مثالنا: واللهِ ما بعته بثمانين وإنما بعته بمئة، فيبدأ بالنفي أولًا، كما هي العادة أن التخلية قبل التحلية، ولدفع دعوى المشتري فيقول: واللهِ ما بعته بثمانين وإنما بعته بمئة، فيجمع بين النفي والإثبات، والمشتري كذلك؛ يحلف المشتري: واللهِ ما اشتريته بكذا بكم؟ بمئة وإنما اشتريته بثمانين.
فإذا تمت المحالَفة ولم يرضَ أحدهما بقول الآخر فلكلِّ واحد منهما الفسخ.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من تقدُّم حَلِف البائع، فلو بدأ المشتري أولًا لم يصح، قلنا للبائع: احلف، ثم يحلف المشتري، فيلزم المشتريَ في هذه الحال أن يَحلف ثانيةً؛ لأن المؤلف يقول: (فيحلِفُ البائعُ أولًا).
ثانيًا: ظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من الجمع بين النفي والإثبات؛ نفي ما ادَّعاه خصمُه وإثبات ما ادَّعاه هو، فلو نفى ما ادَّعاه خصمه فقط وقال: واللهِ ما بعته بثمانين -يقول البائع- يكفي ولَّا لا؟ لا يكفي، حتى يُثبِت ما ادعاه؛ يحلف على ما ادعاه.
لو اقتصر على الإثبات فقط قال: واللهِ لقد بعتُه بمئة، وإن هذا المشتري كاذب؟ ما يكفي، لا بد أن يقول بالنفي: ما بعته بثمانين وإنما بعته بمئة.
لو قَدَّم الإثبات على النفي، قال: واللهِ لقد بعته بمئة وما بعته بثمانين؟ على كلام المؤلف لا يصح.
فلا بد من أمور ثلاثة:
أن يحلف البائع أولًا.
الثاني: أن يجمع بين النفي والإثبات.
الثالث: أن يقدم النفي.
وكذلك يقال بالنسبة لحلف المشتري: أن يكون ثانيًا؛ أي: أن يكون هو الثاني في اليمين، وأن يبدأ بالنفي قبل الإثبات، وأن يجمع بين النفي والإثبات.
وقال بعض أهل العلم: إن القول قول البائع؛ لأن المُلك خرج من يده، ولا يمكن أن يخرج إلا بما يرضى به هو، ما لم توجد بينة، هذا من جهة التعليل.
من جهة الدليل: «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ» (1).
وهذا القول أقوى؛ لأنه يؤيده ظاهر الحديث ويؤيده المعنى أيضًا؛ أن القول قول البائع، ويقال للمشتري: إن رضيت بما قال البائع، ولَّا ملكه باقٍ.
إلا إذا ادعى البائع ثمنًا خارجًا عن العادة فحينئذٍ لا يُقبَل؛ بأن قال: بعتها بمئة وهي لا تساوي خمسين في السوق، فهنا لا نقبل.
فإن قال قائل: لماذا لا تقبلون؛ لأنه ليس على المشتري ضرر؛ إذ إنه سيفسخ، إذا لم يرض المشتري بما ادعاه سوف يفسخ العقد؟
فالجواب: أن في ذلك ضررًا على المشتري؛ لأن المشتري قد تكون حاجته متعلقةً بهذه السلعة وقد اشتراها، أو يكون السوق ارتفعت أسعارُه أو ما أشبه ذلك، فحينئذٍ نقول: إذا ادَّعى ثمنًا أكثر مما جرت به العادة فإننا لا نقبل قوله؛ لبُعده.
وعلى القول بأنهما يتحالفان فالصحيح أنه لا يحتاج إلى الجمع بين النفي والإثبات، والمقصود هو نفي ما ادَّعاه صاحبه فقط أو إثبات ما ادعاه هو، وهذا يحصل، يحصل بأيش؟ بإفراد النفي أو إفراد الإثبات، والجمع بينهما ليس بلازم، وهذا أيضًا أقوى من وجوب الجمع بينهما.
هذه واحدة.
وإذا قلنا بالجمع فالقول الراجح أيضًا أنه لا يُشْتَرط تقديم النفي، وأنه لو قال: واللهِ لقد بعتُه بمئة وما بعته بثمانين، كفى؛ لأن المقصود حَصَل.
بقي عندي توقُّف: هل يُشْتَرط تقديم يمين البائع أو يمين المشتري؟
المؤلف يرى أنه يُقَدَّم يمين البائع، وهذا قد يكون له وجه كما ذكرنا في تعليله، وقد يقال: لو أن المشتري تعجَّل وحلف قبل، فما المانع من أن يكون حَلِفه مقبولًا؟ فهذه مسألة نتوقف فيها.
طالب: بالنسبة إذا باع سلعة بقسطها من الثمن ولم يخبر المشتري، فالمؤلف يقول: له الخيار، لكن إذا كانت -يا شيخ- السلعة متبادلة؟
الشيخ: كلام المؤلف مطلقًا سواء ينقسم عليه الثمن بالأجزاء أو بالقيمة.
الطالب: ويش العلة في الخيار؟
الشيخ: العلة أنه قد يكون بعض الناس له رغبة إذا كان العقد على شيء كثير.
الطالب: هو يريد هذا الشيء.
الشيخ: لا، بس بالنسبة للبائع قد تكون الرغبة بالكثير أكثر من القليل، ونحن أشرنا إلى هذا، لكن فيه -الرأي الذي أشرت إليه- أنه إذا صار ينقسم عليه الثمن بالأجزاء فلا بأس.
طالب: قلنا: الخيار (... ) المشتري في الصورة التي ذكرها المؤلف (... ) على المشتري؟
الشيخ: اللي هي؟
الطالب: الزيادة.
الشيخ: كيف الزيادة؟
الطالب: اشترى بمئة وزاد عشرين في خيار المجلس، قال: أنا اشتريت بمئة وعشرين، مع أنه لا ينقص (... ) الضرر على المشتري.
الشيخ: الضرر؛ لأنه ربما أن هذه من جنس المحاباة؛ أن قيمته الحقيقة مئة، لكن المشتري له رغبة أكيدة في هذا الذي اشتراه فزاده العشرين.
الطالب: (... ).
الشيخ: هو هذا السبب، السبب أنه قد يكون هكذا.
طالب: بارك الله فيكم، قلنا في البيع بتخبير الثمن: إن تبين للمشتري أن البائع خدعه، وإلا فلا خيار، فكيف نتصور -يا شيخ- أن يبيعه ويزيد عليه بدون خداع، لا بد أن يخدع في كل حال؟
الشيخ: لا، ما هو على كل حال، قد يكون ناسيًا أو ما أشبه ذلك، ما هو على كل حال.
(... ) تخبير.
طلبة: المساومة.
الشيخ: تعرفون المساومة؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: يعني: أبيعه وأقول: من يشتري؟
طالب: أريح.
الشيخ: نعم، المساومة أسهل، لكن أيهما أشد طمأنينة بالنسبة للمشتري؟
الطلبة: التخبير.
الشيخ: التخبير؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إي، إذن كل واحدة منها تمتاز بمزية، لكن الإمام أحمد أحب إليه المساومة؛ لأنها أبرأ للذمة لا شك (... ) أنا شاريه بعشرة والآن يسوى مئة ما يهم.
طالب: في بعض البلاد -يا شيخ- هناك غصب في القوانين، بمعنى مثلًا (... ) تؤخذ منه البضاعة، ثم إذا اجتمعت بضائع كثيرة بيعت في المزاد العلني، ما يسمى بالمزاد العلني، فهل يجوز للناس أن يشتروا مثل هذه السلع؟ وهل يجوز لمن أخذت منه هذه السلعة أن يذهب فيشتري؟
الشيخ: يقول: في بعض البلاد -ولا سيما على المواني- يتأخر بعض الناس عن التحميل أو عن دفع الأُجرة، وقد حُدِّد له أجل معلوم معروف، ولكنه لا يأتي، فيباع بالمزاد العلني، فهل يجوز أن نشتريه؟ الجواب: نعم، ولك أجر.
الطالب: عفوًا يا شيخ، صورة سؤالي (... ) يعني أقصد في بعض البلاد..
الشيخ: خليني أكمل، أقول: نعم؛ لأن أهل هذه الأموال قد علموا أنها ستؤخذ إلى أجل معلوم، وثانيًا: أنك إذا اشتريت ستزيد في الثمن ويزيد غيرُك عليه، فيكون في ذلك مصلحة لبيت المال، ولو قلنا للناس: لا تشتروا، لفسدت هذه البضائع، نعم هذا هو، وكذلك لو أن صاحبها اشترى منها ما فيه بأس.
الطالب: جائز.
الشيخ: نعم.
الطالب: هذه الصورة فهمتها.
التي أقصد بعض البلاد ليس -مثلًا- يقولون: إذا لم تأتِ في كذا وكذا، يأتي -مثلًا- سائح أو كذا أو راجع إلى بلده فيأخذ معه أشياء فيجمركونها، وإذا لم يدفع أخذوها منه، أو يأخذوها منه لأنه زاد على العدد، مسموح له أن يأتي مثلًا.. ؟
الشيخ: (... ) كل عقوبة معلومة فهي حلال.
طالب: في مسألة إذا دخل شخص ما البستان، (... ) حيازة، فأصبح الآن معتديًا على البتسان، لأنه فيه سور البستان؟
الشيخ: لا، البستان المسور ما يؤخذ منه شيء.
الطالب: ما يؤخذ منه.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لو أن رجلًا دخل على بستان شخص فحشه وقطع الشجر فإنه يكون ملكًا له.
الشيخ: لمن؟
الطالب: يكون ملكًا له؛ لأنه حازه.
الشيخ: هذا ما لم يكن صاحب البستان هو الذي أنبته، أما إذا كان هو اللي زرعه فهو يضمنه، لكن إذا كان هذا من الكلأ فإنه يملكه ويأخذه مع الإثم.
طالب: في بعض البلاد بعض الناس يستوردون بضائع (... ) الدول الخارجية.
الشيخ: يسرقونها؟
الطالب: لا، يستوردونها بالشراء.
الشيخ: نعم.
الطالب: والحكومة تفرض عليهم الضرائب والجمارك (... )، وفي مثل هذا على كل حال بعض الناس يهربون (... ) نقاط التفتيش والضرائب، يهربونها (... )، فهل عليهم إثم في هذا؟
الشيخ: ماذا تقولون؟ يقول: إن بعض البلاد فيها جمارك، فهل يجوز لصاحب المال أن يفر من ذلك مع طريق آخر؟
الجواب: نعم، يجوز بشرط ألَّا يكون في ذلك منابذة منه للحكومة؛ يعني أنه يتسلل خُفية، أما إذا كان فيه منابذة فلا تجوز المنابذة، بل الواجب الصبر.
طالب: وكذلك الضرائب يا شيخ؟
الشيخ: والضرائب، كلها، كل من أخفى شيئًا لدفع الظلم عن نفسه فلا بأس، لكن أما أن يكذب ويضع شيئًا آخر تحيلًا فهذا لا يجوز.
(... )
يقول: رجل اشترى سلعتين ودفع الثمن واستلم واحدةً منهما، والأخرى يستلمها بعد عشرة أيام (... ) الأسعار، فما الواجب أن يفعله البائع والمشتري في هذه الحال؟
الواجب أن يسلم البائع المبيع والثمن قد اسْتُلِم.
طالب: ما يطالبه بالزيادة؟
الشيخ: لا، ما يطالبه؛ لأنها ملكه، أرأيت لو هلكت السلعة هل يضمنها؟
الطالب: لا.
الشيخ: من له غنم الشيء فله غرمه، من عليه الغرم فله الغنم.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: السابع: خيارٌ لاختلافِ المتبايعَيْن، فإذا اختلفا في قَدْر الثمن تَحَالَفَا، فيحلِفُ البائعُ أولًا: ما بعْتُه بكذا وإنما بِعْتُه بكذا، ثم يَحْلِفُ المُشتري ما اشتريتُه بكذا وإنما اشتريتُه بكذا، ولِكُلٍّ الفسخُ إذا لم يَرْضَ أحدُهما بقول الآخَر، فإن كانت السلعةُ تالفةً رجعَا إلى قيمةِ مثلِها، فإن اختلفا في صِفَتِها فقولُ مُشْترٍ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
(السابع) يعني: من أقسام الخيار، وقد مضى ستة أقسام، والذي مضى منه ما يثبت بالشرط ومنه ما يثبت بالشرع، فخيار المجلس ثابت؟
طالب: ثابت بالشرع.
الشيخ: بالشرع، طيب.
وهل لهما إسقاطه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: الدليل أولًا، ثم التعليل ثانيًا؟
الطالب: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن تبايعا على ذلك».
الشيخ: لفظ الحديث من يعرفه؟
طالب: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ».
الشيخ: «إِذَا تَبَايَعَ رَجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا»..
الطالب: «فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعَ».
الشيخ: نعم، «وَإِنْ تَفَرَّقَا»؟
الطالب: «وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعَ» (3).
الشيخ: التعليل؟
الطالب: التعليل: لأن هذا حقهما، فإذا أسقطاه (... ).
الشيخ: تمام.
وفيه خيار يثبت بالشرط؟
طالب: وهو خيار الشرط؛ أن يشترط أحد المتبايعين الخيار لمدة معينة.
الشيخ: طيب.
وهل يُشْتَرط بقاء المبيع في هذه المدة أو يجوز حتى فيما لا يُظَن بقاؤه في هذه المدة؟
الطالب: فيه خلاف، (... ) يُشْتَرط بدون المبيع.
الشيخ: كيف يُشْتَرط بدون المبيع؟
الطالب: يعني يُشْتَرط أن يكون في مدة (... ).
الشيخ: في مدة يبقى فيها المبيع؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي، هذا المذهب؟
الطالب: لا أذكر -يا شيخ- هذا المذهب أو لا، ذكرنا أن فيها خلافًا، فيها قولان، وهذا أحد القولين.
الشيخ: والقول الثاني؟
الطالب: القول الثاني أنه لا يُشْتَرط.
الشيخ: طيب، على هذا القول كيف نعمل إذا اختار الفسخ؟
الطالب: القول الثاني؟
الشيخ: هذا القول كيف نعمل إذا اختار الفسخ؟
الطالب: إذا اختار الفسخ يُرْجَع بمثل المبيع أو بقيمته.
الشيخ: يُرْجَع بمثل المبيع أو بقيمته.
طيب، وحينئذٍ قد تكون القيمة أكثر أو أقل.
خيار يثبت لخلل أو نقص في المبيع؟
طالب: يسمى خيار العيب.
الشيخ: وهو خيار العيب.
ما هو العيب الذي يثبت به الخيار؛ الضابط فيه؟
الطالب: هو كل ما ينقص من قيمة المبيع.
الشيخ: كل ما ينقص قيمة المبيع.
طيب، حتى لو زادت عينه؟ يعني: عين المبيع زادت ولكن نقصت القيمة؟
الطالب: حتى لو زادت.
الشيخ: مثل؟
الطالب: مثل الأصبع الزائد.
الشيخ: مثل الأصبع الزائد.
إذا ثبت العيب فكيف يكون الخيار؟ يعني: اشترى إنسان سلعة فبان بها عيب فكيف يكون الخيار؟
طالب: يكون الخيار للمشتري.
الشيخ: للمشتري، بَيْن؟
الطالب: إن أراد أن يشتريها أو ردها.
الشيخ: إن شاء أمسكها.
الطالب: أو ردها.
الشيخ: طيب، وإذا أمسكها فهل له النقص الذي حصل بهذا العيب أو لا؟
الطالب: نعم له.
الشيخ: له ذلك؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إذن يخير بين؟
الطالب: بين الإمساك.
الشيخ: بين الإمساك مع الأرش وبين الرد، طيب.
هل في هذا خلاف؟
طالب: نعم، فيه خلاف.
الشيخ: ما هو الخلاف؟
الطالب: المذهب يقول: إنه إذا أمسكه فليس له أرش العيب، أما إذا رده.
الشيخ: معناه أنك ما حضرت زاد المستقنع، سبحان الله!
طالب: ذكرنا أنه لو أمسكه له الإمساك مع الأرش أو له الرد بأخذ الثمن.
الشيخ: طيب، معلوم له الرد ويأخذ الثمن، أو له الأرش، لكن هل في المسألة خلاف؟
طالب: نعم، مع الإمساك أخذ الأرش أو الرد بالثمن.
طالب آخر: إن كان العيب مما يمكن رده (... )، وإلا فله ثمن..
الشيخ: خليه إذا تعذر الرد تعين الأرش، لكن ذكرنا لكم فيما سبق أن شيخ الإسلام يقول: إما أن يأخذه مجانًا، وإما أن يرده، وأما الأرش فلا بد من رضا البائع؛ لأنه معاوضة، فالبائع يقول: أنا بعت عليك هذا الشيء؛ فإما أن تأخذه، وإما أن ترده، أما الأرش فهذا يعتبر عقدًا جديدًا، إلا إذا كان مدلسًا البائع؛ يعني علمنا أنه عالم بالعيب ولكن دلس فهنا يكون الخيار بين الإمساك مع الأرش وبين الرد.
هناك خيار يكون بالغش ما هو؟
طالب: هذا مثاله الذي..
الشيخ: لا، ماذا يُسَمى عند الفقهاء؟
الطالب: خيار تدليس.
الشيخ: خيار تدليس، طيب.
وما هو التدليس؟
الطالب: التدليس مثاله يا شيخ..
الشيخ: لا، عَرِّفه أولًا، ثم مثِّل ثانيًا؟
الطالب: أن يُظْهِر البضاعة خلاف ما هي عليه.
الشيخ: من أيش؟ من زين أو من شين؟
الطالب: لا، من زين، يُظْهِر خلاف ما هي عليه من شين؛ من عيب، يعني يغطي..
الشيخ: يعني معناه أن تكون السلعة جيدة فيظهرها بالمظهر السيئ؟
الطالب: لا، بالعكس.
الشيخ: بالعكس، إذن أن يظهر السلعة على وجه مرغوب فيه وهي خالية منه.
ما هو الأصل في هذا؟
الطالب: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا».
الشيخ: نعم، حين مر بطعام.
الطالب: فوجد رجلًا يبيع تمرًا وكان..
الشيخ: قد أصابته السماء، وكان البائع قد جعل الذي أصيب في الأسفل، والسليم؟
الطالب: الذي أصيب من أسفل والسليم من فوق، فقال: يا رسول الله، أصابته السماء.
فقال: «هَلَّا أَظْهَرْتَهُ لِلنَّاسِ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا».
الشيخ: قال: «مَا هَذَا؟ » قال: أصابته السماء، فقال: «هَلَّا جَعَلْتَهُ فَوْقَ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» (5).
ما الفرق بينه وبين خيار العيب؟
الطالب: أن التدليس بفعل البائع وبقصده، وأما العيب فقد يكون بخلاف قصد البائع، ليس بقصد البائع.
الشيخ: قد يكون بقصده.
الطالب: لكن التدليس متعين أنه بقصد من البائع.
الشيخ: ما هو هذا الفرق، ما الفرق بين التدليس والعيب؟
طالب: العيب بأن يغطي عيبًا وقع في هذه السلعة فيظهرها بأنها خالية منه، وخيار التدليس بأن يصفها بصفة مرغوبة فيها وهي خالية منها.
طالب آخر: التدليس أن يخفي العيب حين البيع، والعيب أن يكون سابقًا في البيع.
طالب آخر: العيب أن يكون في أصل السلعة، والتدليس أن يكون في وقت الشراء.
الشيخ: العيب فوات كمال، وأما التدليس فهو إظهار محاسن وهي خالية منها، هذا الفرق؛ فالمدلس يُظهِر السلعة بمظهر حسن مرغوب وهي ليست كذلك، والعيب فوات كمال في السلعة؛ يعني السلعة الأصل خلوها منه.
هذا هو الفرق.
إذا أَعتَق المبيع الذي ظهر فيه العيب فما الذي يتعين هنا؟
طالب: يتعين الأرش.
الشيخ: يتعين الأرش؟ لماذا؟
الطالب: لتعذر الرد.
الشيخ: لتعذر الرد؛ حيث إن العبد تحرر ولا يمكن أن يعود رقيقًا.
فيه خيار يكون بكذب البائع ويُسَمى؟
طالب: الخيار بتخبير الثمن.
الشيخ: الخيار بتخبير الثمن، وأيش معنى تخبير الثمن؟
الطالب: أن يخبره بثمنه؛ برأس ماله.
الشيخ: يعني: يخبر المشتري بخلاف الواقع.
مثاله؟
الطالب: مثل أن يشتري شيئًا ما، ثم يبيعه ولا يخبر المشتري برأس المال.
الشيخ: لا.
طالب: مثل يشتري -مثلًا- سيارة بثمانين ألفًا، ثم يأتيه رجل فيقول: بعنيها برأس مالها، فيقول: رأس مالها مئة ألف.
الشيخ: إي نعم، صحيح، أن يبيع السلعة برأس مالها ويدَّعي أن رأس مالها مئة ورأس مالها في الحقيقة ثمانون، هذا البيع بتخبير الثمن.
هل له أصل يُرجَع إليه في هذا؟ يعني من السنة أو من القرآن بحيث نقول: لك الخيار؛ لأنه أخبرك بخلاف الواقع؟
طالب: (... ) قول الرسول: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (5).
الشيخ: كيف؟
الطالب: أنه غش (... ).
الشيخ: (... ) الغش أو من التدليس؟ هو أقرب للتدليس أقرب منه إلى العيب، هو داخل في الحديث؛ لأن الغش تدليس، هذا أقرب ما يُلحق به في الأصول.
إذا اشترى ثوبًا بعشرة، ثم غسله ونظَّفه بخمسة، وباعه بالتخبير بالثمن وقال: إنه بخمسة عشر، ماذا تقول؟
طالب: لا، يجب عليه أن يقول: إنه أصله بعشرة، ثم غسله..
الشيخ: هل يجوز هذا أو لا؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا يجوز؛ يعني: لا يجمع بين أصل الثمن وبين أجرة التغسيل، بل يقول: اشتريته بعشرة، وغسلته بخمسة.
السابع من أقسام الخيار وهو الأخير، يقول: (السابع: خيارٌ يثبت لاختلافِ المتبايعَيْن).
(فإذا اختلفا في قَدْر الثمن) (اختلفا) الفاعل البائع والمشتري، (في قدر الثمن) فالبائع يقول: مئة، والمشتري يقول: ثمانون، (تحالفا) أي: كل واحد منهما يحلف؛ لأن كل واحد منهما مدعٍ ومدعًى عليه، فالبائع مدعٍ والمشتري مدعًى عليه، والمشتري أيضًا مدعٍ والبائع مدعًى عليه؛ البائع يدعي الأكثر، والمشتري يدعي الأقل؛ فلهذا كان الحلف بجانب الطرفين، ولا ينافي هذا قولَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (4)؛ لأن كلًّا منهما مدعٍ ومنكِر؛ فلهذا نقول: إذا اختلفا في قدر الثمن تحالفا.
ولكن هذا مشروط بما إذا لم يكن هناك بينة، ومشروط بما إذا لم تقم قرينة تكذِّب قول أحدهما، فإن كان هناك بينة فالثمن ما شهدتْ به البينة، وإن كان هناك قرينة تكذِّب قول أحدهما فإنه لا يُلتفت إليه.
مثال الأول: تخالف البائع والمشتري في قدر الثمن؛ فقال البائع: قدره مئة، وقال المشتري: قدره ثمانون، وأقام المشتري بينة أنه بثمانين، فمنِ القول قوله؟ قول المشتري؛ لوجود البينة.
وكذلك لو أقام البائع بينةً أنه مئة فالقول قول البائع؛ لأنه معه البينة.
وإذا ادعى أحدهما ما لا يمكن أو ما كان بعيدًا؛ مثل أن يقول: بعت عليك حزمة هذا البصل بمئة ريال، وهي في السوق بعشرة، فقال المشتري: اشتريتها بعشرة، فهل نقول في هذه الحال: إذا لم يكن هناك بينة يتحالفان؟ لا، لماذا؟ لأن دعوى البائع تكذبها القرينة، فلا عبرة بها، فيقال الآن..
فيَحْلِفُ البائعُ أوَّلًا: ما بِعْتُه بكذا وإنما بِعْتُه بكذا، ثم يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي: ما اشْتَرَيْتُه بكذا وإنما اشْتَرَيْتُه بكذا.
ولكلٍّ الفسخُ إذا لم يَرْضَ أحدُهما بقَولِ الآخَرِ، فإن كانت السلعةُ تالِفَةً رَجَعَا إلى قِيمةِ مِثلِها، فإن اخْتَلِفَا في صِفتِها فقَوْلُ مُشْتَرٍ، وإذا فُسِخَ العقدُ انْفَسَخَ ظاهرًا وباطِنًا، وإن اخْتَلَفا في أَجَلٍ أو شَرْطٍ فقَوْلُ مَن يَنْفِيهِ، وإن اخْتَلِفَا في عَينِ الْمَبيعِ تَحَالَفَا وبَطَلَ الْبَيْعُ، وإن أَبَى كلٌّ منهما تَسليمَ ما بيدِه حتى يَقْبِضَ الْعِوَضَ - والثمَنُ عينٌ - نُصِّبَ عَدْلٌ يَقْبِضُ منهما ويُسَلِّمُ الْمَبِيعَ ثم الثَّمَنَ، وإن كان دَيْنًا حالًّا أُجْبِرَ بائعٌ ثم مُشْتَرٍ إن كان الثمَنُ في الْمَجْلِسِ، وإن كان غائبًا في البلَدِ حُجِرَ عليه في الْمَبيعِ وبَقِيَّةِ مالِه حتى يَحْضُرَه، وإن كان غائبًا بعيدًا عنها والْمُشْتَرِي مُعْسِرٌ فللبائعِ الفَسْخُ، ويَثْبُتُ الخيارُ للخُلْفِ في الصفةِ ولتغييرِ ما تَقَدَّمَتْ رؤيتُه.
(فصلٌ)
ومَن اشْتَرَى مَكيلاً ونَحْوَه صَحَّ ولَزِمَ بالْعَقْدِ ولم يَصِحَّ تَصَرُّفُه فيه حتى يَقْبِضَه، وإن تَلِفَ قبل قَبضه فمِن ضَمانِ البائِعِ، وإن تَلِفَ بآفَةٍ سَماوِيَّةٍ بَطَلَ البيعُ، وإن أَتْلَفَه آدميٌّ خُيِّرَ مُشْتَرٍ بينَ فَسْخٍ وإمضاءٍ ومُطالبَةِ مُتْلِفِه ببَدَلِه
البائع والمشتري في قدْر الثمن، فقال البائع: قدره مئة، وقال المشتري: قدره ثمانون، وأقام المشتري بينة أنه بثمانين، فمَن القول قوله؟ قول المشتري لوجود البينة.
وكذلك لو أقام البائع بينةً أنه مئة، فالقول قول البائع؛ لأنه معه البينة.
وإذا ادعى أحدهما ما لا يمكن أو ما كان بعيدًا، مثل أن يقول: بعتُ عليكَ حزمة هذا البصل بمئة ريال، وهي في السوق بعشرة، فقال المشتري: اشتريتها بعشرة.
فهل نقول في هذه الحال: إذا لم يكن هناك بينة يتحالفان؟ لا، لماذا؟ لأن دعوى البائع تكذبها القرينة، فلا عبرة بها، فيقال الآن: قول البائع غير مسموع إطلاقًا، والقول هنا قول المشتري؛ لأن العرف يؤيده، فإذا حلف أن هذا الثمن قبض.
فعليه يكون قول المؤلف: (تحالفا) مشروط بما إذا يكن بينة، ولم تكن قرينة تكذب قول أحدهما.
كيفية التحالف، قال: (فيحلف البائع أولًا ما بعتُه بكذا وإنما بعته بكذا)، فيُقدَّم البائع؛ لأن البائع قد انتقل ملكه إلى المشتري، فهو الذي يُقدَّم من حيث إنه هو الذي انتقل من يده الملك.
ثم يبدأ بالنفي، ثم بالإثبات؛ لأن الأصل دفع المدَّعَى، ثم إثبات ما يدعيه النافي، فيحلف أولًا: ما بعتُه بكذا، وإنما بعته بكذا، هو قال: بمئة، والمشتري قال بثمانين، فكيف يقول؟ والله ما بعته بثمانين، وإنما بعته بمئة.
والمراد هذا اللفظ أو معناه، فلو قال: والله لستُ بائعًا له بثمانين، بل أنا بائع إياه بمئة، فإن ذلك كافٍ، فالعبارة التي ذكرها المؤلف لا يُشترط لفظها، المقصود المعنى، لكن يبدأ أولًا بالنفي، ثم بالإثبات.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من الجمْع بين النفي والإثبات، وهذا أحد القولين، وإنما اشتُرط ذلك ليكون دافعًا لما ادعاه خصمه بالنفي مثبِتًا لما ادعاه هو بالإثبات.
وقيل: يكفي الإثبات، فيقول: والله ما بعتُه إلا بمئة، وهذا القول هو الصحيح، وذلك لأن المقصود من الألفاظ هو المعاني، فإذا ظهر المعنى اكتفينا به بأي صيغة كانت، فلا يُشترط على القول الراجح البداءة بالنفي، بل نقول: إذا أثبت كفى، سواء جاء بطريق الحصر: والله ما بعته إلا بكذا، أو قال: والله لقد بعته بمئة، يكفي.
وكذلك يقال بالنسبة لمن؟ للمشتري، المشتري يحلف أولًا: ما اشتريته بكذا؛ يعني به ما قاله البائع، وإنما اشتريته بكذا؛ يعني ما ادعاه، فيقول: والله ما اشتريته بمئة، وإنما اشتريته بثمانين، ويُقال فيه كما قيل في البائع، بأن القول الراجح أنه إذا حلف على إثبات ما ادعاه كفى.
فإن عكسا في الترتيب فبدأ المشتري أولًا، ثم البائع، فماذا نصنع؟ نقول: يعيد المشتري؛ لأنه لا بد من الترتيب كما قال المؤلف: (يحلف البائع أولًا)، وقد قيل: إنه لا يشترط الترتيب، وأن المشتري لو أنه بدأ أولًا لاعتُبرت يمينه؛ لأن المقصود حاصل، وقيل: يُبدأ بالمدعي، فمثلًا إذا كان المشتري هو الذي قال: اشتريته بكذا قبل أن يدعي عليه البائع أنه باعه بكذا؛ قُدِّم المشتري.
والظاهر بناءً على القاعدة العامة أن العبرة في الألفاظ، العبرة بمعانيها، فإذا حصل المقصود فإنه يصح ويُحكم به سواء بالتقديم أو التأخير، وبتقديم النفي على الإثبات أو بالاقتصار على الإثبات.
قال: (ولكل واحد منهما الفسْخ إذا لم يرضَ أحدهما بقول الآخر).
يعني بعد التحالف نقول: الآن كل واحد منكما بالخيار، فإن رضي أحدهما بقول الآخر فلا فسخ، إذا رضي أحدهما بقول الآخر فلا فسْخ، مثلًا المشتري لما رأى أن البائع حلف وهَّم نفسَه، وقال: إن هذا الرجل لن يحلف هذا الحلف البات إلا عن يقين، ثم رضي، فالقول ما قال البائع، وكذلك لو أن البائع لما رأى أن المشتري قد حلف وأكد فقال: أنا أصدقه وأوهم نفسي، فإنه يبقى المبيع على ما هو عليه، ولهذا قال: (إذا لم يرضَ أحدهما بقول الآخر).
(فإن كانت السلعة تالفةً رجعا إلى قيمة مثلها) إن كانت السلعة تالفة رجع إلى قيمة مثلها، مثل أن اشترى شاةً، ثم ذبحها وأكلها، ولما أراد أن يُسلِّم الثمن للبائع قال البائع: الثمن مئة، وقال الذي اشترى الشاة وذبحها إنها -أي القيمة- ثمانون، الآن لو فسخنا العقد فأين المبيع؟ المبيع تالِف، نرجع إلى قيمة الْمِثل.
وصريح كلام المؤلف أننا لا نرجع إلى مِثل المثل، بل إلى القيمة، وذلك لأن البائع أقر بأنها خرجت من ملكه بالقيمة، فهي مضمونة بماذا؟
طالب: بقيمتها.
الشيخ: بالقيمة، وليست كضمان الْمُتلف يرجع فيه إلى الْمِثل، ثم إلى القيمة، بل هذه البائع اعترف الآن بأنها خرجت منه بأيش؟
طالب: بالثمن.
الشيخ: بالقيمة، خرجت منه بالقيمة، فإذا كان اعترف بأنها خرجت من ملكه بالقيمة بقي النظر الآن اختلافها في القيمة فيُرجع إلى قيمة المثل.
وظاهر كلام المؤلف أنه يُرجع إلى قيمة الْمِثل ولو كانت أقل مما قال المشتري أو أكثر مما قال البائع.
يعني مثلًا البائع قال: إنها بمئة، والمشتري قال: بثمانين، والسلعة تالفة، وقلنا: نرجع إلى القيمة؛ قيمة الْمِثل، فقالوا: إن قيمة الْمِثل تساوي هذه الشاة مئة وخمسين، فصارت القيمة أكثر مما قال البائع، أو قالوا: إن القيمة بستين، أنقص مما قال المشتري، فالآن المشتري مُقِرٌّ، قد أقر بأن في ذمته لهذا الرجل ثمانين، والبائع قد أقر أنه لا يُطالِب المشتري بأكثر من مئة، والآن سيأتي البائع مئة وخمسون، وسيدفع المشتري كم؟ ستين، أقل مما ادعى، وهذا مراد، يعني هذا ظاهر كلام المؤلف، وهو مُراد، وعلَّلوا ذلك بأنه لما انفسخ العقد رجعنا إلى القيمة، إلى قيمة الْمِثل، فلغى قول البائع، ولغى قول المشتري، ورجعنا إلى الأصل وهو القيمة.
وقال بعض أهل العلم: إنه إذا صارت القيمة أكثر مما قال البائع فإنه لا يستحق أكثر مما ادعى، وإذا بانت القِيمة أقل مما قال المشتري أُلزِم بما أقر به، ولا شك أن هذا هو الورَع؛ أن يقول البائع: أنا لا آخذ أكثر مما ادعيت أنني بعتُ به، والمشتري يقول: أنا سأدفع ما أقررت بأنني اشتريت به، هذا لا شك أنه هو طريق الورع، لكن هل يُلزم حُكمًا؟ هذا محل خلاف، المذهب أنه يُلزم بالقيمة سواء كانت أكثر مما ادعاه البائع أو أقل مما ادعى المشتري، ولهذا قال: (اختلفا)، أي رجعا إلى قيمة مثلها، وحينئذٍ لا بد أن نعرف تعليلين: التعليل الأول: لماذا نرجع إلى قيمة الْمِثل دون الْمِثل؟
طالب: لأن البائع أقر بالخروج عن ملكه بهذه القيمة.
الشيخ: بالقيمة.
الطالب: بالقيمة، نعم.
الشيخ: طيب، فهو لا يستحق المثل.
طيب، والمسألة الثانية: لماذا نرجع إلى القيمة دون ما ادعياه؟
طالب: لأنه لما انفسخ البيع.
الشيخ: العقد.
الطالب: لأنه لما انفسخ العقد سقط قول البائع للمشتري فيرجع للقيمة وهي (... ).
الشيخ: طيب، لأنه بفسخ العقد صار لا عبرة به، لا عبرة بالعقد إطلاقًا، فيُرجع إلى قيمة الْمِثل.
قال المؤلف رحمه الله: (فإن اختلفا في صفتها فقول مشترٍ) (اختلفا في صفتها) أي صفة السلعة التالفة، فالقول قول المشتري، مثل أن يقول البائع: إن العبد الذي هلك كان كاتبًا، وقال المشتري: بل كان غير كاتب.
فهنا إذا رجعنا إلى القيمة فبينهما فرْق عظيم، أيهما أغلى؟ الكاتب، والبائع الآن يدعي أنه كاتب، والمشتري يقول: غير كاتب، فالقول قوْل المشتري، وذلك بناءً على القاعدة: أن كل غارم فالقول قوله، الغارم القول قوله، كل غارم فالقول قوله؛ لأن ما زاد على غرمه دعوى فيحتاج إلى بينة، فمثلًا إذا قال البائع: إن العبد الذي تلف كان كاتبًا، وقال المشتري: بل كان غير كاتب، فالقول قول المشتري، فتُقدَّر قيمته غير كاتب، والعلة أيش هي؟ أنه غارِم، والغارم لا يُلزم بأكثر مما ادعى أو مما أقرَّ به؛ لأن الأكثر مما أقر به دعوى تحتاج إلى بينة.
يقول رحمه الله: (فإن اختلفا في صفتها فقول مشترٍ).
طيب، هل مثل ذلك إذا اختلفا في قدرها بأن قال البائع: إني قد بعت عليك شاتين، وقال المشتري: بل واحدة، وقد تلفت الشاتان، هل نقول: إن القول قول المشتري بناءً على القاعدة أو القول قول البائع؟
الأول، بناءً على القاعدة، القول قول المشتري؛ لأن البائع الآن يدَّعي أن المبيع اثنان والمشتري لم يقر باثنين، أقر بواحد وأنكر الثاني، والبينة على المدعي واليمين على من أنكر.
إذن إذا اختلفا في قدر المبيع أو في صفته فالقول قول المشتري.
يقول: (وإذا فسخ العقد انفسخ ظاهرًا وباطنًا) إذا فُسِخ العقد انفسخ ظاهرًا وباطنًا ورُدَّت السلعة إلى البائع، يتصرف فيها تصرُّف الملاك في أملاكهم، ورجع الثمن إلى المشتري، يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم، سواء كان أحدهما صادقًا أم كاذبًا، حتى الكاذب ينفسخ العقد في حقه باطنًا وظاهرًا.
طيب، اختلفا البائع والمشتري في قدْر الثمن، فقال البائع: بعت عليك هذه الشاة بمئة، وقال المشتري: بثمانين، ولا بيِّنة، فتحالفا وتفاسخا.
ترجع الشاة إلى مَنْ؟ إلى البائِع، والقيمة المدفوعة للمشتري.
انفسخ العقد الآن ظاهرًا وباطنًا؛ أما ظاهرًا فواضح، لو ترافعا إلى الحاكم لحكم برد السلعة إلى البائع ورد الثمن إلى المشتري، ظاهرًا.
باطنًا؛ لو فرضنا أن البائع كاذب، وأن البيع بثمانين، السلعة رُدَّت إليه الآن، أليس كذلك؟ نقول: تصرف فيها تصرف الملاك في أملاكهم، فإذا بعتها، أو أجرتها، أو وهبتها، فكل العقود التي تكون بعد فسْخ العقد الأول تكون نافذة وصحيحة، حتى وإن كنت كاذبًا.
وهذا ما مشى عليه المؤلف رحمه الله، ولكن هذا قوْل ضعيف جدًّا، والصواب أن الكاذب منهما لا ينفسخ العقد في حقه باطنًا، وأنه لا يحل له أن يتصرف فيه فيما رجع إليه من ثمن إن كان مشتريًا أو من سلعة إن كان بائعًا، كما قالوا ذلك في الصلح فيمن ادُّعي عليه بدَيْن وأنكر وهو كاذِب، وجرى الصُّلح بينه وبين المدَّعِي، فإنهم قالوا هناك: من كذب لم يصح الصلح في حقه باطنًا، فيقال: أي فرْق بين هذا وهذا؟
فالصواب أن الكاذِب منهما ينفسخ العقد في حقه ظاهرًا فقط، أما باطنًا فلا، ويظهر لك ذلك بالمثال: هذا الرجل البائع الذي حلف أنه لم يبِع بما قال المشتري، وإنما باع بما ادعاه وفسخنا العقد، فرجعت السلعة إلى البائع، ثم باعها لشخص آخر، البيع هذا صحيح أو غير صحيح؟ صحيح ظاهرًا وباطنًا، حتى لو ترافع إلى القاضي فيما بعد، لو حصل خلاف بين المشتري الثاني وبين البائع، فإن الحاكم يحكم بأنها ملكه، أما إذا كان كاذبًا فهنا محل الخلاف:
المذهب أن البيع الثاني صحيح حتى عند الحاكم، والقول الثاني أنه ليس بصحيح، وأن هذا البائع يُعْتبر كالغاصِب تصرَّف في مُلك غيره؛ لأن أصل انفساخ العقد ظُلْم، إذ إن القول هنا ما قال من؟ المشتري، لكن البائع ظَلَمه فادَّعى أكثر من الثمن من أجل أن يسترد المبيع، لكن المؤلف يقول: إنه ينفسخ العقد ظاهرًا وباطنًا؛ لأنه لا علاقة للمشتري به الآن، وقد انفسخ العقد، وكل واحد منهما ذهب إلى وُجْهة نظره.
(وإن اختلفا في أجل أو شرط فقول من ينفيه) (اختلفا في أجل)، بأن قال البائع: بعتُك هذا الشيء نقدًا غير مُؤجَّل، فقال المشتري: بل بعتنيه مؤجلًا.
فالقول قول مَنْ؟
طالب: البائع.
طالب آخر: المشتري.
الشيخ: من اللي نفى؟
طالب: المشتري.
الشيخ: يا إخواننا! !
طالب: البائع يا شيخ.
الشيخ: البائع قال: إني بعتُ عليك هذا الشيء نقدًا، فقال المشتري: بل مؤجلًا إلى سنة، فمن القول قوله؟
طالب: البائع.
طالب آخر: المشتري.
طلبة: (... ).
الشيخ: يا جماعة الخير، أنتم ما شاء الله على مستوى.. (فقول من ينفيه) من الذي نفاه؟
طالب: البائع.
الشيخ: البائع، إذن القول قول البائع، فيُلزم المشتري بدفعه نقدًا، لماذا كان القول قول من ينفيه؟ لأن الأصل عدمه، الأصل عدم التأجيل، فلهذا صار القول قول من ينفيه.
كذلك لو اختلفا في مقدار الأجل، فالقول قول من ينفي الزيادة، يعني اتفقا على أن الثمن مؤجل، لكن قال البائع: مؤجَّل إلى ستة أشهر، وقال المشتري: مؤجَّل إلى سنة، من القول قوله؟
طلبة: البائع.
طالب آخر: من يقول يا شيخ.
الشيخ: تأملوا، من الذي قال: ستة أشهر؟
طلبة: البائع.
الشيخ: البائع، اتفقا على الأجل، يعني لم يختلفا في أصله؛ بل اتفقا على أن الثمن مؤجل، لكن قال البائع: إنه مُؤجَّل إلى ستة أشهر، وقال المشتري: إنه مُؤجَّل إلى سنة، فالقول قول مَنْ؟ قول البائع؛ لأن الأصل عدم الزيادة، فهما قد اتفقا على ستة أشهر، واختلفا فيما زاد، والأصل عدم الزيادة، فإذن القول قول من ينفي أصل التأجيل إذا اختلفا في أصله، وقول من ينفي الزيادة إن اختلفا في قدْر الأجل، فالقول قول مَنْ ينفي الزيادة.
فإن قال قائل: هل يُمكن أن نرجع إلى القرائن في هذه الحال؟ يعني بمعنى أننا نعلم أن هذه السلعة لو كانت نقدًا لكانت بمئة، ولو كانت مُؤجَّلة إلى سنتين أو أكثر لكانت بمئتين، والثمن الآن مئتان، والمشتري يقول: إنه مُؤجَّل إلى سنتين، والبائع يقول: غير مؤجَّل، فهنا القرينة مع مَنْ؟
طالب: مع المشتري.
طلبة: مع المشتري.
طالب: مع البائع.
الشيخ: مع من؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، لا تختلف.
طالب: مع المشتري.
الشيخ: طيب الآن، نُعيد المسألة من أصلها: إذا اختلفا في أجل، يعني بأن قال البائع: بعتُك هذا الشيء بمئة نقدًا، فقال المشتري: بل بعتَنيه بمئة مُؤجَّلة، من القول قولُه؟ قول البائع؛ لأن القول قوْل من ينفي.
الصورة الثانية: اتفقا على الأجل، قال: بعتُك إياه مؤجلًا إلى ستة أشهر، فقال: بل إلى سنة، من القول قوله؟ البائع؛ لأنهما اتفقا على ستة أشهر، واختلفا في الزيادة، والأصل عدم الزيادة.
لكني أقول: لو فُرِض أن القرينة تؤيد قول أحدهما، هذه السلعة نعرف أن قيمتها في السوق الآن مئة، وأنه إذا كان الثمن مُؤجلًا ستكون بمئتين، والثمن الآن مئتان، الثمن مئتان، فالبائع يقول: إنه نقد، والمشتري يقول: مُؤجَّل، فالقرينة مع مَنْ؟ القرينة مع المشتري، لو سألنا أهل السوق قلنا: يا جماعة، كم تسوى هذه نقدًا؟ قالوا: ما تسوى إلا مئة، كم تسوى مؤجَّلة إلى سنتين؟ قالوا: تسوى مئتين.
فهنا القرينة مع المشتري، وعلى هذا فيترجح جانبه، ويقال: يحلف على أن الثمن مؤجل إلى سنتين، ويُحكم بذلك، وعلى هذا فيكون إطلاق المؤلف إن كان مرادًا ففيه نظر، وإن كان غير المراد، وأن هذه الصورة تخرج منه فالأمر ظاهِر.
إذن إذا اختلفا في الأجل فالقول قوْل من ينفيه ما لم تقم قرينة على أن القول قوْل من يُثبته فيُحكم بهذه القرينة.
فإذا قال قائل: القرينة أمْر ظاهر، فكيف تُغلِّبونه على الأصل؟ ما هو الأصل؟ عدم الأجل، هذا الأصل، والقرينة أمر ظاهِر، فكيف يُغلَّب على الأصل؟
قلنا: هذه القاعدة في كل الدعاوى، ما الذي جعل المدعِي إذا كان عنده بينة فالقول قوله إلا القرينة بالشهادة؟ ثم ما الذي جعل سليمان عليه الصلاة والسلام يحكم بأن الولد للصغرى حين تنازعت مع الكبرى؟ القرينة، وما الذي جعل حاكم يوسف يقول: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: 26، 27]، أيش؟ إلا القرينة، وما الذي جعل الأصحاب يقولون: إذا ادَّعت المرأة المطلقة بأن دلال المجلس ومبخرة المجلس لها، وقال الزوج: بل هي لي، من القول قوله؟ قول الزوج، إلا القرينة.
فالمهم أن القرائن دلائل ما فيها إشكال، فإذا ادَّعى الإنسان ما يخالف الظاهر فإن القول مع خصمه؛ لأن مخالفة الظاهر قرينة على كذبه.
يقول رحمه الله: (إذا اختلفا في أجل أو شرط)
(أو شرط)، إذا اختلفا أيضًا في شرط فالأصل عدمه، مثال ذلك: باع رجل بيته على آخر بثمن، ثم ادَّعى البائع أنه قد اشترط سُكناه لمدة سنة، فمن القوْل قوله؟
طالب: قول المشتري إذا نفاه.
الشيخ: يا إخوان!
طالب: (... ) ينفيه.
الشيخ: الآن باع البيت، ثم ادعى أنه اشترط سُكناه سنة، وقال المشتري: لا.
طلبة: قول المشتري.
الشيخ: قول المشتري، لماذا؟ لأنه ينفي الشرط، والأصل عدم وجود الشرط.
طيب، باع عليه عبدًا، فقال المشتري: إنك اشترطت عليَّ أنه كاتِب، وقال البائع: لم أشترط أنه كاتب.
مَنِ القول قوله؟
طلبة: البائع.
الشيخ: قول البائع؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: مُطلقًا.
الطلبة: نعم.
الشيخ: لا.
طالب: ما لم يوجد قرينة.
الشيخ: ما لم يوجد قرينة، وهنا نضرب مثلًا: إذا قُدِّر أن هذا العبد بِيع بعشرة آلاف ريال، الثمن عشرة آلاف مُتفق عليه، وهو غير كاتب يساوي ألفي ريال، فهل القول هنا قول البائع ولَّا قول المشتري؟
طالب: قول المشتري.
الشيخ: ليش؟ القرينة، إذا كان غير كاتب ما يُباع بعشرة آلاف، يُباع بألفين، فالقول هنا قول المشتري.
طيب الصورة الثانية: إذا كان الذي اشتراه صاحب تجارة، ويغلب على ظننا أنه إنما اشتراه ليكون كاتبًا عنده في المحل، فقال المشتري: إني قد اشترطت عليك أنه كاتب، وقال البائع: لا، فهل هذه قرينة؟ أو نقول: هذه قرينة خاصة بالطالب الذي هو المشتري، ما هي قرينة ظاهرة في العموم، ومن المعلوم أن المشتري ولو كان تاجرًا يمكن يشتريه للخدمة، ما هو للكتابة، فهذه ليست قرينة، وبهذا نعرف أن القرائن قد تقوى وقد تضعف، لكن إذا كانت القرينة قوية فحينئذٍ تُرجِّح جانب المدعي.
(وإن اختلفا في شرط فقول من ينفيه) طيب، باع عليه سيارته بثمن قليل أو كثير، فادعى البائع أنه رهنها، قال للمشتري: أنت راهن السيارة، وقال المشتري: أبدًا، ما راهنتك إياها، البيع ما فيه رهن.
من القول قوله؟
طلبة: المشتري.
الشيخ: لماذا؟ لأن الأصل عدمه، فيدخل في قوله: (شرط)، (إن اختلفا في أجل أو شرط فقول من ينفيه).
طيب، والعلة؟ أن الأصل العدم.
(... )
طالب: (... ).
الشيخ: يعني في قدْر الثَّمن؟
الطالب: واحد يقول مثلًا: بعتُك عليه بأجَل معلوم ستة أشهر، والآخر يقول: لا، لسنة.
المشتري يقول: لسنة، والبائع يقول: لستة أشهر، هذا (... )؟
الشيخ: لا، ليس كالاختلاف في قدْر الثمن، لا يكفي النفي.
الطالب: (... ) مثل الآخر.
الشيخ: إي، لكن ما يشترط، ما هو مثل قدر الثمن، قدر الثمن لا بد من الجمع بين النفي والإثبات، وهنا ما هو بشرط.
طالب: إذا كان الاثنان تحالفا وأخذ البائع السلعة ورد الثمن على المشتري، وكان البائع كاذبًا، نقول: إن المال في حقه أو السعر في حقه كالغصْب، وذكرنا الخلاف، هل الخلاف هذا يجري في كل معاملة؟ يعني إذا أخذ حقًّا أكثر من حقه؟
الشيخ: إي، في كل معاملة، «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (1).
الطالب: يوجد خلاف في هذا؟
الشيخ: لا، ما يُوجد فيها خلاف، الآن بينا لكم -قبل قليل- أن الصُّلح يقولون: من كذب فالصلح في حقه باطل باطل، ما هي مطردة على المذهب، على القول الراجح مطردة.
الطالب: نعم، والمذهب؟
الشيخ: المذهب لا.
الطالب: نفس المسألة هذه؟
الشيخ: ما هي مطردة، ما داعي، المسألة هذه أو غيرها، لكن ما هي مطردة.
طالب: حديث: «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي».
الشيخ: «الْقَوْلُ مَا قَالَ البَائِعُ».
الطالب: «الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ» (2). ما يدل على أن القول قول البائع مطلقًا بكل الصور؟
الشيخ: هذا خلاف المذهب، ولا هو في كل شيء، في الثمن فقط، والقول قول البائع في الثمن، هذا جيد؛ لأن البائع لم يُقِر أنها خرجت من ملكه إلا بهذا القدر، فالقول بأن القول قول البائع أقوى من القول بأنهما يتحالفان، لكن المذهب يتحالفان.
الطالب: يُخصص الحديث باختلاف الثمن؟
الشيخ: إي نعم، بما يتضمن أن البائع لم يقر بخروج السلعة عن ملكه إلا على هذا الوجه.
(... )
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
يقول المصنف رحمه الله: وإن اختلفا في عين المبيع تحالفا وبطل البيع، وإن أبى كل منهما تسليم ما بيده حتى يقبض العوض -والثمن عين- نُصِب عدْل يقبض منهما، ويُسلِّم المبيع، ثم الثمن، وإن كان دينًا حالًّا أُجبر بائعٌ، ثم مشترٍ إن كان الثمن في المجلس، وإن كان غائبًا في البلد حُجر عليه في المبيع وبقية ماله حتى يحضره، وإن كان غائبًا بعيدًا عنها، والمشتري معسر فللبائع الفسْخ، ويثبت الخيار للخلف في الصفة ولتغيُّر ما تقدمت رؤيته.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هو القول الراجح فيما إذا فُسِخ العقد بعد التحالف، هل ينفسخ ظاهرًا وباطنًا، أو باطنًا أو ظاهرًا؟
طالب: القول الراجح أنه ينفسخ ظاهرًا.
الشيخ: فقط؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لا باطنًا في كل الصور.
الطالب: إلا إذا (... ).
طالب آخر: ينفسخ ظاهرًا في حق الكاذب، وينفسخ ظاهرًا وباطنًا في حق (... ).
الشيخ: طيب، هذا القول الراجح، والمذهب؟
الطالب: أنه ينفسخ ظاهرًا وباطنًا في حق الـ..
الشيخ: في حق الجميع.
طيب، اشترى من شخص شيئًا، وادعى أن الثمن مؤجل، ولكن البائع أنكر الأجل.
من القول قوله؟
طالب: القول قول البائع.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن الأصل..
الشيخ: أولًا: بَيِّن الدليل والتعليل؟
الطالب: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ» (2).
الشيخ: لا، «الْبَيِّنَةُ عَلَى... »؟
الطالب: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (3).
الشيخ: نعم، وهنا المدعي مَنْ؟
الطالب: المدَّعي البائع.
الشيخ: المدعي؟ !
الطالب: المدعي المشتري.
الشيخ: المشتري، هو الذي ادَّعى أن الثمن مؤجل فأنكر البائع، نقول للمشتري: هاتِ البينة لأنك مُدَّعٍ.
طيب، إذا اختلفا في شرط؟
طالب: فالقول قول من ينفيه.
الشيخ: قول من ينفيه، لماذا؟
الطالب: لأن الأصل عدم الشرط.
الشيخ: الأصل عدمه، وهل يدخل في الحديث الذي ذكرناه قبل قليل، «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (4)، مثاله؟
الطالب: مثاله أن يشتري رجل سلعةً من آخر، ثم يردها عليه ويقول، أو يشترط في الذي اشتراه في العبد مثلًا الذي اشتراه أنه..
الشيخ: أضربت عن الجواب الأول؟ أنت قلت: أن يشتري سلعة، أضربت عنه؟
الطالب: سلعة أو عبدًا.
الشيخ: طيب.
الطالب: ثم يقول: أنا اشترطت فيه أن يكون كاتبًا، ويقول البائع: لم أشترط هذا الشرط.
الشيخ: نعم، فالقول؟
الطالب: قول البائع.
الشيخ: البائع.
يقول: اشترى عبدًا، ثم ادَّعى -أي المشتري- أنه اشترط على البائع أن يكون كاتبًا، وقال البائع: لم تشترط ذلك، فالقول قول البائع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (5)، ولأن الأصل عدم الشرْط.
ثم قال: (وإن اختلفا في عين المبيع)، قال: (وإن اختلفا) أي البائع والمشتري (في عين المبيع)، بأن قال البائع: بِعتُك هذه السيارة، وقال المشتري: بل هذه السيارة، سيارة أخرى؛ فهنا اختلفا في عين المبيع.
أو قال: بعتُك هذا الجمل، فقال: بل بعتني هذه الناقة.
فيقول المؤلف: إنهما يتحالفان ويُفسَخ البيع، والتحالف هنا كالتحالف فيما سبق في قدْر الثمن، فيقول البائع: والله ما بعتُك هذه، وإنما بعتُك هذه، ويقول المشتري: والله ما اشتريت هذه، وإنما اشتريت هذه، فإذا تحالفا ولم يرضَ أحدهما بقول الآخر فُسِخ البيع، ورجع المشتري بالثمن إن كان قد سلَّمه وإلا فالثمن عنده، هذا هو الذي مشى عليه المؤلف رحمه الله.
والقول الثاني في المسألة أن القول قول البائع، وهذا هو الراجح وهو المذهب أيضًا، وهذه المسألة مما خالف فيها الزاد للمشهور من المذهب، فالصحيح أن القول قول البائع؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرَادَّانِ» (2). وعلى هذا فنقول للمشتري: إما أن تأخذ السلعة التي عينها البائع، وإما أن يُترك البيع؛ ولأن البائع غارم، هو الذي ستُؤخذ منه السلعة، فلا يُغرَّم غير ما أقر به، فيكون في هذه المسألة دليل وتعليل، وعلى هذا فنقول: القول الراجح أن القول قول البائع فإن رضيه المشتري فذاك، وإن لم يرضه فُسِخ البيع.
ومثل ذلك الاختلاف في قدْر الثمن على ما سبق، وأظننا لم نُرجِّح هذا القول هناك، لكن الآن نرجح أن القول قول البائع للحديث؛ ولأنه غارِم، فلا يمكن أن تُخرج السلعة من ملكه إلا بثمن يرتضيه، فإما أن يقبل المشتري بذلك، وإما أن يُفسخ البيع ولا حاجة للتحالف، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية في قدْر الثمن، وكذلك في عين المبيع من باب أولى.
قال: (وإن اختلفا تحالفا وبطل البيع).
قوله: (وبطل البيع)، في هذا التعبير نظر عند أهل العلم حسب المصطلح بينهم؛ لأن البيع لم يبطل، ولكن فُسِخ، وفرْق بين البطلان وبين الفسخ، فصواب العبارة أن يُقال: وانفسخ البيع.
(وإن أبى كل منهما تسليم ما بيده حتى يقبض العوض.. ) إلى آخره.
هذه أيضًا من مسائل الخلاف بين المتبايعين، إذا اختلفا أيهما يسلم أولًا، فقال البائع: لا أسلمك حتى تسلمني الثمن، وقال المشتري: لا أُسلِّمك حتى تُسلِّمني المبيع، فماذا نعمل؟
فسرها المؤلف، قال: (والثمن عين) أي معين (نُصِب عدل يقبض منهما ويسلم المبيع، ثم الثمن).
قوله: (نُصِب) مبني لما لم يُسمَّ فاعله، والناصب هو الحاكم الشرعي؛ يعني أن هذين المتبايعين يختصمان إلى الحاكم، ثم ينصب الحاكم رجلًا يستلم منهما، ثم يسلم المبيع أولًا، ثم الثمن ثانيًا.
مثاله: اشترى رجل من آخر ساعة، فقال المشتري: أعطني الساعة وأعطيك الثمن، فقال البائع: أعطني الثمن وأعطيك الساعة، تنازعا، فبقي كل واحد يقول: أعطني العِوض.
نقول: اذهبا إلى من؟ إلى الحاكم في المحكمة الشرعية، ثم الحاكم يجب عليه أن ينصب رجلًا عدلًا موثوقًا فيأخذ الساعة من البائع، ويأخذ الثمن من المشتري، ثم يُسلِّم الساعة للمشتري، ويُسلِّم الثمن للبائع.
هذا هو الذي.. نمشي على كلام المؤلف وبعدين نشوف الراجح.
قال: (وإن كان دينًا) يعني غير معين، (وإن كان دينًا حالًّا أُجبر بائع ثم مشترٍ) (إن كان) الضمير يعود على الثمن؛ لأنه قال بالأول: (والثمن عين).
(إن كان دينًا حالًّا أجبر بائع، ثم مشترٍ إن كان الثمن في المجلس).
إذا كان الثمن دينًا، أي لم يقع العقد على عينه؛ لأنكم تعرفون الفرْق بين الثمن المعين الذي وقع العقد على عينه وبين الثمن الذي لا يقع العقد على عينه، فهذا الثاني يُسمَّى دينًا.
فإذا قلت: بِعني هذه الساعة بهذه الدراهم، فالثمن مُعيَّن، وهو المسألة الأولى، وإذا قلت: بِعنيها بعشرة، فقال: بعتُكها بعشرة، فالثمن هنا دَيْن؛ لأنه غير مُعيَّن، والدَّيْن عند الفقهاء ليس هو الدَّيْن الذي يعرفه العامة، كل ما لم يُعيَّن من ثمن فهو دَيْن.
(إذا كان دينًا حالًّا أُجبِر بائع، ثم مُشترٍ)، (أجبر) مبني لما لم يُسمَّ فاعله، فمن الْمُجبِر؟ المجبر القاضي الحاكم، وعلى هذا نقول: إذا أبى كل واحد منهما أن يُسلِّم ما بيده والثمن غير مُعيَّن، يذهبان إلى الحاكم، ثم يقول للبائع: سلِّم المبيع، ويقال للمشتري: سلِّم الثمن، ولا حاجة إلى نصْب عدل يقبض منهما.
وهذا هو الفرْق بين هذه المسألة وبين المسألة الأولى، ووجه الفرق بينهما أن الثمن في الثانية تعلَّق بذمة المشتري، وأما في الأولى فحقُّ البائع تعلق بعين الثمن؛ لأنه قد عُيِّن له، فهذا هو الفرْق، واضح الفرق؟
طالب: ما هو بواضح.
الشيخ: ما هو بواضح.
في المسألة الأولى قال: اشتريت منك هذه الساعة بهذه الدراهم، الآن هذه الدراهم ملك لِمَنْ؟ للبائع، أما الثانية فقال: اشتريتُ منك ساعة بعشرة، فالثمن الآن في ذمة المشتري، لم يملكه البائع بعد، فهذا هو الفرق بينهما، ولهذا قلنا في الأولى: ينصب عدل يقبض منهما، ثم يسلم المبيع، ثم الثمن، أما هنا فقلنا: يجبر البائع، فإذا قال: كيف تجبروني؟ انصبوا عدلًا، أنا الآن لو سلمته المبيع أخشى أن يهرب المشتري، فلماذا تجبروني؟
لماذا لا تنصبون عدلًا يقبض مني ومنه، ثم يسلم المشتري ويسلمني؟ قلنا: لأن حقك في المسألة الأولى تعلق بعين العِوض، أما الآن فحقك تعلق بذمته، فلا حاجة أن ننصب عدلًا، سلمه المبيع الآن وهو يسلمك الثمن، فإن قال: أخشى إذا سلمناه المبيع هرب؟ قلنا: إذا هرب فهو مُدرَك إن شاء الله.
نعم، المسألة الثالثة، قال: (وإن كان غائبًا في البلد حُجِر عليه في المبيع وبقية ماله حتى يحضره).
(إن كان) الضمير يعود على الثمن.
(غائبًا في البلد) فإنه يحجر عليه، أي على المشتري.
يقول: (حجر عليه) أي على المشتري (في المبيع وبقية ماله حتى يحضره).
مثال ذلك، قال: اشتريت منكَ هذه الساعة بعشرة ريالات، وهي في بيتي مثلًا، فإننا نحجر عليه، نعطيه المبيع، لكن نحجر عليه في المبيع على مَنْ؟ على المشتري في المبيع، لا يتصرف فيه، وفي بقية مال، لو كان عنده من الأموال عقارات وسيارات وأدوات حراثة، وغير ذلك حجرنا عليه.
قلنا: الآن خلاص غلِّق الدكان، ما يمكن تتصرف في أي شيء من مالك حتى تُحضر الثمن، الساعة بكم؟ بعشرة ريالات، والدكاكين والعقارات بملايين، نقول: الآن وقِّف التصرف حتى تُحضر عشرة ريالات، لماذا؟ قالوا: لأنه يُخشى أن يتصرف في ماله تصرفًا يضر البائع، وهذا التعليل يقتضي أنه لا يُحجر عليه إلا إذا كان الثمن كثيرًا، أما لو كان عنده من الملايين ما عنده والثمن عشرة ريالات، نقول: نحجر عليك في الساعة هذه ما تتصرف فيها، ولا تتصرف في أي شيء مالك حتى تحضر الثمن؟ ! لكن هذا ظاهر كلام المؤلف، والتعليل ظاهره أنه يُفرَّق بين الثمن الكثير والثمن القليل.
الصورة الرابعة: إن كان غائبًا بعيدًا عنها فإن للبائع الفسخ، إذا قال: اشتريتُ منك هذه الساعة بعشرة ريالات.
طيب سلِّم، قال: والله العشرة ريالات في منزلي في الرياض، ونحن الآن في عنيزة، بعيد الرياض ولَّا قريب؟ بعيد، إذن نقول للبائع: لك الفسْخ، فسْخ البيع، وترجع السلعة لك، وهذاك ثمنه عنده.
فصارت المسألة لها أربع صور:
الصورة الأولى: إذا كان الثمن معينًا، فالحكم أننا ننصب عدلًا يقبض من البائع والمشتري، ثم يُسلِّم المبيع، ثم الثمن.
الثانية: إذا كان دَيْنًا حالًّا، يعني غير مُعيَّن، وهو في البلد، فماذا نعمل؟ يُجبر البائع أولًا، ثم المشتري ثانيًا.
الثالث: إذا كان غائبًا عن البلد، لكن قريب، فإنه يُحجَر عليه في المبيع وبقية ماله حتى يحضره.
الرابع: إذا كان بعيدًا عنها فإن للبائع الفسخ.
هذا هو التفصيل فيما إذا أبى كل واحد منهما أن يُسلِّم ما بيده.
والقول الراجح في هذه المسألة: أن للبائع حبْس المبيع على ثمنه، فيقول: نعم، أنا بعتُ عليك، لكني لا آمن أن تهرب ولا تُوفيني أو تُماطل أو ما أشبه ذلك، فأنا أبقيه عندي محبوسًا حتى تُسلِّمني.
وهذا القول هو الذي لا يتأتى العمل إلا به، ولا تستقيم أحوال الناس إلا به؛ لأن هذه المسائل التي ذكرها المؤلف وهذه الصور فيها مشقة على الناس، افرض أن المحكمة عندها مئة معاملة، وهذه المعاملات كل يوم معاملتان، كم يبقى بالانتظار؟ خمسين يومًا حتى يُقال للحاكم: انصب عدلًا يقبض منهما، وهذا لا تستقيم به أحوال الناس.
فالصواب أن يُقال: إذا أبى كل واحد منهما أن يُسلِّم ما بيده فللبائع أن يحبس المبيع، يقول: ما أُسلِّم حتى تُسلِّم، فإذا سلَّمه أعطاه، وإذا كان كل منهما لا يثق بالآخر فهما بأنفسهما ينصبان عدلًا، يقال: أنت ما تثق مني، وأنا ما أثق منك، نذهب إلى فلان ونعطيه الثمن والسلعة ويُسلِّم؛ هذا هو القول الراجح.
يقول المؤلف رحمه الله: (والمشتري مُعسِر)، العبارة هذه فيها قلق؛ لأن ظاهر قوله: (والمشتري مُعسِر) أنها قيد فيما إذا كان غائبًا بعيدًا عنها، وأن الواو للحال، ولكن الواقع خلاف ذلك، فالواو هنا بمعنى (أو)، يعني وكذلك إذا ظهر أن المشتري مُعسِر فللبائع الفسخ.
وقوله: (أو المشتري معسر) أو ظهر أن المشتري معسر، يدل على أنه لو كان البائع يعلم بعسرة المشتري فإنه لا خيار له، وهو كذلك، فالرجل مثلًا إذا باع على إنسان سِلْعة يظن أنه غني، ثم تبين أنه معسِر، فله الفسخ؛ لأن في إنظاره ضررًا عليه، أما إذا باع هذه السلعة على شخص وهو يعلم أنه معسِر فإنه لا خيارَ له؛ لأنه دخل على بصيرة.
فإن ظهر أنه مماطِل ليس مُعسرًا، بل هو مماطل، فهل له الفسخ؟ الصواب: نعم، والمذهب لا، إذا ظهر أنه مماطِل فإنه يُحاكَم عند القاضي حتى يُجرى عليه أحكام المماطلين، لكن الصحيح أنه إذا ظهر أنه مماطِل فإن للبائع الفسخ؛ لأن بعض المماطلين أسوأ حالًا من الفقراء، فإن الفقير ربما يرزقه الله المال ويوفي، والمماطل إذا كان هذا من عادته فإنه يصعب جدًّا أن يوفي.
فالصواب أنه إذا ظهر أن المشتري مماطل فإن للبائع الفسخ حفاظًا على ماله.
وفيه أيضًا -مع كونه حفاظًا على مال البائع فيه- ردع للمماطل، لأنه -أي المماطل- إذا علم أنه إذا ماطل فُسِخ البيع فسوف يتأدَّب، ولا يماطل في المستقبل.
الآن عندنا في الحقيقة ثمانية أقسام في الخيار، ولَّا لا؟ وهو إذا ظهر أن المشترِي مُعسِر أو مماطل على القول الراجح.
فيه أيضًا خِيار تاسِع، قال: (ويثبت الخيار للخُلف في الصفة ولتغيُّر ما تقدمت رؤيته).
الْخُلف في الصفة غير الْخُلف في الشرط السابق الذي قلنا: إنه يشترط أنه كاتب أو غير كاتب، الْخُلف في الصفة يعني أنه باعه شيئًا موصوفًا، مثل أن يقول: بعتُكَ سيارة صفتها كذا وكذا وكذا، ثم اختلفا في الصفة، فقال المشتري: وصفتَها -يخاطب البائع- على كذا، وقال البائع: وصفتُها على كذا، فهنا لا مُرجِّح لأحدهما، فيثبُت لهما الخيار.
والقول الراجح ما سبق: أن القول قول البائع أو يترادان، فيُقال: إما أن تقتنع بقول البائع وإلا فالملك ملكه.
قال: (ولتغير ما تقدمت رؤيته) كيف تغير ما تقدمت رؤيته؟ يعني لو باعه شيئًا معينًا، ثم تغير بعد ذلك قبل العقد، فإنه يثبت الخيار للمشتري.
وهذا فيما إذا كان المبيع مما يمكن تغيُّره في مدة وجيزة، مثل: بعض الألبان مثلًا التي يكون لها وقت مُعيَّن، أو غير ذلك من الأشياء التي تتغير قبل العقد، مثاله: باع عليه مثلًا لبنًا بالأمس وقد شاهده المشتري، ثم.. أنا قلت باع، ولكن أقول: نظر إليه المشتري بالأمس، وفي اليوم عقد عليه البيع، ففيما بين الأمس واليوم تغيرت صفته، فتنازعا في ذلك، فإذا تنازعا في ذلك فللمشتري الفسْخ؛ لأن المبيع تغيَّر عن رؤيته السابقة، وبذلك تمت أقسام الخِيار.
هناك سبق في الشروط في البيع أنه إذا لم يفِ أحدهما بالشرط فللآخر الفسْخ، وعلى هذا فحصر الخيار في خمسة أو عشرة أو سبعة لا يستقيم؛ لأنه قد يكون الخِيار فيما يفوت به مقصود أحد المتعاقِدَيْن، وإن لم يكن من هذه الأقسام التي عدها المؤلف رحمه الله.
ثم قال: (فصْل: ومن اشترى مكيلًا ونحوه).
هذا فصل عقده المؤلف لمسألتين؛ المسألة الأولى: التصرُّف في المبيع، والمسألة الثانية: في ضمان المبيع، هل ضمان المبيع يكون على المشتري من حين العقد، أو هو مضمون على البائع؟ وهل للمشتري أن يتصرف في المبيع بمجرد العقد، أو يحتاج إلى تقدم شيء على هذا التصرف؟ هذا خلاصة أو ما يجتمع فيه البحث في هذا الفصل.
فقال المؤلف: (ومن اشترى مكيلًا ونحوه).
(مَنْ) اسم شرط جازم، وجواب الشرط قوله: (صح ولزم بالعقد.. ) إلى آخره.
قوله: (مكيلًا ونحوه)، نحو المكيل الموزون والمعدود والمذروع، هذه ثلاثة أشياء، بالإضافة إلى المكيل تكون أربعة، إذا اشترى شيئًا من ذلك (صح) الفاعل يعود على أيش؟
طالب: البيع.
الشيخ: لا، ما هو على البيع.
طالب: العقد أو على الشراء.
الشيخ: على الشراء، لأنه قال: (من اشترى شيئًا)، ومعلوم أنه إذا صح الاشتراء صح الشراء، صحيح؟ نعم.
(ولزم بالعقد) (ولزم) أي لزم الاشتراء بالعقد، أي بمجرده ولكن حيثُ لا خيار، أما إذا كان هناك خيار، فمعلوم أن هناك خيار مجلس لا يلزم العقد إلا بالتفرق بعده، لكن يلزم بالعقد إلا أن يكون فيه خيار.
(ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه) الآن رتب المؤلف على هذا الشراء ثلاثة أشياء:
أولًا: الصحة، وهل تقيد هذه أو لا؟ تُقيَّد بما إذا تمت شروط الصحة وانتفت الموانع، وهذا أمر قد يقال: إنه معلوم من قوله: (ومن اشترى)؛ لأن الاشتراء الشرعي لا يكون إلا إذا تمت الشروط وانتفت الموانع.
المسألة الثانية: لزم بالعقد، ويقيد هذا أو لا؟ يقيد حيث لا خيار.
الثالث، الحكم الثالث: ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه، هل يُقيَّد أو لا؟ ظاهر كلام المؤلف أن أي تصرف فيه فإنه لا يصح حتى يقبضه، سواء تصرف فيه ببيع أو هبة أو جعلِه صداقًا، أو عِوَض خلع، أو أجرة إجارة، أو غير ذلك؛ لعموم قوله: (تصرفه)؛ لأن (تصرف) مفرد مضاف فيكون عامًّا (حتى يقبضه).
ولكن هذا العموم المستفاد من قوله: (تصرفه) عموم أُريد به الخاص، أو أريد به الخصوص، فالمراد التصرف العوضي، يعني تصرفه بعِوض، مثل: البيع والهِبة بعِوض، وجعله أجرة إجارة، وأما تصرفه فيه بهبة، أو صدقة، أو هدية، أو ما أشبه ذلك فلا بأس؛ هذا هو المراد.
وقوله: (لم يصح تصرفه حتى يقبضه)، ظاهر كلامه ولو مع البائع، يعني ولو كان مع البائع، كيف مع البائع؟ نعم، اشتريت مئة صاع من هذا الرجل وهي عندي الآن بيدي، ثم بعتها عليه بثمنها أو أكثر، فهل يصح؟ نقول: ظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح، فلا يصح التصرف حتى مع البائع.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يصح تصرفه مع البائع، وأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ» (6). يعني لا يبيعه بيعًا على غير بائعه، واختار أيضًا أنه إذا باعه تولية فلا بأس، ومعنى تولية؟ برأس المال، وقال: إن العِلَّة في النهي أنه إذا باعه بربح فقد ربح فيما لم يضمن، أي فيما لم يدخل في ضمانه.
وأيضًا فإن العلة من النهي خوف العداوة والبغضاء أو محاولة البائع فسخ العقد؛ لأن البائع إذا رأى أن المشتري ربح فيه قبل أن ينقله إلى بيته، فربما يحاول فسْخ العقد بأي طريق، فيحصل بذلك النزاع والخلاف.
ولكن الأولى أن يُقال: إن الحديث على ظاهره، النهي على ظاهره، وأنه يشمل حتى ما إذا باعه على بائعه، أو باعه تولية أو مشاركة، أو مُواضَعة، أي شيء، هذا هو ظاهر النص، ثم هو ظاهر تعليل ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأن ابن عباس علل هذا بأنه دراهم بدراهم والقبض مُرْجَأ (7)، لما سأله طاوس: ليش يعني النهي هذا؟ قال: لأنه دراهم بدراهم والقبض مرجأ، أي مُؤخَّر، وجه ذلك: أنني إذا اشتريته من هذا الرجل سلعةً بمئة دينار، وأبقيتها عنده، ثم بعتها بمئة دينار وعشرة دنانير، صار كأنني بعت مئة دينار بمئة وعشرة فقط، وهذه السلعة ممر.
وهذا الاستنباط من ابن عباس قريب جدًّا؛ لأنها في هذه الحال تُشبه العِينة من بعض الوجوه، وإذا كان ابن عباس رحمه الله ورضي الله عنه يرى هذا التعليل -وهو صحابي جليل فقيه: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» (8) - فإنه يدلك على قبح المعاملات المشهورة الآن، والتي يسمونها التقسيط؛ بأن يختار المشتري سلعة معينة، ثم يذهب إلى تاجر من التجار، ويقول: اشترها لي، ثم بِعْها عليَّ بربح، هذا واضح أنه ربا، ولا يخفى إلا على إنسان لم يتأمل؛ لأن حقيقته أنه أقرضه الثمن بزائد، فبدلًا من أن يقول: أعطني مثلًا قيمة هذه السلعة وأعطيك فيها ربحًا، قال: اشترها لي، ثم بِعْها عليَّ، والتاجر لم يُرِد الشراء إطلاقًا، ولولا هذا ما اشتراها ولا بفلس واحد، فواضح أن المقصود هو الربا، واضح جدًّا، ولا يُشكل على إنسان إذا تأمل.
وإذا كان ابن عباس رضي الله عنهما يرى أن العِلَّة في النهي عن بيْع الشيء قبل قبضه هو أنه يُشبه بيع الدراهم بالدراهم مع تأخير القبض، فهذه من باب أولى وأعظم وهي واضحة جدًّا، لكن مع الأسف أن الناس الآن انكبوا عليها انكبابًا عظيمًا.
ثم إن هؤلاء ينكرون إنكارًا عظيمًا على الذين يتبايعون بالربا الصريح، مثل البنوك، البنك يقول: خُذْها هذا الألف بألف ومئة صراحةً، وهذا يقول: خذ هذا الألف بألف ومئة، لكن مع اللف والدوران، ومعلوم أن من يأتي الشيء صريحًا أهون مما يأتيه مخادعةً، لأن المخادعة يكون الإنسان قد وقع في مفسدة الربا مع مفسدة الخداع، ثم إن الذي يأتي الشيء بخداع يأتيه وكأنه أمر حلال، لا يكن عنده خشية لله عز وجل أو يرى أنه مذنب فيخجل من الله، أو أنه مذنب، فيحاول أن يستعتب، لا، يرى أن هذا مباح، وأنه سيستمر عليه، لكن من أذنب ذنبًا صريحًا فسيكون في قلبه شيء من خشية الله عز وجل، وخوف العقوبة والإنابة إلى الله عز وجل.
على كل حال الآن نرجع إلى مسألتنا، قول المؤلف: (لم يصح تصرفه)، ظاهره أنه لا يصح تصرفه تصرفًا عِوضيًّا أو غير عوضي؛ هذه واحدة.
ثانيًا: لا يصح تصرفه لا مع البائع ولا مع غيره.
أما الثاني، فنعم، لا يصح تصرفه مع البائع ولا غيره، وأما الأول فالصحيح -وهو المذهب أيضًا- أنه إذا تصرف تصرفًا لا عِوض فيه فإنه لا بأسَ به، ولهذا جاء الحديث: «فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ» (6)، «فَلَا يَبِعْهُ»، ومعلوم أن البيع مُعاوَضة، وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام ذكر البيع وحده، فهو دليل على أن ما شابهه كالأجرة وهبة الثواب -يعني الهِبة على عِوض- فهي مثله، أما ما لم يوافق في العلة، ولم يُقصد به المعاوضة، وإنما قُصد به وجه الله إن كان صدقة أو التودُّد والتحبب إن كان هديةً وهبة، فإنه لا يساويه في الحكم، وقياس الهبة والهدية على البيع قياس مع الفارق.
طالب: تعليل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عندما قال: دراهم بدراهم والقبض مؤجل.
الشيخ: مرجأ.
الطالب: مرجأ (7)، هو واضح يا شيخ إذا كان مرابحة أنه قد يكون فيه شبه من العينة.
طيب يا شيخ إذا كان فيه تولية؟
الشيخ: إي، يعني بثمنه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: فيه أيضًا؛ لأن الإنسان قد لا يكون عنده شيء الآن يُسلمه للبائع، ما عندي دراهم، اشتريت هذه السلعة مثلًا بمئة ريال وأنا ما عندي مئة ريال.
أقول: ربما يكون ما عنده فلوس الآن، وهو محتاج للفلوس يبيعها برأس مالها عشان يأخذ الفلوس.
الطالب: هذه يكون فيها ربا يا شيخ؟
الشيخ: إي، فيها ربا؛ لأني الآن أنا كأني بعت شيئًا في ذمتي للبائع على هذا الرجل الذي أعطاني نقدًا.
الطالب: بدون رِبْح.
الشيخ: إي، بدون ربح، ربا نسيئة.
طالب: اختلف البائع والمشتري في كوْن البائع يقول: بأني اشترطت أن أبيعك عبدًا كاتبًا، ويقول المشتري: بل اشترطت أن يكون العبد قارئًا مثلًا، فالقول قول مَنْ وماذا (... )؟
الشيخ: الصحيح أن القول قول البائع في جميع الصور كما دل عليه الحديث (9)؛ ولأنه غارم، كيف يُطالَب بشيء لم يقر بالتزامه؟ !
طالب: الآن معارض السيارات، الوكالة يشتري السيارة وكالة (... )، ثم يريد أن يبيع، ولكن إذا أخرجها من حوش الوكالة نزلت القيمة، فيبيعها قبل أن يركب اللوحات، وقبل أن يخلص أوراقها..
الشيخ: وقبل يطلعها.
الطالب: وقبل يطلعها، يقول: إذا طلعت رخصة القيادة وهي السيارة تسير، فيقول له: أبقها في الحوش أو في المعرض وبِعْها في المعرض.
الشيخ: يعني تريد أن أقول: لا بأس؟
الطالب: لا! !
الشيخ: واضحة المسألة، ولكن نحن نقول: الناس ما عندهم يقين في الواقع، وإلا فالله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2، 3]، وطاعة الله ورسوله هي الربح، ما هي بالربح دراهم يأخذها الإنسان ولو الخسارة فوات دراهم عليه.
الخسارة معصية الله ورسوله، فنحن نقول: أنت إذا اتقيت الله عز وجل، وقمت بما يجب فأبشر بالخير وأبشر بالرزق، وانصقال القلب بطاعة الله ما يُعادله شيء أبدًا، هو النعيم، إذا أردت النعيم حقيقة فعليك بطاعة الله؛ لأن نعيم القلب فوق نعيم الجسم.
طالب: بعضهم أفتى يقول: يركب السيارة، ويمشي بها إلى المعرض ويرجعها، فهذا نقل السبب.
الشيخ: بس من المفتي؟ لعله صاحب المعرض!
طالب: ربما الذي ينقل الوكالة يا شيخ.
طالب آخر: شيخ، في المسألة اللي ذكرناها أنه إذا اختلفا في سلعة تلفت هذه السلعة، قلنا: يرد قيمة الْمِثل، قيمة مِثل هذه السلعة، ما صورة هذه يا شيخ؟ يعني كيف الصورة هذه؟
الشيخ: اشتريت من الأخ هذا كتابًا وأخذته، ثم سُرق الكتاب أو احترق، ثم جئت بالثمن توفيه أعطيته عشرة ريالات، قال: لا، الثمن اثنا عشر ريالًا، تحالفتما على المذهب والسلعة تالفة، نقول: نذهب نسأل المكاتب: كم قيمة الكتاب الفلاني؟ قالوا: القيمة خمسة عشر ريالًا، هذه.
الطالب: نفرض أنه حصل القبض من قبل؟
الشيخ: كيف؟ قبض أيش؟
الطالب: (... ).
الشيخ: الغالب أنه ما يصير اختلاف هنا، ما دام قبض الثمن فالغالب أنه ما يصير اختلاف، لكن ربما يصير أيضًا، ربما يجيئك بكرة ويقول: تراك أنت أعطيتني عشرة ريالات وهو باثني عشر ريالًا؟
الطالب: طيب، كيف نترفع عن هذا؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يعني الكتاب سرق، ثم إن بعض الناس..
الشيخ: الآن لو أنك استلمت عشرة وأخذت الكتاب، ثم جاءك من غد وقال: أعطني بقية الثمن، أعطني ريالين، قلت أنت: الثمن عشرة، اختلفتم الآن، الكتاب سُرق ولَّا تلف؟ هذه نفس الصورة.
طالب: بالنسبة الآن بعد ترجيح قول: إن القوْل قوْل البائع، فهل يكون هناك تحالُف؟
الشيخ: إي، يحلف، كل من قُلنا: القول قوله في حق الآدمي فلا بد من اليمين.
الطالب: لا، التحالف؟
الشيخ: لا، ما فيه تحالف.
طالب: إذا باع على رجل يا شيخ، ثم بان بعد شهرين أنه مماطل لا يأتي بالثمن، فالملك (... )؟
الشيخ: للمشتري، الملك للمشتري إلى حد الفسخ.
طالب: عفا الله عنك (... )، فتوى ابن تيمية رحمه الله، فالبيع على البائع، بيْع المشتري على البائع، لعله يا شيخ يكون على (... ) اللي بايع السلعة.
الشيخ: لا، الشيخ عنده رحمه الله أنه يخشى، يقول: إن العلة ألا يربح المشتري، فإذا ربح المشتري حاول البائع أن يفسخ البيع، وصار في قلبه شيء أيضًا، لكن كلام ابن عباس غير كلام شيخ الإسلام رحمه الله، كلام ابن عباس هو أن هذا كأنه ربا.
طالب: قول المصنف: (ومن اشترى مكيلًا ونحوه صح، ولزم بالعقد)، شيخ، لماذا قيد المكيل ونحوه بالصحة ولزوم العقد؟
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله.
طالب: شيخ، ما الفرق بين مسألة الصرافة ومسألة الذهاب إلى تاجر لكي يشتري سلعة من المعرض؟
الشيخ: التورُّق -بارك الله فيك- السلعة مملوكة للبائع، ويبيعها على هذا المتورِّق، ويبيعها على آخر يريد عين السلعة، أما هذه ما ملكها أصلًا.
الطالب: المشتري لا يريد عين المال؟
الشيخ: إي، لكن البائع ما يملك السلعة قبل أن يأتي هذا الرجل، يعني فمن حرم التورَّق لا شك أن هذا حرام عنده مسألة التقسيط، ومن لم يحرمه فهذه حرام، حتى من لم يحرمه، واضح.
(... )
طالب: قال رحمه الله تعالى: فصل
وإن تلف قبل قبضه، فمن ضمان البائع، وإن تلف بآفة سماوية بطل البيع، وإن أتلفه آدمي خُيِّر مُشترٍ بين فسخ وإمضاء، ومطالبة متلفه ببدله.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هذا الفصل الذي ذكره المؤلف فيه بيان حُكم التصرف في المبيع قبل القبض، وحكم ضمانه قبل القبض، فالتصرف فيه تفصيل، يقول رحمه الله: (من اشترى مكيلًا ونحوه صح ولزم بالعقد، ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه).
قوله: (صحَّ) أي العقد، و (لزِم) أي ثبت ولم يكن خيار.
وقوله: (لم يصح تصرفه) ظاهر كلامه أنه لا يتصرف فيه بأي نوع من التصرف، وذكرنا أن القول الراجح أنه لا يتصرف فيه تصرف معاوضة، وأما تصرف غير المعاوضة فلا بأس، وذكرنا أيضًا أن ظاهر كلام المؤلف أن المكِيل ونحوه لا يجوز التصرف فيه ولو بيع جُزافًا، (جزافًا) بضم الجيم، وفتحها، وكسرها.
وقيل: إذا بِيع جزافًا فلا بأس من التصرف فيه قبل القبض، ولكن ظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز ولو كان جزافًا، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الذي دلَّ عليه حديث عبد الله بن عمر أنهم كانوا يتبايعون الطعام جزافًا، فنهاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يبيعوه حتى يحولوه أو ينقضوه (10)، وما دام الحديث صريحًا فيه فإنه يكون هو الراجح.
ثم انتقل المؤلف إلى الضمان قبل قبضه، هل يكون على البائع أو يكون على المشتري؟ فقال: (وإن تلف قبل قبضه فمن ضمان البائع).
(إن تلف) الضمير يعود على المكِيل ونحوه مما بِيع إما جزافًا أو بتقدير، وإما بتقدير فقط، المذهب أنه إذا كان بتقدير، يعني بِيع المكيل كيلًا، والموزون وزنًا، والمعدود عدًّا، والمذروع ذرعًا، فهذا إذا تلف قبل القبض فمن ضمان البائع، وبعد القبض يكون من ضمان المشتري.
مثال ذلك: بعتُ عليك هذا الكيس من الحنطة، كل صاع بعشرة دراهم، وقبل أن نكيله تلف إما بسرقة، أو بأمطار حملته، أو ما أشبه ذلك، فالضمان على مَنْ؟ الضمان على البائع، فإن بعته جُزافًا هكذا، بعت عليك كيس هذه الحنطة بكذا، فعلى كلام المؤلف، على ظاهره أنه لا فرْق بين أن أبيعه مُكايلة أو جُزافًا، وعلى القول الثاني أنه إذا بِيع جزافًا فهو من ضمان المشتري، ويصح تصرُّفه فيه.
يقول: (إن تلف قبل قبضه، فمن ضمان البائع)، ثم فسَّر رحمه الله فقال: (وإن تلف بآفة سماوية بطل البيع).
قوله: (بطل) بمعنى انفسخ، وذلك لأن هذا التلف حصل به الانفساخ دون البطلان، البطلان يكون لفوات الشرط أو وجود مانع، وهنا لا فوات شرط ولا وجود مانع، فيجب أن يُفسَّر البُطلان بأنه الانفساخ، وهذا كقوله فيما سبق: (تحالفا وبطل البيع)، وقلنا: إن الصواب انفسخ البيع.
(إن تلف بآفة سماوية بطل البيع)، والآفة السماوية: كل ما لا صُنع للآدمي فيه، مثل أمطار أتلفته، صاعقة أحرقته، رياح حملته، إلى غير ذلك، فالآفة السماوية هي التي ليس للآدمي فيها صنع، والمثال: رجل باع على شخص كيس حنطة كل صاع بكذا، ثم أتى السيل فحمله وأفسده وذهب به، فالتلف هنا بآفة سماوية، أو نزلت صاعقة فأحرقته، أو هبَّت رياح فحملته، فالضمان على البائع، فإن كان قد استلم الثمن ردَّه على المشتري، وإن كان لم يستلمه فهو عند المشتري.
ثم يُشبه الآفة السماوية من لا يمكن تضمينه، كما لو تلف بأكل حيوان له، أو تلف بأكل الجند له، يعني مرَّت جنود السلطان فأكلته؛ فهذا يُلحق بالآفة السماوية؛ لأنه لا يُمكن تضمينه، فالحيوان الذي أكله لا يمكن أن يُضمَّن، والجيش الذي مر به فأخذه لا يمكن أن يضمن، وحينئذٍ نقول: إذا أتلفه ما لا يمكن تضمينه أُلْحِق بالآفة السماوية، وإن أتلفه آدمي مُعيَّن يمكن تضمينه فإنه يُخيَّر المشتري بين فسخ وإمضاء ومطالبة متلفه، هذه ثلاثة أشياء: بين فسخ وإمضاء، هذا الخيار، بين الفسخ والإمضاء.
وإذا أمضى طالب مُتلِفه، وعلى هذا فقوله: (ومطالبة مُتلِفه) ليست داخلة في التخيير، لكنها مفرعة على الإمضاء، يعني فإذا أمضى طالب متلفه ببدله.
إذن إذا تلف المبيع المكيل ونحوه فعلى أربعة أنواع:
أولًا: أن يتلفه البائع.
ثانيًا: أن يتلف بآفة سماوية.
ثالثًا: أن يتلفه ما لم يمكن تضمينه.
رابعًا: أن يتلفه آدمي يمكن تضمينه.
وكل واحدة من هذه الأقسام لها حكمها: إذا أتلفه البائع انفسخ البيع، وقيل: إن أتلفه البائع ضمنه؛ وهذا هو الراجِح، والفرق بين القولين أننا إذا قلنا: انفسخ البيع لم يرجع عليه المشتري بشيء، انفسخ البيع إن كان المشتري قد سلَّم الثمن ليأخذ الثمن، وإن كان ما سلَّمه فهو عنده، وإذا قلنا: إنه يضمنه فإنه ربما تكون القيمة قد زادت بين الشراء والإتلاف، فإذا قلنا: يضمنه فإن المشتري يرجع على البائع بما زاد على الثمن إن زادت القيمة، وهذا القول هو الراجح، وذلك لأن البائع الآن أصبح ظالمًا غاصبًا.
الحال الثانية: أن يتلف بآفة سماوية، فما الحكم؟ نقول: ينفسخ البيع، فيرجع المشتري بالثمن إن كان قد سلَّمه، وإن لم يُسلِّمه فالثمن عنده، ويُستدل لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ » (11). فجعل ضمانه على مَنْ؟ على البائع ولا يرجع بشيء.
الصورة الثالثة: أن يتلفه ما لا يمكن تضمينه من آدمي أو غيره، فحكمه حكم ما تلف بآفة سماوية، يعني أنه ينفسخ البيع.
الرابع: أن يتلفه آدمي يمكن تضمينه، فهنا نُخيِّر المشتري بين أمرين؛ بين أن يفسخ البيع ويرجع على البائع بالثمن، أو يمضي البيع ويرجع على المتلف بالبدل، ولاحظوا الفرق بين قولنا: بالبدل، وبين قولنا: بالثمن، فإذا فسخ البيع فليس له إلا الثمن، وإذا لم يفسخه رجع بالبدل.
مثال ذلك: اشترى شخص كيسًا من الحنطة كل صاع بكذا، فجاء آدمي فأتلفه بإحراق أو أكل أو غير ذلك، نقول للمشتري الآن: أنت بالخيار، إن شئت فسخت البيع، ورجعت على المشتري بالثمن.
وما عداه يَجوزُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فيه قبلَ قَبْضِه، وإن تَلِفَ ما عدا الْمَبيعَ بكيلٍ ونحوِه, فمِن ضَمانِه ما لم يَمْنَعْه بائعٌ من قَبْضِه، ويَحْصُلُ قبضُ ما بِيعَ بكيلٍ أو وَزْنٍ أو عَدٍّ أو ذَرْعٍ بذلك، وفي صُبْرَةٍ وما يُنْقَلُ بنقلِه وما يُتناولُ بتناوُلِه، وغيرُه بتَخليتِه.
و(الإقالةُ) فَسْخٌ.
تَجوزُ قبلَ قَبْضِ الْمَبيعِ بِمِثْلِ الثمنِ، ولا خِيارَ فيها ولا شُفْعَةَ.
فإذا فسخ البيع فليس له إلا الثمن، وإذا لم يفسخه رجع بالبدل.