الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 1106-1145

وهذا القول أصح الأقوال الثلاثة؛ أنه إن أراد بالحيوان اللحم فإنه لا يجوز؛ لأنه صار كأنه باع لحمًا بلحمٍ من غير تساوٍ، وإن أراد بالحيوان الانتفاع بغير الأكل فهذا لا بأس به، وهذا القول لا يعارض حديث النهي عن بيع اللحم بالحيوان (6)؛ لأنه يمكن أن يُحْمَل الحديث على ما إذا أراد الإنسان بالحيوان أيش؟ اللحم.
وهل يمكن أن يريد باللحم الحيوان؟ طالب: لا.
طالب آخر: مستحيل.
الشيخ: أن يريد باللحم الحيوان، ممكن؟ طلبة: لا.
الشيخ: لأن هذا اللحم لا يمكن أن يعود حيوانًا، لكن أن يريد بالحيوان اللحم ممكن، يذبحه ويأكل اللحم، فهذا الحديث إذا صح فإنه يُحمَل عما إذا أراد الإنسان بالحيوان اللحم.
وهذا القول هو أعدل الأقوال وأصح الأقوال.
قال المؤلف: (ويصح بغير جنسه) مثل: أن يبيع لحم ضأنٍ ببقرة؛ لأن اختلاف الجنس يدخل في قوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (7). إذا باع لحمًا مأكولًا بحمار، يجوز أو لا يجوز؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: لماذا؟ لاختلاف الجنس، واختلاف المقاصد أيضًا.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبٍّ بِدَقِيقِهِ) ولو تساويَا وزنًا.
إنسان عنده صاع من البُرِّ باعه بصاع من دقيق البُرّ فإنه لا يجوز، لماذا؟ لعدم التساوي.
فإذا قال: أنا أزيد على الدقيق بمقدار ما يبلغ وزن الحب؟ قلنا: لا يجوز أيضًا؛ لأن المعتبَر فيه معيار أيش؟ الكيل؛ الحب والدقيق المعتبَر فيه في المعيار هو الكيل، فلا يصح.
لو باع شعيرًا حَبًّا بدقيقٍ بُرًّا، يجوز ولَّا لا؟ الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟ لاختلاف الجنس، ولهذا يجوز أن يبيع صاعًا من البُرِّ بصاعين من الشعير.
قال رحمه الله: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبٍّ بِدَقِيقِهِ ولا سَوِيقِه).

الفرق بين الدقيق والسَّوِيق أن الدقيق يُطْحَن الحبُّ بدون أن يُحَمَّص، أي: بدون أن يُحْمَس على النار، والسَّوِيق يُحَمَّص، يعني يُشْوَى على النار ثم يُطْحَن، فإذا امتنع أن يُبَاع الحَبّ بالدقيق غير المحمَّص فامتناع بيعه بالدقيق المحمّص من باب أولى.
(ولا نَيِّه بمطبوخه)، أيضًا لا يجوز أن يباع النَّي بالمطبوخ، فإنسان عنده كيلو من اللحم النَّي أراد أن يبيعه بكيلو من اللحم المطبوخ، أيجوز؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؟ ما الذي قلتُ؟ الطالب: أن الإنسان عنده لحم مطبوخ لا يجوز أن يبيعه بالنَّيئ.
الشيخ: بالنَّيّ إذا كان من جنسه طبعًا؛ لأن الطبخ يؤثِّر في الوزن؛ إذ إنه يدخله أشياء من الماء فيؤثِّر، فلذلك لا يصح النَّيّ بالمطبوخ.
(وأصله بعصيره)، لا يُبَاع الأصل بالعصير، مثاله: زيتون وزيت زيتون، لا يجوز أن يباع الأصل بالعصير؛ لتعذر أيش؟ لتعذُّر التساوي.
(وخالصه بمشُوبه)، أيضًا لا يُبَاع الجنس الرِّبَوِيّ بجنسه إذا كان مخلوطًا.
مثال ذلك: باع صاعًا من البُرّ بصاعٍ من البُرّ لكن فيه شعير، فهل يجوز؟ لا، لماذا؟ لعدم التساوي؛ لأن المشوب ليس كالمخلوط، إلا إذا كان الخِلْط يسيرًا غير مقصود، كما لو كان مِلْحًا في طعامٍ، فإن ذلك لا يضر ولا يؤثر؛ لأن هذا الخِلْط يسيرٌ تابع يُقْصَد به إصلاح المخلوط به.
(... ) طالب: شيخ، ذكرتم قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه إذا خرج فرع الجنس عن كونه قوتًا ثم.. ما فهمت؟ الشيخ: مثل لو فُرِضَ أن هذا الطعم الربوي، لو فُرِض أنه اعتُصِر وصار هذا العصير لا يقتاته الناس، لكن هم يأتون به مع الأكل من باب التكميل، فهذا ليس بقوت.
الطالب: ولا يكون ربويًّا؟ الشيخ: ولا يكون ربويًّا على ما اختاره رحمه الله، أما إذا كان يُقتات فإنه يكون جنسًا مستقلًّا.
طالب: لكن ضربتم المثال بالخبز يا شيخ.
الشيخ: الخبز ربما يكون قوتًا في بعض الجهات، يُيَبَّس.
الطالب: عندنا قوت.

الشيخ: لكن يُيَبَّس ويبقى؟ طالب: لا.
طالب آخر: إي نعم.
الشيخ: إي، في بعض البلاد، نعم يمكن يكون، لكن مثل الشوربة، الشوربة إن لم تأت بوقتها راحت عليها.
طالب: الأصل في هذه الأشياء، الأصل في المبيعات ومعاملات الناس (... ). الشيخ: نعم؟ الطالب: أقول: ما الدليل على هذا القياس على الأشياء الستة التي هي حكم الربا؟ الشيخ: يعني أنت ترى أنه لا يجري البيع إلا في الستة فقط؟ طالب: ما نُص عليه.
الشيخ: إي، ما نُصَّ عليه، هو على كُلِّ حال سبق لنا أن بعض العلماء قال بذلك، حتى الذين يأخذون بالقياس قالوا بذلك، الظاهرية واضح أنهم لا يرون أن الربا يجري في غير هذه الأشياء الستة، لكن حتى القياسيون بعضهم قال: لا يجري الربا إلا في هذه الأشياء الستة، لكن الاحتياط ما ذكره، يعني ما مشى عليه المؤلف وأمثاله.
طالب: حياك الله، الواقع الآن في الصوامع اللي (... ) فيها التمر والبُرّ والشعير، الواقع أنه يوزن وزنًا.
الشيخ: أيش؟ طالب: أقول: الواقع الآن في الصوامع أنها توزن وزنًا البُرُّ والشعير.
الشيخ: إي، ما فيه بأس.
الطالب: وكذلك التمر.
الشيخ: لا بأس؛ لأنها تباع الدراهم، ليست تباع بمثلها.
الطالب: لكن لو وزن البائعان غير نظام التعامل مع الصوامع؟ الشيخ: لو تبايعَا يعني تمرًا بتمر وزنًا فإنه لا يجوز، على المذهب لا بد أن يُكَال.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ما فائدة البيع بالأموال الربوية إذا تساوت وما اختلفت (... ) ما فائدة البيع؟ الشيخ: قد تكون تختلف باللون مثلًا، أو باللِّين بالملمس، أو بالرائحة، وإلا من المعلوم أنه ليس من المعقول أن نبيع صاعًا من البُرّ بصاع من البُرّ يتفقان في كُلِّ شيء.
الطالب: بالنسبة للذهب قيمته؟ الشيخ: الذهب أيضًا يختلف، تعرف أنه عندهم بعضه عيار كذا، وبعضه عيار كذا، فمن الناس من يرغب الخفيف، ومنهم من يرغب الثقيل.

على كُلِّ حال الحديث فيما إذا بِيعَ الشيء بجنسه، أما كيف يُبَاع فهذا يرجع إلى رغبات الناس.

طالب: بارك الله فيكم، الضأن والماعز هل جنس واحد، أو الماعز جنس والضأن جنس؟ الشيخ: ما تقول في رجل ضَحَّى بخروف له ستة أشهر، وآخر بعَنْزٍ لها ستة أشهر، أيهما يجزئ في الأضحية؟ الطالب: الخروف لا شك الذي له ستة أشهر.
الشيخ: الأول؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إذن هل هما جنس أو جنسان؟ الطالب: لا، جنسان.
الشيخ: هذا هو.
الطالب: ما ذكرتموه أشكل عليَّ يا شيخ.
الشيخ: ما مثَّلْنَا بالمعز.
طالب: شيخ، تكلمنا عن مشوب تساوى في الجنس مع غيره، فهل نقول: إن الذهب يختلف بهذا الاختلاف؛ لأن عيار 18 مثلًا فيه زيادة من هذا المشوب أكثر من عيار 21.
الشيخ: هذه من الأشياء اليسيرة التي للمصلحة، لا بأس بها.
طالب: بالنسبة لبيع اللحم بالحيوان.
(... ) الشيخ: أهل البحرين، الآن يبدأ الدرس إن شاء الله.
على اقتراح السؤال منك على ها الحال، أنت قلت: هذا السؤال محل اقتراح، يعني ظننت أنه منك.
طالب: ما اتضح (... ). الشيخ: أما قلت لك: إن أكل نِيًّا ذكر العلماء أنه مكروه إلا لمن اعتاده.
الطالب: هذا فيما إذا كان (... ). الشيخ: كيف؟ الكبد من أحسن ما يكون، ولو نِيَّة حتى بعد إذا أَكَلْتَها نِيَّة لها طعم طيب، ولا سيما البعير البِكْر.
الطالب: (... ). الشيخ: لأنها قطعة دم، ومثلها أيضًا كلُّ ما يبقى في اللحم والعروق فإنه طاهر وحلال.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.

قال رحمه الله تعالى: وَيَجُوزُ بَيْعُ دَقِيقِهِ بِدَقِيقِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النُّعُومَةِ، ومَطْبُوخِهِ بِمَطْبُوخِهِ، وَخُبْزِهِ بِخُبزِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النّشَافِ، وَعَصِيرِهِ بِعَصِيرِهِ، وَرَطْبِهِ بِرَطْبِهِ، وَلَا يُبَاعُ رِبَوِيٌّ بِجِنْسِهِ وَمَعَهُ أوْ مَعَهُمَا مِن غَيْرِ جِنْسِهِمَا، ولا تمرٌ بلا نَوى بما فيه نوى، ويباعُ النَّوى بتمرٍ فيه نَوى، ولبنٌ وَصُوفٌ بشاةٍ ذاتِ لبنٍ وصوفٍ، ومَرَدُّ الكيلِ لعُرْفِ المدينةِ، والوزنِ لعُرْفِ مكةَ زَمَنَ النبي صلى الله عليه وسلم، وما لا عُرْفَ له هناك اعتُبِر عُرْفُه في موضعه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإننا نسأل عن القواعد في الربا؛ لأن القواعد هي التي ترسخ في الذهن، وأما المسائل الفردية فهي عبارة عن تطبيق، فنقول: ما هي القاعدة فيما إذا بِيعَ الربوي بجنسه؟ طالب: إذا بِيعَ ربوي بجنسه اشتُرِطَ فيه شرطان.
الشيخ: اشترط فيه شرطان، الشرط الأول؟ الطالب: التساوي بالمعيار الشرعي.
الشيخ: نعم، والشرط الثاني الحلول والتقابُض.
لو تساوى المكيلان وزنًا، هل يصح البيع؟ طالب: ما يصح البيع، لا بد أن (... ) كيلًا بكيل.
الشيخ: هذا معنى قولنا: بالمعيار الشرعي، إذن لا يُبَاع مكيل بجنسه وزنًا، بل لا بد أن يكون كيلًا.
لو تساوى الموزون بجنسه كيلًا؟ طالب: لا يصح البيع.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: (... ) المعيار الشرعي.
الشيخ: لا بد أن يكون التساوي بالمعيار الشرعي.
إذا بِيعَ جملٌ بثَوْر؟ طالب: ليس ربويًّا؛ لأنه ليس من جنسه.
الشيخ: شاةٌ بشاة؟ الطالب: يجوز بشرط التقابض.
الشيخ: والتساوي.
الطالب: التساوي غير (... ). الشيخ: ليش؟ وزن.
طالب: يجوز يا شيخ، لا يُشْتَرَط فيه التساوي.
الشيخ: والتقابض؟ الطالب: ولا التقابض.

الشيخ: ولا التقابض؟ الجنس واحد، شاة بشاة.
الطالب: لا يجري فيه الربا يا شيخ.
الشيخ: لا يجري فيه الربا، نريد دليلًا وتعليلًا على هذه المسألة؟ طالب: الدليل حديث ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يُجَهِّز جيشًا، قال: فَنَفدت الْإِبِلُ، فأمرني آخذ على (... ) صَدَقَة.
قال: فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إِبِلِ الصَّدَقَةِ (8). الشيخ: نعم، والبعيرين بالثلاثة إذا أُرِيدَ الصدقة، هذا الدليل، التعليل؟ طالب: التعليل أنه ليس بمطعومٍ ولا.. الشيخ: ليس بربوي.
الطالب: نعم، ليس بربوي.
الشيخ: تمام، إذن بِيعَ شيءٌ بشيء وليس بربويٍّ فإنه لا يُشْتَرَط فيه لا تقابُض ولا تساوٍ.
حديدٌ برصاص، ويش اللي يجوز متفاضلًا أو متساويًا أو قبْض أو غير قبْض؟ طالب: يجوز متفاضلًا ويجوز (... ). الشيخ: يجوز متفاضلًا، يعني رطلًا برطلين، ويجوز التفرق قبل القبض، لماذا؟ يعني أنت الآن نفيت عنه الربا؛ ربا الفضل وربا النسيئة، فلماذا؟ الطالب: لأنه (... ). الشيخ: يعني لا يجري في الربا.
طالب: يجوز فيه التفاضل ولا يجوز التفرق.
الشيخ: يجوز فيه التفاضل ولا يجوز فيه التفرق قبل القبض، لماذا؟ الطالب: أما التفاضل فلاختلاف الجنس.
الشيخ: نعم، أما جواز التفاضل فلاختلاف الجنس.
الطالب: وأما عدم جواز التفرق لوجود العلة علة الربا.
الشيخ: فلاتفاقهما في الوزن، وهي علة الربا، هل بنيت كلامك أو جوابك الأول على أصل، أو هي رمية من غير رامٍ؟ الطالب: على أصل.
الشيخ: ما هو الأصل عندك؟ الطالب: (... ). الشيخ: يعني ولا رأيت أحدًا من العلماء يقول كما قال الأخ؟ من؟ طالب: (... ). الشيخ: مَن الذين قالوا بأنه يجري الربا في الحديد والرصاص والصُّفر وما أشبه ذلك؟ الطالب: بعض الذين يقيسون من أهل القياس، لكن الذين يقولون بعدمه.. الشيخ: إي نعم، بعدم الربا في هذه الأشياء، واللي يقولون بالربا؟ الطالب: بعض الجمهور، وبعضهم يقول: لا.

الشيخ: بعض الجمهور! ! العبارة هذه غريبة، ما هو رأي صاحب متن الزاد.
الطالب: ربا.
الشيخ: أنه يجري فيها الربا، أحسنت، إذن صار الجواب مبنيًّا على أصل.
على كُلِّ حال الجواب: إذا بِيعَ حديد برصاص فإن قلنا بأن الربا لا يجري فيه، جاز فيه أيش؟ التفاضل والتفرق بالقبض، وإن قلنا: يجري فيه الربا، جاز فيه التفاضل لاختلاف الجنس، ولم يَجْرِ التفرق قبل القبض؛ لاتحادهما في علة الربا وهي الوزن، والصحيح -كما قلنا لكم- أنه لا يجري فيه الربا؛ إذ لا يجري الربا إلا في الذهب والفضة فقط، وأما بقية الموزونات من حديد ورصاص وغيرها فلا يجري فيها الربا.


الآن نأخذ مسائل تعتبر فرعًا على ما سبق، يقول رحمه الله تعالى: (ولا يجوز بيع حَبٍّ بدقيقه).
يعني حَب بُرّ بدقيق بُرّ لا يجوز؛ لتعذُّر التساوي؛ لأن الحب بالطَّحن تنتشر أجزاؤه، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز ولو وزنًا.
وقال بعض العلماء: إنه يجوز وزنًا؛ لأن الحب وإن انتشر بالطحن فإنه يمكن التساوي، بماذا؟ بالوزن، وهذا كما قالوا فيما إذا جُبِّن التمر، يعني صار تمرًا مرصوصًا يتعذر كيلُه فإنه يُعْتَبَر بالوزن، وإن كان لا ينتقل عن كونه مكيلًا في الأصل لكنه يُعْتَبَر بالوزن.
كذلك لا يباع حبٌّ بسَوِيقه، الحب بالسَّوِيق، والسَّوِيق هو الحَب المحمَّص، يعني المحموس، ثم يُطْحَن، فلا يجوز بيع الحب بالسَّوِيق؛ لأن فيه شيئين: الأول: تفرُّق الأجزاء بالطحن.
والثاني: اختلافها بالتحميص، فهي أشد من بيع الحب بالدقيق.
ولا يُبَاع أيضًا نِيُّه بمطبوخه، مثل حنطة بهريسة، تعرفون الهريسة؟ معروفة، فلا يجوز أن يباع الْحَبّ بالهريسة.
طالب: غير معروفة.
الشيخ: الهريسة، هل تعرفون الْجَرِيش؟ معروف، ما بقي إلا أن يؤتَى به هنا وتأكلونه! ! طالب: غير معروف.
الشيخ: غير معروف أيضًا؟ لا هريسة ولا جريش؟

نقوله باللفظ: هو عبارة عن الحَب يُطْحَن طحنًا ليس دقيقًا بحيث يتكَسَّر ويكون أجزاء، ثم بعد ذلك يُطْبَخ على مَرَق من لحم أو غيره فيسمى جَرِيشًا، ويسمى هريسة، أحيانًا يُجْعَل فيه شيءٌ من الحلوى سكر أو نحوه حتى يكون له حلاوة.
المهم أن النِّيّ بالمطبوخ لا يجوز، لماذا؟ لتعذُّر التساوي.
لو بعنا حب شعير بهريسة الحنطة؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟ الطلبة: لاختلاف الجنس.
الشيخ: لاختلاف الجنس، بارك الله فيكم.
ولا يباع (أصلُه بعصيره)، الأصل لا يباع بالعصير، كما لو كان إنسان عنده زيتون وزيت، الزيت من الزيتون، فباع زيتونًا، رطلًا من زيتون أو أكثر أو أقل برطلٍ من زيت، فإنه لا يصح، ومثله أن يبيع تمرًا بدِبْس، تعرفون الدِّبْس؟ الماء الذي يخرج من التمر، فإنه لا يجوز، وذلك لتعذُّر أيش؟ لتعذُّر التساوي.
(وأصله بعصيره وخالصه بمشوبه)، الخالص هو الذي ليس معه خِلْط، والمشوب هو الذي خُلِط معه غيره، لماذا؟ لتعذر التساوي.
رجل عنده صاعٌ من البُرِّ الخالص، وآخر عنده صاع من البُرّ المخلوط بشعير، فلا يجوز أن يُبَاع هذا بهذا لتعذُّر التساوي، إلا أنه يُسْتَثْنَى من ذلك الخِلْط اليسير، أو ما كان لإصلاح المخلوط.
الخِلْط اليسير لا تكاد تجد بُرًّا خالصًا ليس فيه حبة شعير، قد يكون فيه حبة أو حبتان أو أكثر فهذا لا يضر؛ لأنه يسير تابع.
وكذلك ما يكون لإصلاحه كما لو بعنا خبزًا من البُرّ بخبزٍ من البُرّ أحدهما قد جُعِل فيه حلوى، ولكن بِعناهما متساويين فلا بأس، أو أحدهما فيه ملح فلا بأس، فصار يُسْتَثْنَى من ذلك الشيء اليسير، والشيء الذي خُلِط للإصلاح فإنه يُسْتَثْنَى من قوله: (خالصه بمشوبه).
ولا يباع (رطبه بيابسه).
(رطبه) الضمير يعود على؟ طالب: الدقيق.

الشيخ: لا، على الربوي، يعني: ولا يُبَاع رطبُ الربوي بيابسه، مثل أن يبيع رُطَبًا بتمر، التمر يابس والرُّطَبُ رَطْبٌ، فلا يجوز، حتى وإن تساويَا وزنًا؛ لأن الرُّطب أثقل من التمر، والذي أثقله من غير جنسه، فيكون مُحَرَّمًا، لكنه يُسْتَثْنَى من ذلك العرايَا.
والعرايا هي أن يكون عند إنسان تمر من العام الماضي، وجاء الرُّطب هذا العام، وأراد أن يَتَفَكَّه بالرُّطب، لكنه ليس عنده دراهم، ليس عنده إلا أيش؟ تمر يابس من العام الماضي، فهنا رَخَّص الشرع بجواز شراء الرُّطَب بالتمر، وسُمِّيَت عرايا لعُرُوِّها عن الثمن، فيأتي هذا الرجل الفقير الذي عنده تمر من العام الماضي إلى صاحب البستان، ويقول: بِعني ثمر هذه النخلة الذي هو الآن رُطَب بالتمر، فهذا جائز؛ لدعاء الحاجة إليه، فإن هذا الفقير يريد أن يتفكه كما يتفكه الناس، وليس عنده دراهم، فيجوز أن يشتري الرُّطب على رؤوس النخل بماذا؟ بالتمر، لكن بشروط: الشرط الأول: ألَّا يجد ما يشتري به سوى هذا التمر، فإن وَجد ما يشتري به سوى التمر، كالدراهم والثياب والحيوان، وما أشبه ذلك، فإنه لا يجوز أن يشتري رُطَبًا بتَمر.
هذا الفقير عنده الآن تمر وعنده ثياب للبيع، فهل يجوز أن يشتري الرُّطب بالتمر مع إمكان شرائه بالثياب؟ لا؛ لأنه لا حاجة.
الشرط الثاني: أن تكون من خمسة أوسُق فأقل، والوَسق ستون صاعًا، فتكون خمسة الأوسق ثلاث مئة صاع.
والشرط الثالث: أن يكون مآل هذا الرُّطَب بقدر التمر، يعني أن يأتي الخَرَّاص الماهر العارف ويقول: هذا الرُّطَب إذا جَفَّ يكون مساويًا للتمر الذي اشتُرِيَ به.
فإن قال: إن الرُّطَب إذا جف سيكون أكثر من هذا التمر أو أقل، فإنه لا يجوز، لا بد أن يكون مساويًا، وهنا اكتُفِيَ بالمساواة خَرْصًا من أجل دفع حاجة الفقير.

الشرط الرابع: أن يكون محتاجًا للرُّطَب، بمعنى أنه يريد أن يأكله، لا يريد أن يُبقيه إلى أن يُتْمِر؛ لأنه قد يقول: أنا أريد أن أشتري الرُّطَب وأبقيه حتى يكون تمرًا؛ ليكون هذا التمر تمر هذا العام وهو أجَدُّ من تمر العام الماضي، يعني أنه جديد، فنقول: لا، لا بد أن تكون محتاجًا للرطب فتأكله.
ولهذا قال العلماء: لو أنه اشترى عَرِيَّة رُطبًا ثم أتمرت بطل البيع؛ لأن الشرط الذي من أجله جاز هذا فُقِدَ.
كم هذه الشروط؟ أربعة شروط.
الخامس: أن يكون الرُّطَب على رؤوس النخل، فإن كانت في أوانٍ، بمعنى أن صاحب البستان خَرَف النخل، وجعله في أوانٍ وعرضه للبيع، فجاء إنسان فقير، قال: أنا ليس معي دراهم، لكن عندي تمر، اخْرِص هذا الإناء من الرُّطَب وأعطيك بمثل خَرْصِه تمرًا، فهذا لا يجوز؛ لأنه يفوت التَّفَكُّه؛ لأن كونه على رؤوس النخل يَتفكه به الإنسان شيئًا فشيئًا.
فهذه خمسة شروط للعرايا.
فإن قال قائل: كيف جازت العرايا وهي حرام من أجل الحاجة دون الضرورة، والقاعدة أن الْمُحَرَّم لا يجوز إلا للضرورة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119]؟ فهذا إيراد جيد لا شك فيه.
الجواب: أن نرُده بالقاعدة المعروفة عند العلماء، وهو أن ما حُرِّم تحريم الوسائل جاز للحاجة؛ لأن المحرَّمات نوعان: محرَّمات تحريمَ غاية لذاتها، ومحرَّمات تحريم وسيلة.
ربا الفضل، هل تحريمه تحريم غاية أو تحريم وسيلة؟ يقول العلماء: إنه تحريم وسيلة، ويستدلون لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» (9)، وهذه الجملة جملة حصر، كأنه قال: لا ربا إلا في النسيئة، فيقال: المراد بهذا الربا الربا الذي هو الغاية، أما ربا الوسيلة فموجود في التفاضل إذا بِيعَ الشيء الربوي بجنسه.

إذن اندفع هذا الإيراد بأن تحريم ربا الفضل تحريمُ وسائل، وما كان تحريم وسائل فإنه يجوز للحاجة، هذا مثال.
مثال آخر: الحرير، الحرير حرام على الذكور، ويجوز أن يلبسه الإنسان للحِكَّة، إذا كان في الإنسان حِكَّة؛ التهاب في جسده، جاز أن يلبسه ليخفف هذه الحِكَّة، مع أن هذه ما هي ضرورة، لكن جاز؛ لأن أصل تحريم الحرير على الذكور أنه غير لائق بهم، وأنه وسيلة إلى أن يكون الإنسان الذكر الذي فضَّله الله بالرجولة بمنزلة مَنْ؟ بمنزلة الأنثى التي تُنَشَّأ في الحِلْيَة، ولهذا حُرِّمَ الذهب والحرير على الذكور.
مثال ثالث: آنية الفضة حرام، فإذا كان عند إنسان إناء من غير الفضة وانكسر، وأراد أن يلمّ بعضه إلى بعض بسلسلة من فضة فهذا جائز، مع أنه سوف يستعمل هذا الإناء وفيه شيء من الفضة، لكن يقال: يجوز للحاجة مع أنه في الأصل حرام؛ لأنه حُرِّم تحريم الوسائل؛ إذ إن الذهب والفضة استعمالهما في الأواني يؤدي إلى الفخر والخيلاء والاستكبار والتعاظم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» (10). والخلاصة الآن: إن قول المؤلف: (لا يجوز بيع رطبه بيابسه) تُسْتَثْنَى منه العرايا، وهي بيع الرُّطَب على رؤوس النخل بالتمر بالشروط التي سمعتموها.
فإن قال قائل: حاجة المشتري واضحة، يعني مُشْتَرٍ محتاج إلى رُطب فيشتري، لكن لو كان البائع محتاجًا لتمر وليس عنده مال إلا ما في رؤوس النخل من الرُّطَب، فهل يجوز أو لا؟ فاهمين الفرق بين الصورتين أو لا؟ الفرق بين الصورتين واضح، في العرايا التي ورد بها الحديث يكون المشتري هو المحتاج، محتاج لأيش؟ للرُّطَب.
أقول: الآن إذا كان صاحب الرُّطَب هو المحتاج للتمر، فهل يجوز أن ندفع حاجته إذا لم يكن عنده دراهم، ونقول: لا بأس أن تشتري تمرًا برُطَب بالشروط التي ذكرناها؟

قال بعض العلماء: لا يجوز؛ لأن هذه الصورة مُسْتَثْنَاة، والمستثنى لا يُقَاس عليه غيره.
وقال بعض أهل العلم: إنه يصح القياس؛ لأن المقصود دفع الحاجة.
والأقرب عندي صحة ذلك، أنه لو كانت الحاجة لصاحب الرُّطَب فلا بأس؛ إذ إن المقصود دفع حاجة الإنسان فلا فرق بين كونه هو البائع أو المشتري.
فإن قال قائل: وهل تجوز العرايا في غير النخل؟ كإنسان عنده زبيب وأراد أن يشتري به عنبًا يَتَفَكَّه به، فهل يجوز أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنه يجوز، قياسًا على التمر، والزبيب طعام كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال في زكاة الفطر: وكان طعامنا يومئذ التمر والشعير والزبيب والأقط (11). فهو طعام.
فإذا احتاج الإنسان إلى عنب وليس عنده إلا زبيب فلا بأس بالشروط التي ذكرنا في العَرِيَّة، وهذا أيضًا أقرب إلى الصواب من المنع؛ لأن العلة التي من أجلها رُخِّص في عرايا النخل موجودة في عرايا أيش؟ العنب، وهكذا ما كان مثله مما يحتاج الناس إلى التفكه به وليس عندهم مال.
الدليل على منع بيع الرُّطَب بالتمر.. ويَجوزُ بَيعُ دَقيقِه بدَقيقِه إذا اسْتَوَيَا في النُّعومةِ ومَطبوخِه بِمَطبوخِه وخُبْزِه بخُبْزِه إذا اسْتَوَيَا في النشافِ، وعصيرِه بعصيرِه ورَطْبِه برَطْبِه، ولا يُباعُ ربَوِيٌّ بجِنْسِه ومعَه أو معَهما من غيرِ جِنْسِهما، ولا تَمْرٌ بلا نَوًى بما فيه نَوًى، ويُباعُ النَّوَى بتَمْرٍ فيه نَوًى، ولَبَنٌ وصُوفٌ بشَاةٍ ذاتِ لَبَنٍ وصُوفٍ، ومَرَدُّ الكَيْلِ لعُرْفِ المدينةِ والوزْنِ لعُرْفِ مَكَّةَ زَمَنَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وما لا عُرْفَ له هناك اعْتُبِرَ عُرْفُه في مَوْضِعِه.
(فصلٌ)

ويَحْرُمُ رِبا النَّسِيئَةِ في بيعِ كلِّ جِنسينِ اتَّفَقا في عِلَّةِ رِبَا الفضلِ ليس أحدُهما نَقْدًا كالْمَكِيلَيْنِ والْمَوْزونَيْنِ، وإن تَفَرَّقَا قبلَ القبْضِ بَطَلَ، وإن باعَ مَكيلًا بِمَوزونٍ جازَ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ، والنَّسَاء وما لا كَيلَ فيه ولا وَزنَ كالثيابِ والحيوانِ يَجوزُ فيه النَّسَاء، ولا يَجوزُ بيعُ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ.
التي من أجلها رُخِّصَ في عرايا النخل موجودة في عرايا أيش؟ العنب، وهكذا ما كان مثله مما يحتاج الناس للتَّفَكُّه به وليس عندهم مال.
الدليل على منع بيع الرطب بالتمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن بيع الرطب بالتمر فقال: «أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟ »، قالوا: نعم، فنهى عن ذلك (1)، سُئِلَ عن بيع الرطب بالتمر، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يكون السائل مقتنعًا تمامًا، فقال: «أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟ »، ما هو الذي ينقص؟ الرطب، قالوا: نعم، فنهى عن ذلك؛ عن بيع الرطب بالتمر.
أما التعليل فلأن بيع الرطب بالتمر يفقد شرطًا من الشروط؛ وهو التساوي.


قال: (ويجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويَا في النعومة)، مثل أن يكون الطاحون الذي طحن الحب طاحونًا واحدًا، ووزنه وزن واحد، فأبيع عليك دقيقًا من الحنطة بدقيق مِن؟ طالب: (... ). الشيخ: لا، من الحنطة هذا غالبًا ما يكون هذا، لكن بدقيق من القيمي.
طالب: (... ). الشيخ: معناه لازم نجيب كل الدنيا عندنا هنا، القيمي نوع من حب البُرّ، نوع ما هو جنس، فيجوز بشرط أن يستويَا في النعومة.
وإن اختلفَا في النعومة بأن كان أحدهما ناعمًا جدًّا، والثاني دون ذلك؟ الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه كُلَّما كان أنعم كان انتشار الحب أكثر، فلا يمكن التساوي، لكن كما قلنا أولًا: لو وُزِنَا فكانَا سواءً فلا بأس.
قال المؤلف: (ولا مطبوخِه بمطبوخه).
طالب: (... ).

الشيخ: لا، هو معطوف على ما سبق، يعني: وكذلك لا يجوز بيع مطبوخه بمطبوخه؛ لأن الطبخ يختلف.
طالب: (... ). الشيخ: لا، سبحان الله! ويجوز إني أنا ذهبت إلى معنى آخر.
(ويجوز بيع مطبوخه بمطبوخه وخبزه بخبزه إذا استويَا في النَّشَاف).
(مطبوخه بمطبوخه) كسمن بقر بسمن بقر طُبخَا، فيجوز بيع هذا بهذا؛ لأنه لا اختلاف بينهما.
وكذلك يقال في الخبز بالخبز إذا استويَا في النَّشَاف، لكن الخبز بالخبز كيف نَكِيله؟ طالب: (... ). الشيخ: بأن نطوي الخبز ونحطه في الإناء؟ يقولون: إن اعتبار المساواة في الخبز بالوزن؛ لتعذُّر الكيل، ولكن هل إذا قلنا: إنه يعتبر بالوزن، هل يخرج عن كونه مكيلًا؟ لا، انتبهوا لهذا؛ لأن هنا عدَلنا عن المعيار الأصلي وهو الكيل إلى الوزن للضرورة، لكن ليس معنى ذلك أن هذا الخبز ينتقل إلى كونه موزونًا.
لو قلنا: ينتقل إلى كونه من الموزونات، نقول: لو قلنا بذلك لجاز أن يُبَاع الخبز بحَبِّه مع التفاضل، ولجاز بيعُه –أيضًا- بِحَبِّه مع التفرق؛ لأن بيع المكيل بالموزون لا يُشْتَرَط فيه التساوي، ولا يُشْتَرَط فيه التقابض، ولهذا يغلط بعض الناس إذا رأى الفقهاء -رحمهم الله- قالوا: إنه يعتبر بالوزن في هذا، أو بالتمر إذا جُبِّن، يظنون أنه ينتقل من كونه مكيلًا إلى كونه موزونًا، ولكن هذا غلط؛ هو باقٍ على كونه مكيلًا، لكن يُعْتَبَر بالوزن للضرورة؛ لعدم إمكان كيله.
إذا بِعنا مكيلًا بموزون هل يُشْتَرَط فيه التساوي؟ طلبة: لا، ما يشترط.
الشيخ: هل يُشْتَرط فيه التقابض؟ الطلبة: لا.

الشيخ: إذا قلنا: إن الخبز يُعْتَبَر التساوي فيه بالوزن، وقلنا: إنه انتقل من كونه مكيلًا إلى كونه موزونًا، أي: جنس الموزون، لزم من ذلك أنه يجوز أن أبيع مئة خبزة بعشرة أصواع من البُرّ ولو لم نعلم التساوي، أليس كذلك؟ لأن بيع المكيل بالموزون لا يُشْتَرَط فيه التماثل، وكذلك يجوز أن أبيع هذا الخبز بالبُرّ وإن لم يحصل القبض، وهذا غلط، بل نقول: لا بد من التقابض في مجلس العقد، ولا يجوز بيع الخبز بالحَب؛ لعدم إمكان التساوي.
تعرفون التمر إذا جُبِّن؟ فيه تمر الآن من العام الماضي يوجد في التَّنَك.
طالب: (... ). الشيخ: إي، الكنيز، بعد يقولون: ما نعرف ويش معنى كنيز؟ لكن تمر في التَّنَك، هذا يسمى مُجَبَّنًا، تمر آخر مُفْرَد، كُلُّ تمرة وحدها، هذا الأخير يمكن كيله أو لا يمكن؟ يمكن كيله؛ لأنه حَبّ متناثر يمكن كيله، الذي في التنك لا يمكن كيله، فهل نقول في هذه الحال: لما كان لا يمكن كيلُه انتقل من كونه مكيلًا إلى كونه موزونًا، وبناءً على ذلك يجوز أن أبيع تمرًا مكنوزًا بتمر غير مكنوز وإن اختلفا، ويجوز أيضًا أن أبيعه به وإن تفرق قبل القبض؟ الجواب: لا، لا نقول بهذا؛ لأن معنى قولهم: إنه ينتقل للوزن، إنما يقصدون به أيش؟ تقديره بالوزن فقط، لا أنه ينتقل إلى كونه موزونًا، فهذه مسألة يجب التنبه لها لئلا يحصل خطأ.
طالب: يا شيخ، لو صارت حاجة لبيع الرطب، هل يشترط كونها على رؤوس النخل؟ الشيخ: إلَّا.
الطالب: إذا كان محتاجًا لبيع الرطب.
الشيخ: يعني المحتاج لبيع التمر.
الطالب: بيع الرطب.
الشيخ: صاحب الرطب يبغي تمرًا.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي.
الطالب: جائز ولَّا غير جائز؟ الشيخ: لا، نقول: بِعْها على رؤوس النخل.
الطالب: (... ) يتفكه ويقول: لازم على رؤوس النخل، ولكن هذا حاجته في (... ).

الشيخ: إي نعم، قد يقال: إنه قياس على الأول لئلا نتعدى ما جاء به النص؛ أنه لا بد أن يكون على رؤوس النخل لأجل أن يبقى لبائع التمر، خصوصًا إذا طلب شيئًا كثيرًا يمكن يتضرر به، وقد يقال: إنه ليس بشرط، إذا كان الشيء قليلًا مثلًا يساوي مثلًا ثلاثة كيلو يعني ما هو محتاج (... ) فقد يقال بالجواز؛ لأن فيه سعة للناس.
طالب: إذا قلنا بأن الْمُجَبَّن يقبل الوزن، وأردنا أن نبيع سطلًا بسطل، وعند الوزن لا يتحقق التساوي؛ لأن السطل يكون موزونًا مع التمر، هل يجب إخراج التمر من السطل؟ الشيخ: إي نعم، لا بد من هذا.
الطالب: ولو شرط؟ الشيخ: ولو شرط، وإلا يبيعه بدراهم ويشتري تمرًا آخر.
الطالب: يتفرق التمر.
الشيخ: يبيعه بدراهم، ويأخذ الدراهم ويشتريه.
طالب: شيخ، إذا احتاج صاحب الرطب تمرًا، هل نقول: إن حاجته غير معتبرة؛ لأنه يمكن أن يحوِّل هذا الرطب إلى تمر بالعرايا؟ الشيخ: لا، صحيح، لكن نقول: إن هذا صاحب الرطب اللي يحتاج إلى التمر ما هو منتظر، يريد التمر الآن، وهذه تقع أحيانًا فيما إذا كان عند الإنسان عمال، العمال إذا كان التمر مجبَّنًا فإنه أقل أكل، أما إذا كان رطبًا فالعامل كما تعرف عامل يمكن يأكل الرطب والإناء الذي معك، لكن إذا كان مُجَبَّنًا يمنعه بعض الشيء.
طالب: لو أن صاحب التمر عنده ما يشتري الرطب بغير التمر، ولكن البائع صاحب الرطب على النخل قال: لا أريد، يعني غير محتاج لهذا الشيء أصلًا.
الشيخ: معناه أن ذاك محتاج، إذا قال صاحب الرطب: أنا لا أقبل إلا تمرًا، ولا أريد الثياب ولا أريد شيئًا آخر صار محتاجًا.
طالب: ماذا يستفيد صاحب الرطب بالعرايا؟ الشيخ: صاحب الرطب؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: إذا كان المحتاج هو المشتري.
الطالب: إذا كان المحتاج هو المشتري، باع التمر ثم احتاجه، وصاحب الرطب هو البائع، ما يستفيد لو باع بنفس الوزن؟ الشيخ: يستفيد أنه يَتَفَكَّه مثل الناس، المشتري يريد أن يتفكه كما يتفكه الناس.

الطالب: البائع يا شيخ؟ الشيخ: البائع قد لا يستفيد شيئًا، لكن تكفي حاجة المشتري.
الطالب: البائع لا بد أن يستفيد وإلا لا يبيع.
الشيخ: مَنْ؟ الطالب: البائع.
الشيخ: المهم ربما أنه يريد قضاء حاجة صاحبه.
طالب: شيخ، إذا قلنا بأن القياس على الأربعة.
الشيخ: أي أربعة؟ الطالب: التمر والشعير والملح (... ) بالكيل والطعم، فلماذا خصصنا الحكم الراجح على الذهب والفضة ولم نقسها على (... )؟ الشيخ: لأن الذهب والفضة يُقْصَدان أكثر مما يُقْصَد غيرهما؛ حيث إنها هي النقد التي هي قيم الأشياء.
الطالب: ولا يقال: الماس أيضًا يا شيخ.
الشيخ: لا، لا، ما هو نقد، ليس بنقد، الناس يتبايعون ويجعلون الذهب والفضة قيم الأشياء.
الطالب: إذا كان في مجتمع نقد غير الذهب والفضة؟ الشيخ: لو فرضنا أنه غير الذهب والفضة فله حكمه.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، قلنا: إذا تعذَّر وزن العجين، اللي هو الخبز المعجون، فإنه يتعذر (... )، بعض المخابز ما توزن يا شيخ، يعني يبيعونها هكذا.
الشيخ: لكن يبيعونها بدراهم! الطالب: إي بدراهم يا شيخ، لكن ما.. الشيخ: ما يضر، الكلام إذا باع خبزة بخبزة.
الطالب: لكن هناك الوزن يختلف.
الشيخ: أقول: الكلام الآن إذا بِيعَت خبزة بخبزة.
الطالب: نعم، هذا معلوم يا شيخ.
الشيخ: أما لو بِعْتَ خبزة بدراهم، أو خبز شعير بخبز بُرّ ما فيه بأس.
الطالب: أنا ما أتكلم عن خبزة بخبزة، وزن الدقيق نفسه يختلف عن نوع وزن آخر.
الشيخ: هذا عاد يرجع إلى المسؤولين، المسؤولون يقدِّرون الأرغفة بقدر معلوم، يمكن بعض الخبازين أنه يغش أو ينقص.
طالب: هل يجوز بيع رطب برطب على رؤوس النخل خَرْصًا؟ الشيخ: لا، لا يجوز.
الطالب: جُبَاة الزكاة يخرصونه الآن على رؤوس النخل.
الشيخ: لا؛ لأنهم بيأخذون دراهم، الكلام على بيع الرطب بجنسه، أما إذا بالدراهم ما فيه إشكال.
الطالب: ولكن أليس أدق يا شيخ؟ الشيخ: نعم؟

الطالب: (... ) بالنسبة للزكاة أدق من بيعه بالنقد رطب إلى رطب؟ الشيخ: أصل الجباة ما هم بيروحوا يعطونكم تمرًا، بيأخذون دراهم، ما دام لوَّن النخل جاز بيعه؛ بالدراهم، بالثياب، بالحيوان، بالسيارات.
طالب: قلنا: إذا صار مُجَبَّنًا يجوز بيع تمر مجبن وزنًا، وإذا كان هناك مجبن وآخر غير مجبن، كيف يباع؟ الشيخ: ما يباع؛ لأن التمر غير المجبن معياره الكيل، وذاك معياره الوزن، فلا يمكن الاتفاق.
طالب: شيخ (... ) أقول فيه من جنس آخر (... ) من غير الجنس.
الشيخ: أصلًا التمر كله جنس واحد.
الطالب: الجنس يا شيخ ما له اعتبار؟ الشيخ: ما له اعتبار؛ لأنه (... ) ما هو مستقر.
طالب: بارك الله فيك، قلنا: إن الكبد والشحم والرئة (... ) أجناس، فيجوز فيها البيع، قلنا: إنها أجناس، وقد سبق معنا قول شيخ الإسلام: إنه ليس في الشريعة حيوان اختلفت أجناسه في الحكم.
الشيخ: هذه ما هي مختلفة في الحكم، كُلُّها حلال، كُلُّها يجري فيها الربا، لكن من جهة المبادلة اعتبروها أجناسًا.
طالب: (... ) ومعه عشرة أصواع من البُرّ، فقال له صاحب.. الشيخ: أنت تعرف المطحن عندنا؟ ما هو الطاحون، المطحن الزنبيل يُخْرَف به النخل.
الطالب: معه عشرة أصواع من البُرّ، فقال له صاحب المحل: عندي عشرة أصواع من الخبز، عندي عشرة أصواع مطحونة أحاسبك على حساب الطحن، وأعطيك إياها بالعشرة الأصواع هذه مع حساب الطحن.
الشيخ: ما يجوز، أصلًا إذا كان من جنسٍ واحد ما يجوز، أما إذا كان شعيرًا وبرًّا لا بأس.
الطالب: هذه من نفس الجنس.. الشيخ: لا، ما يجوز؛ لأن الحب ينتشر إذا طُحِن.
الطالب: لا، عشرة أصواع قبل الطحن، يعني عشرة أصواع بُرّ طحنها وهو على (... ) أنها عشرة أصواع، هذا الدقيق عشرة أصواع، فهل يجوز؟ الشيخ: لا، ذكرنا أنه يجوز إذا توازن، في الوزن فلا بأس.
طالب: في درس سابق قوله: (وخالصه بمشوبه) والخالص هو الذي معه خلط.
الشيخ: ليس معه خلط.
الطالب: إذن عندنا خطأ.

الشيخ: هذه من المطبوع؟ الطالب: إي نعم، صفحة 45 السطر الأول.
الشيخ: الذي ليس معه خلط.
طالب: خطأ أيضًا في صفحة 45 آخر الصفحة.
الشيخ: 45 آخر الصفحة، ما هو؟ الطالب: تكون خمسة الأوسق ثلاث من الصاع.
الشيخ: ثلاث مئة صاع، تكون خمسة الأوسق ثلاث مئة صاع.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يُبَاع رِبَويٌّ بجنسِه ومعه أو معهما من غير جنسِهما، ولا تمرٌ بلا نَوًى بما فيه نوًى، ويباعُ النَّوى بتمرٍ فيه نَوًى، ولبنٌ وصوفٌ بشاةٍ ذاتِ لبنٍ وصوفٍ، ومَرَدُّ الكيلِ لعُرْفِ المدينةِ، والوزنِ لعُرْفِ مكةَ زَمَنَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما لا عُرْفَ له هناك اعتُبِر عُرْفُه في موضعه).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا ذكر القواعد في باب الربويات، وأنه إذا بِيعَ الربوي بجنسه لزم فيه؟ طالب: التقابض والتساوي.
الشيخ: التساوي بالمعيار الشرعي، والثاني؟ الطالب: التقابض.
الشيخ: الحلول والتقابض.
وأنه إذا بِيعَ بغير جنسه فيما يساويه في علة الربا؟ طالب: لزم فيه التقابض.
الشيخ: التقابض دون التساوي.
وأنه إذا بِيعَ بما لا يوافقه في علة الربا؟ الطالب: جاز فيه كُلُّ شيء، أي: لا يُشْتَرَط فيه التساوي ولا التقابض ولا الحلول.
الشيخ: نعم، صحيح، هذه هي القواعد، فجميع المسائل تُبْنَى على هذه القواعد، وبقي: ما هو الدليل على أنه إذا اختلف الجنس واتفق المبيعان في أصل المعيار فلا بد من القبض؟ الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر الأصناف الربوية: «فَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (2).

الشيخ: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجْنَاسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»، أما ما ليس بربويٍّ فإنه يجوز فيه التماثل والتفاضل والتفرق قبل القبض، ودليل ذلك؟ طالب: دليله أنه ليس من الربويات خرج من حديث عبادة، هذا السؤال يا شيخ؟ الشيخ: كيف تجيب على ما لم تفهم؟ الطالب: أتأكد.
الشيخ: يا هذا، هذا السؤال.
طالب: نعم، الرسول صلى الله عليه وسلم خص هذه الأصناف بهذه الشروط، فما (... ) منها أو ما يقاس عليها فإنه خارج عن هذا الحكم.
طالب آخر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ البعير بالبعيرين من إبل صدقة، والبعيرين بثلاثة (3). الشيخ: أحسنت، هذا هو الدليل.
نستمر الآن في مسائل متفرعة على القواعد التي ذكرنا لكم.
قال المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (ويُبَاع عصيرُه بعصيره)، عصير الربوي بعصيره، كعصير عنب بعصير عنب؛ لأنهما متساويان، ولكن بأيِّ معيارٍ يكون هذا التساوي؟ طالب: بالكيل.
الشيخ: يكون بالكيل؛ لأن العصير مائع، وكُلُّ مائع فهو مكيل.
(ورَطْبه برَطْبه)، كرُطَبٍ برُطَبٍ بشرط أن يتساويَا في الرطوبة، فإن اختلفا في الرطوبة فإنه لا يجوز؛ لأن الجاف ناقص عن الرُّطَب.
ثم قال: (ولا يباع ربوي بجنسه ومعه أو معهما من غير جنسهما)، وهذه المسألة يُعَبِّر عنها الفقهاء بِمُدّ عجوة ودرهم.
لا يباع رِبَويٌّ بجنسِه، ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسِهما.
مثال ذلك: باع تمرًا بتمر، ومع كُلِّ واحد منهما دراهم، يعني باع صاعًا من تمر ودرهم بصاعٍ من تمر ودرهم، فلا يجوز، هذا معنى قوله: (ومعهما من غير جنسهما)، فهنا مع المبيعين من غير جنسهما.
(أو مع أحدهما من غير جنسه) مثل أن يبيع صاعًا من التمر ودرهمًا بصاعين من التمر، فلا يجوز أيضًا؛ لأن مع أحدهما من غير الجنس.

وهذا مبني على أن الصفقة إذا جمعت بين شيئين وُزِّع الثمن على الشيئين على وجه الشيوع، وحينئذٍ نجهل التساوي بين الرِّبَوِيَّيْنِ.
نأخذ أمثلة أيضًا: باع صاعين من التمر بصاعٍ ودرهم من التمر، يجوز أو لا؟ لا يجوز؛ لعدم التماثل بين التمر.
باع درهمين بدرهم وتمر؟ لا يجوز؛ لأن مع أحدهما من غير جنسه.
فما هو الدليل، وما هو التعليل؟ الدليل: هو حديث فضالة بن عبيد أنه اشترى قلادة فيها خرز وذهب باثني عشر دينارًا، ثم فَصَل الذهب من الخرز فوجد فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تباع حتى تُفْصَل، أي: حتى يُفْصَل بعضها من بعض، ويُعْرَف قدر الذهب من الخرز (4)، ووجه النهي أنه تبين الآن أنه اشترى ذهبًا بذهب أكثر منه؛ لأنه لما فَصَلَ أو فصَّل هذه القلادة وجد فيها أكثر من اثني عشر درهمًا، فلما كان الاحتمال واردًا في مثل هذا فإنه يُمْنَع منه؛ سدًّا للباب، حتى لا يتجرأ أحد على أن يبيع شيئًا ربويًّا بجنسه ويضيف إلى أحدهما شيئًا يسيرًا، مثل أن يقول: أنا أبيع مثلًا كيلو من الذهب بكيلو إلا يسيرًا، وأجعل مع الثاني منديلًا مثلًا؛ مع الذي نقص أجعل معه منديلًا، وهذه حيلة لا شك، فَسُدَّ الباب.
وهذه هي القاعدة، أعني قاعدة المذهب: (أنه لا يباع ربوي بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من غير الجنس).
على أي حال من الأحوال، حتى لو قال القائل: إذا باع صاعًا من تمر ودرهمًا بدرهمين، والصاع يساوي درهمًا، أفلا نجعل الصاع في مقابلة أيش؟ الدرهم، والدرهم في مقابلة الدرهم، وليس فيه ربا؟ ولهذا لو قال: بعتك هذا الصاع بدرهم، وصارَفتك هذا الدرهم بدرهم، لو قال هكذا جاز، فأي فرق بين أن أقول: بعتك صاعًا ودرهمًا بدرهمين، ما دام أن الصاع لا يساوي أكثر من درهم ولا أقل؟

يقول العلماء رحمهم الله: هذا سدًّا للباب؛ لأن باب الربا أمره عظيم، فيجب أن يُسَد كُلُّ طريق يمكن أن يوصِل إليه، ولهذا حرَّم النبي عليه الصلاة والسلام بيع العِينة مع أنه قد يكون الربا فيها بعيدًا، أتدرون بيع العِينة ما هو؟ أن يبيع شيئًا بثمن مؤجَّل، ثم يشتريه نقدًا بأقل مما باعه به، فصورة المسألة ما فيها شيء، لكن لئلا يكون وسيلة إلى التحيُّل على أيش؟ على الربا، بأن يعطيه ثمانين درهمًا، وتكون مئة درهم في ذمته، فمن أجل هذا نَسُدّ كُلَّ بابٍ يوصِل إلى الربا.
ولكن شيخ الإسلام -رحمه الله- نازع في هذا، وقال: إذا كان المفرَد أكثر من الذي معه غيرُه، وكانت هذه الزيادة تقابل الشيءَ الآخر، فإن ذلك جائز، ولا بأس به، والحاجة قد تدعو إليه.
مثاله: باع صاعين من التمر بصاعٍ ودرهم، والصاع الزائد في الطرف الذي ليس فيه إلا التمر يساوي درهمًا، قال: هذا لا بأس به؛ لأننا نجعل الصاع الزائد في مقابلة الدرهم، والصاع الثاني الذي مع الدرهم في مقابلة الصاع الآخر، وليس في هذا حيلة إطلاقًا، والحاجة قد تدعو إلى ذلك، قد يكون هذا الإنسان عنده تمر من السُّكَّري صاعين، وهذا عنده تمر من نوع آخر، لكن ليس عنده صاعان، عنده صاع واحد وعنده دراهم، فقال: أنا أعطيك هذا الصاع ودرهمًا، والصاع الثاني يساوي الصاع الآخر لا يزيد ولا ينقص.
وما ذهب إليه شيخ الإسلام -رحمه الله- أصح؛ أننا إذا تَيَقَّنَّا أنه لا ربا، وأن القيمة واحدة، فإنه لا بأس به ولا حرج، والشارع الحكيم لا يحرِّم شيئًا يتبيَّن فيه أنه لا ربا إطلاقًا، مع أن الحاجة قد تدعو إليه.
إذا اشترى كيسًا من البُرِّ بنصف كيس من البُرّ ومع الثاني سيارة مثلًا، يجوز أو لا؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأن البُرّ لا يساوي الـ..

الشيخ: لأن البُرّ لا يقابل السيارة، فلا يصح، حتى على رأي شيخ الإسلام لا يصح، بل لا بد أن يكون المفرَدُ يساوي أكثر من الصاع الذي معه غيره، بحيث يقابل الزائد ما مع الآخر ولا يزيد عليه.
فإن قال: أنا أريد أن أبيع صاعًا ودرهمًا بصاعٍ ودرهم، أيجوز أو لا؟ طالب: (... ) على قول شيخ الإسلام.
الشيخ: لا، على المذهب؛ المذهب لا يجوز، وعلى رأي الشيخ يجوز إذا كانت القيمة واحدة، أو قال: صاع ودرهم بصاع ودرهم، لكن هذا الدرهم مقابل الصاع، فَصّل يعني، وهذا الدرهم الثاني مقابل الصاع، فهذا واضح؛ لأن هذه الصفقة وإن كانت واحدة لكن كأنها صفقتان.


ثم قال المؤلف: (وَلَا تَمْرٌ بِلا نَوًى بِما فِيهِ نَوًى).
فيه تمر يُعْجَن، ويسمى عندنا: العَبِيط، يُعجَن ويُنْزَع نواه، فجاء إنسان وقال: أريد أن أبيع عليك تمرًا فيه نوى بتمر لا نوى فيه؛ بعَبِيط، أفيجوز هذا؟ لا، حتى لو تساويَا كيلًا أو وزنًا فإنه لا يصح؛ وذلك لأن النوى زائد على التمر، فإذا وزنَّاهما جميعًا؛ التمر المنزوع النوى، والتمر اللي فيه النوى، إذا وزَنَّاهُما جميعًا فإن النوى سوف يكون لا مقابل له، فلا يصح.
فإن قال قائل: إذا كان هذا الذي اشترى التمر لا يهمه النوى ولا يطرأ على باله، لكنه رجل نزل به ضيف، وقال: إن قدَّمت له العبيط فإنه لا يليق، ولا يُعد هذا إكرامًا -حسب العادة يعني- وأنا أريد أن أشتري تمرًا، فذهبت إلى صاحب التمر واشتريت منه تمرًا بالعبيط، نقول: هذا أيضًا لا يجوز؛ لأن النوى حجمه كبير، يعني يسع مساحة بالنسبة للكيل، وبالنسبة للوزن أيضًا يَزِن، فلا يمكن التساوي.
لو اشترى تمرًا بلا نوى بتمر بلا نوى مع التساوي؟ فهو جائز.
تمر بنوى بتمر بنوى؟ مع التساوي يجوز، كما جاء في الحديث.
قال: (ولا يباع تَمْرٌ بِلا نَوى بِما فِيهِ نَوى، ويُبَاع النوى بتمر فيه نوى).
هذا غريب، النوى يُبَاع بتمر فيه نوى، والتمر لا يباع بتمر ليس فيه نوى.

ووجه ذلك أن هذا غير مقصود؛ لأن الذي باع النوى بتمر فيه نوى ويش قصده؟ قصده التمر، ما قصده النوى؛ لأنه لو كان قصده النوى لعرف أن النوى سوف ينقص عما اشتراه به، فتبيَّن بهذا أن القصد له أثر في الحِلِّ والتحريم.
قال: (ويباع النوى بتمر فيه نوى، ولبن وصوف بشاة ذات لبن وصوف).
اللبن والصوف على المشهور من المذهب فيه ربا؛ اللبن مكيل، والصوف موزون، لماذا كان اللبن مكيلًا؟ لأنه مائع، والصوف كان موزونًا؛ لأنه لا يمكن كيله، فإذا باع لبنًا وصوفًا بشاة ذات لبن وصوف فإن ذلك جائز، ولا يقال: إن هذا من مسألة مد عجوة ودرهم؛ لأنه باع ربويًّا بربوي، ومع أحدهما أيش؟ من غير الجنس، أقول: لا يقول أحد هذا القول؛ لأن الآن لبن وصوف وشاة فيها لبن وصوف، أيهما الزائد على الآخر؟ الشاة؛ لأنه زاد اللحم والعظم والشحم، وغير ذلك، فلا يقول قائل: إن هذا من باب مسألة مد عجوة ودرهم فلا يصح، لماذا؟ لأن اللبن والصوف غير مقصود فيما إذا اشترى إنسان شاة ذات لبن وصوف بلبن وصوف.
والدليل أنه غير مقصود أنه سوف يُقَوِّم الشاة نفسها باللبن والصوف الذي معها، ولا يعير اهتمامًا لصوفها الذي على ظهرها، ولا للبنها الذي في ضرعها، فلما لم يكن مقصودًا لم يكن من باب مسألة مُد عجوة ودرهم.
فهذه عدة مسائل نرجع إليها لنَعُدَّها حتى لا تلتبس؛ المسألة الأولى: تمر بلا نوى بما فيه نوى، يجوز أو لا؟ طالب: لا، لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟ لأنه لا يمكن التساوي أبدًا؛ إذ إن التمر الذي فيه نوى فيه شيء زائد، فإن ماثَلْتَه بالكيل فهو أنقص من التمر الذي بلا نوى، وإن واسَيْتَه بالوزن فهو كذلك، إذن التساوي لا يمكن.
إذا باع نوى بتمر فيه نوى.
طالب: يجوز.

الشيخ: لماذا؟ لأن قصده التمر، ما قصد النوى، ولا يهمه، لو كان قصده النوى ما ذهب يبيع مثلًا عشرة كيلو من النوى بخمسة كيلو من التمر؛ لأنكم تعرفون أنه إذا اشترى تمرًا بنوى سوف يكون النوى أكثر وزنًا من التمر؛ لأن هذا هو الواقع، ولا يمكن لأحد أن يقول: أنا أشتري النوى الذي في هذا التمر الذي هو خمس كيلو بنوى عشرة كيلو، هذا سفه لا يمكن، فلما لم يكن النوى مقصودًا صار بيع التمر الذي فيه نوى بنوى خالص جائز أو غير جائز؟ طلبة: جائز.
الشيخ: طيب، المسألة الثالثة: هل يجوز بيع التمر بتمر بنواه؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: نعم جائز، هذا جائز للتساوي، وإذا قُدِّر اختلاف أن بعض النوى أكبر من بعض فهذا شيء مُغْتَفَر، وإلا من المعلوم أحيانًا بعض التمر يكون النوى فيه كبيرًا، لكن الشرع لم يلتفت إلى هذا؛ لأنه أمرٌ يشق اعتباره، وليس مقصودًا في الغالب.
باع شاة ذات لبن وصوف بلبنٍ وصوف؟ جائز، لماذا؟ لأن اللبن والصوف الذي على الشاة غير مقصود، القصد هو الشاة، هذا بناءً على أن اللبن ربوي، وأن الصوف ربوي.
والصحيح أن الصوف ليس بربوي ولا إشكال فيه، أما اللبن فيُنظَر؛ إن كان أهل هذا البلد قد اعتادوا أن يكون قُوتُهم اللبن فإننا نُلْحِقه بماذا؟ بالبُرّ، والتمر، والشعير، وأما إذا كانوا لا يرونه قُوتًا كما هو الغالب عندنا هنا في النجد فإنه ليس بربوي؛ لأنه لم يُنَصّ عليه، ولا هو في معنى الموصوف، بل هو من جنس الشراب الذي يُشْرَب من غير اللبن.


ثم قال المؤلف رحمه الله: (وَمَردُّ الكَيْلِ لعُرفِ الْمَدِينَةِ، والوَزْنِ لعُرْفِ مَكَّةَ في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وَما لَا عُرْفَ لَهُ هُناك اعتُبِرَ عُرْفُهُ فِي مَوْضِعِهِ).

يقول: (مرد الكَيْلِ) أي: مرد كون الشيء مكيلًا، أو كون الشيء موزونًا إلى عُرْفِ مكة والمدينة.
الكيل نرجع فيه إلى عُرْف المدينة، فلو كان هذا الشيء مكيلًا في المدينة موزونًا في مكة أيهما نعتبر؟ المكيل في المدينة، ولو كان هذا الشيء موزونًا في مكة مكيلًا في المدينة رجعنا إلى مكة.
فعليه يختلف الحكم فيما إذا كان الإنسان في مكة، أو إذا كان في المدينة؛ إذا كان في المدينة فالمكيال مكيال المدينة، إذا كان في مكة فالميزان ميزان مكة.
فإن اتفق البلدان على كون الشيء مكيلًا أو موزونًا صار هذا الشيء مكيلًا أو موزونًا، سواءٌ كان في مكة أو في المدينة.
هناك أشياء لا يُعْرَف لها وزنٌ ولا كيلٌ في مكة والمدينة، فإلى أيِّ شيء نرجع؟ يقول المؤلف: نرجع إلى العُرْف في موضعه، فإن كان الناس يتبايعونه بالوزن فهو موزون، أو بالكيل فهو مكيل، أو بالعدد فهو معدود؛ لأنه ليس هناك ضابط نرجع إليه بالنسبة لمكة والمدينة.
وقال بعض العلماء: نرده إلى أقرب الأشياء شبهًا به في مكة والمدينة، فإذا كان أقرب الأشياء إليه الكيل بالمدينة فهو مكيل، أو الوزن في مكة فهو موزون.
وهذا القول من جهة أقرب إلى النظر؛ لأن ما لا يمكن فيه اليقين يُرجَع فيه إلى غلبة الظن، وقد يُقال: بل إنه إذا لم يكن له عُرْف في مكة والمدينة فإننا نطرح الشَّبَهَ ونقول: يُرجَع في ذلك إلى ما تعارفه الناس.
وهذا القولُ الثاني -من جهة السهولة على المسلمين والتيسير- أقربُ إلى الصواب؛ لئلا يحصل النزاع، فيقول مثلًا: هذا يشبه المكيل في المدينة، وهذا يشبه الموزون في مكة، فيقال: ما دام ليس له عرف في مكة والمدينة وإنما طرأ حديثًا فإننا نعتبر عُرْفَه في موضعه، هذا هو الذي مشى عليه المؤلف -رحمه الله- وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ» (5).

ولكن بعض العلماء يقول: ما نص الشرع على أنه مكيل فهو مكيل، وما لم ينص عليه الشرع فالمرجع فيه إلى العُرْف؛ لأنه يُضعِّف هذا الحديث: «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ»، ويقول: ما نص الشرع عليه -مثل التمر- مكيل، البُرّ مكيل، الشعير مكيل، الزبيب مكيل، الملح مكيل، ما هو الدليل؟ الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قَدَّرَ زكاة الفطر بأيش؟ بالكيل، قال: «صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ، صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ» (6)، وكذلك قال أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-: كنا نخرجها صاعًا من طعام، وكان طعامنا يومئذ التمر والشعير والزبيب والأقط (7). فما نص الشرع على أنه مكيل فهو مكيل، وليس لنا أن نتعدى، أما ما لم ينص عليه فإنه يُعْتَبَر عُرْفُه في موضعه؛ إن كانوا يبيعونه بالوزن فهو موزون، وإن كانوا يبيعونه بالكيل فهو مكيل، وإن كانوا يبيعونه بالعد فهو معدود.
لنطبق هذا القول على حالنا اليوم: الآن الناس يتبايعون الرز والبُرّ بماذا؟ بالوزن، هل نعتبر الوزن فيه، أو نقول: هذا منصوص على أنه مكيل؟ الثاني، نقول: إذا أردنا أن نبيع بُرًّا ببُرّ ما نعتبر الوزن، نعتبر الكيل؛ لأن هذا مكيل بالنص، فلا نتعدى النص.
لو فرضنا أن هناك ذُرَة يتبايعها الناس بالوزن، فهل نقول: هي موزونة، بِنَاءً على العُرْف، أو هي مكيلة؛ لأنها كالبُرّ؟ نرجع للعرف؛ لأنه ليس هناك نص على أن الذُّرَة من المكيل.
وهذا القول يُريح الإنسان أكثر؛ لأننا إذا قلنا: الْمَرَدّ مرد المدينة أو مكة قد يحصل اشتباه عند كثير من الناس، ثم هل الْمُعْتَبَر عرف مكة بوقتك الحاضر أو بوقت الرسول عليه الصلاة والسلام؟ المؤلف يقول: على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا قد يجهله كثير من الناس فلا يعرِف.
طالب: في مسألة العرايا حينما استثنيت يا شيخ بيع رُطب مخروف بتمر، أن هذا لا يجوز؛ لأن النص على أنه يكون في النخل.
الشيخ: في روؤس النخل.

الطالب: ليتفكه به الإنسان شيئًا فشيئًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: لو قيل يا شيخ: إنه الآن سيشتري قليلًا، قوت يومه، ليَتَفَكَّه به، ربما أضبط له في التَّفَكُّه من كونه بنخلته (... ). الشيخ: نعم، هو قال بعض أهل العلم هكذا، قال بعض العلماء: إنه ما دام رُخِّص للإنسان في رؤوس النخل فلماذا لا يُرَخَّص إذا كان في الأوانِي، وربما يكون أقرب للتفكه وأسلم من الخطأ، وهذا ليس ببعيد؛ لأن كونه في عهد الرسول يكون على رؤوس النخل قد يقال: إن هذا شيء حسب الواقع، وقع اتفاقًا، وأنهم ليسوا يعرفون أن الإنسان يخرف النخل ويبيعه.
طالب: بيع الذهب الخام بالذهب المصوغ هل يعتبر زيادة؟ الشيخ: إي، لا بد من التساوي في الوزن.
الطالب: ولا ينظر لصناعته؟ الشيخ: لا، لا، الصحيح أنه لا ينظر، وهذه مسألة مهمة، وهي أنه إذا كان الذهب مصوغًا، وأراد أن يعطيه ذهبًا غير مصوغ، هل يُشْتَرَط التساوي؟ جمهور العلماء على أنه يُشْتَرَط التساوي، وأن الصنعة لا تؤثر شيئًا.
وقال بعض أهل العلم -كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم-: يجوز أن يعطيه بمقدار الصنعة، مثلًا: إذا كان هذا الذهب وزنًا بوزن، الوزن واحد، لكن أعطاه زيادة؛ لأنه مصنوع، فعند شيخ الإسلام رحمه الله جائز، وتُجْعَل هذه الزيادة في مقابلة الصنعة.
لكن الجمهور على المنع، واستدلوا بحديث التمر الطيب بالرديء، لكن يُجَاب عن هذا الاستدلال بأن التمر الطيب والرديء ليس من صناعة الإنسان، وهذا من صنعة الإنسان، والإنسان يريد أن يأخذ لنفسه أجرًا، إلا أن سَدَّ الباب أوْلى؛ لأن تقدير قيمة الصنعة قد يحصل فيه اختلاف، وقد يطمع صاحب الذهب المصنوع ويُحمِّل الثاني أكثر من قيمة الصنعة.

مثال ذلك: لو كان ذهب يسمونه (ذهب مكسَّر)، يعني مصنوع مضى عليه زمن، فجاء صاحب الذهب إلى الصائغ وقال: أبدِل هذا الذهب بحُليٍّ آخر وأعطيك مقابل الصنعة، ربما يكون صاحب الدكان يزيد أكثر من قيمة الصنعة، نظرًا لرغبة هذا، فسَدُّ الباب فيه أوْلى وأحسن.
طالب: بارك الله فيكم (... ) قولهم يا شيخ: باع تمرًا فيه نوى بنوى، يعني: رجل باع تمرًا بنوى؟ الشيخ: يعني (... ) ما يأكل النوى؟ الطالب: أيش يسوي بالنوى؟ الشيخ: ما يأكل النوى؟ الطالب: ما يأكله.
الشيخ: ما عندهم بقرة تأكل النوى.
الطالب: بس (... ) فيه نوى يا شيخ (... ) شديد جدًّا.
الشيخ: لا، يُطْبَخ.
طالب: أحسن الله إليكم، قلنا: لو تبايع الرجلان مكيلًا بمكيل جزافًا بأنه في الأصل لا يجوز، إن فعلَا ثم كالَاه فَوَجَدَاه متساوِيَيْن فإنه يجوز ويمضي البيع صحيحًا، فهل نقول: لو أننا ذهبنا إلى بائع وعنده مطحن أو عنده طاحون فوجدنا عنده صاعًا معينًا (... ) مطحون، فأعطيناه البُرَّ صاعًا وأخذنا منه هذا المطحون صاعًا أيضًا، يصح هذا يا شيخ؟ الشيخ: هل نحن قلنا: إذا باع مكيلًا بمكيل فإنه لا يجوز التفاضل؟ الطالب: جزافًا.
الشيخ: جزافًا إي، هل قلنا: لا يجوز؟ الطالب: على حسب المتن يا شيخ.
الشيخ: إي على حسب المتن، هل قلنا: إنه إذا باع مكيلًا بمكيل فإنه لا يجوز جزافًا؟ الطالب: إن كان بنفس جِنْسِه.
الشيخ: أحسنت، لا بد أن نقيِّد.
إذا باع مكيلًا بجنسه فإنه لا بد فيه من التساوي والتقابض، والحَبّ بالدقيق لا يتساوى.
الطالب: لكنه قبل أن يطحنه تيقن يقينًا أنه.. الشيخ: إي متساوي، أصله مع الطحن لا تظن أن كُلَّ حباته قد تخرج، قد يبقى في الطاحون شيء منه ما يخرج.
الطالب: لا يلزم أن يكون الطاحون كبيرًا يا شيخ كالذي في المصانع ونحوها.
الشيخ: حتى في غير المصانع، حتى لما كان الرحى التي تدار باليد يبقى فيها شيء ما يخرج.
الطالب: وإن كان هذا يسيرًا جدًّا يُتَسَامح فيه.

الشيخ: على كل حال يشتري الدقيق ويروح يببع البُرّ، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» (8). طالب: شيخ، إذا كان رجل في ذمته صاع بُرّ، ثم قال لرجل: أبيع عليك صاعين التي في ذمتك بصاع ودرهم (... )، هل يجوز هذا ويحصل التقابض؟ الشيخ: صاع من جنسه ولَّا من غير جنسه؟ الطالب: لا، من جنسه، صاع بُرّ ودرهم بصاعين بُرّ.
الشيخ: ما يجوز، نفس الشيء.
الطالب: وكان الدرهم يساوي الصاع.
الشيخ: إي، على المذهب ما يجوز.
الطالب: وعلى القول الثاني؟ الشيخ: على القول الثاني يجوز.
الطالب: ولم يحصل القبض؟ الشيخ: اللي في ذمة البائع كالمقبوض، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر لما قال: كنا نبيع الإبل بالدراهم ونأخذ الدنانير، ونبيع بالدنانير ونأخذ الدراهم، قال: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» (9). طالب: الذهب في بعض الصور اليوم، الذهب فيه خَرَز يُشْتَرى.
الشيخ: يُشْتَرَى بِذَهب؟ الطالب: لا، ريالات.
الشيخ: طيب.
الطالب: الآن اختلف الجنس؟ الشيخ: إي، اختلف الجنس.
الطالب: وإذا اشترى ذهبًا مكسرًا بذهب به خرز؟ الشيخ: هذا ما يجوز.
الطالب: يا شيخ الآن الصناعة كيف يعطيه أجرَها.
الشيخ: كما قال الرسول (8)، بِع الذَّهَب المكسَّر واشترِ بثمنه.
الطالب: هل يجوز أن يبيع الذهب المكسَّر بالذهب المصنوع سواءً بسواء ويعطيه زيادة ريالات؟ الشيخ: على الصنعة يعني؟ الطالب: نعم.
الشيخ: هذه المسألة التي ذكرنا فيها الخلاف، المذهب لا يجوز، وهو اللي عليه رأي جمهور العلماء، والثاني يجوز جعل الزائد في مقابلة الصنعة.
الطالب: من غير جنسه، الريالات.
الشيخ: إي من غير جنسه، بالريالات أو بالثياب أو غيرها.
الطالب: ولو كان من جنسه ذهب؟ الشيخ: لو كان من جنسه ما يجوز.
الطالب: حتى على قول شيخ الإسلام.

الشيخ: الظاهر حتى على قول الشيخ، وقد يقال: إنه على قول الشيخ يُجْعَل الذهب الزائد في مقابل الصنعة.
طالب: بارك الله فيكم، مسألة شراء الذهب الجديد بالذهب القديم: لو باع الذهب القديم بمال، ولكن أبقى المال عند البائع، ثم حسب البائع الذهب الجديد وأعطاه الفرق، وأعطى المشتري البائع الفرق، ثم أخذ الجديد وأعطاه القديم، فهل يجوز أم يجب التقابض أولًا؟ الشيخ: المذهب لا يجوز، لا بد أن يقبض ثم يشتري من جديد، والإمام أحمد -رحمه الله- قال: إذا ذهب إلى السوق ولم يجد فلا بأس.
طالب: قلنا: إنه لا يجوز بيع الخبز بالدقيق، فلماذا لم نقل: إن الخبز صار جنسًا مستقلًّا؟ الشيخ: هذا على المذهب، الذي قلنا هذا المذهب، أما شيخ الإسلام يقول: إذا خرج عن الكيل بسبب الصنعة فهو جنس مستقل، ولهذا جَوَّزَ -رحمه الله- أن يُبَاع الخبز بالهريسة ولو من جنسها.
طالب: لو عندي مكيل من لبن البودرة، وهذا المكيل قد يكون مثلًا بعشرة ريالات، وهناك نوع جيد بخمسة عشر ريالًا، فأردت أن (... ) البائع هذا الذي عندي وأستبدل الآخر، وأخذت الفرق مثلًا كيلو من التفاح أو ما أشبه ذلك، فهل هذه الصورة جائزة؟ الشيخ: ما هي مُدّ عجوة؟ الطالب: نعم، هو على قول شيخ الإسلام، لكن هل.. الشيخ: نعم، على رأي الشيخ إذا كان الزائد في مقابل الذي معه فلا بأس، لكن نحن نقول: أصلًا الحليب ما فيه ربا.
الطالب: ولو كان قوتًا مثلًا.
الشيخ: نعم، لو كان حال هو قوت فصحيح يجري فيه الربا.
الطالب: لكن (... )؟ الشيخ: أبدًا بلغة الحاضر عندنا ما هو بقوت.
(... )


طالب: قال المؤلف -رحمه الله- تعالى: فَصْلٌ

وَيَحْرُمُ رِبَا النَّسِيئَةِ فِي بَيْعِ كُلِّ جِنْسَيْنِ اتَّفَقَا فِي عِلَّةِ رِبا الفَضْلِ لَيْسَ أحَدُهُما نَقْدًا، كالْمَكيلين والمَوْزونَيْنِ، وإن تفرَّقَا قبل القبضِ بَطَلَ، وإن باع مَكيلًا بموزونٍ جاز التفرُّقُ قبل القبضِ والنَّسَاء، وما لا كَيْلَ فيه ولا وزن، كالثياب والحيوان يجوز فيه النَّسَاءُ، ولا يجوز بيعُ الدَّيْن بالدَّيْن.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عقد المؤلف -رحمه الله- فصلًا لربا النسيئة، وما سبق فكُلُّه في ربا الفضل، وأهم شيء عندنا أن نعرف أيش؟ القواعد، وما ذُكر من التفريعات فهي أمثلة فقط، اعرف القاعدة، وأما جزئياتها فإنه لا حصر لها.
قال: (يَحْرُمُ رِبا النَّسِيئَةِ).
والنسيئة معناها الْمُؤَخَّر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: 37]، يعني: التأخير، فرِبَا النَّسِيئَةِ يعني تأخير القبض.
(فِي بَيْعِ كُلِّ جِنْسَيْنِ) اتفقَا في علة ربا الفضل، وذلك أن البيع إما أن يقع في جنسٍ واحد ربوي، أو في جنسين رِبَوِيَّيْن اتفقَا في علة ربا الفضل، أو في جنسين ربويين لم يتفقَا في العلة.
فالأقسام أربعة: إذا كان البيع في جنسٍ واحد ربوي، حرُم فيه أيش؟ التفاضل والنَّسَاء.
وإذا كان في جنسين اتفقَا في علة ربا الفضل، يقول المؤلف: حرُم بينهما النَّسَاء، النَّسَاء فقط دون الفضل.
وإذا كان بين جِنْسَيْنِ لم يتفقَا في العلة جاز الفضل وجاز النَّسَاء.
وإذا كان في شيئين ليسَا ربويين أيضًا جاز كُلُّ شيء؛ الفضل والنسيئة.
هذه أربعة أنواع: أن يكون البيع بين شيئين غير ربويين، فهذه يجوز أيش؟ الفضل والنَّسَاء.
بين شيئين ربويين من جنسٍ واحد، يجب التساوي والقبض قبل التفرق.

بين جنسين ربويين اتفقَا في علة ربا الفضل يحرُم النَّسَاء ويجوز التفاضل.
بين جنسين ربويين لم يتفقا في علة ربا الفضل يجوز التفاضل والنَّسَاء.
هذه الضوابط.
يقول: (يحرُم ربا الفضل في بيع كل جنسين اتفقَا في علة ربا الفضل)، فما هي العلة؟ سبق لنا أن العلماء اختلفوا في العلة، وأن المذهب أن العلة هي الكيل والوزن، فكل مكيل فهو ربوي، سواءٌ كان مطعومًا أم غير مطعوم، وكُلُّ موزون فهو ربوي، سواءٌ كان مطعومًا أم غير مطعوم.
إلا أن المؤلف استثنى فقال: (ليس أحدهما نقدًا)، فإن كان أحدهما نقدًا فإنه لا يحرُم النَّسَاء، كما لا يحرُم التفاضل.
مثال ذلك: إذا باع حديدًا بدنانير، فالعلة -علة ربا الفضل- موجودة فيهما، كلاهما موزون، فمقتضى القاعدة لولا الاستثناء: أنه يحرُم النَّسَاء، ولكن المؤلف -رحمه الله- استثنى فقال: (ليس أحدهما نقدًا).
ودليل هذا الاستثناء حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَدِمَ المدينة وهم يُسْلِفُون في الثمار السنة والسنتين، فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (10). ومعلوم أن الإسلاف يكون في الدراهم، وهي موزونة، أو في الدنانير، وهي موزونة، ومع هذا قال: (أو وزن معلوم)، فدل هذا على أنه إذا كان أحدهما نقدًا فإنه يصح النَّسَاء؛ لئلا يَنْسَدّ باب السَّلَم في الموزونات؛ لأننا لو لم نقل بهذا الاستثناء ما صح السَّلَمُ في الموزونات إذا كان الثمن دراهم أو دنانير.
إذن القاعدة في تحريم ربا النَّسَاء ما هي؟ أن يبيع جنسين ربويين اتفقَا في علة ربا الفضل، ويُسْتَثْنَى من ذلك إذا كان أحدهما نقدًا.

ومعلوم أنه إذا كان أحدهما نقدًا واشتُرِيَ به مكيل أنه ليس فيه نساء؛ لأنهما اختلفَا في علة ربا الفضل، لكن المشكل الذي يَرِد عليه هذا الاستثناء هو إذا أسلم في شيء أيش؟ موزون، لولا هذا الاستثناء لقلنا: لا يجوز الإسلام في الموزون إلا إذا أسلم غير الذهب والفضة.
نأخذ أمثلة على هذا.


أمثلة: باع شعيرًا بِبُرّ، هل يجوز النَّسَاء أو لا؟ طالب: ما يجوز النَّسَاء.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنهما اتفقَا في العلة.
الشيخ: في علة ربا، وهي؟ الطالب: الكيل.
الشيخ: وهي الكيل، تمام.
باع بُرًّا بحديد؟ طالب: هنا لا يحرُم ربا النَّسَاء.
الشيخ: هل يجوز النَّسَاء؟ الطالب: نعم يجوز النَّسَاء.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنهما على الرغم من أنهما ربويين لكن اختلفا في علة ربا الفضل.
الشيخ: كلمة (على الرغم من أنهما ربويين) هذه احذفها، ما الفائدة؟ الطالب: لأنهما اختلفا في علة ربا الفضل.
الشيخ: لأنهما اختلفا في علة ربا الفضل، باع طنًّا من الرصاص بطنٍّ من النحاس، هل يجوز النَّسَاء؟ طالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: يجوز النَّسَاء، تأكد.
الطالب: لا، هم ما هم جنسين، ما يجوز.
الشيخ: جنسان، نحاس ورصاص.
الطالب: لكن بينهما فرق.
الشيخ: إي، بينهما فرق، لولا الفرق ما صارَا جنسين.
الطالب: ما يجوز يا شيخ.
الشيخ: لماذا لا يجوز؟ الطالب: جنسان يا شيخ، الرصاص ما يوافق النحاس.
الشيخ: معلوم الجنسين، لكن هل يجوز مثلًا أني اشتريت منك طنًّا من النحاس بطن من الرصاص، وأعطيك الطن الرصاص وآخذ طن النحاس بعدين، يجوز أو لا؟ الطالب: (... ). الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن كلاهما موزون.
الشيخ: كلاهما موزون، صحيح يا جماعة؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، اتفقَا في علة ربا الفضل، كلاهما موزون.
إذا باع صاعًا من التمر بصاع من البُرّ، هل يجوز النَّسَاء أو لا؟ طالب: صاعًا من التمر بصاع من البُرّ لا يجوز النَّسَاء؛ لأنهما اتفقَا في علة ربا الكيل.

الشيخ: لا يجوز النَّسَاء؛ لأنهما اتفقا في علة ربا الفضل وهي الكيل، بارك الله فيك.
اشترى صاعًا من البُرّ بدرهم، هل يجوز النَّسَاء؟ طالب: نعم يجوز؛ لأنه استُثْنِيَ.. طالب آخر: أيضًا هما أحدهما مكيل والآخر موزون.
الشيخ: اختلفَا في علة؟ الطالب: علة ربا الفضل، وكذلك حتى لو كان.. الشيخ: اصبر، يجوز لأنهما لم يتفقَا في علة ربا الفضل.
اشترى طنًّا من الرصاص بمئة درهم، هل يجوز النَّسَاء؟ طالب: يجوز يا شيخ.
الشيخ: أتدري ما تقول؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: وأيش تقول؟ الطالب: طن الرصاص بأحد النقدين.
الشيخ: يجوز النَّسَاء؟ الطالب: يجوز النَّسَاء يا شيخ.
الشيخ: أليسَا اتفقَا في علة ربا الفضل وهي الوزن؟ الطالب: نعم، لكن استُثْنِيَ أن يكون أحدهما.. الشيخ: استثني إذا كان أحدهما نقدًا.
ما هو الدليل على استثنائه؟ طالب: حديث ابن عباس في الصحيحين.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد الناس يَستسلفون.
الشيخ: يُسلفون.
الطالب: فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».
(10) الشيخ: وجه الدلالة من الحديث؟ الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز لهم باب السَّلَم، فلو قلنا بعدم وجود النقد في أحدهما لسُدَّ هذا الباب.
الشيخ: أجاز السَّلَم في الموزون.
الطالب: أجاز السَّلَم في الموزون، نعم.
الشيخ: والسَّلم لا بد أن يكون مؤجَّلًا.
هناك أيضًا تعليل مع الدليل؟ طالب: تعليل يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: أنه لو لم يُجَوِّز النبي صلى الله عليه وسلم هذا.. الشيخ: لو لم يُجوِّز النَّسَاء في بيع النقد في الموزون لانسَدَّ؟ الطالب: لانسَدَّ انتفاع الناس.
الشيخ: لا، ما يكفي، لانسدَّ؟ طالب: لانسدَّ باب السَّلَم في الموزونات.
الشيخ: لانسَدَّ باب السَّلَم في الموزونات، غالبًا ولّا دائمًا؟ الطالب: غالبًا.
الشيخ: غالبًا.

ما معنى قولنا: (غالبًا)؟ معنى ذلك أنه ربما نقول: إن السَّلم في الموزونات لا ينسد، ونجعل الثمن مكيلًا، أليس كذلك؟ فيقول مثلًا: أسلمتُ إليك مئة صاعٍ من البُرِّ بطنٍّ من الحديد، فهنا يجوز النَّسَاء؛ لأن العلة أيش؟ مختلفة، لم يتفقَا بعلة ربا الفضل، ولهذا نقول: لانسَدَّ باب السَّلَم في الموزونات غالبًا، ولا نقول: دائمًا؛ لأنه ممكن السَّلَم في غير الموزون.


يقول: (ليس أحدهما نقدًا كالمَكِيلَيْن والمَوْزونَيْن).
(كالمكيلين)، يعني: بِيعَ بعضهما ببعض، ولّا بِيعَ بموزونين؟ طلبة: لا، بِيعَ بعضهما ببعض.
الشيخ: (كالمكيلين والموزونين) هل المعنى بِيع أحدهما بالآخر، أي مكيل بموزون، أو مكيلين بِيعَ بعضهما ببعض؟ الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، كالمكيلين إذا بِيعَ بعضهما ببعض، والموزونان إذا بِيعَ بعضهما ببعض فإنه يحرُم فيهما النَّسَاء، ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (2)، فأوجب القبض، وإيجابُ القبض يعني تحريم النَّسَاء.
(كالمكيلين والموزونين).
(وإن تفرَّقَا قبل القبض بطل)، إذن القبض شرط لصحة العقد، أو لاستمرار صحة العقد؟ طالب: لاستمرار.. الشيخ: لاستمرار صحة العقد؛ لأن العقد تم وصحَّ، لكن يُشترط لاستمرار صحته القبض، ولهذا قال: (إن تفرَّقَا قبل القبض بطل)، والدليل الحديث (2) الذي ذكرنا.
لو أنه باعه في دكانه؛ باع عليه بُرًّا بشعير في الدكان، لكن الشعير في المخزن، وقال: ائتني بعد ساعة في المخزن أعطيك الشعير، أيجوز؟ طلبة: لا، ما يجوز.
الشيخ: ليه؟ الطلبة: لأنهما تفرَّقَا.
الشيخ: لأنهما تفرَّقَا قبل القبض، فإن قال: امشِ، أعطني يدك، ومَشَيَا إلى المستودع وسلَّمه؟ طالب: جاز.
الشيخ: جاز؛ لأنهما لم يتفرَّقَا، بارك الله فيكم.

(وإنْ باعَ مَكِيلًا بِمَوْزُونٍ جاز التّفَرُّقُ قَبْلَ القَبضِ والنَّسَاء)، حَرِّك الهمزة، بالرفع، ولّا بالجر عطفًا على (القبضِ)؟ طالب: بالرفع.
طالب آخر: (النَّسَاءُ).
الشيخ: بالرفع عطفًا على أيش؟ على (التفرقُ).
إذا باع مكيلًا بموزون مثل أن يبيع بُرًّا بنُحاس، يقول المؤلف: (جاز التفرق قبل القبض)، لماذا؟ طالب: (... ). الشيخ: باع مئة صاع من البُرِّ بمئة كيلو من النُّحاس، يجوز التفرق؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن النحاس موزون والبُرُّ كيل.
الشيخ: مكيل، فلم يتفقَا في علة ربا الفضل.
(والنَّسَاء) أي: التأخير، لماذا؟ نفس العلة؛ لأنهما لم يتفقَا في علة ربا الفضل، فيجوز التفرق ويجوز النَّسَاء.
ثم قال المؤلف -أعطانا ضابطًا استمع له-: (وما لا كيل فيه ولا وزن كالثياب والحيوان يجوز فيه النَّسَاء).
الذي ليس فيه كيل ولا وزن يجوز فيه النَّسَاء، لماذا؟ لأنه ليس بربوي؛ إذ إن الربوي إما مكيل وإما موزون، فما لا كيل فيه ولا وزن فإنه يجوز فيه النَّسَاء.
ولم يقل: والفضل؛ لأنه إذا جاز النَّسَاء جاز الفضل، ولا عكس، قد يجوز الفضل ولا يجوز النَّسَاء، كالبر بالشعير -مثلًا- يجوز فيه الفضل ولا يجوز النَّسَاء.
إذن لو بعتُ عليك ثوبًا بثوبين، الثوب حاضر والثوبان بعد ستة أشهر، ما تقول، يجوز؟ طالب: (... ). الشيخ: أنت الآن محتاج إلى ثياب، تريد تتجمل ولا عندك فلوس، فقلت: أنا أعطيك هذا الثوب الجديد بثوبين بعد ستة أشهر تعطيني إياها، يجوز؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ليه؟ الطالب: الثياب ما يقع فيها الربا.
الشيخ: الثياب لا يقع فيها الربا، صحيح؛ لأنها ليست مكيلًا ولا موزونًا.
إنسان احتاج إلى بعير وليس عنده دراهم، فجاء إلى شخص وقال: أعطني بعيرًا الآن وأُعطيك بعيرين بعد سنة؟ طالب: يجوز يا شيخ.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنها ليست ربوية.
الشيخ: صح.
الطالب: وأيضًا الرسول عليه الصلاة والسلام.

الشيخ: اصبر، ما بعد وصلنا، إحنا قلنا: لماذا، ما قلنا: ما الدليل.
الطالب: ليست ربوية.
الشيخ: ليست ربوية، ليس فيها كيل ولا وزن، هل فيها دليل على هذا؟ الطالب: إي نعم، الرسول عليه الصلاة والسلام كان يُسلف على الصدقة البعير بالبعيرين (3). الشيخ: يأخذ على إبل الصدقة البعير بالبعيرين، والبعيرين بالثلاثة، تمام.
إذن فيه دليل، وهو منطبق على القواعد؛ حيث إنه جارٍ على التعليل الذي ذكرنا.


ثم قال المؤلف -رحمه الله-: (ولا يجوز بيع الدَّيْن بالدَّيْن).
لا يجوز بيع الدَّيْن بالدَّيْن، هذا ليس على إطلاقه لا شك، ولكنه له صور: أولًا: بَيْع الدَّيْن على الغير، لا يجوز أن يُبَاع بالدين، بل ولا بالعين.
مثال ذلك: إنسان في ذمته لشخص مئة صاع بُرّ، فجَعل هذا الرجل يطلبه: يا فلان أعطني، أعطني، وهو يماطل به، فقيل للرجل الذي له الحق: مئة صاع بُرّ نعطيك عنها مئة درهم، ونحن نأخذها من المطلوب، هل يجوز هذا أو لا؟ لا يجوز، حتى وإن كان بعين فإنه لا يجوز، حتى لو قلنا مثلًا لهذا الرجل: مئة الصاع اللي في ذمة فلان نحن نعطيك عنها مئة ريال خذها نقدًا، فإنه لا يجوز، لماذا؟ لأنه يشبه أن يكون غيرَ مقدورٍ على تسليمه، وإذا كان كذلك فإنه يكون غَرَرًا؛ إذ إن المطلوب قد يُوفِي كاملًا وقد لا يوفي، وقد يوفي ناقصًا، فلا يصح.
لكن ما تقولون فيما لو كان الذي اشترى دَيْن فلان قادرًا على أخذه منه، كرجل له سلطة يستطيع أن يأخذ هذا المال الذي في ذمة الرجل بساعة، أيجوز أم لا؟ الصحيح أنه يجوز؛ لأن العلة عن نهي بيع ما في الذِّمَم إنما هو خوفًا من الغرر، وعدم الاستلام، فإذا زالت العلة زال المعلول وزال الحكم.
المسألة الثانية: بيع الدَّيْن على مَنْ هو في ذمته، بمعنى: أنا أطلب شخصًا مئةَ صاع بُرّ، فجاء إليَّ وقال: أنا ليس عندي بُرّ، لكن أنا أعطيك عن مئة الصاع مئتي ريال، فهنا بيع دَيْن بدَيْن، فهل يجوز أو لا؟

هذا ففيه تفصيل: إن كان باعه بسعر وقته فلا بأس، وإن باعه بأكثر فإنه لا يجوز.
الدليل: حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: كنا نبيع الإبل بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير، ونبيع بالدنانير فنأخذ عنها الدراهم، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك فقال: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ» (9)، اشترط النبي صلى الله عليه وسلم شرطين: الشرط الأول: أن تأخذها بسعر يومها.
والشرط الثاني: ألَّا يتفرقَا وبينهما شيء.
فما وجه ذلك؟ يعني: هذا الحكم لا بد أن نرده إلى القواعد العامة، ما وجهه؟ لأنه إذا أخذها بأكثر فقد ربح فيما لم يدخل في ضمانه، يعني مَثَلًا: الدينار يسوى عشرة، وقال: أنا آخذ منك أحد عشر، هذا لا يجوز، لماذا؟ لأن الذي أخذ أحد عشر بدل الدينار ربح، ويش اللي ربح؟ درهمًا، فربح في شيء لم يدخل في ضمانه؛ لأن الدنانير الآن في ضمان مَنْ؟ الدينار في ضمان مَنْ؟ في ضمان مَن هو في ذمته، ما دخل عليه إلى الآن، وقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ربح ما لم يُضْمَن.
(11) إذن اشتراط النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يأخذها بسعر يومها لماذا؟ لئلا يأخذها بأكثر فيربح فيما لم يضمن.
نحن قلنا فيما سبق وفي وقت قريب: المفهوم لا عموم له؛ إذ يصدق المفهوم بالمخالفة ولو في صورة واحدة.
إذا أخذها بأقل من سعر يومها، ما هو بسعر يومها، إذا أخذها بأقل، يعني: الدينار يسوى عشرة، فأخذه الطالب بتسعة، فهل أخذه بسعر يومه؟ لا، مفهوم الحديث: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا» أن هذه الصورة لا تجوز، لكنها في الواقع تجوز، ليش؟ لأنه لم يربح فيما لم يدخل في ضمانه، بل نزَّل بعض حقه، أبرأه من بعض حقه، وإبراؤه من بعض حقه لا بأس به.

فصار المفهوم الآن له عموم ولّا لا؟ لا، وهذه مسألة ينبغي لطالب العلم أن يفهمها؛ أن المفهوم لا عموم له، بل يصدُق بصورة واحدة مخالِفَة، فما هي الصورة الواحدة المخالفة في المثال؟ إذا أخذها بأكثر، الدينار يسوى عشرة وقال: ما يخالف، أعطنا بدلها أحد عشر، هذا لا يجوز؛ لأنه يدخل في ربح ما لم يضمن.
فهمنا العلة في قول الرسول -عليه الصلاة والسلام-: «لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا»، فما هي العلة في قوله: «مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ»؟ العلة ظاهرة أيضًا؛ لأنه سيأخذ عن الدينار دراهم، وبيع الدنانير بالدراهم لا بد فيها من القبض في مجلس العقد، وحينئذ لو لم يَقبض بطل العقد، كما لو باع دينارًا بدراهم ولم يقبض فإنه يبطل العقد، فتبيَّن أن حديث عبد الله بن عمر مُتَمَشٍّ مع القواعد العامة في الشريعة والمعروفة في أبواب الربا.
إذن بيع الدَّيْن بالدَّيْن هنا: إذا باع ما في ذمة الغير له -لنفسه- وهو مما يُشْتَرَط فيه التقابض وجب القبض، وإذا كان لا يجب فيه التقابض فلا بأس أن يتأخر القبض لكن بشرط ألَّا تزيد القيمة لتأخُّر القبض، معلوم؟ ما هو معلوم.
الآن مثلًا: هذا الرجل في ذمته لفلان مئة ريال، فجاء المطلوب قال: ما عندي مئة ريال، ويش عندك؟ قال: عندي عشرة دنانير، والدينار يساوي عشرة، قال: أعطني عشرة دنانير عن المئة، يجوز أو لا يجوز؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز بشرط التقابض؛ لأنه بيع دراهم بدنانير.
قال: ليس عندي مئة ريال، وليس عندي دنانير، لكن عندي بُرّ، قال: عندك بُرّ، كم يساوي الصاع؟ قال: الصاع يساوي درهمًا، فإذا أراد أن يأخذ العِوَض كم يكون عِوَض مئة الدرهم؟ مئة صاع، قال: أنا أعطيك مئة صاع عن مئة درهم، قال: ما فيه مانع، هل يُشْتَرَط التقابض هنا أو لا يُشْتَرَط؟ طلبة: لا يشترط.
الشيخ: ليش؟ لأن بيع البُرّ بالدراهم لا يُشْتَرَط فيه القبض؛ لعدم اتفاقهما في علة ربا الفضل.

جارٍ التحميل