرَّمة والشروط المحرَّمة كلها باطلة حرام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى من شروط صحة إجارة العين، يقول: (وأن تكون المنفعة للمؤجِر أو مأذونًا له فيها)، لم يقل: أن تكون العين المؤجَرة، (المنفعة للمؤجِر أو مأذونًا له فيها)، وذلك أنه لا يصح تصرف غير المالك فيما لا يملك إلا بإذن من الشرع، أو إذن من المالك؛ لأن هذا اعتداء على الغير، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]، وهذا أكل للمال بالباطل.
فلا بد أن تكون المنفعة للمؤجِر؛ إما بملكه العين، إنسان مثلًا له دار، الدار ملك له، عينها أو منفعتها؟ طالب: منفعتها.
الشيخ: عينها، وتتبعها المنفعة؛ لأن مَن ملك العين ملك المنفعة.
إنسان عنده بعير يملكها فهو مالك أيضًا لمنفعتها.
إذن أن تكون المنفعة للمؤجِر إما بملكه العين، أو بكونه مُوصًى له بها، بأن قال الإنسان عند موته: أوصيت بمنفعة بيتي هذا لفلان، ومات، فالموصَى له يملك المنفعة، لكنه لا يملك العين، فيجوز أن يؤجر المنفعة أو لا؟ يجوز؛ لأنها ملكه.
كذلك أيضًا: من ملك المنفعة أن يكون شخص اشترى منفعة من آخر كمَمَرٍّ في دار، وقد مر علينا هذا في أول كتاب البيع، فله أن يؤجره.
والحاصل أنه يُشْتَرَط أن يكون مالكًا للمنفعة، سواء كان مالكًا للعين أو لا.
ومن ذلك أيضًا (أو مأذونًا له فيها) المأذون له بتصرف مال الغير، أو بعبارة أصح: المأذون له بالتصرف في ملك الغير الوليُّ، والثاني الوصيُّ، والثالث الوكيلُ، والرابع ناظرُ الوقف.
طالب: (... ).

الشيخ: سبحان الله! ويش بقي لنا يا جماعة، خيرًا إن شاء الله، ما فيه مانع، على كل حال تجوز إعادة الجماعة إذا حضر المسجد والناس يصلون.
وقفنا على أيش؟ قال: (وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه)، يعني يجوز للمستأجر أن يؤجر غيرَه، كرجل استأجر بيتًا لمدة سنة ثم عدل عنه، أو لم يعدِل لكن جاءه شخص وقال: أَجِّرْنِي مدة إجارتك، فأجره، فلا بأس، وهذا مالك ولّا غير مالك؟ المؤجِّر الذي أَجَّر غيره مالك للمنفعة، وعقد الإجارة يكون على إيه؟ على المنفعة ما هو على العين، فإذا استأجرت شيئًا وأجَّرْتَه غيرك فالإجارة صحيحة.
لكن اشترط المؤلف قال: يُشْتَرَط أن يكون (يقوم مقامَه) يقوم مقام المستأجِر الذي أجَّر، أي: (ليس أكثر منه ضررًا)، فإن كان أكثر منه ضررًا فإنه لا يملك ذلك.
مثاله: رجل استأجر دكانًا لبيع الْحُلِيّ، ثم جاءه إنسان آخر وقال: يا فلان، أنا أريد أن تؤجرني مدة استئجارك، وهو الثاني بائع حلي، يجوز أو لا؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن الثاني يقوم مقام الأول، واضح؟ شخص آخر استأجر دكانًا لبيع الْحُلِيّ، فجاءه رجل صاحب فرن، تعرفون صاحب الفرن؟ طلبة: نعم.
الشيخ: قال: أريد أن أستأجره منك، يجوز أن يؤجره؟ الطلبة: لا.
الشيخ: سبحان الله، كلكم تقولون: لا؟ ! لماذا؟ لأن صاحب الفرن يضر الدكان أكثر من صاحب الذهب، واضح؟ إذن يجوز أن يؤجِّره لمن يقوم مقامه، ومعنى يقوم مقامه أن يكون مثله في استيفاء المنفعة، أو أقل منه ضررًا.
رجل آجَرَ هذا الدكان لفَرَّان، ثم إن الفران جاءه شخص بائع حلي وقال: أَجِّرْني إياه مدة إجارتك، يجوز أن يؤجره أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لكن لو كان للمؤجِر غرض صحيح في تأجيره صاحب الفرن، وهو أنه يخدم هذه المنطقة؛ لأنها منطقة ليس عندهم فَرَّان ولا خَبَّاز، ومنعه، أي: منع المالكُ المستأجِرَ أن يُؤْجِره غيره ولو كان أقل منه ضررًا، فهل له أن يمنعه؟

نقول: إن شَرَطَ عليه ذلك بأن قال: لا بد أن تقيم هنا مخبزًا، فليس له أن يُؤَجِّرَه من لم يخبز فيه.
وإن كان لم يشترط، وقال: أنا هذا غرضي، أنا غرضي أخدم هذا الحي حتى لا يذهبوا إلى بعيد يشترون الخبز.
فالظاهر لي في هذه الحال أنه ما دام له غَرَض صحيح فله أن يمنعه؛ لأن بعض الناس قد يكون له غرض، أما إذا لم يكن غرض صحيح فإنه إذا أَجَّرَه لمن هو دونه فلا بأس.
ظاهر كلام المؤلف أنه يجوز أن يُؤَجِّره بمثل الأجرة أو أكثر، فهل نأخذ بهذا الظاهر؟ الجواب: نعم، فيجوز للمستأجر أن يُؤَجِّر بقية مدته لغيره بأكثر من أجرته، وهذا ربما يقع؛ يستأجر إنسان دكانًا في بلد فيه مواسم، فيستغله هو في غير وقت الموسم، مثل أيش؟ يعني البلد اللي بها مواسم؟ مكة والمدينة، استغله في غير وقت المواسم، ثم جاءه شخص يريد أن يستأجره منه في وقت الموسم بأضعاف الأجرة التي استأجره بها، أيجوز أم لا؟ يجوز، هذا ظاهر كلام المؤلف؛ لأن المؤلِّف لم يَقُل: بشرط أَلَّا يأخذ أكثر من أجرته، وعلى هذا فيجوز للمستأجر أن يُؤْجِر غيره إذا كان يقوم مقامه ولو بأكثر من الأجرة، أفهمتم؟ التعليل، قالوا: لأنه مالك للمنفعة ملكًا تامًّا، والمالك له أن يتصرف، يبيع بكثير يبيع بقليل، ما فيه مانع.
وقال بعض العلماء: إنه لا يجوز أن يؤجِّر بأكثر، واستدلوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح مالم يُضْمَن، والمنافع غير مضمونة، ولهذا لو انهدم الدكان مثلًا انفسخت الإجارة، ولم يطالَب صاحب الدكان بأن يُؤَمِّن له دكانًا آخر، فإذا كانت المنافع لم تُضْمَن فقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن رِبْحِ ما لم يُضْمَن.
(6) والذين قالوا بالجواز أجابوا عن هذا بأنه خاص في البيع، أما الإجارة فلا يشملها الحديث، لكن العمل الآن على أي القولين؟ العمل الآن على القول الأول؛ أن المستأجِر له أن يؤَجِّر مدة إجارته ولو بأكثر من الأجرة، وعليه العمل.

وهو فيما يبدو أقرب إلى الصواب من المنع؛ لأن الحديث ليس صريحًا في مسألة الإجارة.
(وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه).
فيه مسألة: لو أن الإنسان استؤجر على عمل في الذمة، بأن قيل له: نريد أن تنظف هذا البيت كل يوم، ولك في الشهر مئة درهم، فاستأجر مَن ينظف البيت كل يوم على حسب ما حصل عليه العقد لكن بخمسين ريالًا، يجوز أو لا؟ نعم يجوز، هذا من جنس ما إذا قلنا: إنه يجوز أن يؤجِّر بقية مدته بأكثر من الأجرة، فيجوز، وعلى هذا عمل الناس اليوم.
تجد مثلًا أن الحكومة تتفق مع شركة على تنظيف المساجد، كل مسجد الشهر بكذا وكذا، ثم هذه الشركة تأتي بعمال يقومون بما تم عليه العقد بأقل من ربع ما اتفقت الشركة مع الحكومة، موجود هذا ولّا لا؟ موجود، إلا إذا كان الغرض يختلف بالنسبة للمستأجِر، إذا كان يختلف فهذا لا يجوز.
مثل: إنسان استأجرته لينسخ لي زاد المستقنع، والرجل أعرف أن خطه جيد، وأن خطأه قليل، فاستأجر إنسانًا يخطه بأقل مما أَجَّرْتُه به، وهذا الشخص خطه جميل لا شك، الأخير الذي استأجره المستأجَر، فهل يجوز أو لا؟ يقول العلماء: إنه لا يجوز؛ لأن العبرة بالنسخ ليس بجمال الخط، ولكن بجمال الخط، ووضع الفواصل، والعلامات، والإملاء، كم من إنسان خطه من أجمل الخطوط، لكن في الإملاء يكتب غيرِ المغضوب عليهم ولا الضالين، بالضاد المشالة في الموضعين، ويش تقولون في هذا؟ يصلح؟ خطأ في أيش؟ طالب: خطأ في الإملاء.
الشيخ: خطأ في الإملاء، وهذا كثير، كثير من الطلاب الآن هنا أو في الجامعة خطوطهم جميلة، لكنها في الإملاء ما عندهم قاعدة، وكثير من الناس خطه رديء ولا يعرف يقرؤه إلا مَن تمرن عليه، ولكنه في الإملاء جيد.
المهم على كل حال ما يختلف فيه الغرض لا يجوز لأحد أن يقيم مُقامه غيرَه.
قال المؤلف رحمه الله: (وتصح إجارة الوقف)، أولًا: لا بد أن نعرف ما هو الوقف؟

الوقف: هو العين التي سُبِلَت منفعتها وحُبِسَ أصلها، هذا الوقف، يسمى عند الناس السبيل.
مثاله: إنسان أوقف بيته، قال: هذا وقف على الفقراء، يبقى البيت ما يمكن يُبَاع، وأجرته أو سُكْنَاه لِمَن؟ للفقراء، هذا الوقف، شخص قال: هذا البيت وقف على أولادي، أولاده الآن لا يمكن أن يبيعوه، لماذا؟ لأنه وقف محبوس، لكن يمكن أن ينتفعوا به بالسكنى، بالتأجير، وما أشبه ذلك.
الوقف تجوز إجارته، والمؤلف رحمه الله قال: (تصح إجارة الوقف)، لا لمجرد أن يبيِّن لنا أن إجارة الوقف صحيحة؛ لأن هذا أمر لا يحتاج إلى تنبيه، لكن لما يتفرع عليه.
إذن الوقف تجوز إجارته ولا يجوز بيعه، لماذا؟ لأن الإجارة واردة على المنفعة، والمنفعة ملك لمن؟ للموقوف عليه، ليست واردة على العين التي لا يجوز بيعها.
(تصح إجارة الوقف)، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين الوقف على معين؛ كعلى أولاده، أو على غير معيَّن؛ كعلى الفقراء، أو على جهة تملك؛ كما مثلنا، أو على جهة لا تملك؛ كما لو وَقَّفَ هذا البيت لمصالح المساجد، المساجد ما تملك، فعلى كل تقدير تصح إجارة الوقف، واضح يا إخوان؟ أراد المؤلف أن يُفَرِّع عليها ما يأتي: (فإن مات الْمُؤْجِر وانتقل إلى مَن بعده لم تنفسخ، وللثاني حِصَّتُه من الأجرة).
أَجَّرَ الوقف باعتبار أنه مستحق ومات، ينتقل الوقف إلى مَن بعده، مثاله: قال: هذا وقف على أولادي ثم أولادهم.
الأولاد أَجَّرُوا ثم ماتوا، انتقل الوقف الآن إلى مَن؟ طلبة: إلى أولادهم.
الشيخ: إلى أولادهم، الآباء أَجَّرُوا الوقف لمدة عشر سنين، لكن الله تعالى قضى عليهم بالموت في خلال ثماني سنوات، وبقي من المدة سنتان، هل تنفسخ الإجارة؟ المؤلف يقول: لا تنفسخ؛ لأن الآباء أَجَّرُوه في وقت هم أصحاب المنفعة الذين يملكونها، فنفذ العقد، فإذا انتقل إلى مَن بعدهم انتقل على أنه مُؤَجَّر.

بقي علينا الأجرة هل تكون جميعها للأولين أو تكون جميعها للأولاد الذين انتقل إليهم الوقف، أو كلٌّ له بقسطه؟ استمع، يقول: (وللثاني حصته من الأجرة) أي: نصيبه.
في المثال الذي ذكرنا مضى من المدة ثمانية من عشرة، أربعة أخماس، يبقى خُمْس، تكون خُمْس الأجرة لمن؟ للبطن الثاني؛ للأولاد، لهم خُمْس الأجرة، فإذا قَدَّرْنا أنهم أَجَّرُوها بألف فلهم، أي: للذين أَجَّرُوا وقد ماتوا في السنة الثامنة ثمانِ مئة، وللآخرين مئتان، هذا هو كلام المؤلف رحمه الله.
ولكن يجب علينا أن نعرف الفرق في قيمة المنفعة، قد تكون في بعض السنوات أكثر من بعض، ولكن يقال: إن كل منفعة قد قبضها أصحابها، ولا سيما إذا كانوا يقولون: عشر سنوات، كل سنة بمئة إذا حَدَّدُوا، فواضح أن للآخرين مئتين من ألف، وإن لم يُحَدِّدُوا ربما يُنْظَر في الموضوع، ويُعْتَبَر فرق السعر بين الأول والثاني.
(للثاني حصته من الأجرة) هذا ما قَرَّرَه المؤلف رحمه الله أنها لا تنفسخ، والسبب أو العلة: لأن أولئك أَجَّرُوا في وقت هم مالكون للمنفعة، فكان عقدهم صحيحًا.
وانتقل إلى البطن الثاني، وهم الأولاد، انتقل إليهم ومنفعته مملوكة للمستأجِر، فتبقى الإجارة على ما هي عليه.
وقال بعض العلماء: إنه إذا مات المؤجِر أي: مُؤْجِر الوقف فإن الأجرة تنفسخ، لماذا؟ قالوا: لأن البطن الثاني يتلقى المنفعة من الواقف لا من البطن الأول، واضح؟ هذا رجل وَقَّفَ هذا البيت على ولده، واجعلوه واحدًا، ثم أولاده، الولد هذا أَجَّرَ البيت عشر سنوات، ومات حين تم للأجرة خمس سنوات، انتقل الوقف إلى مَن؟ إلى الولد، الولد خَلُّوه واحدًا علشان ما تتشتت علينا المسألة..

وإن أَجَّرَ الدارَ ونحوَها مُدَّةً ولو طَويلةً يَغْلِبُ على الظنِّ بقاءُ العينِ فيها صَحَّ، وإن اسْتَأْجَرَها لعمَلٍ كدَابَّةٍ لرُكُوبٍ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ أو بَقَرٍ لحَرْثٍ أو دياسِ زَرْعٍ أو مَن يَدُلُّه على طريقٍ اشْتَرَطَ مَعرفةَ ذلك وضَبَطَه بما لا يَخْتَلِفُ.
ولا تَصِحُّ على عَملٍ يَخْتَصُّ أن يكونَ فاعلُه من أهلِ القُربةِ وعلى الْمُؤَجِّرِ كلُّ ما يَتَمَكَّنُ به من النفْعِ كزِمامِ الجمَلِ ورَحْلِه وحِزامِه والشَّدِّ عليه, وشَدِّ الأحمالِ والْمَحامِلِ والرفْعِ والحطِّ, ولُزومِ البعيرِ ومَفاتيحِ الدارِ وعِمارتِها، فأَمَّا تَفريغُ البالوعةِ والكنيفِ فيَلْزَمُ المستأْجِرَ إذا تَسَلَّمها فارِغَةً.
خمس، لماذا؟ قالوا: لأن البطن الثاني يتلقى المنفعة من الواقف لا من البطن الأول، واضح؟ هذا الرجل وقَّف هذا البيت على ولده، وجعله واحدًا، ثم أولاده، الولد هذا أجر البيت عشر سنوات، ومات حين تم للأجرة خمس سنوات، انتقل الوقف إلى من؟ إلى الولد، الولد خلوه واحدًا، عشان ما تتشتت علينا المسألة، انتقلت الأجرة الآن إلى الولد، المؤلف مشى على هذا، على أن الإجارة باقية، وللولد حصته من الأجرة؛ يعني من حين مات أبوه يأخذ الأجرة، لكن القول الثاني أنها تنفسخ، وعلى هذا القول بمجرد ما يموت الأب تنفسخ الإجارة، وللولد أن يطالب المستأجر بالخروج عن البيت أو زيادة الأجرة أو يبقيه بالأجرة أو يبقيه بأقل، واضح؟ وكذلك أيضًا للمستأجر؛ يعني المسألة ما هي بحظ الموقوف عليه فقط قد تكون من حظ المستأجر، المستأجر أيضًا يقول: خلاص انفسخت الأجرة، وأنا بطلع، فيطلع، وهذا قد يكون من مصلحته، متى يكون من مصلحته؟ إذا نزلت الأجور صار من مصلحته، والله ما أدري، واضح يا جماعة؟ الآن في المسألة قولان: القول الأول: أنها لا تنفسخ الإجارة، وأنها تبقى إلى أن تنتهي المدة، ثم يرجع الوقف إلى مستحقه.
والقول الثاني: أنها تنفسخ.

تعليل القول الأول عرفتموه؛ أن الذين أجَّروا في حال يملكون فيها المنفعة، فصار العقد صحيحًا ولا دليل على إفساخه، أما حجة الآخرين فقالوا: إن الموقوف عليه يتلقى الوقف، ممن؟ طلبة: من الواقف.
الشيخ: من الواقف، ليس من هؤلاء، وإذا كان يتلقاهم الواقف، فهؤلاء انتهى استحقاقهم الوقف بمجرد موته، ولم يبق لهم شيء فيه، وبعضه فصَّل لكن لعلنا لا نأخذ التفصيل؛ لأنه أخشى أن يعمي عليكم ما عرفتم.
العمل الآن على أي شيء؟ العمل الآن على أنها لا تنحسر، عمل الناس الآن عندنا أنها لا تنحسر، ولكن يبقى على المرء، هل يجوز لمستحق الوقف أن يؤجرها مدةً يغلب على الظن أنه لا يعيش إليها أو لا؟ هذه النقطة؛ يعني إذا قلنا: إنها لا تنفسخ -كما هو عمل القضاة وعمل الناس اليوم- فهل يجوز للبطن المستحقين أن يؤجروا مدة يغلب على الظن أنهم لا يعيشون إليها أو لا يجوز؟ نقول: لا يجوز، ما دمنا قلنا: إن الإجارة لا تنفسخ، فهذا يعني أنهم سوف يعتدون على حقوق الآخرين، وهذا لا يحل، فمثلًا: إذا قدرنا أن صاحب الوقف الآن بلغ تسعين سنة، وأجره شخص آخر لمدة خمسين سنة، نعم كم عمره؟ طلبة: مئة وأربعون.
الشيخ: مئة وأربعون، الغالب أنه يعيش مئة وأربعين ولّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما هو الغالب؛ يعني لما عاش إلى تسعين هذا ما شاء الله، نعم.
على كل حال، نقول: لا يحل لك أن تؤجره، كم يؤجره؟ نقول: تسعين سنة؟ سنة، ما يخالف سنة لا بأس، يمكن ما تؤجرها شهرًا، يؤجرها سنة، لكن يؤجرها أربعين سنة؟ هذا بعيد، فيقال له: أنت الآن مستحق، ولا ننكر استحقاقك، لكن لا تؤجر مدة أكثر مما يغلب على الظن بقاؤك فيها، واضح؟ وهذا حق؛ لأنه لو أجر وكان المعمول به أنها لا تنفسخ الإجارة فهو اعتداء على حقوق الآخرين، وهذا لا يجوز، انتهينا من هذا.

المسألة الثانية: هل يجوز للبطن الأول أن يستسلف الأجرة؟ بمعنى أن يأخذ الأجرة مقدمًا؟ فمثلًا أجَّرها عشر سنوات؛ يعني إنسان مثلًا موقوف عليه، هذا المحل وقف عليه، جاءته شركة قالت: أنا أريد أن أستأجر منك هذا المحل عشر سنوات أَنْقُدُ لك الأجرة الآن عشر سنوات، أَنْقُدُها لك نقدًا، كل سنة بعشرة آلاف، عشرة في عشرة بكم؟ مئة ألف، نعطيك إياها الآن نقدًا، وأجِّرنا إياها، هل يجوز أن يأخذها نقدًا؟ يجوز ولَّا لا؟ طالب: (... ). الشيخ: يجوز؟ لا، ما يجوز؛ يعني لا يجوز للبطن الأول أن يستسلف الأجرة؛ لأنه لا يدري، قد يموت، وإذا مات معناه أنها دخلت في تركته وربما ينفقها وتضيع على البطن الثاني، فليس له أن يستسلف الأجرة، أفهمتم يا جماعة؟ لو قال: أنا أستسلف الأجرة؛ يعني آخذ الأجرة مقدمًا؛ لأنني سوف أعمر في الوقف، والوقف محتاج إلى التعمير، يجوز أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأن هذا لمصلحة الوقف، وليس فيه شيء، وما دام لمصلحة الوقف فلا حرج، إن شاء الله فهمنا المسألة تمامًا؟ طالب: (... ). الشيخ: نعم، إي، ما (... ). الطالب: (... ). الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، المسألة الأخيرة هذه، لماذا قلنا: لا يجوز.. الشيخ: أيهم، عندنا (... ). الطالب: أن يستسلف الأجرة، لو قلنا مثلًا يا شيخ: إنه يجوز، ولكن إذا توفي مثلًا قبل انقضاء المدة فإنه يؤخذ من تركته؛ لأنه تصرف وقت ولايته؟ الشيخ: إي، لكن هو لم يملك المستقبل.
الطالب: نعم.
الشيخ: وتركته ربما ينفقها كما قلنا، ربما ينفقها، وربما يماطل الورثة، كل الناس على حد سواء.
ثم هو أيضًا ما يستحقها حتى الآن، هو مستحق الذي يمضي عليه في حياته، أما المستقبل ما هو مستحق.
طالب: شيخ، الآن يعمل بأخذ الأجرة مقدمًا.
الشيخ: أيش؟ الطالب: أخذ الإيجار مقدمًا الآن، يعمل.

الشيخ: هذا في الملك، بارك الله فيك، ما فيه بأس، ولهذا الآن أقول لكم: لو أن إنسانًا أجر ملكه مدة عشر سنوات، ثم مات بعد خمس سنوات، هل تنفسخ الأجرة؟ هذه لا تنفسخ، قولًا واحدًا؛ لأن الورثة ملكوه من مورثهم مسلوب المنفعة مدة الإجارة، فلا يمكن أن تنفسخ بالاتفاق الظاهر، لكن في مسألة الوقف؛ لأن الموقوف عليهم لا يملكون إلا المنفعة، ويتلقونها من الواقف.
طالب: شيخ بنسبة للوقف، هل يجوز الوقف على الذكور دون الإناث ولّا لا؟ الشيخ: يعني له بنت وولد.
الطالب: عنده عيال، وعنده بنات، (... ) الأولاد دون البنات.
الشيخ: بيوقف على البنات دون الأولاد.. الطالب: نعم، الذكور دون الإناث.
الشيخ: الذكور دون الإناث، إي نعم، هل سمعت بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (1). الطالب: (... ). الشيخ: سمعت به؟ الطالب: (... ). الشيخ: اصبر، لا، أقول: هل سمعت ذلك ولّا لا؟ الطالب: سمعت.
الشيخ: الذي وقَّف على الولد دون البنت هل اتقى الله وعدل؟ خلوه يجاوب هو؟ الطالب: لا.
الشيخ: إذن.. الطالب: (... ). الشيخ: إذن لا يجوز أن يفضل أحدًا من أولاده على الآخر في الوقف.
طالب: بارك الله فيكم، في مسألة إذا أجر المستأجر العين الوقف لغيره، فمسألة إلا أن يكون له غرض صحيح ما وضحت لي.
الشيخ: (... ). الطالب: إحنا قلنا: إذا كان المستأجر الجديد، قد يكون يسبب ضررًا على العين أكثر من الأول، فهذا لا يجوز إلا أن يكون له غرض صحيح، كأن يكون صاحب مخبز يريد به أن يخدم المنطقة أو كذا.
الشيخ: إحنا قلنا: إذا أجر المستأجر لمن هو دونه في الضرر، هل يجوز أم لا؟ قلنا: إنه يجوز إلا إذا كان للمؤجر غرض في كونه يبقى على ما تم عليه العقد.
طالب: (... ) يجوز؟ الشيخ: ما يجوز؛ لأنه غرض.
طالب: (... ) على أولاده وأولاد أولاده إذا كانوا من البنات، نقيده بمن يرثه يا شيخ؟

الشيخ: إحنا الآن (... ) يا أخي، إحنا بس ذكرنا مسألة التأجير، أما الوقف على الأولاد ومن يدخل في الأولاد ومن لا يدخل فهذا له باب مستقل، باب طويل يعني.
طالب: (... ) أنه يجوز أجرة الوقف دون بيع ما يمنع يا شيخ، -مثلًا- لو قلنا: الأجرة هي في الحقيقة بيع.. (... ) الشيخ: ومنافع الوقت ملك للموقوف عليه، والتأجير يَرِد على أيش؟ طالب: (... ). الشيخ: هذا مالك المنفعة.
طالب: (... ). الشيخ: تأجيره، يجوز تأجير المنافع وتأجير المنافع بيع لها كمان مر علينا، أن الإجارة نوع من البيع ولهذا ثبت لها أحكام البيع في مسألة خيار المجلس، خيار الشرط وما أشبه ذلك.
طالب: أحسن الله إليك، أشكل عليَّ كون الوصية للوارث لا تجوز، وإيقاف صاحب الوقف على أولاده (... )؟ الشيخ: أشكل؟ أيش أشكل؟ وهل يلزم من الوقف على الولد أن يكون بعد الموت، قد (... ) في حياته، أفهمت؟ أسألك، هذا مثال ما هو بلازم أن يكون في الموت، وبعد الموت عادي ينظر فيه، نعم.
طالب: (... ) أراد أن يرفع الأجرة؛ لأن الإجارة وقعت في زمن ماض، وكانت الأجرة قليلة، في ذلك الوقت (... ) قليلة، وأراد رفع الأجرة، هل له ذلك يا شيخ؟ الشيخ: إذا قلنا بالانفساخ فله ذلك، وإذا قلنا: لا ينفسخ، فليس له ذلك.
طالب: (... ) بعض الناس يستأجر بيتًا في البلاد التي يكون فيها مواسم عادةً، ولا يكون له غرض صحيح في هذا البيت غير أنه يؤجره في وقت الموسم، مثلًا يؤجره بعشرة آلاف، ثم يأتيه في الموسم بخمسين ألف؛ يعني كأنه مشروع تجاري، فهل هذا القصد صحيح؟ الشيخ: لا بأس، ما فيه مانع، لكن في الغالب لا تكون الصورة كما قلتَ: إنه يستأجر بعشرة وأهل البيت يعرفون إنه سيؤجر بخمسين.
طالب: في مكة والمدينة يا شيخ بيحصل الآن في المواسم ربما يؤجر البيت يكون مستأجره بعشرة.. الشيخ: لا، ما هو بها النسبة هذه.
الطالب: في الحج اليوم يؤجر الشقة بألف ريال (... ). الشيخ: على كل حال هو جائز.
طالب: الراجح من القولين..

الشيخ: في؟ الطالب: في انفساخ إجارة الوقف في موت الواقف، المؤجر؟ الشيخ: ما نرجح شيئًا ما دام العمل على أنه لا تنفسخ، ماذا وإلا تطمئن إليه النفس أنه إذا كانت المدة زائدة على ما يغلب على الظن بقاء المؤجر فيها فإنها تنفسخ؛ لأن هذا عدوان، ولا يجوز نمكنه من العدوان، أما إذا كانت المدة قصيرة، وجرت يعني الغالب على الظن أنه يبقى إلى هذه المدة، فإنها لا تنفسخ؛ لأنه لم يعتدِ، لكن الإنسان لو تسعين سنة بيؤجر أربعين سنة، هذا على الغالب أنه ما يبقى، أفهمت؟ هذا الذي تميل إليه النفس، لكن القضاة لهم أنظار أخرى، والعمل على أنه لا انفساخ.
طالب: (... ) تعطي الجامعة وغيرها سكنًا للطلاب، هل يجوز للطالب الذي أخذ سكنًا أن يؤجره لغيره، أو يعطيه تبرعًا، أن يتنازل بالتبرع من غير علم الإدارة؟ الشيخ: سمعتم السؤال، يقول: أحيانا الجامعة تمنح شخصًا سكنًا، فهل يجوز أن يؤجره؟ أو يتنازل لأحد؟ الجواب: لا؛ لأن هذه البيوت ليست تمليك منفعة، ولكنها تمليك انتفاع، فهي كالعارية لو أن شخصًا قدم البلد وأعرته بيتك لمدة أسبوع فإنه لا يملك أن يتصرف فيه، لا بتأجير ولا بتنازل؛ لأن الاستعارة ملك انتفاع لا ملك نفع، فهذا الطالب يقال له: إما أن تسكن وإما أن تترك.
الطالب: إذا استأجر المستأجر هذه العين، ولم يكن معروفًا بكثرة الضيوف، فتبين أنه كثير الضيوف، ويتكرر عليه الضيوف كثيرًا، فتختلف حينئذ صرفية الماء مثلًا؟ الشيخ: صرفية الماء ما هي على صاحب العقار.
الطالب: بلى على صاحب العقار.. الشيخ: لا، راجع، ما هي على صاحب العقار، (... )، الكهرباء؟ الطالب: الكهرباء على صاحب..

الشيخ: والماء، والشيء المستهلك، ما يمكن يصير على صاحب العقار؛ لأنه يؤدي إلى أن تكون الأجرة مجهولة، فرق بين من يصرف مثلًا في اليوم ماء كثيرًا، ومن لا يصرف إلا شيئًا قليلًا، هذا إذا كان الماء له قيمة بينة، أما مثلًا عندنا -والحمد لله- فالماء قيمته قليلة جدًّا، حتى لو بلغت أقصى ما يكون لا تجحف بالإنسان ولا يُهتم بها.
طالب: (... )؟ الشيخ: لا.
الطالب: (... )؟ الشيخ: أبدًا، الضيف بيأكل ويشرب ويمشي.
الطالب: (... )؟ الشيخ: ما يخالف، خلوه كثيرًا، أبدًا ما فيها، لكن إذا كان خاف، إذا قدرنا أنه رجل؛ يعني أجنبي -مثلًا- ويجيه أجانب كثيرون، يقدر يشترط عليهم، يك ويش بيقولوا؟ يقول شرط ما تضيف باليوم أكثر من خمسة.. طالب: يوميًّا عشرة.
الشيخ: (... ) عشرة لا (... ) يضيف العشرة، إذا جاء أحد عشر يقول للزائد: ارجع وراء، كذا؟ صعب ذلك.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: وَإِنْ أَجَّرَ الدَّارَ وَنَحْوَهَا مُدَّةً وَلَوْ طَويلَةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ العَيْنِ فِيهَا صَحَّ، وَإنِ اسْتَأْجَرَهَا لِعَمَلٍ، كَدَابَّةٍ لِرُكُوبٍ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ؛ أَوْ بَقَرٍ لِحَرْثٍ، أَوْ دِيَاسِ زَرْعٍ، أَوْ مَنْ يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقٍ، اشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ وَضَبْطُهُ بِمَا لَا يَخْتَلِفُ، وَلَا تَصِحُّ عَلَى عَمَلٍ يخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ القُرْبَةِ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، هل تجوز إجارة المستأجر، يعني أن يؤجر المؤجر غيره، مطلقًا؟ الطالب: بشرطين.
الشيخ: وهما؟ طالب: الشرط الأول: أن لا يكون أكثر منه ضررًا.
الشرط الثاني: (... ). الشيخ: الشرط الثاني متفق عليه؟ ولّا من أين أتيت به؟ الطالب: اشترط الفقهاء، ألّا يكون أكثر من الأجرة.

الشيخ: الفقهاء، من الفقهاء؟ من يعرف؟ طالب: (... ) يا شيخ شرط واحد، هو ألا يكون أكثر منه ضررًا.
الشيخ: أن لا يكون أكثر منه ضررًا، لكن بعض العلماء اشترطوا شرطًا، المذهب أنه ما هو شرط، يعني له أن يؤجر بأكثر مما استأجر، ولا حرج؛ لأن المنفعة ملكه، لكن بعض العلماء قال: لا يجوز؛ لأنه داخل في ربح ما لم يضمن.
يقول مالك: إنها تجوز إجارة الوقف، فما هو الوقف؟ طالب: الوقف هو أن يوقف الإنسان بيتًا أو أرضًا لغيره ينتفع بها يجوز أن يتصرف بها ببيع أو هبة.. الشيخ: نعم، تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، هكذا جاء الحديث، حين استشار عمر النبي صلى الله عليه وسلم في الأرض التي أصابها في خيبر قال: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا» (2)؛ أي: بمنفعتها و (... ). مثاله؟ طالب: مثال.
الشيخ: مثال الوقف.
طالب: مثال الوقف، أن يوقف الرجل مزرعته.. الشيخ: فيقول؟ الطالب: فيقول: هي وقف، لا تُباع.
الشيخ: هذه وقف على من؟ الطالب: على أبنائه.
الشيخ: على أبنائه أو على ذريته، هذا هو الوقف.
هل يجوز لأهل الوقف أن يؤجروا هذا الوقف؟ طالب: نعم.
الشيخ: يجوز، أليس الوقف لا يجوز بيعه؟ طالب: لكن الإجارة غير البيع؛ لأنهم يملكون المنفعة، وإن لم يملكوا عينها.
الشيخ: الإجارة غالبة على المنفعة، والمنفعة ملك للموقوف عليه، يتصرف فيها كما شاء.
إذا مات المؤجر وانتقلت إلى من بعده هل تنفسخ الإجارة؟ الطالب: إذا كان أجر لمدة يغلب الظن أنه لا يعيش إليها، فصحيح أنها تنفسخ الإجارة، وإذا أجر إلى مدة يغلب عليه الظن أنه يعيش إليها، فاختلف الفقهاء؛ منهم من قال بانفساخ العقد، ومنهم من قال بعدم انفساخه، وهو الجاري عليه العمل الآن.

الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، هذا هو القول الراجح، أنه إذا أجر الموقوف عليه مدة يغلب على الظن أنه لا يعيش فيها، كما لو أجر مائتي سنة، وهو طبعًا في الغالب أنه لا يعيش مائتي سنة، فهنا إذا مات انفسخ، وإن كانت المدة مما يغلب على الظن أنه يعيش فيها خمس سنوات، عشر سنوات -مثلًا- فإنها لا تنفسخ.
العمل على أي الأمرين؟ طلبة: (... ). الشيخ: إي نعم، تنفسخ ولّا لا تنفسخ؟ طالب: (... ). الشيخ: تنفسخ.
طالب: العمل على أنها لا تنفسخ.
الشيخ: أنها لا تنفسخ، وهو كذلك يُستثنى من هذا مسألة لم نذكرها بالأمس، وهو إذا كان الذي أجر الوقف هو الحاكم العام؛ يعني القاضي، مثل أن يكون هذا الوقف ليس له ناظر، فيؤجره القاضي، هنا لا تنفسخ الأجرة؛ لأن القاضي له النظر العام، فهو ناظر على هذا الوقف مطلقًا، فإذا كان ناظرًا عليه مطلقًا فإنها لا تنفسخ الإجارة بموت الحاكم أو بنقله إلى جهة أخرى بل تبقى الإجارة على ما كانت عليه.
ولكن هل للقاضي أن يؤجر مدة طويلة أو لا؟ هذه تنبني على المصلحة، إن رأى المصلحة في تأجيرها مدة طويلة أجر، وإلا أجر بنحو سنتين أو ثلاثة، حتى لا يحرم أصحاب البطون الأخرى.


جارٍ التحميل