مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيً: "وَلَوْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ ثُمَّ أسْلَمَ فِي العدَّةِ أَوْ لَمْ يُسْلِمْ حَتَّى انْقَضَتْ فَلَهَا نَفَقَةُ العِدَّةِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا لَأَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ عَلَيْهِ مَتَى شَاءَ أَنْ يُسْلِمَ كَانَا عَلَى النٌكَاح"
قال في الحاوي: وصورتها في زوجين مشركين أسلمت الزوجة منهما بعد الدخول فلها النفقة في زمان عدتها أسلم الزوج أو تأخر المعنيين:
أحدهما: أن الإسلام فرض تضييق الوقت فلم يسقط به نفقتها وإن منع من الاستمتاع كالصلاة والصيام المفروضين.
والثاني: أن إسلامها المانع من الاستمتاع بها يقدر الزوج على تلافيه بإسلامه في عدتها فلم تسقط به نفقتها كالطلاق الرجعي وحكى أبو علي بن خيران قولًا آخر أنه لا نفقة لها لأنها منعته نفسها بسبب من جهتها فاقتضى أن تسقط بها نفقتها وإن كانت فيه طائعة كالحج وهذا القول إن حكاه نقلًا فهو ضعيف وإن كان تحريجًا فهو خطأ من وجهين:
أحدهما: أن الحج موسم الوقت لأنه على التراخي والإسلام مضيق الوقت لأنه على الفور فصارت بالإسلام فاعلة ما لا يجوز تأخيره وبالحج فاعلة ما يجوز تأخيره.
والثاني: أن تحريمها بالحج لا يمكن تلافيه وتحريمها بالإسلام يمكنه تلافيه.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيً: "وَلَوْ كَانَ هُوَ المُسْلِمُ لَمْ يَكُنْ لَهَا نَفَقَةٌ فِي أَيَّامِ كُفْرِهَا لأنَّها المَانِعَةُ لِنَفْسِهَا مِنْهُ".
قال في الحاوي: وصورتها أن يسلم الزوج قبلها فإن تأخر إسلامها حتى انقضت عدتها فلا نفقة لها لأنها بالتأخير عن الإسلام كالمرتدة والناشز فإن قيل: فالمنع من جهته لا من جهتها فلا كانت لها النفقة كما لو رجع.
قيل: قد كان أبو علي بن خيران أن يلتزم لهذا التعليل قولُا آخر إن لها النفقة إما نقلًا وإما تخريجًا وليس بصحيح لأن الإسلام فرض مضيق الوقت بخلاف الحج ثم هو منع لا يقدر على تلافيه فلم يمنع كونه من جهته أن يسقط به النفقه كالطلاق الثلاث ولو أسلمت الزوجة قبل انقضاء عدتها وجبت نفقتها بعد إسلامها لاستقرار الزوجية وعود الإباحة وهل لها نفقة المدة الباقية في شركها أم لا؟ على قولين:
أحدهما: وقو قوله في القديم: لها نفقة لأنها كانت زوجة فيما لم يزل وبناء على قوله القديم أن النفقة يجب بالعقد وتستحق بالتمكين.
والثاني: وهو قوله في الجديد: لا نفقة لها لأن مدة التأخير كالنشوز وإن كانت
زوجة بناء على قوله الجديد أن النفقة تجب العقد والتمكين منه.
مسألة:
قَالَ الشًافِعِيُّ: "وَلَوْ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وهو اختلاف في وجوب النفقة ولا إطلاقه تفصيل وهو على ضربين:
أحدهما: أن يختلفا بعد وقوع الفرقة في أيهما تقدم بالإسلام فيقول الزوج: أسلمت قبلك وأسلمت بعدي وقد انقضت عدتك فلا نفقة لك وتقول الزوجة: بل أسلمت أنا قبلك وأسلمت بعدي وقد انقضت عدتي فلي النفقة فالقول قول الزوج مع يمينه ولا نفقة لها لأمرين:
أحدهما: أنها مدعية وهو منكر.
والثاني: أن العقد ارتفع باختلاف الدينين فاقتضى الظاهر سقوط النفقة بارتفاعه.
والضرب الثاني: أن يختلفا مع بقاء النكاح واجتماعهما في الإسلام فيه قبل انقضاء العدة ففي المراد باختلافهما في هذا الموضع ثلاث تأويلات:
أحدها: أن تقول الزوجة: أسلمت قبلك وأسلمت بعدي في العدة فعلى النفقة ويقول الزوج.
بل أسلمت أنا قبلك وأنت بعدي فلا نفقة لك فالقول قول الزوج مع يمينه ولا نفقة لها لما ذكرنا منه لأمرين.
والثاني: أن يختلفا فتقول: أسلمت قبلك يشهد فلي عليك نفقة شهر ويقول الزوج: بل أسلمت قبل بيوم فلك نفقة يوم فالقول قول الزوج مع يمينه لما ذكرنا.
والثالث: أن يختلفا فتقول الزوجة قد أسلمت بعدك بشهر فلي نفقة شهر ويقول الزوج: لك قد أسلمت بعدي بيوم فلك نفقة يوم فالقول قول الزوج مع يمينه وليس لها إلا نفقة يوم واحد لما ذكرنا والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشافِعِي?: "وَلَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا نِصْفُ المَهرِ إِنْ كَانَ حَلَالًا ونِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا إِنْ كَانَ حَرَامًا وَمُتْعَةً إِنْ لَمْ يَكُنْ فَرَضَ لَهَا لأَن فَشْخَ النًّكاحِ مِنْ قَبْلِهِ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ أَسَلَمَتْ قَبْلَهُ فَلَا شَيْءَ لَهَا مِنْ صِدَاقٍ وَلَا غَيْرِهِ لأَنَّ الفَسْخَ مِنْ قَبْبِهَا.
وقَالَ: وَلَوْ أَسْلَمَا مَعًا فَهُمَا عَلَى النِّكاحِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال؛ لأنه قدم حكم الإسلام قبل الدخول ثم ذكرها هنا حكم الإسلام قبل الدخول وهو على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يتقدم إسلام الزوج.
والثاني: أن يتقدم إسلام الزوجة.
والثالث: أن يسلما معًا فإن تقدم إسلام الزوج فقد بطل النكاح لأن ما أفضى إلى الفرقة أو كان قبل الدخول وقعت به البينونة كالردة والطلاق الرجعي ولا عدة عليه لعدم الدخول بها ولا نفقة لها لسقوط العدة عنها فأما الصداق فلها نصفه لأن الفسخ من قبله بسبب لا تقدر الزوجة على تلافيه فأشبه الطلاق.
فإن قيل: فقد كان يمكنها تلافيه بأن تسلم معه قبل هذا يشق فلم يعتبر وربما تقدم إسلامه وهي لا تعلم وإذا كان لها الصداق لم تخل حاله في العقد من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون قد سمي فيه مهر حلال لها نصفه.
والثاني: أن يكون قد سمي فيه مهر حرام فلها نصف مهر المثل.
والثالث: أن لا يسمي فيه مهر فلها منعه كالطلاق في هذه الأحوال.
وإن تقدم إسلام الزوجة فقد بطل النكاح لما ذكرنا ولا مهر لها لأن الفسخ جاء من قبلها ولم يقدر الزوج على تلافيه فسقط مهرها.
فإن قيل: يقدر على تلافيه بإسلامه معها كالجواب ما مضى وخالف وجوب النفقة لها إذا تقدم إسلامها بعد دخول لأنه منع يقدر الزوج على تلافيه وإن أسلما معًا لأنهما كانا في الشرك على دين واحد في الإسلام على دين واحد فلذلك كان النكاح بينهما ثابتًا.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيً: "وَإِنْ قالَ أَسْلَمَ أَحَدُنَا قَبْلَ صَاحِبِهِ فَالنِّكاحُ مَفْسُوخٌ وَلَا نِصْفَ مَهْرٍ حَتَّى يُعْلَمَ".
قال في الحاوي: وصورتها أن يسلم أحد الزوجين المشركين قبل الدخول ويسلم الآخر بعده ويشكل عليهما أيهما تقدم بالإسلام فالنكاح قد بطل لاستواء بطلانه إن تقدم إسلام الزوج أو تقدم إسلام الزوجة ولم يكن للإشكال تأثير فأما المهر فله حالتان:
أحدهما: أن تكون الزوجة قد قبضته في الشرك.
والثاني: لم تقبضه فإن لم تكن قبضته فلا مطالبة لها بشيء منه لأنها تشك في استحقاقه لأنه إن أسلم قبلها استحقت نصفه وإن أسلمت قبله لم تستحق شيئًا منه ومن شك في استحقاق ما لم يكن له المطالبة به كمن كان له دين فشك في قبضه وإن كانت الزوجة قد قبضت منه جميع المهر فله الرجوع عليها بنصفه لأنه بوقوع الفرقة قبل الدخول يستحقه بيقين فأما الآخر فلا رجوع له به لأنه شاك في استحقاقه لجواز أن يكون قد أسلم
قبلها فلا يستحقه أو أسلمت قبله فيستحقه والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيً: "فَإِنْ تَدَاعَيَا فَالقَوْلُ قَوْلَهَا مَعَ يَمِينِها لأَنَّ العَقْدَ ثَابِتٌ فَلَا يُبْطَلٌ نِصْفُ المَهْرِ إلَّا بِأَنْ تُسْلِمَ قَبْلَهُ".
قال في الحاوي: وصورتها أن يسلم أحد الزوجين قبل صاحبه ولا دخول بينهما ثم يختلفان أيهما تقدم إسلامه فيقول الزوج: أنت قد تقدمت بالإسلام فلا مهر لك وتقول الزوجة: بل أنت تقدمت بالإسلام فلها نصف المهر فالقول قول الزوجة مع يمينها أن الزوج تقدم بالإسلام عليها ولها نصف المهر وإنما كان كذلك لأن الأصل في المهر استحقاقه بالعقد فلم يقبل دعوى الزوج في إسقاطه كمن عليه دين فادعى دفعه لم يقبل منه اعتبارًا بالأصل في ثبوته وعدولًا عن دعوى إسقاطه.
مسألة:
قَالَ الشافِعِي: "وَإِنْ قَالَتْ: أَسْلَمَ أَحَدُنَا قَبْلَ الْآخَرِ وَقَالَ: هُوَ مَعًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا تُصْدًقُ عَلَى فَسْخِ النِّكَاحِ وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ النَّكَاحَ مَفْسُوخٌ حَتَّى يَتَصَادَقَا.
قَالَ المُزنِيُّ: أَشْبَهُ بِقَوْلَهَ أَنْ لَا يَنْفِسِخَ النِّكَاحَ بِقَوْلِهَا كَمَا لَمْ يَنْفَسِخ نِصْفُ المَهْرِ بِقْولِهِ.
قَالَ المُزنِيُّ: وَقَدْ قَالَ: لَوْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فَقَالَتْ: انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ إِسلَامِكَ وَقَالَ: بَلْ بَعَدَ فَلَا تُصْدقُ عَلَى فَسْخِ مَا ثَبَتَ لَهُ مِن النِّكَاحِ".
قال في الحاوي: وصورتها: في زوجين أسلما قبل الدخول ثم اختلفا فقال الزوج: أسلمنا معًا فنحن على النكاح وقالت الزوجة: لا بل أحدنا قبل صاحبه فلا نكاح بيننا ففيه قولان:
أحدهما: وهو اختيار المزني: أن القول قول الزوج في بقاء النكاح مع يمينه لأمرين:
أحدهما: أن الأصل ثبوته فلم تقبل دعوى إسقاطه.
والثاني: أن الزوجين لو اختلفا بعد الدخول فقال الزوج: اجتمع إسلامنا في العدة فنحن على النكاح وقالت الزوجة: اجتمع إسلامنا بعد العدة لكان القول قول الزوج مع يمينه في بقاء النكاح اعتبارًا بثبوت أصله كذلك إذا كان اختلافهما قبل الدخول.
والقول الثاني: أن القول قول الزوجة مع يمينها لأن الدعوى إذا تعارضت وكان الظاهر مع أحدهما غلب دعوى من ساعده الظاهر كالمتداعيين دارًا وهي في يد أحدهما لما كان الظاهر مساعدًا لصاحب اليد منهما غلبت دعواه كذلك هاهنا تساوى دعواهما والظاهر مساعد للزوجة منهما ولأن اجتماع إسلامها حتى لا يسبق لفظ أحدهما للآخر
بحرف متعذر في الغالب واختلافهما فيه هو الأظهر الأغلب فوجب أن يغلب فيه قول من ساعدة هذت الظاهر وهي الزوجة فكان القول قولها مع يمينها في وقوع الفرقة وعدولًا عن الأصل بظاهر هو أخص وهذا بخلاف تنازعهما في المهر لأنه لم يكن مع اختلافهما فيه ظاهر بعدل به عن الأصل فاعتبر فيه حكم الأصل.
فصل:
فأما إذا اختلفا بعد الدخول فقالت الزوجة: أسلمت أيها الزوج بعد انقضاء عدتي فلا نكاح بيننا وقال الزوج: بل أسلمت قبل انقضاء عدتك فنحن على النكاح فالذي نص عليه الشافعي: أن القول قول الزوج مع يمينه اعتبارًا بالأصل في ثبوت النكاح ونص في مسألتين على أن القول قول الزوجة في بطلان النكاح بخلاف هذا:
إحداهما: المطلقة الرجعية إذا قال الزوج: راجعتك قبل انقضاء عدتها فنحن على النكاح وقالت الزوجة: بل انقضت عدتي قبل رجعتك فلا نكاح بيننا قال الشافعي: القول قول الزوجة مع يمينها ولا رجعة.
والثانية: إذا ارتد الزوج المسلم بعد الدخول ثم عاد إلى الإسلام واختلفا فقال الزوج: أسلمت قبل انقضاء عدتك فنحن على النكاح وقالت الزوجة: بل انقضت عدتي قبل إسلامك فلا نكاح بيننا.
قال الشافعي: "القول قول الزوجة مع يمينها" فجعل في مسألة الرجعة والردة القول قول الزوجة في رفع النكاح وجعل في إسلام المشركين القول قول الزوج مع بقاء النكاح فاختلف أصحابنا في هذه المسائل الثلاث على ثلاثة طرق:
أحدها: أن نقلوا جوابه في الرجعة والردة إلى الإسلام في حق الزوجين وجوابه في إسلام الزوجين إلى الرجعة والردة وخرجوا المسائل الثلاثة على قولين:
أحدهما: أن القول قول الزوج مع بقاء النكاح على ما نص عليه في إسلام الزوجين.
والثاني: أن القول قول الزوجة في رفع النكاح على ما نص عليه في الرجعة والردة ولعل هذه الطريقة أبي حفص بن الوكيل وأبي الطيب بن سلمة.
والثانية: أنه ليس ذلك على اختلاف قولين وإنما هو على اختلاف حالين فالموضع الذي يحصل فيه القول قول الزوجة في رفع النكاح إذا بدأت فأخبرت بانقضاء عدتها قبل رجعة الزوج وإسلامه فادعى الزوج تقدم رجعته وإسلامه فالقول قولها والموضع الذي جعل القول قول الزوج في بقاء النكاح إذا بدا فأخبر أنه راجع وأسلم في العدة فادعت الزوجة انقضاء عدتها قبل الإسلام والرجعة لأن قول من سبق منهما مقبول فلم يبطل بما حدث بعده من دعوى وهذه طريقة أبي علي بن خيران.
والثالثة: بل هو على اختلاف حالين على غير هذا الوجه أن القول قول من اتفقا
على صدقه في زمان ما ادعاه لنفسه.
مثاله: أن تقول الزوجة انقضت عدتي في رمضان وأسلمت أنت أو راجعت في شوال.
فقال: بل أسلمت وراجعت في شعبان فالقول قول الزوجة لاتفاقهما على زمان انقضاء عدتها واختلافهما في رجعة الزوج وإسلامه ولو قال الزوج: لعمري أنت أسلمت وراجعت في شوال لكن انقضت عدتك في ذي القعدة كان القول قول الزوجة لاتفاقهما على زمان إسلامه ورجعته في زمان انقضاء عدتها.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من اختلاف أصحابنا في هذه المسائل فإن جعل القول فيهن قول الزوجة في رفع النكاح لم يكن لها احتج به المزني في نصرة قوله وصحة اختياره وجه، وإن جعل القول فيهن قول الزوج في بقاء النكاح توجه له الاحتجاج بهن، وكان الفرق بينهن في القول قول الزوج في بقاء النكاح وبين مسألتنا في أن القول في أحد القولين قول الزوجة في رفع النكاح وأن الدعوى في المسائل الثلاث متقابلة وليس مع أحدهما ظاهر فاعتبر حكم الأصل وفي مسألتنا مع أحدهما ظاهر فاعتبر حكم الظاهر دون الأصل.
فصل:
فأما إذا قالت الزوجة أسلمنا معًا فنحن على النكاح وقال الزوج: بل أسلم أحدنا قبل صاحبه فلا نكاح بيننا فالقول قول الزوج في رفع النكاح بلا يمين لأنه مقر بالفرقة وإقراراه بها يلزمه ولو رجع عنها لم يقبل منه ولم يقبل قوله في سقوط نصف المهر، لأن الأصل ثبوته.
فصل:
وإذا أسلم الزوج بعد الدخول ثم أسلمت الزوجة في عدتها وقد ارتد الزوج عن الإسلام فإنه يجري عليها حكم اجتماع الإسلاميين في العدة لأنه لا يخرج بالردة في أحكام المسلمين فيكون نكاح الشرك بينهما ثابتًا بإسلامهما في العدة ويستأنف حكم الفرقة بالردة من وقت ردته فإن عاد منها إلى الإسلام قبل أن يمضي بعد الردة زمان العدة كانا على النكاح وإن لم يعد بطل النكاح بردته فلو أسلم الزوج المشرك وأسلم بعده خمس وقد ارتد الزوج عن الإسلام لم يكن له أن يختار منهن في حال ردته أحدًا لأن الاختيار يجري مجرى ابتداء العقد وهو لا يجوز أن يعقد فلم يجز أن يختار والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ نَكَحَهَا فِي الِشِّرْكِ بِمُتْعَةٍ أَوْ عَلَى خَيَارٍ انْفَسَخَ
نِكَاحُهَا لأنَّهُ لًمْ يَنْكِحهَا عَلَى الأبَدِ".
قال في الحاوي: أما إذا نكح في الشرك نكاح متعة وهو أن يقول: أمتعيني نفسك سنة فإذا أسلما عليه فلا نكاح بينهما لأنهما إن أسلما بعد انقضاء المدة فلا نكاح وإن أسلما قبل انقضائها فلم يعتقد تأييده والنكاح ما تأبد وأما إذا نكحها بخيار فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون الخيار مؤبدًا فالنكاح إذا أسلما عليه باطل لأنهما لم يعتقدوا لزومه والنكاح ما لزم.
والثاني: أن يكون الخيار مؤقتًا فهو على ضربين:
أحدهما: أن يسلما ومدة بالخيار باقية فالنكاح باطل لما ذكرنا.
والثاني: أن يسلما بعد انقضاء مدة الخيار فالنكاح جائز لأن ما انقضى مدة خياره صار معتقد اللزوم وأما إن نكحها في العدة ثم أسلما فإن كانت العدة وقت إسلامها باقية فالنكاح باطل لأنه لا يجوز أن يبتدئ العقد عليها فلم يجز أن يقيم على نكاحها وإن كانت العدة قد انقضت وقت إسلامهما ففيه وجهان:
أحدهما: أن النكاح باطل لأن العدة لا تنقضي إذا كانت تحت زوج فصارت مسلمة مع بقاء العدة.
والثاني: أن النكاح صحيح لأن مناكح الشرك معفو عنها وإذا أسلمت بعد انقضاء مدة العدة فقد استهلكتها على الزوج الأول في الشرك فسقط حكمها وإن كانت المدة باقية لم تستهلك ما بقي منها فافترقا.
فأما إذا قهر المشرك في دار الحرب مشركة على نفسها فزنى بها ثم أسلما فإن كانوا يعتقدون في دينهم أن القهر على النفس نكاح مستدام صار ذلك من عقود مناكحهم المعفو عنها فيحكم بصحة النكاح بعد الإسلام وإن كانوا لا يعتقدونه في دينهم نكاحًا فلا نكاح بينهما إذا أسلما.
باب الخلاف في إمساك الأواخر
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمْهُ اللهُ: "وَاحْتَجَجْتُ عَلَى مَنْ يُبْطِلُ الأَوَاخِرِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لابْنِ الدَيْلَمِيِّ وَعِنْدَهُ أَخْتَانِ: "اخْتَرْ أَيَّتُهُمَا شِئْتَ وَفَارِقِ الأُخْرَى" وَبِمَا قَالَ لِنَوْفَلَ بنُ مُعَاوِيَةَ وَتَخيِيرهِ غَيْلَانَ فَلَوْ كَانَ الأَوَاخِرُ حَرَامًا مَا خَيَّرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَقُلْتُ لَهُ: أَحْسًنُ حَالَةٍ أَنْ يَعْقدُوهُ بِشهَادَةِ أَهْلَ الأَوْثَانِ.
قُلْتُ: وَيُرْوَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْكَحُونَ فِي العِدَّةِ وَبِغَيْرِ شُهُودٍ.
وَقَالَ: أَجَلْ قَلْتُ: وَهَذا كُلُّهُ فَاسِدٌ فِي الإِسْلاَمِ.
قَالَ: أَجَلْ، قُلْتُ: فَلَمَّا لَمْ يَسْألِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ العَقْدِ كَانَ عَفْوًا لِفَوتِهِ كَمَا حَكَمَ اللهُ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم؟ بِعَفْوِ الرِّبَا إِذَا
فَاتَ بِقَبْضِهِ وَرَدَّ مَا بَقِيَ لأَنَّ الإِسْلاَمَ أَدْرَكَهُ، كَمَا رَدَّ مَا جّاوَزَ أرْبَعًا لأَنَّ الإِسْلَامَ أَدْرَكَهُنَّ مَعَه وَالعُقُدٌ كُلُّهَا لَوء ابْتَدَأَتْ فِي الإِسلَام فَاسِدةً فَكَيْفَ نَظرْتَ إِلَى فَسَادِهَا مَرةً وَلَمْ تَنْظُرْ أُخْرَى فَرَجَعَ بَعْضُ أَصْحَابِهِمْ.
وَقَالَ مُحَمَّد بْنِ الحَسَنِ: مَا علِمْتُ أَحَدًا احْتجَّ بِأحْسَنَ مِمَّا احْتجَجْتُ بِهِ وَلَقَدْ خَالَفْتُ أَصْحَابِي فِيهِ مُنْذُ زَمَانٍ وَمَا يَنْبَغِي أَن يَدخُلَ عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم القِيَاسُ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: قد مضى وذكرنا أن المشرك إذا أسلم مع أكثر من أربع زوجات فهو مخير بين إمساك الأوائل والأواخر بخلاف ما قاله أبو حنيفة من إمساك الأوائل دون الأواخر، احتجاجًا بما مضى فحكى الشافعي مناظرته لمحمد بن الحسن على ذلك، فرجع إلى قول الشافعي وعدل عن قول صاحبيه أبي حنيفة وأبي يوسف واحتجاجه في ذلك ما قدمناه فلم تحتج إلى إعادته، وبالله التوفيق.
باب ارتداد أحد الزوجين أو هما ومن شرك إلى شرك.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمْهُ اللهُ: "وَإِذَا ارْتَدَّ أَوْ أحدهما مُنِعَا الوَطْء فَإنْ انْقَضَتِ العُدَّةُ قَبْلَ اجْتِمَاعِ إِسلَامِهِمَا انْفَسَخَ النِّكاحُ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا إِنْ أَصَابَهَا فِي الرِّدةِ فَإِنْ اجْتَمَعَ إِسْلَامُهُمَا قَبْلَ انْقِضَاءِ العِدةِ فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ".
قال في الحاوي: وهذا الفصل يشتمل على مسألتين:
إحداهما: أن يرتد أحد الزوجين المسلمين.
والثانية: أن يرتدا معًا.
فإذا ارتد أحدهما فعلى ضربين:
إحداهما: أن يكون الدخول فالنكاح قد بطل يرده أحدهما وهو إجماع؛ لأن ما أثر في الفرقة قبل الدخول أيتها كالطلاق الرجعي ولذلك أبطلنا نكاح الزوجين المشركين إذا أسلم أحدهما قبل الدخول وإذا بطل النكاح بردة أحدهما قبل الدخول نظر المرتد في المرتد منهما فإن كان هو الزوج فعليه نصف المهر؛ لأن الفسخ من قبله وإن كان المرتد هي الزوجة فلا مهر لها؛ لأن الفسخ من قبلها.
والثاني: أن يكون ردة أحدهما بعد الدخول فقد اختلف الفقهاء في النكاح، فمذهب الشافعي أن يكون موقوفًا على انقضاء العدة فإن أسلم المرتد منهما قبل انقضائها كانا على النكاح وإن لم يسلم حتى أنقصت بطل النكاح.
وقال مالك: يعرض الإسلام على المرتد منهما فإن عاد إليه كانا على النكاح وإن لم يعد إليه بطل النكاح.
وقال أبو حنيفة: قد بطل النكاح بنفس الردة من غير وقف استدلالًا بأن ارتداد أحد
الزوجين موجب لوقوع الفرقة في الحال قياسًا على ما قبل الدخول ولأن كل سبب يتعلق به فسخ النكاح يستوي فيه ما قبل الدخول وبعده كالرضاع واستبراء الزوجة ووطء أمها بشبهة.
ودليلنا: هو أن اختلاف الدين بعد الإصابة لا يوجب تعجيل الفرقة قياسًا على إسلام أحد الزوجين المشركين ولأنها ردّة طارئة على نكاح مدخول بها فوجب أن لا تبيين قياسًا على ارتدادهما معًا.
فأما الجواب على قياسه على ما قبل الدخول فهو أن غير المدخول بها لا عدة عليها فلذلك تعجل فراقها والمدخول بها عليها العدة فلذلك تعلق بانقضائها وقوع فراقها كالطلاق الرجعي يتعجل به في غير المدخول بها ويتأجل بانقضاء العدة في المدخول بها.
وأما الجواب على قياسه على الرضاع مع فساده بإسلام أحد الزوجين المشركين فهو أن تحريم الرضاع والمصاهرة يتأبد وتحريم الردة قد يرتفع فلذلك ما افترقا.
فصل:
وأما المسألة الثانية: وهو أن يرتد الزوجان معًا فهو كارتداد أحدهما إن كان قبل الدخول بطل وإن كان بعده وقف على انقضاء العدة.
وقال أبو حنيفة: إذا ارتدا معًا كان على النكاح قبل الدخول وبعده استدلالًا بأن أهل الردة حين أسلموا أقرهم أبو بكر- رضي الله تعالى عنه- على مناكحهم ولم يعتبر فيهم انقضاء العدة ولا حال الدخول لاجتماع الزوجين منهم على الإسلام والردة.
قال: ولأنه انتقال إلى دين فوجب أن لا يوقع الفرقة بينهما قياسًا على إسلام المشركين.
قال: ولأن أكثر ما في ارتدادهما أن لا يقرأ على دينهما وهذا لا يمنع من صحة نكاحهما كالوثنيين.
ودليلنا: هو أنها ردة طارئة على نكاح فوجب أن يتعلق بها وقوع الفرقة أساسًا على ردة أحدهما ولأن كل حكم تعلق بردة أحدهما لم يزل بردتها قياسًا على استباحة المال والدم وإحباط العمل ولأن كل معنى وقعت به الفرقة إذا وجد من أحدهما وقعت به الفرقة إذا وجد منهما كالموت.
فأما الجواب عن إقرار أبي بكر- رضي الله عنه- لأهل الردة على مناكحهم فلأنهم أسلموا قبل انقضاء العدة.
فإن قيل: فلم يفرق بين المدخول بها وغير المدخول بها.
قيل: قد يجوز أن يكون جميعهن مدخولًا بهن أو لم يتميزن فأجرى عليهن حكم الأغلب كما أنه لم يفرق بين من اجتمعا في الردة أو لم يجتمعا وإن كان أبو حنيفة يفرق بينهما فيكون جوابه عن هذا السؤال جوابًا عن سؤاله.
وأما الجواب عن قياسهم على المشركين إذا أسلما بعلة انتقالهما إلى دين واحد فهو انتقاضه بالمسلم إذا تزوج يهودية ثم تنصّر قد اجتمعا على دين واحد والفرقة واقعة بينهما على أن أبا حنيفة قد وافقتا أنه إذا اجتمعا على الردة من الإصابة كما لو ارتد أحدهما حتى يجتمعا على الإسلام.
وأما الجواب عن استدلالهم باجتماع الوثنيين فالفرق بينهما أن الوثنيين لا يمنعان من الإصابة فجاز إقرارهما على النكاح والمرتدان يمنعان من الإصابة فلم يجز إقرارهما على النكاح.
فصل:
فإذا ثبت أن اجتماعهما على الردة في وقوع الفرقة بينهما كارتداد أحدهما لم يخل حالهما إذا ارتدا من أن يكون ذلك قبل الدخول أو بعده فإن كان قبل الدخول وقعت الفرقة بينهما في الحال وفي المهر وجهان:
أحدهما: يغلب فيه ردة الزوج لأنه أقوى المتناكحين حالًا فعلى هذا يكون عليه نصف المهر كما لو تفرد بالردة.
والثاني: أن يغلب فيه ردة الزوجة لأن المهر لها فكان أولى الأمرين أن يغلب فيه ردتها فعلى هذا لا مهر لها كما لو تفردت بالردة وخرج بعض أصحابنا فيه وجهًا.
والثالث: أن لها ربع المهر لاشتراكهما في الفسخ فسقط من النصف نصفه لأنه في مقابلة ردة الزوج وإن كان ارتدادها بعد الدخول فالمهر قد استقر بالإصابة ولها أربعة أحوال:
أحدها: أن يعودوا جميعًا إلى الإسلام قبل انقضاء العدة فيكونا على النكاح.
والثاني: أن لا يعودوا معًا حتى تنقضي العدة فالنكاح باطل.
والثالث: أن يعود الزوج إلى الإسلام دونها فلا نكاح.
والرابع: أن تعود الزوجة دونه فلا نكاح.
فصل:
ولا يجوز للزوج الإصابة في الردة سواء كان الزوج المرتد أو الزوجة فإن أصابها في الردة فلا حد عليه لأن بقاء أحكام النكاح شبهة في إدراء الحد عليه لها مهر المثل فإن لم يعد إلى الإسلام حتى انقضت عدتها فاستقر المهر عليها أن تعتد من إصابته للاستبراء ويكون الباقي من عدة الردة محسوبًا من العدتين.
مثاله: أن يكون قد أصابها بعد قرء من ردتها فعليها أن تعتد من وقت الإصابة ثلاثة أقراء منها قرءان من عدتي الردة والإصابة وقرء مختص بعد الإصابة وإسلامها الذي يجتمعان به على النكاح أن يكون في عدة الردة دون الإصابة فإن عاد المرتد منهما إلى الإسلام في الباقي من عدة الردة كانا على النكاح فأما المهر فالذي وجب الإصابة فقد
قال الشافعي ما يدل على سقوطه بالإسلام وقال في المعتدة من طلاق رجعي إذا أصابها الزوج في العدة فوجب عليه المهر ثم راجعها بعد الإصابة أن المهر لا يسقط بالرجعة ورجعة المطلقة كإسلام المرتدة فاختلف أصحابنا لاختلاف جوابه على طريقين:
أحدهما: نقل جواب كل واحد من المسألتين إلى الأخرى وتخريجها على قولين:
أحدهما: سقوط مهرها يعود المرتدة إلى الإسلام ورجعة المطلقة على ما نص عليه في المرتدة.
والقول الثاني: أن مهرها ثابت لا يسقط بإسلام المرتدة ولا برجعة المطلقة على ما نص عليه في المطلقة.
والثانية: حمل الجواب على ظاهره في الموضعين فيسقط مهر المرتدة بالإسلام ولا يسقط مهر المطلقة بالرجعة.
والفرق أن ثلم الردة قد ارتفع بالإسلام حتى لم يبق للردة تأثير بعودها إلى ما كانت عليه من نكاح وإباحة وثلم المطلقة لم يرتفع جميعه بالرجعة وإنما ارتفع بها التحريم دون الطلاق فكأن تأثيره باقيًا فبقي ما وجب فيه من المهر والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ "وَلَوْ هَرَبَ مُرْتَدًا ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ انْقِضَاءِ العِدَّةِ مُسْلِمًا وَادَّعَى أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَهَا فَأَنْكَرَتْ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا".
قال في الحاوي: عن هذه المسألة قد مضت في الانفصال عما أورده المزني في اختلاف الزوجين المشركين في إسلامهما وذكرنا اختلاف أصحابنا في المرتد إذا عاد إلى الإسلام وقال: أسلمت قبل انقضاء عدتك وقالت: بعدها وفي الرجعية إذ قال الزوج: راجعتك قبل انقضاء عدتك وقالت: بعدها على ثلاثة طرق:
أحدهما: أنهما على قولين:
أحد القولين: أن القول قول الزوجة في المسألتين لأن قولها في عدتها مقبول.
والثاني: أن القول قول الزوج في المسألنين لأن قوله فيما نقله من إسلام ورجعة مقبول.
والثانية: أن القول قول من اتفق على صدقه فيهما في المسألتين على المثال الذي بيناه.
والثالثة: أن القول قول من سبق منهما بالدعوى.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَارْتَدَّتْ فَلَا مَهْرَ لَهَا لأنَّ الفَسْخَ مِنْ قِبَلِهَا وَإِنْ
ارْتَدَّ فَلَهَا نِصْفُ المَهْرِ لأَنَّ الفَسْخَ مِنْهُ قِبَلِهِ".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة وذكرنا أن ارتداد أحدهما قبل الدخول موجب لفسخ النكاح وأن المرتد إن كان هو الزوج فلها نصف المهر وإن كانت الزوجة فلا مهر لها فرقًَا بين أن تكون الفرقة من قبله أو قبلها وأنهما إن ارتدا معًا كان المهر ثلاثة أوجه:
أحدها: لها نصفه تغليبًا لردة الزوج.
والثاني: لا شيء لها تغليبًا لردتها.
والثالث: لها بعد لاشتراكهما فيها.
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَهُ نَصْرَانِيَّةٌ فَتَمَجَّسَتْ أَوْ تَزَنْدَقَتْ فَكَالمُسْلِمَةُ تُرِيدُ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ المُرْتَدَّ: حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الَّذِي حَلَّتْ بِهِ مِنَ يَهُودِيَّةٍ أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ".
قال في الحاوي: وقد مضت هذه المسألة وما فيها من الأقسام والأحكام وأن الزوجة النصرانية إذا تزندقت لم تقر وفيها تؤخذ بالرجوع إليه ثلاثة أقاويل:
أحدها: الإسلام لا غير.
والثاني: الإسلام فإن أبت فدينها الذي كانت عليه من النصرانية.
والثالث: الإسلام فإن أبت فدين يقر عليه أهله من أديان أهل الكتاب ولو كانت نصرانية فتهودت كان على قولين:
أحدهما: تقر.
والثاني: لا تقر.
وفيما تؤخذ بالرجوع إلى قولان:
أحدهما: الإسلام لا غير.
والثاني: الإسلام.
فإن أبت فدينها الذي كانت عليه وذكرنا ما تعلق بذلك من أحكام النكاح قبل الدخول وبعده.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَمَنْ دَانَ دِينَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنَ العَرَبِ أَوْ العَجَمِ غَيْرَ بَني إسْرَائِيلَ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ وَمَا يَحْرُمُ مِنْهُ أَوْ يَحِلَّ كَأَهْلِ الأَوْثَانِ.
وَقَالَ فِي كِتَابِ مَا يَحْرمُ الجَمْعُ بَيْنَهُ مَنِ اَرْتَدَّ مِنْ يَهُودِيَّةٍ إِلَى نَصْرَانِيَّةٍ أَوْ نَصْرانِيَّةٍ إِلَى يَهُودِيَّةٍ حَلَّ نِكَاحُهَا؛ لأنَّهَا لَوْ
كَانَتْ مِنْ أَهْل الدِّينِ الَّذِي خَرَجَتْ إِلَيهِ حَلَّ نِكَاحُهَا.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الجِزْيَةِ: لَا يُنْكَحُ مَنِ ارْتَدَّ عَنْ أَصْلِ دِينِ آبَائِهِ لأَنَّهُمُ بَدَّلُوا بِغَيْرِهِ الإِسْلَامَ فَخَالَفُوا حَالَهُمْ عَمَّا أُذِنَ بَأَخْذِ الجِزْيَةِ مِنْهُمْ عَلَيْهِ وَأُبِيحَ مِنْ طَعَاِمِهِمْ ونِسَائِهِمْ".
قال في الحاوي: وقد مضت هذه المسألة وذكرنا أن بني إسرائيل من اليهود والنصارى مقرون على دينهم ويحل نكاح نسائهم ومن دخل في دينهما من العرب والعجم وسائر الأمم على ضربين: قبل التبديل وبعده ممن دخل فيه قبل تبديل أهله كالروم كان على حكمين فيه تقبل جزيتهم وتنكح نساؤهم وتؤكل ذبائحهم.
ومن دخل فيه بعد تبديل أهله كان حكم عبدة الأوثان لا تقبل جزيتهم ولا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم فإن بدل بعضهم دون بعض ممن دخل في دين من بدل لم تقر ومن دخل في دين لم يبدل أقر وحل أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم وإن دخل في دينهم قوم أشكلت علينا أحوالهم هل دخلوا فيه قبل التبديل أو بعده أو هل دخلوا فيه من بدل أو مع من لم يبدل كانوا في حكم المجوس يقرون بالجزية حقنًا لدمائهم ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم.
فصل:
وليس للمرتد أن يستأنف عقد نكاح في الردة على مسلمة ولا مرتدة فإن عقد فيه نكاحًا كان فاسدًا سواء تعجل إسلامه فيه أو تأخر لأن ردته تبطل نكاحًا ثابتًا فلم يجز أن يثبت نكاحًا مستأنفًا إلا أن الشافعي قال في موضع تطلق عليه وقال في موضع آخر.
لا تطلق عليه وليس ذلك منه على اختلاف قولين فيه ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن قوله لا تطلق يعني واجبًا وقوله: تطلق استحبابًا.
والثاني: أن قوله: لا تطلق إن أنكح مسلمة وتطلق إذا نكح مرتدة والله أعلم.
باب طلاق الشرك
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وَإِذَا أَثْبَتَ رَسُولُ اللهِ صَلَى الله عليه وسلم نِكَاحَ الشِّرْكِ وَأَقَرَّ أَهْلَهُ عَلَيْهِ فِي الإِسَلَامِ لَمْ يَجُزْ واللهُ أَعْلَمْ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ طَلَاقُ الشِّرْكِ لَأنَّ الطَّلاقَ يَثْبُتُ بِثُبُوتِ النِّكَاحِ ويَسْقُطُ بِسُقُوطِهِ فَإِنْ أَسْلَمَا وَقَدْ طَلَّقَهَا فِي الشِّركِ ثَلَاثًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ فِي الشِّرْكِ حَلَّتْ لَهُ وِيُسْلِم لَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: نكاح الشرك صحيح والإقرار عليه جائز وطلاق الشرك واقع وحكم الفرقة ثابت.
وقال مالك: مناكحهم باطلة وإن أقروا عليها وطلاقهم غير واقع واستدل على بطلان مناكحهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله في النساء فإنما ملكتم فروجهن بكلمة الله
تعالى" يعني بكتاب الله ودين الإسلام فلم يجز أن يملكها بغير ذلك ولأنهم قد كانوا يعتقدون إلقاء الثوب على المرأة نكاحًا وقهرها على نفسها نكاحًا والمبادلة بالنساء نكاحًا وكل ذلك مردود بالشرع فلم يجز أن يصح في الإسلام واستدل على أن طلاقهم لا يقع ولا يلزم بقول الله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] فاقتضى أن يكون الطلاق مغفورًا قال: ولأنهم كانوا يرون الظهار طلاقًا مؤيدًا وقد أبطله الله تعالى وغير حكمه ودليلنا: أن الله تعالى أضاف إليهم مناكح نسائهم فقال في امرأة أبي لهب: ﴿وامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الحَطَبِ (4)﴾ [المسد: 4] والإضافة محمولة على الحقيقة مقتضية للتمليك وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولدت من نكاح لا من سفاح، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين زنيا، ولا يرجم إلا محصنًا بنكاح.
ولأنها مناكح يقر عليها أهلها فوجب أن يحكم بصحتها قياسًا على مناكح المسلمين.
فأما الجواب عن استدلالهم بالخير فمعنى قوله: "استحللتم فروجهن بكلمة الله" أي بإباحة الله وقد أباح الله تعالى مناكحهم بإقرارهم عليها.
وأما قولهم إنهم يرون من المناكح بينهم ما لا نراه فهو معفو عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يعرف اختلاف آبائهم فيه فلم يكشف عنه.
وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] فيعني من الآثام دون الأحكام وأما الظهار فبالفسخ أبطل حكمه وحكمه بالطلاق مقر.
فصل:
فإذا ثبت الحكم بصحة عقودهم ومناكحهم والعفو عما اختل من شروطها وأنهم مأخوذون بما أوقعوه فيها من طلاق وظهار وإيلاء اعتبر حال طلاقه فإن كان صريحًا عندهم أجريت عليهم حكم الصريح سواء كان صريحًا أو كتابة لأننا نعتبر عقودهم في شركهم بمعتقدهم كذلك حكم طلاقهم وإذا كان كذلك نظرت فإن كان رجعيًا فراجع في العدة صحت رجعته كما صح نكاحه وكانت معه بعد إسلامه على ما بقي من الطلاق فإن كان واحدة بقيت معه على اثنتين وإن كانت اثنتين بقيت معه على واحدة وإن لم يراجعها في العدة حتى أسلما فإن كانت عدة الطلاق قد انعقدت في الشرك أو بعد الإسلام وقيل الرجعة بانت منه وجاز أن يستأنف العقد عليها فيكون على ما بقي من الطلاق وإن كانت العدة باقية فله أن يراجعها بعد الإسلام تكون معه على ما بقي من الطلاق، وإن كان طلاقها لها في الشرك ثلاثًا فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره، فلو كانت قد نكحت في الشرك زوجًا غيره حلت له إذا أسلم، فلو عاد منكحها في الشرك قبل زوج وقد طلقها ثلاثًا كان نكاحها إذا أسلم باطلًا ولم يجز أن يقر عليه.
فإن قيل: أفليس لو نكحها في العدة ثم أسلما بعدها أقر؟ فهلا إذا نكح المطلقة ثلاثًا قبل زوج أقر؟ قيل: لأن تحريم المعتدة قد زال بمضي الزمان فجاز أن يستأنف العقد عليها فجاز أن تقر على ما تقدم من نكاحها، وتحريم المطلقة ثلاثًا لم يزل، ولا يجوز أن يستأنف العقد عليها فلم يجز أن تقر على ما تقدم من نكاحها وتحريم المطلقة ثلاثًا، وكذلك الكلام فيما يؤخذ به حكم ظهارة وإيلائه، والله أعلم.
باب عقد نكاح أهل الذمة ومهورهم
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وَعُقْدَةُ نِكَاحِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُهُورُهُمْ كَأَهْلِ الحَرْبِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، لا اعتراض على أهل الذمة في مناكحهم وإن كانوا في دار الإسلام وهي عقود إذا أسلموا لما في تتبع مناكحهم بعد الإسلام من التنفير عنه فلو نكح أحدهم في دار الإسلام خمسًا أو جمع بين أختين أو نكح مجوسي أمه وبنته ولم يعارضوا، وهم كأهل الحرب إذا أسلموا فما جاز إن لم يستأنفوه بعد الإسلام أقروا عليه وما لم يجز أن يستأنفوه بعد الإسلام لم يقروا عليه ولا فرق بينهم في شيء منه وإن كانوا لهم ذمة وأحكامنا عليه جارية إلا في شيئين:
أحدهما: القهر والغلبة فإن الحربي إذا قهر حربية على نفسها ورآه نكاحًا أقر عليه إذا أسلما ولا يقر ذمي على قهر ذمية إذا أسلما لأن دار الإسلام تمنع من القهر والغلبة ودار الحرب نبيحه فافترقا لافتراق حكم الدارين.
والثاني: أن يعتقدا نكاحًا لا يجوز في دينهم كيهودي نكح أمه أو بنته فلا يقروا عليه لأنهم ممنوعون منه في دين الإسلام ودينهم ولو فعله المجوسي أقر لأنهم غير ممنوعين منه في دينهم فأما مهورهم فلا اعتراض عليهم فيها حلالًا كانت أم حرامًا فإن تقابضوها وهي حرام برئ منها الأزواج وإن بقيت في ذمتهم حتى أسلموا ألزمهم بدلًا منها مهر المثل وإن تقابضوا بعضها قبل الإسلام وبقي بعضها بعده لزم من مهر المثل بقسط ما بقي منها.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "فَإِنْ نَكَحَ نَصْرَانِيُّ وَثَنِيَّة أَوْ مَجُوسِيَّة أَوْ نَكَحَ وَثَنِيٌّ نَصْرَانِيَّةً أَوْ مَجُوسِيَّةً لَمْ أَفْسِخْ مِنْهُ شَيْئًا إِذَا أَسْلَمُوا".
قال في الحاوي: أما إذا نكح كتابي كتابية وتحاكما إلينا أقرا على النكاح وكذلك لو أسلما أو أسلم الزوج منهما كانا على النكاح لأن للمسلم أن يبتدئ نكاح كتابية فجاز أن يقيم على نكاح كتابية ولو أسلمت الزوجة دونه لم يقر على نكاحها وكان موقوفًا على تقضي العدة.
وأما الوثني إذا نكح وثنية فأيهما أسلم لم يقر على النكاح، وكان موقوفًا على تقضي العدة، وإن تحاكموا إلينا في الأحكام أقررناهم عليها، فأما إذا نكح وثني كتابية، فإن أسلما أقر على النكاح وإن أسلم الزوج أقر على النكاح وإن أسلمت الزوجة كان النكاح موقوفًا على انقضاء العدة.
ولو نكح كتابي وثنية فأيهما أسلم كان النكاح موقوفًا على انقضاء العدة وإن تحاكما إلينا قبل الإسلام، فمذهب الشافعي أننا نمضي نكاحهما ولا يفسخ عليهما.
وقال أبو سعيد الاصطرخي: يفسخ النكاح بينهما لأن الله تعالى قد أقر أن يحكم في أهل الكتاب بما أنزل الله في أهل الإسلام بقوله: ﴿وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49] والوثنية لا تحل لمسلم فكذلك لا تحل لكتابي وهذا خطأ لأن الكفر كله ملة واحدة وإن تنوع واختلف ألا ترى أننا نحكم بالتوارث بين أهل الكتاب وعبدة الأوثان ولأنه لما جاز إقرارهما على هذا النكاح بعد الإسلام فأولى أن يقرا عليه في حال الكفر.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَةٌ مِنْ وَلَدَ مِنْ وَثَنِيٍّ وَنَصْرَانِيَّةٍ وَلَا مِنْ نَصْرَانِيٍّ وَوَثَنِيَّةٍ وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ ابْنَتَهمَا لأَنَّها لَيْسَتْ كِتَابِيَّةً خَالِصَةً.
وَقَالَ فِي كِتَابٍ آخَرَ: إِنْ كَانَ أَبُوهَا نَصْرَانِيًّا حَلَّتْ وِإِنْ كَانَ وَثَنِيًّا لَمْ تَحِلَّ لَأَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى النَّسَبِ وَلَيْسَتْ كَالصَّغِيرَةِ يُسْلِم أَحَدُ أَبَوَيْهَا؛ لأنَّ الإِسْلَامَ لَا يَشْركُهُ الشِّرْكُ وَالشِّرْكُ يَشركُهُ الشِّرْكُ".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى يحل أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم وأن المجوس وعبدة الأوثان لا يحل أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم فأما المولود من أهل الكتاب وعبدة الأوثان إذا كان أحد أبويه كتابيًا والآخر وثنيًا فضربان:
أحدهما: أن يكون الأب وثنيًا والأم كتابية يهودية أو نصرانية فلا يختلف مذهب الشافعي أنه لا يحل أكل ذبيحة هذا الولد ولا ينكح إن كان امرأة تغليبًا لحكم أبيه.
وقال أبو حنيفة: يحل نكاحه وأكل ذبيحته تغليبًا لحق أبويه حكمًا استدلالًا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تجس فيها من جدعاء" فلم ينقله عن الفطرة وتحقيق الحكم إلى أغلظهما إلا باجتماع أبويه على تغليظ الحكم ولأن أحد أبويه مستباح الذبيحة والنكاح فوجب أن يكون فيه على حكمه قياسًا على من أحد أبويه مسلم.
ودليلنا: عموم قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] وهذا
الولد ينطلق عليه اسم المشرك ولأنها كافرة فتنسب إلى كافرة لا تحل ذبيحة ولا نكاحه، فوجب أن لا تحل ذبيحتها ولا نكاحها.
أصلها: إذا كان أبواها وثنيين ولأنه قد اجتمع في هذا الولد موجب حظر وإباحة فوجب أن يغلب حكم الحظر على حكم الإباحة قياسًا على المولد من بين مأكول وغير مأكول ولا ينتقص بالولد إذا كان أحد أبويه مسلمًا والآخر كافرًا لأنه لا يجتمع في الولد حكم الكفر والإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام لا يعلو ولا يعلى" فثبت حكم الإسلام وسقط حكم الشرك وهذا هو الذي أراده الشافعي بقوله: "لأنَّ الإِسْلَامَ لَا يَشْركُهُ الشِّرْكُ وَالشِّرْكُ يَشركُهُ الشِّرْكُ" يعني أنه قد يجتمع شركان ولا يجتمع شرك وإسلام واختلف أصحابنا في هذا التعليل هل أراد الشافعي أبا حنيفة من هذه المسألة وأراد به مالكًا في أن إسلام الأم لا يكون إسلامًا للولد على وجهين.
فأما الجواب عن الخبر فهو أن المراد به اجتماع الوالدين على الكفر يقتضي تكفير الولد وانفراد أحدهما لا يقتضيه فلم يكن دليلًا في هذا الوضع، لأن أبويه قد اجتمعا على الكفر.
وأما قياسه على من أحد أبويه مسلم فالجواب عنه ما ذكرنا من أن اجتماع الشرك والإسلام يوجب فيه حكم تغليب الإسلام، لأنهما يتنافيان، فغلب أقواهما، والشركان لا يتنافيان فغلب أغلظهما.
فصل:
والضرب الثاني: أن يكون أب هذا الولد كتابيًا يهوديًا أو ونصرانية وأمه وثنية أو مجوسية نفي إباحة نكاحه وأكل ذبيحته قولان:
أحدهما: يحرم نكاحه وذبيحته لاجتماع الحظر والإباحة فوجب أن يغلب حكم الحظر على الإباحة كالمتولدين مأكول وغير مأكول.
والثاني: وهو أصح أن يحل نكاحه وذبيحته لاجتماع الحظر والإباحة فيه لأن الدينين إذا اختلفا جاز اجتماعهما فأغلبهما ما كان تابعًا للنسب المضاف إلى الأب دون الأم كالحرية كذلك النكاح والذبيحة.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا فحكم الولد الحادث من بين أبوين مخلفي الحكم على أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون ملحقًا بحكم أبيه دون أمه وذلك في أربعة أشياء:
أحدها: النسب يكون ملحقًا بأبيه دون أمه.
والثاني: في الحرية فإن ولد الحر من أمه كأبيه دون أمه.
والثالث: في الولاء فإنه إذا كان على الأبوين ولاء من جهتين كان الولد داخلًا في ولاء الأب دون الأم.
والرابع: في الحرية فإنه إذا كان الأب من قوم لهم حرية والأم من آخرين لهم حرية أخرى فإن حرية الولد حرية أبيه دون أمه.
والثاني: أن يكون ملحقًا بحكم أمه دون أبيه وذلك في شيئين:
أحدهما: ولد المنكوحة تابع لأمه في الحرية والرق أبيه فإنه كانت أمه حرة كان حرًا وإن كان أبوه عبدًا وإن كانت أمه مملوكة كان عبدًا وإن كان أبوه حرًا.
والثاني: في الملك فإن ولد المملوكين تبع لأمه ومملوك لسيدها.
والثالث: أن يكون ملحقًا بأفضل أبويه حالًا وأغلظهما حكمًا وذلك في شيء واحد وهو في الإسلام يلحق بالمسلم منهما أبًا كان أو أمًا.
والرابع: ما اختلف قوله فيه وهو في إباحته الذبيحة والنكاح فأحد قوليه أنه ملحق بالأب.
والثاني: ملحق بأغلظهما حكمًا.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا وَجَبَ أَنْ نَحْكُمَ بَيْنَهُمْ كَانَ الزَّوْجُ الجَانِي أَوْ الزَّوْجَةُ".
قال في الحاوي: أما المقيمون في دار السلام من الكفار فضربان: أهل الذمة، وأهل عهد.
فأما أهل الذمة: فهم باذلوا الحرية لهم ذمة مؤبدة يلزمنا في حق الذمة أن نمنع عنهم من أرادهم فمن جرت عليه أحكامنا من المسلمين وممن لم تجر عليه أحكامنا من أهل الحرب.
وأما أهل العهد: فهم المستأمنون الذين لهم أمان إلى مدة يلزمنا أن نمنع من أرادهم ممن جرت عليه أحكامنا من المسلمين، فلا يلزمنا أن نمنع من أرادهم من لم تجر عليه أحكامنا من أهل الحرب، وقد عبر الشافعي في مواضع عند أهل الذمة بالمعاهدين؛ لأن ذمتهم عهد وإن كانوا باسم الذمة أخص، فأما إن لم يترافع الفريقان في أحكامهم إلينا لم ندعهم إليها ولم نعترض عليهم فيها، وإن ترافعوا إلينا نظر فيهم، فإن كانوا معاهدين لهم أمان إلى مدة لم يلزمنا أن نحكم بينهم ولم يلزمهم التزام حكمنا وكان حاكمنا بالخيار
بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم وهم إذا حكم عليهم بالخيار بين أن يلتزموا حكمه وبين أن لا يلتزموه وإن جاء أحدهم مستعديًا لم يلزم المتعدى عليه أن يحضر ولا يلزم الحاكم أن يعديه عليه وإنما كان كذلك لقول الله تعالى: الحاكم أن يعديه عليه وإنما كان كذلك لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] الآية فخير الله تعالى في الحكم بينهم ولأن علينا أن نمنع عنهم أنفسنا وليس علينا أن نمنع عنهم غيرنا سواء كان التحاكم في حق الله تعالى أو في حق الآدميين؛ لأن حق الله تعالى في شركهم أعظم وقد أقروا عليه وسواء كانوا أهل كتاب أو غير أهل كتاب.
فصل:
وأما أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا فليست الذمة المؤبدة إلا لأهل الكتاب، فإن لم يترافعوا إلينا في أحكامهم تركوا، وإن ترافعوا فيها إلينا فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكونوا من أهل دين واحد ففي وجوب الحكم عليهم قولان:
أحدهما: وهو قوله في القديم أنه لا يجب والحاكم مخير في الحكم بينهم وهو إذا حكم عليهم مخيرون في التزام حكمه اعتبارًا بأهل العهد لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42].
والقول الثاني: وهو قوله في الجديد واختاره المزني أن الحكم بينهم واجب، فيلزم الحاكم إذا ترافعوا إليه أن يحكم بينهم وعليهم إذا حكم أن يلتزموا حكمه، وإذا استعدى أحدهم على الآخر وجب أن يعديه الحاكم، وأن يخص المستعدى عليه فإن امتنع من الحضور أجبره وعزره.
وإنما كان كذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ﴾ [المائدة: 49] وهذا أمر ولقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] قال أصحابنا: والصغار أن تجري عليهم أحكام الإسلام، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين زنيا، فلو لم يلزمهم حكمه لامتنعوا من إقامة الحد عليهم، ولأننا نجزيهم بالدفع عنهم منا ومن غيرنا مجرى المسلمين فوجب أن ندفع عنهم بالحكم بينهم في استيفاء الحقوق لهم كما نحكم بين المسلمين وبهذا نفرق بينهم وبين المعادين لا يلزمنا أن ندفع عنهم غيرنا فلم يلزمنا أن نحكم بينهم، ولا أن ندفع بعضهم عن بعض.
فأما أبو حنيفة فلم يعمل بواحد من القولين على إطلاقه وقال: لا يحكم بينهم إلا أن يجتمعوا على الرضي بحكم الإمام، فحينئذٍ يلزم الحاكم أن يحكم بين المترافعين إليه ويلزمهم أن يلتزموا حكمه.
والثاني: أن يكون الحكم بين ذميين من دينين كيهودي ونصراني تحاكما إلينا، فقد اختلف أصحابنا فيهم، فكان أبو إسحاق المروزي يخرج وجوب الحكم بينهما على قولين لو كانا عن دين واحد؛ لأن الكفر كله ملة واحدة.
وقال غيره من أصحابنا: أن يحكم بينهما قولًا واحدًا.
والفرق بين أن يكون من دين واحد أو دينين أنهما إذا كانا من دين واحد فلم يحكم
كان لهم حاكم واحد لا يختلفون فيه، فأمكن وصولهم إلى الحق منه.
وإذا كانا على دينين اختلفا في الحكم، وإن لم يحكم بينهما حاكمنا، فدعي النصراني إلى حاكم النصارى، ودعي اليهودي إلى حاكم اليهودي فتعذر وصول الحق إلا بحاكمنا فلذلك لزمه الحكم بينهما.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من القولين فهي من حقوق الآدميين فأما حقوق الله تعالى فقد اختلف أصحابنا فيها على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنها على قولين كحقوق الآدميين.
والثاني: أنها تجب قولًا لأنه لا يطالب بها غير الحاكم وليست لحقوق الآدميين التي لها خصم يطلب.
والثالث: أنها لا تجب قولًا واحدًا لأن حق الله تعالى في شركهم أعظم وقد أقروا عليه فكذلك ما سواه من حقوقه، وليس كذلك حقوق الآدميين لأنهم فيها متشاجرون متظالمون ودار الإسلام تمنع من التظالم، والله أعلم.
فصل:
فأما إذا كان التحاكم بين مسلم وذمي ومعاهد وجب على الحاكم أن يحكم بينهم قولًا واحدًا سواء كان المسلم طالبًا أو مطلوبًا لأنهما يتجاذبان إلى الإسلام والكفر فوجب أن يكون حكم الإسلام أغلب لرواية عائذ بن عمر المزني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإسلام يعلو ولا يعلى» ولو كان التحاكم بين ذمي ومعاهد كان على قولين تغليبًا لأوكدهما حرمه كما لو كانت بين مسلم ومعاهد حكم بينهما قولًا واحدًا تغليبًا لحرمة الإسلام التي هي أوكد.
فصل:
ثم إذا حكم حاكمنا بين ذميين أو معاهدين لم يحكم بينهم بالتوراة إن كانا يهوديين ولا بالإنجيل إن كان نصرانيين ولم يحكم إلا بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 49] أي يفتنونك بتوراتهم وإنجيلهم عما أنزل عليك من القرآن قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44].
فإن قيل: فكيف لا يحكم بينهم بكتابهم وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: 44] وقد أحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم التوراة حين رجم اليهوديين حتى رجمهما لما فيه من الرجم.
قيل: أما الآية فتضمنت صفة التوراة على ما كانت من الهدى والنور، وأنه كان
يحكم بها النبيون، وكذا كان حالها ثم غيرت حين بدل أهلها كما قال تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: 91] ومع تغيرهم لها وتبديلهم فيها لا يتميز الحق من الباطل فوجب العدول عنها وأما إحضاره التوراة عند رجم اليهوديين، فلأنه حين حكم عليها بالرجم أخبر اليهود أن في التوراة فأنكروه فأمره بإحضارها لتكذيبهم، فلما حضرت ترك ابن صوريا وهو أحد أحبارهم يده على ذكر الرجم، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم برفع يد، فإذا آية الرجم تلوح فكان إحضارها رد لإنكارهم وإظهار لتكذيبهم، لا لأن يحكم بها عليهم لأنه قد حكم بالرجم قبل حضورها، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "َإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمٌ مَضَى لَمْ يُزَوِّجْهُمْ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ مُسْلِمِينَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا قَرِيبٌ زَوَّجَهَا الحَاكِمُ لأَنَّ تَزْوِيجَهُ حُكْمٌ عَلَيْهَا فَإِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا بَعْدَ النِّكَاحِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ ابْتِداؤُهُ فِي الإِسْلَامِ أَجَزْنَاهُ؛ لأَنَّ عَقْدَهُ قَدْ مَضَى فِي الشِّرْكِ».
قال في الحاوي: قد مضى ما قررناه من وجوب الحكم بين أهل الذمة أو جوازه فإذا ترافع زوجان في عقد نكاح فهو كترافعهما في غيره من عقود البيع والإجازات، وإنما خص الشافعي ترافعهما في عقد النكاح لأنه في كتاب النكاح ولأن فروعه أكثر فإذا ترافعا فيه فعلى ضربين:
أحدهما: أن يترافعا في استدامة عقد قد مضى فليس للحاكم أن يكشف عن حال العقد ولا يعتبر فيه شروط الإسلام وينظر فإن كانت الزوجة ممن تجوز له عند التحاكم أن يستأنف العقد عليها جاز أن يقرهما على ما تقدم من عقدها.
سواء كان بولي أو شهود أم لا إذا رأوا ما عقدوه نكاحًا في دينهم وإن كانت ممن لا يجوز أن يستأنف العقد عليها عند الترافع إلينا لكونها في ذوات المحارم والمحرمات أو بقية عدة من زوج آخر حكم بإبطال النكاح ويكون حالها عند الترافع إلى الحاكم كحالهما لو أسلما فما جاز إقرارها عليه من النكاح بعد إسلامها جاز إقرارهما عليه عند ترافعهما إلى حاكمنا وما لم يجز الإقرار عليه بعد الإسلام لم يجز الإقرار عليه عند الترافع إلى الحاكم.
فصل:
والضرب الثاني: أن يترافعا إلى حاكمنا في ابتداء عقد يسأنفه بينهما فعلى الحاكم أن يعقده بينهما على الشرو المعتبرة في الإسلام بولي وشهود لقول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] وإنما جاز أن يمضي في مناكحهم في الشرك وإن لم تكن على شروط الإسلام ولا يجوز أن يستأنفها في الإسلام إلا على شروطه لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] ولأن في اعتبار
مناكحهم في الشرك على شروط الإسلام وردها إذا خالفته تنفيرًا لهم من الدخول في الإسلام وليس فيما استأنفوه لرضاهم به تنفيرًا لهم منه.
فإذا تقرر ما وصفناه قوليها في النكاح أقرب عصبتها من الكفار ولأن ولي الكافرة كافر ويراعى أن يكون عدلًا في دينه فإن كان فاسقًا فيه كان كفسق الولي المسلم بعدل إلى غيره من الأولياء العدول فإن عدم أوليائها من العصبة والمعتقين زوجها الحاكم ولا يمنعه الإسلام من تزويجها وإن منع منها إسلام عصبتها لأن تزويجها حكم فيه عليها.
فأما الشهود في نكاحها فلا يصح إلا أن يكونوا مسلمين وجوز أبو حنيفة عقد نكاحها بشهود كفار كما جاز بولي كافر وهذا خطأ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» والفرق بين الولي والشهود أن الولي يراد لطلب الحظ لها للموالاة التي بينها والكافر المشارك لها في الكفر أقوى موالاة من المسلمين فكان الكافر أحق بولاية نكاحها من المسلم وليس كذلك الشهود لأنهم يرادون لإثبات الفراش وإلحاق النسب لا يثبت ذلك إلا بالمسلمين فكانوا أخص بالشهادة فيه من غيرهم وهذا حكم إذنها إذا كانت ثيبًا بالنطق وإن كان بكرًا بالصمت ولا يعقده إلا بصداق حلال وإن كانوا يرون في دينهم عقده بالمحرمات من الخمور والخنازير وهل يجوز أن يعقده كتابي على وثنية أو وثني على كتابية أولًا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري- لا يجوز لمسلم أن يعقد على وثنية ولا لوثني أن يعقد على مسلمة.
والثاني: وهو مذهب الشافعي يجوز لأن الكفر كله ملة واحدة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَكَذَلِكَ مَا قَبَضَتْ مِنْ مَهْرِ حَرَامٌ وَلَوْ قَبَضَتْ نِصْفَهُ فِي الشِّرْكِ حَرَامًا ثُمَّ أَسْلَمَا فَعَلَيْهِ مَهْرِ مِثْلِهَا».
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا ترافع الزوجان في صداق نكاح عقد له في الشرك فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون حلالًا معلومًا فيحكم على الزوج، وكذلك لو أسلما عليه، ولا يلزم الزوج غيره فإن أقبضها في الشرك برئ منه وإن لم يقبضها أخذته بعد الإسلام أو عند الترافع إلى الحاكم بعد بقائها على الشرك.
والثاني: أن يكون حرامًا لا يجوز أن يكون صداقًا في الإسلام فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يتقابضاه في الشرك قبل الترافع على الحاكم فقد برئ الزوج منه لأن ما
فعلاه في الشرك عفو لا يتعقب بنقض كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 278] فجعل ما مضى عفوًا وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يجبّ ما كان قبله».
والثاني: أن يكون الصداق باقيًا لم يتقايضاه فلا يجوز أن يحكم بإقباضه سواء ترافعا وهما على الشرك أو قد أسلما ويحكم لها بمهر المثل دون القيمة لأن الخمر لا قيمة له وكذلك الخنزير وسائر المحرمات.
وقال أبو حنيفة: كان الصداق معينًا حكم لها به سواء أسلما لم لا وإن كان في الذمة فإن كانا على الشرك حكم لها بمثل الخمر وإن كانا قد أسلما حكم لها بقيمة الخمر بناء على أصله في غاصب الدار وفيها خمر إذا استهلكها وقد مضى الكلام معه.
والثالث: أن يتقابضا بعضه في الشرك ويبقى بعضه بعد الإسلام أو بعد الترافع إلى الحاكم فيبرأ الزوج من قدر ما أقبض في الشرك ويحكم لها من مهر المثل بقسط ما بقي منه وعند أبي حنيفة يحكم لها بقيمة ما بقي منه بناء على ما ذكرنا من أصله وما ذكرناه أولى لما قدمناه وإن كان كذلك لم يخل حال الصداق الحرام المقبوض بعضه من أحد أمرين:
إما أن يكون جنسًا أو أجناسًا فإن كان جنسًا واحدًا كأنه أصدقها عشرة أزقاق من خمر ثم ترافعا أو أسلما وقد أقبضها خمسة أزقاق وبقيت خمسة ففيها وجهان لأصحابنا:
أحدهما: أنه يراعى عدد الأزقاق دون كيلها فتكون الخمسة من العشرة نصفها وإن اختلف كيلها فيسقط عنه من المهر نصفه ويبقى عليه نصفه فيلزمه نصف مهر المثل وهذا قول أبي إسحاق المروزي.
والثاني: أنه يراعى كيلها دون عددها فينظر كيل الخمسة المقبوض من جملة كيل العشرة فإن كان ثلثها في الكيل ونصفها في العدد برئ من ثلث المهر ولزم ثلثا مهر المثل وهذا قول أبي علي بن أبي هريرة ولو كان قد أصدقها عشرة خنازير وأقبضها من العشرة ستة خنازير فعلى ما ذكرنا من الوجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق- إنك تراعي العدد فتكون الستة من العشرة ثلاثة أخماسها، سواء اختلفت في الصغر أو الكبر، أو لم تختلف، فيبرأ من ثلاثة أخماس الصداق ويطالب بخمس مهر المثل.
والثاني: وهو قول أبي علي بن خيران أنك تراعيها في الصغر والكبر، وكان الكبير منها يعدل صغيرين، وقد قبضه في السنة كبيرين وأربعة صغارًا، فكانت الأربعة تعادل كبيرين فصارت الستة أربعة كبارًا، والأربعة من العشرة خمساها فيبرأ من خمس الصداق، وترجع عليه بثلاثة أخماس مهر المثل، وإن كان الصداق أجناسًا مختلفة كأنه أصدقها
خمسة أزقاق خمرًا وعشرة خنازير وخمسة عشر كلبًا، ثم ترافعا أو أسلما وقد أقبضها خمسة أزقاق خمرًا وبقيت الخنازير كلها، والكلاب بأسرها فعنه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنك تعتبر عدد الجميع فيكون المقبوض خمسة من ثلاثين وهو سدسها فيسقط عند سدس الصداق ويؤخذ بخمسة أسداس مهر المثل.
والثاني: أنك تعتبر عدد أجناس وهي ثلاثة والمقبوض أحدها فتسقط عنه ثلث الصداق ويؤخذ بثلثي مهر المثل.
والثالث: وهو قول أبي العباس بن سريج أنك تعتبر قيمة الأجناس الثلاثة وتنظر قيمة المقبوض فتسقطه منه فيبرأ بقسطه من الصداق ويؤخذ بقسط الباقي من مهر المثل.
قال أبو العباس: وقد يجوز في الشرع أن يعتبر قيمة ما لا يحل بيعه ولا قيمة له كما يعتبر في حكومة ما لا يتقدر من جراح الحر قيمته لو كان عبدًا وإن لم يكن للحر ثمنًا ولا قيمة كذلك الخمور والخنازير والكلاب ولو كان المقبوض من الثلاثة جنسًا آخر غير الخمر كان على ما ذكرنا من الأوجه الثلاثة فاعتبر به، وبالله التوفيق.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَالنَّصْرَانِيُّ فِي إِنْكَاحش ابْنَتِهِ وَابْنِهِ الصَّغِيرَيْنِ كَالمُسْلِمِ».
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأننا قد ذكرنا أن ولي الكافرة كافر فله أن يزوج بنته الصغيرة إذا كانت بكرًا، ولا يزوجها إن كانت ثيبًا كالمسلم، ويزوج بنته الكبرى بكرًا بغير إذن وثيًا بإذن وله أن يزوج ابنته الصغيرة وليس له تزويج الكبيرة، كما نقوله في الأب المسلم في بنته وابنه المسلمين، فأما ولاية الكافر على أموال الصغار من أولاده، فما لم يرفع إلينا أقروا عليها، فإذا رفع إلينا لم يجز أن يؤتمن على أموالهم وترد الولاية عليهم فيها إلى المسلمين، بخلاف الولاية في النكاح؛ لأن المقصود بولاية الأموال الأمانة وهي في المسلمين أقوى والمقصود بولاية النكاح الموالاة وهي في الكافر للكافر أقوى، والله أعلم.
باب إتيان الحائض ووطء اثنتين قبل الغسل
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِاعْتِزَالِ الحُيَّضِ فَاسْتَدْلَلْنَا بِالسُّنَّةِ عَلَى مَا أَرَادَ فَقُلْنَا تَشَدُّ إِزَارُهَا عَلَى أَسْفَلِهَا وَيُبَاشِرُهَا فَوْقَ إِزَارَهَا حَتَّى يَطْهُرْنَ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ وَتَرَى الطُّهْر».
قال في الحاوي: أما وطء الحائض في الفرج فحرام بالنص والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] وفي هذا المحيض ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه أراد به دم الحيض.
والثاني: زمان الحيض.
والثالث: مكان الحيض.
ثم قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] أي ينقطع دمهن فإذا تطهرن فيه تأويلان:
أحدهما: فإذا انقطع دمهن، وهذا تأويل أبي حنيفة.
والثاني: فإذا تطهرن بالماء، وهذا تأويل الشافعي وأكثر الفقهاء والمفسرين.
﴿فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222] فيه تأويلان:
أحدهما: في القبل الذي نهى عنه في حال الحيض، وهذا تأويل ابن عباس.
والثاني: من قبل طهرنّ لا من قبل حيضهنّ، وهذا تأويل عكرمة وقتادة.
فصار تحريم وطء الحائض من القبل نصًا وإجماعًا؛ لأنه لم يعرف فيه خلاف أحد، فلو استحل رجل وطء حائض مع علمه بالنص والإجماع كان كافرًا، ولو فعله مع العلم بتحريمه كان فاسقًا.
فصل:
فأما الاستمتاع بما دون الفرج منها فيجوز أن يستمتع بما فوق الصرة ودون الركبة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يستمتع من الحائض بما فوق الإزار».
وأما الاستمتاع بما بين الصرة والركبة إذا عدل عن الفرجين ففيه وجهان:
أحدهما: أنه حرام وهو قول أبي حنيفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح الاستمتاع منها بما فوق الإزار، وما ين السرة والركبة هو مما تحت الإزار، وليس مما فوقه فدل على تحريمه.
والثاني: أنه مباح.
وبه قال مالك، ومن أصحابنا: أبو علي بن خيران، وأبو إسحاق المروزي؛ لأن تحريم وطء الحائض لأجل الأذى فوجب أن يكون مقصورًا على ما كان الأذى وهو الفرج دون غيره.
وروي أن عمر- رضي الله عنه- سئل عن ذلك فقال: إذا توقى الجحرين فلا بأس ويكون قوله صلى الله عليه وسلم: «يستمتع من الحائض بما فوق الإزار» محمولًا على ما دون الفرج ويكون الإزار كناية عن الفرج لأنه محل الإزار كما قال الشاعر:
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مآزِرَهُمْ دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ
أي شدوا فروجهم وخرج أبو الفياض من أصحابنا وجهًا ثالثًا: أنه إن كان قاهر لنفسه يأمن أن تغلبه الشهوة فيطأ في الفرج جاز له أن يستمتع بما دونه وإن لم يأمن نفسه أن تغلبه الشهوة فيطأ في الفرج حرام عليه أن يستمتع بما دونه إلا من رواء الإزار.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «فإذَا تَطَهَّرْنَ يَعْنِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ الطَّهَارَةُ الَّتِي تَحِلُّ بِهَا الصَّلَاةُ الغُسْلَ أَوْ التَّيَمّمَ.
وَقَالَ فِي تَحْرِيمَها لأَذَى المَحِيضِ كَالدَّلالَةِ عَلَى تَحْرِيمِ الدُّبُرِ لأَنَّ أَذَاهُ لَا يَنْقَطِعُ».
قال في الحاوي: أما ما دام الحيض باقيًا فوطئها في الفرج على تحريمها فإذا انقطع دم حيضها فمذهب الشافعي أن وطأها بعد انقطاع الدم على تحريمه حتى تغتسل أو تتيمم إن كانت عادمة للماء.
قال طاوس، ومجاهد: وطؤها حرام حتى تتوضأ فتحل.
وقال أبو حنيفة: قد حل وطئها إن لم تغتسل ولم تتوضأ وقد دللنا عليه في كتاب الحيض بما أغنى.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَإِنْ وَطِئَ فِي الدَّمِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا يَعُودُ».
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا وطئ الحائض في قبلها فقد أثم وعليه أن يستغفر الله تعالى ولا كفارة عليه وهو قول أبي حنيفة وأكثر الفقهاء.
وقالا الحسن البصري: عليه ما على المظاهر.
وقال سعيد بن جبير: عليه عتق نسمة، وقال الأوزاعي: عليه أن يتصدق بدينار إن وطئ في الدم ونصف دينار إن وطئ قبل الغسل وبه قال ابن جرير الطبري استدلالًا برواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن وطئ في الدم فعليه دينار، وإن وطئ قبل الغسل فنصف دينار» وروي هذا الحديث للشافعي وكان إسناده ضعيفًا.
قال: إن صح قلت به فإن لم يصح فلا شيء عليه وإن صح فقد اختلف أصحابنا فيه مع الصحة هل يكون محمولًا على الإيجاب أو على الاستحباب على وجهين:
أحدهما: وهو قول كثير منهم- أن يكون محمولًا على الإيجاب أو على الاستحباب على وجهين:
أحدهما: اعتبارًا بظاهره وقد حكي الربيع عن الشافعي: أنه قال: ما ورد من سنة
الرسول بخلاف مذهبي فاتركوا مذهبي فإن ذلك مذهبي وقد فعل أصحابنا مثل ذلك في التصويت في الصلاة الوسطى.
والثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج- أنه يكون محمولًا على الاستحباب دون الوجوب لأن الزنا والوطء في الدبر أغلظ تحريمًا ولا كفارة فيه؛ فلأن لا يكون في وطء الحائض كفارة أولى، ولأن كفارة الوطء، إنما تجب بما تعلق به من إفساده عبادة كالحج والصيام وليس فيه كفارة إذا لم يتعلق به إفساد عبادة، وقد روي أن رجلًا قال لأبي بكر رضي الله عنه: رأيت في منامي كأنني أبول الدم فقال: لعلك تطأ امرأتك حائضًا، قال: نعم، قال: استغفر الله ولا تعد، ولم يلزمه كفارة، فأما المستحاضة فلا يحرم وطئها لأنها كالطاهرة فيما يحل ويحرم، ولأن دم الاستحاضة رقيق وهو دم عرق قليل الأذى وليس كدم الحيض في ثخنه ونتنه وأذاه، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وَإِنْ كَانَ لَهُ إِمَاءٌ فَلَا بَاسَ أَنْ يَاتِيهُنَّ مَعًا قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ وَلَوْ تَوَضَّأَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ وَأُحِبُّ لَوْ غَسَلَ فَرْجَهُ قَبْلَ إِتْيَانِ الَّتِي بَعْدَهَا وَلَوْ كُنَّ حَرَائِرَ فَحَلَلْنَهُ فَكَذَلِكَ».
قال في الحاوي: فأما الإماء فلا قسم لهن على السيد، فإذا أراد وطئهن في يوم واحد جاز، ويستحب أن يغتسل بعد وطء كل واحدة منهن لما فيه من تعجيل فرض وتكرار وطاعة ونشاط نفس، فإن لم يغتسل توضأ عند وطء كل واحدة منهن، وأنكر أبو داود ما أمر به الشافعي من الوضوء؛ لأنه مع بقاء الجنابة غير مؤثر في الطهارة وما لا تأثير له كان فعله عبثًا، وهذا إنكار مستقبح وقول مسترذل واعتراض على السنة.
روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ» وقال لعمر بن الخطاب: «وإذا جامعت ثم أردت المعاودة فتوضأ».
وقال عمر: يا رسول الله: أيرقد أحدنا وهو جنب قال: «نعم إذا توضأ» فأمر بالوضوء وإن لم يرفع حدثًا، فإن لم يتوضأ عند وطء كل واحدة فيستحب أن يغسل ذكره بعد وطئها؛ لأنه مأثور ومسنون، ولأن فيه نشاط النفس ونهوضًا للشهوة، فإن لم يغتسل ولا توضأ ولا غسل ذكره ووطء جميعهن واحدة بعد الأخرى حتى أتى جميعهن جاز، واغتسل لهن غسلًا واحدًا.
وروى حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه ذات ليلة بغسل واحد.
وروى: وكن يومئذٍ تسعًا.
ولأن الغسل تداخل كالحدث ويكره أن ينتقل من وطء واحدة إلى وطء واحدة ويصبر حتى تسكن نفسه وتقوى شهوته فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الفهر.
والفهر: هو إذا وطء المرأة انتقل منها إلى أخرى ويكره أن يطأ بحيث يرى أو يحبس به فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الوجسِ.
وهو: أن يطأ بحيث يسمع حسه.
فصل:
فأما الحرائر فالقسم بينهن واجب إذا طلبنه فإذا أراد أن يطأهن في يوم واحد لم يجز لأن لإحداهن فلم يجز أن يطأ غيرها في يومها إلا أن يحللنه فإذا أحللنه سقط قسمهن وجاز أن يطأهن في يوم واحد بغسل واحد كالإماء، والله أعلم.
باب إتيان النساء في أدبارهن
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ إِلَى إِحْلَالَهِ وَآخَرُونَ إِلَى تَحْرِيمِهِ وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ أَنَّ اليَهُودَ كَانَتْ تَقُولُ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي قُبُلِها مِنْ دُبُرِهَا جَاءَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] وَرُوِيَ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «فِي أَيِّ الخَرِبَتَيْنِ أَوْ فِي أَيِّ الخَرَزَتَيْنِ أَوْ فِي أَيِّ الخَصْفَتَيْنِ أَمِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا فَنَعَمْ أَمْ مِنْ دُبُرِهَا فَلَا إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ لَا يَاتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ».
قَالَ الشَّافِعِيُّ فَلَسْتُ أُرَخِّصُ فِيهِ بَلْ أَنْهَى عَنْهُ».
قال في الحاوي: أعلم أن مذهب الشافعي وما عليه الصحابة وجمهور التابعين والفقهاء أن وطء النساء في أدبارهن حرام.
وحكي عن نافع وابن أبي مليكة وزيد بن أسلم أنه مباح ورواه نافع عن ابن عمر واختلفت الرواية فيه عن مالك فروى عن أهل المغرب أنه أباحه في كتاب السيرة.
وقال أبو مصعب: سألته عنه فأباحه.
وقال ابن القاسم قال مالك: أدركت أحدًا افتدى به في ديني يشك في أنه حلال وأنكر أهل العراق ذلك عنه ورووا عنه تحريمه لما انتقل ابن عبد الحكم عن مذهب الشافعي إلى مذهب مالك حكي عن الشافعي أنه قال: ليس في إتيان النساء في أدبارهن حديث ثابت والقياس يقتضي جوازه يريد ابن عبد الحكم بذلك نصرة مالك فبلغ ذلك
الربيع فقال: كذب والله الذي لا إله إلا هو لقد نص الشافعي على تحريمه في ستة كتب.
واستدل من ذهب إلى إباحته بما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر: أن رجلاً أتى امرأة في دبرها فوجد في ذلك وجدًا شديدًا، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223]. وقال تعالى: ﴿أَتَاتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء:165 - 166] فدل على أنه أباح من الأزواج مثل ما حظر من الذكران وقال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187] فدل على أن جميعهن باس يستمتع به على عمومه ولأنه لو استثناه من عقد النكاح فسد ولو أوقع عليه الطلاق سرى إلى الباقي، فدل على أنه مقصود الاستمتاع ولأنه أحد الفرجين فجاز إتيانه كالقبل، ولأنه ما ساوى القبل في كمال المهر وتحريم المصاهرة ووجوب الحد ساواه في الإباحة.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] فحرم الوطء في الحيض لأجل الأذى فكان الدبر أولى بالتحريم لأنه أعظم أذى ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222] يعني في القبل فدل على تحريم إتيانها في الدبر.
وروى مسلم بن سلام عن علي بن طلق أن أعرابيًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: "وإذا فسا أحدكم فليتوضأ" وخطب الناس فقال: "لا تأتوا النساء في أعجازهن فإن الله لا يستحي من الحق".
وروى سهل بن بي صالح عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "استحيوا من الله فإن الله لا يستحي من الحق، ولا تأتوا النساء في حشوشهن".
وروى حجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن هرمي عن خزيمة بن ثابت قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن".
قال: ملعون من أتى امرأة في دبرها.
وروى قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: عن إتيان النساء في أدبارهن فقال: "إنها اللوطية الصغرى".
وروى يوسف بن ماهك عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم
فقالت إن زوجها يأتيها وهي مدبرة فقال صلى الله عليه وسلم: "لا بأس إذا كان في حمام واحد".
وروى الشافعي عن جابر بن عبد الله أن اليهود كانت تقول: من أتى امرأة في قبلها من دبرها جاء ولده أحول فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223]. وأن رجًلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "في أي الحرزتين أو في الخرزتين أو في أي الحصفتين أمن دبرها في قبلها فنعم أم من دبرها في دبرها؟ فلا إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن" ولأن إجماع الصحابة روى ذلك عن على بن أبي طالب.
وعبدالله بن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء أما علي سئل عنه فقال: ﴿أَتَاتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80] وأما ابن عباس فسأله رجل عنه فقال: هذا يسألني عن الكفر.
وأما ابن مسعود وأبو الدرداء فغلظا فيه وحرماه وليس لمن ذكرنا من الصحابة وخالف فصار إجماعًا.
فإن قيل: فقد خالفهم ابن عمر قيل: قد روى عنه ابنه سالم خلافه وأنكر على نافع ما رواه عنه.
وقال الحسن بن عثمان لنافع أنت رجل أعجمي إنما قال ابن عمر من دبرها في قبلها فصحفت وقلت: في دبرها فأهلكت النساء.
ومن طريق القياس أنه إتيان فوجب أن يكون محرمًا كاللواط ولأنه أذى معتاد فوجب أن يحرم الإصابة فيه كالحيض ولا يدخل عليه وطء المستحاضة لأنه نادر.
فأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فقد روى جابر أن سبب نزولها ما ذكرته اليهود: أن من أتى امرأة من دبرها في قبلها جاء ولده أحول.
وقال ابن عباس: وهم ابن عمر في ذلك إنما نزلت بمن وطء في الفرج من خلفها وحكي عن النبي صلى الله عليه وسلم على أنه سبب نزولها أن ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جلسوا يومًا مع قوم من اليهود فجعل بعضهم يقول: إني لآتي امرأتي وهي مضطجعة ويقول الآخر إني لآتيها وهي قائمة ويقول الآخر إني لآتيها وهي على جنبها ويقول الآخر: إني لآتيها وهي باركة فقال اليهودي: ما أنتم إلا أمثال البهائم، فأنزل الله تعالى هذه الآية على أن قوله ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ والحرث هو من مزرع الأولاد في القبل دليل على أن الإباحة توجهت إليه دون الدبر الذي ليس بموضع حرث ولا من مزدرع لذلك وأما قوله تعالى: ﴿أَتَاتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ (166)﴾ [الشعراء: 165 - 166] فمعناه أتأتون المحظور من الذكران وتذرون المباح من فروج النساء وقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 187] فيه تأويلان:
أحدهما: أن اللباس السكن مقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: 47] أي سكنًا.
والثاني: أن بعضهم يستر بعضًا كاللباس وليس في ذلك على التأويلين دليل لهم.
وأما فساد العقد باستثنائه وسرائه الطلاق به فقد يفسد العقد باستثناء كل عضو ولا يصح الاستمتاع به من فؤادها وكبدها ويسيري من الطلاق إلى جميع بدنها ولا يدل على إباحة الاستمتاع به فكذلك الدبر.
وأما قياسهم على القبل فالمعنى فيه: أنه لا أذى فيه.
وأما استدلالهم بما يتعلق به من كمال المهر وتحريم المصاهرة فغير صحيح لأن ذلك يختص بمباح الوطء دون محظور لألا تراه يتعلق بالوطء في الحيض والإحرام والصيام وإن كان محظورًا فكذلك في هذا.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَأَمَّا التَّلَذَذِ بِغَيْرِ إِيلَاجٍ بَيْنَ الإِلْيَتَيْنِ فَلاَ بَاسَ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)﴾ [المؤمنون:5، 6] ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمن دبرها في قبلها فنعم إن الله لا يستحي من الحق" فدل على إباحة التلذذ بما بين الإليتين.
فصل:
فأما عزل المني عن الفرج عند الوطء فيه فإن كان في الإماء جاز من غير استئذانهن فيه لرواية أبي سعيد الخدري أنه قال: يا رسول الله إنا نصيب السبايا ونحب الأثمان أفنعزل عنهن؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى إذا قضى خلق نسمة خلقها، فإن شئتم فاعزلوا" ولأن في العزل عنها استبقاء لرقها وامتناع من الإفضاء إلى عتقها فجاز كما يجوز أن يمتنع من تدبيرها وإن كانت حرة لم يكن له أن يعزل عنها إلا بإذنها.
والفرق بينهما أن الحق في ولد الحرة مشترك بينهما وفي ولد الأمة يختص السيد دونها.
فصل:
فأما الاستمناء باليد وهو استدعاء المني باليد محظور وقد حكي الشافعي عن بعض الفقهاء إباحته وأباحه قوم في السفر دون الحظر.
وهو خطأ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)﴾ [المؤمنون: 5، 6] فحظر ما سواء الزوجات وملك اليمين وجعل مبتغى ما عداه عاديًا متعديًا لقوله {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ
الْعَادُونَ (7)} [المؤمنون: 7] وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لعن الله الناكح بيده" ولأن ذريعة إلى ترك النكاح وانقطاع النسل فاقتضى أن يكون محرمًا كاللواط.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ أَصَابَهَا فِي الُّبُر لَمْ يُحْصِنْهًا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
لأن الإحصاء كمال فلم يثبت إلا بوطء كامل وهو القبل ولأنه لما لم يتحصن بوطء الإماء وإن كان مباحًا اعتبارًا بأكمله في الحرائر كان بأن لا يتحصن بالوطء المحرم في الدبر أولى وجملة أحكام التي تتعلق بالوطء ثلاث أضرب:
أحدها: ما يختص بالوطء في القبل إلا يثبت بالوطء في الدبر.
والثاني: إحلالها دون الدبر وهي ثلاثة أحكم:
أحدهما: الإحصان للزوج المطلق ثلاثاً لا يكون إلا بالوطء من القبل دون الدبر لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها" في القبل.
والرابع: وجوب العدة منه كوجوبها بالوطء في القبل.
والخامس: تحريم المصاهرة وثبت به كثبوته بالوطء في القبل.
والسادس: فساد العبادات من الحج والصيام والاعتكاف يتعلق به كتعلقها بالوطء في القبل.
والسابع: وجوب الكفارة بإفساد الحج والصيام يتعلق به لتعلقها بالوطء في القبل.
والضرب الثالث: ما اختلف أصحابنا فيه وهي ثلاثة أحكام:
أحدها: الفيئة في إيلاء فيها وجهان.
أحدهما: أن لا تكون إلا بالوطء في القبل دون الدبر لأنها من حقوق الزوجية فتعلقت بالوطء المستباح بالعقد وهو القبل.
والوجه الثاني: أنها تكون بالوطء في الدبر لأنه قد صار به حانثًا ولزمته الكفارة فصار به فائيًا.
والثاني: العدة من الوطء في الدبر فإن كان في عقد نكاح وجبت به العدة كوجوبها بالوطء في القبل لأن العدة في النكاح قد تجب بغير وطء فكان أولى أن تجب بالوطء في الدبر وإن كان بسببه ففي وجوب العدة فيه وجهان:
أحدهما: تجب كوجوبها في النكاح.
والثاني: هو قول أبي علي بن خيران - لا تجب لأنها في الشبهة تكون استبراء محضًا حفظًا للنسب واستبراء للرحم وهذا المعنى مختص بالقبل دون الدبر.
والثالث: لحقوق النسب من الوطء في الدبر وإن كان غي عقد نكاح لحق وإن كان سبهة ففي لحوق النسب به وجهان وإن كان قيل بوجوب العدة منه كان النسب لاحقًا وإن قيل: لا تجب العدة فيه لم يلحق به النسب، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَيَنْهَاهُ الإِمَامُ فَإِنْ عَادَ عَزَّرَهُ فإِنْ كَانَ فِي زِنًا حَدَّهُ وَإِنْ كَانَ غَاصِبًا أَغْرَمَهُ وَأَفْسَدَ حَجَّهُ".
قال في الحاوي: أما فاعل ذلك في زوجته أو أمته فإنه ينهى ويكف لإقدامه على حرام وارتكابه لمحظور ولا يعاجل في أول فعله بأكثر من النهي فينهى الزوج من الفعل وتنهى الزوجة من التمكين فإن عاودوا ذلك بعد النهي عذِّرا تأديبًا وزجرًا ولا أحد فيه لأجل الزوجية فأما فاعله زنى فعليه الحد وهو حد اللواط وفيه قولان:
أحداهما: كحد الزنا جلد مائة وتغريب عام وإن كان بكرًا أو الرجم إن كان ثيبًا.
والثاني: القتل بكرًا كان أو ثيبًا وأما المفعول بها فإن كانت مطاوعة فعليها حد اللواط على القولين.
وإن كانت مكرهه فلا حدّ عليها ولها مهر مثلها فإن قيل: فليس في اللواط مهر فكيف وجب لهذه مهر والفعل معها كاللواط.
قيل: لأن النماء جنس يجب في التلذذ بهن مهر فوجب لهن المهر والذكران جنس يخالفون النساء فيه فلم يجب لهم مهر، والله أعلم.
باب الشغار وما دخل فيه
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله: "وإذا أنكح الرجل ابنته أو المرأة تلي أمرها الرجل على أن ينكحه ابنته أو المرأة تلي أمرها على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى ولم يسم بكل واحدة منهما صداقًا فهذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مفسوخ".
قال في الحاوي: وأما الشغار في اللغة فهو الخلو، ويقال بلد شاغر إذا خلا من سلطان، وأمر شاغر إذا خلا من مدبر.
أصله: مأخوذ من شغور الكلب، يقال: شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه للبول لخلو الأرض منها.
(وحكى) الجاحظ أن شغور الكلب علامة بلوغه وأنه يبلغ بعد سنة أشهر من عمره واستشهد بقول الشاعر
حَتَّى تُوَفَا الستَّة الشُّهُورَا مِنْ عُمْرِهِ وَبَلَغَ الشَّغُورَا
وهذا قول أبي عمر وابن العلاء والأصمعي وأكثر أهل اللغة.
وقال ابن الأعرابي: سمي الشغار شغارًا لقبحه ومنه شغور الكلب لقبح منظره إذا بال مع رفع رجليه.
وقال ثعلب: الشغار الرفع ومنه شغور الكلب.
والأصل في الشغار ما رواه ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشغار.
وروى حميد عن الحسن عن عمران بن الحصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام".
والشغار ما وصفه الشافعي بقول الرجل: قد زوجتك بنتي أو وليتي على أن تزوجني بنتك أو وليتك على أن تضع كل واحد منهما صداق الأخرى أو يقول على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى فهذا هو الشغار المنهي عنه والدليل عليه حديثان:
أحدهما: ما رواه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار والشغار: أن يزوج الرجل ابنته الرجل على أن يزوجه الرجل الآخر ابنته ليس بينهما صداق.
والحديث الثاني: رواه معمر عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا شغار في الإسلام" والشغار أن يبذل الرجل أخته بأخته.
وهذا التفسير من الراوي إما أن يكون سماعًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو نص وإما أن يكون عن نفسه فهو لعلمه بمخرج الخطاب ومشاهدة الحال أعرف به من غيره.
فإذا تقرر أن نكاح الشغار ما وصفنا فعقد النكاح فيه باطل.
وبه قال مالك وأحمد وإسحاق إلا أن مالكًا جعل النهي فيه متوجهًا إلى الصداق وعنده أن فساد الصداق موجب لفساد النكاح وعندنا أن النهي متوجه إلى النكاح دون الصداق وأن فساد الصداق لا يوجب فساد النكاح فصار مالك موافقًا في الحكم مخالفًا في معنى النهي.
وقال أبو حنيفة: نكاح الشغار جائز والنهي فيه متوجه إلى الصداق دون النكاح
وفساد الصداق لا يوجب فساد النكاح فصار مخالفًا لمالك في الحكم موافقًا له في معنى النهي.
وبه قال الزهري والثوري استدلاًلا بأن النهي متوجه إلى الصداق لأنه لو قال كل واحد منهما: قد زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك كان النكاح جائزًا وإنما أبطله إذا قال: على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى فدل على أن النهي توجه إلى الصداق وفساده لا يوجب فساد النكاح كما لو تزوجها على صداق من خمر أو خنزير ولأنه لو قال: قد زوجتك بنتي على أن صداقها طلاق امرأتك صح النكاح وإن جعل الصداق بضِع زوجته فكذلك في مسألتنا قالوا: ولأنكم جوزتم النكاح إذا سمي لهما أو لأحدهما صداقًا فكذلك وإن لم يسميه لأن ترك الصداق في العقد الصحيح لا يوجب فساده كما أن ذكره في العقد الفاسد لا يوجب صحته.
ودليلنا ما قدمناه من نهي النبي صلى الله عليه وسلم والنهي عندنا يقتضي فساد المنهي عنه ما لم يصرف عن دليل.
فإن قالوا: قد فسد بالنهي ما توجه إليه وهو الصداق دون النكاح فعنه جوابان:
أحدهما: أن النهي إلى النكاح ما رواه نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن نكاح الشغار".
والثاني: أنه يجمل على عموم الأمرين.
فإن قالوا: إنما سمي شغارًا لخلوه من صداق ونحن لا نخليه لأننا نوجب فيه صداق المثل فامتنع أن يكون شغارًا.
قيل: هذا فاسد لأنه ليس يمنع ما أوجبتموه من الصداق بعد العقد من أن يكون نكاح الشغار ووقت العقد قد توجه النهي إليه فاقتضى فساده.
ومن طريق القياس ما ذكره الشافعي في التقديم أنه عقد فيه مثنوية ومعناه: أنه ملك الزوج بضع بنته بالنكاح أو ارتجعه منه بأن جعله ملكًا لبنت الزوج بالصداق وهذا موجب لفساد النكاح كما لو قال: زوجتك بنتي على أن يكون بضعها ملكًا لفلان كن النكاح فاسدًا بإجماع كذلك هذا بالحجاج وتحريره: أنه جعل المقصود لغير المعقود له فوجب أن يبطل قياسًا على ما ذكرناه من قوله: زوجتك بنتي على أن يكون بضعها لفلان ولأن جعل المعقود عليه معقودًا به فوجب أن يكون باطًلا كما لو زوج بنته بعبد على أن تكون رقبته صداقها ولأن العين الواحدة إذا جعلت عوضًا ومعوضًا فإذا بطل أن تكون عوضًا بطل أن تكون معوضًا كالثمن والمثمن في البيع وهو أن يقول: قد بعتك عبدي بألف على أن يكون ثمنًا لبيع دارك علي.
فأما الجواب عن استدلالهم بأن الفساد في الصداق لأنه لو قال: قد زوجتك بنتي
على أن تزوجني بنتك كان النكاح جائزًا فهو أن الفساد إنما كان الشغار للاشتراك في البضع وفي هذا الموضع لا يكون في البضع اشتراك فصح ألا تراه لو قال: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك على ان بضع بنتي صداق لبنتك بطل نكاح بنته لأنه حصل في بعضها اشتراكًا ولم يبطل نكاح الأخرى لأنه لم يحصل في بعضها اشتراكًا.
وأما استدلاله بأن لو جعل صداق بنته طلاق زوجته صح فكذلك هاهنا فالجواب عنه أن فساد اختص بالمهر ولم يحصل في البضع تشريك فلذلك صح وليس كذلك في مسألتنا.
وأما استدلاله الآخر فسنذكر من اختلاف أصحابنا في حكمه ما يكون جوابًا، وبالله التوفيق.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ سَمَّى لَهُمَا أَوْ لأحدهما صَدَاقًا فَلَيْسَ بِالشِّغَارِ المَنْهِيِّ عَنْهُ وَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ وَالمَهْرُ فَاسِدٌ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَنِصْفُ مَهْرٍ إِنْ طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ.
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ ثَبَتَ النِّكَاحُ بِلاَ مَهْرٍ قِيلَ: لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَازَهُ فِي كِتَابِهِ فَأَجَزْنَاهُ وَالنِّسَاءُ مُحَرَّمَاتُ الفُرُوج إلَّا بِمَا أَحَلَّهُنَّ اللهُ بِهِ فَلَمَّا نَهَى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ لَمْ أُحِلَّ مُحَرَّمًا بمُحَرَّم وَبِهَذَا قُلْنَا فِي نِكَاحَ المُتْعَةِ وَالمُحَرَّم قَالَ: وَقُلْتُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَجَزْتُ نِكَاحَ الشِّغَارِ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرَدَدْتُ نِكَاحَ المُتْعَةِ وَقَدْ اخْتُلِفَ فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وّهّذَا تَحَكُّمٌ أَرَأَيْتَ إِنْ عُورِضْتَ فَقِيلَ لَكَ نَهَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُنْكَحَ المَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا أَوْ عَلَى عَمَّتِهَا وَهَذَا اخْتِيَارٌ، فَأَجِزْهُ فَقَالَ: لاَ يَجُوزُ لأَنَّ عَقْدَهُ مَنْهِيٌ عَنْهُ.
قَيلَ: وَكَذَلِكَ عَقْدُ الشِّغَارِ مُنْهِيٌ عَنْهُ، قَالَ المُزَنِيُّ لاَ عَنْ الصَّدَاقِ وَلَوْ كَانَ الشَّافِعِيُّ نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عّنْ الشِّغَارِ نَهَى عَنْ النِّكَاحِ نَفْسِهِ لاَ عَنْ الصَّدَاقِ وَلَوْ كَانَ عَنْ الصَّدَاقِ لَكَانَ النِّكَاحُ ثَابِتًا وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: اختلف أصحابنا في صورة هذا المسألة على وجهين:
أحدهما: صورتها أن تقول: قد زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك على أن صداق كل واحدة منهما بضع الأخرى ومائة درهم فيصح النكاح اعتبارًا بالاسم وأنه لا يسمى مع المهر مذكورًا شغارًا خاليًا ويكون لكل واحد منهما مهر مثلها لفساد الصداق.
والثاني: أن هذه المسألة شغار يفسد فيه النكاحان اعتبارًا بالمعنى وهو التشريك في البضع وهو أن صورة الشافعي رضي الله تعالى عنه التي لم يجعلها شغارًا أن يقول: قد زوجتك بنتي على صداق مائة على أن تزوجني بنتك على صداق مائة فالنكاحان
جائزان لأنه لم يشرك في البضع ولا جعل المعقود عليه معقودًا به ويبطل الصداقان لأن فساد الشرط راجع إليه فسقط فيه ما قابله وهو مجهول فصار باقية مجهوًلا والصداق المجهول يبطل ولا يبطل به النكاح بخلاف البيع الذي يبطل ببطلان الثمن فلو قال: قد زوجتك بنتي بصداق ألف على أن تزوجني بنتك بصداق ألف على أن بضع كل واحدة منهما بضع الأخرى صح النكاحان على الوجه الأول ولم يكن شغارًا لما تضمنه من تسمية الصداق وبطل النكاحان على الوجه الثاني وكان شغارًا لما فيه من التشريك في البضع ولو قال: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك صح النكاحان على الوجهين معًا وكان لكل واحدة منهما مهر مثلها لما ذكرنا من أن شرط يعود فساده إلى المهر المستحق ولو قال: زوجتك بنتي على أن تزوجني بنتك على أن بضع بنتي صداق لبنتك بطل نكاح بنته لأنه جعل بضعها مشتركًا وصح نكاحه على بنت صاحبه لأنه لم يجعل بضعها مشتركًا ولو قال: على أن صداق بنتي بضع بنتك صح نكاح بنته وبطل نكاحه لبنت صاحبه لأن الاشتراك في بضعها لا في بضع بنته فتأمله تجده مستمر التعليل، وبالله التوفيق.
فصل:
وإذا قال الرجل لرجل: إن جئتني بكذا أو كذا إلى أجل يسميه فقد زوجتك بنتي فجاءه به في أجله لم يصح النكاح وأجازه مالك مع الكراهة إذا أشهد على نفسه بذلك استدلاًلا بقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: 34] وهذا خطأ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد" ولأنه نكاح مسلم علق بمجيء صفة فوجب أن لا يصح كقوله: قد زوجتكما إذا جاء المطر، ولأن عقود المعاوضات لا تتعلق بمجيء الصفات كالبيوع فأما قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] فليس هذا عقد فيلزم الوفاء به، والله أعلم.
باب نكاح المتعة والمحلل
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَاٍب عَنْ عَبْدِ اللهِ وَالحَسَنِ ابْنَي محَمَّدِ بْنِ عَليِّ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نّهّى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ نِكَححِ المُتْعَةِ وَأَكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، قَالَ: وَإِنْ كِانِ حَدِيثُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُمَرَ عَنْ الَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ ثَابِتًا فَهُوَ مُبَيِّنٌ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَحَلَّ نِكَاحَ ثُمَّ قَالَ: "هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْم اَلقِيَامَةِ" قَالَ: وَفِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب:49] فَلَمْ يُحَرِّمْهُنَّ اللهُ عَلَى الأَزْوَاجِ إِلاَّ بِالطَّلاقِ وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:229] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء:20] فَجَعَلَ إِلَى الأَزْوَاجِ فُرْقَةَ مَنْ عَقَدُوا عَلَيْهِ النِّكَاحَ مَعَ أَحْكَامِ مَا بَيْنَ الأَزْوَاجِ فَكَانَ بَيِّنًا، وَاللهِ أَعَلَمُ، أَنَّ نِكَاحَ المُتْعَةِ مَنْسَوخٌ
بَالقُرآنِ وَالسُّنَّةِ لأَنَّهُ إِلَى مُدَّةٍ نَجِدُهُ يَنْفَسِخُ بِلاَ إِحْدَاثِ طَلاَقٍ فِيهِ وَلاَ فِيهِ أَحْكَامُ الأَزْوَاجِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: نكاح المتعة حرام وهو أن يقول للمرأة: أمتعيني نفسك شهرًا أو موسم الحاج أو ما أقمت في البلد أو يذكر ذلك بلفظ النكاح أو التزويج لها أو وليها بعد أن يقدره بمدة إما معلومة أو مجهولة فهو نكاح المتعة الحرام وهو قول العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء.
وحكي عن ابن عباس وابن مليكة وابن جريج والإمامية.
رأيهم فيه جوازًا استدلاًلا بقوله تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] فكان على عمومه في المتعة والمقدرة والنكاح المؤبد وقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: 24] وهذا أبلغ في النص.
وروى سلمة بن الأكوع أنه منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يقول: "إن الله قد آذن لكم فاستمتعوا" وهذا نص.
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: "متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج فأخبر بإباحتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ثبت إباحته بالشرع لم يكن له تحريمه بالاجتهاد وقالوا: ولأنه عقد منفعة فصح تقديره بمدة كالإجازة ولأنه قد ثبت إباحتها بالإجماع فلم ينتقل عنه إلى التحريم إلا بالإجماع.
ودليلنا: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30)﴾ [المعارج: 29 - 30] وليست هذه زوجته ولا ملك يمين فوجب أن يكون فيها ملومًا ثم قال: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾ [المؤمنون: 7] فوجب أن يكون عاديًا.
ويدل عليه من السنة مع الحديث الذي رواه الشافعي في صدر الباب ما رواه أبو ضمرة عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة عن أبيه قال: قدمت مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: "استمتعوا من هؤلاء النساء" والاستمتاع يومئٍذ عندنا النكاح فكلم النساء من كلمهن فقلن لا ينكح الأنبياء ونبيكم أجل فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اضربوا بينكم وبينهن أصًلا فخرجت أنا وابن عم لي عليه برد وعيّ برد، وبرده أجود من بردي وأما أشب منه فأتينا امرأة فأعجبها برده وأعجبها شبابي فقالت: برد كبرد فكان الأجل بيني وبينها عشرًا فبت عندها تلك الليلة ثم عدت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المقام والركن يخطب الناس فقال: "يا أيها الناس قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من هؤلاء النساء وإن الله د حرم ذلك وهو حرام إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا".
وروى ابن أبي لهيعة عن موسى بن أيوب عن إياس بن عامر عن علي بن أبي طالب قال: نهى رسول الله صَلَى الله عليه وسلم عن المتعة وقال: إنما كانت لمن لم يجد فلما أنزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت.
وروى عمر بن الخطاب أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أباح المتعة ثلاثًا ثم حرمهما.
وروى نافع عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صَلَى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن متعة النساء وما كنا مسافحين.
وروى عكرمة بن عمار عن سعيد عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة تبوك فنزلنا عند ثنية الوداع فرأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مصابيح ونساء يبكين فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "حرم المتعة, النكاح, والطلاق, والعدة والميراث".
وحكي أن يحيى بن أكثم دخل على المأمون فقال: يا أمير المؤمنين أحللن المتعة وقد حرمها رسول الله صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فقال المأمون: يا يحيى إن تحريم المتعة حديث رواه الربيع بن سبرة أعرابي يبول على عقبيه ولا أقول به.
فقال يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين هاهنا حديث آخر فقال: هاته يا يحيى فقال: حدثنا القنبعي فقال المأمون: لا بأس به عن من؟ فلما قال يحيى: عن مالك فقال المأمون: كان أبي يبجله هيا فقال يحيى: عن الزهري عن المأمون: كان ثقة في حديثه ولكن كان يعمل لبني أمية هيا فقال يحيى: عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي ابن الحنفية قال: ففكر المأمون ساعة ثم قال: كان أحدهما يقول بالوعيد والآخر بالإرجاء "هيا" قال يحيى: عن أبيهما محمد بن علي قال: هيا.
قال يحيى عن علي بن أبي طالب قال: هيا قال يحيى: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عام خيبر عن المتعة وعن أكل لحوم الحمر الأهلية فقال المأمون: يا غلام اركب فناد أن المتعة حرام.
فإن قيل: فهذه الأحاديث مضطربة يخالف بعضها بعضًا, لأنه روى في بعضها أنه حرمها عام خيبر وروى في بعضها أنه حرمها عام الفتح بمكة.
وروي في بعضها أنه حرمها في غزوة تبوك وروى في بعضها أنه حرمها في حجة الوداع وبين كل وقت ووقف زمان ممتد ففيه جوابان:
أحدهما: أنه تحريم في مواضع ليكون أظهر وأنشر حتى يعلمه من لم يكن قد علمه لأنه قد يحضر في بعض المواضع من لم يحضر معه في غيره فكان ذلك أبلغ في التحريم وأوكد.
والثاني: أنها كانت حلالًا فحرمت عام خيبر ثم أباحها بعد ذلك لمصلحة علمها ثم
حرمها في حجة الوداع ولذلك قال فيها: "وهي حرام إلى يوم القيامة" تنبيهًا على أن ما كان من التحريم المتقدم موقف تعقبته إباحة وهذا تحريم مؤبد لا تتعقبه إباحة ولأنه إجماع الصحابة روي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن الزبير وأبي هريرة.
قال ابن عمر: لا أعلمه إلا السفاح نفسه.
وقال ابن الزبير: المتعة هي الزنا الصريح.
فإن قيل: فقد خالفهم ابن عباس ومع خلافه لا يكون الإجماع قيل: قد رجع ابن عباس عن إباحتها وأظهر تحريمها وناظره عبد الله بن الزبير عليها مناظرة مشهورة وقال له عروة بن الزبير: أهلكت نفسك قال: وما هو يا عروة قال: تفتي بإباحة المتعة وكان أبو بكر وعمر ينهيان عنها, فقال: عجيب منك أخبرك عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتخبرني عن أبي بكر وعمر فقال له عروة: إنهما أعلم بالسنة منك فسكت.
وروى المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير: أن رجلًا أتى ابن عباس فقال: هل لك فيما صنعت نفسك في المتعة حتي صارت به الركاب وقال الشاعر:
أقول للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس
يا صاح هل لك في بيضاء بهكنة تكون مثواك حتى يصدر الناس
فقال ابن عباس: ما إلى هذا ذهبت وقام يوم عرفة فقال: يا أيها الناس إنها والله لا تحل لكم إلا ما تحل لكم الميتة والدم ولحم الخنزير.
يعني إذا اضطررتم إليها ثم رجع عنها فصار الإجماع برجوعه منعقدًا والخلاف به مرتفعًا وانعقاد الإجماع بعد ظهور الخلاف أوكد لأنه يدل على حجة قاطعة ودليل قاهر.
ومن القياس: أنه حل عقد جاز مطلقًا فبطل مؤقتًا كالبيع طردًا والإجارة عكسًا ولأنه للنكاح أحكامًا تتعلق بصحتها وتبقى عن فاسدها وهي الطلاق والطهار والعدة والميراث.
فلما انتفت عن المتعة هذه الأحكام دل على فساده كسائر المناكح الفاسدة.
فأما الجواب على قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] فهو أن المتعة غير داخلة في النكاح لأن اسم النكاح ينطلق على ما اختص بالدوام لذلك قيل: قد استنكحه المدى لمن دام به فلم يدخل فيه المتعة المؤقتة ولو جاز أن يكون عامًا لخص بما ذكرنا.
وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: 24] فمن وجهين:
أحدهما: أن عليًا وابن مسعود رؤيا أنها نسخت بالطلاق والعدة والميراث.