أحدهما: لا يقبل وهو الأصح, لأنه لو أقر بما يوجب المال لا يقبل إقراره [ق 79 ب] فإذا أضافه إلى ما يقبل فيه وجهان لا يقبل أيضًا, ولأنه لو شهد بالسرقة شاهد أو امرأتان ثبت المال دون القطع, فدل على أن أحدهما منفصل عن الآخر.
والثاني: قاله في كتاب "الإقرار بالحكم الظاهر" يقبل إقراره ويباع فيه, لأنه إذا ثبت به القطع ثبت به المال؛ لأن القطع لا ينفصل عن المال كالدية والقصاص, ومن قال بالأول لا يسلم هذا الأصل على قول صاحب "الإفصاح"وعلى قول سائر أصحابنا فرق بينهما, فإن القصاص والدية تجيان بسبب واحد لمستحق واحد فإذا ثبت الأعلى كان له العدول إلى الأدون, وليس كذلك القطع والمال لأنهما يتعلقان بشيئين مختلفين, فجاز أن يثبت أحدهما دون الآخر, ألا ترى أنه لو شهد رجل وامرأتان بجناية العمد لم يثبت المال, ولو شهدوا بالسرقة يثبت المال دون القطع, فدل على الفرق بينهما.
ثم لو رجع من هذا الإقرار سقط القطع دون الغرم إذا أوجبنا الغرم في رقبته أو ذمته, وإن كان العين قائمة نظر, فإن كانت في يد السيد لا يقبل قوله فيها على سيده, بل يجب غرم ذلك في ذمته, وإن كانت في يده قطعت يده قولًا واحدًا, وهل يقبل في تلك العين؟
قال بعض أصحابنا: لا يقبل فيها قولًا واحدًا, والفرق أنه إذا كان تالفًا لا يؤدي إلى أن [ق 80 أ] يقبل إقراره فيما زاد على قيمته, وفي العين لو قبلنا إقراره أدى إلى أن يقبل إقراره فيما يزيد قيمته, وفي العين لو قبلنا إقراره أدى إلى أن يقبل إقراره فيما يزيد قيمته أضعافًا مضاعفة وهذا هو المذهب, وبه قال أبو يوسف رحمه الله ومن أصحابنا من قال: فيه قولان أيضا؛ أحدهما هذا.
والثاني: يقبل ويرد على صاحبه, ومن أصحابنا من قال: إن قلنا بالتالف لا يقبل فههنا أولى, وإن قلنا هناك يقبل فههنا ثلاثة أوجه:
أحدها: يقبل وهو اختيار ابن سريج.
والثاني: لا يقبل, وبه قال مالك وأحمد؛ لأن يده يد لسيده.
والثالث: العين ترد إلى السيد إذا ادعاها, ويتعلق غرم قيمتها في رقبته استدراكًا لما يخاف من وفور قيمة العين واستيعاب مال السيد فلا يتجاوز عن الرقبة ذكره في "الحاوي".
وقال أبو حنيفة: يقبل إقراره في العين وترد إليه سواء كان في يد العبد أو في يد سيده, وقال محمد: لا تقطع يده كما لا يسلم العين إلى المقر, وهذا غلط؛ لأن التهمة لا تلحقه في القطع يده كما لا يسلم العين إلى المقر, وهذا غلط؛ لأن التهمة لا تلحقه في القطع فيلزمه بخلاف المال.
فرع آخر
إذا قال العبد: استكرهت هذه الحرة على الزنا يلزمه الحد, وهل يقبل إقراره في المهر؟ كما ذكرنا في السرقة.
فرع آخر
المحجور بالسفه إذا أقر بالسرقة, فإن قلنا: يقبل إقرار العبد على سيده كان إقراره بالقبول في ماله أولى فيقطع [ق 80 ب] ويغرم, وإذا قلنا إقرار العبد يلزم في ذمته ففي إقرار السفيه وجهان:
أحدهما: يقبل وهو قول ابن أبي هريرة بخلاف العبد لأنه يقر في غير مال بخلاف السفينة.
والثاني: لا يقبل؛ لأن السفينة يمنع من قبول إقراره وهو أسوأ حالًا من العبد؛ لأن العبد يثبت للعذر فيها بخلاف هذا! وعلى هذا في وجوب قطعه وجهان:
أحدهما: لا يقطع لسقوط الغرم.
والثاني: يقطع كما لو سقط الغرم بالإبراء بعد الوجوب.
فرع آخر
لو ادعى عبد قتلًا يوجب القصاص فأنكر فالقول قوله, هل تغلظ الأيمان؟ قولان, وإن ادعى عليه قتلًا يوجب المال فاعترف لا يقبل إقراره ونحو الدعوى إلى سيده فيحلف على العلم ما قتل عبده, ولو أنكر العبد فالقول قوله مع يمينه, وإن نكل هل ترد اليمين؟ قولان بناء على يمين المدعي مع نكول المدعي عليه تجري مجرى البينة أو مجرى الإقرار, فإن قلنا كالبينة ردت, وإن قلنا كالإقرار لا ترد.
باب بيع الكلب
قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب وذكر الخبر.
وهذا كما قال.
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن.
والبغي: المرأة الفاجرة تكون نفسها وجمعها بغايا, وحلوان كاهن: [ق 81 أ] ما يأخذه المتكهن عن كهانته وهو محرم باطل.
ويقال: حلوت الرجل شيئًا يعني رشيت.
وحلوان العراف حرام أيضًا, والفرق بين الكاهن والعراف أن الكاهن يدعي معرفة الأسرار والكوامن في مستقبل الزمان, والعراف يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة.
وجملته أن بيع الكلب عندنا باطل وهو نجس العين ولا يضمن قيمته به قال الحسن والحكم, والأوزاعي, وربيعة- رحمهم الله- وأحمد, وداود, وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه ويضمن قيمته وفي بيع العقور روايتان.
واختلف أصحاب مالك قال بعضهم: يجوز بيع المأذون في إمساكه ويكره بيعه, وحكي عن مالك أن قال: لا ثمن له وتضمن قيمته بالإتلاف وهذا غلط لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمنه فدل على فساد بيعه.
وروى ابن عباس- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الكلب وقال: "إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملؤوا كفه ترابًا".
ومعنى التراب ههنا الحرمان والخيبة, كما يقال: ليس في كفه إلا التراب, وكقوله: صلى الله عليه وسلم "والعاهر الحجر" وكان بعض السلف يذهب إلى استعمال الخبر على ظاهره يقول: أن يوضع التراب في كفه.
وروى أبو هريرة- رضي الله عنه- أن النبي: صلى الله عليه وسلم [ق 81 ب] قال: "لا يحل ثمن الكلب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي".
والدليل على مالك- رحمه الله- أن الثمن ثمنان ثمن التراضي عند البيع وثمن التعديل عند الإتلاف, وقد أسقطها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "فاملؤوا كفه ترابًا" فدل على أنه لا عوض له, وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ثمن الكلب من السحت, وقال عطاء والنخعي: ما حرم اقتناؤه منها فبيعه محرم وما أبيح اقتناؤه منها فبيعه جائزا, واحتج مالك- رحمه الله- بأنه إذا أتلفه أبطل عليه منفعته فيضمن, كأم الولد لا يحل بيعها ونلزم قيمة على أتلفها.
قلنا: أم الولد استحقت العتق ولم تخرج عن المالية.
وهذا المعنى لا يوجد في الكلب, واحتج أبو حنيفة- رحمه الله- بما روي جابر- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد.
قلنا: هذا موقوف على جابر ذكره الدارقطني, ثم هو حجة عليه لأنه يخبر عن بيع غير معلوم.
وقيل: معناه ولا كلب صيد.
وروي رافع بن خديج- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كسب الحجام خبيث, ومهر البغي خبيث, وثمن الكلب خبيث".
وإذا تقرر هذا فلفظ الشافعي رحمه الله- ههنا يدل على أن الاقتران في اللفظ يقتضي الاقتران في الحكم, وهو اطهر المذهبيين؛ لأنه قال: "وَلَا يَحِلُّ لِلْكَلْبِ ثَمَنٌ بِحَالٍ [ق 82 أ] ولو حَلَّ ثَمَنُهُ جَازَ حُلْوَانُ الكَاهِنِ وَمَهْرُ البَغِيِّ"
مسألة
قَالَ: "وَلَا يَجُوزُ اقْتِنَاؤْهُ إِلَّا لِصَاحِبِ صَيْدٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ, أَوْ مَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُمْ".
وهذا كما قال: يجوز اقتناء الكلب للصيد وحفظ الماشية والزرع لدفع الخنازير, وفي معنى أصحاب الزرع أصحاب النخل والشجر والكرم, وفي معنى أصحاب المواشي أصحاب الخبل والبغال والحمير لحفظها من صغار السباع, وهذا لما روي أبو هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من اقتنى كلبَا إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية نقص.
من أجره كل يوم قيراطان, عبارة عن جزأين من عمله.
واختلفوا هل المراد به عمله الماضي أو المستقبل؟ فقيل: ماضي عمله.
وقيل: من مستقبل عمله.
ثم اختلفوا من بعد ذلك من أي عمل؟ فقيل: جزء من عمل الليل وجزء من عمل النهار.
وقيل: جزء من عمل الفرض, وجزء من عمل النقل.
وهذا النقصان يتكرر عليه في كل يوم, وقال أبو حنيفة: [يجوز] اقتناء الكلب بكل حالٍ, وإن لم يكن منتفعًا به.
فرع
هل يجوز اتخاذه لحفظ البيوت؟! اختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما عدا هذه الثلاثة, ولا الحيلة تتم من اللص على الكلب بطرح الخبز له ونحو ذلك, وهذا اختيار أبي حامد- رحمه الله-
والثاني: يجوز وهو ظاهر المذهب وهو الصحيح؛ لأن الشافعي- رحمه الله- قال: "أو من كان في معناهم" ووجهة اقتناء الكلب لحفظ ماله فأشبه اتخاذ لحفظ ماشيته, وقال في الحاوي: هذان الوجهان لحراسة الدور في المدن والقرى, فأما أهل البوادي وسكان الخيام في الفلوات فيجوز لهم اقتناء الكلب حول بيوتهم لتحرسهم من الطراق والوحش؛ لأن للكلاب عواء عند رؤية من لم تألفه وتنبه به أربابها, وقد روي في الخبر: الصحاري, وفي معنى أصحاب الخيام أهل الحصون والبيوت المفردة في أطراف الرساتيق والقوافل والرقاق وقد رئي أنس رضي الله عنه أنه حج ومعه كلب فقيل له: تحج ومعك كلب فقال: لحفظ نيامنا.
وكلب الصحاري هو الذي علم أخ 1 الصيد وإمساكه على صاحبه يجري في الصيد واقتناؤه لضرورة العادة.
فرع آخر
لو اقتنى الكلب المعلم من لا ينتفع به من ليس له صيد, ولا حرث ولا ماشية, أو اقتناؤه ليصيد به إذا نشط كما يفعل السلطان فيه وجهان:
أحدهما: يجوز اعتبارًا لها لما فيه من المنفعة.
ولهذا إذا حصد الزرع كان له إمساكه لزرع مستقبل وهو الأصح.
والثاني: لا يجوز اعتبارًا بصاحبه وأنه ليس له فيه [ق 83 أ] منفعة ومعنى الخبر إلا كلب صيد كلبًا يصاد به وحرارة الحرث أو الماشية إن كانت....... أن لا يقتني ذلك أصلًا.
فرع آخر
لو اتخذ صاحب الحرث كلب ماشية أو اتخذ صاحب الماشية كلب حرث فيه وجهان أيضا.
فرع آخر
في تربية الجرو الصغير للصيد والزرع وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأنه ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا زرع.
والثاني: يجوز لأنه لا يكون كلب صيد إلا بتربيته كذلك وهو الأصح.
فرع آخر
هل يجوز اقتناء ولد الفهد, وإن كان طاهرًا؟ وجهان: ذكر القاضي أبو يحيى وظاهر المذهب جوازه قولًا واحدًا, ولا يجوز اقتناء الخنزير بحالٍ.
فرع آخر
هل يجوز إجارة الكلب وجهان:
أحدهما: يجوز وهو ظاهر كلام الشافعي- رحمة الله عليه- لأن أكثر ما فيه أنه لا يجوز بيعه, وبهذا لا يمنع الإجارة كالجرو, وهذا اختيار صاحب التلخيص.
والثاني: لا يجز وهو اختيار أبي حامد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز الانتفاع به لأشياء مخصوصة فلا يجوز فيما عداها, قال: ويجوز أن ينتفع به ولا تجوز إجارته كما في ضراب الفحل.
فرع آخر
لو غضب كلبًا وأقام في يده زمانًا.
قال بعض أصحابنا: لا يضمن منفعة وجهًا واحدًا, والصحيح أن فيه وجهين بناء على جواز إجارته.
فرع آخر
تصح الوصية به؛ لأن ذلك نقل لليد واليد تثبت عليه [ق 83 ب].
وأما هبته: قال ابن أبي أحمد- رحمه الله- تصح هبته, وقال القاضي الطبري: عندي أنها لا تصح؛ لأن الهبة تمليك والكلب غير مملوك.
ولعله أراد أنها تصح على الوجه الذي تصح الوصية به, وهذا صحيح, لأنه إذا نقله إلى يد غيره على وجه التبرع صح كما يصح ذلك في الوصية ولم يكن له الرجوع في ذلك, وهذا معنى الهبة.
مسألة
قَالَ: "وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ مَنْفِعَةُ فِي حَيَاتِهِ بَيُعٌ وَحَلَّ ثَمَنُهُ أَوْ قِيمَتُهُ وَإنْ لَمْ يَكُنْ يُؤكل".
وهذا كما قال: جملة هذا أن جميع الأعيان على ضربين؛ حيوان, وغير حيوان.
فأما الحيوان فضربان: أدمي وغير أدمي والآدمي ضربان مملوك وحر فالحر لا يجوز بيعه وكذلك ما في معناه وهو العبد الوقوف, وأما المملوك فضربان من ثبت له سبب الحرية, ومن لم يثبت له ذلك وهو العبد يجوز بيعه.
ومن ثبت له سبب الحرية على ثلاثة أضرب: سبب مستقر, وثابت غير مستقر, وغير ثابت ولا مستقر.
فالمستقر الاستيلاد فلا يجوز بيع أم الولد ولا ولدها من زوج أو زنا كالحرة, وأما غير الثابت والمستقر مثل المدبر والمعلق عنقه بصفة فلا يمنعان البيع بحال.
وأما الثابت غير المستقر كالكتابة قال في "جديد": لا يجوز بيع المكائب, وقال في "القديم" يجوز بيعه.
وأما غير الآدميين فضربان: ما يؤكل لحمه, وما لا يؤكل لأق 84 أ].
فما يؤكل يجوز بيعه كالإبل والبقر ونحوه, وما لا يأكل ضربان: طاهر ونجس, فالنجس مثل الكلب والخنزير, وقد ذكرنا حكمهما, وقد قال بعض أصحابنا: لم يكن يعرف خلاف قبل عطاء في أن لا قيمة على متلف الكلب حتى ذهب إليه عطاء- رحمه الله- وتابعه مالك, ولا يعرف خلاف قبل أبي حنيفة في أن بيعه يجوز حتى قاله أبي حنيفة, وأما الطاهر فضربان: ما ينتفع به وما لا ينتفع بظهره فقط, والفهد ينتفع بصيده, والسنور ينتفع بصيد الهوام ويجوز بيعها, وكذلك جوارح الطير كالبازي والشاهين والعقاب يجوز بيعها.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن ثمن السنور" وأراد السنور البري الذي لا ينتفع به بل يكون مضرة, وما لا ينتفع به كالأسد والذئب والطيور التي لا يصاد بها فلا يجوز بيعها.
فرع آخر
لا يجوز بيع الحمار المكسور والبغل المزمن.
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: يجوز لأن جلده يطهر بالدباغ, وهذا غلط؛ لأن الخمر لا يجوز بيعها وتصير خلا.
وقيل: هو ما لا يجوز كل عين طاهرة يجوز الانتفاع بها بحق حرية ولا قربة, وفيه احتراز عن الوقف والمندور عتقه [ق 84 ب]
فرع آخر
بيع العلق يجوز, لأنه ينتفع به بإخراج الدم, وفيه وجه آخر لا يجوز لأنه يؤدي ويعقر ويجرح.
فرع آخر
لو كان يرجي نفعه في ثاني الحال كالفهد غير المعلم والفيل الذي يأنس للقتال أو للحمل هل يجوز بيعه في الحال؟ وجهان:
أحدهما: لا يجوز للحال الذي هو عليه, والثاني: يجوز بما ينتقل إليه في ثاني الحال.
فرع آخر
يجوز بيع القرد لأنه يعلم وينتفع به لحفظ المتاع وحكي الشبلي عن ابن سريج أنه قال: يجوز بيعه لأنه ينتفع به, فقيل له: ما وجه الانتفاع به؟ فقال: يفرح به الصبيان.
فرع آخر
يجوز بيع الطير الذي ينتفع بصوته كالببغاء والبلبل والعندليب, أو يستأنس بلونه كالطاووس ونحو ذلك.
فرع آخر
أكل غراب الزرع وابن آوي هل يجوز وجهان: فإن قلنا يجوز أكله يجوز بيعه, وإن قلنا: لا يجوز أكله لا يجوز بيعه.
فرع آخر
لا يجوز بيع الغراب الأبقع ولا الغراب الكبير الأسود وكذلك الحدأة بكسر الهاء بهمزة وكذلك البغاة لا يصاد به ولا يرغب في صيده, لأنه يؤكل, كذلك الطيور التي لا تصلح لشيء كالخفاش والخطاف, وكذلك حشرات الأرض كلها كالفأر والحيات والعقارب والديدان والوزغ, ونحو ذلك لأن الله تعالي نهى [ق 85 أ] عن أكل المال بالباطل, فإذا لم يكن فيها منفعة مذبوحة ولا حيا فبذل المال من ثمنها أكل المال بالباطل, فإن قيل: عندكم يطهر جلده السباع بالدباغ فجوزوا بيعها للجلد.
قيل: تلك منفعة غير مقصودة ألا ترى أن بيع الجلد قبل دباغه لا يجوز لجواز أن دباغه كذلك مثله في جملة الحيوان, وأما غير الحيوان فضربان: جامد ومانع, فالجامد ضربان: طاهر ونجس, فالظاهر كل مملوك ينتفع به يجوز بيعه إلا الوقف فإنه لا يجوز بيعه, وإن كان قد انكسر وهلك بحيث لا ينتفع به, ولا يكره بيع شيء من المملوك الطلق إلا رباع مكة فإنه يكره بيعها وإجارتها للخلاف.
وقال أبو حنيفة, ومالك- رحمهما الله- هي غير مملوكة
لا يجوز بيعها ولا أكل ثمنها, وروى الحسن بن زيادة عن أبي حنيفة مثل قولنا, وعن أحمد روايتان وهذا الخلاف في العرصة, وأما البناء فهو مملوك بلا خلاف واحتجوا بما روي عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مكة حرام وحرام بيع رباعها وحرام أجرة بيوتها".
وهذا غلط لما روي عن عمر- رضي الله عنه- اشترى دارًا من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم للسجن [ق 85 ب] واشترى معاوية بن حكيم بن حزام دارين أحدهما بستين ألف درهم والأخرى بأربعين ألف درهم.
وأما خبرهم فرواه عبد الله بن زياد, وابن أبي نجيح وهما ضعيفان أو نحمله على ما كان فيها وقعًا وهو كثير فيها.
ويجوز بيع المصحف ولا يكره وقد سئل ابن عباس- رضي الله عنه- فقال: لا بأس يأخذون أجور أيديهم.
وأما النجس فضربان نجس العين, ونجس المجاورة فما كان نجس العين كالعذرة والسرجين والميتة وعظامها لا يجوز بيع شيء منها كذلك الزبل لأنه نجس العين.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع السرقين والزبل ووافقنا على العذرة أنه لا يجوز بيعها وهذا غلط؛ لأنه نجس العين كالميتة.
وأما ما نجس بالمجاورة كالتراب والثوب ونحو ذلك يجوز بيعه.
وأما المائع فضربان: طاهر, ونجس, فإن كان مما لا ينتفع به كالدمع والعرق والريق نحو ذلك لا يجوز, وإن كان ينتفع به كاللبن والعسل والخل يجوز.
وأما النجس فضربان؛ ما نجس بالمجاورة, وما نجس بالاستحالة, فما نجس بالاستحالة, فهو الخمر وكل شراب مسكر, والبول والدم لا يجوز بيعه, وقال أبو حنيفة: يجوز شراء الخمر بالتوكيل للذمي وهذا غلط لما روت عائشة- رضي الله عنها-[ق 86 أ] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حرمت التجارة في الخمر" وروى ابن عباس- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتاني جبريل- عليه السلام- وقال: يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها وبايعها ومبتاعها وساقيها".
وروي أنس- رضي الله عنه- قال: لعن رسول صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة وذكر هؤلاء وزادوا كل ثمنها والمشتري له.
وقال جابر- رضي الله عنه- سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح بمكة يقول: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلي بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها فقال: "لا هو حرام" ثم قال عند ذلك: "قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم الشحوم حملها ثم باعوها وأكلوا ثمنها" أي
أذابوها حتى تصير ودكًا, وروي زيادة "وألم تعلموا أن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه حرم الكلب وحرم ثمنه, وحرم الخنزير وحرم ثمنه, وحرم الخمر وحرم ثمنها".
وأما ما نجس بالمجاورة مثل إن ماتت فيه فأرة ونحو ذلك, فإن كان مما لا يمكن غسله كالسمن والخل واللبن فلا يجوز بيعه, وإن كان مما يمكن غسله كالزيت والشيرج والبزر [ق 86 ب] هل يطهر بغسله؟ اختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: لا يطهر وهو المذهب الشافعي؛ لأنه يختلط بالماء بل يطفو على رأس الماء, وقال صاحب "الإفصاح": لا يمكن تطهيرها لأن الشافعي نص أنه لا يجوز بيعها ولو أمكن تطهيره لجاز بيعه.
وقال أبو إسحاق, وابن سريح: يطهر لأنه إذا صب عليه الماء وغمره يعلو على الماء ويتميز عنه ويصل إلى الماء جميع أجزائه, وبه قال أبو حنيفة والفتوى على هذا.
فعلى هذا هل يجوز بيعه قبل الغسل وجهان:
أحدهما: يجوز كالثوب النجس, وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: لا يجوز وإن كان يفضي إلى الطهارة كجلد الميت, وبه قال مالك.
فرع آخر
وهل يجوز بيع الماء النجس؟ وجهان:
أحدهما: لا يجوز, لأنه نجس حكمًا فهو كنجس العين.
والثاني: يجوز لأنه يمكن تطهيره بالمكاثرة, ومن أصحابنا من قال: لا يجوز بيع الماء النجس قولًا واحدًا, لأنه لا طريق إلى تطهير عينه بل تزول حكم نجاسته بالمكاثرة فهو كالخمر, وإذا انقلبت خلا يحكم بطهارته بخلاف الزيت فإنه يمكن تطهيره بالغسل.
فرع آخر
الصبغ النجس قال أصحابنا: فيه قولان كالزيت النجس هل يطهر بالغسل أم لا؟ وقيل: لا يطهر وجهًا واحدًا, بخلاف الزيت لأن الماء سبب فساد الصبغ بخلاف الزيت فيصبغ [ق 87 أ] به الثوب ثم يغسل فيحكم بطهارته وهذا أصح.
فرع آخر
يجوز الاستصباح بالزر النجس وجهًا واحدًا, قال بعض أصحابنا بخراسان هل يجوز الاستصباح به؟ والأظهر أنه يجوز وهو غريب.
وقال القاضي الطبري: قال بعض أصحابنا: إذا لم يذهب معظم منفعته بنجاسته كالبزر فإنه يراد الاستصباح وحده يجوز بيعه وجهًا واحدًا, وإن ذهب معظم منفعته بنجاسته كالزيت والشيرج, فإن ذهب........... هل تجوز هبته والتصدق به.
قال أصحابنا: لا يجوز وأرادوا على سبيل التمليك.
وأما على سبيل نقل اليد يجوز كما قلنا في الكلب.
فرع آخر
إذا أذيب شحم الميتة يجوز أن يستصبح به ذكره القاضي الطبري, ولا يجوز أن تدهن السفن به, وإذا استصبح به فظهر دخانه على ثوب قد ذكرنا وجهين:
أحدهما: نجس كرماد السرقين لأن النار لا تطهر شيئا.
والثاني: طاهر لأنه بخار النار وليس بعين الدهن والرماد وعين الزبل.
فرع آخر
بيع الماء على طرف النهر والتراب في البرية هل يجوز بيعه وجهان:
أحدهما: لا يجوز [ق 87 ب] لأنه ملك البائع, والثاني: يجوز لأنه تبذير وهكذا الحكم فيما لا يعد مالًا في العادة ككسرة خبز وحبات حنطة ونحو ذلك.
فرع آخر
ولو باع الأكارع قبل القطع وجهان؛ لأن بقطعها معلومة.
فرع آخر
لو باع الرأس قبل الإبانة فإن بقى معلقًا بجلده فهو كالأكارع, وإن كان قبل القطع لا يجوز, وحكي عن مالك أنه يجوز في السفر, وقال أحمد: يجوز أبدًا وهذا غلط لأنه لا يجوز إفراده بالبيع ولا يجوز استثناؤه.
فرع آخر
استعمال السرقين في الزرع, قال أبو حامد: لا نص فيه, وقد قال بعض أصحابنا: يكره لما فيه من مباشرة النجاسة وملاقاتها.
وروي عن ابن عمر- رضي الله عنه- أنه كان لا يأكل الطعام الذي استعمل السماد من زرعه, وقال سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه- مكيل من عذرة بمكيل من حب.
وهذا يدل على إباحته وليس بنص, وقياس قولنا أنه مباح لأن أعيان النجاسة لم تحصل فيه, بل جاورته ويفارق الجلالة, حيث أن أعيان النجاسة حصلت فيها.
فرع آخر
لو اختلطت ظروف خل بظروف خللت لم يجز بيع شيء منها بالاجتهاد.
فرع آخر
لو اشترى الكافر عبدًا مسلمًا فيه قولان:
أحدهما: البيع باطل نص عليه [ق 88 أ] في الإملاء وينصره أصحابنا في الخلاف وبه قال أحمد ومالك في رواية.
والثاني: البيع جائز نص عليه في عامة كتبه ولكن يباع عليه, وبه قال أبو حنيفة وجمهور العلماء, لأنه يملكه بالإرث, وإذا أسلم في يده يصح شراؤه.
ووجه الأول أن الإسلام إذا منع استدامة الملك منع ابتداءه كما في النكاح ولا خلاف أنه يحرم عليه بيعه منه.
فرع آخر
إذا وكل كافر مسلمًا في شراء مسلم لم يصح الشراء إذا قلنا: لا يجوز كما لا يجوز أن يكون وكيلًا في النكاح, ولا يكون المحرم وكيلًا في شراء الصيد.
ورأيت بعض أصحابنا قال: وفيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن الملك يقع للمسلم وكذلك في النكاح.
فرع آخر
هل يجوز للكافر أن يشتري أباه المسلم على قول الإملاء؟ وجهان وقيل: قولان, أحدهما: لا يجوز لأنه لابد من جريان ملك عليه وفيه إذلال وإن كان ساعة, والثاني: وهو الأظهر يجوز لأنه لا ضرر عليه في أن يحكم عليه بالملك يلحظ بل أقل ويتوصل به إلى العتق الذي هو إعزاز.
فرع آخر
لو قال المسلم: اعتق عبدك المسلم عن كفارتي فأعتقه جاز, ويدخل في ملكه ويخرج منه بالعتق؛ لأنه ليس بتمليك بل هو [ق 88 ب] إبطال الرق فيه, والملك يحصل فيه حكمًا كما يملكه بالإذن حكمًا.
وقيل: فيه وجهان.
فرع آخر
لو اشترى عبدًا مسلمًا يسري العتق فيه؟ وجهان:
أحدهما: كما لو اشترى أباه وقيل: لا يجوز وجهًا واحدً لأنه يحصل العتق باختياره ويتوقف عليه بخلاف ذلك.
فرع آخر
إذا جوزنا سلمة في العبد المسلم ينصب الحاكم نائبًا حتى يقبض له.
فرع آخر
إذا قلنا تصح هبته منه فعلم به قبل التسليم يمنع من التسليم لأنه قبل القبض لا يلزم.
فرع آخر
إذا أوصى به بعبدٍ مسلم, فإذا قلنا: الوصية لا تملك إلا بالقبول فحكمه حكم الشراء, وإن قلنا: يملك بالموت يصح لأنه يحصل بغير اختياره كالإرث, وكون المسلم قاصدًا إلى تمليك أباه لا يمنع كما لو اشترى من كافر عبدًا مسلمًا بشرط الخيار, ثم أفسخ العقد أو وجد به غيبًا فرده عليه صح, وقد ذكرناه في كتابه "الوصية".
فرع آخر
إذا باع الكافر عبدًا مسلمًا بثوب ثم وجد بالثوب عيبًا له رد الثوب وهل يسترد العبد المسلم؟ وفيه وجهان:
أحدهما: لا يسترد بل يسترد قيمة ويجعل وكأن العبد مالك.
والثاني: يسترد لأنه الفسخ بالعيب قطع [ق 89 أ] العقد فيه يعود إلى ملكه ويجري ذلك مجرى استدامة الملك.
فرع آخر
إذا باع العبد المسلم ثم تقاتلا, فإن فلنا الإقامة عقد لا يجوز, وإن قلنا: فسخ فيه وجهان كما في المسألة قبلها.
فرع آخر
إذا باع الكافر العبد المسلم بشرط الخيار يصح لأنه صار معرضًا للزوال, فإن أراد الفسخ قلنا الملك للبائع يصح إلا أنه إذا كثر ذلك منه يلزمه الحاكم بأن يبيع بيعًا تامًا, وهذا لأنه ليس بابتداء ملك وإنما هو منع من الزوال, وإن قلنا ملكه زوال ففي جواز الفسخ وجهان كمسألة العبد بالثوب.
فرع آخر
لو استأجره لعمل في ذمته كالخياطة وغيرها يجوز لأنه لا صغار في ذلك, وإن استأجره لعمل مقدر أيامًا فيه طريقان:
أحدهما: يجوز قولًا واحدًا لأنه عمل في مقابلته عوضًا فلا صغار فيه, ولا بعقد الإجارة ولا يثبت له يد لأن الأجير إن كان حرًا فهو في يد نفسه, وإن كان عبدًا ففي يد مولاه, ولأنها تنقضي بمضي الزمان بخلاف الملك, وقيل: فيه وجهان لأنه فيه نوع ملك واستدلال.
فرع آخر
إذا قلنا: لا يجوز فاشتري عبدً كافرًا, ثم أسلم العبد قبل قبضه هل يتمكن من قبضه [ق 89 ب] ليبيعه؟ لا نص فيه, وقال بعض أصحابنا: يمكن ليصبح بيعه عليه وهو
ظاهر المذهب.
ومن أصحابنا من قال: يقبضه القاضي عنه ويبيعه وهذا أقيس عندي.
وقيل: يأمر بأن يوكل مسلمًا حتى يقبض له, ثم يباع.
وقيل: يبطل البيع بإسلامه وكلاهما ضعيف.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: إذ قلنا: يصح شراءه فاشتراه هل يتمكن من قبضه؟ وجهان:
أحدهما: يمكن وهو صحيح.
الثاني: لا يمكن بل يؤمر بأن يوكل مسلمًا حتى يقبضه ثم يباع.
وقيل: ينصب الحاكم نائبًا مسلمًا حتى يقبض له ثم يأمره بالبيع, فإن باع وإلا باع الحاكم عليه.
فرع آخر
لو هب عبدًا كافرًا, ثم أسلم العبد قبل القبض هل تبطل الهبة؟ وجهان:
أحدهما: تبطل بخلاف البيع؛ لأن القبض في الهبة كالقبول في البيع.
والثاني: لا تبطل كالبيع.
فرع آخر
لو اشتراه بشرط الخيار, ثم أسلم قبل انقضاء الخيار هل يبطل البيع؟ قال والدي- رحمه الله- يحتمل قولين, أحدهما: يبطل, والثاني: لا يبطل ولهما إجازة البيع وفسخه, فإن أجازاه أجبر المشتري على إزالة ملكه.
فرع آخر
إذا قلنا: يجوز بيعه ويجبر على إزالة ملكه فكاتبه هل يزول الاعتراض؟ قولان:
أحدهما: [ق 09 أ]: لا يزول فتفسخ الكتابة ويباع, والثاني: يزول الاعتراض, وبه قال أبو حنيفة لأنه عرضه لعين الحرية.
فرع آخر
لو اشترى الكافر مصحف القرآن العظيم, فإن قلنا: لا يجوز شراءه للعبيد المسلم فهذا أولى, وإن قلنا: يجوز ذلك ففي هذا قولان والفرق أن العبد يدفع عن نفسه سوء ما يراد به بخلاف المصحف ولأنه لا عرض له من المصحف إلا الابتدال وقد يقصد من العبد لخدمته واقتناؤه.
فرع آخر
بيع أحاديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- من أصحابنا من قال: هو كالمصحف وقال في
"الحاوي": يجوز وجهًا واحدًا ويفسخ خوفًا من تبديلهم.
والثاني: لا يفسخ لأنهم ربما استدلوا منها على صحة الإسلام ويكون سببًا للدخول فيه.
فرع آخر
إذا قلنا: لا يشتري مسلمًا فاشتري عبدًا مرتدًا, وقال والدي- رحمه الله- يحتمل قولين:
أحدهما: لا يجوز لأن أحكامه ملحقة بأحكام المسلم.
والثاني: يجوز لاستوائهما وهو كالقولين في المرتد هل يقبل بالنصراني قولان.
فرع آخر
لو زوج الكافر أمته من كافر فحملت منه, ثم أسلم الوالد فصار الحمل مسلمًا بإسلامه هل يجبر الكافر على إزالة ملكه فيها لأنه ممنوع من استدامة ملكه على [ق 90 ب] المسلم ولم يمكنه ذلك إلا ببيع الأم فأجبرناه.
فرع آخر
قال أصحابنا: لا يمنع بيع عقده الكافر من كافر سواء كان العبد صغيرًا أو كبيرًا, ويتصور ذلك إذا سباه مع أحد أبويه, وقال بعض أصحابنا: الأولى أن لا يبيع منه الصغير, وقال أحمد: لا يجوز لأنه يتشاغل بدين السيد, فيكفر وهذا غلط لأنه من أجرى عليه حكم الشرك فإسلامه مظنون فلا يراعي ذلك كما في البائع.
فرع آخر
لا تجوز التفرقة بين الأم وولدها في البيع, فإن فرق هل يصح البيع؟ قال بعض أصحابنا: لا يصح قولًا واحدًا, وبه قال أبو يوسف.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان, قال في "الجديد": لا يصح, وقال في "القديم": يصح, وبه قال أبو حنيفة؛ لأن المنع لا يعود إلى البيع فأشبه البيع وقت, وهذا غلط لما روي أبو داود في سنته أن عليًا- رضي الله عنه- فرق بين الأم وولدها في البيع فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة".
وأما ما ذكره لا يصح لأنه لمعنى البيع وهو ما يلحقه من الضرر بالفرقة ولا يجوز هذا برضاها [ق 91 أ].
وقال النخعي: يجوز إذا رضيت لما روي أنه فرق بين الوالدة وولدها, فقيل له في
ذلك فقال: إني استأذنتها فرضيته.
فرع آخر
إلى متى يكون التحريم؟ وفيه وجهان, وقيل: قولان:
أحدهما: إلى أن يبلغ.
والثاني: وهو الأصح إلى أن يبلغ سنتين فيقعد وحده ويأكل وحده.
فرع آخر
التفريق بين الولد والوالدان, فقلنا: هناك يجوز البيع فههنا أولى.
وإن قلنا: هناك لا يجوز فههنا وجهان.
فرع آخر
يجوز التفريق بين الأخوين وسائر المحارم.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز لما روي عنه رضي الله عنه قال: وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين أخوين, فبغت أحدهما, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا علي, ما فعل غلامك؟ " فأخبرته فقال: "رده رده", وهذا غلط؛ لأن القرابة التي بينهما لا تمنع القصاص فلا تمنع الفرقة بين الأخوين كابني العمة.
أما الخبر فنحمله على الاستحباب.
فرع آخر
التفريق بينهم بعد البلوغ يكره, ويجوز البيع.
وحكي عن أحمد: لا يجوز البيع, وهذا غلط؛ لأنه انقطع حق الحضانة بالبلوغ.
فرع آخر
إذا باع عبدًا من عبدين بشرط الخيار ثلاثة أيام حتى يختار أيهما شاء في مدة الخيار لا يصح البيع خلافا لأبي حنيفة رحمه الله.
[ق 91 ب] وقيل: هذا قول الشافعي رحمه الله عليه في "التقديم" لأن الشرع أثبت الخيار ثلاثة أيام, ووافقنا أنه لا يجوز في العبيد الأربعة ذلك فتقيس عليه.
فرع آخر
لو رهن جارية دون ولدها يجوز, وإذا حل الحق يباعان, فإن أراد بيع الأم دون الولد فيه طريقان؛ أحدهما: فيه قولان.
والثانية: يجوز قولًا واحدًا لأنها صارت مستحقة
البيع ولا يمكن أن نكلفه مع ولدها أن يبيعها؛ لأنه لا حق له في الولد.
وهكذا إذا استحق بيعها في الجناية أو في الرجوع عند الإفلاس.
فرع آخر
التفريق بينهما في البهيمة يكره إلا لغرض صحيح؛ لأن في طبعها نحتا على الولد، وإنما يباح عند الفرض لأن غرضها أخل.
فرع آخر
الوصية بالحمل دون الأم، أو بالأم دون الحمل قولان؛ لأنه لو أراد أن يفرق بين الولد والأم بالوصية لا يجوز في أحد القولين كما في البيع فالحمل مثله.
فرع آخر
إذا باع ثوبًا بمائة ذهب وفضة لا يصح البيع.
وقال أبو حنيفة: يصح ويكون مناصفة، وهذا غلط؛ لأن قدر كل واحد مجهول لا يصح العقد عليه، كما لو قال: بعضها ذهب.
فرع آخر
بيع الجلالة من البهيمة يجوز وأكلها جائز؛ لأن ما رعته من الأقذار [ق 92 ب] صار في محل الأنجاس وهي طاهر في نفسه.
وقيل: فيه وجه آخر.
فرع آخر
بيع الطنبور والعود والمزمار إن أمكن الانتفاع بها إذا فضلت يجوز ولكن يكره ذلك قبل تفصيله لبقاء المعصية فيه، وإن كان إذا انفصل لا يصلح للحطب لا يجوز.
وقيل: إن لم يكن محلولاً ويصلح لمنفعه مقصودة وجهان، والأصح جوازه إمكان الانتفاع به على وجه مباح.
والثاني: يجوز لأنه لا ينتفع بها على حالتها كالخبز، وإن كانت تخلل، وإن كانت محلولة ولا تصلح لمنفعة مباحة مقصود فيه وجهان؛ والأصح لا يجوز والثاني: يجوز لأنه يمكن إحراقه تحت القدر.
فرع آخر
بيع الشطرنج مكروه؛ لأن اللعب به ليس من الإباحات المطلقة.
فرع آخر
الصنم المتخذ من الحديد هل يجوز بيعه؟ وجهان:
أحدهما: يجوز لأن الصنعة المحرفة كالمعدومة ويبقى حديداً له قيمة.
والثاني: لا يجوز.
فرع آخر
السم الذي يقتل قليله لا يجوز بيعه لعدم المنفعة، وإن كان يقتل كثيره دون قليله أو يتقل مع غيره ولا يقتل بانفراده، وهو من شيء طاهر علق الشافعي القول فيه، وخرَّجه أصحابنا على قولين:
أحدهما: يجوز لقصوره على حال الأول.
والثاني: لا يجوز كالأول.
ومن أصحابنا من قال: يجوز بيعه قولًا واحدًا، وكذلك إن كان يصلح للدواء في ظاهر [ق 92 ب] البدن إذا لم يصل إلى الجوف أو إذا خلط بغيره من الأدوية لا يقبل ويجوز السلم فيه.
ومن أصحابنا من قال: يجوز بيع قليله الذي لا يقتل دون كثيره، وهذا لا وجه له؛ لأن كل جنس جاز بيع قليله جاز بيع كثيره.
فرع آخر
لو اتفقنا على أنهما يظهران العقد خوفًا وتلجئة ولا يجوز بيعًا، ثم تبايعا بعد ذلك يصح البيع والاتفاق السابق على العقد لا يتبع صحة العقد.
وكذلك إن اتفقا أن يتبايعا بألفٍ ويظره ألفين فتبايعا بألفين يلزم البيع ولا يؤثر فيه الاتفاق السابق.
وهكذا روي عن أبي يوسف وأبي حنيفة أنه لا يصح البيع إلا أن يتفقا على أن الثمن ألف درهم فتبايعاه بمائة دينار فيكون الثمن مائة دينار استحسانًا.
وبه قال أبو يوسف ومحمد؛ لأنه إذا تقدم الاتفاق صار كالهازلين بالعقد فلا يصح العقد، وهذا غلط؛ لأن الشرط السابق للعقد لا يؤثر فيه كما لو اتفقا على شرط فاسد ثم عقدا العقد لا يثبت فيه.
فرع آخر
لو باع عبدًا بثمن مؤجل فما سلم العبد حتى حل الأجل له الامتناع من تسليم العبد قبل قبض ثمنه، وإن لم يكن له ذلك قبل حلوله؛ لأن هذا وقت المطالبة بالثمن بحكم العقد، فصار كما لو كان حالًا [ق 93 أ] في الابتداء.
وفيه وجه آخر لا سبيل له إلى الامتناع اعتبارًا بالرهن المبذول بعد البيع بلا شرط ولا امتنع الراهن من إقباضه لم يكن للمرتهن فسخ البيع.
هكذا ذكره والدي رحمه الله، والثاني: وهو ظاهر مذهب الشافعي عندي.
فرع آخر
لو باع لحمًا على أنه لحم الميتة فإذا هو لجم المذكى، قال والدي رحمه الله: يحتمل أن يقال: لا يصح البيع لاشتراط ما لو تحقق منع البيع، ويحتمل أن يقال: يصح البيع؛ لأن الجنس واحد والعين قابلة للبيع.
فرع آخر
إذا ألحق الزيادة في البيع.
قال القفال رحمه الله: الصحيح أنه إن كان في زمان المجلس ثبت، وإن كان في خيار الشرط لا يثبت، لأن زمان المجلس لحالة العقد في الصرف والسلم.
وقال بعض أصحابنا: الصحيح أنه لا يثبت بحالٍ، لأنه لو قال: بعتك بعشرة فقال: اشتريت بخمسة عشر لا يصح حتى يتبداء إيجاباً آخر بخمسة عشر، والزيادة في حال العقد ممتنع إلا باستئناف إيجابٍ.
فرع آخر
إذا اشترى شيئين تتصل منفعة أحدهما بالآخر، وقلنا في العبدين يجوز رد أحدهما بالعيب، فههنا وجهان ينبنيان على ما لو غصب فرد خف وقيمة الزوج عشرة وتلف في يده، ورجع قيمة الفرع إلى درهمين هل للمالك خمسة أو ثمانية؟ فإذا قلنا خمسة جعلنا كل فرد كعين مفردة [ق 93 ب] فيجوز كأحدهما دون الآخر، وعلى الوجه الآخر وهو قول أبي حنيفة لا يجوز؛ لأنه يرد ناقص القيمة.
فرع آخر
لو أن رجلين وكلا وكيلاً حتى يشتري لهما عبدًا فاشترى فوجدا به عيباً، قال ابن الحداد: لا يجوز أن يفرق في الرد؛ لأن العاقد واحد.
وفيه وجه آخر يجوز؛ لأن المعقود له متعدد.
وقال القفال: إن كان البائع يحلم أن وكيل رجلين فلأحدهما الرد؛ لأنه علم أنهما ربنا لا يتفقان على رأيٍ واحد، فقد رضي أن يرد عليه مُبغضًا، وإن كان اعتقد البائع أنه يشتري لنفسه أو اعتقد أنه وكيل واحد لا يفرق، لأنه ما رضي.
وأصل هذا مسألة ذكرها الشافعي رحمة الله عليه في الرهن قال: إذا اشترى الرجل لنفسه ولشريكه عبدًا ورهن بالثمن عين مالٍ مشتركٍ، ثم إن أحدهما وفر نصيبه من الثمن ينفك نصيبه من الرهن في أحد القولين، وهل للبائع الخيار بسبب خروج بعض الرهن من يده قبل وصوله إلى كمال حقه؟ قال الشافعي: إن كان عالمًا بأنه يشتري لنفسه ولشريكه والرهن مشترك لا خيار، وإن كان اعتقد أنه يشتري لنفسه على الخصوص أو لشريكه وأن الراهن الواحد له الخيار.
فرع آخر
لو أن رجلين وكلا وكيلًا حتى باع عبدًا مشتركًا بينهما من وكيل [ق 94 أ] رجلين فيه خمسة أوجهٍ:
قال ابن الحداد: لا يجوز رد البعض أصلًا بالعيب.
وقال أبو زيد المروزي: العقد متعدد من الطرفين ويجعل كل واحد من البائعين بائعًا ملكه من رجلين فلهما أن يردا على أحد البائعين نصف العبد؛ لأنه جمع ما يملكه من جهته، ولأحدهما أن يرد النصف عليهما لأنه جميع ما يملكه من جهتهما، وله أن يرد الربع على أحدهما؛ لأنه جميع ما يملك.
وقال القفال: إن علما أن وكيل الشراء وكيل رجلين يجعل كل واحد منهما بائعًا ملكه من رجلين، وإن كان جاهلين بأنه وكيل شخصين فليس لأحدهما أن يرد نصيبه ولكن يجتمعان فيردان على أحدهما نصيبه؛ لأنه ليس له فيه إضرار.
وقال أبو إسحاق: العقد من جانب المشتري متحد دون جانب البائع فيكون حكمه حكم الوالد يشتري من رجلين فلهما أن يردا نصيب أحد البائعين وليس لأحدهما أن يرد نصيبه عليهما.
وعلى طريقة بعض أصحابنا العقد متعدد من الجانبين معاً، ويصير كل واحد منهما باع ملكه من رجلين، ولو وكلا رجلين في بيع عبدهما من رجلين آخرين أو من وكيل رجلين، فعلى الطرق كلها يصير كأن كل واحد منهما باع ملكه من رجلين.
فرع آخر
لو ادعى البائع هلاك البيع وأنكر المشتري [ق 94 ب] قال بعض أصحابنا، لا يقبل قوله، كما لو ادعى الغاصب هلاك المغصوب، والصحيح أنه يقبل قوله بخلاف الغاصب؛ لأن هناك لا حق للغائب أصلاً من مقابلته بخلاف البائع.
فرع آخر
لو أبرأ البائع عن ضمان البيع لا يبرأ بخلاف الغاصب في أحد الوجهين، والفرق أن ضمان الغاصب ضمان يد، واليد تقبل التبديل؛ لأن المودع إذا تعدى يضمن وإذا أودع عنده صار أميناً، فجاز أن يبرأ بالإبراء، بخلاف ضمان العقد؛ لأن حكم العقد لا يغير مع بقائه.
فرع آخر
إذا هلك المبيع قبل القبض.
قال بعض أصحابنا: هل يرتفع العقد من أصله أو من وقته؟ فيه وجهان:
أحدهما: من وقته؛ لأن الهلاك وجد في الحال.
والثاني: من أصله؛ لأنه علة بطلانه عدم تأكده، والسبب الضعيف إذا بطل بطل بالكلية، ولهذا الكفن على البائع بالإجماع.
وفائدة الوجهين في الزوائد هل ترد على البائع أم لا؟
فرع آخر
هل يتصرف المشتري في زوائد المبيع قبل القبض؟ وجهان بناء على ما هلك المبيع هل ترد الزوائد إلى ملك البائع؟ فإن قلنا: تعود لا يجوز [لأن] تصرفه متردد بين أن يكون مصادقًا ملكه أم لا.
فرع آخر
لو اشترى عبدًا بثوب وقبض العبد يتصرف فيه وإن كان عوضه غير مقبوض، فلو باع هذا العبد [ق 95 أ] ثم تلف الثوب قبل القبض بطل البيع الأول، وهل ينفسخ البيع الثاني؟ قولان مبنيان على أن هلاك المبيع هل يرفع العقد من حينه أو من أصله؟
فإن قلنا: يرفع من أصله بطل الثاني وإلا فلا.
وإن قلنا: لا يبطل الثاني وهو الأصح يلزمه رد قيمته كما لو قال شقصًا فأخذه الشفيع.
فرع آخر
إذا تخمر العصير قبض قبض المشتري ذكرنا قولين هل يبطل البيع أم لا؟ فإن قلنا لا يبطل فالمشتري بالخيار، فإن لم يفضخ فصار خلاً في يد البائع وسلم الخل ورضيه مضى العقد على الصحة، وإن سلمه إليه خمرًا فالقبض فاسد، فإن تخللت في يد المشتري هل يؤمر بتسليم الثمن؟ وجهان مبنيان على أن من غصب خمرًا فصار خلًا في يده هل يلزمه رده على المغصوب؟ وجهان: فإن قلنا لا يرد فههنا الخل للمشتري بحكم اليد وسقط حكم العقد.
فرع آخر
لو أبق قبل القبض.
قيل: فيه وجه أنه يبطل البيع أيضًا، ولو كان طيرًا فطار فلو كان متوحشًا بطل، وإن كان يرجى عوده الحمام ولكن لم يكن مألوفًا فهو كالإباق، وإن كان مألوفًا لا يبطل، وإن وقع في الماء فإن كان الماء قليلًا يمكن استخراجه منه لا يبطل، وإن كان لا يقدر عليه قطعًا ولكن يرجى الوصول إليه فهو كالإباق، وإن كان في بحر لا يرجى الوصول [ق 95 أ] إليه.
وإن كان أرضًا وقع عليها حل فهو كالهالك.
فرع آخر
لو باعه لبنًا فضة بدينار على أن وزنه مائة، فتفرقا وكان وزنه تسعين فللمشتري الخيار، وإن كان زائدًا فلا خيار له، وهل للبائع الخيار إذا قال: عندي أن الوزن مائة، فإن كذبه المشتري وقال: كان عالمًا به فلا خيار، وإن صدقه وجهين، وإن باعه وأخبر أن وزنه مائة لا على طريق الشرط فزاد أو نقص فلا خيار.
فرع آخر
إذا باع مد عجوة ودرهم بمدي عجوة لا يجوز في المد الذي مع الدرهم في قدر ما يقابله من المدين لأجل الذي وفي الدرهم، وفيما يقابله من الدين قولا تفريق الصفقة؛ لأنه ليس من الدرهم والمدين.
فرع آخر
لو باع درهمًا ودينارًا بدرهم ودينار من ضرب واحد، فحيث لا يتفاوت قطعًا، أو صاع حنطةٍ وصاع شعير بصاع حنطة وصاع شعير من صرة واحدة، قد ذكرنا أنه يجوز، وهو اختيار الجماعة.
واختيار القاضي الحسين أيضاً.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز؛ لأنَّا لا نقول يقابل الدينار بالدرهم ولكن الدينار يقابل بما يخصه من الدينار والدرهم؛ لأنه لو خرج الدينار مستحقاً وأراد أن يجيز العقد في الدرهم، أو وجده معيباً وأراد الرد لا يسترد في مقابلة الدينار، بل يسترد بعض الدينار وبعض الدرهم [ق 96 أ] باعتبار التقسيط بالقيمة.
مثاله: قيمة الدينار عشرة دراهم معه درهمًا فيكون الجميع أحد عشر، فيجعل الدينار أحد عشر جزءًا من الدرهم، فيكون بين الذهب والفضة تفاوت في القيمة، فيحتاج أن يقسط الدينار على ما حصل في مقابلته من الدينار والدرهم، فإذا قسطا يؤدي إلى التفاضل، أو الجهل بالتماثل على ما سبق ذكره.
فرع آخر
لو ميز الصغار من الكبار في نوع واحدٍ من التمر فباع صاعًا من الصغار وصاعًا من الكبار بصاع من الصغار وصاع من الكبار فهي كالمسألة التي قبلها.
وإن لم يميز وأراد أن يبيع صاعين بصاعين ولا شك أنه يشتمل على عوض على الصغار والكبار فما حكم العقد؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز إذا كان بين أجزاء العوض تفاوت عن البعض في تحقيق المقابلة، والتقسيط ويؤدي ذلك إلى الربا، هو اختيار القاضي حسين.
والثاني: إن كان في كل واحد منهما صغار وكبار وكانت الصغار ظاهرة فيما بين الكبار بحيث يتبين ذلك للناظر إليه من غير تأمل لا يصح العقد، وإن لم يكن الصغار ظاهرة فيما بين الكبار بالعقد صحيح.
كما لو باع أرضاً فيها معدن ذهب بذهب، فإن كان المعدن ظاهرًا لا يصح، وإن لم يكن ظاهرًا يصح.
فعلى هذا يحتاج أن يفرق بين أن تكون الصغار [ق 96 ب] مختلطة بالكبار، وبين أن تكون منفردة؛ لأنه لو التقط الصغار من الجملة وميزها عنها ثم باع الصغار والكبار بالصغار والكبار، فيكون الحكم على ما تقدم ذكره.
والفرق أن عند التمييز كل نوع مقصود في نفسه، وعند الاختلاط بالجملة مقصودة، وكل نوع في نفسه غير مقصود ويظهر تمثيله، وهو أن الاختلاط لو باع صاعين بدرهمين ثم خرج أحد الصاعين مستحقًا لا يسترد بإزائه درهمًا، وإنما يسترد ما يقابله باعتبار القيمة، وأصحاب أبي حنيفة يلزمون هذه المسألة فيقولون، إن خلط الصيحاني بالبرني، أو الكبار بالصغار ثم باع صاعًا، بصاع يجوز عند......... ولو أفرد كل واحد ثم باع المفرد من جانب آخر لا يجوز.
وهذا مشكل وإن سلمنا والصحيح ما ذكرنا.
فرع آخر
إذا قال المشتري أسقطت الأجل لا يسقط في أصح الوجهين حتى لا يكون للبائع مطالبة في الحال؛ لأن إسقاط الصيغة لأي جوز مفردًا كما لو كان في ذمته دينار صحيح فقال صاحب الدين أسقطت الصحة وجعلته قراضة.
فرع آخر
لو قال: بعتك إلى شهر ثم قبل المقبول أبطل الأجل وجعله حالًا يبطل الإيجاب بالكلية، حتى لو قال المشتري قبلت لا يتم العقد؛ لأن الإيجاب وحده ليس بواجب فضعف حكمه، فإذا وقع على صفة [ق 97 أ] لا يحتمل التغيير، فإذا غير سقط مقتضاه، وهكذا لو قال: بعتك على أنك بالخيار، ثم قال قبل القبول: أسقطت الخيار بطل الإيجاب.
فرع آخر
لو كان له دين حال فأوصى أن يؤجل إلى مدة لزم في حق الورثة؛ لأن التبرع بعد الموت يلزم كالوصية بالمنفعة بخلاف العارية.
فرع آخر
لو قال: إن سفي الله مريضي فللَّه عليَّ أن لا أطالبه إلى شهر، فهو كما لو نذر عيادة المريض وتشييع الجنازة فيه وجهان.
فرع آخر
لو قال لسقَّا اسقني الماء فناوله الكوز فوقع من يده وانكسر قبل الشرب، فإن كان بلا عوض لا يضمن الماء؛ لأنه بالإباحة، والكوز مضمون لأنه عارية في يده.
ولو شرق عوضًا أو أطلق والإطلاق يقتضي العوض للعادة فالماء مضمون؛ لأنه أخذ العوض والكوز مضمون دون الماء، كما لو استعار إلى مدة فانقضت ثم تلف في يده قبل أن يرد، وإن كان بالعوض لا يضمن بقية الماء؛ لأن المأخوذ على العوض القدر الذي شربه، فيكون الباقي أمانة.
وعلى هذا لو لأخذ ملك غيره ليشتري نصفه فهلك لا يضمن النصف
الآخر، لأنه لم يقبضه بشرط الضمان.
فرع آخر
في حد الثمن وجهان:
أحدهما: النقد الغالب، وبه قال أصحاب أبي حنيفة؛ لأن الناس في عرفهم لا يعرفون الثمن إلا النقد، وإذا أخذ [ق 97 ب) النقد عن العقد يسمونه معاوضة ومقايضة.
وقال القفال رحمه الله: حد الثمن ما ألصق به الثمين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال في خبر الربا: "ولكن الذهب بالورق بالذهب" وكلامه لا يخلو عن فائدةٍ ولو اقتصر على قوله، لأنه من فائدته، وذلك بيان الثمن من الصيغة، فإذا باع الذهب بالورق فالورق ثمن، وإذا باع الورق بالذهب بالذهب ثمن، وعلى هذا لو قال: بعتك هذه الدراهم، بهذا الثوب، فعند عامة أصحابنا الثوب مبيع والدراهم ثمن.
وعند القفال الثمن الثوب والدراهم مبيعة.
وإنما باع أحد النقدين بالآخر فعند عامة أصحابنا ليس في العقد مبيع، وعند القفال الذي خلا عن الباء مبيع.
وإذا باع أحد النقدين بالآخر فعند عامة أصحابنا ليس في العقد مبيع، وعند القفال الذي خلا عن الباء مبيع.
وإذا قال: بعتك هذا العبد بهذا الثوب ليس في العقد ثمن، وعند القفال ما اتصل به الباء ثمن.
ولو قال: اشتريت مائة درهم في ذمتك بهذا الثوب فالثوب مبيع والدراهم ثمن، ويجوز أخذ العوض عن الثمن في أحد القولين.
وعند القفال الثوب رأس مال والدراهم مسلم فيها.
وإذا جوزنا السلم في الدراهم لا يجوز التصرف فيها قبل القبض.
ولو قال: بعتك كرّ حنطة في ذمتي بهذا الثوب وذكر صفات الحنطة فالحنطة مسلم فيها بلا خلاف.
ولو قال: بعتك هذا الثوب بكر حنطة في ذمتك، فليس في العقد ثمن، ولكن الثوب رأس المال، والحنطة مسلم فيها، ويعتبر قبض الثوب في المجلس، وعند القفال الثوب مبيع والحنطة ثمن، فيجوز الاستبدال عن الحنطة إذا جوزنا الاستبدال عن الثمن قبل القبض، ولا يعتبر قبض الثوب في المجلس.
ولو قال: بعتك هذه الدراهم بثوب في ذمتك، فإن قلنا بالمذاهب فالدراهم ثمن والثوب مسلم فيه.
وعند القفال الثوب هو الثمن ويجوز الاستبدال عنه قبل القبض والدراهم مبيعة.
فرع آخر
لو صالح من الدين على ثوب موصوف في الذمة، فإن لم يعين في المجلس فالعقد
باطل؛ لأنه بيع دين بدين.
ولو عين في المجلس فيه وجهان:
أحدهما: يصح؛ لأن المجلس كحالة العقد في الحكم والتعيين فيه كالتعيين عند العقد.
والثاني: لا يصح؛ لأن حالة المصالحة كان ديناً فيكون دينٍ بدينٍ، ويخالف ما لو أسلم دراهم مطلقة في شيء وأحضر في المجلس يجوز؛ لأن هناك لم يسبق لأحد البدين حكم الدينية، وههنا أحد العوضين دين قبل العقد والله أعلم.
باب السلف والرهن
[ق 98 ب] قال: أخبرنا سفيان، وذكر الخبر.
وهذا كما قال: السلم والسلف واحد يقال: سلف وأسلف، وأسلم يجيء فيه سلم، ولكن الفقهاء لا يستعملونه، وكل ذلك بمعنى واحدٍ، وعقد السلم جاز وهو أن يسلم عوض حاضر بعوضٍ موصوف في الذمة إلى أجل معلوم أو حال على بينة.
والأصل في جوازه الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البَقَرَة: 282] وأراد به المسلم؛ لأن الدين إلى أجل لا يكون إلا فيه، وروى الشافعي رحمة الله عليه بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله تعالى في كتابه وأذن فيه، ثم قرأن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البَقَرَة: 282].
وأما السنة فما روى الشافعي رحمة الله عليه بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في الثمن السنة وربما قال: والسنتين والثلاث فقال: "من أسلف فليسل في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم".
وروي عن أبن أبي أوفي - رضي الله عنه - قال: كنا نسلف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - في الطعام [ق 99 أ] والتمر والزبيب والشعير.
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه، وهذا لأن للناس حاجة إلى ذلك؛ لأن أرباب الضياع والثمار يحتاجون إلى الإنفاق وقد لا يجدون النفقة، فجوز لهم السلم ليسترفقوا به ويرتفق المسلم بالاسترخاص.
وروي عن سعيد بن المسيب - رحمة الله عليه - رواية شاذة أنه أبطل السلم وهو خلاف وعندي أنه لا يصح عنه.
مسألة
قَالَ: "وَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرَّهْنِ وَالسَّلَمٍ فَلَا بَاسَ بِأَخْذِ الرَّهْنِ والحَمِيلِ فِيهِ".
وهذا كما قال: يجوز أخذ الرهن بالمسلم فيه وكذلك الحميل وهو الضامن، فإن لم يؤد بيع الرهن المرهون بحبس الأثمان، ثم اشترى منه المسلم فيه.
ولا يجوز أن يباع الرهن بحبس المسلم فيه إلا بالرضا وكذلك يطالب الضامن إن شاء.
وقال سعيد بن جبير، والأوزاعي: لا يجوز أخذ الرهن والضمين فيه، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: 282] إلى أن قال: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] فأجاز الرهن في المداينة فيدخل فيها السلم، ولأنه حق ثابت في الذمة فجاز أخذ الرهن به كالثمن في المبيع، وكما جاز أخذ الرهن به جاز أخذ الضمين به كالثمن.
وروي عن ابن عباس، وابن عمر - رضي الله عنهم - أنهما قالا: لا بأس بالرهن والحميل [ق 99 ب] في السلف.
فرع
لو دفع به ضامنًا ثم هو دفع الحق إلى الضامن عند المحل، فإنه جعله رسولًا جاز، وإن قال: حد هذا قضاء من ضمانات لم يجز، ولو تلف في يده يضمن لأنه أخذه على طريق البدل.
فرع آخر
لو تفاسخا السلم وكان أخذ بالسلم رهنًا لم يكن له حبس الرهن لاسترجاع رأس المال، وقال أبو حنيفة - رحمه الله - له ذلك.
وهذا غلط لأنه لم يرهن به ولا يجوز حبسه له.
فرع آخر
اختلف أصحابنا في السلم هل هو غرر؟ على وجهين:
أحدهما: لأنه ليس بغرر كبيع العين.
والثاني: أنه غرر كالإجارة لأنه على معدوم وهو الأظهر.
فرع آخر
لو عقد السلم بلفظ البيع كقوله: بعتك هذا الدينار بقفيز حنطة موصوفة هل يكون بيعاً أو سلماً؟ وجهان:
أحدهما: يكون سلمًا بلفظ البيع فيعتبر فيه القبض في المجلس، وهذا أصح كما في
العبة بشرط الثواب اعتبرنا المعنى وهو البيع دون اللفظ، ولهذا سماه الشافعي تارة سلمًا وتارة بيعًا في هذا الكتاب، فدل أنه اعتبر المعنى.
وقيل: نص على هذا في الإملاء.
والثاني: يكون بيعًا ولا يصير فيه القبض في المجلس لأنه للسلم اسمًا هو أخصُّ من هذا.
مسألة:
قَالَ: "وَإذَا أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم السّلفُ فِي التَّمرِ السَّنَتَيْنِ [ق 100 أ] [وَالتَّمْرُ] قَدْ يَكُونُ رُطْباً".
الفصل:
وهذا كما قال: يجوز السلم في الرطب قبل أوانه، ويجوز في كل معدوم إذا كان مأمون الانقطاع في محله، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وقال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة: لا يجوز حتى يكون جنسه موجوداً حال العقد إلى حين المحل، وقال مالك في رواية: يجوز في الموجود من العقد وحين المحل، وإن عدم في الوسط.
واستدل الشافعي - رحمه الله - على مذهبه بالخبر الذى ذكرنا، وذكر وجه الاستدلال بعبارة شافية على ما ذكر في المختصر، واختصاره أنه صلى الله عليه وسلم لما أجاز السلم في الرطب مضموناً في غير حينه الذي يطيب فيه بأن يسلف فيه سنتين دل على جوازه في المنقطع، وأما السلم حالًا لا يجوز عندنا إلا أن يكون موجودًا عند العقد لأنه عقب العقد التسليم بخلاف السلم مؤجلًا.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ فَقَدَ العِنَبَ أَوْ الرَّطَبَ".
الفصل.
وهذا كما قال: إذا أسلم فيما لا يعم وجوده في جميع السنة كالفواكه والرطب فانقطع في البلد الذي أسلم فيه، فإن أصابته جانحة فأتلفته أو توانى في التسليم حتى فني، اختلف قول الشافعي - رحمه الله - فقال في أحد القولين، ينفسخ السلم ولا يتوقف على الخيار، والفسخ، كما لو باع عبدًا فتلف في يده [ق 100 ب] قبل التسليم؛ ولأنه إذا أسلم في الثمر وجعل المحل الوقت الذي يوجد فيه تلك الثمرة في العادة فالمبيع جزء من ثمرة هذه السنة، وإذا ابتدأ في تلك السنة فقد فاتت الجملة التي البيع جزءًا منها فبطل العقد، كما لو اشترى قفيزًا من صبرة تلفت الصبرة انفسخ العقد، وقال في القول الثاني: لا ينفسخ بل المسلم بالخيار إن شاء أنظره إلى عام قابل، وإن شاء فسخ العقد واسترجع رأس المال؛ لأن وقت الاستيفاء دخل، وقد تعذر الاستيفاء وهذا أصح، وبه قال أبو
حنيفة وهذا لأن العقد معقود على رطب موصوف في الذمة، وإذا انقطع رطب هذه السنة تأخر المعقود عليه عن وقت المحل، وذلك لا يوجب انفساخ العقد.
كما لو غصب العبد المبيع أو أبق من يد البائع ينفسخ البيع، وهكذا لو مات المسلم إليه فحل الحق قبل مجيء وقت الرطب فعلى القولين، فإن قلنا: ينفسخ رد عليه الثمن بأن كان قائمًا أو بدله إن كان تالفًا، وإن كان له مثل، فإن أنظره إلى قابل طالبه في ذلك الوقت، بما أسلم فيه، وله الرجوع عن الأنظار بعده واختيار الفسخ، لأنه التأجيل تبرع لا يلزم، وعلى هذا لو أبق المبيع قبل القبض فرضي بترك الفسح، ثم أراد الفسخ له ذلك؛ لأن تسليم المبيع واجب في الحال وتبرع [ق 101 أ] بترك مطالبته بحقه في الحال فله أن يعود إلى حقه.
وقيل فيه: لا يجوز الرجوع عنه في السلم، وقال في "الحاوي" في هذا الخيار وجهان:
أحدهما: على الفور كالعيب.
والثاني: ممتد إلى ثلاثة أيام، كما قلنا في الخيار عند تلقي الركبان وهذا غريب، ولو وجد به ونفذ البعض مثل أن يسلم في كرّين فقبض أحدهما وفاته الآخر هل ينفسخ فيما بعد؟ قولان، فإن قلنا: لا ينفسخ ففيما قبض أولى أن لا ينفسخ ويكون المشتري بالخيار بين الفسخ، فإن آخر فلا كلام وإن اختار الفسخ نظر، فإن فسخ في الكل فعليه رد ما قبضه من الرطب إن كان قائمًا وبدله، إن كان تالفًا ويسترد الثمن على ما ذكرنا، وإن اختار الفسخ في غير المقبوض فهل له ذلك؟ فيه قولان بناء على تفريق الصفقة وإن قلنا: يفرق كان له ذلك، وإذا قلنا: يفسخ فيما بعد فهل يفسخ فيما قبض فيه طريقان:
أحدهما: لا يفسخ قولًا واحدًا، لأنه فساد طرأ بعد القعد وقبل القبض.
والثاني: فيه قولان، فإن قلنا: يفسخ في الكل فقد انقضى حكمه، وإن قلنا: لا ينفسخ فالمشتري بالخيار بين أن يرد أو لا يرد، فإن رد فلا كلام وإن أمسك فبكم يمسكه؟ قولان:
أحدهما: بكل الثمن.
والثاني: فيه قولان: فإن قلنا: يفسخ في الكل فقد انقضى حكمه، وإن قلنا: لا ينفسخ فالمشتري بالخيار بين أن يرد أو لا يرد، فغن رد فلا كلام وإن أمسك فبكم يمسكه؟ قولان:
أحدهما: بكل الثمن.
والثاني: بحصته من الثمن [ق 101 ب] وهو الصحيح، فإذا قلنا بحصته هل للبائع الخيار؟ وجهان: وقد ذكرنا من قبل، وقيل: إذا نفذ بعضه في ثلاثة أوجه:
أحدها: في الكل باطل.
والثاني: في الوجود جائز، وفي المعدوم باطل وللمسلم الخيار، فإن أجاز يجزه بحصته في الموجود من الثمن قولًا واحدًا ولا خيار للمسلم إليه وجهًا واحدًا.
والثالث: السلم في الكل جائز، والسلم بالخيار إن شاء فسخ في الكل وإن شاء أقام على الكل، فيأخذ الموجود ويصبر على قبل القبض.
والثاني: فيه قولان، فإن قلنا: ينفسخ في الكل فقد انقضى حكمه وإن قلنا: لا ينفسخ فالمشتري بالخيار بين أن يرد أو لا يرد، فإن رد فلا كلام وإن أمسك فبكم يمسكه قولان:
أحدهما: بكل الثمن.
والثاني: بحصته من الثمن وهو الصحيح، فإن قلنا بحصته هل للبائع الخيار وجهان، وقد ذكرنا من قبل على المعدوم، فإن أراد أن يأخذ الموجود ويفسخ في المعدوم فيه قولان، وإذا جوزنا فهل يجوز بكل الثمن على ما ذكرنا.
وإذا تقرر هذا صفة الانقطاع إعواز الرطب في البلد الذي وقع العقد فيه وليس من شرط الانقطاع إعوازه في سائر البلدان إذا قل ما يعوز في البلدان كلها ولو أعوز في بلد العقد وكان موجوداً على القرب بحيث لا يتعذر تحصيله ونقله إلى أقرب مسافة [ق 102 أ] فليس في حكم المنقطع وهذا كإعواز البلد الدية والانتقال إلى الذهب والفضة إنما يشترط في ذلك البلد وما قاربه وقيل في حد القرب وجهان:
أحدهما: دون مسافة القصر.
والثاني: من مسافة إذا خرج إليها في أول النهار ويعود إلى منزله في آخر النهار ولا يحتاج أن يبين في غير منزله، ولو كان يوجد في يد بعض الناس ولكن لا يبيعه كان انقطاعًا، ولو كان يبيعه بثمن غال لا يكون انقطاعًا.
فرع
لو كانت موجودة في ناحية أخرى يأتي منها، فإن كان الغرض لا يختلف أجبر على قبوله، وإن كان يختلف لا يجبر على القبول.
وهل يثبت حكم الانقطاع؟ وجهان بناء على أنه لو أسلم في نوع آخر من ذلك الجنس هل يجوز قبوله؟ وجهان، فإذا قلنا يجوز لا ينفسخ ولكن له الخيار.
فرع آخر
لو حدث بعد العقد ما يقطع بأنها لا توجد عند محله هل يبطل السلم؟ قولان مخرجان، ذكره الصيمري.
واعلم أن فيما نقل المزني رحمه الله خلافًا ظاهرًا، وذلك أنه نقل عن الشافعي رحمه الله أنه قال: فإن نفذ الرطب حتى لا يبقى منه شيء بالبلد الذي أسلفه قيل: للمسلف الخيار بين أن يرجع بما بقي من سلفه بحصته أو يؤخر ذلك إلى رطب قابل.
وقيل: ينفسخ [ق 102 ب] بحصته.
فصورة المسألة في انقطاع الجميع، وأجاب عن انقطاع البعض وكان من حقه أن
يذكر القولين في انقطاع الجميع كما ذكرتهما ثم يشتغل بالمسألة الثانية التي منها تبعيض الصفقة، إذ لا يتصور في انقطاع الكل ما ذكر المزني من تفريق الصفقة والرجوع بالحصة.
ثم اعلم أنه قال: "ونَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَكِيماً عَمَّا لَيسَ عِنْدَهُ وَأجَازَ السَّلَفَ".
فدل على أنه نهى حكيمًا عن بيع ما ليس عنده إذا لم يكن مضمونًا مع الأعيان، وقصد الشافعي رحمة الله عليه به الجمع بين الحديثين فإن ظاهرهما الاختلاف، فبين أنهما غير مختلفين؛
أحدهما: حديث حكيم بن حزام، والثاني: ما ذكرنا في أول الكتاب وخلاف ظاهر الأول؛ لأنه بيع ما ليس عنده إذ الرطب لا يبقى سنتين، فحمل خبر حكيم على بيع العين فلا يجوز أن يبيع عينًا مجهولةً ليس عنده؛ أي ليست في ملكه.
وحمل الخبر الثاني على ما ورد فيه وهو السلم المضمون.
ويحتمل أن يكون قصد الشافعي رحمه الله إبطال مذهب أبى حنيفة رحمه الله حيث قال: لا يجوز السلم في المنقطع صحيحًا، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم حكيمًا عن بيع ما ليس عنده فحمله الشافعي على بيع الأعيان لا على بيع الصفات، بدليل خبر ابن عباس رضي الله عنهما [ق 103 أ] فإنه مشتمل على جواز السلم في المنقطع على ما ذكرنا.
مسألة:
قَالَ: "وَإِذَا أَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِصِفَةٍ مَضْمُونًا إِلَى أَجَلٍ كَانَ حَالًّا أَجْوَزَ".
الفصل: وهذا كما قال يجوز السلم حالًا لأنه من الغرر أبعد والحظر فيه أقل، واستأنس بخبر عطاء بن أبي رباح المكي رحمه الله فإنه أجاز السلم حالًا.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: لا يجوز إلا مؤجلًا.
وقال الأوزاعي: أقل الأجل ثلاثة أيام، وروي هذا عن مالك.
وقال: لا يجوز عند مالك إلا إلى أجل له موقع كالشهر وأكثر.
وعند أبي حنيفة يجوز إلى أجل قريب وهذا غلط؛ لأنه نوع معاوضة ليس من شرطه التنجيم فليس من شرطه التأجيل كالبيع، ويفارق الكتابة؛ لأن العبد عن الوفاء بأداء العوض حال العقد يقينًا، ووضعت على خلاف القياس، ولهذا يشترط فيها التنجيم عندنا.
فرع
لو شرط أن يكون حالًا كان حالًا، ولو أطلقا العقد ولم يذكر حالًا ولا مؤجلًا اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز العقد؛ لأن ما يختلف الثمن باختلافه لابد من شرطه كالأوصاف.
وقد نقل المزني بعد هذا فقال: "وقال في كل واحدٍ حدًا وأجلًا معلومًا أو حالًا، فنص على أنه يقول: وحالًا، وهذا لأن الغالب الأجل في السلم.
ومنهم من قال: يجوز [ق 103 ب] العقد ويكون حالًا؛ لأن مقتضى العقد يقتضي الحلول، وهذا أصح وكلام الشافعي محمول على التأكيد.
فرع آخر:
هل الأصل فيه التأجيل والحلول رخصة أم الأصل فيه الحلول والتأجيل رخصة؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: الأصل فيه التأجيل لانعقاد الإجماع عليه والحلول رخصة.
والثاني: الأصل فيه الحلول لانتفاء الغرر فيه والتأجيل رخصة.
والثالث: كلاهما سواء وليس أحدهما أن يكون أصلًا بأولى من الآخر، لقيام الدليل عليهما وجواز السلم معهما، والوجهان عند الإطلاق مبنيان على هذا.
مسألة:
قَالَ المُزني رَحِمَهُ اللَّه: "وَالَّذِي اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهَ أَنْ لَا يُسَلِّفَ جُزَافًا مَنْ ثِيَابٍ وَلَا غِيرِهَا".
وهذا كما قال: لا يجوز السلم حتى يكون المسلم فيه موصوفًا في الذمة، فإن أسلم في عين مثل أن يسلم في تمرة نخلة بعينها أو بستان بعينه بطل، وينبغي أن يكون معلوم المقدار إن كان كيلًا فبالكيل، وإن كان موزونًا فالبوزن، ويذكر مكيالًا معروفًا، فإن عين بكل رجل بعينه وكان مما يوافق مكيال الناس في العادة بطل، كما إذا قال في ثوب: مثل هذا الثوب.
وكذلك لا يجوز أن يسلم في ميزان رجل بعينه، ومتى عين مكيالًا أو ميزانًا [ق 104 أ] وكان ميزان الناس ومكيالهم لم يضر التعيين، ويجوز أن يكيل به وبغيره.
ومن أصحابنا من قال: يبطل السلم لجواز أن يتلف ذلك القبض به، وقد تعين ذلك للشرط.
ذكره في "الحاوي".
وأما رأس المال فلابد من أن يكون معلومًا، ويجوز أن يكون دينًا وعينًا، وإن كان دينًا، قال: أسلمت إليك كذا في كذا، ولابد أن يضبطه بالصفات التي يضبط المسلم فيه من قدرٍ وغيره إن كان ثوبًا أو نحوه.
وإن كان نقدًا فذكر القدر وأطلق النوع جاز، وينصرف إلى غالب نقد البلد، ثم لابد من تعيينه في المجلس نقدًا كان أو غيره وقبضه في غيره.
هكذا ذكره كل أصحابنا، وهو المذهب.
وقال أبو العباس بن رجاء البصري رحمه الله وجماعة: لا يجوز أن يكون دينًا، لأنه يتميز كلا إلى موصوف، ويكون بيع الدين بالدين، وهذا غلط؛ لأنه إنما يحرم الدين بالدين إذا تحققت الدينية.
وههنا لم يفترقا حتى صار الموصوف معينًا في المجلس في الحقيقة عين بدين، كما لو عقد الصرف على موصوفين، ثم أحضرا وإن كان رأس المال معينًا مشارًا إليه هل يفتقر مع المشاهدة إلى معرفة قدره وضبط صفاته؟ قولان:
أحدهما: لابد من ذلك؛ ولأن المسلم فيه ربما ينقطع فلا يدري بماذا يطالب
البائع غير معلوم [ق 104 ب] وبه قال مالك وأحمد، وهو اختيار أبي إسحاق.
والثاني: لا يجب ذلك وهو الأصح، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وهو اختيرا المزني؛ لأنه عين تناولها عقد المعاوضة بالإشارة إليها فأشبه إذا باعها.
فإذا قلنا بالأول فلم يذكر ذلك لم يصح السلم، وللمسلم الرجوع في الثمن إن كان باقيًا أخذه، وإن كان تالفًا أخذ مثله أو قيمته، فإن اختلفا فالقول قول المسلم إليه لأنه غارم.
وإن قلنا بالثاني فإن تم العقد فلا كلام، وإن فسخا رجع إلى الثمن، فإن كان تالفًا واختلفا فالقول قول المسلم إليه لأنه غارم.
ويتفرع على هذا مما لا يجوز السلم فيه من الجواهر والجلود، هل يجوز أن يكون رأس المال على هذين القولين وقال القفال: القولين ههنا يشبهان القولين فيمن جمع بين سلم وبيع؛ لأن العلة هناك أنه ربما يفسخ أحدهما فلا يدري حكم حصته وحصة الآخر، كذلك ههنا ربما يفسخ السلم فيحتاج إلى معرفة رأس المال.
وقال أبو حنيفة: إن كان رأس المال مكيلًا أو موزونًا لابد منذ كر القدر وضبط الوصف، وإن كان ثوبًا ونحوه يجوز أن يكون جزافًا.
فإن قيل: قول المزني: "ولو كان درهمًا حتى يصفه بوزنه وسكته، [ق 105 أ] يوهم أن صورة مسألة القولين في دراهم يسميها المشتري ولا يعينها، وليست صورتها كذلك، لأن المشتري إذا قال: اشتريت منك قفيز حنطة بالدراهم التي في كمي كان ذلك بيع الغائب وفيه قولان.
ثم إذا جوزناه والدراهم غير معلومة القدر كان سلم جزاف في موصوف، فهل يصح ذلك السلم أم لا؟ على قولين.
ولا يظن الشافعي أنه زاحم مسألة السلم بمسألة بيع الغائب حتى يدخل القولان على القولين.
قيل: يحتمل أن يكون معنى قوله حتى يصفه بوزنه حتى يزنه فيصير وزنه معلومًا وكان معينًا، فإذا اجتمع التعيين والوزن صح السلم وخرج عن أن يكون جزافًا في موصوف، وإذا اقتصر على مجرد التعيين من غير وزنٍ ولا إحاطة بالجودة والسكة كان سلم جزاف في موصوف، وفيه حينئذٍ قولان، ولا يجوز إطلاق لفظ الوصف والمراد به الإعلام لا الاقتصار على الوصف.
فرع
رأس المال في القراض لا يجوز أن يكون جزافًا؛ لأن العقد يقتضي رد مثله فيجب أن يكون المال فيه معلوم المقدار والوصف.
وفي السلم يجب رد رأس المال، بل يجب تسليم المسلم فيه بمقتضى العقد فجاز جزافًا في أحد القولين.
فرع آخر
لو كان السلم حالًا هل يجوز أن يكون [ق 105 ب] رأس المال جزافًا فيه طريقان؛
أحدهما: قولان.
والثانية: يجوز قولًا واحدًا؛ لأنه لا يتأخر التسليم ولا يخشى انفساخ العقد والتنازع في قدره بخلاف المؤجل.
فرع آخر
الأجرة هل يجوز أن تكون جزافًا؟ قيل: فيه قولان.
وقيل: يجوز فيه قولًا واحدًا؛ لأن الإجازة ترد على منفعة عين معينة، ولأنها كالمقبوضة حكمًا بدليل جواز التصرف فيها بأن يؤاجره من آخر خلاف المسلم فيه.
فرع آخر
لو أسلم في عشرة أقفزة نصفها إلى شهر ونصفها إلى شهرين خرَّجه الشافعي على قولين في المسألة قبلها.
فإن قلنا رأس المال يجب أن يكون معلوم القدر والوصف لا يجوز؛ لأنه لابد من أن يكون كل نصف فيها معلومًا حال العقد؛ لأن الأجل يأخذ قسطًا من الثمن فيكون ما يخص النصف الذي إلى شهر أكثر مما يخص النصف الذي إلى شهرين.
وإذا قلنا: يجوز وإن لم يصف رأس المال جاز ههنا إذا كان الثمن في الجلة معلومًا.
وهكذا إذا أسلم في جنسين مختلفين صفقة واحدة كالثياب، والحيوان، والحنطة، والشعير هل يجوز؟ قولان:
أحدهما: لا يجوز حتى كون ما يخص كل واحد منهما من الثمن معلوماً.
والثاني: يجوز إذا كان في الجملة معلومًا.
مسألة:
قَالَ: "والَّذِي [ق 106 أ] احْتَجَّ بِهِ فِي تَجْوِيزِ السَّلَم فِي الحَيَوانِ".
الفصل: وهذا كما قال.
كل حيوان يجوز بيعه يجوز السلم فيه من الآدميين والنعم والخيل والوحوش والطيور.
وبه قال علي بن أبي طالب، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن المسيب، والنخعي رضي الله عنهم.
وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة: لا يجوز فيه السلم، وروي ذلك عن ابن مسعود.
وعن عمر - رضي الله عنه.
روايتان.
واحتج الشافعي بخبر استقراض البكر وقد مضى ذكره، وهذا لأن الخلاف في الاستقراض والسلم واحد.
وذكرنا خبر عبد الله بن عمرو بن العاص أنه اشترى بعيرًا ببعيرين وما نعس إلى خروج المصدق بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروي عن ابن عمر- رضي الله عنه - أنه اشترى راحلة بأربعة إلى أجل يوفها صاحبها بالربذة.
والراحلة: البعير النجيب الذي يركبه أمراء الناس في أسفارهم.
(وروي) أن عليًا رضي الله عنه باع جملًا له يدعى عصيفير بعشرين بعيرًا إلى أجل.
قالوا: قال عمر رضي الله عنه: إن من الربا أربابًا لا تخفي وإن عينها السلم في السن: قلنا: هذا غير مشهودٍ به، ثم أراد ما كانوا يشترطون من ضراب فحل ابن فلان ونحو ذلك.
فإذا تقرر هذا فرأس مال السلم في الحيوان يجوز أن يكون حيوانًا، ويجوز أن يسلم واحدًا في عدد من [ق 106 ب] جنسه كما أسلم علي، وابن عمر رضي الله عنهم على ما ذكرنا.
ثم إن المزني رحمه الله قال: "وهذا من الجزاف الحاصل في الموصوف الأجل".
يعني بسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيع علي، وشراء ابن عمر رضي الله عنهم، وقصد المزني نصرة أحد القولين في المسألة السابقة.
قال أصحابنا: لا حجة فيما ظنه حجة؛ لأن الرجل إذا أسلم حيوانًا معينًا مشارًا إليه في حيوان موصوف لم يكن ذلك إسلام جزاف في موصوف، بل هو إسلام معين معلوم في موصوف معلوم إذا لم يعين الحيوان معاينة عند العقد فغلط، ولأنه ليس في هذه الأخبار أنها لم توصف أو وصفت كما ليس فيها أن المسلم فيه وصف أو لم يوصف إذا لم يكن قصد الراوي ذلك.
فرع آخر
لو أسلم في جارية وولدها ووصفها لا يجوز، إذ لا يتفقان على تلك الصفة فإن لم يشترط أنه ولدها ثم جاء بأمٍ وولدها على الصفة المشروطة جاز.
فرع آخر
لو أسلم جارية في جارية قد ذكرنا أن الأصح جوازه، ويجوز أن يطأها ويردها بحق السلم فيصير واطئًا بلا بدل كالمبيعة يطأها ثم يردها بالعيب، وهل يلزم قبوله؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه؛ لأنه يصير أخذ الثمن في موضع المثمن.
والثاني: يلزمه؛ لأنه صار ملكًا له كسائر أملاكه [ق 107 أ].
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ لَمْ يَذْكُرَا فِي السَّلَمِ أَجَلًا فَذَكَراهُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا جَازَ".
وهذا كما قال: قد ذكرنا أن ضرب الأجل في المجلس جائز كما في حالة العقد وذكرنا ما قال صاحب "الإفصاح" وهذا اللفظ يدل على أن الإطلاق يجوز، ويحل على
الحال.
وعلى هذا لو صير الأجل أو المسلم فيه مجهولاً بعدما كان معلومًا قبل التفرق بطل البيع، ولو صير المجهول معلومًا لم يعد العقد صحيحًا؛ لأن التصرف والتغيير إنما يكون في الصحيح.
فأما في الفاسد فلا يمكن البناء عليه حتى لو كان المعقود عليه معلومًا فقال: زدتك ما شئت بطل، فإن صيراه معلومًا لم يصح حتى يستقله عقد آخر.
وكذلك لو أسقطا الأجل قبل التفرق سقط ولزم إن كان ذلك بعد لزوم العقد، قد ذكرنا أنه لا يلحق العقد خلافًا لأبي حنيفة.
ولو بذل رهنًا أو كفيلًا بعد لزوم العقد صح، وإذا قبض لزم، ولا نقول يلحق أصل العقد؛ لأن حكمه ينفرد بنفسه.
مسألة:
قَالَ: "ولا يَجُوزُ فِي السَّلَفِ حَتَّى يَدْفَعَ الثَّمَنَ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهُ".
وهذا كما قال: من شرط صحة عقد السلم تسليم رأس المال في المجلس، فإن تفرقا قبل قبضه بطل؛ لأن البيع دين بموضوف، فإذا افترقا قبل تسليم ذلك أشبه الثمن الدين، ولا يجوز بيع الدين بالدين، ولا الكالاء [ق 107 ب] بالكالاء لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال مالك: إن قبض رأس المال بعد الافتراق بزمان قريب إلى مدة ثلاثة أيام يجوز وإلا فلا يجوز.
وروي عنه أنه قال: إذا تأخر قبضه من غير شرط صح، وهذا غلط لما ذكرنا، ولأن السلم سمي سلمًا لأنه تسليم عاجل فيما لا يجب تسليمه عاجلًا، ويجوز أن يكون أجلًا فيلزمه تسليم الثمن لتحقق الربح.
فرع
لو قبض بعضه وتفرقا قد ذكرنا نظيره في الصرف.
وقيل: فيه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: يبطل السلم في الكل؛ لأن شرط الصحة لم يوجد.
والثاني: يجوز فيما قبض ولا يجوز فيما بقي، وبه قال أبو حنيفة، ولا خيار في تفريق لاصفقة، لأن افتراقهما على قبض البعض رضًا منهما بالتفريق.
والثالث: لا يجوز فيما لم يقبض وفيما قبض قولان بناء على تفريق الصفقة وللمسلم إليه الخيار دون المسلم في أن يمضي العقد بالبعض أو يفسخ.
وهذا أصح، ذكره القاضي الطبري.
فرع آخر
لو أخذ رأس المال في المجلس ثم تلف في يده قبل التفرق، هل يبطل السلم؟ فيه وجهين.
فرع آخر
لو أسلم دنانير بأعيانها وتفرقا بعد القبض ثم وجدها معيبة والعيب من جنسها، فالمسلم بالخيار، ولا يجوز إبدالها قولًا واحدًا، وإن كانت الدنانير في الذمة، فإن كان قبل التفرق لا يجوز إلا ببذال، وإن كان [ق 108 أ] بعده هل يبذل؟ قولان ذكره في الفرق.
فرع آخر
لو أسلم ثوبًا في مائة صاع حنطة وسلم ثم تفرقا، ثم وجد به عيبًا وحدث عنده عيب آخر فأرش العيب القديم عشر قيمة الثوب يسقط عن البائع عشر الحنطة، ولا نقول في الباقي قولان على تقدير أنهما تفرقا قبل قبض عشر رأس المال، بل هو جائز في الباقي إذ لو رضي المسلم إليه بهذا الثوب المعيب لم يسقط من المسلم شيء، فدل أن قبض كل رأس المال قد حصل في المجلس، غير أن له الرجوع بالأرش إن شاء، والرجوع بالأرش هو أن يحط عنه عشر السلم.
وقيل: البيوع على ثلاثة أضرب؛ منها ما لا يفتقر إلى القبض قبل التفرق في الطرفين وهو السلم، ثم ينقسم العقد على ثلاثة أقسام، ما هو بيع لفظًا ومعنى وهو بيوع العيان، ولا يفتقر إلى القبض.
وما هو سلم لفظًا ومعنى وهو أن يقول: أسلمت إليك هذا في كذا فلا يصح التفرق فيه قبل القبض.
وما لفظه البيع ومعناه معنى السلم، كقوله: بعتك كذا وكذا ثوبًا صفته كذا وكذا، فهذا العقد هل يلحق بلفظه أو بمعناه؟ قد ذكرناه.
فرع آخر
لو أسلم حالًا وأحضر المسلم فيه وسلمه في المجلس، هل يعتبر قبض رأس المال في المجلس؟ وجهان:
أحدهما: لا يعتبر، لأن المعقود عليه يعين في [ق 108 ب] المجلس فالتحق ببيع العين.
والثاني: لابد من قبضه؛ لأن العقد اقتضى قبض البدل في المجلس حتى لا يشبه بيع الدين بالدين وقبض المسلم فيه في المجلس لا يستحق، ولكنه تبرع به والتبرع لا يغير مقتضى العقد.
مسألة:
قَالَ: وَيَكُونَ مَا سُلِّفَ فِيهِ مَوْصُوفًا".
وهذا كما قالك لابد فيه من ذكر الصفات التي يختلف الثمن باختلافها؛ لأنه لابد من كون المبيع معلومًا أو بالمشاهدة، أو بالصفة، ويكتفي في كل صفة بأقل ما يقع عليه
الاسم, مثل أن يقول في العبد: إنه كاتب فيلقى اسم الكتابة, فإن أتى بخير من ذلك فقد زاد خيرًا, ثم إذا كانت الوصاف معلومة عند أهل العلم بها جاز, وإن كان سائر الناس لا يعرفونها, ولا يجوز أن يختصا بعلم صفتها؛ لأنهما إذا صارا مختصين بعلم ذلك الموصوف ربما يتخاصمان عند السلم, فيقول البائع: بهذا الموصوف, ويقول المشتري: ليس على ذلك الوصف, فإذا لم يجد غيرهما من أهل العلم به ليعرف الصادق من الكاذب دامت الخصومة بينهما, والعقد إذا أفضى بالمتعاقدين إلى مثل هذا كان في الأصل باطلاً.
وهو ظاهر كلام الشافعي رحمه الله عليه في ((المختصر)).
قال: وأقل من يحتاج أن يعرف ذلك سواهما عدلان.
وقال القفال: وهذا احتياط لا واجب, والشروط [ق 109 أ] أن يكون معلومًا عند المتعاقدين فقط, وهذا أقيس.
فرع آخر
لو أسلم في ثوب على صفة خرقة أحضرها حال العقد لم يصح, لجواز أن تهلك الخرقة فيكون ذلك غررًا لا حاجة به إليه؛ لأنه يمكن أن يضبط بالصفات الموجودة فيها.
فرع آخر
لو أسلم في ثوب ثم قال: أسلمت هذا الدينار في ثوب آخر بتلك الأوصاف, فإن كان يذكران الوصاف جاز, وإن نسي أحدهما بطل.
مسألة:
قَالَ: ((وَإن كَانَ مَا سُلفَ فِيهِ بِصِفَة مَعلُومَةٍ عِندَ أَهلِ العِلمِ بِهَا وَأَجَلٍ مَعلُومٍ جَازَ)).
وهذا كما قال: جملة شروط السلم تسعة:
أحدها: ذكر الجنس.
والثاني: ذكر المقدار.
والثالث: ذكر كل وصف يختلف الثمن باختلافه.
والرابع: أن يكون الأجل معلومًا.
والخامس: أن يذكرا موضع التسليم.
والسادس: أن يكون التسليم فيه مأمون الوجود عند المحل.
والسابع: أن يكون رأس المال موصوفًا في أحد القولين.
والثامن: قبض رأس المال في المجلس.
والتاسع: أن لا يعين فيه مكيالاً ولا صنجة, ولا يعلق المسلم فيه على
مراح بعينه أو بستان بعينه.
وقيل: إن وقع حالاً يفتقر إلى أربع شرائط, شرطان في الثمن أن يكون معلومًا, وأن يقبضه قبل التفرق.
وشرطان في المثمن أن يكون معلومًا بذكر القدر والصفات المضبوطة.
وأن يكون عام الوجود [ق 109 ب] في محلة.
وإن كان مؤجلاً افتقر إلى ست شرائط, والخامس أن يكون الأجل معلومًا, والسادس ذكر موضع القبض في أحد القولين.
فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في معرفة الأجل, ولا يكون معلومًا إلا بحد معروف.
روى عبد الله بن سلام- رضي الله عنه- أن زيد بن سعنة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد هل لك أن تبيعني تمرًا معلومًا إلى أجل معلوم من حائط بني فلان؟ فقال: ((لا يا يهودي, ولكن أبيعك تمرًا معلومًا إلى كذا وكذا من الأجل)).
فإن قال شهرًا بالهلال جاز, وإن قال بالعدد جاز, وإن قال إلى رمضان أو شوال من هذه السنة أو السنة الفلانية جاز, وإن قال إلى يوم الفطر أو يوم الضحى جاز, إلا أنه يحتاج أن يقول من سنة كذا.
وكذلك إذا قال: يوم الخميس من آخر هذه السنة, وإذا طلع الفجر من ذلك اليوم فقد حل السلم فيه عليه ووجب مطالبته, وهكذا إذا أهل الهلال في قوله إلى شهر كذا؛ لأن الليل من الشهر وليس من اليوم.
وكذلك لو قال: عند هلال رمضان أو عند رأس شهر رمضان فذلك كله واحد.
فرع آخر
لو قال: إلى يوم النفر, فإن قال الأول أو الثاني جاز, والنفر الأول اليوم الثاني عشر من ذي الحجة [ق 110 أ] والنفر الثاني الثالث عشر من ذي الحجة, وإن أطلق جاز وحمل على النفر الأول, لأنه أول ما يقع عليه الاسم.
ونص عليه الشافعي رحمه الله, قال: وهذا لأهل مكة لنهم يعرفونه.
وقال أصحابنا: وكذلك غير أهل مكة إذا عرفوا جاز.
وقال في ((الحاوي)): لا يجوز لغير أهل مكة لجهلهم به.
وقيل: يجوز لأهل مكة, وجهان:
أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: لا يجوز؛ لأن خواصهم يختصمون بمعرفته والعوام يجهلونه, وعندي لا معنى لهذين الوجهين, ويكفي علم العاقدين به والخواص من الناس.
فرع آخر
لو قال: إلى جمادى أو ربيع يحمل على جمادى الأول أو ربيع الأول على ما ذكرنا
ونحو ذلك.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أصلاً, لأنه كلام محتمل.
فرع آخر
لو حده بغير شهور العرب, أو كان أشهر الفرس كذباه وبهرماه جاز, وكذلك إلى أعيادهم كالنيروز والمهرجان؛ لأنه يشترك في معرفتها المسلمون والكفار, وكذلك إن حده بشهور الروم مثل كانون ونحوه جاز.
فرع آخر
لو اسلم إلى العطاء أو إلى الحصاد أو الموسم لا يجوز؛ لأنه ليس للعطاء في السنة وقت معلوم والحصاد يتقدم ويتأخر على قدر البرد والحر والموسم مجهول أيضًا.
وقال مالك رحمه الله: يجوز؛ لأنه أجل يعرف في العادة, ولا يتفاوت تفاوتًا [ق 110 ب] كثيرًا, فأشبه إذا قال: إلى النيروز, وهذا غلط لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ((لا تبايعوا إلى الحصاد والدباس, ولا تبايعوا إلا إلى شهر معلوم)).
فإن قال قائل: روت عائشة- رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى يهودي: أن أبعث إلى ثوبين إلى الميسرة, فما تأويله؟ قلنا: تمام هذا الخبر أنها قالت: كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبان قطريان غليظان, فكان إذا تعرق ثقلا عليه, فقدم بر من الشام لفلان اليهودي, فقلت: لو بعثت إليه فاشتريت منه ثوبين إلى الميسرة فأرسل إليه, فقال: قد علمت ما تريد, إنما تريد أن تذهب بمالي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كذب قد علم أني من أتقاهم وأداءهم للأمانة)).
هكذا رواه أبو عيسى, ولا حجة فيه, لأنه لم يكن هذا في العقد.
فرع آخر
لو أسلم إلى فصح النصارى لا يجوز, وهو عيد من أعيادهم, نص عليه الشافعي رحمه الله.
وكذلك إلى سائر أعياد أهل الذمة مثل الشعانين وعيد الملح وعيد الملح وعيد الفطير, لأنه لا يعرفه المسلمون.
قال الشافعي رحمه الله: لأنهم يقدمونه ويؤخرونه على حساب لهم ويسيئون فيه أيامًا, ولا يجوز.
وأما الرجوع إلى قولهم فيه: ((لأن شهادتهم غير مقبولة)): قال أبو إسحاق: فإن علم المسلمون من حسابهم ما يعلمونه [ق 111 أ] جاز لأهل العرض أن يكون الأجل معلومًا.
وقال في ((الحاوي)): هذا قول البغداديين.
وقال أصحابنا البصريون: لا يجوز, وإن كانوا يعلمون؛ لأنه مبني على إنشاء أيام
حرم الله تعالى إنشاءها, ومعدول به عن الأشهر الهلالية التي لم يجعل الله تعالى لأهل الإسلام علمًا إلا بها, ذكرها القفال أيضًا.
فرع آخر
لو قال: إلى العطاء فأراد وقت استحقاق العطاء جاز إذا كان معلومًا عندهما على وجه لا يختلف.
فرع آخر
لو شرط المسلم أن يطالبه به متى شاء فهو على الحلول, ولو زاد وقال: متى شاء من ليل أو نهار فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز ويبطل العقد؛ لأنه شرط الوقت عن وقت الإمكان فربما يطالبه في وقت لا يمكنه.
والثاني: يجوز ويكون هذا مبالغة, فيحمل على العرف وزمان الإمكان.
لو قال في الأجل يسلمه في شهر رمضان لا يجوز, كما لو قال في سنة كذا, لأنه لا يدري أنه في أول الشهر أو آخره أو أثنائه.
وقال في ((الحاوي)): يبطل الأجل لقربه وإن بطل في السنة لبعده, ويحمل على أول الشهر اعتبارًا بأن العادة جارية أن يراد به أو الشهر.
فرع آخر
لو قال في يوم كذا لا يصح أيضًا لما ذكرنا محله الأول أو الآخر, قاله أبو حامد وجماعة.
وقال القاضي الطبري [ق 111 ب] فيه وجهان, قال أكثرهم: وهو الصحيح لا يجوز.
ومن أصحابنا من قال: يجوز, وهو اختيار ابن أبي هريرة لقرب طرفيه بخلاف الشهر والسنة فلا يجوز وجهًا واحدًا؛ لأن زمان طرفيه يتطاول ويتباعد فيحمل على أول اليوم, ولأن في تحديد الوقت من اليوم ضيقًا, يلحق الناس, وعرف كما فيهم استعمال هذه اللفظة في اليوم دون الشهر, فاتسع حكم اليوم وإن ضاق حكم الشرع.
قال في ((الحاوي)): وهذا الوجه أصح.
ومن أصحابنا من قال: في الكل يجوز, ويحمل على الأول, كما لو قال: أنت طالق في سنة كذا يصح ويحمل على أول السنة, وهذا لا يصح؛ لأن الطلاق يجوز إلى اجل مجهول, فإذا تصح تعلق بالأول وفيه نظر عندي, لأنه لو لم يكن معلومًا لما حصل الطلاق على أوله بل يرجع إلى مراده.
فرع آخر
لو قال إلى مقدم الحاج كان باطلاً, وكذلك كل اجل علق بفعل مثل قدوم زيد وخروج السلطان.
فرع آخر
لو قال إلى رمضان فإن لم يمكنك فإلى شوال لا يجوز.
فرع آخر
لو قال إلى نهار يوم كذا فيه وجهان:
أحدهما: طلوع الفجر كأول اليوم.
والثاني: أوله طلوع الشمس؛ لأن النهار من قولهم نهر الشيء إذا ظهر, وكذلك سمي النهار نهارًا لظهور ما فيه.
فرع آخر
لو قال: محله في أول الشهر.
قال بعض أصحابنا [ق 112 أ] بخراسان: يحتمل أنه الجزء الأول, ويحتمل أنه أراد أول آخره أو السلخ, فما لم يكن معلومًا عندهما لا يجوز, ولأن النصف الأخير كله آخر الشهر فهو مجهول.
فرع آخر
لو قال: إلى خمسة أو ستة أشهر انطلقت على [الأشهر] العربية ويجوز, فإن وقع العقد فبأول الهلال, فكل ما بين الهلالين شهر ناقصًا أو كامًلا, وإن وافق ذلك أثناء الهلال عد ما بقي منه مع بقية الشهر الأول ثلاثين يومًا؛ لأنه شهر عددٍ فلا ينقص عن ثلاثين يومًا.
والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿َسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البَقَرَة: 189]. وروي أنهم قالوا: يا رسول الله, ما بال الشمس لا تنقص ولا تتغير, والهلال يبدو صغيرًا ثم يكبر ثم يصغر, فأنزل الله تعالى هذه الآية.
واعلم أن أول من أرخ بالسنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فإنه حمل غليه كتاب ليشهد عليه وقد أرخ إلى شعبان, فقال: أي شعبان؟ الماضي أو الآتي الذي نحن فيه, أرخوا بالسنين.
ومن أصحابنا من قال: إذا انكسر الشهر الأول يعتبر بالعدد, لأنا إذا أكملنا الأول بالثاني ينكسر الثاني أيضًا, وعلى هذا الشهر الثالث والرابع والخامس.
مسألة:
قَال: ((وَإِن كَانَ مَا سُلفَ فِيهِ مِما يُكَالُ أَو يُوزَنُ سُميَا مِكيَالاً مَعرُوفًا