فنقول لهذا: إن كنت قادرًا فحُج بنفسك، وإن كنت عاجزًا فلم يُوجِب الله عليك الحج؛ لا تحج، هكذا نقول لمن حجه نفل وأراد أن يُوكِّل، نقول له: إن كنت قادرًا فحج بنفسك، ولا تجلس نائمًا على الفراش، وغاية ما عندك أن عندك الملايين أعطيت من هذه الملايين خمسة آلاف مثلًا لواحد يحج عنك، أيش الفائدة؟ الصدقة بهذه الخمسة آلاف أفضل بكثير من أن تُقيم من يحج عنك، وإعانة حاج لفرضه بهذه الخمسة أفضل من أن يحج عنك نفلًا.
بقينا فيما إذا كان عاجزًا عجزًا لا يرجى زواله، وأراد أن يُعطي شخصًا يحج عنه نافلة، هل يجوز أو لا؟ لا يجوز، بناءً على القاعدة؛ لأن ذلك إنما ورد في الفريضة، والفريضة لا بد منها، إن فعلها الإنسان بنفسه فهذا المطلوب، وإن لم يفعلها فبنائبه، النافلة ما هي فريضة حتى نقول: إنك مُلزم بأن تقيم من يحج عنك، وحينئذٍ نقول: حتى لو كان الإنسان عاجزًا عجزًا لا يُرجَى زواله فإنه لا يُقيم من يحج عنه نافلة.
لكن بعض العلماء رحمهم الله توسع في هذا، وقال: إذا كان يجوز له أن يستنيب في الفريضة جاز أن يستنيب في النافلة، وعلى هذا فإذا كان عاجزًا عجزًا لا يُرجى زواله، فله أن يُوكِّل من يحج عنه، قالوا: لأن طلب الفريضة من الإنسان بدنيًّا أقوى وأشد من طلب النافلة، فإذا جاز التوكيل في الأشد؛ جاز التوكيل في الأخف، لكن هذا التعليل معارض بالتعليل الأول، وهو أن المطالب بالفريضة لا بد أن يأتي بها، إما بنفسه أو بنائبه.
وبعضهم أيضًا توسَّع وقال: النفل يجوز التوكيل فيه ولو كان قادرًا، وهذا من غرائب العِلم؛ لأن هذا لا يصح أثرًا ولا نظرًا، لا يصح أثرًا؛ لأنه لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أن أحدًا حج عن أحد نافلة، وأما نظرًا، فلأننا إن قلنا بالقياس على الفريضة، فالفريضة لم ترِد إلا في حال العجز عجزًا لا يُرجَى زواله.
وبعضهم أيضًا توسَّع توسعًا ثالثًا، وقال: يجوز أن يُوكِّل الإنسان في حج النفل ولو في أثنائه.
وعلى هذا: إذا ذهب إنسان للعمرة وطاف ووجد مشقة وهي نافلة، وقال لإنسان: يا فلان، وكَّلتك تسعى عني، وتحلق عني، على هذا القول يجوز.
وهذا في الحقيقة من أضْعف الأقوال: أن يجوز أن يستنيب شخصًا في إكمال النافلة؛ لأن الحج إذا شرع فيه الإنسان صار فرضًا واجبًا عليه، لا يمكن أن يتحلل منه إلا بإتمامه أو الإحصار عنه، أو بالعُذْر إن اشترط؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]. فالحج من بين سائر الأعمال، إذا شرعت فيه وهو نفل يلزمك أن تتم ما فيه، قال الله تبارك وتعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: 197]، فجعل الإحرام بالحج فرضًا، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ يعني الحجاج ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29].
فالمهم؛ فهمتم الآن الأقوال في المسألة؟ أن بعض الناس توسع في النفل توسعًا فاحشًا ضعيفًا، فأقرب الأقوال أن التوكيل في النفل للقادر لا يصح أبدًا، يقال للقادر: إما أن تحج بنفسك وإما ألا تحج، والعاجز في إلحاق النفل بالفرض فيه ثِقل على الإنسان، الإنسان لا يجزم بأنه يلحق بالفرض؛ لأن الفرض لازم يُطالَب به الإنسان، والنفل تطوع ليس بلازم، فإذا أجازت الشريعة التوكيل في الفرض فإنه لا يلزم أن يجوز ذلك في النفل؛ لأن النفل الإنسان فيه منه في سعة.
والقول بأنه إذا جاز في الفرض جاز في النفل من باب أوْلى ضعيف، وكون الفرض أشد مطالبة أن يقوم الإنسان فيه ببدنه، نقول: هذا صحيح، لكن العبادات الأصل فيها منع التوكيل، فيُقْتصر على ما ورد؛ ولذلك الآن بعض الناس يُوكِّل في حجج كثيرة، نافلة لأبيه، وأمه، وعمه، وخاله، وما أشبه ذلك، ولكنه جالس على فراشه، على كرسيه، أين الحج الذي جعله الرسول عليه الصلاة والسلام جهادًا حين سألته عائشة قالت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ؛ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» (4).
إذن هذه الأركان الأربعة، فهمتم حكم التوكيل فيها؟ الشهادتان؟
طالب: لا يصح التوكيل فيها مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا.
لو قال واحد غير مسلم: يا فلان، أنا أريد الإسلام، لكن تشهد أني أنت؛ وكَّلتك، ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ولو كانت من كاتب عدل، وثيقة.
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: طيب صح، هذا لا يمكن.
وعلى كل حال اعرفوا هذه القاعدة: الأصل في العبادات منْع التوكيل فيها؛ لأن التوكيل فيها يُفوِّت المقصود من العبادة وهو التذلل لله عز وجل، والتعبد له، ويُقتصر فيها على ما ورد.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- بقينا في من مات وأوصى مثلًا بأن يحج عنه حج النافلة، هل.. ؟
الشيخ: ومن مات، ومن كان عاجزًا عجزًا لا يُرجى برؤه كما قلت لكم واحد، ثقيلة على النفس.
طالب: (... )؟
الشيخ: إي نعم، المخصِّص هو الذي يأتي بحكم مخالِف للعام؛ هذا المخصِّص، وأما إذا أتى الدليل بحُكم مطابِق للعام فهو من بعض أفراده فلا يُخصِّصه، لو قلت لك مثلًا: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم ساميًا، معناه الطلبة الباقين ما نكرمهم؟ تخلينا نكرم الباقين ولا تقول هذا تخصيص؟ لأن حُكم الخاص مُطابِق لحكم العام، فنُصَّ عليه للعناية به مثلًا.
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: 4]، لما قال: ﴿وَالرُّوحُ﴾، الآن نقول على الملائكة: ما تنزل؟ طيب، إذا قلت: أكرِم الطلبة، ثم قلت: لا تُكرم ساميًا، تخصيص ولَّا لا؟ هو تخصيص؟
طالب: نعم.
الشيخ: ليش؟ لأن الحكم الثاني مخالِف، هذا إن كان سامي من الطلبة، فهو تخصيص من تعميم، وإن كان من غيرهم فليس تخصيصًا، يكون المعطوف حكمه مستقل (... ).
طالب: القول بجواز النيابة في التنفُّل للعاجز، هل يجوز لمن جاز له ذلك أن يستنيب عنه أكثر من واحد في حج واحد؟
الشيخ: لا بأس؛ يعني يعطي اثنين أو ثلاثة يحجون عنه في عام واحد، لا بأس.
طالب: بالنسبة للتوكيل في الصيام، أشكل عليَّ حديث عائشة قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (2). لم يذكر الحديث أنه قبل أن يموت يوكل؟
الشيخ: هذا ما فيه توكيل، الرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي وَكَّل.
طالب: بارك الله فيك، إذا حج الوكيل وكان بوكالة فاسدة بمال الموكِّل، مال الذي وكله، لكن كانت الوكالة فاسدة كأن يكون قادرًا على الحج فوكَّل غيره، لكن حج بمال الموكِّل، فهل يرجع عليه بمال.. ؟
الشيخ: الموكِّل؟
الطالب: الموكَّل حج بمال الموكِّل، لكن الوكالة فاسدة.
الشيخ: إذا كان الوكيل يعلم أنه لا يصح التوكيل، والموكِّل يعلم أنه لا يصح؛ أُخِذ المال وجُعِل في بيت المال؛ لأن كُلًّا منهما أقدم على مُحرَّم، فلا يمكن أن نجعل الوكيل ينتفع ولا الموكِّل.
وأما إذا كان لا يعلم، والموكِّل يعلم، فإن الموكِّل لا يرجع على الوكيل بشيء؛ لأنه هو الذي غرَّه، وأما إذا كان كل منهما لا يعلم فالذي يتوجه أنه يُؤخذ من الوكيل؛ لأنه يجب عليه أن يتحرَّى، ويحتمل أن يُقال: إنه على من غَرَّه، المسألة هذه تحتمل قولين.
طالب: من مات وعليه صيام عشرة أيام؟
الشيخ: منين؟
الطالب: نذر.
الشيخ: طيب.
الطالب: (... ).
الشيخ: يعني يقول: من مات وعليه صيام عشرة أيام، نذر أو صيام رمضان على القول بأنه يصح، وله عشرة من الأولاد، فصاموا يومًا واحدًا، نقول: يجزئ ذلك، إلا إذا كان يُشترط التتابع في الأيام فلا يصومه إلا واحد؛ لأنه لو صاموا جميعًا صار فيه التتابع يومًا واحدًا.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في باب الوكالة: وفي كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات والحدود في إثباتها واستيفائها، وليس للوكيل أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه، إلا أن يجعل إليه.
والوكالة عقد جائز، وتبطل بفسخ أحدهما وموته وعزل الوكيل وحجر السفيه، ومن وُكِّل في بيْع أو شراء لم يبع، ولم يشترِ من نفسه وولده، ولا يبيع بعرَض ولا نَساء، ولا بغير نقد البلد، وإن باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدره له صح، وضمن النقص والزيادة، وإن باع بأزيد، أو قال: بِعْ بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا، أو اشترِ بكذا حالًّا، فاشترى به مؤجلًا ولا ضرر فيهما صح، وإلا فلا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا قاعدة مهمة في التوكيل في حقوق الله؛ حيث قُلنا: إن الأصل المنْع؛ وذلك لأن التوكيل في العبادات يُفوِّت المقصود من التعبد والتذلل لله عز وجل، إلا ما دل الدليل على جوازه؛ فالدليل حاكِم وليس محكومًا عليه، وإلا فالأصل المنع.
في حقوق الآدميين الأصل فيه الجواز؛ لأنه من المعاملات، والأصل في المعاملات الحِل إلا ما قام الدليل على منعه.
واستعرضنا العبادات الخمس عبادة عبادة، وبينا ما لا يصح فيه التوكيل، وما يصح مطلقًا، وما يصح بتفصيل.
ثم ننتقل الآن إلى ما بقي مما يمكن التوكيل فيه.
قال: (والحدود في إثباتها واستيفائها) الحدود: جمع حَدٍّ، والمراد به هنا: كل عقوبة مُقدَّرة من الشرع على معصية، هذه هي الحدود.
لنستعرضها: الزنا حد، القذف حد، السرقة حد، قُطَّاع الطريق حد، كم هذه؟ أربعة.
الزنا، بنص القرآن: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]، وجاءت السُّنَّة بزيادة على ذلك، وهو أن يُغرَّب الزاني والزانية عن البلد الذي حصل فيه الزنا لمدة عام (5). وإن كان مُحصنًا، وهو الذي قد تزوج بنكاح صحيح وجامَع زوجته؛ فإن حده الرجم، حتى وإن كان قد فارق الزوجة.
هذا الزنا.
القذف، حدُّه ثمانون جلدة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4] إلى آخره.
السرقة، حدها قطْع اليد اليمنى من مفصل الكف؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38].
قُطَّاع الطريق حدهم ما ذكره الله في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: 33].
هذه أربعة أنواع من الحد، وهل ﴿أَوْ﴾ فيها للتخيير أو للتنويع؟
في ذلك للعلماء قولان؛ قول: إنه للتنويع، وقول آخر: للتخيير.
فعلى القول بالتنويع، يقول: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾، هؤلاء إذا قتلوا وأخذوا المال، إن قتلوا فقط بدون أخذ المال قُتلوا، إن قتلوا وأخذوا المال قُتلوا وصُلبوا، إن أخذوا المال فقط تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، بأن تُقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، إذا أخافوا الطريق دون أن يعتدوا على مال أو نفس فإنهم يُنفون من الأرض.
والنفي من الأرض، هل معناه أن يطردوا من هذا المكان أو أن يحبسوا؟
في هذا قولان أيضًا للعلماء؛ منهم من قال: إن النفي من الأرض أن يُحبسوا لا أن يُطردوا إلى بلاد أخرى؛ لأنهم ربما إذا طُردوا إلى بلاد أخرى عادوا مرة أخرى فلم نستفد من نفيهم، أما حبسهم فإنهم يُحبسون عن الناس فلا يتعدى شرهم إليهم.
والأرجح في هذا أنه يرجع إلى اجتهاد القاضي؛ إن رأى أن ينفيهم من الأرض إلى بلاد أخرى، أو أن يُحبسوا على حسب ما يرى.
كم هذه الحدود؟ الزنا، السرقة، القذْف، قُطَّاع الطريق.
الخمر، شُرْب الخمر، اختلف العلماء، هل هو حد أو تعزير؟
فأكثر أهل العلم على أنه حد، ثم اختلفوا: هل هو أربعون، أو ثمانون، أو يُخيَّر الإمام بينهما؟
ولكن من تدبر عقوبة شارب الخمر عرف أنها تعزير لا حد، لكنه لا يُنقَص عن أربعين جلدة، والدليل لذلك أنهم كانوا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام يُؤتى بالشارب، فيقوم الناس إليه يضربونه، منهم من يضرب بيده، ومنهم من يضرب بالنعل، ومنهم من يضرب بالرداء أو بالجريد أو ما أشبه ذلك، ولهذا جاء في بعض ألفاظ الحديث: نحوًا من أربعين (6).
ثم إن أبا بكر جلد أربعين، ثم جلد عمر أربعين، ولما كثر شرب الخمر جمع الصحابة رضي الله عنهم يستشيرهم، وهذا من دأبه رضي الله عنه، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، أخفُّ الحدود ثمانون، يعني فاجلد شارب الخمر ثمانين، فأقر ذلك عمر (7).
فأكثر العلماء أخذوا بهذا، وقالوا: إن الحد ثمانون؛ لأن عمر استشار الصحابة وقدَّروه بهذا، وعمر له سُنَّة متبوعة، فلا يُزاد على ذلك ولا يُنقص منه، وسموا ذلك حدًّا.
لكن من تدبر النص الوارد في ذلك أو النصوص الواردة في ذلك عرف أنه ليس بحد، وأنه تعزير لا ينقص عن أربعين جلدة؛ لأنه لو كان حدًّا ما استطاع عمر ولا غيره أن يزيد فيه، ولهذا لو كثر الزنا في الناس -نسأل الله العافية- هل يمكن أن نزيد على مئة جلدة؟
لا يمكن حتى لو زاد؛ لو كثروا يعني، فإنه لا يمكن أن يزاد على مئة جلدة، فكون أمير المؤمنين عمر ومعه الصحابة يزيدون على ذلك، يدل على أن المقصود التعزير الذي يردع الناس عن هذا الخبيث، هذا واحد.
دليل آخر: أن عبد الرحمن بن عوف قال: أخف الحدود ثمانون، أو قال: ثمانين.
أقره الصحابة على أنها أخف الحدود.
إذن ما فيه حد يكون أربعين، ما فيه حد، وهذا يُشبه أن يكون إجماعًا؛ لأن عمر ما قال: لا، فيه حد، فالصواب أنه تعزير.
وبناءً على ذلك لو كثر الناس وكثروا وكثروا، فلولي الأمر أن يزيد على ثمانين بالكم أو بالنوع أو بالكيفية، حتى لو مثلًا رأى أن يُعزَّر شارب الخمر بغير ذلك فلا بأس إلا أنه لا يقطع عضوًا من أعضائه؛ لأن بدن الإنسان مُحْترم، وليس فيه قَطْع، اللهم إلا في السرقة وقُطَّاع الطريق، هذه الحدود.
يرى بعض الناس أن من الحدود الرِّدَّة، ويكتبون هذا في مؤلفاتهم، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن الردة إذا تاب المرتد ولو بعد القدرة عليه فإنه يُرفع عنه القتل ولا يُقتل، ولو كانت حدًّا ما ارتفع بعد القدرة عليه؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34].
فالصواب أن القتل بالرِّدَّة ليس حدًّا، حتى على قوْل من يقول: إن من أنواع الردة ما لا تُقبل فيه التوبة، مع أن الصحيح أن جميع أنواع الرِّدَّة تُقبل فيها التوبة، حتى لو سب الإنسان رب العالمين أو الرسل أو الملائكة، ثم تاب، فإن توبته مقبولة؛ لأن من المشركين من سبوا الله عز وجل، ومع ذلك قُبِلت توبتهم، ثم إن عموم الأدلة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]، يدل على أن أي ذنب تاب الإنسان منه فإن الله يتوب عليه، حتى لو سب الله جهارًا نهارًا، ثم تاب وحسنت حاله، قلنا: الحمد لله، باب التوبة مفتوح.
لكن من سب الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم تاب، فإننا نقبل توبته، ولكننا نقتله؛ لأن سبه للرسول حق آدمي، ولا نعلم أعفى عنه الرسول أم لا؟ لأن الرسول قد مات، فالقتل لا بد منه، لكنه إذا تاب يُقتل على أنه مُسلم، يُغسَّل، ويُكفَّن، ويُصلَّى عليه، ويُدعى له بالرحمة، ويُدفن مع المسلمين.
على كل حال، الحدود الآن يجوز التوكيل في إثباتها واستيفائها، ومن الموكِّل؟
الموكِّل من له إقامة الحد، في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، الأمير هو القاضي، والرسول هو القائد، وهو الإمام عليه الصلاة والسلام، فلا إشكال في الموضوع.
وكذلك إذا كان الأمراء هم القضاة فلا إشكال أيضًا؛ لأنهم سوف يحكمون أولًا، ثم ينفذون ثانيًا، فالأمراء هم الذين يُوكِّلون في إقامة الحدود، لكن في وقتنا الحاضر الآن تفرقت المسؤولية، صار القاضي عليه مسؤولية والأمير عليه مسؤولية، فمن الذي يملك تنفيذ الحدود؟
الأمير، وعلى هذا القاضي يرفع الحكم، ثم الأمير يُوكِّل إن شاء من يُنفِّذ الحكم.
ما هو الدليل على التوكيل في الحدود في إثباتها أو استيفائها؟
الدليل: قصة المرأة التي زنا بها أجير عند زوجها، أجير عند الزوج زنا بامرأته، مستأجِره، وقيل له -أي: لهذا الأجير-: إن عليك الرجمَ، فذهب أبوه وافتداه بمئة شاة ووليدة، يعني جارية؛ لئلا يُرجم، وهذه طبعًا فتْوَى جهل وخطأ، فسأل أهل العلم، فقالوا: لا، على ابنك الجلد، وعلى امرأة الرجل الرجم؛ لأن الابن غير مُحصَن، بكر، وزوجة المستأجِر ثيِّب، ثم جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا الْغَنَمُ وَالْوَلِيدَةُ فَهِيَ رَدٌّ عَلَيْكَ» (8)، مردودة، يعني لا يملكها الزوج ولا الزوجة؛ وذلك لأن هذا الحكم مخالِف لحكم الله ورسوله، وبه نعرف أن ما قُبِض بغير حق يجب أن يُرد إلى صاحبه، وأن على زوجة هذا الرجم، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام.
المهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لرجل من الأنصار: «اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»، فهذا توكيل في إثبات الحد واستيفائه، في إثباته حين قال: «إِنِ اعْتَرَفَتْ»، وفي استيفائه حين قال: «فَارْجُمْهَا».
وعلى هذا فيجوز لولي الأمر أن يُوكِّل في إثبات الحدود؛ أي فيما تثبت به، وفي تنفيذها.
ولكن الأفضل أن يُباشِر ذلك بنفسه ولا سيما في عصرنا الآن، أن يُباشر ذلك بنفسه؛ لئلا يحصل خطأ في الإثبات أو خطأ في التنفيذ، لكن الكلام على أن هذا جائز، والدليل هذه القصة التي سمعتموها، الحدود في إثباتها واستيفائها.
ثم قال: (وليس للوكيل أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه إلا أن يُجعل إليه).
الوكيل يتصرف بالإذن ممن؟ من الْمُوكِّل، وإذا كان يتصرف بالإذن من الموكِّل فإنه يجب ألا يتعدى ما وُكِّل فيه، لا بصفة العقد، ولَّا بالمعقود له، فإذا قال: وكَّلتك أن تبيع هذا العبد على فلان، فعندنا الآن تعيين في المبِيع وتعيين في المشتري.
هل يملك الوكيل أن يبيع عبدًا آخر من عبيد الموكِّل؟
لا؛ لأنه خُصَّ بمعين.
وهل يملك أن يبيع العبد المعين على شخص غير زيد؟ لا؛ لأنه يتصرف بالإذن فوجب أن يكون تصرفه بحسب ما أُذن له فيه.
خذ هذه القاعدة: أن الوكيل يتصرف بالإذن، فوجب أن يكون تصرفه بحسب ما أُذِن له فيه، لا يتعداه، إما لفظًا وإما عرفًا.
طيب، هل له أن يُوكِّل؟
لا، ليس له أن يُوكِّل، فإذا وكلت فلانًا أن يبيع هذه السيارة، فليس له أن يُوكِّل غيره، لماذا؟ لأنني وكَّلته هو بنفسه، فليس له أن يُوكِّل غيره؛ لأني قد أثق به، ولا أثق بغيره، ولا سيما في الأمور التي يختلف فيها القصد اختلافًا كبيرًا، كما لو وكلت شخصًا يفرق زكاتي، وأراد أن يوكل غيره، هذا لا يمكن؛ لأن الزكاة أمرها عظيم، وربما أثق بفلان، ولا أثق بغيره.
فلا يجوز إذن أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه إلا في أحوال ثلاث:
الحال الأولى: قال: (إلا أن يُجعل إليه)، (يُجعل) هذا مبني لما لم يُسمَّ فاعله، فمن الفاعل؟ الموكِّل، يعني إلا أن يجعل الموكِّل ذلك للوكيل، فيقول: وكَّلتك في كذا، ولك أن تُوكِّل من شئت، أو من تثق به، أو أن تُوكِّل فلانًا جارك أو فلانًا قريبك، أو ما أشبه ذلك، هذه واحدة.
إذا جُعِل إليه، ووكَّل حسب ما جُعل إليه، يكون قد تصرف بحسب الوكالة ولَّا لا؟ نعم، يكون قد تصرف بحسب الوكالة؛ لأن الأمر جُعل إليه.
المسألة الثانية أو الحال الثانية: إذا كان مثله لا يتولاه عادة.
فلو قلت لجارك وهو رجل شريف: يا فلان، من فضلك أنا سوف أسافر، اشترِ للبقرة؛ اشتر لها العلف كل يوم، وهو رجل شريف إما وزير، ولا قاضٍ، ولا أمير؛ الرجل الآن بيشتري علفًا كل يوم من المبيع، هل له أن يُوكِّل من يشتري العلف، ولا نقول: أنت تروح بنفسك؟ ما قال له: لك أن تُوكِّل؛ لأن هذا مما جرت العادة ألا يتولاه بنفسه، فله أن يُوكِّل من يشتري، وإن لم يؤذن له في ذلك، لكن عليه أن يتحرى الرجل الأمين أكثر مما يتحراه لماله.
المسألة الثالثة أو الحال الثالثة: إذا كان يعجز عن مثله عادة، إذا كان الوكيل يعجز أن يقوم بمثل هذا العمل عادة.
مثال ذلك: وكَّلت رجلًا أن يصعد بحجر كبير إلى السطح؛ لأني أريد أن أبني به السطح، وهو رجل ضعيف ما يتحمل، هل له أن يُوكِّل من يحمل الحجر إلى فوق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أنا موكله هو، لكن لأن مثله يعجز عنه، وكذلك لو وكَّلته في بيع أموال كثيرة، وقلت: بِعْ هذه الأموال في الموسم هذا، لا تتعدَّ الموسم، وهي أموال كثيرة لو أنه باشرها بنفسه لانتهى الموسم قبل التصريف، فهنا له أن يُوكِّل.
فصار الوكيل ليس له أن يُوكِّل إلا في ثلاث حالات:
الأولى: أن يجعل إليه.
والثانية: ألا يكون مثله يتولاه بنفسه.
والثالثة: أن يكون عاجزًا عنه، ففي هذه الحال له أن يُوكِّل.
فإذا قال قائل: كيف أجزتم أن يُوكِّل في الحالين الأخريين؟
نقول: لأن هذا وإن لم يأذن فيه الموكِّل لفظًا فهو كالمأذون فيه عُرْفًا، كل أحد يعرف أني إذا قلت لجاري الشريف: يا فلان، اشترِ العلف للبقرة كل يوم، (... ) أني ما أردت أن يشتري بنفسه، أليس كذلك؟ كل يعرف إذا قلت لهذا الرجل: صرِّف هذه البضاعة في هذا الموسم، وهو عشرة أيام وهي بضاعة كثيرة، كل يعرف أن المراد أن يصرفها بنفسه أو بوكيله.
ففي الحقيقة أن هاتين الحالين المستثنيين هي في الحقيقة داخلة في قوله: (إلا أن يُجعل إليه)، لكن لما ذكرها العلماء نقول: إلا أن يُجعل إليه لفظًا، وأما الثانية والثالثة فقد جُعِل ذلك إليه عرفًا.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (والوكالة عقد جائز)، الوكالة عقد وليست فسْخًا، (جائز) من الناحية التكليفية، أو من الناحية الوضعية؟ من الناحية الوضعية؛ لأنه من الناحية التكليفية ذُكِر من قبل، تصح بكل قوْل يدل على الإذن، ويصح التوكيل بكل حق آدمي.
لكن من الناحية الوضعية، هل هي من العقود الجائزة أو من العقود اللازمة؟
يقول المؤلف: إنها عقد جائز.
والعقد الجائز هو الذي يملك كل واحد من المتعاقدين فسْخه بدون رضا الآخر، هذا العقد الجائز؛ كل واحد من المتعاقِدين فسخه بدون رضا الآخر، ولا إذنه أيضًا.
وجه ذلك ظاهر: أن الْمُوكِّل الأمر إليه، وأن الوكيل يتصرَّف بإذنه، فللوكيل أن يرجع، وللموكِّل أن يرجع أيضًا.
ثم إن قوله: (والوكالة عقْد جائز) يفيد أن العقود منها جائز، ومنها لازم، وهو كذلك، فعقْد البيع بعد التفرق من المجلس إذا لم يكن شرط الخيار عقد لازم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (9).
الرهن عقد جائز من جانب المرتهن، عقد لازم من جانب الراهن، ووجههما ظاهر؛ لأن الحق لمن في الرهن؟ للمرتهِن، فإذا رضي بإطلاق الرهن وإزالته فالحق له، لكنه حق على الراهن، فلا يملك أن يتخلص منه.
طيب، الوكالة جائز من الطرفين، وبهذا تمت الأقسام؛ العقود ثلاثة أقسام:
عقد لازم من الطرفين، وعقد جائز من الطرفين، وعقد لازم من طرف جائز من طرف.
الوكالة عقْد جائز، قال: (تبطل بفسخ أحدهما) أنا عندي بإسقاط الواو، وهو الأصح؛ لأنك إذا قلت: (وتبطل) لم تكن هذه الجملة تفسيرًا لقوله: (جائز)، والجملة في الواقع؛ الجملة استئنافية تفسير لمعنى الجائز.
(تبطل بفسخ أحدهما) من أحدهما؟ الوكيل والموكِّل، تبطل بفسخه.
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنها تبطل بفسخ أحدهما مطلقًا، ولو مع ضرر، ولكن يجب أن نقيد هذا ما لم تتضمن ضررًا، فإن تضمنت ضررًا فإنه ليس لأحدهما أن يضر صاحبه.
دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (10). وفي القرآن كثير أيضًا يقول عز وجل: ﴿أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ [النساء: 12]، ويقول عز وجل: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231].
فعلمنا بذلك أن ما كان فيه الضرر فإنه ممنوع شرعًا، فلو أن الوكيل قبِل الوكالة على أنه سوف يُصرِّفها في الموسم، ثم انصرف من عند الموكِّل وفسَخَه، قال: يا فلان، اشهدوا أني فسخت الوكالة، والموكِّل ما علِم، ففات الموسم والموكِّل لم يعلم، هنا الفسخ فيه ضرر ولَّا لا؟
طالب: فيه ضرر.
الشيخ: على مَنْ؟ على الموَكِّل.
إذن لا يحل للوكيل هنا أن يفسخ إلا إذا استأذن من الموكِّل؛ من أجل أن يعرف الإنسان، أعني الموكل، كيف يتصرف؟ (... )
طالب: (... ) هل ثبت قتل من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم بالإجماع؟
الشيخ: لا، ما هو بالإجماع، ليس بإجماع.
الطالب: أم هو تعزير؟
الشيخ: لا، ليس بإجماع.
لا، حد يجب أن يُقتل على كل حال.
طالب: بارك الله فيكم، جاء في الحديث وإن كان موقوفًا: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» (11)، وثبت ذلك عن الصحابة قتل الساحر، ثم إن المتعارف عليه يكاد يكون مشهورًا أن الساحر لا يتم سحره لا سيما إذا كان ممن يتعامل مع الجن، لماذا لا نقول بأن الحد أن يقتل؟
الشيخ: كيف حد؟
الطالب: يعني الساحر يُقتل بكل حال، حتى لو تاب؛ لأنه سوف يظهر التوبة، لكن فيما بينه وبين.
الشيخ: هذا قد يقال: إنه يُقتل على كل حال؛ لأننا لا نعلم صحة توبته، أما لو علمنا ذلك، فما الذي يخرجه من قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53].
الطالب: (... ) على البيوت يا شيخ فيقتل.
الشيخ: يُقتل تعزيرًا، الظاهر الأقرب (... ) أنه تعزير لدفع شره.
طالب: ما رأيكم في قول بأنه ليس هناك عمل من الأعمال (... ).
الشيخ: هذا غير صحيح؛ لأن إبليس كفر بالاستكبار لا بالجهل، هو مُقِر بالله عز وجل، ومقر بالأوامر، لكنه استكبر، فالصواب أن الردة تعود إلى شيئين: إما الجحود، وإما الاستكبار.
طالب: بارك الله فيكم، إذا فسخ الوكيل عقد الوكالة فتضرر الموكل، فهل للموكِّل أن يرجع عليه بمقدار الضرر؟
الشيخ: إي، معلوم، يجب أن تعلم أن كل غار ثبت بغروره شيء فإنه عليه، هذا مقتضى العدل.
الطالب: بارك الله فيكم، إذا تعرض للنبي صلى الله عليه وسلم بالتعريض، ما هو سب صريح، بالتعريض يا شيخ في الصحف (... ).
الشيخ: يقولون: إن التعريض بالسب أشد من التصريح؛ لأنه ينطلي على كثير من الناس، فمثلًا الذين قالوا لمريم: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: 28]، هذا أشد من لو قالوا: أنت زانية.
طالب: بالنسبة (... )؟
الشيخ: الآية ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: 33]، ومعلوم أن الله لا يريد أن ينفوا من الأرض يطيره إلى السماء؛ لأن هذا شيء مستحيل، لكن من الأرض التي حصل فيها الإفساد، لكن القول بأنه يرجع إلى اجتهاد القاضي جيد، إن رأى المصلحة مثلًا أن ينفيه إلى أرض يكون فيها الحكم شديدًا ولا يستطيعون، أو إلى جزيرة من جُزُر البحر ما عندهم إلا السمك والحوت، فلا بأس.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في باب الوكالة: والوكالة عقْد جائز تبطل بفسخ أحدهما أو موته، وعزل الوكيل وحجر السفيه، ومن وُكِّل في بيع أو شراء لم يبِع ولم يشترِ من نفسه وولده، ولا يبيع بعَرَض ولا نَساء، ولا بغير نقد البلد، وإن باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدره له صح، وضمن النقص والزيادة، وإن باع بأزيد، أو قال: بِعْ بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا، أو اشترِ بكذا حالًّا، فاشترى به مؤجلًا ولا ضرر فيهما؛ صح وإلا فلا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الوكالة عقد جائز من الطرفين، أي: من طرف الوكيل، ومن طرف الموكِّل.
ذكرنا على هذا الكلام أن العقود تنقسم إلى أقسام ثلاثة؟
طالب: جائز من الطرفين.
الشيخ: عقد جائز من الطرفين.
الطالب: وعقد لازم من الطرفين.
الشيخ: عقد لازم من الطرفين.
الطالب: وعقد جائز من طرف، ولازم من طرف آخر.
الشيخ: طيب مثال الأول؟
طالب: البيع.
الشيخ: البيع بعد الخيار، ما الدليل على أنه واجب من الطرفين؟
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ».
الشيخ: «وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (9) أي: لازم، وثبت.
طيب، الجائز من الطرفين، مثاله؟
طالب: الوكالة.
الشيخ: الوكالة، لماذا قلنا: إنها عقد جائز من الطرفين؟
الطالب: لأن للوكيل أن يفسخ الوكالة.
الشيخ: لا، هذا الحكم؛ لأنها من الموكِّل إذْن ومن الوكيل تبرُّع، والإنسان له أن يرجع فيما أذن فيه، والمتبرِّع له أن يرجع أيضًا في تبرعه.
طيب، مثال الجائز من الطرف، اللازم من طرف؟
طالب: الرهن، جائز في حق المرتهن، ولازم في حق الراهن.
الشيخ: أحسنت.
طيب، الدليل؟ أو التعليل؟
الطالب: التعليل؛ لأن المرتهن له الحق أن يسقط حقه.
الشيخ: نعم؛ لأن الرهن حق للمرتهن هو الذي توثق به بدَيْنِه، فله أن يسقطه، وأما الراهن فهو حق واجب عليه فلزمه الوفاء به؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34].
الوكالة عقد جائز، ذكرنا أنها تكون عقدًا لازمًا؟
طالب: إن كان هناك ضرر.
الشيخ: إذا تضمنت ضررًا على أحد الطرفين فإنها تكون عقدًا لازمًا، طيب، هذا موضع.
موضع آخر نذكره الآن: إذا كانت بأجرة، مثل أن أقول: وكَّلتك بكذا وكذا بأجرة قدرها كذا، فإنها تكون حينئذٍ عقدًا لازمًا؛ لأن الإجارة نوع من البيع، فصارت لازمة كالبيع.
قال المؤلف رحمه الله مُفرِّعًا على قوله: (والوكالة عقد جائز) وقبل أن أبدأ، الجائز هنا في مقابل الحرام أو في مقابل اللازم؟
طالب: في مقابل اللازم.
الشيخ: في مقابل اللازم، وبه نعرف أن كلمة جائز لها تفسيرات بحسب الموضوع والقرينة، الجائز عند المناطِقة وأهل الكلام غير الجائز هنا؛ الجائز ما أمكن وجوده وعدمه، في كتب أهل الكلام والمنطق إذا قال: جائز يعني ما أمكن وجوده وعدمه، والمستحيل ما امتنع وجوده أو عدمه، والواجب ما وجب وجوده أو عدمه.
(الوكالة عقد جائز تبطل بفسخ أحدهما) هذه واحدة، وسبق أن هذا مُقيَّد بما إذا لم يكن هناك ضرر، أو كانت جارية مجرى الإجارة.
الثاني قال: (وموته)، إذا مات الوكيل بطلت الوكالة، وإذا مات الموكِّل بطلت الوكالة.
وجه ذلك: إذا مات الموكِّل انتقل المال إلى ورثته، فلا بد من تجديد الوكالة إذا شاؤوا أن يستمروا على الوكيل.
أما الوكيل فتبطل بموته؛ لأن الموكِّل إنما رضيه بعينه، فإذا مات فإن المعقود عليه قد اضمحل، وزال وفات، فتبطل بذلك الوكالة.
مثال ذلك: رجل وكَّل شخصًا أن يبيع بيته، قال: وكَّلتك أن تبيع بيتي، ثم قدَّر الله على الموكِّل أن يموت، فحينئذٍ لا يحل للوكيل أن يبيع البيت، ولا أن يتصرف فيه، بل يجب أن يُبلِّغ الورثة أنه قد انتهت الوكالة؛ لأن الملك الآن انتقل إلى الورثة.
مثال آخر: وكَّل شخصًا في بيع بيته، ثم قدَّر الله أن يموت الوكيل فتنفسخ الوكالة، ولا يحل للوكيل أن يُوكِّل شخصًا بعد موته يتولى البيع؛ لأن الوكالة انفسخت بموته، انتهت.
وهنا يجب أن ننبه إلى مسألة يكتبها إخواننا الكتاب الذين يكتبون وصايا الناس، إذا كتب الوصية وقال: أوصيتُ بثلث مالي يُتصدق به على الفقراء، كثير من الكتاب يكتب: والوكيل على ذلك فلان.
والصواب أن يقول: الوصي على ذلك فلان؛ لأن الفرْق بين الوكيل والوصي: الوصي ما أُذِن له بالتصرف بعد الموت، والوكيل ما أُذن له بالتصرف في حال الحياة، وإذا قال: الوكيل على ثلثي فلان، فلو أخذنا باللفظ لقلنا: إذا مات هذا الرجل انفسخت الوكالة، لكن الحكام -يعني: القضاة- يفتون بأن هذا اللفظ من العامة بمعنى الوصية، وإن كان بلفظ الوكالة، ولكننا نقول للكُتَّاب: ينبغي أن تُحرِّروا الكتابة، وإذا ذكرت وصية فلان بشيء لا تقل: والوكيل فلان، قل: الوصي.
لو قال: الوكيل بعد موتي، ارتفع الإشكال؛ لأنه إذا قيد الوكالة بعد الموت فإننا نعلم علم اليقين أنه أراد الوصية.
(تبطُل بفسخ أحدهما أو موته وعزل الوكيل).
قوله: (وعزل الوكيل) هذه العبارة لم نرها في كتب المنتهى، ولا في الإقناع، ولا في المقنع أيضًا الذي هو أصل الكتاب، وهي في الحقيقة زائدة؛ لأن عزْل الوكيل يُغني عنه قوله: (بفسخ أحدهما)؛ لأن فسْخ أحدهما أي: الوكيل أو الموكِّل، إذا فسخ الموكل فهذا يعني عزْل الوكيل، إذن ما حاجة أن يُقال: (عزل الوكيل)، لكن لعل المؤلف رحمه الله؛ لعل هذا من المؤلف سبقة قلم.
على كل حال تبطل بعزْل الوكيل، وعزْل الوكيل هو فسْخ الموكِّل للوكالة، وظاهر كلامه أنها تبطل بعزل الوكيل سواء علم أم لم يعلم، وظاهر كلامه أيضًا أنها تبطل بعزْل الوكيل بالقول أو بالفعل.
مثال ذلك: رجل وكَّل شخصًا في طلاق زوجته، للوكيل أن يُطلِّق.
طالب: يفسخ.
الشيخ: كيف يفسخ؟ ! ما عندنا فسْخ، وكَّله في طلاق زوجته، فللوكيل أن يُطلِّق بناءً على وكالة الزوج، لكن بعد أن انصرف الزوج أشهد أنه عزل الوكيل عن الوكالة، أشهد أنه عزله.
الوكيل ذهب إلى الزوجة وطلَّق، فما الحُكم على ما ذكره المؤلف، هل تطلق الزوجة أو لا؟ لا تطلق، لماذا؟ لأنه عزله.
ونحن نقول: إن طلَّق بعد علمه أنه عُزِل فلا شك أن الطلاق لا يقع؛ لأنه رُفعت عنه الوكالة، وإن طلَّق ولم يعلم فظاهر كلام المؤلف أنه لا يقع الطلاق؛ لأنه عُزل، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء في مذهب الإمام أحمد؛ فمنهم من يقول: لا ينعزل إلا بعد العلم، ومنهم من يقول: ينعزل ولو قبل العلم.
والذي يظهر أنه إن تعلق به حق ثالث فإنه لا ينعزل، وإلا انعزل، مثال هذا: وكَّل إنسانًا أن يبيع بيته، وكَّل شخصًا، قال: بِعْ بيتي، وبعد انصراف الوكيل قال الموكِّل: اشهدوا أني عزلته وفسخْت الوكالة، والرجل ذهب وباع البيت، وتم البيع، وقُبِض الثمن، وتمت الكتابة، فعلى رأي المؤلف: البيع غير صحيح.
والقول الثاني، وهو رواية عن أحمد: أن البيع يكون صحيحًا؛ لأن المسألة الآن تعلق به حق ثالث، من هو الثالث؟ المشتري، وإذا قلنا ببطلان الوكالة لزم بطلان البيع وضياع حق المشتري، وهذا القول أصح: أنه إذا تعلق به حق ثالث فإنه يبطل البيع، وأما إذا لم يتعلق به حق أحد قد يقال: إن القول بانعزاله قبل علمه يتم، ولا يصح التصرف.
ذكرنا أن العزْل يكون بالقول ويكون أيضًا بالفعل، يكون بالقول واضحة، يقول: اشهدوا أني عزلتُ فلانًا، أو أني فسختُ وكالته، أو أبطلتُ وكالته، أو غير ذلك من العبارات الدالة على أنه فسخ الوكالة.
بالفعل لو أنه وَكَّلَ إنسانًا أن يبيع بيته، وبعد انصراف الوكيل باع الموكِّل البيت نفسه؛ باع الموكِّل نفسه البيت، ثم إن الوكيل باعه، الموكِّل باعه على زيد، والوكيل باعه على عمرو، فماذا نصنع؟ هل نقول: إن الوكيل انعزل أو لا؟ نعم، انعزل؛ لأن بيْع الموَكِّل للذي وكَّل شخصًا في بيعه يعني أنه عزله، وهذا عزْل بالفعل.
حينئذٍ -انتبهوا لهذه المسألة- الوكيل باع على عمرو، والموكِّل باع على زيد، إن أبطلنا بيع الوكيل فقد تعلق به حق مَنْ؟
طالب: المشتري.
الشيخ: من هو؟ عمرو، وإن أبطلنا تصرف الموكِّل، وهو لا يمكن إبطاله، لكن إذا صححنا تصرف الوكيل لزم من ذلك إبطال تصرُّف المؤكل، أبطلنا حق مَنْ؟ زيد، فمن الآن، مَنْ نُقدِّم؟
نقول: نقدم صاحب الأصل، المالك، نقدم المالك، وحينئذٍ نقول: إن بيع الوكيل وقع على شيء انتقل ملكه عن مَنْ؟ عن صاحبه، حتى صاحبه الآن ما يمكن أن يتصرف فيه، فنقول لبيع الوكيل: إنه باطل؛ لأن هذه المسألة تعلق بها حق ثالث، ثم إن الموكَّل فيه انتقل عن مُلك الموكِّل إلى مُلك آخر، فلا يمكن أن يُبطل هذا الانتقال.
الخلاصة: انعزال الوكيل يكون بالقول ويكون بالفعل، القول؟
طالب: القول أن يقول: أشهدكم أني عزلت فلانًا.
الشيخ: أن يقول: عزلت فلانًا، فسختُ وكالته، أبطلتُ وكالته، ألغيتُ وكالته أو ما أشبه ذلك، الفعل؟
الطالب: الفعل أن يبيع الوكيل على شخص (... ).
الشيخ: طيب، إذا تصرف الموكِّل تصرفًا لا يمنع تصرف الوكيل، مثل: أن يقول: وكَّلتك في بيع بيتي، ثم بعْد ذهاب الوكيل أجَّره؛ أجَّره من؟ الموكِّل، أجره الموكِّل، فهل تبطُل الوكالة ونقول: إن هذا عزل؟
طلبة: لا.
الشيخ: والله الظاهر أنتم تقولون: لا، ولو سألتكم: لماذا؟ قلتم: لا ندري! نعيد السؤال؟ وكَّل شخصًا في بيْع بيته، وبعد أن انصرف الوكيل أجَّر الموكِّل البيت، فهل تنفسخ الوكالة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؟
طالب: تنفسخ.
الشيخ: طيب، لماذا؟
الطالب: لأن الأصل بقاء الوكالة (... ).
الشيخ: صحيح، وذلك لأن التأجير لا ينافي البيع؛ إذ يجوز بيع المؤجَّر، أليس كذلك؟ يجوز بيع المؤجر، فإذا كان يجوز بيع المؤجَّر، فإن تصرف الموكِّل الآن لا يعتبر فسخًا للوكالة؛ لأنه لا منافاة بين ما وكَّل فيه وتصرفه.
إذن إذا تصرف تصرفًا ينافي الوكالة فهو عزْل، وإذا تصرف تصرفًا لا ينافي الوكالة فليس بعزْل.
(وحجر السفه) إذا حُجِر على الوكيل أو الموكِّل حجر سفه انفسخت الوكالة.
وفي قول المؤلف: (حجر السفه) منطوق وله مفهوم، ما مفهومه؟ حجر الفَلَس، أنتم تعرفونه مر علينا بالحجر، أنه حجر سفه وحجر فلس.
من كان لا يُحسن التصرف فالحجر عليه حجر سفه، ومن كان يُحسن التصرف لكنه غريم مدين، دينه أكثر من ماله، فالحجر عليه حجر فلس.
طيب، الوكالة تبطل بحجر السفه.
مثال هذا: الرجل قال لشخص: بِعْ بيتي، تكرار المثال ما يضر، المقصود الإيضاح، قال: بِعْ بيتي، ثم إن الرجل الذي وكَّله في البيع، يعني قصدي مالك البيت، أُصِيب بخلل في عقله، أفسد تصرفه، هل تستمر الوكالة أو تنفسخ؟ تنفسخ؛ لأن الوكيل الآن لو أراد أن يتصرف بنفسه ما تمكن، فبوكيله من باب أوْلى؛ هذه واحدة.
ويمكن تقع أو ما تقع؟ يمكن تقع، يحصل للإنسان حادث يختل فكره، نقول: الآن انفسخت الوكالة، ونقول للذي وُكِّل في البيع: لا تبع؛ لأن الوكالة انفسخت، نفس الموكل لو أراد يتصرف الآن ما يمكن، فكيف بفرعه وهو الوكيل؟
طيب، الوكيل وَكَّل شخصًا في بيع بيته، ثم إن الوكيل أُصِيب بخلل في عقله وتصرفه.
ومَن وُكِّلَ في بيعٍ أو شِراءٍ لم يَبِعْ ولم يَشْتَرِ من نفسِه ووَلَدِه، ولا يَبيعُ بعَرَضٍ ولا نَسَاء ولا بغيرِ نقْدِ البَلَدِ، وإن باعَ بدونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أو دونِ ما قَدَّرَه له أو اشترى له بأكثرَ من ثَمَنِ الْمِثْلِ أو مما قَدَّرَه له صَحَّ, وضَمِنَ النقصَ والزيادةَ، وإن باعَ بأَزيدَ، أو قالَ: بِعْ بكذا مُؤَجَّلًا, فباعَ به حالاً، أو: اشْتَرِ بكذا حالًا, فاشْتَرَى به مُؤَجَّلًا ولا ضَررَ فيهما صَحَّ وإلا فلا.
(فصلٌ)
وإن اشْتَرَى ما يُعْلَمُ عيبُه لَزِمَه إن لم يَرْضَ مُوَكِّلُه، فإن جَهِلَ رَدَّه، ووَكيلُ البيعِ يُسْلِمُه ولا يَقْبِضُ الثمَنَ بغيرِ قَرينةٍ، ويُسَلِّمُ وَكيلُ الْمُشترِي الثمَنَ, فلو أَخَّرَه بلا عُذْرٍ وتَلِفَ ضَمِنَه، وإن وَكَّلَه في بيعٍ فاسدٍ فباعَ صَحيحًا, أو وَكَّلَه في كلِّ قليلٍ وكثيرٍ أو شِراءٍ ما شاءَ أو عَيْنًا بما شاءَ
يُحجَر عليه.
طالب: (... ) القاعدة.
الشيخ: أيصح أن يتصرف؟ لا؛ لأنه لا يصح تصرُّفُه لنفسه فلغيره من باب أولى.
حُجِر على الوكيل لسَفَهٍ لصغرٍ، يستقيم المثال؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لصغر يا إخوان.
طلبة: لا يستقيم.
الشيخ: ما يستقيم؟ ليش؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، وكَّله وهو كبير، يمكن؟
طلبة: لا يمكن.
الشيخ: لا يمكن، وذا إذن كلمة: لسفه.
إنما تعود إلى العقل، يعني بحيث يكون له جنون أو سوء التصرف، بحيث يختل مثلًا فِكْرُه وعقْلُه يكون لا يعرف.
الْحَجْر لِفَلَسٍ هل تبطل به الوكالة أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، فيه تفصيل، إن كانت في أعيان مال الموكل انفسخت، وإن كانت في ذمته لم تنفسخ، أما الوكيل فإنه إذا حُجِر عليه لفلس لا تنفسخ الوكالة بذلك؛ لصحة تصرفه في مال غيره، أفهمتم الآن؟ إذن إذا حُجِر عليه لِفَلَس فبالنسبة للوكيل أيش يكون؟ لا تتأثر الوكالة ولا تنفسخ، بالنسبة للمُوَكِّل فيه تفصيل.
نبدأ بالوكيل: وكَّل إنسانًا يبيع بيته قال: بِعْ بيتي.
ثم إن هذا الوكيل صار مدينًا، دَيْنُه أكثرُ من ماله فحُجِر عليه، الآن الوكيل لا يمكن أن يبيع شيئًا من ماله لأيش؟ لأنه محجور عليه، لكن هل يبيع بيت مَن وكَّله؟ نعم؛ لأن من حُجِر عليه لفلس إنما يُحْجَر عليه في أعيان ماله، لا في أعيان مال غيره، فتبقى الوكالة.
بالنسبة للمُوَكِّل قال: وكلتك تبيع بيتي.
ثم إن الموكل لَحِقَه الدَّيْن وصار دينُه أكثر من ماله فحَجَرْنا عليه، هل يملك الوكيل أن يبيع البيت؟ لا، تنفسخ الوكالة، لماذا؟ لأن الموكِّل الآن لا يملك بيع بيته، فإذا كان الأصل لا يملك البيع فالفرع من باب أولى، اتضح المقال يا جماعة؟ صار الْحَجْر لفلس فيه تفصيل.
الْحَجْر لسفه أيش هو؟
طلبة: (... ).
الشيخ: ما فيه تفصيل، تبطل الوكالة سواء حُجِر على الوكيل أو على الموكل.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ومن وُكِّلَ في بيع أو شراء لم يبع) في مسألة البيع، (ولم يشترِ من نفسه وولده) إلى آخره.
(مَنْ وُكِّلَ في بيع): فإنه لا يبيع على نفسه، ولا يبيع على ولده، ولا على والده، ولا على مَن لا تُقْبَل شهادتُه له؛ لأنه متهم، متهم في ذلك.
مثال هذا: إنسان وكلته أن يبيع البيت، قلت: وكلتك في بيع بيتي.
فباعه على ابنه، فإنه لا يصح البيع، لأيش؟ لأنه متهم، إذا كان لا تُقبَل شهادتُه لولده بالمال لاتهامه بذلك، فكذلك بيعُه ما وُكِّل فيه لولده هو متهم.
طيب الرجل ثقة –الوكيل اللي باع على ابنه- ثقةٌ وعدْل ومَرْضِيٌّ.
نقول: ولو كان؛ طردًا للباب، ولئلا يقول قائل: لماذا صححتم بيع فلان على ولده ولم تصححوا بيع فلان؟ فنسد الباب، والأمر في هذا سهل، وهو أن يستأذن من الموكل فيقول له: إن ابني يريد البيت، أتأذن أن أبيعه؟ إذا قال: نعم.
انتهى الإشكال.
أعرفتم؟
استثنى بعض العلماء من ذلك مسألتين -في البيع على ولده-:
المسألة الأولى: إذا كان البيع في المزايدة، وانتهى الثمن على ولده، فإن البيع يصح؛ لأنه ما فيه محاباة، أعطاه يبيع السيارة مثلًا، حرَّج عليها بالحراج علنًا، زادت زادت زادت، آخر السعر صار على ولده وباعها عليه، هل في هذا اتهام؟ لا؛ ولهذا استثنى بعض العلماء هذه المسألة، قال: في المناداة إذا انتهى على ولده فلا بأس أن يبيع؛ وذلك لأنه لا تهمة.
المسألة الثانية: إذا حدَّد له الثمن، إذا حدد الموكل الثمن للوكيل، وقال: بعها.
قال: بكم أبيعها؟ قال: بِعْها بعشرة آلاف.
وباعها على ولده بعشرة آلاف، يجوز أو لا يجوز؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: لماذا؟ لأن الموكل حدد الثمن، فهو لا يريد أكثر من ذلك، فيصح أن يبيعها على ولده لانتفاء التهمة حينئذ.
ولكن لو أن الموكل قال للوكيل: بعها بعشرة آلاف، بناء على أن هذا أعلى سعر، وكانت السلع قد زادت لكن الموكل لم يعلم، فهل يجوز في هذه الحال أن يبيعها على ولده -أعني الوكيل-؟ ما تصورتوها إلى الآن؟
قال الموكل لهذا الرجل: بع هذه السيارة بعشرة آلاف، بناء على أنها لا تساوي أكثر، لكن الموكل جاهل بالأسعار، والوكيل يعلم أنها تساوي عشرين مثلًا، فهل يجوز أن يبيعها بعشرة على ولده؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش يا إخوان؟
طالب: هذا غش.
الشيخ: هذا غش، الواجب أن يخبره، إذا كان الوكيل يعلم أن قيمة الأشياء قد زادت، والموكل رجل جاهل بالأسعار، فعليه أن يبين ويقول له: يا فلان السلعة تساوي أكثر.
وجوبًا؛ لأنه لو كتم وخلَّاها تمشي بعشرة آلاف لكان غاشًّا، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» (1). انتبهوا لهذه؛ لأن بعض الناس -والعياذ بالله- يستغل سذاجة الموكل ولا يخبره بالواقع، وهذا حرام، هذا غش، عامِلِ الناس بما تحب أن يعاملوك به، لا تغشهم ولا تخدعهم.
يقول المؤلف: ولا على ولده.
طيب إذا باع على بنته؟
طالب: هي من الولد.
طلبة آخرون: (... ).
الشيخ: بنت يا إخوان، هي ولد؟ البنت ولد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: متأكدون؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أين دليلكم؟
طلبة: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11].
الشيخ: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾، فجعل الله الأنثى من الولد، وهو كذلك.
(لم يبع) (من نفسه): إذا كان لا يبيع من نفسه، فهل يجوز أن يوكل شخصًا يشتريها لنفسه؟
طالب: لا.
طالب آخر: نعم.
الشيخ: انتبه الصورة، أعطاه هذه السيارة ليبيعها، قلنا: لا يبيعها على نفسه -واضح- لكن قال: يا فلان، أنا ما يجوز أشتريها لنفسي، لكن وكلتك تشتريها لي.
وصار الذي يزيد وكيله، حتى انتهت عليه واشتراها، أيجوز هذا أو لا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ حيلة هذه حيلة، ووكيله قائم مقام نفسه.
وبناء على أنه لا يجوز للوكيل أن يشتري السلعة لنفسه فإنه لا يجوز أن يزيد في ثمنها، كيف؟ يعني مثلًا نشَرَها أمام الناس أو أخرجها أمام الناس وقال: يلَّا مَن يسوم؟ بعشرة آلاف، باثني عشر ألفًا.
فأراد هو يزيد، لما قال واحد: باثني عشر ألفًا؛ قال: بثلاثة عشر ألفًا.
يقول هو، الذي يقول هو الوكيل، وهو الذي تسمونه: الدلال، هل يجوز أن يزيد ولَّا لا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه لو زاد لا يمكن أن يشتريها، فيكون في زيادته هنا إضرار بمن؟ بالمشترين وتضييق عليهم، ما دمت تعرف أنه لا يمكن أن تشتريها فإنه لا يجوز أن تزيد.
فإن أذن الموكلُ للوكيل أن يشتري، هل يجوز أن يزيد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه إذا أذن الموكل للوكيل أن يشتري فلا بأس، وحينئذ إذا زاد في الثمن فقد زاد زيادة مأذونًا فيها، فصار ذلك صحيحًا.
قال: (ولا يبيعُ بعَرَضٍ، ولا نَسَاء، ولا بغير نقدِ البلد) انتبهوا للثلاثة.
(لا يبيعُ بعَرَضٍ): وكلتُك أن تبيع السيارة فبعتها بعمارة، السيارة تساوي عشرة آلاف، والعمارة تسوى خمسة عشر ألفًا، يجوز أو لا؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا، لا يجوز؛ لأني إذا قلت: بعها؛ يعني بدراهم، ما أقول: بِعها ببيت.
قال: بع هذه السيارة –وهي نيسان- فذهب وباعها بكراسيدا، يجوز أو لا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأني إذا قلت: بعها؛ يعني بعها بدراهم، ما هو بعَرَض، وهَلُمَّ جرًّا.
الفلوس من العَرَضِ عند الفقهاء، والأوراق النقدية من العَرَضِ؛ لأن النقد عندهم هو الدرهم والدينار فقط، يعني الذهب والفضة، وعلى هذا فالأوراق النقدية عند الفقهاء عَرَض، فهل نقول: كلام المؤلف يدل على أني إذا قلت: بع هذا البيت -مثلًًا- وبعته أنت بعشرة آلاف من الأوراق لم ينعقد البيع؛ لأنه لا يبيع بعَرَض؟
نقول: هذا مقتضى كلام المؤلف؛ لأنهم صرحوا قالوا: إنه لا يبيعها بالفلوس.
ولكنا نقول: أصبحت النقود الآن الورقية أصبحت عند الناس نائبة مناب الدينار والدرهم، فإذا باعها بالفلوس الأوراق صح البيع.
لو قال الموكل: والله أنا قلت لك: بعها، والدراهم والدنانير هي النقود، أما هالأوراق هذه تجبها عندي، تجيها الضو تحرقها تأكلها الأَرَضة، ما أريد هذا، لازم تجيب ذهبًا ولَّا فضة.
يملك هذا أو لا يملك؟
طلبة: لا يملك.
الشيخ: لا يملك هذا؛ لأن العرف الآن مطرد أن هذه الأوراق قائمة مقام -يا إخوان-؟
طلبة: الذهب والفضة.
الشيخ: الذهب والفضة بدل الدينار والدرهم.
ولا يبيع أيضًا (نَسَاء) أيش (نَساء)؟ يعني مؤجلًا، لا يبيع مؤجلًا، لازم نقْد يدًا بيد.
الآن على كلام المؤلف إذا باع شيئًا أذنت له في بيعه، ولم ينقد الثمن فإنه يكون ضامنًا، لكن كلام المؤلف هنا ينبغي أن يُقيَّد بما إذا لم يدل العرف على التأخير، الآن عند الناس لو أبيع عليك شيئًا اليوم، يمكن أن تذهب به ولا آخذ الثمن منك إلا بعد أيش؟ إلا بعد يوم أو يومين، حسب كثرة الثمن وقلته، وحسب حال المشتري مثلًا، إلا إذا كان المشتري لا يُعرَف، فإنه إذا لم يبعه نقدًا يدًا بيد فهو ضامن؛ لأنه مُفرِّط.
إنسان مثلًا حرَّج على السيارة جاءه واحد أجنبي ما يعرفه، قال: هذه السيارة ثمنها عشرة، أنا بآخذها منك بأحد عشر ألفًا.
أخذها وراح، هنا ما يمكن للوكيل أن يدَعه يذهب بدون نقد، لو فعل لكان ضامنًا؛ لأنه مفرط.
إذن لا يبيع (نساء)، هل يبيع مؤجلًا؟ ترى المؤجل غير النَّساء، النَّساء هو تأخير القبض ولو كان غير مؤجل، والمؤجل تأخير الوفاء.
يعني مثلًا إذا قلت: بعتك هذا الشيء بثمن يحل بعد شهر، هذا ويش نسميه؟ مؤجلًا.
بعتك هذا الشيء ولم أقبض الثمن؟ هذا نَساء فيه تأخير.
بعتك هذا الشيء بعشرة وأعطتني إياه وأخذته؟ هذا يدًا بيد.
(ولا نَساء، ولا بغير نقد البلد): نقد البلد عندنا الآن الريال السعودي الورق السعودي، هذا الرجل أخذ السلعة وراح وباعها بدولار، يصح البيع أو لا؟
طالب: على كلام المؤلف لا يصح.
الشيخ: إيه، لا يصح، وهو حقيقة؛ لأنني إذا أذنت لك في البيع فإنما أذنت لك ببيع معروف، الدولار عندنا ليس نقدًا ولكنه سلعة، يزيد وينقص، فإذا باع بالدولار ما صح.
إن باع بجنيه مصري -مثلًًا- يصح؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: طيب، إذا وكله في مصر، وباع بجنيه مصري، يصح؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنه نقد البلد.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يبيع بغير نقد البلد ولو باع بنقد أغلى، ومعروف الآن أن الدولار الأمريكي هو الذي أخذ الامتياز؛ ولهذا يسمَّى عند الاقتصاديين العملة الصعبة، مَن يقدر عليه؟ ! فإذا كان واحد مثلًا في بلد نقودهم تالفة، تأخذ بالريال السعودي ألف واحدة، وباعها بدولار، قال: وكلتك تبيع هذه السيارة، السيارة هذه تسوى بنقد البلد مئة مليون، وبالدولار ألف دولار، وباعها بألف دولار، يصح البيع ولَّا ما يصح؟
طالب: يصح.
الشيخ: لا، كلام المؤلف ما يصح؛ لأنه غير نقد البلد، مع أن بلدًا كهذه -يعني رُخْص نقدِها- يفرحون إذا جاءهم الدولار، فهل نقول: إن كلام المؤلف مقيد بما إذا لم يكن النقد الذي باع به أغلى من النقد البلدي؟
ربما يقال هذا، يعني ربما يقال: إن الرجل إذا باعه بنقد أغلى فإننا نقول: هذا صح؛ لأنه زاده خيرًا، وكما لو قلتُ: بِعها بدراهم، فبعتَها بدنانير.
أليس عروةُ بنُ الجعد وكَّله الرسولُ عليه الصلاة والسلام يشتري له أضحية، أعطاه دينارًا، اشترى أضحيتين، وباع واحدة بدينار، فماذا صار؟ رجع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام بأيش؟ بأضحية ودينار، ما خسر شيئًا، فأقره النبيُّ عليه الصلاة والسلام على ذلك (2)؟
فهذا يدل على أنه إذا كان تصرف الوكيل فيه خير للموكل فينبغي أن ينفَّذ؛ لأن مطالبة الموكل بنقد البلد مع أن ما باع به أغلى، ما هو إلا إضرار، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (3).
طالب: إذا باع الوكيل بأقل من نقد أهل البلد، هل نقول: إن البيع لا يصح؟
الشيخ: لا يصح.
الطالب: أو نقول: يصح ويضمن النقص؟
الشيخ: لا، ما يصح؛ لأنه غيَّرَ الجنس أو النوع، بخلاف الزيادة والنقص ففيها خلاف كما سيأتي.
الطالب: هل يمكن الآن نُلزِمه أن يُغَيِّر هذا النقص في عقد البيع؟
الشيخ: يروح، يفسخ البيع ويقول: تعال أيها المشتري، البيع بطل، وأعطنا نقد البلد.
يمكن ذاك يفرح المشتري.
طالب: شيخ بارك الله فيك (... ) وكَّله ثم عزله، ولكن الوكيل باع قبل أن يعزله، يعني علمنا بالتوكيد أنه باع قبل العزل، والموكل باع بعده.
الشيخ: باع بعده؟ الحكم للأول بالاتفاق، هذا قولًا واحدًا.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، بعض الناس يصاب بحادث يسبب له إغماء فترة غيبوبة، فهل يقال: تُعَلَّق الوكالة إلى أن يفيق؟
الشيخ: لا، هذا لا بطل به الوكالة.
الطالب: طيب صار يفيق أحيانًا..
الشيخ: لا تبطل به الوكالة، في الوقت الذي يفيق فيه يصح التصرف.
طالب: شيخ، التوكيل والعزل هل يشترط له الشهادة؟
الشيخ: لا يشترط له الشهادة، لكن الشهادة أولى؛ لأنه يترتب عليها أشياء، ربما ينكر الوكيل أو الموكل فيترتب عليها أشياء.
طالب: حفظك الله، لو كانت السلعة تباع مزايدة، فوَكَّلَ الوكيلُ رجلًا آخر يُزايِد في السلعة له لحظ الوكيل، فأين التهمة يا شيخ هنا؟
الشيخ: المذهب لا تصح؛ لكن بناء على القول الثاني الذي قلنا؛ أنه إذا باع على ابنه بما انتهى إليه السعر فلا بأس به، على هذا القول يصح، أما على المذهب ما يصح.
طالب: بارك الله فيك، إذا وكل رجلٌ آخرَ لبيع سيارة، هذه السيارة لا تساوي إلا عشرة آلاف، ولما ذهب إلى السوق باعها باثني عشر، الذي اشتراها اشتراها لرغبته في السيارة، فهل يرجع الوكيل على الموكل بالمبلغ كله أم بالعشرة آلاف اللي اتفق عليها؟
الشيخ: سمعتم؟ يقول: أعطاه السيارة وقال: بعها بعشرة آلاف.
لما بلغ السوق صارت تساوي اثني عشر، باعها باثني عشر، فالألفان هل هي للوكيل ولَّا للموكل؟
طلبة: للموكِّل.
الشيخ: للموكِّل، إلا إذا قال: بعها بعشرة، وما زاد فهو لك.
فيكون ما زاد له.
طالب: إذا باع لصديقه هل يدخل فيما إذا باع لنفسه؟
الشيخ: لا، الصديق تصح الشهادة له فيصح البيع له، إلا على رأيِ مَن يرى أن الصداقة القوية القوية جدًّا جدًّا كمثل صداقة كُثَيِّر عَزَّة لِعَزَّة، فهذه يمكن ما يصح البيع.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى:
وإن باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدَّره له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدَّره له: صح وضمِنَ النقصَ والزيادةَ.
وإن باع بأزيدَ، أو قال: بع بكذا مؤجلًا؛ فباع به حالًّا، أو اشتَرِ بكذا حالًّا؛ فاشترى به مؤجلًا، ولا ضرر فيهما: صح، وإلا فلا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن الوكيل مُقيَّد بما دل عليه لفظ الموكِّل نطقًا أو عرفًا، هذه القاعدة: الوكيل مقيد بما أيش؟
طالب: دل عليه..
الشيخ: بما دل عليه لفظُ الموكِّلِ نطقًا أو عرفًا، هذا هو الأصل، وجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (4)، هذا هو الأصل.
وإذا تصرف الوكيل على وجه لم يأذن به الموكل فقد تصرف في مال غيره بغير طيب نفس منه، انتبهوا لهذه القاعدة؛ لأن جميع ما يأتينا من التصرفات التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله غالبها يذكرون التعليل دون الدليل الأثري.
لكن الدليل الأثري الذي يُعتمد عليه في هذه الأمور هو هذا الحديث: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»، وكذلك الآية: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، فعلى هذا تكون العمدة في تصرفات الوكيل، وقد ذكرنا فيما سبق أنه لو وُكِّل في بيع فهل يبيع على ولده؟
طالب: لا يبيع على ولده.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه متهم.
الشيخ: متهم؟
الطالب: بمحاباته.
الشيخ: بمحاباته؛ لأنه ربما تساوي عشرة ويبيعها على ولده بتسعة، هل يُستثنَى من ذلك شيء؟
طالب: إذا حدَّد له الثمن.
الشيخ: إذا حدد له الثمن.
الطالب: أو بالمزايدة.
الشيخ: أو وقف السعر على الولد في المزايدة، فهنا لا بأس؛ لأنه لا تهمة حينئذ.
ذكرنا أن الموكل إذا حدد للوكيل ثمنًا، والوكيل يعلم أن هذا الثمن أنقصُ من ثمنها في السوق، فهل يجوز أن يبيع بما حدد أو لا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟
الطالب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» (1).
الشيخ: طيب؛ لأن هذا خلاف النصيحة، كذا؟ النصيحة الواجب أن يبين له: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (5). والسلعة قد يكون قيمتها بالأمس أرخص من قيمتها اليوم.
هل يجوز إذا وُكِّل في بيع شيء أنه يبيعه على صديقه الحميم؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؟ صديق؟
الطالب: إذا كانت المودة قوية جدًّا بينهما؛ لأنه قد يدخلها المحاباة.
الشيخ: يقول المجيب: إنه لا يجوز أن يبيعها على صديقه إذا كانت الصداقة قوية؛ لأن العلة في المنع على بيع الولد موجودة في هذا، بل قد تكون أشد، بعض الناس يُحابِي صديقه أكثر مما يُحابِي قريبه.
هل يجوز أن يبيع على أخيه؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أن يبيع على أخيه، نعم صح؛ لأنه ليس أصله ولا فرعه، الممنوع أن يبيع على أصله أو فرعه، أي: على آبائه وأجداده وإن علَوْا، أو على أبنائه وبناته وإن نزلوا.
لو كان الأخ شريكًا له، أيجوز أن يبيع عليه؟
طالب: لو شريك له؟
الشيخ: نعم.
الطالب: (... ).
الشيخ: شريك، هما شركاء، شركاء في المال، في البيع والشراء، ووُكِّل هذا الرجل أن يبيع هذه السلعة، وباعها على أخيه.
الطالب: (... ).
طالب آخر: فيه تفصيل يا شيخ، إن كان أخوه سيشتري السيارة خاصة له فلا شيء فيه، أما إذا كانت السلعة لحساب الشركة فيُمنع؛ لأنه بائع لنفسه.
الشيخ: أسمعتم منه التفصيل؟ يقول: إذا كان الأخ اشتراه لشيء خاص به، كما لو كان مثلًا بِشْتَل -يعني مِشْلَحًا- أو كان عِقالًا أو غُترة يريد أن يلبسها فهذا لا بأس به، أما إذا كان يشتري لمال الشركة فهذا لا يجوز؛ لأنه بالحقيقة باع على نفسه.
إذا قال: بِعْ هذه السيارة.
فباعها بسيارة أخرى أحسن منها.
طالب: لا يصح بيعُه.
الشيخ: لا يصح البيع؟ أحسن منها؟
الطالب: لأنه ليس له أن يبيعها بعَرَضٍ، لا بد أن يبيع بنقد.
الشيخ: نعم، لا يصح لأنه ليس له أن يبيعها إلا بنقد البلد.
لو علم الوكيلُ أن الموكِّل يريد أن يشتري هذه السيارة؟
الطالب: ينبني على خلاف (... ) والصحيح أنه..
الشيخ: نقول: الأصل أنه لا يجوز؛ لأنه ربما يكون قد عدل عن هذه النظرة.
نبدأ درس اليوم:
قال: (وإن باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدره له: صح وضمن النقص والزيادة).
هذا تصرُّفٌ مخالف، لكنه ليس مخالفًا في أصل العقد، بل في وصف العقد؛ ولهذا يصح ويضمن.
المثال الأول: إذا (باع بدونِ ثمن المثل): قال له: بع سيارتي، وكانت هذه السيارة يباع مثلها بأربعين ألفًا، فباعها بخمسة وثلاثين ألفًا، الوكيل باعها بخمسة وثلاثين ألفًا، فهل البيع صحيح أو لا؟
المؤلف يقول: إن البيع صحيح، لماذا؟ لأن الوكالة لم تتعدَّ البيع، يعني ما ذهب -مثلًا- ليهبها لأحد أو يعطيه إياها مضاربة أو يُوقِفُها، لا، باعها لكن خالف في أيش؟ في الوصف؛ لأنني حين أقول: بع السيارة، إنما أريد أن تبيعها بثمن المثل، فعلى هذا يصح البيع ويضمن الوكيل النقص، هو كم باعها به؟ قلنا: بخمسة وثلاثين، وقيمتها في السوق أربعون ألف.
إذن المشتري تبقى السيارة معه؛ لأن البيع صحيح، وعلى الوكيل أن يضمن لصاحب السيارة خمسة آلاف ريال، الذي هو النقص، فإن عفا عنه فالحق له، ما فيه مانع، هذا إذا باع بدون ثمن المثل.
(أو دونِ ما قدَّره له) بأن قال: بع هذه السيارة بأربعين، ومثلها في السوق بخمسة وثلاثين، فباعها بخمسة وثلاثين كما هو سعرها في السوق، يقول المؤلف: إن البيع أيش؟ صحيح، وعليه ضمان النقص، ما الذي نقص؟ خمسة آلاف؛ لأن صاحب السيارة حدَّد الثمن قال: بأربعين، وهذا باع بخمسة وثلاثين، فإذا قال الوكيل: أنا بعت بثمن المثل ولا تساوي أكثر من هذا.
قلنا: لكن الموكِّل حدد لك، واضح؟
إذا قال قائل: لماذا لا يبطل العقد من أصله؟
قلنا: لأن هذا الرجل لم يخالف أيش؟ في أصل العقد؛ لأن الرجل الذي وكله أراد أن يبيعها فباعها، ولا ضرر عليه إلا في النقص وسوف يُضمن.
(أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل، أو مما قدَّره له: صح).
قال له: اشتر لي -مثلًا- ساعة، الساعة عيَّنَها طبعًا، الموكِّل عيَّن نوع الساعة، وهي تباع بأربعين، لكن صاحب الساعات صاحب للوكيل، الذي يبيع الساعات صاحب للوكيل، فاشتراها بخمسة وأربعين، كم ثمن المثل؟
طلبة: أربعون.
الشيخ: هو اشتراها بخمسة وأربعين، نقول: الشراء صحيح؛ لأنه حصل مقصود الموكل، والنقص الذي يكون على الموكِّل هو خمسة ريالات التي هي الزيادة عن ثمن المثل نُضَمِّنها مَن؟ نُضَمِّنها الوكيل.
واضح؟
كذلك لو قال: اشتر لي ساعة بأربعين درهمًا أي ريالًا، فذهب واشترى له بخمسة وأربعين، فالشراء صحيح، وعلى الوكيل النقص.
لو قال الوكيل: هو قدَّر لي أربعين، لكن السعر زاد، واشتريتها بما تساوي، اسألوا كل الذين يبيعون الساعات؛ أن قيمتها خمسة وأربعون.
ماذا نقول؟
نقول: لكن الرجل حدَّد لك، لماذا لم ترجع إليه وتقول: إن القيمة زادت، ثم تنظر، هل يستمر في التوكيل أو لا؟
وقول المؤلف: (ضمِن النقصَ) في أي مسألة؟ فيما إذا باع بدونِ ثمن المثل، أو دون ما قدَّره له: ضمن النقصَ.
(والزيادة): فيما إذا اشترى بأكثرَ من ثمن المثل، أو مما قدَّره له، وهذا يُسمَّى عند البلاغيين: اللَّفُّ والنَّشْرُ الْمُرَتَّب، لفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّب، أحيانًا يكون اللفُّ والنَّشْر غيرَ مرتب، فيبدأ بالثاني ثم الأول.
مثاله: قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: 106]، هذا لفٌّ ونَشْرٌ أيش؟
طلبة: غير مرتب.
الشيخ: غير مرتب.
وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ [هود: 105، 106]، ثم قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ [هود: 108]، هذا أيش؟
طلبة: لفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّب.
الشيخ: لفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّب.
فإذا قال قائل: ما هو الأصل: أن يكون اللف والنشر مرتبًا أو أن يكون غير مرتب؟ قلنا: الأصل أن يكون مرتبًا، لكنه يأتي أحيانًا غير مرتب لنكتة بلاغية تظهر عند التأمل.
المؤلف الآن ماشٍ على أي النوعين؟
طلبة: على الأصل.
الشيخ: على اللفِّ والنشرِ المرتب.
(وإن باع بأزيد) (باع بأزيد): أزيد من ثمن المثل، يصح ولَّا لا يصح؟ يصح، إذا باع بأزيد صح، كما لو عيَّن واحدًا واشترى اثنين، والثاني قد جاءت به السنة، إذا عيَّن واحدًا واشترى اثنين جاءت به السنة، قُلْها لنا؟
طالب: عُروة عندما أمره الرسول عليه الصلاة والسلام لشراء الشاة، فذهب..
الشيخ: الجعد بن عروة.
الطالب: عاد إلى النبي بشاة ودرهم.
الشيخ: أوصاه الرسول عليه الصلاة والسلام أن يشتري أضحية بدينار، فاشترى شاتين، ثم باع واحدة بدينار، وأقره الرسول صلى الله عليه وسلم (2).
وقد يقال: إن هذا يمكن به المنازعة؛ لأن هذا أقره الرسول عليه الصلاة والسلام.
فنقول: إقرار الرسول له وعدم قوله: لا تَعُد، يدل على أن مثل ذلك جائز.
إذا باع بأزْيَدَ، قال: يا فلان، خذ بِعْ هذه الساعة بأربعين درهمًا، فذهب وباعها بخمسة وأربعين، وجاء له: اتفضل خمسة وأربعين.
يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: يصح.
الشيخ: وإن عيَّن؟
طالب: (... ).
الشيخ: إن أَبَى يقول الوكيل: هات الخمسة، سهلة المسألة، حل المشكلة واضح، إذا قال: لا، ما أسمح.
يقول الوكيل بكل بساطة أيش؟ أعطني الخمسة، وقدِّرْ أني بعتها بأربعين.
لكن لو عيَّن مَن يبيعها عليه، قال: بِعْها على فلان بأربعين.
ثم باعها عليه بخمسة وأربعين، فهنا لا يصح، لماذا؟ لأن تعيين الموكِّل للشخص يدل على أنه أراد بذلك محاباة الشخص، وهذا لما باعها بأزيد فوَّت على الموكِّل غرضَه، وحينئذ نقول: لا، ما يصح، ارجع إليه ورُدَّ عليه الخمسة، أو نقول بأسوأ الأمرين: إن البيع غير صحيح.
(وإن باع بأزيد، أو قال: بِعْ بكذا مؤجلًا؛ فباع به حالًّا، أو اشتَرِ بكذا حالًّا؛ فاشترى به مؤجلًا، ولا ضرر فيهما: صح، وإلا فلا).
هذه مسألتان:
المسألة الأولى: (بع بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا):
قال: يا فلان، خذ هذه الساعة بِعْها بأربعين درهمًا، لكن مؤجَّلة إلى سنة.
فذهب الرجلُ -الوكيلُ- وباعها بأربعين نقدًا وجاء بالأربعين، فقال له الموكل: أنا قلت لك: بعها بأربعين مؤجلة إلى سنة.
قال: هذا أحسن لك، أنا أتيت لك بالأربعين، وبدلًا من أن تنتظر الوفاء لمدة سنة، الآن حصل الوفاء.
هل يصح ولَّا لا؟ يقول المؤلف: يصح بشرط ألَّا يكون هناك ضرر.
وعُلِم من كلامه: أنه إذا كان هناك ضرر فالبيع غير صحيح، لكن صورة الضرر؟ صورة الضرر أن يكون هذا الموكِّل يريد أن يسافر، وليس راجعًا إلى البلد إلا بعد سنة، ويعلم أنه لو أخذ الدراهم الآن ضاعت منه، فله غرَضٌ في التأجيل، الغرض هو ألَّا يضيع ماله.
فنقول: في هذه الحال لا يصح البيع؛ لأن الموكل له أيش؟
طالب: غرضٌ.
الشيخ: غرضٌ في التأجيل، وأنت فوَّتَّ عليه غرضَه.
هذه صورة.
صورة ثانية فيها ضرر: يمكن أن هذا الموكل الْجَوُّ الذي هو فيه أو البلد فيه ولاة ظلمة يَسْطُون على الناس، ومَن وجدوا عنده مالًا ضربوا عليه ضرائب، أو أخذوا ماله، وهو يقول: لو أخذت الثمن حالًّا، وضعته عندي فجاءت أعينُ الظلمة وقالوا: هذا الرجل عنده مال، تسلطوا عليه.
هذا غرض صحيح ولَّا غير صحيح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: هذا غرض صحيح، تصورتم هذه ولَّا لا؟
قال: أنا قلت لك: مُؤَجَّل؛ لأن الآن الولاة الظلمة قد نشروا أعينهم في البلد، ومَن رأوا عنده مالًا أخذوه أو جعلوا عليه ضريبة، وأنا ما أريد ذلك.
نقول: هذا فيه ضرر، بَيْعُه نقدًا فيه ضرر على مَن؟
طلبة: على الموكِّل.
الشيخ: على الموكِّل.
هذا قولُه: (بِعْ بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا).
صار إذا قال: بِعْه بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا: فالبيع صحيح، ويُلزَم الموكِّلُ بقبض الثمن، إلا إذا كان في ذلك ضرر فالبيع غير صحيح، ولا يُلزَم الموكِّلُ بقبض الثمن، وضربنا للضرر كم صورة؟
طلبة: صورتين.
الشيخ: صورتين.
كذلك إذا قال: (اشتَرِ بكذا حالًّا، فاشترى به مؤجلًا):
قال: يا فلان، هذه أربعون درهمًا.
أنتم تعرفون الدرهم ولَّا ما تعرفون؟ ما هو الدرهم؟
طالب: النقد.
الشيخ: النقد من الفضة، إذن خلِّيها درهمًا.
قال: اشتر لي ساعة بأربعين درهمًا، خذ أربعين درهمًا اشتر بها ساعة.
وعيَّن الساعة والمسألة واضحة وبيَّنَ للوكيل، فذهب الوكيل واشترى ساعة مؤجَّلة إلى سنة بأربعين درهمًا.
يعني صاحب الساعات قال: أنا أؤجل لك الثمن إلى سنة ولا أزيدك، أربعون درهمًا يكفي.
فجاء به ردَّ الأربعين درهمًا إلى الموكِّل، وقال: الحمد الله الآن جاك ساعة بأربعين درهمًا مؤجَّلة، انتفع بدراهمك الآن، وإذا جاءت السنة فأوفِ.
يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح بشرط ألا يكون هناك ضرر، أيش الضرر؟ أيهما أحسن للناس: التعجيل أم التأجيل؟ أيش؟
طلبة: التعجيل.
الشيخ: التعجيل لكل من له حق، حتى إنه لو كان لك حق على شخص مؤجَّل، وقلت: يا فلان، أنت عنديك العشرة آلاف إلى سنة، يكفيني منك ثمانية آلاف نقدًا.
وأعطاه ثمانية آلاف، يجوز؟ يجوز، مع أنه أخذ بدل العشرة المؤجَّلة ثمانية مُعجَّلة.
فكل مَن لديه حق يرغب التعجيل.
أما مَن عليه الحق فيرغب في التأجيل، كالمشتري في سداده لثمن السلعة.
فهذا رأى الوكيل قال: الحمد لله، الآن أنا زدتك خيرًا، اشتريت لك بالثمن الذي عيَّنْتَ مع التأجيل.
نقول: هذا صحيح، لكن إذا كان في ذلك ضرر على الموكل -وليس الضرر الزيادة؛ لأن الزيادة تقدم الكلام عليها- الضرر أن هذا الموكل قال: إذا جاءت الفلوس عندي فأنا رجل يدي خرقاء ما تمسك الدراهم، إذا أعطيتني أربعين ريالًا -اللي أعطاك إياك- عشرين ساعة، يمكن أعزم (... ) اليوم وأجعل لهم وليمة بأربعين ريالًا تروح عليَّ، هذا ضرر عليَّ.
واضح هذا ولَّا لا؟ هل يصح ولَّا ما يصح؟ لا يصح لأن هذا غرض صحيح، وكثير من الناس إذا كانت الدراهم عنده راحت تطير.
الخلاصة: إذا باع بأقل من ثمن المثل أو مما قُدِّر له فالبيع صحيح، وعليه ضمان النقص.
إذا اشترى بأكثر مما قُدِّر له أو بأكثر من ثمن المثل فالشراء صحيح، وعليه ضمان الزيادة.
إذا كانت المخالفة في الكيفية لا في الكمية -لأن ما ذكرنا الآن مخالفة في أيش؟ في الكمية- إذا كان في الكيفية قال: بع بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا.
أو: اشتر بكذا حالًّا، فاشترى به مؤجلًا.
هل يصح أو لا؟ نقول: يصح؛ لأن هنا ما في زيادة ولا نقص، إلا إذا كان في ذلك ضرر على الموكل فإنه لا يصح.
مَن يُقَدِّر الضرر؟ يُقَدِّر الضررَ أيُّ واحد يُقَدِّره أهل الخبرة، إذا قالوا: إن هذا الغرض الذي ذكره الموكل صحيح، وأن في التعجيل ضررًا أو في التأخير ضررًا عُمِل به.
ثم قال المؤلف:
(فصْل: وإن اشترى ما يعلم عيبَه لزمه إن لم يرضَ موكلُه):
(إن اشترى) الفاعل.
الفاعل مَن؟ الوكيل، (اشترى ما يعلم عيبه لزمه إن لم يرضَ موكلُه):
وذلك أن الموكل إنما وكله في شراء شيء سليم، لا في شراء شيء معيب، وكل يعرف أنه لا أحد يقول: اشتر لي شيئًا معيبًا.
المهم وكله في شراء سيارة، واشترى سيارة معيبة بثمن المثل ما فيه زيادة ولا نقص.
فنقول: يلزمك أنت أيها الوكيل، وتضمن للموكل الدراهم الذي أعطاك.
فإن رضي الموكِّل وقال: والله هذا رجل محسن إليَّ وتعب في تحصيل السيارة، وأنا راضٍ وإن كان فيها عيب.
أيش يكون؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح، وهل يلزم الوكيلَ شيءٌ؟ لا يلزمه؛ لأنه الحق له وقد رضي به.
لكن يبقى النظر إذا قلنا: إنه يلزم الوكيل هذا المبيع المعيب، وأن الموكل ليس له إلا مبيع سالم، هل يملك الوكيل أن يرد السلعة على من اشتراها منه؟
الجواب: لا، لا يملك؛ لأن المؤلف يقول: (إن اشترى ما يعلم عيبه): فالوكيل الآن عالِمٌ بالعيب داخِلٌ على بصيرة، ما له حق الرد، إلا أنه يُستثنَى من ذلك -أعني في حق الرد- إذا قال الوكيل: أنا مشتريها لفلان بالوكالة، وأنا راض بالعيب، لكن إن لم يرض موكلي فهو على خياره.
فماذا نقول؟ هل له الرد؟ له الرد؛ وذلك لأن البائع دخل على بصيرة وقَبِل هذا الشرط.
قال: (فإن جهل رده) (إن جهل): الفاعل يعود على الوكيل، (إن جهل) يعني: إن جهل العيب ولم يدْرِ بالعيب (رده).
انتبه لكلمة (رده)، لم يقل هنا: إنه يُخيَّر بين الرد وبين الأرش، والذي فهم منكم من قرأ في باب الخيار أنه يُخيَّر إذا وجد العيب، يُخيَّر بين إمضاء البيع مجانًا، أو إمضائِه بالأرش، أو ردِّه.
أليس كذلك؟
هنا يقول المؤلف: (رده) فقط (إن جهل رده)، ولا يملك أخذ الأرش، لماذا؟ لأن أخْذ الأرش معاوَضة جديدة؛ إذ إن الأرش عِوَضٌ عن الجزء الفائت بالعيب.
واضح؟
إذن إذا اشترى وكيله معيبًا وهو لا يعلم بعيبه ثم وجد العيب، نقول الآن: لك الخيار بين أيش؟ بين الردِّ والإمضاءِ، لكن الإمضاء لا بد أن يرضى الموكِّل، لماذا لا نقول: لك الخيار بين الرد والإمضاء مع الأرش؟ لماذا لا نقول هذا؟ لأن الأرش معاوضة عن جزء فائت بالعيب، ولا يملك أن يعاوِض هو؛ لأنه ليس أصيلًا، بل هو وكيل فرْع، إلا إذا قال الموكل: لا بأس أن تأخذ الأرش.
مفهوم هذا يا جماعة؟
ولعلنا نمثل بالأرش والرد: هذا إنسان اشترى سيارة على أنها سليمة، اشتراها بأربعين ألفًا على أنها سليمة؛ ولما ذهب بها وجد أن بها عيبًا ينقص من قيمتها عشرة آلاف، كم تكون قيمتها في الواقع؟
طالب: ثلاثين ألفًا.
الشيخ: تكون ثلاثين ألفًا، نقول: أنت الآن بالخيار، إما أن ترد السيارة على البائع وتأخذ الأربعين، وإما أن تبقيها وتأخذ كم؟
طالب: عشرة.
الشيخ: عشرة عن العيب، هذا إذا كان الإنسان هو الذي اشترى بنفسه، أما الوكيل فقد عرفتم أنه لا يملك الأرش.
ومن ثم تبين لنا أن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن لا أرش وأنه يقال لمن اشترى المبيع المعيب: إما أن ترد، وإما أن تأخذه معيبًا، ولا أرش إلا برضا البائع.
انتوا فاهمين؟ ما فهمتم.
الآن رجل اشترى سيارة بأربعين ألفًا على أنها سليمة، وجد بها عيبًا ينقصها عشرة آلاف، نقول للذي اشترى السيارة: إن شئت رُدَّ السيارة وخذ دراهمك، وإن شئت خذها بلا أرش، يعني خذها بأربعين ولو كانت معيبة، الحق لك.
المذهب نقول شيئًا ثالثًا وهو: وإن شئت أبقيتها وأخذت الفرق، وهذا الفرق يسمى عند العلماء أرشًا.
واضح؟
شيخ الإسلام يقول: لا، الخيار الثالث هذا ليس لك؛ لأن الخيار الثالث في الحقيقة معاوضة، إذ إنك أنت الآن أخذت عوضًا عن الجزء الفائت، والبائع يقول: ما لك إلا هالسلعة، ما يمكن أنك تلزمني أن أخصم من ثمنها عشرة.
فشيخ الإسلام رحمه الله يرى أن الأرش لا يثبت للمشتري إلا إذا وافق على ذلك البائع، والبائع يقول للمشتري: إما خذ السلعة بعيبها وإلا ردها وخذ دراهمك، أما أن تلزمني بأن تخصم من الثمن، هذا لا يلزمني.
على كل حال -الآن فهمنا- إذا اشترى الوكيل ما يعلم عيبه، فإن رضي الموكل أيش؟
طالب: فلا شيء عليه.
الشيخ: فلا شيء عليه، وإن لم يرضَ لزم الوكيل، إذا اشترى ما لا يعلم عيبه فإن رضي الموكل بعد العلم صح ولا شيء عليه، وإن لم يرضَ أو علم الوكيل بالعيب قبل أن يُبَلِّغ الموكل فله الخيار بين الرد وبين الإمساك، ويضمن ولا أرش؛ لأن الأرش عبارة عن معاوضة عما فات بالعيب، والوكيل لا يملك ذلك.
طالب: شيخ بارك الله فيك، قلنا: إنه يضمن النقص إذا تصرف بغير إذن الموكل، فهل إذا تصرف فربح يعني كما لو كان باع بأكثر من ثمن المثل أو أكثر مما حُدد له، فلما لا ينتفع هو بالزيادة؟
الشيخ: لأن السلعة ما هي ملكه، السلعة ليست ملكًا له.
الطالب: هو اجتهد فباع بأكثر من..
الشيخ: ما يخالف، مَن هو له السلعة؟
الطالب: لصاحبها.
الشيخ: إذن هل بينه وبينك عقد مرابحة مضاربة؟ !
طالب: شيخ بارك الله فيكم، إذا كان الإذن بالوكالة عامًّا كمن يكون مثلًا أميرًا أو ذا تجارة في بلد أخرى، فيوكل موكله في جميع التصرفات، فهل له أن يأخذ بالأرش؟ نحن قلنا أن..
الشيخ: هذا سيأتينا إن شاء الله.
طالب: شيخ، (إن اشترى ما يعلم عيبه لزمه) (... ) من هذه الصورة إلى أن من اشترى بعين دراهم الموكل ما يصح البيع مطلقًا؟
الشيخ: على المذهب ما يصح البيع بشرط أن يقع العقد على عين النقود، وهذا شيء قليل الوقوع.
الطالب: (... ) النقد (... ).
الشيخ: لا ما يصير (... )، إذا قال: اشتريته منك بعشرة.
قال: طيب (... ) على العشر ما يصير هذا تعيينًا، التعيين أن يقول: اشتريتها منك بهذه العشرة التي بيدك، هذه ما تقع، ولا الناس يلقون لها بالًا.
طالب: قول المؤلف: (ولا ضرر) يشير إلى شراء (... ).
الشيخ: يشير إلى المسألتين الأخيرتين: إذا قال: بع بكذا مؤجلًا، أو اشتَرِ بكذا حالًّا.
الطالب: (... ).
الشيخ: أما المسألة الأولى إذا باع بأزيد لا ما يتضمن هذا.
الطالب: ما يتصور فيها (... )؟
الشيخ: لا.
الطالب: يأخذ الزيادة فقط (... )؟
الشيخ: إي، يأخذ الزيادة نعم.
الطالب: ولا يتصور فيها نقص.
الشيخ: أبدًا ما يتصور فيها نقص، وكما قلت لكم، إذا قال: أنا بعتك بعشرة (... ) بخمسة عشر، ويش يقول له؟
طالب: إن عيَّن شخصًا؟
الشيخ: لا، إذا عيَّن استثنينا هذا؛ لأنه إذا عيَّن الشخص قال: بعها لفلان بعشرة.
فله غرض في تنزيل الثمن.