بحر المذهب للرويانيصفحات 346-385

كتاب مختصر المكاتب

صفحات 346-385

ولا يرجع بها المكاتب إن عجز ذكره في «الحاوي».
فرع آخر قد ذكرنا أن نكاح المكاتب يجوز بإذن السيد وكذلك نكاح المكاتبة، وقال القفال: لا يصح نكاحها بحال، وإن زوجها سيدها بإذنها قولاً واحدًا لأن ملك السيد فيها ناقص، وهي في نفسها ناقصة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: [113/ ب] المشهور أنه لا يجوز وفيه وجه آخر أنه يجوز وكأنهما مبنيان على تبرعات المكاتب، وهذا غير صحيح عند أصحابنا بالعراق.
قال القفال: ولا يجوز أيضًا تزويج أمة المكاتب وإن كان بإذن المكاتب، ولا يجوز للسيد أن يتزوج بأمة مكاتبه ولو تزوج بأمة ثم كاتب عبدًا، ثم اشترى المكاتب تلك الأمة لم يبطل النكاح، وكذلك لا تتزوج المرأة بعبد مكاتبها ولو تزوجت بعبد فاشتراه مكاتبها أو مكاتبتها لم تبطل كما لو اشترى لابنه زوجة ابنه لا يبطل، وقد ذكرنا فيما مضى وجهًا آخر أنه يبطل النكاح كما لا يجوز ابتداء النكاح وهو الأقيس.
مسألة: قال: «ولا يكفر في شيء من الكفارات إلا بالصوم».
قد ذكرنا هذا فيما تقدم لأن له عنية عن التكفير ب المال بأن يكفر بالصوم فلا يجوز له إتلاف المال بغير إذن سيده فيما لا حاجة له فيه، فإن أذن له السيد في التكفير بالمال، فإن كان بالإطعام، أو الكسوة، وقد ذكرنا قولين بناءً على أن العبد يملك بالتمليك أم لا، وقيل: إنهما مبنيان على القولين في تبرعاته بإذن سيده، ولو أذن له في التفكير بالإعتاق لا يجوز.
مسألة: قال: «وإن باع ولم يتفرقا حتى مات المكاتب وجب البيع».
ظاهر هذا أن خيار المجلس ينقطع بالموت، وقد ذكرنا ما فيه من الطرق في كتاب البيع، واختار ابن أبي هريرة أنه يقوم السيد مقامه.
وقوله: وجب البيع أراد لا يبطل البيع بموته، ويقوم السيد مقامه فيه، [114/ أ] قال: وهذا أصح التأويلات، وقال القاضي الطبري: هذا مخالف لكلام الشافعي في «الأم»، وذلك أنه قال: لو باع المكاتب، أو اشترى شراء جائزًا على أن المكاتب بالخيار ثلاثًا، أو أقل فلم تمض أيام الخيار حتى مات المكاتب قام السيد في الخيار مقام المكاتب في رد البيع وإمضائه، ولو باع أو اشترى شراءًا جائزًا بلا شرط خيار، فلم يفترقا عن مقامهما الذي تبايعا فيه حتى مات المكاتب وجب البيع لأنه لم يختر الرد حتى مات، فالبيع جائز بالعقد الأول ففرق الشافعي بين خيار الشرط وخيار المجلس، فلم يصح ما قال هذا القائل، والظاهر منه قول آخر وأن المسألة على قولين، وأما خيار الشرط، فالفرق بينه وبين خيار المجلس أنه يختص بالعاقد ولا يتعداه وخيار الشرط لا يختص بالعاقد فإنه

يجوز شرطه لغير العاقد فجاز أن يقوم السيد فيه مقام المكاتب.
مسألة: قال: «ولا يبيع بدين».
اعلم أنه لا يجوز للمكاتب أن يبيع شيئًا بثمن مؤجل لأنه فيه تغريرًا بالمال إذا يخرج السلعة من يده ويستبدل مكانها ما لا يمكنه التصرف فيه، وقال في «الأم»: ولا يبيع بدين، وإن كثر فضله فيه بحال، وإن رهن عبده وأخذ حميلا لأن الرهن يهلك والغريم والحميل يفلس فلا يجوز فإن كان بإذن سيده، قال في «الأم»: يجوز وفيه قول آخر على ما ذكرنا في التبرعات، وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يبيع ما يساوي مائة بمائة وعشرين، ويقبض المائة وتبقى العشرون إلى مدة وللمكاتب أن يشتري بالدين لأنه ليس فيه تغرير عليه،,إنما التغرير على البائع، وهذا إذا لم يطلب منه الرهن به، [114/ ب] وبيع منه ما يساوي بيع مثل الأجل لأنه لا يكون غبنًا.
وإن بيع منه مؤجلاً، فأولى وأجوز وهكذا له أن يستسلم في ذمته لأن له فيه خطأ إلا أنه لا يجوز أن يدفع بذلك رهنًا لأن الرهن أمانة في يده فربما يتلف ولا يضمن ذلك، ويبقى الدين في ذمته على حالته وله أن يستسلف يعني يستقر بين من ليس له أن يرهن في القرض، ولا يجوز أن يقرض ماله، ولا أن يسلف في طعام لأن ذلك دين قد يتلف، وقال في «الأم»: ليس له أن يضارب أحدًا، وإن كان أمينًا لأنه يخرج من يده إلى غيره مالاً ربما لا يصل إليه بأن يموت الرجل أو يجحد أو يفلس.
قال أصحابنا: وله أن يأخذ المال من غيره قراضًا.
قال الشافعي: وله أن يبيع بخيار الثلاث إذا قبض الثمن لأن البيع مضمون على قابضه، إما بالثمن أو بالقيمة، وهذه إشارة إلى قولي الملك إن قلنا: إن الملك للمشتري فمضمون بالثمن، وإن قلنا: للبائع فمضمون بالقيمة.
وقال القفال: لو اشترى أو باع شيئًا لم يسلم ما في يده حتى يتسلم العوض إلا أن يسلم المسلم العوض في الحال أو المجلس فذلك القدر لا يمكن الاحتراز عنه، وعلى هذا قال بعض أصحابنا بخراسان: يصح منه السلم الحال فيتسلم العوض في الحال، وهذا بعيد.
مسألة: قال: «ولا يهب لثواب».
وقد ذكرنا ذلك ووجهه أن الهبة في الأصل عقد تبرع، ومذاهب العلماء مختلفة في الثواب ومقداره إذا لم يكن مسمى أحدهما ما يليق به، وهو الأظهر، ولا فائدة فيه ويتأخر ذلك عن الهبة كما ذكرنا.
والوجه الثاني: أنه يكفي ما يقع عليه الاسم وهذا إضرار به، وفي أصل الهبة بشرط

الثواب قول آخر [115/ أ] إنه باطل ولهذا لا يجوز لولي اليتيم أن يهب بشرط الثواب، وقال بعض أصحابنا: نص الشافعي رضي الله عنه أنه تجوز تبرعاته بغذن السيد ونص أنه لا تجوز هبته بشرط الثواب أصلا، وهذا لأنه إن كان الثواب مجهولاً ربما يرى بعض القضاة أنه يكفي في الثواب ما يقع عليه الاسم، وبه قال أبو حنيفة، وإن كان الثواب معلومًا، فهو يسلم قبل قبض الثواب، وهذا غير صحيح بل كلاهما على قولين إذا وجد إذن السيد.
مسألة: قال: «وإقراره في البيع جائز».
إنما جاز إقراره لأنه من أهل ابتدائه فكان من أهل الإقرار به كالحر.
قال أصحابنا: وإنما يجوز ذلك ما دام مكاتبًا، فإذا خرج من الكتابة لا يقبل إقراره كما لا يقبل قول الحاكم إذا عزل فيما حكم به، وليس هذا كإقراره الجناية لا يقبل لحق السيد إذا تعلق بالمال لأن السيد لم يسلط عليه بعقد الكتابة، وإن أقر السيد عليه بالجناية لا يقبل أيضًا لأنه لا سبيل له على ماله غير أنه إن أعجزه يومًا أخذ بإقراره ليقضي دين الجناية من ماله، أو من رقبته.
فرع لو أقر المكاتب بالشراء بعد العجز فإن كان برئ من الثمن بدفع أو إبراء يقبل بخلاف ما لو أقر بالبيع لا يقبل لأن فيه إزالة الملك، وفي الشراء إثبات الملك، وإن كان الثمن باقيًا فإن كان بقدر قيمة السلعة ن فذ وإن كان أكثر فإن كان لمغابنة فيه عند الشراء نفذ والشراء مردود، وإن كان بسبب حادث من نقص سعر أو حدوث عيب ينفذ الإقرار يلزم الشراء لأن زيادة الثمن إذا عجز عنها تعلقت بذمته.
وكذلك إقراره بالدين مقبول لأنه بالكتابة سلطه على ما أفضى إليه، فإن عجز ما [115/ ب] بيده عن أدائه كان في ذمته يؤديه بعد عتقه.
مسألة: قال: «ولو كانت له على مولاه دنانير ولمولاه عليه دنانير فجعلا ذلك قصاصا جاز».
اعلم أنه إذا حل للسيد على مكاتبه نجم من مال الكتابة وكان له على سيده من جهة المعاملة دين لم يخل من أن يكون أحد الدينين من جنس الآخر، أو من غير جنسه، فإن كان من جنسه ففيه أقوال.
والمنصوص في التصرف أنهما لا يتقاصان، وإن تراضيا به، وإن كانا من جنسين مختلفين لا يسقط أحدهما بالآخر قولاً واحدًا لأن الجنسين لا يتقاصان، ولهذا لا يجوز أن يحيل بغير جنس ما عليه من الدين.
ولأنه كما يكون دينًا بدين فلم يجز.
فإذا ثبت هذا فلا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أنا يكونا جميعًا نقدين كالدراهم

والدنانير، أو يكونا عرضين، أو أحدهما نقدًا، والآخر عرضًا، فإن كانا نقدين لا يحتاج إلى قبض الحقين معًا، بل يقبض أحدهما من صاحبه ثم يرده عما له في ذمته لأن دفع العرض عن الدراهم والدنانير التي في ذمته يجوز.
وإن كان عرضين لا يجوز حتى يقبض كل واحد منهما ماله على صاحبه، فإن أخذ أحدهما من صاحبه ما عليه لم يجز أن يرده عليه بالجنس الذي له عليه لأنه بيع العرض قبل القبض إلا أنه يكون ذلك من جهة العرض، فيجوز، وهذا ليس بقرض لأنه لا يجوز ذلك من المكاتب فيشبه ذلك المسلم فيه.
وإن كان أحدهما نقدًا، والآخر عرضًا فإن أحضر الذي عليه العرض وسلمه إلى صاحبه، فقبضه جاز له أن يرده عليه بماله في ذمته من النقد، وإن أحضر الذي عليه النقد [116/ أ] وسلمه إلى صاحبه لم يجز له أن يرد عليه بالعرض الذي له في ذمته إلا أن يكون العرض عليه من جهة القرض على ما ذكرنا.
فرع قال في «الأم»: ولو كانت لمكاتبه على رجل مائة دينار فحلت عليه لسيده مائة دينار فإن أراد أن يبيعه المائة التي عليه بالمائة التي على الرجل لم يجز، ولكن إن أحاله على الرج فحضر الرجل ورضي السيد أن يحال عليه بالمائة جاز، وليس هذا بيعًا وإنما هذه حوالة، فأجاز الشافعي الحوالة بما في ذمة الغير ومنع من بيعه.
وعلى هذا إذا كان له في ذمة رجل طعام، أو ثياب من جهة القرض فباعه من غير من هو عليه لم يجز، وكذلك إذا اشترى من إنسان سلعة بدين له في ذمة غير البائع لم يجز، وقال في «الإفصاح» في آخر كتاب الحوال: ذهب بعض أصحابنا إلى جواز ذلك وهذا خلاف النص، ولأنه لا يقدر على تسليم ما في ذمة غيره.
فرع آخر قال في «الأم»: ولو خلت على مكاتب نجومه فسأل السيد أن يعتقه ويؤخره بما عليه فأعتقه كان العتق جائزًا، واتبعه بما عليه دينًا وكذلك لو كانت النجوم إلى آجال فسأله أن يعتقه وتكون النجوم ثابتة، فأعتقه جاز ويكون دينه عليه في الكتابة بحاله.
مسألة: قال: «وإن أعتق عبده، أو كاتبه بإذنه».
الفصل جملته أنه إذا كاتب عبدًا ثم اشترى المكاتب عبدًا وأعتقه بغير إذن السيد لا يجوز بلا خلاف، لأنه إتلاف للمال، وهكذا إن كاتبه بغير إذنه لا يجوز لأنه يجري مجرى الإعتاق بدليل [116/ ب] أنها في حق المريض من الثلث كالإعتاق.
وقال أبو حنيفة: تجوز كتابته، وهذا لا يصح لما ذكرنا، وأما إذا أعتق، أو كاتب بإذن سيده، هل يصح

فيه قولان: أحدهما: لا يصح لأن العتق إنما يصح من مالك تام الملك، وليس له ذلك لأنه يقتضي الولاء وهو مملوك لا يثبت الولاء له لأنه يجوز أن يعتق فيثبت عليه الولاء ومن كان ممن يثبت عليه الولاء لا يجوز أن تثبت له الولاء، والثاني: يجوز لأن إيقاع الحرية تمليك العبد نفسه فملكه بإذن السيد كالهبة، وهذان القولان من فروع التبرعات.
وقال القفال: إن قلنا: تبرعاته لا تجوز إلا بإذن سيده فهو أولى أن لا يجوز، وإن قلنا: ذلك يجوز فههنا قولان.
وحكى المزني عن «الإملاء» على مسائل مالك أنه قال: إذا كاتب المكاتب عبده لا يجوز، وإذا أدى المال لم يعتق كما لو أعتقه لم يعتق، ثم اختار هذا القول، وهذا التشبيه مشكل لأنه يوهم فرقًا بين الكتابة والعتق، وليس كذلك لأن القولين في إعتاقه كالقولين في كتابته فيحتمل أن يكون مراده بقوله: كما لو أعتقه لم يعتق إذا كان بغير إذن سيده ولا يبعد أن يقيس الكتابة في حال إذن السيد على الكتابة في حالة عدم الإذن أو على الإذن في حالة عدم الأخذ يعني: نقصان ملكه في الحالين، وقيل قصد الشافعي أن يبين أن الكتابة تبرع كالإعتاق، فلا يصح من المكاتب دون إذن سيده كيلا يظن ظان أن الكتابة كالبيع فتصح دون إذن السيد، وقيل: هذا لأن للشافعي قولين في كتابة المكاتب عبده، وفي إعتاقه بإذن السيد قولان ولكن نضه في «الإملاء» يدل [117/ أ] على وجوب الترتيب وكيفية الترتيب ما ذكر القفال، والفرق أن بالكتابة يستفيد عوضًا وفي زيادة ماله منفعة سيده ولا يستفيد بالإعتاق عوضًا، فافترقا، وقال أبو إسحاق: القياس ما اختار المزني لولا ما فيه من الشفعة، فإذا قلنا: لا يصح، فالعتق لا ينفذ والكتابة باطلة والعبد باق على ملكه فإن أدى المال إليه لم يعتق لأنه إنما العتق في الكتابة الفاسدة بأداء المال إذا كان السيد ممن يملك العتق المباشر وههنا لا يملك ذلك، وإذا قلنا: يصح العتق والكتابة تصح أيضًا، فأدى المال وعتق وهو بعد لم يعتق، فلمن يكون الولاء قولان: أحدهما: أنه موقوف، فإن عجز المكاتب كان للسيد، وإن أدى وعتق كان له لأن حكم المكاتب في نفسه وماله موقوف ولأن المكاتب باشر العتق فيستحيل أن يكون الولاء للسيد الذي لم يباشره فيوقف عليه، ثم صور الشافعي رضي الله عنه فائدة الوقف فقال: «فإن مات عبد المكاتب المعتق بعدما يعتق وقف من ميراثه في قول من يقف الميراث كما وصفت، فإن عتق المكاتب الأول فهو له، وإن مات أو عجز فلسيد المكاتب إذا كان حيًا يوم يموت، وإن كان ميتًا فلورثته من الرجال ميراثه»، وإنما قال من الرجال لأن النساء لا يرثن بالولاء إلا في مباشرة العتاق.
وقال أبو حامد على هذا القول: في هذه المسألة قولان: أحدهما، ما ذكرنا، والثاني: ميراثه لسيده لأن الولاء يجوز أن يتوقف فيثبت لشخص ثم ينجر الولاء إلى غيره والميراث لا يجوز لأن يتوقف قط، [117/ ب] ولأن السيد وارث في الحال، فلم ينتظر في المكاتب أن يصير وارثًا كالحر إذا مات وخلف

أبًا مملوكًا وجدًا حرًا كان ميراثه لجده ولا يوقف على عتق أبيه، وقال أصحابنا: هذا القول بعيد لأنه يؤدي إلى توريث السيد من هذا المعتق بلا نسب ولا ولاء، وهذا لا يجوز، وذكر القفال وجهًا آخر أنه يصرف ماله إلى بيت المال، وهذا الوجه الأول أبعد، والقول الثاني: الولاء لسيد المكاتب وبه قال أبو حنيفة، لأن العتق إذا كان معينًا لم يجز أن يكون الولاء موقوفًا كما لا يجوز أن يكون النسب موقوفًا مع تعين الواطئ، وإذا لم يثبت في الحال بطل النسب وكذلك الولاء والمكاتب في الحال من أهل الولاء والسيد من أهله فثبت له.
قال القفال: وعلى هذا يجب أن يجري عن كفارة السيد إذا نوى وأعتقه المكاتب بإذنه، ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن النسب قد يقف على بيان القافة أو على الانتساب إذا لم يكن قافة، فكذلك الولاء يجوز أن يوقف ولأن الفرق بين النسب والولاء ظاهر لأن الولاء ينتقل بالجر من مولى الأم إلى مولى الأب بخلاف النسب، ولو أدى المكاتب الثاني المال بعدما عتق المكاتب الأول، فالولاء للمكاتب الأول إذا جوزنا تلك الكتابة لأنه يوم العتق من أهل الولاء.
فرع إذا قلنا: الولاء للسيد فلا فرق بين أن يعجز المكاتب بعد ذلك لو أدى المال وعتق فقد استقر الولاء على السيد فلا ينتقل هكذا قال أصحابنا.
وقال في «الحاوي»: حكى ابن أبي هريرة أنه إذا عتق المكاتب [18/ أ] بعده بالأداء هل يجر ولاء معتقه، وينتقل عن سيده إليه؟.
اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: ما ذكرنا كما لا يجوز أن ينتقل النسب، والثاني: يجره لأنه باشر العتق، وإذا جاز أن ينتقل ههنا، وقد باشر العتق وهناك لم يباشره.
فرع آخر إذا أعتق المكاتب عبده عن سيده أو عن غير سيده بإذن سيده ففيه قولان.
قال أبو حامد: الصحيح ههنا أنه يعتق والصحيح في عتق المكاتب عن نفسه بإذن سيده أنه لا يعتق لأنه ليس من أهل الولاء.
مسألة: قال: «وبيع نجومه مفسوخ».
الفصل جملة هذا: أنه إذا كاتب عبدًا على مال ثم إن السيد باع ذلك المال الذي له في ذمة المكاتب نص الشافعي ههنا، وفي «الأم» وعامة كتبه: أنه لا يجوز، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد، وقال مالك: يصح ذلك لأن السيد يملكها في ذمة المكاتب فصار كسائر أمواله وهذا غلط لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع ما لم يقبض» وهذا عوض غير مقبوض، فهو بمنزلة المسلم فيه، ولأنه ليس بلازم ومتى شاء المكاتب

أسقط ذلك عن نفسه، وقال أبو إسحاق: أومأ الشافعي في «القديم» إلى جوازه أيضًا ولكنه فاسد لا وجه له، وقيل: قال في «القديم» في بيع المكاتب، هل يجوز قولان، فإذا قلنا: يجوز، يجوز بيع رقبته أيضًا، وهذا البناء لا يصح لأن الغرر في المال الذي في الذمة أكثر منه في الرقبة فلا يصح بناء إحدى المسألتين على الأخرى [118/ ب].
وقيل: قال في بيع الديون وهبتها قولان أخرجهما ابن سريج، فههنا كذلك وهذا خطأ أيضًا لأن ذلك في الدين المستقر اللازم.
والصحيح أن المسألة على قول واحد أن البيع باطل.
فرع إذا قلنا: إن البيع باطل فالمشتري لا يملك مطالبة المكاتب بشيء ولا يجوز للمكاتب أن يدفع إليه أيضًا، فإن جمع مالا ودفعه إلى المشتري، فهل يعتق؟، قال الشافعي ههنا، فإن أدى المال إلى المشتري بأمر سيده عتق كما يؤدي إلى وكيله فيعتق، وقال في «الأم»: لا يعتق لأن أصل البيع باطل، وليس هذا كرجل وكله سيد المكاتب لأنه يأخذه لنفسه دون السيد بدليل أنه يضمن واختلف أصحابنا في هذا، فقال ابن سريج، ينبغي أن يخرج على قولين: أحدهما: لا يعتق وإن أدى إلى المشتري بإذن السيد لأنه أذن له أن يقبضه لنفسه لا للسيد، والذي على المكاتب أن يدفع إلى السيد أو إلى من يقبضه له بإذنه، وهذا لا يصح، والثاني: يعتق صرح البائع بالإذن، أو لم يصرح لأنه قبضه بإذنه وتسليطه كالوكيل، فإذا قلنا: يعتق فقد برئت ذمته من مال الكتابة، لأنه ما عتق إلا بعد براءة ذمته من المال وتبقى المنازعة بين السيد وبين المشتري في المال الذي قبضه من المكاتب وفي الثمن الذي دفعه المكاتب إليه فإن كان المال الذي قبضه المشتري، والثمن الذي دفعه المشتري باقيين يرجع المشتري بما دفع واسترجع منه ما أخذ وإن كانا تالفين حصل التقاص بينهما فيما تساويا فيه [119/أ] ورجع أحدههما على صاحبه بالفضل الذي بقي له، وإذا قلنا: لا يعتق فإن ذمته لا تبرأ من مال الكتابة فيستحق السيد مطالبته بمال الكتابة، ويستحق هو مطالبة المشتري بما دفعه إليه ويستحق المشتري مطالبة السيد بالثمن الذي دفعه إليه.
وقال أبو إسحاق: المسألة على اختلاف حالين، فالذين قال يعتق: أراد إذا باع المال منه وأمر المكاتب بدفعه إليه، فيكون قد قبضه بأمرة ويعتق، والذي قال لا يعتق: أراد به إذا باعه مطلقًا، ولم يأمر المكاتب بالدفع إليه، فلا يعتق لأنه لم يوجد من السيد صريح الإذن بالدفع، وإنما البيع تضمن ذلك، فإذا بطل البيع بطل ما تضمنه.
قال: وهذا هو الظاهر لأن الشافعي في «الأم» لم يشترط إذن السيد في دفعه إلى المشتري وشرط فيما نقل المزني الإذن قال: فإن أدى إلى المشتري بأمر سيده.
قال أبو إسحاق قلت لابن

سريج هذا، فقال: ما تبين لي أن يكون بينهما فرق لأنه لا فرق بين أن يأذن في الدفع أو يلزمه بعقد سيده الدفع، ومن لفظ بالعقد فقد أذن في دفعه، فقلت: هذا يمكن أن يقال لأنه إذا لم ينص على الدفع فالدفع لا يلزمه وإنما دفعه متأولا، وقد كان يمكنه أن يحترز منه بأن لا يسلمه إليه إلا بإذن ينص له السيد عليه، أو يحكم به عليه حاكم، فلا يعتق ويدل على هذا أنه لو أعتقه لم ينفذ عتقه ولم يجعل بمنزلة العتق بإذن السيد وإن كان العقد يتضمن تصرفه بالعتق وغيره، واختار القاضي الطبري طريقة أبي إسحاق.
مسألة: قال: «وليس للمكاتب أن يشتري من يعتق عليه».
الفصل جملة هذا: أن المكاتب إذا اشترى [119/ ب] من يعتق عليه بحكم القرابة كالآباء والأمهات وغيرهم، فإن كان بغير إذن سيده لا يصح الشراء قولا واحدًا.
وقال أبو حنيفة وأحد: يصح الشراء، وقال أبو حنيفة: القياس أن له أن يتصرف بعد الشراء ولكني أمنعه من ذلك استحسانًا، وهذا لا يصح لأنه استهلاك وإتلاف إذ يخرج من يده ويجوز له التصرف فيه وأداء نجومه منه ويأخذ عوض ذلك مالا يمكنه التصرف فيه، وذلك ضرب من إتلاف المال، وإن كان بإذن سيده.
قال عامة أصحابنا: فيه قولان كالتبرعات بإذن سيده، وقال أبو إسحاق: يصح ذلك قولا واحدًا، والفرق بينه وبين التبرعات في أحد القولين، إن التبرعات لا تحصل له عوض بوجه فهي إتلاف محض فلا يصح العوض، وهو أن هذا العبد يصير ملكه ويكتسب فيستعين بكسبه وربما يخفي عليه، فيأخذ هو أرش الجناية ويؤدي ذلك ويعتق هو معه فتحصل له المنفعة بذلك، فجاز والطريقة الأولى أصح لأن هذا العوض غير مقصود ولا متحقق، ولو كان كما قال أبو إسحاق لجاز أن يشتريه بغير إذن السيد وليس هذا بأكثر من الهبة بشرط الثواب وقد نص الشافعي أنه لا يجوز ذلك على القول الذي يقول لا يجوز هبته بإذن السيد.
وحكي أن أبا إسحاق، قال: وينبغي أن يكون على قول له شراؤه بالإذن لأنهما لو اجتمعا على إتلاف المال جاز فجعله أبو إسحاق بمنزلة الإتلاف فيكون مع الإذن كالهبة فلا فرق على هذا بين ما قال أبو إسحاق وبين ما قال غيره.
فرع إذا قلنا: يصح الشراء لم يكن له بيعه وكان موقوفًا على كتابته، فيقف عليه بحكم الملك دون النسب، ولأنه [120/ أ] لا يجوز أن يملك ثمن والد، وحكي عن ابن أبي هريرة أنه قال: يجوز بيعه لأنه يملكه وللسيد فيه حق، وهذا يلزم إذا استولد أمته، فإن [ابنه ملكه ولا يجوز له بيعه].

فرع آخر قال الشافعي رضي الله عنه: «وله أن يقبلهم إن أوصى لهم به ويكسبون على أنفسهم».
وجملته: أنه إذا أوصى له بهم فأراد أن يقبل الوصية ينظر فإنه كان ممن يجب عليه نفقته بأن يكون زمنًا، أو شيخًا ضعيفًا كبيرًا، أو طفلًا صغيرًا لم يجز له قبول ذلك لأنه يستضر بوجوب النفقة عليه ولا ينتفع بشيء ولا فرق بين أن يزن ما في يده من ثمنه، وبين أن ينفق عليه منه، وإن كان جلدًا مكتسبًا يقوم كسبه بنفقته فله أن يقبل ذلك بل هو مندوب إلى ذلك لأنه لا يستضر به بل فيه تكسب، لأنه ينتفع بفضل كسبه، وقد قال الشافعي: «يأخذ فضل كسبهم وما أفادوا» يعني: كل مال استفادوه فكالكسب، وإنما يأخذ ذلك لأنه بمله وليس بحر، فإن قيل: يجوز أن يزمن أو يمرض، ولا يكون له كسب، فيكون ضررًا على المكاتب، قلنا: الاعتبار بالحال دون ما يجوز أن يحدث في الثاني من الزمانة والعجز، وقال الصيمري: إذا أوصى له بابنه الزمن ولا كسب له، له أن يقبل في أصح الوجهين لأنه يجوز أن يحدث له اكتساب بغير عمل، وربما يصح فيعمل، وهذا ضعيف لأنه خلاف الظاهر في الحال، وهذا غريب.
فرع آخر لو قبله وكان له كسب فزمن أو مرض لزمه أن ينفق عليه مما في يده لأنه عبده وملكه، فإن قيل: أليس لا يلزمه أن ينفق على أقاربه؟، قلنا: الفرق أن نف قة الأقارب مواساة بخلاف هذا [120/ ب].
فرع آخر لو جنى واحد منهم في يده، قال الشافعي: «وإن جنوا لم يكن له أن يفديهم وبيع منهم بقدر جناياتهم» وهذا لنأن المفاداة بمنزلة الشراء لأنه إخراج مال في مقابلتهم فكما لا يجوز ذلك لا يجوز هذا، فإن كان بإذن سيده يكون قولان أيضًا كما في الشراء وهكذا الحكم إذا وهب له واحد من هؤلاء، فقبل ذلك.
مسألة: قال: «ولا يجوز بيع رقبة المكاتب».
اختلف قول الشافعي رضي الله عنه في بيع رقبة المكاتب، فقال في القديم: يجوز ولا أعرف لمن منع منه وجها، وبه قال عطاء والنخعي وأحمد، وقال في «الجديد»: لا يجوز بيعه، وهو الصحيح، وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه.
وقال الزهري وربيعة: إن باع رقبته بإذنه صح البيع وإن باع من غير إذنه لم يصح، وروى الطحاوي هذا عن ابن أبي عمران عن أبي يوسف، واحتج عطاء بخبر بريرة، ولأنه بمنزلة العبد

القن في عامة أحكامه، فكذلك في جواز البيع وهذا خطأ لأن الكتابة عقد يمنع رجوع أرش الجناية عليه إليه فيمنع البيع، وإذا قلنا: يصح يكون مكاتبًا كما كان فإن أدى المال إلى المشتري عتق والولاء للمشتري بخلاف وارث المكاتب إذا قبض النجوم، وصار حرًا يكون الولاء للمورث، لأن الوارث يقوم مقامه وينبني ملكه على ملكه بخلاف المشتري، وإن عجز كان رقيقًا للمشتري، وقال أبو ثور: يجوز بيعه وولاؤه إذا عتق للبائع، وهذا غلط لما ذكرناه ومن أصحابنا من أنكر هذا القول، وذكر أن المسألة على قول واحد إنه لا يجوز وذلك القول مرجوع عنه، وذلك لأنه قد باعه [121/ أ] بالعقد الذي عقد عليه ومنع من المكاتب ومن كسبه، وقد ملك المكاتب ذلك إلى أن يعجز فيعود في الرق، فإذا باع رقبته باع ما لا يملكه، فلا يجوز ذلك ولو كان هو مالكًا لرقبته لكانت منافعه له ولكان له وطئها إذا كانت أمة.
قال الشافعي: «فإن قيل: بيعت بريرة» وقصتها قد ذكرنا، ثم أجاب الشافعي، فقال: «لعلها عجزت وهي المساومة بنفسها عائشة رضي الله عنها والمخبرة بالعجز والراضية بالبيع» وشرح أبو إسحاق هذا، فقال: عائشة رضي الله عنها إنما اشترت بريرة بعد العجز لأن عقد الكتابة يلزم السيد ولا يلزم المكاتب وله أن يفسخه، أي وقت شاء، فلما كانت بريرة هي التي سفرت بينها وبين مواليها، وهي المساومة والمطالبة من عائشة أن تشتريها فقد علم أن ذلك رضى منها بفسخ الكتابة، وأنها عجزت نفسها ورغبت في عتق معجل يعينها على التصرف والتكسب للحرية فكان هذا أحظى لها وأعود عليها، ومن أصحابنا من قال: إنها عجزت عن أداء نجمها وشكت إلى عائشة ذلك، فباعها مواليها، فكان لهم تعجيزها وفسخ كتابتها فكان بيعهم فسخًا للكتابة، كما إذا باع البائع المبيع في مدة الخيار كان فسخًا للبيع الأول.
فإذا تقرر هذا فعلى هذا لو باعه قبل العجز، فأعتقه المشتري، قال في «الأم»: كان عتقه باطلا، ولو دفعه النجوم إلى المشتري هل يعتق، فيه قولان على ما ذكرنا في بيع النجوم، ولو باعه قبل أن يرضى بالعجز ثم رضي، قال في «الأم»: كان البيع مفسوخًا حتى يحدث له بيعًا بعد رضاه بالعجز ولو باعه وماله من رجل نزع مال الكتابة من يد المشتري وكان على كتابته، فإن مات المشتري [121/ ب] رجع به المكاتب على لسيده في ماله إن لم يكن حلت عليه الكتابة، فإن كانت حلت عليه أو بعضها كان قصاصًا وإن لم يمت ضمن المكاتب أيهما شاء إن شاء الذي استهلك ماله، وإن شاء سيده.
وقال في «الأم»: ولو باعه ولا مال للمكاتب، أو له مال قليل، فأقام في يد المشتري سنين وحل عليه نجمان من نجومه ورد البيع فسأل المكاتب أن ينظر سنين يسعى في نجميه اللذين حلا عليه، ففيها قولان: أحدهما: لا يكون له ذلك كما لو

حبسه سلطان، أو ظالم، أو مرض أو سبي وكان له أن يحسب على سيده قيمة إجارة السنين من نجومه، فإن أدى عنه كتابته وإلا رجع عليه السيد بما بقي، فإن أداه، وإلا فهو عاجز، وإن كانت في إجارته السنين فضل عن كتابته عتق ورجع بالفضل وأخذه وهكذا لو كاتبه السيد ثم عدا عليه، فحبسه سنة، أو أكثر والثاني: ينظره بقدر حبس السيد له إن حبسه بنفسه أو حبسه بالبيع، قال أصحابنا: ووجه هذا أنه دخل معه في العقد على أن يمكنه من التصرف في المدة التي شركها، فإذا حبسه في بعضها لم يف له بالشرط فلزمه بحبسه مثل ما حبسه، والأول أصح.
ثم قال المزني: فإن قيل: فما معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: «اشترطي لهم الولاء»، وهذا السؤال لكشف إشكال في الخبر لا لتوجيه القول الجديد والرفع عنه، قال المزني: قلت للشافعي جوابان عن هذا السؤال أحدهما يبطل بالشرط، ويجوز العقد وجعله خاصًا.
قال أبو إسحاق: تفسير هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لعائشة رضي الله عنها في ذلك لأنه تقدم إليهم بأن الولاء للمعتق، فلم ينتهوا [122/ أ] عن شرط الولاء لأنفسهم فأمر عائشة بالشراء، وشرط الولاء للبائع ثم أبطل الشرط، وقال: ما بال أقوام، وقال الشافعي: رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله فكان شراء عائشة صحيحًا، والشرط فاسدًا، وكان إذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك للبائع في الإنكار عليهم وردعهم عما كانوا عليه، وهذا كما أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من الكبائر، فلما أذن لهم فيها بقوله تعالى: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]، توقفوا فأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الإحرام بالحج، ثم فسخ عليهم إحرامهم بالحج وأمرهم أن يجعلوه عمرة ليكون تغليطًا عليهم في إثبات أوامره، وقيل: هذا هو القول المنصوص في البيع بشرط العتق، أو بشرط الولاء للبائع أن البيع جائز لا على القياس ولكن بالسنة، وهذا معنى قول المزني يجعله خاصًا.
وقيل: لما نهى عن بيع الولاء وهبته ظنوا أن نهيه توجه إلى إفراه بالبيع وأنه إذا كان مشروطًا في بيع جائز صح فأحب أن يفسخه عليه بعد شرطه ليكون الفسخ، أوكد والنهي أغلط كما قلنا في باب جواز العمرة في أشهر الحج.
وقيل: إنهم كانوا في الجاهلية يتبايعون الولاء ويرونه مالا فغلط الأمر فيه مع نهينه عن بيعه بأن أبطله عليهم بعد بيعه ولذلك غضب وصعد المنبر فخطب، وقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله» الخبر إلى آخره.
وقيل: أذن فيه في وقت جوازه ثم نسخ فأظهر نسخه بفسخه كما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهلة بنت سهيل أن ترضع سالمًا وكان كبيرًا ثم نسخ رضاع الكبير، وقال: الرضاعة من المجاعة.
ثم قال المزني: [122/ ب] وقال في موضع آخر، وهذا من أشد ما يغلط فيه وإنما جاء به هشام بن عروة وحده وغيره خالفه وضعفه، وهذا أولى به لأنه لا يجوز في صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكانته من الله تعالى ينكر على أناسٍ شرطًا باطلًا، ويأمر أهله بإجابتهم إلى شرط باطل وهو على أهله في الله أشد وعليهم أغلط يريد بهذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أذن

لعائشة في اشتراط الولاء للبائع وانفرد بتلك الرواية هشام، وليست بصحيحة لما ذكره من الدليل.
وقيل: هذه زيادة تفرد بها هشام، وقد روى نافع عن ابن عمر عن عائشة رضي الله عنها هذا الخبر فلم يروها، وكذلك الزهري لم يروها وهو أحفظ من هشام، وكذكل عمرة والقاسم بن محمد والأسود بن يزيد وأبو هريرة كلهم رووا عن عائشة، ولم يذكروا أنه أمرها باشتراط الولاء لهم ولعل هشامًا أو عروة حين سمع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «ما يمنعك ذلك» رأى أنه أمرها أن تشترط لهم الولاء، فلم يقف من حفظه على ما وقف عليه ابن عمر وجماعة.
فإن قيل: الزيادة أولى في الإخبار قيل: ترك الزيادة في هذا الموضع أولى من الأخذ بها لثلاثة أمور، أحدها: إنكار الرواة لها على ما ذكرنا، والثاني: منع الشرع منها، والثالث: صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما ذكرنا فلا يجوز أن يأذن في المحظور والغرور، وقال بعض أصحابنا: هكذا قال الشافعي، ولكن الخبر في «الصحيحين» من طرق شتى سوى طريق هشام، وهذا الشرط مذكور فيه، والأصح الجواب الأول، [123/ أ] وهو تجويز البيع بالسنة، ثم اشتغل المزني بالتأويل، فقال: ويحتمل لو صح الحديث أن يكون أراد: اشترطي عليهم أن لك إذا اشترطت، وأعتقت الولاء أي لا تغريهم واللغة تحتمل ذلك قال الله تعالى: ﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: 52] أي عليهم اللعنة، وقال تعالى: ﴿إنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وإنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7]، يعني فعليها.
وقال تعالى: ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: 2]، أي عليه، فقامت لهم مقام عليهم فتفهم رحمك الله.
وأنكر أبو إسحاق هذا التأويل على المزني على عادته في الرد على المزني إذا وجد السبيل إليه، وقال الماسرجسي: سمعت أبا إسحاق ينكر ذلك، ويقول: هذا يجوز عند الضرورة، ولو جوزنا إبدال حرف بحرف لغير الحاجة والضرورة بطل التفاهم بالخطاب، وذهبت فائدة الكلام، وقال: لا يجوز أن يقصد منع عائشة من شرطها الولاء للبائع بلفظ لا يبني عنه إلا بقرينة الحال ودلالة وفي موضع لا يشكل ولا يلتبس ولأن خروجه مغضبًا، وقوله في خطبته: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله».
يدل على أن الشرط كان لهم فأبطله عليهم، فلا يصح ما ذكره المزني.
وقال ابن أبي هريرة: قوله اشترطي لهم الولاء خارج مخرج الوعيد والتهديد، كقوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]، وهذا بعيد، وقال صاحب «الإفصاح»: أراد اشترطي لهم العتق، فعبر عن العتق بالولاء لحدوثه عنه، واستحقاقه به، وهذا أيضًا عدول عن الحقيقة إلى المجاز، وقال أبو حامد: اشتراط الولاء تقدم العقد لأنه كان وقت المساومة، وإنما يلزم الشرط [123/ ب] إذا اقترن بالعقد فلذلك بطل، فأعلن النبي - صلى الله عليه وسلم - إبطال حكمه، وهذا ضعيف لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبطل الشرط لفساده، ولم يبطله لأنه كان في غير محله، ولو أراد ذلك لأزال اللبس ولأبان الحكم المقصود.

فرع لو كانت الكتابة فباعها للسيد، فإن كان للسيد علمًا بفسادها صح البيع وفي ذلك فسخ الكتابة الفاسدة، فلا يعتق بعد ذلك بالدفع وإن لم يعلم أو ظن أن الكتابة صحيحة، فإذا هي فاسدة ففي صحة البيع قولان مخرجان كما قال الشافعي: إذا أوصى برقبته لرجل ظنًا أن الكتابة صحيحة وأن الوصية فاسدة هل تصح الوصية، قولان سواءً كان عالمًا بفسادها أو جاهلًا، ومن أصحابنا من قال: لا يصح البيع قولًا واحدًا بخلاف الوصية لأنها تقبل الغرر والجهالة والوقف على الشرائط بخلاف البيع.

باب كتابة النصراني

مسألة: قال: «ويجوز كتابة النصراني».
الفصل اعلم أنه إذا كاتب النصراني مملوكه جاز كما تجوز كتابة المسلم، وقال بعض الفقهاء: لا تجوز كتابته لأن الله تعالى ندب المسلمين إليها بقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: 33]، الآية.
ودليلنا حكم المعاملات والإعتاق يعم الكل، أو نقول: الكتابة تشتمل على المعاوضة والإعتاق بالصفة وكلاهما يجوز منه، وأما قولهم: ندب المسلمين إليها، قلنا: إنما خص المسلمين بالخطاب إكرامًا لهم لا تخصيصًا بالحكم.
ثم جوز كتابته [124/ أ] على الوجه الذي يجوز كتابة المسلم، فإذا كاتب عبده ثم ترافعا إلى حاكم المسلمين نظر بينهما وحكم بحكم الإسلام، فإذا كانت الكتابة مما تجوز بين المسلمين أمضاها وإن كانت مما لا يجوز ردها لأن الحاكم لا يحكم إلا بما يسوغ في دينه.
ثم ذكر الشافعي رضي الله عنه فيما كانت الكتابة فاسدة ثلاث مسائل: إحداها: أن يتعاقدا فاسدًا ويقبض السيد العوض ثم أسلما وترافعا، فالحاكم يقرهما على ذلك لا على معنى أنه يحكم بصحته ولكن على معنى أنه لا يتعرض لهما كما نقول: إذا تزوجها على مهر فاسد وتقابضا العوض ثم أسلما.
والثانية: أن يسلما ثم تقابضا في حال الإسلام فالحكم يبطل ذلك، لأن قبض الفاسد لا يصح في حال الإسلام إلا أن العتق وقع بوجود الصفة ويثبت بين السيد وبين المكاتب التراجع، فإن كان مما دفعه إلى السيد لم يحتسب له بشيء وحسب عليه قيمة رقبته، وإن كان له قيمة احتسب عليه بقيمته وعلى العبد بقيمة رقبته، ويتراجعان الفضل.
والثالثة: أن يسلما ثم يتراجها قبل التقابض أو بعد قبض البعض وبقاء البعض يحكم بفسخ الكتابة وإبطالها لأنه ما لم يقبض جميع مال الكتابة فالعتق لا يقع وحكم العقد

لم يتنجز، فحكم ببطلانه وارتفاعه إذا كان مما لا يصح مثله في الإسلام، فإن لم يحكم بفسخ الكتابة فأدى ذلك عتق بالصفة وثبت التراجع، وما أدى في حال الشرك من الحرام فحكمه حكم ما لم يرد شيئًا، فيكون التراجع بجميع القيمة نص عليه فيه «المختصر» لأن العتق وقع في حال الإسلام، فلم ينظر إلى ما أدى في حكم الكفر ويفارق هذا إذا تزوج في حال الشرك [124/ ب] ثم أسلم وقد أسلم إليها بعض الصداق الفاسد في الشرك احتسب عليها بقدر ذلك لما ذكرنا من الفرق في كتاب النكاح، وهو أن الاعتبار في العتق بآخر النجوم لأن العتق يتعلق به دون ما قبله، وفي النكاح لا يعتبر آخره.
وقال أبو حنيفة: إذا كاتبه على خمر ثم أسلما لا يبطل ويؤدي إليه قيمة الخمر ويعتق كما قال في النكاح، وهذا لا يصح لأنه إذا عقدها ابتداءً بخمر كانت فاسدة بخلاف ما لو تزوجها على خمر لا يفسد النكاح.
وقال القفال: هذا إذا أسلما، أو أسلم السيد لأن ذلك لا يبطل الكتابة، فأما إذا أسلم العبد دون السيد، فإن قلنا: إذا اشترى الكافر عبدًا مسلمًا فأجبرناه على بيعه فكاتبه يسقط الاعتراض عنه، ولا يباع عليه فههنا أولى أن لا يباع، وإن قلنا: هناك لا يسقط الاعتراض ويباع عليه، فههنا وجهان، والأصح أنه لا يباع لأنه حين عقد الكتابة لم يكن توجه عليه المنع منها في بيع وغيره، وفي إبطال الكتابة إبطال للحق الذي ثبت له الموصل إلى العتق، والثاني: يباع عليه كالمسألة الأولى وهما على القولين في أن أحد الشريكين في المكاتب إذا أعتق نصيبه متى يقوم عليه في الحال، أو بعد التعجيز، فإذا قلنا: لا يباع عليه، ههنا فإذا عجز والسيد كافر يباع عليه لا محالة.
فرع إذا عقد الكتابة في الشرك بحرام وحلال ثم أسلما وتقابضا الحرام في الشرك، وبقي الحلال في الإسلام ففي الكتابة وجهان: أحدهما: يحكم بصحتها لأن الحرام بقبضه في الشرك صار عفوًا، والباقي من الحلال في الإسلام يجوز أن يكون عوضًا، فعلى هذا يؤدي المكاتب الحلال، ويعتق به، ولا تراجع فيه، والثاني: [125/ أ] يحكم بفسادها لأن الحلال بعض العوض في عقد قد فسد وللسيد إبطالها، فإن لم يبطل عتق فيها بالأداء ورجع السيد بقيمته ورجع المكاتب بما أداه، وكان قصاصًا إن تجانس ذكره في «الحاوي».
مسألة: قال: «ولو أن نصرانيًا اشترى عبدًا مسلمًا فكاتبه ففيها قولان».
الفصل قد ذكرنا في شراء الكافر عبدًا مسلمًا هل يصح الشراء؟ فيه قولان، فإذا قلنا: لا تصح فكاتبه، فالكتابة باطلة بلا خلاف، وإذا قلنا: يصح، وهو الذي نص عليه ههنا

فكاتب هل تصح الكتابة؟ فيه قولان: أحدهما: تصح الكتابة، وبه قال أبو حنيفة، ويزول بها الاعتراض، وهو اختيار المزني لأن القصد بالبيع عليه إزالة سلطانه عنه وبالكتابة زالت السلطنة ويستفيد العتق بأداء النجوم، والثاني: لا يصح ولا يزول بها الاعتراض لأنه وإن كان ممنوعًا من استخدامه والتصرف فيه فإنه مسلط عليه في منعه من السفر وهبة ما في يديه.. والتصرف فيه على الإطلاق وفي ذلك عليه ذل وصغار، ولأنه أمر بإخراجه عن ملكه تامًا وليست الكتابة بإخراج تام، ويفارق هذا إذا كاتب الكافر عنده الكافر ثم أسلم لا يباع عليه على المذهب الصحيح المنصوص لأن هناك لم يستحق إزالة ملكه عنه في الأول على ما ذكرنا.
قال المزني: تصح الكتابة لأنه ممنوع من النصراني بكتابته وعسى أن يؤدي، فيعتق يريد به أن للعبد حظًا في ذلك لأنه يؤدي إلى حريته فكان أولى من مطالبته بالبيع وسومح بما عليه من الذل لما يؤدي إليه العتق به.
قال: «وفي تثبيته الكتابة إذا أسلم العبد ومولاه نصراني [125/ ب] على ما قلت دليل، وبالله التوفيق».
يعني المسألة التي ذكرها في الباب قبله، والجواب أنا لا نسلم ذلك على ما ذكر القفال، وإن سلمنا فالفرق ظاهر على ما ذكرنا، فإذا قلنا: الكتابة صحيحة يقر عليها ثم ينظر فإن أدى مال الكتابة عتق، وإن عجز نفسه استرقه السيد، وأزيل ملكه عنه، وإذا قلنا: الكتابة فاسدة يباع عليه، فإن بادر العبد قبل أن يبيع عليه فأدى المال عتق عليه لوجود الصفة ويثبت التراجع بينه وبين سيده لأنه عتق بكتابة فاسدة، فيثبت بينهما التراجع.
مسألة: قال في «الأم»: ولو أن نصرانيصا كاتب أمة له كتابة صحيحة ثم أسلمت واختارت المضي على الكتابة فوطئها السيد فلها مهر مثلها، فإن حملت فالولد حر مسلم لا سبيل عليه لأنه في ملكه، فإن مات النصراني وهي على الكتابة عتقت بموته، وبطل عنها ما بقي من الكتابة عليها ولها ما لها ليس لورثة النصراني منه شيء لأن النصراني كان ممنوعًا من مالها بالكتابة، ثم صارت حرة بموته، فصارت الورثة ممنوعين منه بحريتها، فإن ولدت وعجزت أخذت بنفقتها وحيل بينه وبين إصابتها، فإذا مات فهي حرة ويعمل ما يطيق وله ما اكتسب وأرش ما جنى عليها، فإنها لم تلد ولم يمت النصراني حتى اختارت العجز، قال الشافعي رضي الله عنه: أجبر على بيعها ما لم تلد، قال القاضي أبو حامد: قد قيل: هذا على القول الذي لا يتحقق الحمل ولا يجوز بيعها إذا كانت حاملًا بولدٍ حر مسلمٍ حتى تضع [126/ أ].

باب كتابة الحربي

مسألة: قال: «وإذا كاتب الحربي عبده في دار الحرب ثم جاء مستأمنين».

الفصل جملة هذا أن الحربي ملكه ثابت على ماله وتصرفه كتصرف المسلم في ماله، وإذا كاتب عبده صحت كتابته كما يصح بيعه ويصح عتقه المنجز والمعلق بصفة، وقال مالك: لا ملك له، وقال أبو حنيفة: لا ملك له صحيحًا وكتابته لا تصح، وكذلك إعتاقه، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ ودِيَارَهُمْ وأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب: 27]، فأضاف ذلك إليهم وحقيقة ذلك يفيد الملك.
فإذا تقرر هذا وكاتبه في دار الحرب، ثم دخلا دار الإسلام مستأمنين، أو دخلا دار الإسلام بأمان ثم كاتبه، فإنهما ما لم يترافعا إلى الحاكم ويتخاصما إليه الا يتعرض لهما بل نقرهما على ما فعلاه، فإن ترافعا إليه يحكم بينهما بحكم الإسلام، فإن كانت صحيحة في الإسلام أعلمهم صحتها، وأقرهم عليها، وإن كانت فاسدة أعلهم فسادها، وأنه لا يجوز الإقرار عليها فإن قهر العبد سيده على نفسه في دار الحرب، ثم دخل دار الإسلام بأمان ومعه السيد ف قد ملك نفسه وانفسخت الكتابة فيه وملك السيد بقهره إياه ويقر على ذلك لأن دار الحرب دار قهر وغلبة ولذلك لو قال سيده: لا أرضى بالكتابة وقهره على نفسه واستعبده وحمله إلى دار الإسلام كان عبده وبطلت الكتابة، ولو دخلا دار الإسلام ثم قهر سيده على نفسه أو قهره السيد لا حكم لهذا القهر لأن دار الإسلام ليست بدار قهر [126/ ب] وغلبة، بل هي دار حق وإنصاف.
مسألة: قال: «ولو كان السيد مسلمًا فالكتابة ثابتة».
أراد بهذا أن المسلم لو كاتب عبده الكافر في دار الحرب فكتابته ثابتة ككتابته في دار الإسلام فلو قهره على نفسه، ثم حمله إلى دار الإسلام لم تبطل الكتابة بالقهر لأن كتابته له أمان لأن الكتابة عقد يمنع السيد عن نفسه وماله فكان بمنزلة الأمان فلم يجز له استرقاقه وقهره، ويخالف الحربي لأن أمانه للكافر لا يصح، وقد فسره الشافعي رضي الله عنه في «الأم» ونقله المزني مختصرًا.
فإن أدى المال عتق وثبت للمسلم عليه الولاء، ثم يقال له: إلى الآن كنت تابعًا لسيدك وقد صرت حرًا وصار لك حكم نفسك، فإن شئت فاعقد لنفسك عقد الذمة وإن شئت فالحق بدار الحرب، فتكون حربيًا لنا.
فإن لحق بدار الحرب وظهر المسلمون على الدار لم يجز استرقاقه لولاء المسلم عليه، ويفارق هذا إذا كان للمسلم ابن حربي حيث يجوز استرقاقه لأنه ليس في ذلك إبطال نسبه، وفي هذا إبطال الولاء، وقد قال الشافعي ههنا: «فإن سبي لم يكن رقيقًا» يعني إن سبي مكاتب المسلم بعد الأداء لأنه علل فقال: «لأن له أمانًا من مسلم بإعتاقه إياه» وهذا أيضًا اختصره المزني وشرحه في «الأم» هكذا، ثم قال: ولو كان

أعتقه كافرًا بكتابة، أو غير كتابة فسباه المسلمون كان رقيقًا لأن لا أمان له من مسلم نفسه يسترق إذا قدر عليه، ففرق الشافعي بين أن يعتق المسلم فلا يسترق [127/ أ] وبين أن يعتق الكافر فيسترق، وعلل في المسلم بأنه في أمان منه وفي الكافر أنه ليس بأمان من مسلم وسيده يسترق لو قدر عليه، وعلل أبو إسحاق وابن أبي هريرة وصاحب «الإفصاح» بأن لسيده عليه حق الولاء، فلا يجوز إسقاطه بالاسترقاق، وقال ابن أبي هريرة: هذا مراد الشافعي من قوله، لأن له أمانًا من مسلم بإعتاقه إياه.
وقال القاضي الطبري: هذا وإن كان تعليلاً صحيحًا، فليس بمراد الشافعي، وإنما قصد الشافعي به أن نفس الكتابة والعتق عقد أمان له، لأنه يمنع نفسه بكل واحد منهما من نفسه وما له يدل على ذلك أن المسلم إذا كاتب عبده في دار الحرب، ثم قهره على نفسه وحمله إلى دار الإسلام.
قال الشافعي: لا تبطل الكتابة لأنه في أمان منه فدل أن المراد بالأمان ما ذكرنا، وأما الظاهر فما لقاله الشافعي في الكافر أنه الكافر الحربي لأنه قال: ويسترق الذي أعتقه إن قدر عليه، فأما إن كان مكاتبًا لذمي فلحق بدار الحرب قدر ذكرنا وجهين في جواز استرقاقه فظاهر تعليل الشافعي يقتضي أن يجوز لأنه ليس بأمان مسلم.
وأما إذا حارب مكاتب المسلم ومعتق المسلم يجوز قتاله وإن منعنا من استرقاقه لا يختلف المذهب فيه.
مسألة: قال: «ولو كاتب المستأمن عندنا عبده فأراد إخراجه».
الفصل جملة هذا: أن الكافر الحربي إذا كاتب عبده ثم دخلا دار الإسلام بأمان، أو دخلا دار الإسلام بأمان، ثم كاتبه فقد انقطع سلطانه عنه، فإن أراد العبد [127/ ب] الرجوع إلى دار الحرب لم يكن للسيد منعه منه لأن تصرفه قد انقطع عنه، وإنما بقي له في ذمته دين، وإذا أراد السيد الرجوع إلى دار الحرب ينظر في العبد، فإن أراد الرجوع معه لم يمنع لأن للمستأمن أن يرجع إلى دار الحرب، وإذا رجعا فالكتابة باقية بحالها.
وقال أبو حنيفة: إذا رجعا بطلت الكتابة وعتق العبد وهو خطأ لأنه عقد معاوضة فلا يبطل بمثل هذا، ولو امتنع المكاتب من الرجوع مع السيد إلى دار الحرب وجاء إلى الحاحكم وقال: إنه يقهرني على الحمل معه، ولست آمن أن يغلبني على نفسي، ويبطل كتابتي فالحاكم يمنعه منه ويقول له: إن شئت أقمت حتى تقبض نجومه وإن شئت خرجت ووكلت من يقبضها لك، فإن اختار المقام نظر في النجوم، فإن كانت تحل في أقل من سنة فليس عليه الجزية، وإن لم تحل إلا في سنة، فإنه يمنع من المقام في دار الإسلام سنة إلا بجزية، فإذا خرج ورجع إلى دار الحرب فقد انتقض الأمان في نفسه وفي سائر

ماله سوى المكاتب، وما يؤخذ منه، فإن الأمان فيها باق ويجوز أن ينتقص الأمان، فإن أدى المكاتب المال إلى وكيله عتق وبعث الوكيل المال إلى الحربي، وإن عجز المكاتب نفسه رق وعاد ملكًا للحربي كما كان ورد إلى سيده فإن مات سيده قبل أن يرد قال ههنا: يرد إلى ورثته لأنه مال له أمان فوارثه بمثابته، وقال في كتاب السير: يكون مغنومًا ومعناه يكون فيئًا لأنه مال حربي، واختار المزني القول الأول لما ذكرنا من الوجه، فإذا قلنا بالقول الثاني يؤدي مال كتابته إلى بيت المال، فإذا عتق بالأداء يكون ولاؤه [128/أ] لكافة المسلمين، وإن رق كان فيئا لأن الأمان بطل على ما ذكرنا.
وقال ابن أبي هريرة: إذا نقض السيد الأمان، وخرج إلينا محاربًا هل نغنم مكاتبه فيه قولان أيضًا: أحدهما: يغنم كما قلنا في الموت، والثاني: لا ينغم ويكون الأمان مستبقى في حقه لأنه يجوز أن يكون للحربي أمان على ماله دون نفسه.
مسألة: قال: «فإ، خرج ف سبي فمن عليه، أو فودي به».
الفصل عطف الشافعي رضي الله عنه بهذه المسألة عليه إذا مات، وهي إذا خرج السيد إلى دار الحرب وبقي مكاتبه عندنا على ما بيناه فسبى السيد فالإمام فيه بالخيار بين أربعة أشياء أن يمن عليه، أو يقاد به، أو يقتله، أو يسترقه، فإن قتله، فهو كما لو مات، وقد ذكرنا حكمه، وإن أطلقه، أو فاداه بمال أو برجال، فالملك على حالته لأن له أمانًا فيه، فإن كل مال تركه في دار الإسلام ولم يحمله مع نفسه فإن له فيه أمانًا وما يحمله مع نفسه ينتقص الأمان فيه كما ينتقص في نفسه، فإن قيل: أليس قد صار بالسبي رقيقًا وزال ملكه، فلم رددتموه إليه؟، قلنا: نصف الشافعي ههنا على أنه لا يكون رقيقًا لأنه مال فمن عليه به أو فودي، فلم يكن رقيقًا، وإنما يصير رقيقًا باسترقاق الإمام إياه، وإن استرقه الإمام زال ملكه عنه بالاسترقاق ولا ينتقل ماله إلى سيده الذي استرقه لأن السيد إنما يملك إكساب عبده بعد استرقاقه، وذلك مال قد كسبه قبل الاسترقاق، فلم يملك سيده، ولا يكون أيضًا لوارث هذا الأسير المسترق لأنه مملوك حي، ولا يورث مملوك حي، فنقول: كتابته بحالها لا تبطل ولا يجوز أن يؤديها إلى وكيل السيد لأن الاسترقاق أبطل وكالته، ويكون الحاكم هو القابض [128/ب] وحكم الاسترقاق مبني على حكم موته، فإن قلنا: لو مات لا يغنم ماله فههنا أولى أن لا يغنم ويترك حتى يعتق فيسلم إليه أو يموت رقيقًا، فيكون حينئذ مغنومًا ولا موروثًا لأن ورثته لا يرثونه إذا مات عبدًا، وإن قلنا: إذا مات يغنم ماله، فههنا قولان: أحدهما: يغنم ويكون فيئًا لأهل الفيء لأن رقه ينافي ملكه كموته ينافي ملكه، والثاني: لا يغنم لأنه يجوز أن يعتق، فيعود مالكًا بخلاف ما لو مات لاستحالة حياته بعد موته وهذا اختيار أبي إسحاق، والأول اختيار

المزني، وقال صاحب «المنهاج»: اختيار المزني أن يغنم، وهذا الاختيار ليس لنفسه وإنما هو للشافعي رضي الله عنه.
فأما اختياره لنفسه في المسألة السابقة هو القول الثاني فكذلك ينبغي في هذه المسألة أن يكون ذلك اختياره ولفظه ههنا أنه قال: هذا أشبه بقوله عندي لأن الذي حكم به قبل هذه المسألة يعني مسألة موت الحربي في بلاد الحرب قبل أن يسترق، فإن الشافعي في تلك المسألة حكم بهذا القول، وهو أن يكون مغنومًا، وذكر العلة لهذا القول، فقال: «لأنه لما أبطل أن يملك يعني بالاسترقاق بطل عن ماله ملكه» ومن قال بالقول الآخر أجابه بأن حالة الملك مأمولة منه بخلاف الميت على ما ذكرناه.
فإذا قلنا: يكون ماله ومكاتبيه مغنومًا كان ما يؤديه المكاتب فيئًا لبيت المال، فإن عتق بالأداء كان ولاؤه لكافة المسلمين وقد قال الشافعي: فإذا استرق فعتق مكاتبه بالأداء، ومات الحربي رقيقًا لم يكن لرقيق ولاء ولا لأحد بسببه ومعناه وليس لورثة الحربي ولاء على هذا المكاتب بسبب الحربي والحربي ليس من أهل الولاء [129/أ] على عبده.
أو معناه: لا ولاء لأحد من المسلمين بعينه لأن ولاءه لجماعتهم، وإن عجز كان مملوكًا لبيت المال لكافة المسلمين وسواء على هذا القول أن يموت السيد على رقه أو يعتق قبل موته، فإن جعلناه مغنومًا لا يرد إليه، ومن أصحابنا من قال: لا ولاء لأهل الفيء عليه ولكن يبطل ولا يكون لأحد عليه ولاء، وهذا ظاهر ما قاله الشافعي رضي الله عنه ههنا، وهذا لأن الولاء لا يورث، وإنما يخلفه الأقرب فالأقرب من عصباته وأهل الفيء ليسوا بعصبات لهذا الكافر فلم يخلفوه في ولاء مكاتبيه، ولأنه لا ولاء له لأنه لا يجوز أن يكون لأحد بسببه ولاء لأنه خليفته إذا استحقه عنه وهذا اختيار القاضي الطبري، وإن قلنا: لا يغنم كان ماله موقوفًا على ما يكون من عتقه أو موته، فله، حالتان: إحداهما، أن يعتق قبل موته، والثانية أن يموت قبل رقه فإن عتق قبل موته عاد ماله الموقوف إلى ملكه، وإن كان المكاتب باقيًا على كتابته أداها إليه، وكان ولاؤه إن عتق له، وإن كان قد أداها إلى الحكام أخذ من الحاكم ما قبضه من مكاتبه وكان له ولاء مكاتبه.
وإن مات على رقه كان ماله مغنومًا لا يرد على سيده ولا على وارثه ويعتبر حال مكاتبه، فإن عجز ورق كان مغنومًا وإن أدى وعتق، فإن كان قبل استرقاق سيده ففي ولاءه وجهان: أحدهما، لبيت المال كسائر أمواله، والثاني: يزول الولاء ويرتفع ويصير المكاتب بعد العتق ممن لا ولاية عليه، وهذا معنى قول الشافعي، ولا ولاء لأحد بسببه.
وإن كان عتق المكاتب بعد استرقاق سيده وقبل موته فالولاء ثابت، وفي مستحقه

قولان: أحدهما، لبيت المال، [129/ب] والثاني، لسيد السيد وهما مبنيان على القولين في مكاتب المكاتب إذا عتق الثاني قبل عتق الأول كان في ولاء، الثاني، قولان: أحدهما، للسيد،,الثاني، موقوف على المكاتب الأول.
وإن كان عتق المكاتب بعد موت سيده يكون ولاءه ثابت لبيت المال قولا واحدًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا في الموت لا يغنم ماله فههنا إذا استرق ومات رقيقًا فيه أقوال: أحدها، يكون مغنومًا، وهو الأصح، والثاني، مخرج أنه للسيد الذي مات هو في ملكه، والثالث، مخرج أيضًا أنه لورثته الحربيين فكأنه كان موقوفًا بينه وبين ورثته فتبين بموته أنه ورث ذلك يوم استرق وأصل القولين المخرجين ما قال الشافعي في ذمي جرح فلحق بدار الحرب، فاسترق قبل البرء فمات رقيقًا فيه قولان: أحدهما على الجاني الأكثر من أرش جراحته حرًا، أو ديته حرًا وللسيد منه قدر قيمته، والباقي لورثته ذكره القفال، وفي هذا نظر عندي.
مسألة: قال: «ولو أغار المشركون على مكاتب للمسلمين استنقذه المسلمون».
الفصل إذا كاتب المسلم عبدًا ثم ظهر المشركون على الدار فأسروا المكاتب وحملوه إلى دار الحرب لا يملكون لحق المسلم، فإذا انفلت المكاتب منهم أو ظهر المسلمون على الدار فأخذوه فهو على كتابته وهكذا إذا دخل الكافر دار الإسلام بأمان فكاتب عبدًا ثم ظهر المشركون على الدار فقهروا المكاتب على نفسه، وأحرزوه بدار الحرب ثم انفلت منهم، أو غلبهم المسلمون عليه يكون على كتابته لأنه كان له أمان كما لو أغاروا على نصراني فاستعبدوه، ثم [130/أ] استنقذه المسلمون كان حرًا وكذلك لو أغاروا على حربي في دار الإسلام، وقد دخل بأمان فسبوه ثم استنقذه المسلمون كان له أمانة، قال الشافعي: فإن أراد أن يصبر حتى يتخلص العبد فيؤدي إليه كتابته فعل، وإن أراد أن يعجزه إذا حل عليه نجم وعلم أنه لا مال للمكاتب يؤدي عنه عجزه لأن حقه لا يبطل في تعجزيه بأن أخذه المشركون وأٍروه، فإن عجزه ثم تخلص من أيدي المشركين وثبت أنه كان له مال في وقت تعجيزه غير أنهم لم يقفوا على موضعه، أو لم يمكنه إيصاله إلى سيده بطل التعجيز وأدى إليه، وعتق وإن لم يصح ذلك فالتعجيز صحيح وهو عبده ومن أصحابنا من قال: في هذه المدة التي هو في يد القهر هل تحتسب من أجله قولان: أحدهما، تحتسب، والثاني: لا تحتسب كما لو حبسه السيد، وهذا كالمبيع إذا تلف قبل القبض سقط الثمن سواء كان بتفريط من جهة البائع أو لا والصحيح الأول.
والفرق أنه إذا حبسه السيد فقد تعذرت المنافع بتفريط من جهة السيد بخلاف ما لو حبسه الكفار، فافترقا ويمكن أن يجاب عن هذا الفرق بأن التسليم والتمكين مستحق

على السيد فإذا تعذر لم يفترق الحكم بين أن يكون من جهته أو من جهة غيره، فإذا قلنا: لا تحتسب عليه مدة الحبس، فحلت النجوم فليس للسيد الفسخ لأن الحلول على الحقيقة لم يوجد والمدة ما انقضت في الحكم، وإذا قلنا: يحتسب، وله أن يفسخ عند العجز وهو المنصوص فهل لبه أن يفسخ بنفسه، أو يرفعه إلى الحاكم وجهان: أحدهما: يفسخه بنفسه كما لو كان المكاتب حاضرًا وعجز عن الأداء، والثاني: يرفعه إلى الحاكم [130/ب] ليتكشف من حال المكاتب فإن وجد له ملاً يفي بما عليه أداه، وعتق وإلا فسخ حينئذ، ويخالف حالة الحضور فإنه يعترف بالعجز فيغني عن كشف حاله.
فرع قال أبو إسحق: لو كان الحربي كاتبه عندنا ثم سباه وأخرجه من بلادنا كان على كتابته، فإذا قدرنا على سيده وعليه فأخذناهما جميعًا استرق السيد وبقي العبد على كتابته وفي نجومه التي قد حلت وهو في يد سيده مغلوب على كسبه وعلى نفسه قولان على ما ذكرنا إذا حبسه السيد مدة، قال أبو إسحاق، فإذا قلنا: لا يحتسب على المكاتب بتلك المدة يحتمل أن لا يحتسب على السيد بقيمة خدمته ولا بما أخذه من كسبه، ويحتمل أن يحتسب به عليه، وإن استؤنف الأجل به.
فرع آخر قال في «الأم»: ولو كان العبد لحق بدار الحرب فلم يحدث له السيد قهرًا يسترقه به حتى خرج إلينا بأمان فهو على الكتابة، ولو لحق بدار الحرب وأدى المكاتب بها، ولم يحدث له السيد قهرًا، وخرجا إلينا كان حرًا.
مسألة: قال: «ولو كاتبه في بلاد الحرب ثم خرج المكاتب إلينا مسلمًا كان حرًا».
أراد إذا كاتب الحربي عبده في دار الحرب ثم خرج المكاتب إلينا مسلمًا مراغمًا سيده من جهة القهر حكمناً لأن الدار دار القهر، فإذا قهر سيده على نفسه ملكها ومن ملك نفسه عتق ثم يقال له: أنت بالخيار بين أن تقيم وتعقد لنفسك ذمة أو تلحق بدار الحرب فتصير حربًا لنا، [131/أ] وإن دخل دار الإسلام بإذن سيده، إما لتجارة أو لحاجه فهو على الكتابة لأنه في يد السيد.

باب كتابة المرتد

مسألة: قال: «ولو كاتب المرتد عبده قبل أن يقف الحاكم ماله كان جائزًا».
جملة هذا: أن المسلم إذا ارتد ثم كاتب عبده، هل تصح كتابته أم لا نص ههنا أنه

يصح كتابته ونص في المرتد إذا دبر عبده على ثلاثة أقوال، واختلف أصحابنا في هذا على طريقين فمنهم من قال: فيها ثلاثة أقوال، ومنهم من قال: في الكتابة قولان: أحدهما، أنها باطلة، والثاني، أنها صحيحة ولا يجيء القول الثالث فيها لأن العقد لا يقف عند الشافعي رضي الله عنه، ولأنه لا يجوز عقد الكتابة على غرر، ألا ترى أنه لا يجوز تعليقه بالمشيئة ولا بمدة مجهولة، فلم يجز أن يكون موقوفًا بخلاف التدبير وهذا اختيار القاضي أبي حامد، وقال: أظهر قوليه، وأولاهما جواز تصرفه كهو قبل ردته، وقال أبو إسحاق: الصحيح، الطريقة الأولى لأنه إنما لا يجوز أن يقف العقد من ملك الغير، فأما في ملك الإنسان يجوز أن يكون موقوفًا بمعنى حادث فيه كما تقول في المريض إذا وهب أكثر من ثلث ماله وسلمه إلى الموهوب له فالهبة موقوفة، فإن صح من مرضه كانت نافذة وإن مات من مرضه رد منها ما زاد على الثلث، فإذا جاز توقف تصرف المريض على ما يظهر من اتصاله بالموت، أو انفصاله عنه بالبرء فكذلك تصرف المرتد [131/ب] يجب أن يكون موقوفًا إلى اتصاله بقتله، أو انفصاله عنه بالتوبة ولا فرق بينهما، وهذا اختيار أبي حامد، ولأن في الكتابة معنى العتق بالصفة كالتدبير سواء فهما سواء في جواز الوقف، ومن قال: بالأول فرق بين المريض وبين المرتد بأن المرتد غلط عليه بما أتى به من الكفر والمريض الجشع له فيها ولا يقدر على إزالته فسومح له في جعل تصرفه موقوفًا، فأما إذا وقف الحاكم ماله على توبته أو قتله على الرده، فكاتب عبده لم تجز الكتابة قولا واحدًا لما أحاط به من الحجر فإذا تقرر هذا، فإن أدى هذا المكاتب المال نظر، فإن أدى قبل أن يحجر عليه، فإن قلنا: الكتابة صحيحة، وهو اختيار المزني ف قد عتق بالأداء ويكون الولاء والمال لسيده لأنه ملكه على هذا القول ثابت على ماله، وإن قلنا: إنها باطلة، فإن أدى لم يعتق لأنه محكوم بزوال ملكه عن ماله ولو أعتق عبده ابتداء لم ينفذ، وإن قلنا: إنها موقوفة نظر، فإن أسلم السيد تبينا أن الكتابة قد صحت ويصح الأداء ويقع العتق، ويكون الولاء للسيد وإن قتل أو مات على الردة تبينا أنها باطلة وأن الأداء لم يصح فيكون العبد فيئًا للملمين، وكذلك ما في يده من المال، وإن أدى بعدما حجر الإمام على المرتد في ماله، فإن قلنا: الكتابة باطلة فليس بلينهما عقد والعبد باق على الرق، فأداؤه كلا أداء، وإن قلنا: إنها صحيحة أو موقوفة فلا يجوز أن يدفع المال إلى السيد لأنه محجور عليه لا يصح منه القبض، فإذا دفع إليه لا يعتق وللحاكم مطالبته بالمال، ثم إن كان ما دفعه باقيًا بحاله أخذه [132/أ] ودفعه إلى الإمام وعتق، وإن كان تالفًا فقد هلك من ضمانه، وإن كان له شيء آخر يدفعه إلى الحاكم، وإلا كان له تعجيزه، فإن أسلم السيد، قال الشافعي: كان عليه أن يحتسب له بما دفع ويعتق عليه العبد، لأنا لم نصحح قبضه لحق المسلمين، فإذا أزال حقهم وصار الحق له صح قبضه ووقع العتق،

ويخالف المحجور عليه للتبذير إذا قبض دينًا له لا يبرأ الدافع، وإن أطلق عند الحجر لأنه لا حجر عليه نظرًا له بخلاف المرتد نص عليه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا كاتب بعد الحجر فإن قلنا: الملك باق، هل تصح كتابته؟ فيه قولان: أحدهما، باطل، والثاني، موقوف كالقولين في المحجور عليه بالفلس، وهذا ضعيف، وقال أيضًا: إذا أسلم السيد بعدما قبض المال بعد الحجر فيه قولان: أحدهما: صح ذلك الأداء على ما ذكرنا حتى إذا كان الحاكم أخذه مرة أخرى رد عليه، وإن عجزه ألغى تعجيزه، والثاني: أنه باطل لا موقوف ولا ملغى التعجيز فيه، وبناؤه على ما ذكرنا من تصرفات المحجور بالفلس، وهذا ضعيف أيضًا.
فرع قال أبو إسحاق: وينبغي للحاكم أن يمنع المرتد من ماله نظرًا للمسلمين لئلا يتلفه في الأيام التي يتأنى به فإنه قد حصر السبب الذي يستحق المسلمون ماله، والظاهر من حاله أنه لا يقصر في إتلافه عليهم ما أمكنه.
مسألة: قال: «ولو ارتد العبد ثم كاتبه جاز».
الفصل إذا كان للمسلم عبد فارتد العبد ثم كاتبه السيد صحت الكتابة لأنها تشتمل على معاوضة وصفة، وتصح المعاوضة على المرتد ويصح عتقه بالصفة [132/ب] ولأن ردته لا تزيل ملك سيده عنه ويجوز بيعه أيضًا بعد الردة، فإن أدى الكتابة إلى السيد قبل الحجز عتق، وصار حرًا مرتدًا يستتاب فإن تاب وإلا قتل وإن عجز نفسه استرقه السيد، فإن تاب وإلا قتل ويكون ماله لسيده وإن قتل على الردة قبل أن يؤدي وقبل أن يعجز انفسخت الكتابة بقتله، ويكون ما في يده من المال للسيد لأنه قد عاد إلى ملكه بانفساخ الكتابة ولو تبرع بالأداء عن المكاتب المرتد صح وعتق، وإن اكتسب وأدى عتق أيضًا لأنه يملك كسبه فني حالة الردة، وإن صار محجورًا بالبيع والشراء على قول، ويملك بالهبة والوصية أيضًا.
فرع قال في «الأم»: ولا أجيز كتابة السيد المرتد ولا العبد المرتد عن الإسلام إلا على ما أجيز كتابة العبد المسلم بخلاف النصراني ومن لم يسلم قط فيتركان على ما يستحلان في دينهما ما لم يتحاكما إلينا.
فرع آخر قال: ولو لحق السيد بدار الحرب بعد أن ارتد يتأدى الحاكم كتابة مكاتبه فمتى

عجز يرده الحاكم إلى الرق، وإن عتق فولاؤه للذي كاتبه وإن كان مرتدًا، وإذا عجز الحاكم المكاتب فجاء سيده تائبًا فالتعجيز ماض على المكاتب إلا أن يشاء السيد والعبد أن يجددا الكتابة.

باب جناية المكاتب على سيده

مسألة: قال: «وإذا جنى المكاتب على سيده عمدًا».
الفصل اعلم أنه إذا جنى المكاتب على سيده نظر، ف إن كان على طرفه ف الخصم فيه السيد فإن كان عمدًا فله القصاص، وإن كان خطأ فله الدية لأن السيد مع مكاتبه [133/أ] وبكم يفديه ف على ما ذكرنا من القولين، وقال أبو إسحاق: إن كان ما في يد المكاتب لا يفي بالأرض والنجم ف قولا واحدًا لا يفدي نفسه إلا بأقل الأمرين، وإن كان ما في يده يفي بهما، ففيه قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: يفدي بجميع الأرش على ما ذكرنا، والصحيح الطريقة الأولى، وهي النص لأن الزيادة إضرار بالسيد في الجملة فلا تجوز إلا بإذن السيد قولا واحدًا.
فرع آخر قال في «الأم»: لو أن مكاتبًا بين رجلين جنى على أحدهما جناية ضمن الأقل من أرش الجناية وقيمته فإذا أدى فهو على الكتابة وإن عجز عن أدائها مع الكتابة فللمجني عليه تعجيزه، فإذا عجزه بطل عنه نصف الجناية لأنه يملك نصفه وكان لشريكه أن يفديها بالأقل من نصف أرش الجناية، أو نصف قيمته، فإن لم يفعل بيع نصفه في أرش الجناية.
قال: ولو جنى عليهما معًا كان لكل واحد منهما عليه في الجناية ما للآخر، فإن عجز المكاتب، أو عجزاه، أو أحدهما، فهو عاجز وسقط نصف أرش جنايته كل واحد منهما، ويصور إذا جنى كل واحد منهما موضحة وقد ذكرنا فيما تقدم حكمه.
ولو جنى على أحدهما موضحة، وعلى الآخر مأمومة كان نصف أرش الموضحة للمجني عليه فيما يملكه شريكه، ونصف أرش المأمومة للمجني عليه وعلى هذا الباب.
فرع آخر إذا جنى المكاتب على أجنبي خطأ فطلب مستحق الجناية الحجر عليه فقد ذكرنا أنه إن كان الأرش أكثر من قيمته أجيب إلى الحجر عليه لأنه لا يصل إلى الزيادة عليها إلا مما في يده، وإن كان الأرش بقدر قيمته يحتمل وجهين: أحدهما: يجاب أيضًا لأن أرش الجناية يتعلق بما في يده فصار كسائر الديون، والثاني: لا يجاب إليه [133/ب] لثبوت الأرش في رقبته وأنه يرجع عند إعساره إلى أخذ الأرش منها ذكره في «الحاوي».

باب جناية المكاتب ورقيقه

مسألة: قال: «وإذا جنى عبد المكاتب فعلى سيده الأقل من قيمة عبده الجاني يوم جنى».
الفصل اعلم أنه إذا اشترى المكاتب عبدًا للتجارة فجنى هذا العبد على أجنبي إما حر، أو عبد ف إ، كانت الجناية عمدًا فعليه القصاص، فإن عفى عنه فالدية وإن كانت خطأ فعليه الأرش، فإن أراد السيد أن يفديه كان له ذلك لأنه سيده وبكم يفديه ينبني على القولين في الحر في العبد القن، فإن قلنا: يفديه بأقل الأمرين كان للمكاتب أن يفديه بذاك لأنها لا تزيد على ثمن المثل، وإن قلنا: يفديه بأرش الجناية بالغًا ما بلغ أو يسلمه للبيع نظر في الأرش، فإن كان أقل من قيمته فله أن يفديه به، وإن كان أكثر لم يكن له أن يفديه لأنه لا يملك ابتياع هذا العبد أكثر من ثمن مثله وتعتبر قيمة العبد يوم جنايته لا بيوم الفداء لأن تقويم جنايته زمان تعلق الأرش برقبته، وقال القفال: هكذا نص الشافعي وهو مشكل عندي ويجب أن تعتبر قيمته يوم الفداء لأن استدامة ملكه إنما يقع ذلك اليوم ولعل مراد الشافعي إذا تقدم هناك منع من البيع، ثم قال الشافعي: «فإن قوي على أدائها مع الكتابة، فهو مكاتب» يريد به أنه لا يجوز تعجيزه لأن العجز له يظهر بعد وإن أذن له سيده أن يفديه بأكثر من قيمته هل يجوز ذلك؟ فيه قولان كالقولين في هبته بإذن سيده.
فإن قيل: أليس لو ملك المكاتب أباه فجنى الأب [134/أ] قلتم: لا يجوز له أن يفديه أصلاً فما الفرق؟ قلنا: الفرق أنه لا يمكن التصرف في أبيه بالبيع، فلم يجز أن يعاوض عنه بخلاف عبده الأجنبي ولهذا لا يجوز له أن يشتري أباه وله أن يشتري من لا يعتق عليه.
مسألة: قال: «وله تعجيل الكتابة قبل الجناية، وقبل الدين الحال».
الفصل إذا كاتب عبدًا فاجتمعت عليه حقوق كثيرة مختلفة من دين اقترضه وثمن مبيع ابتاعهه وأرش جناية، فلا يخلو إما أن يكون قد حجر عليه أو لم يكن حجر عليه، فإن لم يكن حجر عليه فلا يخلو إما أن يكون كلها حالا أو بعضها حالا وبعضها مؤجلا، فإن كان كلها حالا فله أن يقدم ما شاء منها وإن كان بعضها حالا وبعضها مؤجلا كأرش الجناية لا يكون إلا حالا ومال الكتابة قد يكون حالا، وقد يكون مؤجلا، وكذلك ثمن المبيع، فإن بدأ فقضى الدين الحال جاز ويبقى عليه المؤجل، وإن أراد تعجيل المؤجل نظر،

فإن أراد تعجيل دين الأجنبي لم يكن له ذلك لأنه يجري مجرى التبرع، فهو كالهبة وإن أراد تعجيل مال الكتابة فهو هبة من سيده، فيكون بمنزلة الهبة بإذنه فيه قولان إلا أنه لا يؤدي مال الكتابة من العبد الجاني لأن أرش الجناية يتعلق برقبته وهو مرتهن، فليس له أن يتصرف فيه حتى يفكه من الجناية.
وإن كان قد حجر عليه بأن كان المال الذي في يده يضيق عن ديونه فسأل غرماءه الحاكم الحجر عليه فحجر فإن تصرفه ينقطع بذلك كما قلنا في الحر المحجور عليه ويكون الأمر إلى الحاكم.
قال الشافعي: فيؤدي الحاكم إلى سيده وإلى الناس [134/ب] ديونهم شرعًا، وأراد به أن يقسم بينهم بالحصص ولا يقدم بعضهم على بعض، وهذا لأن الكتابة ما دامت باقية فدين سيده لأن لازم كدين الحر سواء وليس مراد الشافعي أن يقضي كل واحد منهم جميع دينه لأنه ربما يحجر عليه إذا لم يكن في يده ما يفي بما عليه وخيف النقصان، وظهرت أماراته، وهذا ظاهر في كلام الشافعي لأنه قال عقيبه: «فإن لم يكن عنده ما يؤدي هذا كله عجزه» فدل أن ماله لا يفي بديونهم حتى حجر عليه، هكذا ذكره أبو إسحاق، وقال ابن أبي هريرة: يبدأ بدين المعاملة على مال الكتابة وأرش الجناية إذا لم يكن في المال وفاء بالجميع لأن صاحب الدين لا حق له في الرقبة، وكذلك المجني عليه.
وقال القاضي الطبري: لا يختلف أصحابنا أن مذهب الشافعي هذا وتأويل ظاهر كلام الشافعي أنه أراد إذا كان ماله يفي بقضاء ديونه، وإنما حجر عليه لأنه خيف إفلاسه فيسري حينئذ في القسمة والثاني: أنه أراد به إذا رضي أصحاب الديون بذلك وعلى هذا إذا دفع إلى صاحب الدين حقه نظر، فإن بقي معه شيء دفع إلى المجني عليه وقدم على السيد لأنه يأخذ بالجناية والسيد يأخذ بالملك، وحق الجناية مقدم على الملك، ثم إذا قضى حق الجني عليه، فإن بقي معه شيء دفعه إلى السيد وإلا عجزه السيد وإن لم يكف بقي بعد قضاء الدين شيء فلكل واحد من السيد والمجني عليه تعجيزه على ما ذكرنا ثم إذا اختار تعجيزه انفسخت الكتابة وبرئت ذمة المكاتب مما عليه من حق السيد وبقي حق المجني عليه متعلقًا برقبته وإن لم [135/أ] يختر السيد تعجيزه واختار المجني عليه ذلك، قيل: للسيد أتختار الفداء؟، فإن اختار ذلك بقي على الكتابة وإن لم يختر فللأجنبي أن يرفع الأمر إلى الحاكم حتى يفسخ الكتابة ويبيعه في الجناية، فإن كان ثمنه قدر الأرش أو أقل دفع إليه، وإن كان أكثر ف الفضل للسيد وعلى هذا لو أدى أولاً دين السيد لم يعتق إلا بإذن الغرماء وإذا قلنا: يقول أبي إسحاق فأخذ كل واحد منهم بعض حقه فللسيد والمجني عليه تعجيزه إياه لا يفيده شيئًا ويستضر به لأنه ما دام مكاتبًا يكتسب يطالبه بما بقي من حقه فإذا صار عبدًا فماله في ذمته يطالبه إذا عتق، فإن أنظره السيد والمجني عليه ترك على الكتابة، فإن رجعا ف يه وأراد تعجيزه كان لهما لأن الإنظار في الدين الحال لا يلزم

عند الشافعي خلافًا حنيفة والمستحب أن لا يرجعا عن ذلك، وإذا عجزه السيد والمجني عليه، أو أحدهما عاد ملكًا للسيد.
قال الشافعي: «ثم خير الحاكم سيده بين أن يفديه بالأقل من أرش الجناية، أو يباع [فيها] فيعطى أهل الجناية حقوقهم دون من داينه» لأن ذلك في ذمته متى عتق اتبع به، فأوجب الشافعي تسليم العبد، أو أقل الأمرين من الأرش أو يسلمه للبيع، وقد ذكرنا ذلك.
وفرع أبو العباس فقال: إذا مات المكاتب وفي يده مال لا يفي بالحقوق فقد انفسخت الكتابة بالموت وسقط حق السيد من المال، وعاد رقبته إلى ملكه وحق المجني عليه من الأرش يسقط أيضًا لفوات الرقبة فيبقى دين المعاملة ويدفع ذلك من المال الذي في يده، فإن فضل شيء كان للسيد لأنه كسب عبده فهذا كله إذا كان [135/ب] في يد المكاتب مال، قال: فإن لم يكن في يده شيء بحال فلا يخلو، إما أن ينظره أصحاب الحقوق، أو لا ينظروه، فالحكم على ما ذكرنا وعند أبي حنيفة إذا عجزه السيد والمجني عليه يتعلق دين المعاملة بالرقبة كما قال في المأذون إذا ركبه الديون.
فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا حجر عليه بسبب الديون الحالة هل تحل الديون المؤجلة فيه طريقان: أحدهما: قولان: كما قلنا في الحر المفلس والثاني: تحل قولاً واحدًا بخلاف الحر لأن هناك اجتماع حجر ورق وللرق تأثير في إبطال الذمة بدليل أن الشافعي قال في الحربي: يسترق وعليه دين مؤجل يحل.
مسألة: قال: «وسواء كانت الجنايات متفرقة أو معًا، أو بعضها قبل التعجيز، أو بعده يتحاصون في ثمنه معًا».
اعلم أنه إذا جنى المكاتب جنايات على جماعة فلزم بها أرش نظر، فإن كان في يده مال يفي بالأروش كلها دفع منه وبقي الحكم بينه وبين السيد، فإن أدى النجوم عتق وإن لم يؤد كان له استرقاقه، وإن لم يكن في يده واختاروا تعجيزه والبيع في حقوقهم، فإن كان ثمنه يفي بحقوقهم دف ع إلى كل واحد منهم قدر حقه وإن كان لا يفي قسط ثمنه على أروش الجنايات ودفع إلى كل واحد منهم قدر ما يصيبه منه ولا فرق بين أن يكون جنى على جماعتهم دفعه، أو على بعض بعد البعض أو على بعضهم بعد التعجيز وعلى بعضهم قبل التعجيز، وهذا لأنها مزدحمة على رقبته ف لا ترتيب فيها، فإن أبرأه بعضهم عما وجب له من الأرش رجع حقه إلى الباقين فيسقط عنهم ويتوفر ذلك على حقوقهم لأن المزاحمة قد سقطت، [136/أ] فإن اختار السيد أن يفديه ويبقيه على الكتابة فله ذلك على ما ذكرنا.

فإن قال السيد: ضمنت فداه لزمه الأقل، وإن قال: ضمنت أرش جنايته لزمه الأرش بالغًا ما بلغ.
ثم إنه بعد ما قال: اخترت الفداء، والبيع أو باعه بإذن المجني عليه بشرط اختيار الفداء ونحو ذلك، وإنما شرطنا ذلك المجني عليه في البيع لأن قوله: اخترت الفداء لا يسقط حق المجني عليه من رقبةن العبد ما لم يؤد المال.
فإن جنى هذا العبد بعد اختيار الفداء جناية أخرى فإن أدى السيد الفداء الأول خلص العبد للجناية الثانية، فيباع فيها، وإن احتيج إلى بيعه في الجناية الثانية قبل أن يؤدي السيد الفداء فللأول أن يقول: بيعوه في الجنايتين فيقسمان ثمنه على قدر حقيهما يصرف كل واحد منهما في ثمنه بجميع أرش جنايته، ثم يكون للأول على السيد أن يتم له الأقل من قيمته أو أرش جنايته بحكم اختيار الفداء لأنه في القدر الذي هو النقص الداخل على المجني عليه الأول كأنه مات العبد بعد اختيار الفداء فيلزم السيد الغرم.
مسألة: قال: «ولو قطع يد سيده فبرأ وعتق بالأداء اتبعه بأرش يده».
هذه المسألة مبنية على مسألة في الحر وهي إذا قطع حر يد حر عمدًا فله القصاص قبل الاندمال فإن عفا فهل له الدية قبل الاندمال قولان، فإذا ثبت هذا رجعنا إلى مسألتنا، فإذا قطع المكاتب يد سيده عمدًا فقد وجب له القصاص، فإن اختار ذلك كان له استيفاءه في الحال، فإن عفى على مال، أو كانت [136/ب] الجناية خطأ، فوجب الأرش فهل له المطالبة بالأرش في الحال أم ينتظر الاندمال فيه قولان: فإن قلنا: له المطالبة في الحال نظر، فإن كان معه قدر الأرش دفعه إليه ثم إن كان معه وفاء بمال الكتابة، وإلا كان له تعجيزه، فإن لم يكن معه قدر الأرش كان له تعجيزه للأرش، ولمال الكتابة، فإذا فعل ذلك عاد إلى ملكه وسقط عنه مال الكتابة وفائدة الفسخ عود المكاتب رقيقًا قنا هكذا ذكره أصحابنا بالعراق، وقد ذكرنا قبل هذا أن السيد لا يعجزه من أجل الأرش، وهو اختيار القفال وهو القياس على ما ذكرنا، وإذا قلنا: ليس له المطالبة بالأرش قبل الاندمال وهو القول المشهور نظر فإن اندمل قبل أداء مال الكتابة والعتق، فله المطالبة بالأرش والحكم فيه كما ذكرنا إذا قلنا: له المطالبة بالأرش في الحال، وقدر الأرش معتبر بجناية المكاتب فيه قولان: أحدهما: أنه مقدر بأقل الأمرين من قيمة المكاتب، أو دية اليد، والثاني: أنه مقدر بدية اليد، وإن كان إضعاف قيمته، وإن اندمل بعد عتقه بأداء المال، فإنه يؤدي الأرش في حال الحرية، ومنصوص الشافعي: أنه يلزمه أرش اليد، وهو نصف الدية ومن أصحابنا من قال: هل يعتبر بها جناية الحرام جناية المكاتب فيه وجهان: أحدهما: يعتبر بها جناية الحر اعتبارًا بحالة استقرار الأرش بعد حرية المكاتب فيلزمه دية اليد، والثاني: يعتبر جناية المكاتب اعتبارًا بوقت الجناية لأنه جناها وهو مكاتب فيكون على قولين: على ما ذكرنا

أحدهما: أنه يقدر بأقل الأش، والثاني: أنه مقدر بدية اليد ما بلغت، [137/أ] وعرض الشافعي بهذه المسألة أن عتقه بأداء النجوم لا يسقط عنه أرش يده ولم يرد به أن السيد ممنوع من طلب أرش يده أيام كتابته.
فرع لو أعتقه السيد بعد جنايته على يده، فإن كانت عمدًا لم يسقط القصاص بعتقه وإن كان خطأ، فإن لم يكن بيده مال وقت عتقه برئ من أرش الجناية بخلاف عتقه بالأداء ولأن عتقه بالأداء كان من غير اختياره، فلم يتضمن الإبراء من الجناية.
قال صاحب «الإفصاح» قياسًا على ما قال الشافعي: لو جنى المكاتب على غيره، ثم أعتقه سيده ضمن السيد أقل الأمرين من قيمته أو الأرش، وإن كان بيده مال حين أعتقه السيد، فهل يتعلق أرش الجناية بما في يده من المال فيه وجهان: أحدهما: لا يتعلق لأن الأصل في محل الأرش الرقبة والمال الذي في يده تابع لها، وقد أتلف الرقبة باختياره، فسقط حقه بذلك، والثاني: يتعلق بما في يده لأنه كان له الاستيفاء منه قبل العتق فكان الاستيفاء بعده منه لأن العتقد ليس بإبراء ف على هذا لا يبرأ من أرش الجناية بالعتق ويستوفي بما في يده، وقال في «الحاوي»: فإن عجز المال عنه نظر فإن علم السيد بعجز المال برئ من الباقي، وإن لم يعلم بعجز المال لم يبرأ من الباقي ويؤخذ به بعد العتق، ثم إذا طالبه بالأرش بعد العتق لا تتحمل عاقلته، وإن كانت الجناية خطأ لنه جنى في الرق ولا عاقلة له.
مسألة: قال: «وأي المكاتبين جنى وكتابتهم واحدة لزمته دون أصحابه».
يعني إذا كاتب عبيدًا في عقد واحد، وقلنا: يصح فكل واحد منهم يكون مكاتبًا بما يخصه [137/ب] من العوض، ولا يتحمل بعضهم ما يلزمه البعض، وقال بعض السلف: هم كالعبد الواحد ويلزم بعضهم جناية بعض، وحكي هذا عن مالك لأن الأرش في مال الكتابة لا في الرقبة وما لم يؤد جميع النجوم لا يحصل العتق لواحد منهم عنده، وهذا غلط لأن ضمان الجناية لا يصح بدليل أنه لو تعاقد رجلان على أن يضمن كل واحد منهما ما يجنيه الآخر لا يجوز فلا يتضمنه عقد الكتابة كضمان القصاص.
مسألة: قال: «ولو كان هذا الجاني ولد المكاتب وهب له أو ولد له من أمته».
الفصل قد ذكرنا أنه إذا جنى ولده أو والده في ملكه لا يجوز له الفداء، بل يباع في الجناية فإن بيع في الجناية ثم أبرئ المجني عليه من الأرش قبل القبض فكذلك الثمن يبقى للمكاتب، وإن كان هذا ولد المكاتبة وهب لها فقبلته فكذلك، وإن كانت ولدته في

الكتابة، ففي ثمنه القولان، كما في قيمته لو قتل أحدهما: هو للسيد، والثاني: أنه للأم.
وقوله: ههنا لأني لا أجعل له بيعهم أراد بالبيع الشراء أي: لا يجوز للمكاتب أن يشتريهم فلا يجوز له أن يفديهم، وإن كان أرش الجناية أقل من قيمته بيع منه بقدر الجناية كما لا يباع من العبد القن إلا بقدر الجناية وما بقي بحاله يعني من هؤلاء يعتقون بعتق المكاتب، او المكاتبة.
مسألة: «قال: وإن جني بع عبيد المكاتب على بعض عمدًا فله القصاص».
الفصل يعني: أن المكاتب إذا كان له عبيد [138/ أ] فجني بعضهم على بعض نظر في الجناية، فإن كانت موجبة للمال كانت هدرًا، وإن كانت موجبة للقصاص فله أن يقتص من الجاني لأنه يتعلق بمصلحة ملكه فإن في القصاص حياة كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ولَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل له الاقتصاص دون إذن السيد فيه قولان، وهذا غريب ثم ينظر، فإن اقتص جاز، وإن عفا سقط القصاص ولا مال له بحال، وقال أبو حنيفة: لا يلزم القصاص كما قلنا في الحر يقتل بعض عبيد بعضًا لا قصاص عنده.
ثم قال الشافعي: «إلا أن يكون والدًا يعني والد المكاتب إذا جني على عبد المكاتب، فلا يقتل والده بعبده» لأنه لا يقتل به فلأن لا يقتل بعبده أولى.
ولو كان له ابن مملوك فقتل عبدًا له كان له قتله لأن الابن يقتل بالأب فجاز له أن يقتله بعبد نفسه إذا كانا مملوكين.
وأما إذا كان أحد عبيده والدًا للآخر فقتله لم يقتل به وكان هدرًا.
ولو عجز المكاتب قبل العفو فللسيد القصاص ممن كان يقتص المكاتب، ولا يجوز أن يقتص ممن لم يكن للمكاتب أن يقتص منه.
مسألة: قال: «ولو أعتقه السيد بغير أداء ضمن الأقل من قيمته أو الجناية».
أعلم أنه إذا كاتب عبده ثم جني المكاتب جناية خطأ، أو جناية عمد وعفي عن القصاص فالأرش يتعلق برقبته لأنه بمنزله العبد القن في الجناية، فإن كان في يده مال جاز أن يدفع منه الأرش، وقال أبو حنيفة: لا يدفع إلا مما يكتسب من بعد الجناية، [138/ ب] فإن أعتقه السيد نفذ ولزمه ضمان الجناية لأنه أتلف محل الأرش، ومنع بيعه فهو كما لو قتل العبد الجاني على ما ذكرنا، ولو لم يعتقه السيد ولكنه عتق بالأداء فالضمان على المكاتب فعليه الأقل من قيمة نفسه أو الأرش كما كان ذلك على سيد إذا أنشأ إعتاقه وعلل الشافعي في هذه المسألة، فقال: «لأنه لم يعجز»، معناه لم يعجز

حين بيع رقبته في جنايته، ولكنه عتق بالأداء فطالبناه في زمان حريته بجنايته في زمان كتابته وفي الحقيقة هو المانع من بيع رقبة نفسه وهو المتلف على الجاني دون السيد.
فإن قيل: أليس قد قبض المال والعتق حصل بالقبض بعد الأداء فلم جعلتموه متلفًا دون السيد قيل: جنيه المكاتب أقوى لأن السيد يجبر على القبض إذا طالب المكاتب به وهو لا يجبر على أداء المال وإن عجز المكاتب عن الأداء ورق فهل يعتبر جنايته بابتدائها في حال كتابته أو تعتبر بانتهائها بعد رقه وجهان: أحدهما: يعتبر بابتدائها في الكتابة فعلي هذا يفديه السيد بأقل الأمرين من قيمته، أو أرش الجناية، والثاني: يعتبر بانتهائها في حال رقه، فعلي هذا قولان: أحدهما، يفديه بأقل الأمرين، والثاني، يفديه بكل الأرش، وإن كان أضعاف قيمته إلا أن يمكن من بيعه فلا يلزم أكثر من قيمته.
فرع لو جني المكاتب على سيده خطأ، وقلنا: لا يستحق الأرش قبل الاندمال في قول وكان المكاتب أدي شيئصا من النجوم فتراضيا على أن يكون الباقي محسوبًا من أرش الجناية ففي جوازه قولان بناءً على [139/ أ] القولين في تعجيل الدين المؤجل والأصح ههنا المنع لأنه مع تأجيله مجهول القدر.
مسألة: قال: «ولو كان جني جناية أخرى».
الفصل اعلم أنه إذا جني المكاتب جنايات فتعلق أرشها برقبته ثم أعتقه السيد فلزمه ضمان تلك الجنايات، أو أدي المال فعتق فلزمه ضمانها كم القدر الذي لم يضمن قولان: أحدهما: يضمن أقل الأمرين من أرش كل جناية، أو القيمة لأن المنع من البيع حصل في كل جناية بالعتق فيلزم أقل الأمرين، لكل جناية كما لو جني عبده ففداه ثم جني ثانيًا يلزمه ثانيًا، والثاني: وهو الأصح يلزمه الأقل من أرش الجنايات كلها أو القيمة لأن الأروش كلها تعلقت برقبته، والمنع من الإعتاق حصل دفعة واحدة فكان عليه الأقل من الأروش كلها، أو القيمة، كما لو جني عبده جنايات كثيرة ثم أعتقه السيد يلزمه مثل ذلك.
وهذا اختيار المزني، واحتج المزني بأنه لو عجز وعاد رقيقًا بيع وتحاصوا في ثمنه كذلك ههنا، فإن قيل: إذا عاد رقيقًا يمكن أن يباع في حقوقهم فاشتركوا وههنا المنع حصل من السيد، أو المكاتب بالعتق في كل واحد منهم قلنا: المنع كان مما استحقوه والذي استحقوه المشاركة في الرقبة وبقي ذلك بعد العتق في قدر قيمته وهذان القولان كالقولين في جنايات أم الولد.
فرع هذه المسألة إذا جني المكاتب جنايات خطأ فعجزه السيد ورده إلى الرق فهو بمنزلة

العبد القن، فالسيد بالخيار بين التسليم للبيع وبين الفداء، فإن اختار الفداء [139/ ب] فقد ذكرنا بكم يفدي فإن جني جنايات، وهو مكاتب فاختار الفداء ظاهر ما ذكره الشافعي: أنه يفدي نفسه بأقل الأمرين من أرش كل جنايته، أو القيمة، واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: هذه المسألة كالمسألة المتقدمة فيه قولان: لأنه ما دام على الكتابة فبيعه ممنوع فهو كما لو امتنع بيعه بالعتق قال أبو إسحاق: ولا يعرف الشافعي إلا أنه قال: يفدي نفسه بأقل الأمرين وهذا النص على ما ذكرنا غير صحيح ومن أصحابنا من قال: يفديه بأقل الأمرين من أرش كل جناية، أو القيمة على ما نص عليه الشافعي، وحكاه أبو حامد، والفرق أن هناك أتلف محل الأرش بالإعتاق، وههنا الرقبة باقية يمكن بيعها في الجناية فوجب ضمان كل جناية على الانفراد كالعبد القن سواء وهذا الفرق باطل بما لو عجز المكاتب ففسخ السيد الكتابة واختار الفداء، فإنه مانع من البيع مع بقاء الرقبة، ولا يضمن لكل واحد أقل الأمرين في أحد القولين، قال المزني: قد قطع في هذا الباب بأن الجنايات متفرقة أو معًا سواءً، وهو بالحق عندي أولى، يقال له: إنما قال ذلك في حال التعجيز ومسألتنا هذه في حالة عدم العجز فكيف يتشابهان؟.
فرع آخر لو أقر المكاتب بما يوجب القصاص يقبل وإن أقر بما يوجب المال يقبل أيضًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر لا يقبل كالعبد القن، وهو خلاف النص، فإذا قلنا: يقبل فأقر بجناية أرشها ألف، وقبلنا فعجز بعد ذلك، وعاد رقيقًا فادعي المولى أنالأرض كان خمسمائة، ففيه قولان: أحدهما: [140/ أ] لا يقبل من السيد لأنا قبلنا إقرار المكاتب، والثاني: يقبل منه كما لو أقر الآن بعد العجز لا يقبل على السيد ويقبل تكذيبه ذكره القفال.
مسألة: قال: «فإن جني على المكاتب عبده».
الفضل إذا جني عبد المكاتب على المكاتب جناية خطأ أو جناية عمد وعفا عن القصاص كانت هدرًا على ما ذكرنا ولا يجب على العبد الأرش لأن العبد ملكه، قال: وإن كان هذا العبد ابنه من أمته من أصحابنا من قال: يكون أيضًا هدرًا وهو اختيار أبي حامد.
وقال القاضي الطبري: نص عليه في «الأم»: وهذا مملوكه كغيره، وقال صاحب «الإفصاح»: من أصحابنا من قال: يجوز له أن يبيع منه بمقدار الأرش لأنه لا يملك بيعه من غير حاجة، فيستفيد بالجناية جواز البيع وهذا لا يصح لأنه لو جاز هذا لجاز إذا جني عبده المرهون عليه أن يستفيد به بيعه وفائه من الرهن ولا يختلف المذهب فيه

أن جنايته هناك هدر ولا يستفيد بيعه، وإخراجه من الرهن، ويمكن أن يجاب بأن الراهن لا يستفيد شيئًا ببيعه لأنه يحتاج أن يقضي الدين بثمنه أو يجعله رهنًا مكانه، وههنا يستفيد حصول أرش الجناية له، وقيل ما ذكره أبو علي صاحب «الإفصاح» نص عليه في «اكبير» وفيه نظر.
فرع قال في «الأم»: فإن ملك المكاتب أباه وأمه فجني عليهما جناية فيها قصاص فلهما القصاص، فإن اختارا المال لم يكن لهما ذلك، وكذلك إن كانت الجناية خطأ لم يكن لهما شيء لأنهما غير خارجين من ملكه وقال القاضي الطبري: أوجب الشافعي القصاص على المكتب لمملوكه [140/ ب] لوجود التكافئ بينهما، ولم يجعل الملك شبهة.
قلت: سألت كبار أصحابنا عن المكاتب إذا قتل عبده هل يلزمه القصاص، فلم يقطعوا بجواب حتى رأيت هذا عن القاضي الطبري فذهبت إلى وجوب القصاص لأنهما مملوكان للسيد وقد وجد التكافئ بينهما، ثم رأيت أصول الشافعي دالة على أن لا قصاص عليه وهو المذهب لشبهة الملك ونصه في هذا الموضع من أجل أنه لا يجوز له بيع أبيه ولا أمه فجري منه في الجناية مجري الأحرار دون العبيد، وثبت القصاص بينهما.
قال أصحابنا: ولا نعرف للشافعي مسألة يقتص من المالك للمملوك إلا هذه المسألة الواحدة، وقال في «الحاوي»: لو جني المكاتب على ولده في ملكه فلا قصاص لأنه لا يقتل والد بولد وإن كانت على والده، ففيه وجهان: أحدهما: لا يقصاصأيضًا لأنه عبده والمولى لا يقتص بعبده، والثاني: وقد أومئ إليه الشافعي في بعض كتبه أنه يقتص منه لما ذكرنا من العلة.
مسألة: قال: «وللمكاتب أن يؤدب [رقيقه] ولا يحدهم».
إذا كان للمكاتب عبيد ففعل بعضهم ما يستحق التعزير فله أن يعزره لأنه مملوك له فيه مصلحته ولو فعل ما يوجب الحد لا يملك هو إقامة الحد لأن طريق إقامة الحد الولاية وليس هو من أهل الولاية، وذكر القفال وجهًا عن أصحابنا: أنه يحد لأن إقامته لاستصلاح الملك وهذا خلاف النص.

باب ما جني على المكاتب

مسألة: قال: «وأرش ما جني على المكاتب له [141/أ].
هذا يدل على أنه لا يملك كسبه وأرش ما يجني عليه، وإن كان لا يتصرف فيه تصرفصا مطلقًا، وقال مالك: أرش ما جني على المكاتب لسيده لأنه ليس من كسبه وهو قيمه ملك مستهلك، وهذا غلط لأن المكاتب خارج عن حكم ملكه، ولهذا مهر المكاتبة لها، فأرش الجناية أولى، فإذا تقرر هذا، نقول: إذا جني على المكاتب لا

يخلو إما أن يجني على نفسه أو على طرفه فإن كانت على نفسه فقتل انفسخت الكتابة سواء قتله أجنبي أو سيده، كما لو مات، ثم ينظر، فإن كان القاتل أجنبيًا فعليه القيمة للسيد والكفارة لله تعالى وإن كان الجاني سيده فلا قود عليه لأنه عاد إلى ملكه بانفساخ الكتابة، ولكن تجب الكفارة وقوله: «ولو قتله السيد لم يكن عليه شيء» يعني سوى الكفارة منن القيمة وغيرها ويعزره السلطان، وأما ما في يده من الكسب فإنه للسيد في الموضعين، فإن قيل: ورثتم القاتل في هذه المسألة، قيل: هذا ليس بميراث، وإنما يأخذه السيد بالملك لبطلان كتابته ونظيره أم الولد إذا قتلت سيدها عتقت لأن الحرية ليست بموروثة، وكذلك من له دين مؤجل فقتل من عليه الدين حل وسقط الأجل.
وإن جني على طرفه فإن كان الجاني سيده فلا قصاص لأنه ملكه، وإن كان ضعيفًا، ولكن يلزمه الأرش، وإن كان الجانب أجنبيا، فإن كان حرًا لا قصاص، وإن كان عبدًا يلزم القصاص، وإذا وجب الأرش يكون للمكاتب لأنه من جملة الكسب، وهل له أن يطالب به قبل اندمال الجراح؟ فيه قولان: فإذا قلنا: لا يطالب نظر فإن سرت الجناية إلى نفسه انفسخت الكتابة، ويعود إلى ملك السيد وما في يده من المال، [141/ ب] ثم ينظر في الجاني فإن كان أجنبيًا لزمه قيمه العبد للسيد والكفارة لله تعالى، وإن كان السيد فلا قيمة عليه وتلزمه الكفارة، وإن اندمل الجرح فله المطالبة بإرشه.
وفرض الشافعي المسألة فيه إذا كان قد قطع يده، فوجب نصف قيمته، فإن كان الجاني أجنبيًا، فالمكاتب يأخذ منه الأرش ويتصرف فيه ويؤديه في مال الكتابة، وإن كان الجاني سيده فإنه يستحق عليه أرش الطرف، والسيد يستحق عليه مال الكتابة ويجب الأرش من غالب نقد البلد لأنه بدل عن متلف، ثم ينظر فإن كان أحد الحقين من غير جنس الآخر لم يتقاصا بل يطالب كل واحد منهما صاحبه بحقه فيستوفيه، وإن كان من جنس الآخر نظر، فإن كان قد حل مال فقد تساويا في الحلول والجنس، فهل يصير قصاصًا؟ فيه أقوال، وأجاب الشافعي ههنا إن طلب العبد يكفي لهذه المقاصة، فإن قلنا: لا يصير قصاصًا استوفى كل واحد منهما ما على صاحبه من الحق، وإن قلنا: يصير قصاصًا، فإن تساوي الحقان برئت ذمة كل واحد منهما مما عليه وعتق، وإن كان الأرش أكثر من مال الكتابة برئت ذمة المكاتب من مال الكتابة، وعتق ويكون له مطالبة السيد بفاضل الأرش، وإن كان مال الكتابة أكثر برئت ذمة المكاتب من قدر الأرش ويبقي الباقي فإن أدي وإلا فللسيد تعجيزه، وإن لم يكن حل على المكاتب مال الكتابة لا يجبر على المقاصة إلا أن يختار ذلك فيصير كما لو عجل مال الكتابة، وإذا قلنا: له المطالبة بالأرش قبل الاندمال فالحكم فيه كما لو اندمل وطالبه بالأرش على ما ذكرنا في المقاصة وغيرها إلا أنه ينظر في الأرش، فإن كان مثل دية حر أو أقل منها [142/ ـ] كان له المطالبة بجميعه، وإن كان أكثر لم يكن له أن يأخذ أكثر من الدية لأنه ربما

تسري الجناية إلى نفسه، فيعود الواجب إلى قدر الدية.
فإذا أخذ المكاتب من السيد الأرش وأداة وعتق، أو تقاصًا وعتق لم يحل، إما أن تندمل الجناية أو تسري إلى النفس، فإن اندملت استقر حكم ما أخذه من الأرش إلا أن يكون الأرش زائدًا على قدر الدية، فيكون للمكاتب أن يرجع عليه فيطالبه بتمامه وإن سرت الجناية إلى نفسه، فقد مات حرًا وصار الواجب فيه الدية، فإن كان أخذه من السيد قدر الدية فقد استوفى حقه، وإن كان أقل وجب للسيد تمامه، ويكون الفضل موروثًا عن المكاتب لأنه مات حرًا، فإن كان له مناسب استحق ذلك، وإن لم يكن له مناسب نقل إلى بيت المال، ولا يرث السيد شيئًا لأنه قاتل، وقول الشافعي ههنا: «فإن كانت الجناية غير حالة كان له تعجيل الأرش» يعني: إذا كانت النجوم غير حالة كان للمكاتب استعجال الأرش فعبر عن الاستعجال بالتعجيل، وإن مات هذا المكاتب قبل قبض الأرش سقط الأرش عن السيد لأنه صار مالًا، وقال القفال: قال أصحابنا: له استيفاء الأرش في الحال ههنا قبل الاندمال كما نص ههنا، وأن في غيره قولان، والفرق أن المكاتب لو لم يفعل ذلك، وقلنا: اصبر فصبر ربما يموت، وهو رقيق، فبطل حكم الجناية، ويصير هدرًا ولا يؤمر أحد بتأخير حقه إلى أن يصير هدرًا، بل يستقر وجوب دية النفس، فافترقا، [142/ ب] وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا قتل السيد مكاتبه وكان في الأرش وفاء بالنجوم وزيادة حكم بأنه مات حرًا، وأخذ من السيد باقي قيمته، ولا تجب الدية، وفي هذا مناقضة لأنه لو مات حرًا لوجبت الدية دون القيمة.

باب الجناية على المكاتب ورقيقة عمدًا

مسألة: قال: «وإذا جني عبد علي المكاتب عمدًا».
الفصل إذا كاتب عبده كتابة صحيحة ثم جني عبد السيد عليه، فقطع طرفًا من أطرافه يجب القصاص، فإن أراد المكاتب أن يقتص ومنعه السيد، وأراد إجباره على العفو على المال فله القصاص، وليس له الإجبار لأن السيد ممنوع من ماله وبدنه، وذكر الربيع هذه المسألة في «الأم»، كما حكاها المزني، ثم قال: وفيه قول آخر: أنه ليس له أخذ القصاص لأنه قد يعجز فيعود مقطع اليد إليه، وقال أبو إسحاق: هذا الذي قاله الربيع يشبه أن يكون شيئًا قاله على مذهب الشافعي برأيه غير محفوظ عنه، ولا نعلم قول الشافعي، اختلف في ذلك، قال: ولو منع المكاتب من أجل ذلك لمنع الورثة من أجل الغرماء والموصي له، ولمنع المحجور عليه بالفلس من أجل الغرماء، ولمنع المريض للغرماء والورثة لأنهم ممنوعون من إتلاف المال، وإن أراد العفو على مال فله

ذلك، لأنه زيادة في ماله وليس للسيد منعه منه، وإن قال: عفوت عن القاص مطلقًا، فهو على القولين، فإن قلنا: موجب العمد القصاص فحسب لم يجب المال [143/ أ] لأن وجوب المال على هذا القول يفتقر إلى اختيار الدية، ولم يوجد ذلك، وإن قلنا: موجبه أحد الأمرين يتعين الدية بالعفو، ولا يصح الإبراء عنها، ولوقال: عفوت على غير مالٍ فهو كما لو عفا مطلقًا، فإن قلنا: الواجب القصاص فقط لا تجب الدية إلا باختياره ولم يوجد الاختيار، وإن قلنا: يجب أحد الأمرين، فعلى هذا إذا قال: عفوت عن القود وجبت الدية، فإذا قال: على غير مال فهو إبراء، والمكاتب لا يملك الإبراء عن المال فتجب الدية ولا تسقط بعفوه وهكذا إذا قال: عفوت عن القصاص على نصف الأرش، فإن قلنا: الواجب القصاص فقط يجب، ويسقط الباقي، وغن قلنا: أحد الأمرين فقط وجب الأرش بقوله: عفوت، وقوله: على نصف الأرش إبراءٌ عن النصف الآخر، فلا يصح، وهذا كله مثل ما قلنا في المحجور عليه.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه: «لو عفا عن القصاص والأرش معًا ثم عتق كان له أخذ المال» لأن ذلك العفو كان في حالة الحجر، وهذا على الصحيح من المذهب ولا قود له لأنه قد عفا، ويملك العفو ولكن لا يملك إتلاف المال، ولو كان هذا العفو عن القصاص والأرش بإذن السيد جاز، وهذا على أحد القولين في التبرعات، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول آخر: أن عفوه عن الأرش موقوف بعدما قلنا: لا يصح في الحال، فإن عتق نفذ ذلك العفو كالقولين في المحجور عليه بالفلس إذا تصرف.
فرع قال في «الأم»: ولو جني عن المكاتب جانية فيها قصاص فبرأ منها، [143/ ب] وأخذ نصف أرشها ثم مات أخذ المولى النصف الباقي كما لو وضع عن إنسانٍ دينا عليه، ثم مات قبل أن يعتق كان لمولاه أخذ ذلك.
فزع آخر قال في «الأم»: ولو حرق السيد للمكاتب مائة صاع حنطة مثل حنطة التي له على الكاتب كان قصاصًا، فإن كان الذي أحرقه خيرًا من حنطته لم يصر قصاصًا حتى يرضي صاحبه، فجعل الشافعي الجنس الواحد إذا كان أحدهما أجود من الآخر قصاصًا برضي صاحب الجيد، وقال في جنسين مختلفين لا يصير قصاصًا، وإن رضيا حتى يقبض أحدهما ما له ثم يرده إليه.
فزع آخر قال في «الأم»: فإن كان ما على الكاتب حالًا من آخر نجومه فوجب على السيد

مثله، ثم عاد السيد فجني على المكاتب جناية كانت الجناية جناية على حر، فإن كان في مثلها القصاص اقتص من السيد، فإن قال: لم أعلم أنه عتق لما صار للمكاتب علي مثل الذي بقي له من كتابته لم يقبل منه كما لو قتل رجلًا كان عبدًا، فعتق ثم قال: لم أعلم بعتقه، قال الربيع: وفيه قول آخر أنه يؤخذ منه دية حر، ولا قود للشبهة.
فرع آخر قال في «الأم»: وإن عتق المكاتب، واختلف هو والجاني، فقال المكاتب: كانت الجناية وأنا حر، وقال الجاني: بل كنت عبدًا مكاتبًا وقت الجناية، قالقول قول الجاني، وعلى الكاتب البينة سواءٌ صدقه في ذلك مولى المكاتب أو كذبه، فإن قطع مولاه الشهادة بأن الجناية كانت على حر قبلت الشهادة، لأنه لا يجر بها إلى نفسه شيئًا، [144/ أ] وكلفته شاهدًا آخر، فإذا أتي به قضيت له بجناية حر.

باب إعتاق السيد المكاتب في المرض وغيره

مسألة: قال: «وإذا وضع السيد عن المكاتب أو أعتقه كتابته في المرض».
الفصل اعلم أنه إذا كاتب عبده في صحته كتابة صحيحة ثم مرض السيد فأعتق المكاتب أو أبرأه عن مال الكتابة، أو قال: وضعت عنك مال كتابتك، فالحكم في الجميع واحد، فإن بريء من مرضه لزمه ذلك من رأس المال، فيعتق المكاتب وتبرأ ذمته مما عليه كما لو وهب في مرضه، ثم بريء، وغن مات اعتبر ذلك في حق ورثته من الثلث لأنه وصية فاعتبر خروجها من الثلث ثم ينظر في قيمة العبد، وفي قدر المال الذي كاتبه عليه، فإن كان كل واحد منهما يخرج من الثلث إذا اعتبر على الانفراد بأن كانوت قيمته مائة والمال مائة وخمسون والثلث أكثر من مائة وخمسين يحكم بعتق العبد وتبرأ ذمته من مال الكتابة لأنه أيهما اعتبر خرج من الثلث، وإن كان أحد الأمرين يخرج من الثلث والآخر لا يخرج فإنه يعتبر أقلهما، فيعتق به ويلغي حكم الآخر، فإن كان المال الذي كوتب عليه مائة وقيمته مائة وخمسون وثلثه مائة اعتبر المال الذي كاتبه عليه فيخرج من الثلث ويعتق، ولا تعتبر قيمته لأن السيد إنما يملك في ذمة مكاتبه المال الذي عليه ولا حق له في الرقبة، فهو إنما أوصي بالمال الذي له فحسب فلم يعتبر حكم غيره، وإن كان المال الذي عليه مائة وخمسون وقيمته مائة وثلثه مائة يعتبر خروج [144/ ب] قيمته، فيعتق ويلغي حكم المال لأن المكاتب له أن يعجز نفسه متى شاء، فليس ملك السيد على المال الذي عليه مستقرًا وإنما في الرقبة مستقر فاعتبرت قيمتها، وطرح حكم المال، وإن كان كل واحدٍ من قيمة المكاتب والمال الذي عليه لا يخرج من الثلث بأن كانت قيمته مائة وخمسون والمال مائة والثلث خمسون فإنه يعتبر أقلها فتنفذ الوصية فيه

لأن في ذلك مصلحة للعبد وحظًا له، والمطلوب بالكتابة حظه فتنفذ الوصية فيما يحتمله الثلث منه، وهو قدر نصفه ويبقي النصف، فإن أدي إلى الورثة عتق، وإن كان لهم استرقاقه وإنما اعتبرنا الأقل منهما لأنه لو اعتبر كل واحد منهما بكماله كان الاعتبار بخروج أقلهما من الثلث، كذلك إذا اعتبر خروج البعض منهما وجب أن يعتبر الأقل، وإنما سوى الشافعي بين أن يقول المريض لمكاتبه: أعتقتك، أو أبرأتك مما عليك، لأن العتق إبراءٌ مما عليه، فإن قيل: أليس قلتم لو أدي بعض ما عليه لسيده لم يعتق منه شيء حتى يكمل الأداء فلم أعتقتم ههنا بعضه، وقد بقي عليه بعض مال الكتابة قيل: المكاتب إذا أدي إلى سيده بعض مال الكتابة، فلم يحصل الصفة ولا حصل الاستيفاء بحق المعاوضة، فلم يستفد بذلك عتقًا وههنا إنما حكمنا بالعتق في حقه لرأته من مال الكتابة، وإنما رددنا العتق في بعضه لحق الورثة، فافترقا.
مسألة: قال: «ولو أوصي بعتقه عتق بالأقل من قيمته أو بما بقي عليه».
الفضل أعلم أنه إذا كاتب عبدًا في صحته ثم أوصي بعتقه، أو أوصي بأن يبرأ من مال الكتابة، أو يوضع مال الكتابة عنه، [145/ أ] فمات نظر، فإن كان الثلث يحتمل قدر قيمته ويحتمل المال الذي عليه وجب على الورثة تنفيذ الوصية، وإن كان الثلث يحتمل أحدهمنا دون الآخر اعتبر الأقل منهما ويعتق ويلغي حكم الآخر، وإن كان الثلث لا يحتمل واحدًا منهما اعتبر الأقل منهما فتنفذ الوصية فيما يحتمله الثلث منه كما قلنا في المسألة قبلها إلا أن في تلك المسألة إذا احتمل الثلث أخذنا حكم بنفوذ الوصية بفعل الموصي، وفي هذا الموضع لابد من أن ينفذ الورثة ذلك، فإذا ثبت هذا فإنه إذا احتمل الثلث ثلث المال الذي عليه، فإن ذمته تبرأ من ذلك القدر، ويبقي ثلثا المال ثم لا يخلو.
إما أن يكون قد حل عليه مال الكتابة فظاهر ما ذكره الشافعي: أن العتق يتنجز للمكاتب في ثلثه وتبقي الكتابة في ثلثيه إلى وقت حلول المال عليه، وبه قال أبو إسحاق، قال: ومثل هذا أن يكون له على رجل ألف درهم إلى سنة فأبرأه من مرضه ولم يخلف غيره يبرأ في الحال من ثلثه ولا يجوز أن يقال: لا يبرأ حتى يحل الدين عليه ولا أن يعجل الدين قبل محله واجب عليه، وإنما الموضع الذي لا يجوز أن يحصل للموصي له شيء حتى يحصل للورثة مثلاه هو أن يخلف مالًا غائبًا، أو دينًا على غير الموصي له، ومالًا حاضرًا، ولا يجوز أن يأخذ واحد إلا بالقسط لأن الغرر فيما أوصي للموصي له كالغرر فيما خلفه على الورثة، فعلى الجميع أن يصبروا وههنا لا ضرر على الورثة لأنه إن أدي، وإلا عاد الباقي إلى الورثة رقيقًا، ومن أصحابنا من قال: لا يعتق منه شيء حتى يؤدي إلى الورثة مال الكتابة، ثم يعتق عليه ثلثه لأن

الوصية [145/ ب] لا تتنجز للموصي له إلا بعد أن يحصل للورثة مثلاها، وهو اختيار ابن أبي هريرة وصاحب «الإفصاح» والمذهب الأول، ثم قال: وقال في «الإملاء» على مسائل مالك: «لو اعتقه عند الموت ولا مال له غيره عتق ثلثه لأن الثلث لا يحتمل سوى ثلثه، فإن أدي ثلثي كتابته عتق كله، وإن عجز رق ثلثاه».
ثم قال: «ولو قال: ضعوا عني كتابته كانت وصية له، فيعتق بالأقل من قيمته، أو كتابته»، وهذا قد ذكرنا فيما مضي، وقلنا: لا فرق بين أن يقول: أبرؤوه مما عليه أو ضعوا عنه، كل ذلك وصية له بما عليه، ولا فرق بين أن يكون الذي عليه حالًا، أو مؤجلًا يعني صار حالًا بعدما كان مؤجلًا لأن الكتابة الحالة لا تجوز.
مسألة: قال: «ولو كاتبه في مرضه، ولا يخرج من الثلث، [وقفت فإن] أفاد [السيد] مالًا قبل الموت يخرج به من الثلث جازت الكتابة على جميعه».
الفضل المريض إذا كاتب عبده صحت الكتابة لأنه مالك ثم ينظر فإن برأ من مرضه لزمت الكتابة في جميعه، وإن مات من مرضه اعتبرت من ثلثه، وقال أبو حنيفة: يعتبر من رأس المال، وهذا لا يصح لأن الكتابة هبة في الحقيقة لأن الرقبة ملك السيد والكسب له، فإذا كاتبه يبيع ماله بماله، فصار كما لو وهبه، ولا فرق بين أن تكون الكتابة بأضعاف من قيمته، أو أقل، ولأن الكتابة أجريت مجرى العتق المجرد لأن الولاء له في الكتابة كما في العتق المجرد، ثم ينظر فإن احتمل ثلثه [146/ أ] قيمة جميع العبد نفذت الكتابة في جميعه، وإن لم يخلف الميت شيئًا غيره، فإن الكتابة تلزم في ثلثه، قال الشافعي رضي الله عنه: إذا كانت كتابة مثله يعني بلا محاباة، ويبقي ثلثاه موقوفًا على إجازة الورثة، فإن أجازوها نفذت الكتابة، وإن ردوا بطلت في ثلثيه وبقيت في الثلث، فإذا أدي المال عتق، فإن قيل: أصلكم أن كتابة بعض العبد لا تجوز، وقد جوزتم ههنا قيل: قال أبو إسحاق: لم يختلف قول الشافعي: أنه لا يجوز أن يكاتب بعض عبده في حياته ولا يختلف قوله أيضًا في أنه يجوز أن يوصي بكتابة بعض عبده بعد مدته لأن حال الموت مخالف لحال الحياة، ويجوز فيه من التعزير ما لا يجوز في حال الحياة، ألا ترى أنه قال في الورثة: إذا ورثوا مكاتبًا، فعجزه أحدهم دون الباقين كان على الكتابة في نصيبهم.
ولأن ما يرثه الوارث فإنما يرثه مستحق الضرر في الثلثين، وليس كذلك الشريك، فإنه لم يستحق عليه الضرر، فلم تجز الكتابة في نصيبه بغير إذن شريكه، وأيضًا الكتابة ههنا وقعت على جميعه وصحت، وإنما فسخت الكتابة في بعضها لموضع الحاجة بخلاف المبتدئ بكتابة البعض، فإن قيل: إذا قلتم بفسخ الكتابة في بعضه وجب أن

يفسخ في الباقي كما قلتم: إذا كاتبا عبدًا ثم فسخ أحدهما في نصيبه تنفسخ في نصيب شريكه، قلنا: إنما فعلنا ذلك في حق الشريك لأنه لو عاد إليه نصيبه وباقيه مكاتب [146/ ب] أضررنا به لأنه يكون ناقص القيمة، فدفعنا ذلك الضرر بفسخ الباقي، وههنا انتقل العبد إليهم ناقصًا بالكتابة فلا معني لإزالة الكتابة في باقيه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا: لا تصح الكتابة إلا في ثلثيه، فأدي ثلث النجوم هل يحكم بصحة ثلث آخر إلى أن يتم العتق في كله وجهان ذكرهما ابن سريج: أحدهما: يفعل هكذا، فإذا أدي الثلث الثاني حكمنا بصحة الكتابة في الثلث الثالث، والثاني: وهو المنصوص لا يفعل ذلك، فإذا قلنا بالقول الأول وكاتبنا الثلث الثاني فهل يطالبه بحصته من النجوم في الحال ويجعل كأن مدة الكتابة مضت أو يضرب له مدة مثل المدة التي ضربها الميت؟ وجهان: أحدهما: أن الكتابة إن كانت على مدة سنة، فاستوفينا ثلث النجم عند آخر السنة لم يطالبه بثلث ثان من النجم إلا بعد سنة أخرى ثم بثلث بعد السنة الثالثة، والثاني: يطالب في الحال ثم إذا أدي يكاتب الثلث الثاني، ويطالب بحصته أيضًا، وإلا للورثة تعجيزه لما ذكرنا أنه إذا غصب المكاتب على نفسه حتى مضت المدة هل يستأنف له مدة، أو يطالب في الحال بالنجوم بعدما غرب له أجر المثل قولان.
فرع إذا كاتبنا ثلثه عتق الثلث، ولا يسري إلى الباقي، وإن عجز ورق هذا الثلث فيه وجهان: أحدهما: يعود إلى التركة حتى يؤدي منه الوصايا لأنه إنما اعتبر في الثلث ليعتق، فإذا لم يعتق لم يعتبر فكأنه تركة، والثاني: لا يعود إلى التركة لن اعتباره في الثلث لم يكن موقوفًا على العتق، فإذا عاد بالعجز [147/ أ] إلى الرق صار مالًا مستفادًا لهم.
مسألة: قال: «وما أقر بقبضه في مرضه، فهو كالدين يقر بقبضه في صحته».
عندنا أن الإقرار بقبض النجوم ولا يعتبر من الثلث، بل هو من رأس المال، وإنما يتصور، في إقرار المريض بقبض نجوم كتابة كانت في الصحة، فأما إذا كانت في المرض فأصل الكتابة من الثلث، فلا يفيد الكلام في أن الإقرار كيف يقبل هل يقبل فيما صححنا فيه الكتابة، وقال أبو حنيفة: إن كان عقد الكتابة في الصحة، فالإقرار بقبض النجوم من رأس المال، وإن كانت الكتابة في المرض، فالإقرار من الثلث.
هكذا ذكر بعض أصحابنا، وفيه نظر، والعلة في هذه المسألة: أن المريض يملك القبض، فيملك الإقرار به كالصحيح، وهذا لأن إقرار المرض وإقرار الصحة سواء عندنا.
مسألة: قال: «وإذا وضع عنه دنانير وعليه دراهم».

جارٍ التحميل