باب من يلحق بأهل الكتاب
قال الشافعي - رحمه الله -: "انتوت قبائل من العرب قبل أن يبعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم- وينزل عليه القرآن فدانت دين أهل الكتاب فأخذ عليه الصلاة والسلام الجزية من أكيدر دومةً، وهو رجل يقال إنه من غسان أو من كندة ومن أهل ذمة اليمن وعامتهم عرب ومن أهل نجران وفيهم عرب فدل ما وصفت أن الجزية ليست على الأحساب وإنما هي على الأديان".
قال في الحاوي: والأصل في أخذ الجزية وأن يصير المشركون بها أهل ذمة الكتاب والسنة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
أما قوله هاهنا: ﴿قَاتِلُوا﴾ [التوبة: 29] ففيه وجهان:
أحدهما: يعني جاهدوا.
والثاني: اقتلوا، فعبر عن القتل بالمقاتلة لحدوثه في الأغلب عن القتال، وفي قوله: ﴿الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [التوبة: 29] وجهان:
أحدهما: لا يؤمنون بكتاب الله.
والثاني: لا يؤمنون برسول الله - صلى الله عليه وسلم؛ لأن تصديق الرسول إيمان بالرسل وإلا فهم مؤمنون بأن الله تعالى واحد معبود.
وفي قوله: ﴿وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: 38] وإن كانوا يعتقدون البعث والجزاء وجهان:
أحدهما: أن إقرارهم باليوم الآخر يوجب الإقرار بجميع حقوقه، فصاروا بترك الإقرار بحقوقه كمن لم يقر به.
والثاني: أنهم لا يخافون وعيد اليوم الآخر، فذمهم ذم من لا يؤمن باليوم الآخر.
وقوله: ﴿ولا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: 29] فيه وجهان:
أحدهما: أنه ما أمر بنسخه من شرائعهم.
والثاني: أنه ما أحله لهم، وحرمه عليهم.
وقوله: ﴿وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ [التوبة: 29] فيه وجهان:
أحدهما: ما في التوراة والإنجيل من أتباع الرسول، وهو قول الكلبي.
والثاني: الدخول في شريعة الإسلام، وهو قول الجمهور، والحق هاهنا هو الله تعالى.
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 101] فيه وجهان:
أحدهما: يعني من آباء الذين أوتوا الكتاب.
والثاني: من الذين أوتوا الكتاب؛ لأنهم في أتباعه كآبائهم.
وقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: 29] فيه وجهان:
أحدهما: حتى يدفعوا الجزية، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه يوجبه في أول الحول.
والثاني: حتى يضمنوا الجزية، وهو قول الشافعي؛ لأنه يوجبها بانقضاء الحول.
والجزية: اسم مشتق من الجزاء، إما على إقرارهم على الكفر، وإما على مقامهم في دار الإسلام، والجزية هو المال المأخوذ منهم عن رقابهم، وفيها وجهان:
أحدهما: أنها من المجمل الذي يفتقر إلى البيان.
والثاني: أنها من العموم الذي يعمل ما اشتمل عليه من قليل وكثير ما لم يخصه دليل.
وقوله: ﴿عَن يَدٍ﴾ [التوبة: 29] فيه وجهان:
أحدهما: عن غنى وقدرة.
والثاني: أن يروا لنا في أخذها منهم بدا عليهم.
وقوله: ﴿وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] فيه وجهان:
أحدهما: أن يكونوا أذلاء مقهورين.
والثاني: أن تجري عليهم أحكام الإسلام، فدلت هذه الآية على ثلاثة أحكام:
أحدها: وجوب جهادهم.
والثاني: جواز قتلهم.
والثالث: حقن دمائهم بأخذ الجزية منهم.
ويدل عليه من السنة ما روى سليمان بن بريدة عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كان إذا بعث أميرا على جيش أوصاه بتقوى الله تعالى في خاصةً نفسه وبمن معه من المسلمين خيرًا، وقال له: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث أيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم،
وإن أبوا فالجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم".
وقد أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الجزية من أهل نجران، ومن مجوس هجر، وأخذها من أهل أيلة، وهم ثلاث مائة رجل أخذ منهم ثلاثمائة دينار، ولأن في أخذ الجزية منهم معونة للمسلمين، وأناة بالمشركين في توقع استنصارهم، وذلة لهم ربما تبعثهم على الإسلام، فجوز النص لهذه المعاني الثلاثة أخذها منهم.
فصل:
فإذا تقرر وجوب أخذ الجزية من الكفار، لإقرارهم على الكفر في مأخوذةً من بعضهم دون جميعهم.
واختلف في المأخوذ منهم على أربعة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب الشافعي أنها تؤخذ من أهل الكتاب عربًا كانوا أو عجمًا، ولا تؤخذ من غير أهل الكتاب عربًا ولا عجمًا، فاعتبرها بالأديان دون الأنساب.
والثاني: على ما قاله أبو حنيفة بأنها تؤخذ من جميع أهل الكتاب، ومن عبدة الأوثان إذا كانوا عجمًا، ولا تؤخذ منهم إذا كانوا عربًا.
والثالث: - ما قاله مالك - إنها تؤخذ من كل كافر من كتابي، ووثني، وعجمي، وعربي، إلا من كفار قريش، فلا تؤخذ منهم، وإن دانوا دين أهل الكتاب.
والرابع: - ما قاله أبو يوسف - إنها تؤخذ من العجم سواء كانوا أهل كتاب أو عبدة أوثان حكم أخذ الجزية منهم، ولا تؤخذ من العرب سواء كانوا من أهل الكتاب أو من عبدة الأوثان، فجعلها معتبرة بالأنساب دون الأديان، فصار الخلاف مع الشافعي في حكمين:
أحدهما: في عبدة الأوثان، فعند الشافعي لا تقبل جزيتهم، وعند غيره تقبل.
والثاني: في العرب، فعند الشافعي تقبل جزيتهم، وعند غيره لا تقبل.
فأما الحكم الأول في عبدة الأوثان، فاستدل من ذهب إلى قبول جزيتهم بحديث سليمان بن بريدة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان إذا بعثه على جيش قال له: "ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ولم يفرق بين عبدة الأوثان وأهل الكتاب، وإن كان أكثرهم عبدة أوثان، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أخذ الجزية من المجوس وليس لهم كتاب، فكذلك عبدة الأوثان، ولأنه استذلال يجوز في أهل الكتاب، فجاز في عبدة الأوثان كالقتل.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: 29].
فجعل الكتاب
شرطًا في قبولها منهم، فلم يجز لعدم الشرط أن تقبل من غيرهم.
وروى عبد الرحمن بن عوف أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال في المجوس: سنوا بهم سنة أهل الكتاب، فدل على اختصاص الجزية بهم.
وروى عمرو بن شعيب - عن أبيه - عن جده - أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كتب إلى أهل اليمن أن تؤخذ الجزية من أهل الكتاب، فخصهم بالذكر لاختصاصهم بالحكم ولأنه وثني فلم يقر على حكمه بالجزية كالعربي، ولأن من لم يقر بالجزية من العرب لم يقر بها من العجم كالمرتد، ولأن لأهل الكتاب حرمتين:
إحداهما: حرمة الكتاب الذي نزل عليهم.
والثانية: حرمة دين الحق الذي كانوا عليه.
وهاتان الحرمتان معدومتان في عبدة الأوثان، فافترقا في حكم الإقرار بالجزية.
فأما الجواب عن حديث ابن بريدة، فمن وجهين:
أحدهما: تخصيص عمومه بأدلتنا.
والثاني: أنه لا يصح التعلق بظاهره حتى يقترن به إضمار، فهم يضمرون أخذ الجزية منهم إذا كانوا عجما، ونحن نضمر أخذ الجزية منهم إذا كانوا أهل كتاب، ولو تكافأ الإضماران سقط الدليل، واختيارنا أولى لثبوت حكمه عن إجماع.
وأما الجواب عن أخذها من المجوس، فهو ما سنذكره من بعد في أن لهم كتابًا.
وأما قياسهم على القتل، فغير صحيح لأمرين:
أحدهما: أن القتل لا يبقى معه إقرار على الكفر، وفي الجزية إقرار على الكفر فافترقا.
والثاني: أن القتل أغلظ من الجزية، فلم يجز أن يلحق به ما هو أخف منه إذا كان محمولًا على التغليظ.
فصل:
وأما الحكم الثاني: في العرب، فاستدل من منع من قبوله جزيتهم بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا عرض نفسه في المواسم قبل هجرته على القبائل قال لهم: "هل لكم في كلمة إذا قلتموها دانت لكم العرب، وأدت إليكم الجزية العجم، فأضاف الجزية إلى العجم ونفاها عن العرب".
وبما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا يجري على عربي صغار".
والجزية صغار بالنص، وقد نفاه عنهم، فلم يجزه أخذها منهم، ولأن كل حرمة ثبتت بالإسلام منعت من قبوله الجزية ً كالإسلام، ولأن كل من لم يجز استرقاقه لم تؤخذ جزيته كالمرتد.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: 29].
فكان على عمومه من كل كتابي من عجمي وعربي، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أخذ الجزية من العرب، فأخذها من أكيدر دومة بعد أسره، وحمله إلى المدينة، وكان من غسان أو من كندة، وأخذها من أهل اليمن، وأكثرهم عرب، ومن أهل نجران، وفيهم عرب، ولأن كل من جاز إقراره على كفره جاز أخذ جزيته كالعجم، ولأن وجوب القتل أغلظ من أخذ الجزية، فلما لم يمنع النسب من القتل، فأولى أن لا يمنع من الجزية، ولأنه لما جاز أن يحقن بالجزية دم ضعفت حرمته من العجم، فلأن يحقن بها دم من قويت حرمته من العرب أولى.
فأما الجواب عن الخبر الأول، فهو أن المقصود به سرعة إجابة العرب إلى الإسلام، وإبطاء أهل الكتاب عنه، وهذا موجود ومعهود.
وأما الجواب عن قوله: "لا يجري على عربي صغار" فالقتل أغلظ، وهو يجري عليه، فكانت الجزية أقرب، وهو محمول على أحد وجهين: إما صغار الاسترقاق.
والثاني: أن يكون محمولًا على أهل مكة حين من عليهم بعد الفتح أنهم لا يغزون بعده، وبه قال الشافعي.
فأما قول أبي يوسف: إنه لا تؤخذ الجزيةً من العرب، فنحن كنا على هذا أحرص، ولولا أن نأثم بثمن باطل لرددناه كما قال، وأن لا يجري على عربي صغار، ولكن الله أجل في أعيننا من أن نحب غير ما حكم به.
فأما قياسهم على الإسلام فباطل؛ لأن الكفر ضد الإسلام، فلم يجز أن يقاس عليه.
وأما قياسهم على المرتد، فالمرتد لا يجوز أن يقر على ردته، فلم يجز قبول جزيته، والعربي يقر على كفره، فجاز أخذ جزيته.
فأما استرقاقه، ففيه قولان مضيا.
فأما قول الشافعي: " انتوت قبائل من العرب " ففيه تأويلان:
أحدهما: معناه قربت من بلاد أهل الكتاب.
والثاني: اختلطت بأهل الكتاب، فدانت دين أهل الكتاب، فأخذها عمر بالشام من تنوخ وبهراء وبني تغلب، فدلت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وسنة خلفائه من بعدها على جواز أخذها من العرب كما جاز أخذها من غير العرب كما جاز أخذها من غير العرب.
مسألة:
قال الشافعي: " وكان أهل الكتاب - المشهور عند العامةً - أهل التوراةً من اليهود والإنجيل من النصارى وكانوا من بني إسرائيل، وأحطنا بأن الله تعالى أنزل كتبا من التوراة والإنجيل والفرقان بقوله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّا بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي
وَفَّى} [النجم: 36 - 37] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 196] فأخبر أن له كتابا سوى هذا المشهور، قال: فأما قول أبي يوسف: لا تؤخذ الجزية من العرب، فنحن كنا على هذا أحرص، ولولا أن نأثم بتمني باطل لوددناه كما قال وأن لا يجري على عربي صغار ولكن الله أجل في أعيننا من أن نحب غير ما حكم الله به تعالى".
قال في الحاوي: وهذا صحيح: إذا ثبت أن الجزيةً تؤخذ من أهل الكتاب دون غيرهم، فالكتاب المشهور كتابان:
أحدهما: أن التوراة أنزلت على موسى، ودان بها اليهود، والإنجيل أنزل على عيسى، ودان به النصارى.
قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [بالأنعام:156]. فكان اليهود والنصارى أهل كتاب مقطوع بصحته، فأما غير التوراة والإنجيل من كتب الله المنزلة على أنبيائه، فقد أخبر الله تعالى بها، وإن لم يسمها، ولم يعين من دان بها.
قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّا بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 36، 37]. وقال تعالى: ﴿الصُّحُف الْأُولَى﴾ [الأعلى: 18]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 196].
فإن عرفنا من كتب الله تعالى غير التوراة والإنجيل، وعرفنا من دان بها غير اليهود والنصارى، فقد اختلف أصحابنا هل يكونون أهل كتاب يقرون عليه بالجزية، وتنكح نساؤهم، وتؤكل ذبائحهم كاليهود والنصارى، أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنهم أهل كتاب يقرون على التدين به، وتؤخذ جزيتهم، وتنكح نساؤهم، وتؤكل ذبائحهم كاليهود والنصارى، وهو الظاهر من مذهب الشافعي.
وبه قال أبو إسحاق المروزي: لأن حرمة الكتاب لنزوله من الله تعالى، وحرمة من دان به أنه كان على حق، فكان كتابهم مساويا للتوراة والإنجيل، وكانوا هم مساوين لليهود والنصارى، كما كانت التوراة والإنجيل في أيام موسى وعيسى مساويين للقرآن في نزوله على محمد - صلى الله عليه وسلم- وكان اليهود والنصارى في أيامها مساوين للمسلمين، وليس التفاضل بينهم بمانع من التساوي في الحق.
والثاني: أنهم لا يقرون على كتابهم، ولا تقبل جزيتهم، ولا تنكح نساؤهم، فيكونون مخالفين لليهود والنصارى في تمسكهم بالتوراة والإنجيل؛ لأن الله تعالى لما رفعها بعد نزولها دل على ارتفاع حكمها، فزوال حرمتها، ولما بقى التوراة والإنجيل دل على بقاء حكمهما وثبوت حرمتهما، وإطلاق هذين الجوابين عندي غير صحيح، فالواجب اعتبار كتابهم، فإن كان يتضمن تعبدًا وأحكامًا يكتفي أهله به عن غيره كان كالتوراةً
والإنجيل في ثبوت حرمته وإقرار أهله.
وإن لم يتضمن تعبدا وأحكامًا، وكان مشتملًا على مواعظ وأمثال يفتقر أهله في التعبد والأحكام إلى غيره كان مخالفًا لحرمة التوراة والإنجيل ولم يجز أن يقر أهله عليه.
فصل:
فإذا تقرر حكم أهل الكتاب أنهم مقرون بالجزية على ما تدينوا به من شرائعهم، فالكلام في تعيينهم، وحكم من دخل في أديانهم تعيين أهل الكتاب وحكم من دخل في أديانهم مشتمل على فصلين:
أحدهما: من عرف كتابه ودينه من اليهود والنصارى.
والثاني: من لم يعرف.
فأما المعروفون من اليهود المتدينون بالتوراة والنصارى المتدينون بالإنجيل فضربان:
أحدهما: من عاينه وآمن به وتدين بكتابه كاليهود الذين كانوا في عصر موسى، والنصارى الذين كانوا في عصر عيسى من بني إسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وأبناء هؤلاء الآباء مقرون على دينهم بالجزية، وهم أبناء من عاصر موسى وعيسى، فإن لم يبدلوا كانت لهم حرمتان: حرمة آبائهم أنهم كانوا على حق، وحرمة بأنفسهم في تمسكهم بكتابهم، وإن بدلوا أقروا مع التبديل لإحدى الحرمتين، وهي حرمة آبائهم، وليس لهم حرمة أنفسهم في التمسك بكتابهم: لأن المبدل لا حرمةً له.
والثاني: من دخل في دينهما من غيرهما، بعد انقضاء عصر نبوتهما، وهو أن يدخل في اليهودية بعد موسى، وفي النصرانية بعد عيسى، فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يدخلوا فيه قبل تبديله.
والثاني: أن يدخلوا فيه بعد نسخه.
والثالث: أن يدخلوا فيه بعد تبديله وقبل نسخه.
فأما القسم الأول: وهو أن يدخلوا فيه قبل تبديله، فهم مقرون عليه بالجزية كالداخل فيه على عصر نبيه، وسواء كان أبناؤهم الآن مبدلين أو غير مبدلين، ولأن لهم حرمتين إن لم يبدلوا، وحرمة واحدة إن بدلوا: لأن دينهم على حق بعد موت نبيهم كما كان على حق قبل موته، فاستوت حرمة الدخول فيه من الحالين.
وأما القسم الثاني: وهو أن يدخلوا فيه بعد نسخه، وبعد نسخ شريعة عيسى في النصرانية بشريعة الإسلام.
فأما نسخ شريعة موسى ففيه وجهان حكاهما أبو إسحاق المروزي:
أحدهما: أنها تكون منسوخة بالنصرانية - شريعة عيسى - وهو أظهرها، لاختلافهما وأن الحق في أحدهما.
والثاني: أنها منسوخة بشريعة الإسلام دون النصرانية: لأن عيسى نسخ من شريعة
موسى ما خالفها، ولم ينسخ منها ما وافقها، وإنما نسخ الإسلام جميع ما تقدمه من الشرائع.
فإذا ثبت ما نسخ به كل شريعة، فمن دخل في دين بعد نسخه لم يقر عليه، لعدم حرمته عند دخوله فيه، فصار كعبدة الأوثان في عدم الحرمة.
وقال المزني: يقر الداخل فيه بعد نسخه كما يقر الداخل فيه قبل نسخه وتبديله، لقول الله تعالى: ﴿ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51].
وهذا فاسد بما عللنا به من عدم الحرمة فيما دخل فيه.
وقوله ﴿ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51].
يعني في وجوب القتل؛ لأن من تولاهم منا مرتد لا يقر على ردته.
وأما القسم الثالث: وهو أن يدخلوا فيه بعد التنزيل وقبل النسخ، فعلى ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يدخلوا فيه مع غير المبدلين مثل الروم، فيكونوا كالداخل فيه قبل التبديل في إقرارهم بالجزية ونكاح نسائهم وأكل ذبائحهم؛ لأن حرمته في غير المبدلين ثابتة.
والثاني: أن يدخلوا فيه مع المبدلين كطوائف من نصارى العرب، فيكونوا كالداخل فيه بعد النسخ.
والثالث: أن يشكل حال دخولهم فيه هل كان مع المبدلين أو مع غير المبدلين، أو يشكل هل دخلوا قبل التبديل أو بعد التبديل كتنوخ وبهراء وبني تغلب، فهؤلاء قد وقفهم الإشكال بين أصلين:
أحدهما: يوجب حقن دمائهم واستباحة نكاحهم، كالداخل فيه مع غير المبدلين.
والثاني: يوجب إباحة دمائهم، وحظر مناكحهم كالداخل فيه مع المبدلين، فوجب أن يغلب في الأصلين معا حكم الحظر دون الإباحة، فيقروا بالجزية حقنا لدمائهم: لأن أصل الدماء على الحظر، ولا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم: لأن أصل الفروج على الحظر، والحظر تعيين، والإباحة شك، فغلب حكم اليقين على الشك، وصاروا في ذلك كالمجوس، فهذا حكم الكتاب المشهور، والدين المعروف.
فصل:
وأما الضرب الثاني: وهو من ادعى كتابًا غير مشهور، ودينًا غير كالزبر الأولى، والصحف المتقدمة.
فإن قيل: إنه لا يجري عليهم حكم أهل الكتاب، لم يقروا على دينهم وإن تحققنا كتابهم.
وإن قيل: إنهم يقرون على دينهم وتحفظ حرمة كتابهم، فلا يخلو حالهم من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يتحقق صدقهم، يعرف كتابهم، فيكونوا كاليهود والنصارى في إقرارهم بالجزية، واستباحة مناكحهم، وأكل ذبائحهم.
والثاني: أن يتحقق كذب قولهم، وأن لا كتاب لهم، فيكونوا كعبدةً الأوثان في استباحة دمائهم، وحظر مناكحهم.
والثالث: أن يحتمل ما قالوه الصدق والكذب، وليس على أحدهما دليل يقطع به، فلا يقبل فيهم قول كفارهم.
فإن أسلم منهم عدد يكون خبرهم مستفيضًا حكم بقولهم في ثبوت كتابهم وإقرارهم بالجزية على دينهم، واستباحة مناكحهم.
وإن لم يسلم منهم من يكون خبره مستفيضا متواترا، ولم يعلم قولهم إلا منهم في حال كفرهم، فيقرون بالجزيةً: لأنها مال بذلوه لا يحرم علينا أخذه، وأصل الدماء على الحظر، فلا يحل لنا قتلهم.
فأما استباحة مناكحهم، وأكل ذبائحهم، فلا يقبل قولهم فيها؛ لأنها على أصل الحظر، فلا تستباح بقول من لا يوثق بصدقه، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "والمجوس أهل كتاب دانوا بغير دين أهل الأوثان وخالفوا اليهود والنصارى في بعض دينهم كما خالفت اليهود والنصارى في بعض دينهم، وكانت المجوس في طرف من الأرض لا يعرف السلف من أهل الحجاز من دينهم ما يعرفون من دين اليهود والنصارى حتى عرفوه وأن النبي - صلى الله عليه وسلم- أخذها من مجوس هجر وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: هم أهل كتاب بدلوا فأصبحوا وقد أسري بكتابهم وأخذها منهم أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما ".
قال في الحاوي: وأما المجوس، فقد كانوا على بعد من الحجاز، وكانت ديارهم العراق وفارس، وهم يتدينون بنبوة زرادشت وإقرارهم بالجزية متفق عليه، لما رواه الشافعي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أخذ الجزية من مجوس هجر.
وروي أن عمر أشكل عليه أمر المجوس حين افتتح بلادهم بالعراق، وقال: ما أدري ما أصنع في أمرهم: فقال له عبد الرحمن بن عوف: أشهد لقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
فأخذ عمر منهم الجزيةً بالعراق وفارس، وقد
كان أبو بكر أخذها منهم فيما افتتحه من أطراف العراق، وأخذها بعدهما عثمان وعلي، فكان أخذها منهم سنةً عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- وأثرا عن الخلفاء الراشدين.
فصل:
فأما كتاب المجوس، فلم يبق لهم في شريعة الإسلام كتاب، واختلف هل كان لهم، فذكر الشافعي - فيما نقله المزني هاهنا - أنهم أهل كتاب، وقد نص عليه في كتاب الأم، وقال في موضع آخر: لا كتاب لهم، وقد علق القول في موضع ثالث، فاختلف أصحابه في مذهبه، فذهب البغداديون إلى أنه على قولين بحسب اختلاف نصه في الموضعين:
أحدهما: أنهم أهل كتاب.
والثاني: ليس لهم كتاب.
وذهب البصريون إلى أن قوله لم يختلف فيهم، وحملوا قوله: إنهم أهل كتاب على أن حكمهم حكم أهل الكتاب في إقرارهم بالجزية خاصة، وقوله: إنه لا كتاب لهم في أنه لا تستباح مناكحهم، ولا تؤكل ذبائحهم، وأنهم لا يتلون كتابا لهم.
والذي عليه الجمهور من أصحابنا ما قاله البغداديون من القولين دون ما ذهب إليه البصريون من اختلاف الحالين.
فإذا قيل: إنه لا كتاب لهم، وهو مذهب أهل العراق، فدليله قول الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: 156]. فدل على أنه لا كتاب لمن عداهما، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حين كاتب كسرى وقيصر، قال في كتابه إلى قيصر: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 64].
فجعلهم من أهل الكتاب، ولم يكتب إلى كسرى بهذا، وكتب: أسلم تسلم، فدل على أنه ليس لهم كتاب، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب، ولو كان لهم كتاب لاستغنى عن هذا بأن قال هم أهل الكتاب.
ولرواية ابن عباس أن المسلمين بمكة قبل الهجرة كانوا يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، وكان مشركو قريش يحبون أن يظهر فارس على الروم: لأنهم غير أهل كتاب، فلما غلبت فارس الروم سر المشركون، وقالوا للمسلمين: تزعمون أنكم ستغلبونا: لأنكم أهل كتاب، وقد غلبت فارس الروم، والروم أهل كتاب، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بذلك فساءه فنزل عليه قوله تعالى: ﴿آلم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: 1 - 5].
ففرح المسلمون بذلك، وبادر أبو بكر إلى كفار قريش، فأخبرهم بما أنزل الله على رسوله من أن الروم ستغلب فارسا، وتقامر أبو بكر وأبي بن خلف على هذا بأربع قلائص إلى ثلاث سنين، وكان القمار يومئذ حلالًا، فلما علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن أبا بكر قدر لهم هذه المدة أنكرها، وقال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: ثقة بالله ورسوله.
قال: فكم البضع؟ قال: ما بين الثلاث إلى العشر.
فقال له: زدهم في الخطر، وازدد في الأجل فزادهم قلوصين وازداد منهم في الأجل سنتين، فصارت القلائص ستا، والأجل خمسًا، فلما أراد أبو بكر الهجرةً علق به أبي بن خلف وقال له: أعطني كفيلًا بالخطر إن غلبت، فكفل به ابنه عبد الرحمن بن أبي بكر ثم إن الله تعالى أنجز وعده في غلبة الروم لفارس في عام بدر، ونصر رسوله على قريش يوم بدر، وقيل: إنه كان النصران في يوم واحد، فعلم بهذا الخبر أن الفرس، وهم المجوس، لم يكن لهم كتاب، وأن الروم من النصارى هم أهل الكتاب، ولأنهم لو كانوا أهل كتاب، لظهر فيهم كظهور التوراةً والإنجيل، ولجرت عليهم من استباحة مناكحهم، وأكل ذبائحهم أحكام أهل الكتاب كاليهود والنصارى.
وإذا قلنا بالقول الثاني إنهم أهل كتاب، فدليلنا رواه الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن أبي سعيد بن المرزبان، عن نصر بن عاصم، قال: قال فروة بن نوفل الأشجعي على ما تؤخذ الجزية من المجوس، وليسوا بأهل كتاب، فقام إليه المستورد، فأخذ بلبته وقال: يا عدو الله تطعن على أبي بكر، وعمر وعلى أمير المؤمنين - يعني عليا - وقد أخذوا منهم الجزية، فذهب به إلى القصر فخرج علي - عليه السلام - فقال: اتئدا فجلسنا في ظل القصر، فقال: أنا أعلم الناس بالمجوس، كان لهم علم يعلمونه، وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم سكر، فوقع على ابنته أو أخته، فاطلع عليه بعض أهل مملكته فلما صحا جاءوا يقيمون عليه الحد، فامتنع منهم فدعا أهل مملكته، فلما أتوه قال: أتعلمون دينًا خيرًا من دين آدم، وقد كان ينكح بنيه من بناته، وأنا على دين آدم ما نزعت بكم عن دينه، فبايعوه، وقاتلوا الذين خالفوهم حتى قتلوهم، فأصبحوا وقد أسري على كتابهم فرفع من بين أظهرهم، وذهب العلم الذي في صدورهم فهم أهل كتاب.
وقد أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر منهم الجزية، وانتشار هذا مع عدم المخالف فيه إجماع منعقد، ولأن الاتفاق على جواز أخذ الجزية منهم، وهي مقصورة على أهل الكتاب تجعلهم من أهل الكتاب الداخلين في قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
ولأنهم قد كانوا ينتسبون إلى نبي مبعوث، ويتعبدون بدين مشروع، ولا يكون ذلك إلا عن كتاب يلتزمون أحكامه، ويعتقدون حلاله وحرامه.
فصل:
فإذا تقرر توجيه أحد القولين، فإن قيل بالأول منهما: إنه ليس لهم كتاب جاز إقرارهم على الجزية بالسنة والإجماع ولم يجز استباحة مناكحهم، ولا أكل ذبائحهم.
وإن قيل بالثاني: إنهم أهل كتاب ففي استباحة مناكحهم، وأكل ذبائحهم وجهان حكاهما أبو إسحاق المروزي:
أحدهما: يحل نكاح نسائهم، وأكل ذبائحهم لثبوت كتابهم، ولأن حذيفة بن اليمان نكح مجوسية بالعراق، وهذا قول أبي ثور.
والثاني: وهو أظهر أنه لا تحل نساؤهم، ولا أكل ذبائحهم، وإن كانوا أهل كتاب: لأن كتابهم رفع، فارتفع حكمه، وقد روي عن إبراهيم الحربي، مع ما انعقد عليه إجماع الأعصار أنه قول بضعة عشر من الصحابة، وما علمنا مخالفًا من المسلمين حتى بعث نبي من الكرخ يعني أبا ثور يريد أنه لما تفرد بقول خالف فيه من تقدمه صار كنبي يشرع الأحكام.
مسألة:
قال الشافعي - رحمه الله -: " والصابئون والسامرة مثلهم يؤخذ من جميعهم الجزيةً ولا تؤخذ الجزية من أهل الأوثان ولا ممن عبد ما استحسن من غير أهل الكتاب ".
قال في الحاوي: أما الصابئة، فطائفة تنضم إلى النصارى، والسامرة طائفة تنضم إلى اليهود، ولا يخلو حال انضمامهما إلى اليهود والنصارى من خمسة أقسام:
أحدها: أن نعلم أنهم يوافقون اليهود والنصارى في أصول دينهم، وفروعه، فيجوز أن يقروا بالجزيةً، وتنكح نساؤهم، وتؤكل ذبائحهم.
والثاني: أن يخالفوا اليهود والنصارى في أصول دينهم وفروعه، فلا يجوز إقرارهم بالجزية، ولا تستباح مناكحهم، ولا تؤكل ذبائحهم كعبدة الأوثان.
والثالث: أن يوافقوا اليهود والنصارى في أصول دينهم، ويخالفوهم في فروعه، فيجوز أن يقروا بالجزيةً، وتستباح مناكحهم، وأكل ذبائحهم: لأن الأحكام تجري على أصول الأديان، ولا يؤثر الاختلاف في فروعها كما لم يؤثر اختلاف المسلمين في فروع دينهم.
والرابع: أن يوافقوا اليهود والنصارى في فروع دينهم، ويخالفوهم في أصوله، فلا يجوز أن يقروا بالجزية، ولا تستباح مناكحهم، ولا أكل ذبائحهم تعليلًا باعتبار الأصول في الدين.
والخامس: أن يشكل أمرهم، ولا يعلم ما خالفوهم فيه، ووافقوهم عليه من أصل
وفرع، فيقروا بالجزيةً حقنا لدمائهم، ولا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم تغليبا للحظر في الأمرين كالذي قلناه فيمن أشكل دخوله في اليهوديةً والنصرانيةً، هل كان من المبدلين.
فإن أسلم اثنان من الصابئين والسامرة، فشهدوا بما وافقوا عليه اليهود والنصارى من أصل وفرع حكم بشهادتهما، وأجري عليهم حكمها، ولا يراعى في هذه الشهادة عدد التواتر، ويراعى عدد التواتر فيمن ادعوا أن لهم كتابًا غير التوراةً والإنجيل؛ لأن هذا إخبار عن أصل دين مجهول، فراعينا فيه خبر التواتر والاستفاضةً، ومعتقد الصابئين والسامرةً دين معروف يعول في صفته على الشهادةً فافترقا، وقد قال ابن أبي هريرة: إن السامرةً من نسل السامري، وإنهم اعتزلوا عن اليهود بأن يقولوا لا مساس، فإن كان هذا صحيحًا فهم من بني إسرائيل يحل نكاح نسائهم، وأكل ذبائحهم.
وقال أبو سعيد الإصطخري في الصابئين: إنهم يقولون: إن الملك حي ناطق وإن الكواكب السبعة آلهةً، واستفتي فيهم في أيام القاهر فأفتى، فهم القاهر بقتلهم، إن لم يسلموا، فاستدفعوا القتل ببذل مال جزيل، فإن كانوا على ما حكاه أبو سعيد فهم كعبدة الأوثان، لا يجوز أن يقروا بالجزية، ولا تستباح مناكحهم، ولا يحل أكل ذبائحهم، والله أعلم.
باب الجزية على أهل الكتاب والضيافة وما لهم وعليهم
قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: " أمر الله تعالى بقتال المشركين من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، قال: والصغار أن تؤخذ منهم وتجرى عليهم أحكام الإسلام ".
قال في الحاوي: اعلم أن ما تحقن به دماء المشركين ينقسم أربعة أقسام: هدنةً، وعهد، وأمان، وذمةً.
فأما القسم الأول: وهو الهدنة تعريفها: فهو أن يوادع أهل الحرب في دارهم على ترك القتال مدة أكثرها عشر سنين، كما هادن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قريشًا عام الحديبيةً، فلا يجوز أن يتولى عقدها إلا الإمام أو من يستنيبه فيها عند الحاجة إليها وظهور المصلحة فيها.
ويجوز أن يعقد على مال يؤخذ منهم إذا أمكن وعلى غير مال إذا تعذر، وعلى مال يدفع إليهم عند الضرورة كالذي هم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عام الخندق حين تمالأت عليه قريش، وغطفان والأحابيش أن يعطيهم شطر ثمار المدينة، لينصرفوا عنها، فقال أهلها من الأنصار: يا رسول الله، إن كنت تفعل هذا بوحي من السماء فالسمع والطاعة، وإن كان رأيا رأيته فوالله ما كنا نعطيهم في الجاهلية تمرةً إلا قرى أو شرًا: فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام: فلما عرف قوة أنفسهم كف، وصابرهم على القتال حتى انصرفوا، فكان فيما هم بفعله من ذلك دليل على جوازه.
وأما القسم الثاني: وهو العهد تعريفه: فهو أن يجعل لمن دخل من المشركين إلى دار الإسلام أمان إلى مدة مقدرةً بأربعة أشهر، ولا يجوز أن تبلغ سنة، وفيما بين أربعة أشهر وسنة قولان.
فإن كان على مال يؤخذ منهم كان أولى، وإن كان على غير مال جاز، ولا يجوز أن يعقد على مال يدفع إليهم، ولا أن يتولى عهدهم غير الإمام، فيكون العهد موافقا للهدنة من وجهين، ومخالفًا لها من وجهين: فأما الوجهان في الموافقة:
فأحدهما: أن لا يتولاهما إلا الإمام ونائبه.
والثاني: أن لا يجيب إليهما إلا عند المصلحة فيما للمسلمين دونهم.
وأما الوجهان في المخالفة:
فأحدهما: أن الهدنة يجوز أن تعقد على مال يدفع إليهم، ولا يجوز أن يعقد العهد على مال يدفع إليهم.
والثاني: في قدر المدةً، واختلافهما فيهما من وجهين:
أحدهما: أن انتهاء مدة الهدنة مقدرة بعشر سنين، وانتهاء مدة المقام في العهد أربعة أشهر.
والثاني: أنه يجوز في مدة العهد أن يتكرر دخولهم بذلك العهد، ولا يجوز بعد مدة الهدنة أن تتكرر موادعتهم إلا باستئناف عقد.
وأما القسم الثالث: وهو الأمان: فهو ما بذله الواحد من المسلمين أو عدد يسير لواحد من المشركين أو لعدد كثير فيكون موافقا للعهد من وجهين، ومخالفًا له من وجهين:
فأما الوجهان في الموافقة:
فأحدهما: في تقدير مدتها بأربعة أشهر.
والثاني: التزام حكمهما في دار الإسلام من المسلمين، ولا يلزم في دار الحرب، ولا من المحاربين.
وأما الوجهان في المخالفة:
فأحدهما: أن العهد عام لا يتولاه إلا الإمام، والأمان خاص يجوز أن يتولاه غير الإمام.
والثاني: أن العهد يلزم فيه المماثلة، فنأمنهم إذا دخلنا إليهم كما نؤمنهم إذا دخلوا إلينا.
والأمان الخاص لا تلزم فيه المماثلة، فيجوز أن يؤمن آحادهم إذا دخلوا إلينا وإن لم يؤمنوا آحادنا إذا دخلنا إليهم.
وأما القسم الرابع: وهو عقد الذمة: فهو أن يقر أهل الكتاب على المقام في دار
الإسلام بجزيةً يؤدونها عن رقابهم في كل عام، وهو أوكد العقود الأربعة: لأنها موافقة لها من وجهين، ومخالفةً لها من وجهين، وزائدةً عليها من وجهين.
فأما الوجهان في الموافقة:
فأحدهما: الأمان.
والثاني: كفهم عن مطاولة الإسلام.
وأما الوجهان من المخالفة:
فأحدهما: اختصاص الذمة بأهل الكتاب، وعموم ما عداها في أهل الكتاب وغير أهل الكتاب.
والثاني: وجوب الجزية على أهل الذمة، وسقوطها عن غير أهل الذمة.
وأما الوجهان في الزيادة:
فأحدهما: أن عقد الذمة مؤبد، وما عداه مقدر، فإن قدرها بمدة فهي ناقصةً عن حكم الكمال، ويتقدر أقلها بسنة يستحق فيها الجزيةً، ولا يتقدر أكثرها بالشرع، وتتقدر بالشرط، وإن زادت على مدة الهدنة أضعافًا لأنها لما انعقدت على الأبد جاز أن تعقد مقدرةً بأكثر الأبد.
والثاني: أن عقد الذمة يوجب الذب عنهم من كل من أرادهم من مسلم وكافر، وما عداه يوجب ذب المسلمين عنهم دون غيرهم.
فإن عقدها لأهل الذمة على أن لا يذب أهل الحرب عنهم نظر.
فإن كانوا في بلاد الإسلام لم يجز، وإن كانوا في بلاد الحرب جاز؛ لأن التمكين منهم في بلاد الإسلام تسليط لأهل الحرب على المسلمين، ولو عقد العهد على أن يمنع أهل الحرب عنهم، فإن كانوا في بلاد الإسلام جاز، وإن كانوا في دار الحرب لم يجز إلا بشرطين:
أحدهما: أن يعلم الإمام من نفسه قوة على المنع.
والثاني: أن يعقدها على مال يبذلونه.
فإن عدم أحد الشرطين لم يجز.
فأما جريان أحكامنا عليهم جريان أحكام الإسلام على أهل الذمة، فقد قال الشافعي في تأويل قول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
إن الصغار أن يجري عليهم أحكام الإسلام، وله في المراد بهذه الأحكام قولان:
أحدهما: التحكم بالقوة والاستطالة.
والثاني: الأحكام الشرعية.
فعلى الأول لا تلزمهم أحكامنا.
وعلى الثاني تلزمهم أحكامنا، ولا تلزم من عداهم قولًا واحدًا، ولا يتولى عقد الذمة إلا الإمام، وإذا بذلوا الجزية وجب على الإمام أن يعقد لهم الذمة.
مسألة:
قال الشافعي: " ولا نعلم النبي - صلى الله عليه وسلم- صالح أحدًا على أقل من دينار، فمن أعطى منهم دينارًا غنيًا كان أو فقيرًا في كل سنة قبل منه ولم يزد عليه، ولم يقبل منه أقل من دينار من غني ولا فقير، فإن زادوا قبل منهم ".
قال في الحاوي: اختلف الفقهاء في أقل الجزية وأكثرها، فذهب الشافعي إلى أن أقلها مقدر بدينار لا يجوز الاقتصار على أقل منه من غني ولا فقير، وأكثرها غير مقدر، وهو موكل إلى اجتهاد الإمام.
فإن لم يجيبوا إلى الزيادةً على الدينار من غني ولا فقير وجب على الإمام إجابتهم إليه، وإن طبقوا أنفسهم بالغنى والتوسط، والذي عاقدهم عليه.
وقال أبو حنيفة: هي مقدرة الأقل والأكثر بحسب طبقاتهم، فيؤخذ من الغني ثمانيةً وأربعون درهما مصارفةً اثنا عشر بدينار، ومن المتوسط أربعة درهمًا مصارفة اثنا عشر بدينار، ومن المتوسط أربعة وعشرون درهمًا، ومن الفقير المعتمل اثنا عشر درهمًا.
وقال سفيان الثوري: لا يتقدر أقلها، ولا أكثرها، وهي موكولة إلى اجتهاد الإمام في أقلها وأكثرها، فإن رأى الاقتصار على أقل من دينار جاز، وإن رأى الزيادة على الأربعة فعل.
وقد حكي عن مالك كلا المذهبين من قول أبي حنيفة، وقول سفيان.
واستدل أبو حنيفة على تقدير أقلها وأكثرها بأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ضرب الجزيةً على أهل الذمة فيما فتحه من سواد العراق، على الفقير المعتمل اثنا عشر درهمًا، وعلى المتوسط أربعة وعشرون درهمًا، وعلى الغني ثمانيةً وأربعون درهمًا عن رأي شاور فيه الصحابة، فصار إجماعًا، ولأنه مال يتعين وجوبه بالحول، فوجب أن يختلف بزيادةً المال كالزكاةً، ولأن المأخوذ بالشرك صار جزيةً وخراجًا، فلما اختلف الخراج باختلاف المال وجب أن تختلف الجزية باختلاف المال.
واستدل الثوري بأن قال: الهدنة لما كانت موكولةً إلى اجتهاد الإمام، ولم يتقدر أقلها وأكثرها وجب أن تكون الجزية بمثابتها لا يتقدر أقلها وأكثرها.
ودليلنا ما رواه أبو وائل شقيق بن سلمة، عن مسروق، عن معاذ بن جبل أن النبي - صلى الله عليه وسلم- أمره حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ من كل حالم دينارًا، وعدله من المعافر، ومعلوم أنهم كانوا على اختلاف في الغنى والتوسط فسوى بينهم، ولم يفاضل.
وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- صالح أكيدر دومة على نصارى أيلةً، وهم ثلاثمائة رجل
على ثلاثمائة دينار، فجعلها معتبرة بعددهم، وليس يعتبرها بيسارهم وإعسارهم.
ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أخذ جزية نصراني بمكة يقال له أبو موهب دينارا، ولم يذكر يساره ولا إعساره، فدل على استواء الحالين.
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم- أمر بأخذ الجزية من أهل الكتاب - من كل حالم دينارًا، ولم يفضل فدل على التساوي.
ومن القياس أن كل من حقن دمه بالجزيةً جاز أن يتقدر بالدينار - كالمقل، ولأن كل ما جاز أن يتقدر به جزية المقل جاز أن يتقدر به جزية المكثر كالأربعة، ولأن حرمةً دمهما واحدةً، فوجب أن تكون جزيتهما واحدة.
فأما الجواب عما فعله عمر، فهذا أنه قدره عليهم عن مراضاة بينه وبينهم لا ينكر مثلها إذا فعلوه.
وقياسهم على الزكاة منتقض بزكاة الفطر التي لا تزيد زيادة المال، ثم المعنى في الزكاةً وجوبها في عين المال، فجاز أن تختلف بقلته وكثرته، والجزية في الذمة عن حقن الدم كالأجرة، فلم تختلف بزيادة المال وكثرته كالإجارة.
وأما الجواب عن جمعهم بين الجزية والخراج، فهو أن الخراج عند الشافعي أجرة عن أرض ذات منفعة، فجاز أن يختلف باختلاف المنافع، والجزية عوض عن حقن الدم والإقرار على الكفر، وذلك غير مختلف باختلاف المال، فلم يتفاضل بتفاضل المال.
وأما الجواب عن استدلال سفيان الثوري بالهدنةً، فهو أن الهدنةً لما جاز أن تكون موقوفةً على رأي الإمام في عقدها بمال وغير مال جاز عقدها على رأي الإمام في قدر المال، والجزيةً لا تقف على رأيه في عقدها بغير مال، فلم تقف على رأيه في تقدير المال.
مسألة:
قال الشافعي: " في كتاب السير ما يدل على أنه لا جزية على فقير حتى يستغني، قال المزني: والأول أصح عندي في أصله، وأولى عندي بقوله ".
قال في الحاوي: وأما المقل الذي يملك قدر الجزية ولا يملك ما سواها، فهي عليه واجبةً، لقدرته على أدائها، فأما الفقير الذي لا يملك قدر الجزية، فضربان:
أحدهما: أن يكون معتملًا يكسب بعمله في السنة قدر جزيته فاضلة عن نفقته، فالجزية عليه واجبة.
والثاني: أن يكون غير معتمل لا يقدر على الاكتساب إلا بالمسألة لقدر قوته من غير فضل، ففي وجوب الجزية عليه قولان:
أحدهما: وهو المنصوص عليه في كتاب الجزيةً، وعامةً كتبه أنها واجبةً عليه، ولا تعقد له الذمة إلا بها، وهو اختيار المزني.
والثاني: نص عليه في سير الواقدي: أنه لا جزية عليه، ويكون في عقد الذمة تبعا لأهل المسكنة، كالنساء والعبيد، وبه قال أبو حنيفة، احتجاجا بأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين طبق في الجزية أهل العراق ثلاث طبقات، جعل أدناها الفقير المعتمل، فدل على سقوطها عن غير المعتمل، ولأنه مال يجب في كل حول، فلم تجب على الفقير كالزكاةً، ولأن الجزية ضربان على الرءوس والأرضين، فلما سقطت عن الأرض إذا أعوز نفقتها، سقطت عن الرءوس إذا أعوز وجودها.
والدليل على وجوبها على الفقير: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 29].
إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ [التوبة: 29]
فلما كان قتالهم عامًا في الموسر والمعسر وجب أن يكون ما جعله غاية في الكف عن قتالهم من بذل الجزية عامًا في الموسر والمعسر: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال لمعاذ بن جبل - حين بعثه إلى اليمن: خذ من كل حالم دينارا، وقد علم أن فيهم فقيرا، ولم يميزهم، فدل على أخذها منهم.
فإن قيل: فالأمر بالأخذ في الكتاب والسنةً مشروط بالقدرةً، ويسقط فيما خرج من القدرةً.
قيل: هذا الأمر إنما توجه إلى الضمان دون الدفع: لأنه في ابتداء الحول، والدفع يكون بعد الحول، وقد يتوجه الضمان إلى المعسر ليدفعه إذا أيسر كسائر الحقوق.
ومن القياس أنه حر مكلف، فلم يجز إقراره على كفره في دار الإسلام بغير جزية كالموسر، وفيه احتراز من المرأةً: لأنها تدخل في اللفظ المذكر، ولأن كل من حل قتله بالأسر لم تسقط عنه الجزية بالفقر كالغني إذا افتقر، ولأنه أحد سببي ما يحقن به الدم، فوجب أن يقوى فيه الغني والفقير كالإسلام، ولأن الجزية في مقابلة أمرين:
أحدهما: حقن الدم.
والآخر: الإقرار في دارنا على الكفر.
وما حقن به الدم لم يسقط بالإعسار، كالدية.
وما استحق به المقام في مكان لم يسقط بالإعسار كالأجرة.
فأما الجواب عن فعل عمر - رضي الله عنه - فمن وجهين:
أحدهما: أن أخذها من الفقير المعتمل لا يوجب سقوطها عن غير المعتمل.
والثاني: أن المعتمل هو المكتسب بالعمل - وغير المعتمل قد يتكسب بالمسألة، وهي عمل فصار كالمعتمل.
والقياس على الزكاة فاسد من وجهين:
أحدهما: أن الزكاة تجب في المال، فاعتبرناه في الوجوب، والجزية تجب في الذمة، فلم يعتبر المال في الوجوب.
والثاني: أن الجزيةً تجب على الفقير المعتمل، ولا تجب عليه الزكاةً، فلم يجز اعتبارها بالزكاة.
وأما الجواب عن الجمع بين الجزية والخراج مع اختلاله من وجهين:
أحدهما: أن الخراج لا يسقط بالفقر، فكذلك الجزية.
والثاني: أنه لما لم يسقط ما في مقابلة الجزية من حقن الدم في حق الفقير لم تسقط الجزيةً، ولما سقط ما قي مقابلة الخراج من المنفعة سقط به الخراج.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين، فإن قلنا: إنه لا جزية على الفقير مطالبته بالجزية، كانت القدرة عليها شرطًا في الوجوب والأداء، فلا يخاطب بوجوبها مع الفقر، إذا أيسر بها استوقف حوله، وأخذت منه بانقضائه.
وإن قلنا: إن الجزية واجبة على الفقير، لم تكن القدرة شرطًا في وجوبها، فإذا حال الحول، وهو فقير وجبت عليه الجزيةً، وفيها وجهان دل كلام ابن أبي هريرة عليهما:
أحدهما: أنه ينظر بها إلى ميسرته مع إقراره في دار الإسلام كسائر الديون التي يجب الأنظار بها إلى وقت اليسار.
والثاني: لا يجوز أن ينظر بها لإعساره؛ لأن لها بدلًا في حقن دمه وهو قائم عليه، وهو الإسلام، فإذا امتنع منه لم يجز إنظاره.
وقيل: إن لم تسلم، ولم يتوصل إلى تحصيل الجزية بالطلب والمسألة، لم يجز أن تقر في دار الإسلام، وأبلغت مأمنك، ثم كنت حربًا، ألا ترى أن الكفارةً، لما كان الصوم فيها بدلًا لم تسقط بالإعسار؟ ولم يجب فيها أنظار إلى وقت اليسار؟ كذلك الجزية.
مسألة:
قال الشافعي: " وإن صالحوا على ضيافةً ضيافة ما ضفت ثلاثًا، قال: ويضيف الموسر كذا والوسط كذا، ويسمى ما يطعمونهم خبز كذا، ويعلفون دوابهم من التبن والشعير كذا، ويضيف من مر به من واحد إلى كذا وأين ينزلونهم من فضول منازلهم أو في كنائسهم، أو فيما يكن من حر وبرد ".
قال في الحاوي: يجوز أن يصالح أهل الذمة على عقد الجزية على ضيافة من يمر بهم من المسلمين، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- صالح أكيدر دومةً عن نصارى أيلة على ثلاثمائة دينار، وكانوا ثلاثمائة رجل، وأن يضيفوا ما مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام لا يغشوا
مسلماً.
وصالح عمر بن الخطاب رضي الله عنه نصارى الشام علي أن ضرب عليهم الجزية علي أهل الذهب أربعة دنانير، وعلي أهل الورق ثمانية وأربعون درهما وضيافة ثلاثة أيام، ولأنه مرفق يستزاد من المشركين ويستعين به سابلة المسلمين، وإذا كان كذلك فالكلام في عقد هذه الضيافة، مشتمل علي ثلاثة فصول.
أحدهما: حكمها فيمن يشترط عليه.
والثاني: حكمها فيمن تشرط له.
والثالث: حكم بيانها.
فأما الفصل الأول: فيمن يشترط عليه، فمعتبر بثلاثة شروط:
أحدهما أن يبذلوا طوعا لا يجبرون عليها، لأنها عقد مراضاة، فلم يصح إلا عن اختيار الجزية، فإن امتنعوا من الضيافة، ولم يجيبوا إلي غير الدينار قبل منهم، وأسقطت الضيافة عنهم كما تسقط عنهم الزيادة علي الدينار إذا امتنعوا منها فإن امتنع منها بعضهم، وأجاب إليها بعضهم سقطت عمن امتنع ولزمت من أجاب.
والثاني: أن يكون بهم قوة عليها لا يضعفون عنها إما لخصب بلادهم، وإما لكثرة أموالهم، فإن ضعفوا عنها لم يؤخذوا بها، واختص وجوبها بالأغنياء والمتوسطين دون المقلين، بخلاف الجزية، لأن الضيافة تتكرر في السنة، والجزية لا تتكرر.
والثالث: أن تشترط عليهم بعد جزية رؤوسهم وهو الدينار الذي هو أصل المأخوذ منهم، ليكون زيادة معونة ومرفق، فإن جعلت الضيافة في الجزية، ولم يؤخذ دينار الجزية، ففي جوازه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزى، وأبي علي بن أبي هريرة، وجمهور البغداديين أنه لا يجوز إلا بعد الدينار لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم صالح أهل أيلة عليهما، وكذلك عمر في صلح أهل الشام، ولأن الدينار معلوم يعم نفعه، فلم يجز أن يسقط بالضيافة التي يخص نفعها.
والثاني: وهو قول كثير من البصريين يجوز الاقتصار عليها، إذا لم يبذلوا الدينار معها، إذا كان مبلغها في السنة معلوما قدر الدينار فما زاد، لأن الضيافة جزية، فلم يلزم أن يجمع عليهم بين جزيتين، كما لم يلزم في نصارى بني تغلب حين ضاعف عمر عليهم الصدقة أن يأخذها مع دينار الجزية، لأن كل واحد منهما جزية، ولأنه لما جاز أن يصالحوا علي الدينار دون الضيافة جاز أن يصالحوا علي الضيافة دون الدينار فعلي الوجه
الأول: يجوز أن يشترط عليهم ضيافة من يمر بهم، وإن لم يعلم عددهم في جميع السنة، وإن لم يمر بهم أحد لم يؤخذ منهم ثمن الضيافة.
وعلي الوجه الثاني: لا يصح حتى يعلم عدد الأضياف في جميع السنة وإن لم يمر بهم أحد، أو يمر بهم بعض العدد حوسبوا، وأخذ منهم ثمن الضيافة من بقي، فيكون الفرق بين الوجهين من وجهين:
أحدهما: جوازه علي الوجه الأول، وإن لم يعلم عددهم في جميع السنة ولا يجوز علي الوجه الثاني حتى يعلم عددهم في جميع السنة.
والثاني: أن لا يؤخذ منهم علي الوجه الأول قيمة الضيافة إن تأخر الأضياف، وتؤخذ منهم علي الوجه الثاني قيمتها إن تأخروا.
وأما الفصل الثاني: وهو من يشترط له من الأضياف، فهم أهل الفئ من المجتازين بهم دون المقيمين بينهم، لأن الضيافة جزية، والجزية لأهل الفئ خاصة، فعلي هذا تكون مقصورة علي الجيش المجاهدين خاصة أو تكون لهم ولغيرهم من أهل الفئ علي قولين من مصرف مال الفئ هل يختص بالجيش أو يعم جميع أهل الفئ؟ فإن شرطت الضيافة لغير أهل الفئ من تجار المسلمين وجميع السابلة جاز علي الوجه الأول إذا قيل: إنها تشترط بعد الدينار، ولم تجز علي الوجه الثاني إذا قيل: إنه يجوز الاقتصار عليها وحدها، فإن أراد الضيف أن يأخذ منهم قدر ضيافته، ولا يأكل من عندهم نظر.
فإن طالبهم بثمن الضيافة لم يلزمهم دفعه، وإن طالبهم بطعام الضيافة لزمهم دفعه، وفارق ما أبيح من أكل طعام الولائم الذي لا يجوز أخذه لأن هذه معاوضة، والوليمة مكرمة، ولا يطالبهم بطعام الأيام الثلاثة في الأول منها، لأنه مؤجل فيها، فلا يطالبوا به قبل حلوله، ويطالب في كل يوم بقدر ضيافته، فإن لم يطالب بضيافة اليوم حتى مضي لم يجز أن يطالبهم به علي الوجه الأول إذا جعل تبعا للدينار وجاز أن يطالبهم به علي الوجه الثاني إذا جعل مقصودا كالدينار.
ولو تكاثر أهل الذمة علي ضيف تنازعوه كان الخيار إلي الضيف دون المضيف في نزوله علي من يشاء منهم بغير قرعة، ولو تكاثر الأضياف علي المضيف كان الخيار إلي المضيف دون الأضياف إلي أن يقصد عدد أهل الناحية عن إضافة جميعهم، فيقرع بينهم، ويضيف كل واحد منهم من قرع، والأولي أن يكون للأضياف عريف يكون هو المرتب لهم، لينقطع التنازع بينهم.
وأما الفصل الثالث: في بيان الضيافة، فيعتبر فيها ثلاثة شروط:
أحدهما: عدد الأضياف.
والثاني: أيام الضيافة.
والثالث: قدر الضيافة.
فأما الشرط الأول: في عدد الأضياف، فهو أن يشترط علي الموسر ما استقر عليه من خمسة إلي عشرة، وعلي المتوسط من ثلاثة إلي خمسة بحسب ما يقع عليه التراضي، ليضيف كل واحد منهم القدر المشروط عليه في يساره وتسوطه فإن سوى بين الموسر والمتوسط في عدد الأضياف جاز مع المراضاة كما يجوز أن يسوى بينهم في دينار الجزية، فإن شرط علي جميع الناحية عددا من الأضياف كأنه شرط علي الناحية ضيافة ألف رجل جاز، واجتمعوا علي تقسيط الألف بينهم علي ما ينفقون عليه من تفاضل أو تساو، فإن اختلفوا، وتنازعوا إلينا، قسطت بينهم التساوي دون التفاضل، فإن كانت لهم جزية رؤوس تفاضلوا فيها، ففي اعتبار الضيافة بها وجهان:
أحدهما: يتفاضلون في الضيافة بحسب تفاضلهم في جزية الرؤوس إذا جعلت الضيافة تبعا.
والثاني: يتساوون في الضيافة، وإن تفاضلوا في الجزية إذا جعلت الضيافة أصلا.
وأما الشرط الثاني: في أيام الضيافة: فالعرف والشرع فيها لكل ضيف ثلاثة أيام.
أما العرف المشهور في الناس تقديرها بالثلاث.
وأما الشرع: فلقول النبي صلي الله عليه وسلم "الضيافة ثلاثة أيام، وما زاد عليها مكرمة".
وروى "صدقة"، ولأن الضيافة مستحقة للمسافر ومقامه في سفره ثلاث، وما زاد عليها مغير لحكم السفر إلي الإقامة والضيافة لا يستحقها مقيم، فإن زاد في الشرط علي ثلاث أو نقص منها كان الشرط أحق من مطلق الشرع والعرف، ويذكر عدد أيام الضيافة في السنة أنها مائة يوم أو اقل، أو أكثر ليكون أنفي الجهالة، فإن لم يذكر عدد الضيافة، وأيامها في السنة، واقتصر علي ذكر ثلاثة أيام عند قدوم كل قوم كان علي الوجهين في الضيافة:
أحدهما: يجوز إذات جعلت تبعا.
والثاني: لا يجوز إذا جعلت أصلا.
وأما الشرط الثالث: فهو قدر الضيافة، فمعتبره من ثلاثة أوجه:
أحدهما: جنس الطعام، وذلك غالب أقوالهم من الخبز والأدم، فإن كانوا يقتاتون الحنطة، ويتأدمون باللحم، فإن عليهم أن يضيفوهم بخبز الحنطة، وأدم اللحم.
وإن كانوا يقتاتون الشعير، ويتأدمون بالألبان أضافوهم منه أو بما سوى ذلك مما هو غالب قوتهم وأدامهم، وإن كانت لهم ثمار وفواجه يأكلونها غالبا في كل يوم شرطها
عليهم في زمانها وليس للأضياف أن يكلفوهم ما ليس بغالب من أقواتهم، وأدامهم، ولا ذبح حملانهم ودجاجهم، ولا الفواكه النادرة والحلوى التي لا تؤكل في يوم غالبا ولا ما لم يتضمنه شرط صلحهم.
والثاني: مقدار الطعام والأدام، وللطعام في الشرع أصل أكثره "مدان" من حب في فدية الأذي وأقله "مد" في كفارة الأيمان لأنه ليس يحتاج أحد في الأغلب إلي أكثر من "مدين" ولا يقتنع في الأغلب بأقل من مد و"المد" رطل وثلث، ويكون خبزه رطلين، والمدان أربعة أرطال خبزًا.
فأما الإدام فلا أصل له في الشرع، فيكون مقداره معتبرا بالعرف الغالب يشرط لكل ضيف من الخبز كذا، فإن ذكر أقل من رطلين لم يقتنع، وإن ذكر أكثر من أربعة لم يحتج إليها، ولو شرط ثلاثة كان وسطا، ويذكر جنس الإدام، ومقداره للضيف في كل يوم، وإن كانت له دواب ذكر ما يعقله الواحد منها في كل يوم من التبن والقت والشعير بمقدار كاف، لا سر فيه ولا تقطير، فإن شرط علفها، وأطلقه علقت التبن والقت، ولا يلزمهم للأضياف أجرة حمام، ولا طبيب، ويشترط عليهم أن من انقطع مركوبه حملوه إلي أقرب بلاد الضيافة لهم، فإن لم يشترط عليهم لم يلزمهم.
والثالث: السكن لحاجتهم إليه في الحر والبرد، فيشترط عليهم أن يسكنوهم من فضول منازلهم، وكنائسهم وبيعهم، ليكونوا فيها من حر وبرد، وكذلك لدوابهم.
وقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلي الشام أن يؤخذ أهل الذمة بتوسيع أبواب كنائسهم وبيعهم، ليدخلها الراكب إذا نزلها، وليس للأضياف إخراجهم من مساكنهم إذا نزلوا عليهم، وإن ضاقت بهم ويثبت الإمام ما استقر من صلح هذه الضيافة في ديوان كل بلد من بلاد الضيافة، ليأخذهم عامل ذلك البلد بموجبه ثم يثبته في الديوان العام لثبوت الأموال كلها ليرفع إليه عند الحاجة إذا تنازع فيه المسلمون وأهل الذمة، وإن فقد الديوان، ولم يعرف فيه ما صولحوا عليه عمل ما يشهد به شاهدان من المسلمين، فإن لم يكن عندهم شهادة قبل فيه قول أهل الذمة إقرارا لا خبرا ولا شهادة، فإن عمل علي قولهم فيها ثم بان له زيادة رجع عليهم بها.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يؤخذ من امرأة ولا مجنون حتى يفيق ولا مملوك حتى يعتق ولا صبي حتى ينبت الشعر تحت ثيابه أو يحتلم أو يبلغ خمس عشرة سنة فيلزمه الجزية كأصحابه".
قال في الحاوي: ذكر الشافعي فيمن تسقط الجزية عنه أربعة أصناف النساء والمجانين والعبيد والصبيان.
فأما النساء، فلا جزية عليهم لخروجهن عن المقاتلة، وتحريم قتلهن عند السبي، والله تعالي يقول: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: 29] وهن غير مقاتلات.
وقد مر رسول الله صلي الله عليه وسلم في بعض غزواته بامرأة مقتولة، فقال "ما بال هذه تقتل وهي لا تقاتل" فذلك قلنا: إنه لا جزية عليها، سواء كانت ذات زوج يؤدي الجزية أو كانت خالية لا تتبع رجلا، وهكذا الخنثي المشكل لا جزية عليه، لجواز أن يكون امرأة، فلو بذلت امرأة من أهل الذمة الجزية عن نفسها، لم يلزم لخروجها من أهل الجزية، فإن دفعتها مختارة جاز قبولها منها، وتكون هدية لا جزية، فإن امتنعت من إقباضها لم تجبر علي دفعها، لأن الهدايا لا إجبار فيها وإذا نزل جيش المسلمين حصنا، فبذل نساؤه الجزية لم يخل حالهن من أمرين:
أحدهما: أن يكون معهن رجال، فلا يصح عقد الجزية معهن، سواء بذلن الجزية من أموالهن أو من أموال رجالهن، لأنهن إن بذلنها من أموالهن، فليس من أهل الجزية، فلا تلزمن،، إن بذلنها من أموال رجالهن لم يلزم الرجال بعقد غيرهم.
والثاني: أن ينفرد النساء في الحصن عن رجل مختلط بهن، ففي انعقاد الجزية معهن منفردات قولان حكاهما أبو حامد الإسفراييني وأشار إليهما أبو علي بن أبي هريرة توجيها:
أحدهما: أنه لا تنعقد بهما الذمة لهن لخروجهن من أهل الجزية، فلم تنعقد معهم الجزية، فعلي هذا يصمم أمير الجيش علي حصارهن حتى يسبين:
والثاني: تنعقد معهن الذمة بما بذلنه من الجزية ويحرم سبيهن لأنه لما كان إقرارهن بالجزية تبعا كان إقرارهن بما بذلنه منفردات أولي، فعلي هذا هل تلزمهن الجزية يبذلهن أم لا علي وجهين أشار إليهما ابن أبي هريرة:
أحدهما: يلزمهن أداؤها بعد إعلامهن عند عقدها أنهن من غير أهلها فإن امتنعن من بذلها بعد لزومها خرجن عن الذمة.
والثاني: أن لا يلزمهن أداؤها وتكون كالهدية تؤخذ منهن إذا أجبن إليها، ولا تؤخذ إذا امتنعن منها، وهل علي ذمتهن في حالتي الإجابة والمنع.
وإذا اجتمع الرجال والنساء، فبذل الرجال الجزية عن أنفسهم ونسائهم نظر.
فإن بذلوها من أموالهم جاز، ولزمهم ما بذلوه، وجري مجري زيادة بذلوها من
جزيتهم، ولا يؤخذ الرجال إلا بجزية أنفسهم دون نسائهم.
فصل:
وأما المجانين فلا جزية عليهم لارتفاع القلم عنهم، وأنهم في جملة الذراري ولا يقتل المجنون إذا سبي، هذا إذا كان جنونه مطبقا، فأما إذا جن في زمان، وأفاق في زمان، فقد قال أبو حنيفة: يراعي فيه أغلب حالتيه.
فإن كان المجنون أكثر، فلا جزية، وإن كان أقل، فعليه الجزية.
ومذهب الشافعي يلفق زمان الإفاقة قل أو كثر يستكمل حولا، فإن كان يجن يوما ويفيق يوما أخذت منه جزية سنة من سنتين وإن كان يجن يومين ويفيق يوما أخذت منه جزية سنة من ثلاث سنين، وإن كان يجن يوما، ويفيق يومين أخذت منه جزية سنة من سنة ونصف، ثم علي هذا القياس، لأنه لما اختلف حكم الإفاقة، وحكم الجنون كان تميزها أولي من تغليب أحدهما، لأن في التمييز جمعا بين الحكمين وفي تغليب الأكثر إسقاط أحدهما.
فصل:
وأما العبيد، فلا جزية عليهم، لما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "لا جزية علي العبيد".
وقال عمر: لا جزية علي مملوك.
ولأنهم تبع لساداتهم، ولأنهم لا يملكون، فكانوا أسوأ حالا من الفقراء، ولأنهم مماليك، فكانوا كسائر الأموال، وكذا لا جزية علي مدبر، ولا مكاتب، ولا أم ولد، لأنهم عبيد، ولا جزية علي من بعضه حر وبعضه مملوك، لأن أحكام الرق عليه أغلب.
وقيل: إنه يؤدي من الجزية بقدر ما فيه من الحرية، لأنه يملك بها، فإذا أعتق العبد علي كفره، وكان من أهل الكتاب اسؤنفت جزيته، وسواء أعتقه مسلم أو كافر.
وقال مالك: إن عتقه مسلم، فلا جزية عليه، لحرمة ولائة، وهذا خطأ، لأن حرمة النسب أغلظ، ولا تسقط الجزية بإسلام الأب، فكان أولي أن لا تسقط بإسلام المعتق، لكن إن كان المعتق مسلما استؤنفت جزيته عن مراضاة، وإن كان معتقه ذميا، ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يلزمه جزية معتقه، لأنها لزمته بعتقه.
والثاني: يلزمه جزية عصبته، لأنهم أخص بميراثه ونصرته.
والثالث: أنه لا يلزمه إلا ما استأنف الصلح عليه بمراضاته، ليفرده بها من غيره فإن امتنع منها بنذر إليه عهده، ثم صار حرا، وعلي الوجهين الأولين تؤخذ منه جبرا.
فصل:
وأما الصبيان، فلا جزية عليهم لارتفاع القلم عنهم، ولأن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال لمعاذ: "خذ من كل حالم دينارا" فدل علي سقوطها عن غير الحالم، ولأنهم من غير أهل القتال، ولأنهم يسترقون إذا سبوا، فصاروا أموالا، فإذا بلغوا وجبت عليهم الجزية.
والظاهر من مذهب الشافعي أنهم لا يلتزمون جزية آبائهم من غير استئناف عقد معهم، لأنهم خلف لسلفهم.
وقال أبو حامد الإسفراييني: لا تلزمهم جزية آبائهم، ويستأنف معهم عقدها عن مراضاتهم، إما بمثلها أو بأكثر أو أقل إذا لم ينقص عن الدينار، وهذا وهم فيه يفسد من وجهين: مذهب، وحجاج.
أما المذهب: فإن الشافعي قد جعل جزية الولد إذا اختلفت جزية أبوية أن جزيته جزية أبيه دون أمه.
وأما الحجاج: فمن وجهين:
أحدهما: أنهم لما كانوا تبعا لآبائهم في أمان الذمة كانوا تبعا لهم في قدر الجزية.
والثاني: أن عقد الذمة مؤبد، وهذا يجعله مؤقتا يلزم استئنافه مع بلوغ كل ولد، وفيه أعظم مشقه، وما فعله أحد من الأئمة.
فأما البلوغ: فيكون بالاحترام، وباستكمال خمس عشرة سنة، ويحكم ببلوغه بإنبات الشعر، لأن سعد بن معاذ حكم في بني قريظة أن من جرت عليه المواسي قتل، ومن لم تجر عليه استرق.
فقال النبي صلي الله عليه وسلم: "هذا حكم الله من فوق سبعة أرقعة".
وهل يكون ذلك بلوغا فيهم كالسن والاحتلام، أو يكون دليلا علي بلوغهم، فيه قولان مضيا.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا، وبلغ الصبي، وأعتق العبد، وأفاق المجنون نظر.
فإن كان ذلك في أول الحول: فقد ساووا أهل دينهم في حول جزيتهم، وإن كان ذلك في تضاعيف الحول مثل أن يكون قد مضي من الحول نصفه قيل لهم: لا يمكن أن يستأنف لكم حول غير حول أهل دينكم لأنه شاق، وأنتم بالخيار إذا حال حول الجماعة وقد مضي لكم من الحول نصفه بين أن تعطوا جزية نصف سنة ثم يستأنف لكم الحول مع
الجماعة، وبين أن تتعجلوا جزية سنة حتى تؤخذ منكم في السنة الثانية جزية نصف سنة، وبين أن تستنظروا بجزية نصف هذه السنة حتى تؤخذ منكم مع الجزية السنة الثانية إذا تمت جزية سنة ونصف فاق هذه الثلاثة سألوها أجيبوا إليها.
مسألة:
قال الشافعي: "ويؤخذ من الشيخ الفاني والزمن".
قال في الحاوي: وهذا مبني علي إباحة قتل من أسر منهم، وقد اختلف قول الشافعي في إباحة قتل الرهبان، وأصحاب الصوامع، والأعمى ومن لا نهضة فيه من الشيوخ والزمني الذين لا يقاتلون إما لتعبد كالرهبان أو لعجز كالشيخ الفاني، ففي جواز قتلهم قولان:
أحدهما: يجوز قتلهم، لأنهم من جنس مباح القتل، ولأنهم كان رأيهم، وتدبيرهم أضر علينا من قتال غيرهم، فعلي هذا لا يقرون في دار الإسلام إلا بجزية.
والثاني: أنه لا يجوز قتلهم، لأن القتل للكف عن القتال، وقد كفوا أنفسهم عنه، فلم يقتلوا، فعلي هذا يرون بغير جزية وهو مذهب أبي حنيفة فصار في إقرارهم بغير جزية قولان.
فصل:
فأما يهود خيبر، فالذي عليه الفقهاء أنهم ممن أخذ الجزية منهم كغيرهم، وقد تظاهروا في هذا الزمان بأمان رسول الله صلي الله عليه وسلم في كتاب نسبوه إليه وأسقطوا به الجزية عن نفوسهم، ولم ينقله أحد من رواه الأخبار، ولا من أصحاب المغازي، ولم أر لأحد من الفقهاء في إثباته قولا غير أبي علي بن أبي هريرة فإنه جعل مساقاة رسول الله صلي الله عليه وسلم في نخل خيبر حين افتتحها، وقوله لهم: "أقركم ما أقركم الله" أمانا، وجعلهم بالمساقاة حولا، وأن بهذين سقطت الجزية عنهم، وهذا قول تفرد به لا أعرف له موافقا عليه، وليس الأمان موجبا لسقوط الجزية، لأنها تجب الأمان، فلم تسقط به، ولا تسقط بالمعاملة كما لا تسقط بها جزية غيرهم، ولو جاز هذا فيهم لكان من أهل فدك أجوز، لأنه فتحها صلحا وفتح خيبر عنوة، وأحسب أبا علي بن أبي هريرة لما رأي الولاة، علي هذا أخرج لفعلهم وجهًا، وما لم يثبته الفقهاء لنقل أوجب التخصيص فحكم العموم فيه أمضي والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "ومن بلغ وأمه نصرانية وأبوه مجوسي أو أمه مجوسيه وأبوه نصراني فجزيته جزية أبيه لأن الأب هو الذي عليه الجزية لست أنظر إلي غير ذلك".
قال في الحاوي: وجملته أنه إذا اختلف حكم أبوي الكافر في حكم كفرهما المتعدي عنهما إلي ولدها، تعلق باختلافهما أربعة أحكام.
أحدهما: الجزية.
والثاني: النكاح والذبيحة.
والثالث: عقد الذمة.
والرابع: الدية.
فأما الحكم الأول: وهو الجزية، فهو أن يكون أبوه نصرانيا له جزية، وأمه يهودية لقومها جزية أخري، فجزية الولد جزية أبيه دون أمه سواء قلت جزية أبيه أو كثرت لأمرين:
أحدهما: أنه داخل في نسب أبيه دون أمه، فدخل في جزيته دونها.
والثاني: أن الجزية علي أبيه دون أمه، فدخل في جزية من تجب عليه الجزية دون من لا تجب عليه.
وأما الحكم الثاني: وهو استباحة النكاح والذبيحة، وهو أن يكون أحد أبويه يهوديا، والآخر مجوسيا، فينظر.
فإن كان أبوه مجوسيا وأمه نصرانية، لم تحل ذبيحة الولد ولم ينكح إن كان امرأة تغليبا لحكم الحظر واعتبارا بلحوق النسب.
وإن كان أبوه نصرانيا، وأمه مجوسية، ففيه قولان:
أحدهما: يعتبر بأبيه واستباحة نكاحه، وأكل ذبيحته، تعليلا بلحوق النسب به.
والثاني: يعتبر بأنه في خطر نكاحه، وتحريم ذبيحته، تعليلا لتغليب الحظر علي الإباحة.
وأما الحكم الثالث: وهو عقد الذمة، فهو أن يكون أحد أبويه كتابيا يقر بالجزية، وثنيا لا يقر بالجزية، فقد اختلف كلام أصحابنا فيه، لأن الشافعي عطف به علي استباحة النكاح والذبيحة عطفا مرسلا، فخرج عن اختلافهم فيه أربعة أوجه:
أحدهما: أن يكون في ذمته ودينه ملحقا بأبيه دون أمه اعتبارا بنسبه، فعلي هذا إن كان أبوه كتابيا، فهو كتابي يقر بالجزية، وإن كان وثنيا فهو وثني لا يقر بالجزية.
والثاني: أن يكون في دينه ملحقا بأمه دون أبيه اعتبارا بجزيته ورقه في لحوقه بأمه دون أبيه، ولحدوثه عن اختلاف الدين، فعلي هذا إن كانت أمه كتابيه، فهو كتابي يقر بالجزية، وإن كانت وثنية، فهو وثني لا يقر بالجزية.
الثالث: أن يلحق بأثبتهما دينا كما يلحق بالمسلم منهما دون الكافر، فعلي هذا إن كان أبوه كتابيا وأمه وثنية ألحق بأبيه، وجعل كتابيا يقر بالجزية، وإن كانت أمه كتابية، وأبوه وثنيا ألحق بأمه، وجعل كتابيا يقر بالجزية.
والرابع: أن يلحق بأغلظهما كفرا، لأن التخفيف رخصة مستثناة، فعلي هذا أيهما كان في دينه وثنيا، فهو وثني لا يقر بالجزية سواء كان الوثني منهما أبا أو أما، وهو ضد الوجه الثالث كما أن الوجه الثاني ضد الوجه الأول.
وأما الحكم الرابع، وهو الدية: إذا قتل، فهو أن يكون أحد أبويه نصرانيًا والآخر مجوسيًا، فهو ملحق في الدية بأكثر أبويه دية سواء كان أبًا وأمًا، نص عليه الشافعي في "الأم".
والفرق بين الدية والنسب من وجهين:
أحدهما: أن الدية لما اختلفت باختلاف الدين، ولم تختلف باختلاف النسب، وكان في الدين ملحقا بالمسلم منهما تغليظا كان في الدية ملحقا بأغلظهما دية.
والثاني: أن ما أوجب ضمان النفوس كان معتبرا بأغلظ الحكمين كالمحرم إذا قتل ما تولد من بين وحشي وأهلي أو مأكول، ومحظور لزمه الجزاء تغليظا.
مسألة:
قال الشافعي: "فأيهم أفلس أو مات فالإمام غريم يضرب مع غرمائه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا مات الذمي أو أفلس بعد الحول لم تسقط عنه الجزية بموته وفلسه، وأسقطها أبو حنيفة بموته احتجاجا بأن الجزية عقوبة تسقط عن الميت كالحدود، لأنه يخرج بالموت من أهل القتال، فوجب أن تسقط عنه الجزية كالنساء والصبيان.
ودليلنا: هو أنه مال استقر قبوله في ذمته، فلم يسقط بموته كالديون ولأن الجزية عوض عن حقن دمه، وإقراره في دار الإسلام علي كفره، فلم يسقط ما وجب منها بموته كالأجور.
فأما الجواب عن اعتبارهم بالحدود، فهو أن الحد متعلق بالبدن، فسقط بالموت كالقصاص والجزية متعلقة بالمال، فلم تسقط بالموت كالدية.
وأما الجواب عن
استدلالهم بخروجه من أهل القتال، فهو أنها تؤخذ على ما مضى في حياته، وقد كان فيه من أهل القتال.
فإذا تقرر أنها لا تسقط بالموت والفلس، كانت كالديون المستقرة تقدم على الوصايا، والورثة، ويساهم فيها الغرماء بالحصص، ويكون ما عجز المال عنها دينًا في ذمة المفلس، وثابتًا على الميت.
وهكذا لو زمن أو عمي أو جن لم يسقط عنه، وأسقطها أبو حنيفة عنه، ودليله ما قدمناه.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن أسلم وقد مضى بعض السنة أخذ منه بقدر ما مضى منها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وإذا أسلم الذمي بعد وجوب الجزية عليه لم تسقط بإسلامه.
وقال أبو حنيفة: تسقط عنه بإسلامه استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
والمسلم لا صغار عليه، وبقوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:38]، وقد انتهى بالإسلام، فوجب أن يغفر له ما سلف من الجزية.
وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الإسلام يجب ما قبله".
وبما روى محارب بن دثار عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا جزية على مسلم" وهذا نص.
ومن القياس: أنها عقوبة تتعلق بالكفر، فوجب أن تسقط بالإسلام كالقتال.
ولأن الجزية تأخذ منه صغارًا وذلة، والمسلم لا صغار عليه، فوجب سقوطها عنه.
ودليلنا: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الزعيم غارم" وقد ضمنها، فوجب أن يلزمه غرمها.
ومن القياس: أنه مال استقر ثبوته في ذمته، فوجب أن لا يسقط بإسلامه كالديون.
فإن قيل: يبطل بالزوجين الوثنيين إذا أسلم الزوج منهما قبل الدخول سقط عنه صداقها بإسلامه.
قيل: صداقها إنما بطل بوقوع الفرقة كما يبطل صادقها بالردة، لوقوع الفرقة ألا ترى من تكلم من في صلاته، فبطلت بكلامه حل له الكلام يبطلان الصلاة لا بالكلام؟
فإن قيل: إنما لم يسقط عنه الدين بإسلامه، لأنه يجوز أن يثبت ابتداؤه في إسلامه، وسقطت الجزية بإسلامه، لأنه لا يجوز أن يثبت ابتداؤها في إسلامه.
فالجواب عنه: أنه تبطل علة الأصل بالموت، لأنه يمنع من ابتداء الدين، ولا يمنع من استدامته، وتبطل علة الفرع بالاسترقاق، ويمنع الإسلام من ابتدائه، ولا يمنع من استدامته، ولأن الجزية والخراج مستحقان بالكفر، لما لم يسقط بالإسلام ما وجب من الخراج لم يسقط به ما وجب من الجزية.
وتحريره قياسًا: أنه مال مستحق بالكفر، فلم تسقط ما وجب منه بالإسلام كالخراج، وعبر عنه بعض أهل خراسان بأن ما وجب على الكافر بالالتزام لم يسقط بالإسلام كالخراج، ولأن الجزية معاوضة عن حقن الدم والمساكنة، فلم يسقط ما وجب منها بالإسلام كالأجرة.
وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:29].
فهو أن الصغار علة في الوجوب دون الأداء، ووجوبها يسقط بالإسلام، وأداؤها لا يسقط.
وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] فهو أن الغفران مختص بالآثام دون الحقوق.
وأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يجب ما قبله" فهو أنه يقطع وجوب ما قبله، ولا يرفع ما وجب منه.
وأما الجواب عن قوله: "لا جزية على مسلم" فهو أنه محمول على ابتداء الوجوب دون الاستيفاء.
وأما الجواب عن قياسهم على القتل، فهو أن الجزية معاوضة، وليست عقوبة، ثم هو منتقض بالاسترقاق لا يبطل بالإسلام، وإن وجب بالكفر، ثم المعنى في القتل أنه وجب بالإصرار على الكفر، وقد زال الإصرار بالإسلام، فلذلك سقط.
والجزية وجبت معاوضة عن المساكنة لم تنزل، فلم تسقط بالإسلام.
وأما الجواب عن قولهم: إنهم صغار، فهو أنه منتقض بالاسترقاق، وبالخراج، ويفسد بالحدود، وهي عقوبة وإزلال، ولا تسقط بالعقوبة بعد الوجوب على أن الصغار عليه، في الوجوب دون الاستيفاء وقد يمنع الإسلام من وجوب ما لا يمنع من استيفائه كذلك الجزية.
فصل:
فإذا ثبت أن الإسلام لا يسقط ما وجب من الجزية، لم يخل إسلامه من أن يكون
بعد انقضاء الحول أو من تضاعيفه.
فإن كان بعد انقضاء الحول واستقرار الوجوب استوفيت منه جبرًا وحبس بها إن امتنع.
وإن كان إسلامه في تضاعيف الحول سقطت عنه جزية ما بقي من الحول وهل تؤخذ منه جزية ما مضى قبل إسلامه أم لا؟ على قولين من اختلاف قول الشافعي في حول الجزية: هل هو مضروب للوجوب أولًا.
فأحد قوليه: أنه مضروب للوجوب، كالحول في الزكاة، فعلى هذا لا جزية عليه فيما مضى منه قبل إسلامه.
والثاني: أنه مضروب للأداء كالحول في عقل الدية، فعلى هذا تجب عليه جزية ما مضى قبل إسلامه.
وخالف أبو حنيفة القولين معًا، وقال: الجزية تجب بأول الحول، وتؤخذ في أوله، وليس الحول فيها مضروبًا للوجوب، ولا للأداء، وإنما هو مضروب لانقضاء مدتها، احتجاجًا بقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة:29] إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:29].
فأمر بالكف عن قتالهم بإعطاء الجزية، فدل على استحقاقها بالكف عنهم دون الحول.
والدليل على أنها لا يتعلق بأول الحول وجوبها، ولا أداؤها، ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى أهل اليمن أن تؤخذ جزية أهل الكتاب من كل حالم، دينارًا في كل سنة، فاقتضى أن يكون وجوبها وأداؤها بعد انقضاء السنة، ولأنه مال يتكرر وجوبه في كل حول، فوجب أن لا يلزم أداؤه قبل انقضاء حوله كالزكاة والدية العاقلة.
فأما الجواب عن الدية، فهو أن المراد بإعطاء الجزية ضمانها دون دفعها، لأجماعنا على أنه إذا ضمنوا الجزية حرم قتلهم قبل دفعها.
فصل:
وإذا تعذر أخذ الجزية من الذمي حتى مضت عليه سنوات لم تتداخل، وأخذت منه جزية ما مضى من السنين كلها.
وقال أبو حنيفة: تتداخل، ولا يؤخذ منه إلا جزية سنة واحدة، استدلالًا بأن الجزية عقوبة، فوجب أن لا تتداخل كالحدود.
ودليلنا: هو أنها مال يتكرر وجوبه في كل حول، فوجب أن لا يتداخل كالزكاة والدية على العاقلة، ولأن الجزية معاوضة عن حقن الدم والمساكنة، فوجب أن لا تتداخل كالأجرة.
وأما الجواب عن قياسه على الحدود مع انتقاضه بمن أفطر بجماع في شهر
رمضان، ثم أفطر فيه في يوم ثان، لم تتداخل الكفارتان وإن كانتا من جنس واحد، فهو أن المعنى في الحدود أن لا مال فيها، فجاز أن تتداخل كالقطع في السرقة، والجزية مال، فلم تتداخل كالمال فيها، فإذا ثبت هذا، وغاب الذمي سنين، ثم عاد مسلمًا، وادعى تقدم إسلامه، وسقوط جزيته في جميع مدته، قال الشافعي: قبل قوله في سقوطها عنها، وأحلف إن اتهم.
قال الربيع: وفيها قول آخر: أنه لا يقبل منه إلا ببينة، لأنها على أصل الوجوب، فلم تسقط بمجرد الدعوى.
والأشبه أنه قال مذهبًا لنفسه، وليس يصح، لأنه خلف في أصل الوجوب، والأصل براءة الذمة، والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قال الشافعي: " ويشترط عليهم أن من ذكر كتاب الله تعالى أو محمدًا صلى الله عليه وسلم أو دينِ الله بما لا ينبغي أو زنى بمسلمةٍ أو أصابها باسم نكاح أو فتن مسلمًا عن دينه أو قطع عليه الطريق أو أعان أهل الحرب بدلالةٍ على المسلمين أو آوى عينًا لهم فقد نقض عهده وأحل دمه وبرئت منه ذمة الله تعالى وذمة رسوله عليه الصلاة والسلام، ويشترط عليهم أن لا يسمعوا المسلمين شركهم وقولهم في غريرٍ والمسيح ولا يسمعونهم ضرب ناقوسٍ وإن فعلوا عزروا ولا يبلغ بهم الحد".
قال في الحاوي: وجملته أن المقصود بعقد الجزية تقوية الإسلام، وإعزازه وإضعاف الكفر وإذلاله ليكون الإسلام أعلى والكفر أخفض، كما قال النبي صلى الله عليه سلم: "الإسلام يعلو ولا يعلى"، فكل ما دعا إلى هذا كان الإمام مأمور باشتراطه عليهم، وما يؤخذون به من ذلك في عقد جزيتهم ينقسم خمسة أقسام:
أحدها: ما وجب بالعقد دون الشرط.
والثاني: ما وجب بالشرط، واختلف في وجوبه بالعقد.
والثالث: ما لم يجب بالعقد، ووجب الشرط.
والرابع: ما لم يجب بالعقد، واختلف في وجوبه بالشرط.
والخامس: ما لم يجب بعقد ولا شرط.
فأما القسم الأول: وهو ما وجب بالعقد، وكان الشرط فيه مؤكدًا لا موجبًا فثلاثة أشياء:
أحدها: التزام الجزية، لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾
[التوبة:29].
أي يضمنوها.
والثاني: التزام أحكامها بالإسلام فيما أجابوه من المسلمين لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:29] والصغار: أن تجري أحكام الإسلام عليهم.
والثالث: أن لا يجتمعوا على قتال المسلمين، ليكونوا آمنين منهم كما أمنوهم نقضًا لعهدهم، فلو قاتل المسلمين بعضهم، وقعد عنهم بعضهم انتقض عقد المقاتل، ونظر في القاعد، فإن ظهر منه الرضا كان نقضًا لعهده، وإن لم يظهر منه الرضا كان على عهده، ولو امتنعوا جميعًا من بذل الجزية كان نقضًا لعهدهم سواء امتنعوا جميعًا من التزامها أو من أدائها وإن امتنع واحد منهم من بذلها نظر، فإن امتنع من التزامها كان نقضًا لعهده كالجماعة، وإن امتنع من أدائها مع بقائه على التزامها لم يكن نقضًا لعهده، وأخذت منه بخلاف الجماعة، لأن إجبار الجماعة عليها متعذر، وإجبار الواحد عليها ممكن.
وقال أبو حنيفة: لا ينتقض عهدهم إذا امتنعوا من أدائها، وينتقض إذا امتنعوا من بذلها كالآحاد، وفيما ذكرنا من الفرق.
وأما القسم الثاني: وهو ما وجب بالشرط، واختلف في وجوبه بالعقد وهو ما منعوا منه لتحريمه، وذلك ستة أشياء:
أحدها: أن لا يذكروا كتاب الله بطعن عليه ولا تحريف له.
والثاني: أن لا يذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتكذيب له، ولا إزراء عليه.
الثالث: أن لا يذكروا دين الله بذم له، ولا قدح فيه.
والرابع: أن لا يفتنوا مسلمًا عن دينه، ولا يتعرضوا لدمه أو ماله.
والخامس: أن لا يصيبوا مسلمة بزنا، ولا باسم نكاح.
والسادس: أن لا يعينوا أهل الحرب، ولا يؤوا عينًا لهم، ولا ينقلوا أخبار المسلمين إليهم.
فهذه الستة تجب بالشرط، وفي وجوبها بالعقد قولان:
أحدهما: تجب بالعقد، ويكون الشرط تأكيدًا، تعليلًا بدخول الضرر بها على المسلمين، فعلى هذا إن خالفوها انتقض عهدهم.
والثاني: إنها لا تجب بالعقد، تعليلًا بدخولهم تحت القدرة، وخروجها عن لوازم الجزية، لكنها تلزم بالشرط، لتحريمها، وظهور الضرر بها، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون على شروطهم"، فعلى هذا إن خالفوها بعد اشتراطها، ففي انتقاض عهدهم بها قولان:
أحدهما: ينقض بها عهدهم للزومها بالشرط.
والثاني: لا ينتقض بها عهد، لخروجها عن لوازم العقد.
أما القسم الثالث: وهو ما لا يجب بالعقد، ويجب بالشرط، وهو ما منعوا منه، لأنه منكر، فذلك ستة أشياء:
أحدها: أن لا يعلو على المسلمين في الأبنية، ويكونوا إن لم ينخفضوا عنهم مساوين لهم.
والثاني: أن لا يحدثوا في بلاد الإسلام بيعة، ولا كنيسة، وإن أقروا على ما تقدم من بيعهم وكنائسهم.
والثالث: أن لا يجاهروا المسلمين بإظهار صلبانهم.
والرابع: أن لا يتظاهروا بشرب خمورهم، وخنازيرهم، ولا يسقوا مسلمًا خمرًا ولا يطعمونهم خنزيرًا.
والخامس: أن لا يتظاهروا بما قدره الشرع من قولهم: عزيز ابن الله، والمسيح.
والسادس: أن لا يظهروا بتلاوة ما نسخ من كتبهم، ولا يظهروا فعل ما نسخ من صلواتهم وأصوات نواقيسهم.
فهذه ستة تجب عليهم بالشرط، لأنها مناكير لزم المنع مناه بالشرع، فإن خالفوها، ففي بطلان عهدهم بها قولان على ما مضى.
وأما القسم الرابع: وهو ما لم يجب بالعقد، واختلف في وجوبه بالشرط، وهو ما منعوا منه، لتطاولهم به، وذلك ستة أشياء:
أحدها: أن يمنعوا من ركوب الخيل عتاقًا، وهجانًا، ولا يمنعوا من ركوب البغال والحمير.
والثاني: تغيير هيئاتهم، بلبس الغبار وشد الزنار، ليتميزوا من المسلمين باختلاف الهيئة، ولواحدة نسائهم إذا برزت بأن يكون أحد الخفين أحمر، والآخر أسود ليتميز به نساؤهم.
وأن يكون على أبوابهم أثر يتميز بها دورهم، فقد أخذ عمر رضي الله عنه، بعض أهل الذمة بذلك، فكان أولى.
والثالث: أن يخفوا دفن موتاهم، ولا يظهروا إخراج جنائزهم.
والرابع: أن لا يظهرا على موتاهم لطمًا، ولا ندبًا، ولا نوحًا.
والخامس: أن لا يدخلوا مساجدنا صيانة لها منهم.
والسادس: أن لا يتملكوا من رقيق المسلمين عبدًا، ولا أمة، لئلا يذلوهم بالاسترقاق، ويحملوهم على الارتداد.
فهذه الستة إن لم تشترط عليهم لم تلزمهم، وفي لزومها إذا شرطت عليهم وجهان:
أحدهما: لا تلزم لخروجها على محرم ومنكر، فعلى هذا إن خالفوها بعد
اشتراطها، عزروا عليها، ولم ينتقض بها عهدهم.
والثاني: أنها تلزم بالشرط، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" فعلى هذا إذا خالفوها بعد الشرط، فعلى انتقاض عهدهم بها قولان على ما مضى.
فأما القسم الخامس: وهو ما لا يجب بعقد، ولا شرط، وهو ما زاد على إذلالهم.
وذلك ستة أشياء:
أحدها: أن لا يعلو أصواتهم على المسلمين.
والثاني: أن لا يتقدوا عليهم في المجالس.
والثالث: لا يضايقوهم في الطريق، ولا يمشوا فيها إلا أفرادًا متفرقين.
والرابع: أن يبدؤهم بالسلام، ولا يساووهم في الرد، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اضطروهم إلى أضيق الطرق، ولا تبدءوهم بالسلام".
والخامس: إذا استعان بهم مسلم فيما لا يستضروا به أعانوه.
والسادس: أن لا يستبدلوا المسلمين من مهن الأعمال بأجر ولا تبرع.
فهذه الستة تشترط عليهم إذلالًا لهم، فإن خالفوها لم ينتقض بها عهدهم، وجبروا عليها، إن امتنعوا منها، فإن أقاموا على الامتناع عزروا.
فصل:
فإذا تقرر ما ينتقض به العهد، ولا ينتقض، فإن لم ينتقض به عهدهم أخذوا بما وجب عليهم من الحقوق، وأقيم من قتل، ولزمه من حدّ، وقوموا به من تأديب وإن انتقض عهدهم، نظر حالهم بعد نقضهم، فإن قاتلوا بطل أمانهم، وكانوا حربًا يقتلون، ويسترقون، وإن لم يقاتلونا ففي بطلان أمانهم بانتقاض عهدهم قولان:
أحدهما: نص عليه في كتاب الجزية أن أمانهم لا يبطل بنقض العهد، لأنه مستحق في عقد، فالتزمنا حكمه، وإن لم يلتزموه.
ولا يجوز بعد نقض العهد أن يقروا في دار الإسلام لزم أن يبلغوا مأمنهم، ثم يكونوا بعد بلوغ مأمنهم حربًا.
والثاني: نص عليه في كتاب النكاح من الأم أن أمانهم قد بطل، لأنه مستحق بالعهد، فبطل بانتقاضه ما استحق به كسائر العقود، فعلى هذا قد صاروا ببطلان الأمان حربًا، يجري عليهم حكم الأسرى إما الاسترقاق أو المنّ، أو الفداء، فلو أسلموا قبلها سقطت عنهم، ولم يجز أن يسترقوا، ويفادوا إسلامهم، وإن جاز استرقاق الأسير المحارب بعد إسلامه، لأن لهؤلاء أمانًا متقدمًا لم يكن للأسير، فصار حكمهم به أضعف وأخف من الأسير.
وأما أمان ذراريهم من النساء والصبيان، ففي بطلان أمانهم وجهان:
أحدهما: يبطلن لأنهم تبع في لزومه، فكانوا تبعًا في بطلانه، فيصيروا سببًا.
والثاني: وهو أظهر - أن أمانهم لا يبطل لاستقراره فيهم، فلم يبطل ببطلانه في غيرهم، فلا يجوز أن يسبوا، ويجوز إقرارهم في دار الإسلام، فإن سألوا الرجوع لدار الحرب أعيد الصبيان، لأن لا حكم لاختيار من لم يبلغ، وأقام الصبيان حتى يبلغوا، ثم يخاطبوا بالجزية، فإن التزموها استؤنف عهدهم عليها، وإن امتنعوا منها بلغوا مأمنهم، ثم كانوا حربًا، فإن لم يبلغ الصغار مطلبهم أهلوهم من دار الحرب نظر.
فإن كان طالبهم هو المستحق لحضانتهم أجيب إلى ردهم عليه، وإن كان غير المستحق لحضانتهم منع منهم.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يحدثوا في أمصار الإسلام كنيسة ولا مجمعًا لصلاتهم ولا يُظهروا فيها حمل خمرٍ ولا إدخال خنزيرٍ".
قال في الحاوي: وهذا قد دخل في جملة القسم الثالث من منكراتهم، فيمنعوا من إحداث البيع والكنائس في أمصار المسلمين، لما روي مسروق عن عبد الرحمن بن غنم قال: لما صالح عمر بن الخطاب نصارى الشام كتب لهم كتابًا، فذكر فيه أنهم لا يبنون في بلادهم، ولا فيما حولها ديرًا ولا كنيسة،, ولا صومعة راهب وأن لا يمنعوا المارة من المسلمين وأبناء السبيل، وأن لا يجدوا ما خرب منها - ذكره أبو الوليد في المخرج على كتاب المزني، ولأن إحداثها معصية، لاجتماعهم فيها على إظهار الكفر، ولذلك أبطلنا الوقوف على البيع والكنائس، وعلى كتب التوراة والإنجيل، ولأنهم يقتطعون ما بنوه من غير إظهار الإسلام فيها، ويجب أن يكون الإسلام في دار الإسلام ظاهرًا، فلهذه الأمور الثلاثة منعوا.
فإذا تقرر أن حكم بلاد الإسلام موضوعة على هذا لم يخل حالهم من ثلاثة أقسام:
أحدها: ما أحياه المسلمون.
والثاني: ما فتحوه عنوة.
والثالث: ما فتحوه صلحًا.
فأما القسم الأول: وهو ما ابتدأ المسلمون إنشاءه في بلاد الإسلام من موات لم يجر عليه ملك كالبصرة والكوفة، فلا يجوز أن يصالح لأهل الذمة في نزولها على إحداث بيعة ولا كنيسة فيها، لأنه لا يجوز أن يصالحوا على ما يمنع من الشرع، ويكون خارجًا
من جملة صلحهم، وإن تمسكوا فيه بعقد الصلح قيل لهم: إن رضيتم بإبطال هذا منه، وإلا نقضنا عهدكم، وبلغناكم مأمنكم، ولا يبطل آمانهم نقضًا بعهدهم لأنن نحن نقضناه بما منع الشرع منه.
فإن قيل: فقد نرى في هذه الأمصار بيعًا وكنائس كالبصرة والكوفة وبغداد، وهو مصر إسلامي بناه المنصور.
قلنا: إن عملنا أنها أحدثت وجب هدمها، وإن علمنا أنها كانت قديمة في المصر قبل إنشائه لأن النصارى قد كانوا يبنون صوامع وديارات، وبيعًا في الصحاري ينقطعون إليها، فتقر عليهم، ولا تهدم، وإن أشكل أمرها، أقرت استصحابًا، لظاهر حالها.
وأما القسم الثاني: وهو ما فتحه المسلمون عنوة من بلاد الشرك، فلا يجوزن أن يصالحوا على استئناف بيع وكنائس فيها، فأما ما تقدم من بيعهم وكنائسهم، فما كان منها خرابًا عند فتحها لم يجز أن يعمروه، لدروسها قبل الفتح، فصارت كالموات.
فأما العامر من البيع والكنائس عند فتحها، ففي جواز إقرارها عليهم إذا صولحوا وجهان:
أحدهما: يجوز إقرارها عليهم لخروجها عن أملاكهم المغنومة، وهو الصحيح، ولذلك أقرت البيع والكنائس في بلاد العنوة.
والثاني: يملكها المسلمون عليهم، ويزول عنها حكم البيع والكنائس وتصير ملكًا لهم مغنومًا لا حق فيها لأهل الذمة، لأنه ليس لما ابتنوه منها حرمة، فدخلت في عموم المغانم، فعلى هذا إن يبعث عليهم، لتكون على حالها بيعًا وكنائس لهم، ففي جواز وجهان:
أحدهما: يجوز استصحابًا لحالها.
والثاني: لا تجوز لزوالها عنهم بملك المسلمين لها، فصارت كالبناء المبتدأ.
وأما القسم الثالث: وهو ما فتحه المسلمون صلحًا، فضربان:
أحدهما: أن نصالحهم على أن يكون ملك الدار لنا دونهم، ويسكنون معنا فيها بالجزية فينظر في بيعهم وكنائسهم، فإن استثنوها في صلحهم أقرت عليهم، لأن الصلح يجوز أن يقع عامًا في جميع أرضهم، وخاصًا في بعضهم، فيقروا عليهم بالصلح، يمنعوا من استحداث غيرها، وإن لم يستثنوها في صلح صارت كأرض العنوة هل يملك المسلمون بيعهم وكنائسهم إذا فتحوها؟ على ما تقدم من الوجهين.
ويكون حكم هذا البلد في منع أهل الذمة في الأقسام الخمسة على ما قدمنا من أحكامنا.
والثاني: أن يصالحهم على أن يكون ملك الدار له دوننا على جزية يؤدونها إلينا،
عن رؤوسهم أو عن أرضهم أو عنهما جميعًا فيجوز أن يقروا على بيعهم وكنائسهم، ويجوز أن يستأنفوا فيها إحداث بيع وكنائس، إنه لم يجز عليها للمسلمين ملك.
فأما الأقسام الخمسة التي يؤخذ أهل الذمة في بلاد الإسلام، فيؤخذ هؤلاء في بلدهم بقسمين منها، وهو الأول والثاني، لأن الأول هو المقصود بعقد الجزية وهي الأحكام الثلاثة، لأنهم قد صاروا بهذا الصلح من أهل الجزية.
وبالقسم الثاني: وهي الشروط الستة، لأنها محرمات منع الشرع منها.
فأما الأقسام الثلاثة الباقية من منكراتهم واستغلائهم، فلا يؤخذوا بها، ولا يمنعوا منها، لأنها دارهم، وهي دار منكر في معتقد وفعل، فكان أقل أحوالهم فيها أن يكونوا مقرين على ما يقرون عليه في بيعهم وكنائسهم في بلاد الإسلام.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من حكم البيع والكنائس التي لا يجوز أن تستحدث، فهي ما كانت مجمعًا لصلواتهم، وما اختص بعباداتهم، وتلاوة كتبهم، ودراسة كفرهم، فهي المخصوصة بالخطر والمنع، فأما بناء ما سواها فضربان:
أحدهما: أن تكون أملاكًا خاصة، يسكنها أربابها، فلا يمنعوا بنائها، ولا أن يبيعها المسلمون عليهم، ويشترونها منهم، لأنها منازل سكني، وليست بيوت صلاة.
والثاني: أن يبنوا ما يسكنه بنو السبيل منهم لكل مار ومجتاز، ولا يختص أحد منهم بملكه، فينظر.
فإن شاركهم المسلمون في سكناه، فجعلوه لكل مار من مسلم وذمي جاز، ولم يمنعوا من بقائه، وإن جعلوه مقصورًا على أهل دينهم دون المسلمين، ففي جواز تمليكهم من بنائه وجهان:
أحدهما: يجوز، لأنه منزل سكن، فصار كالمنزل الخاص.
والثاني: لا يجوز أن يمكنوا منه كالبيع والكنائس، لأنه صد صار مقصورًا عليهم عمومًا، ليتعبد فيه سابلتهم، فلم يكن بينه وبين البيع والكنائس فرق، وقد يؤول بهم إلى أن يصير بيعة أو كنيسة لهم.
فصل:
فأما ما استهدم من بيعهم وكنائسهم التي يجوز إقرارهم عليها مع عمارتها، ففي جواز إعادتهم لبنائها وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري: يمنعون من إعادة بنائها، ويكون إقرارهم عليها ما كانت باقية على عمارتها، لأن عمر رضي الله عنه شرط على نصارى
الشام أن لا يجددوا ما خرب منها.
والثاني: يجوز لهم إعادة بنائها استصحابا لحكمها، وأن الأبنية لا تبقي علي الأبد، فلو منعوا من بنائها بطلت عليهم.
والصحيح عندي من إطلاق هذين الوجهين أن ينظر في خرابها، فإن صارت دراسة متسطرفة كالموات منعوا من بنائها، لأنه استئناف إنشاء، وإن كانت شعثة باقية الآثار والجدران جاز لهم بناؤهم، ولو هدموها لاستئنافها لم يمنعوا، لأن عمارة المستهدم استصلاح وإنشاء الدارس استئناف.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يحدثون بناء يتطولون به بناء المسلمين"
قال الحاوي: اعلم أنه لا تخلو مساكنهم في بلاد الإسلام من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يستأنفوا بناءها.
والثاني: أن يستديموا سكناها.
والثالث: أن يعيدوا بناءها.
فأما القسم الأول: وهو أن يستأنفوا بناءها بعد العهد، فلا يخلو مجاورهم في موضعهم من مصر في ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يكونوا مسلمين.
والثاني: أن يكونوا من أهل دينهم.
والثالث: أن يكونوا أهل ذمة من غير دينهم.
فإن كان مجاورهم مسلمين، لم يكن لهم أن يعلوا بأبنيتهم علي أبنية المسلمين، فيطولوا علي أبنيتهم لقول النبي صلي الله عليه وسلم "الإسلام يعلو ولا يعلي" فإن علوا بأبنيتهم هدمت عليهم، وهل يمكنون من مساواتهم في الأبنية أم لا؟ علي وجهين:
أحدهما: يمكنون من المساواة، لأنه قد أمن الاستعلاء والاستشراف.
والثاني: يمنعون من المساواة حتى تنقص أبنيتهم عن أبنية المسلمين كما يمنعون من المساواة في اللباس والركوب، لقوله صلي الله عليه وسلم "الإسلام لا يعلو ولا يعلي".
وهل يراعي المنع من الاستعلاء في موضعهم من المصر أو في جميعه علي وجهين:
أحدهما: في موضعهم الذي هم فيه جيرة، لأن ما بعد عنهم، فقد أمن إشرافهم عليه.