بحر المذهب للرويانيصفحات 434-473

"الأم " وإن اختضبت المحرمةَ ولفت على يدها خرقةً رأيت عليها أن تفتدي، وقال في "الإملاء": لا يتبين لي أن عليها الفديةَ، ونقل أبو حامد إلى "الجامع" ذلك، فلما خرج الشافعي القولين في وجوب الفديةً إذا لفت عليهما خرقةً مع تحريم لبس القفازين عليها علمت أن ذلك لاختلاف قوله في جهةَ تحريم لبس القفازين فحيث جعل الكفين بمنزلةُ الوجه اوجب الفديةَ، وحيث جعل تحريم لبس القفازين لأجل كونهما مخيطين على قدر الكفين لم يوجب عليهما الفديةً، ألا ترى أن مذهب الشافعي أن المحرم [74/ ب] إذا أخضب لحيته ولفها بخرقة أنه لا فدية عليه؟ وقد قال الشافعي: ويداوي المحرم جرحه بما لا طيب فيه ويلصق الدواء على جمح بدنه بالخرقةً، وغيرها ما خلا رأسه وإن كان المسح في الرأس فألصق عليه خرقةً صغيرةً أو كبيرةً افتدى وهكذا لو كان جرح في وجه امرأةً فألصقت عليه خرقةً افتدت، وإن كان في رأسها فألصقت خرقة عليه، فلا شيء عليها، فدل ذلك على ما استنبطته من القولين في جهةُ تحريم القفازين، والثالث: من الفصول أنها تطوف ليلًا ولا رمل عليها في الطواف ولا المشي الشديد بين الصفا والمروةَ؛ وهذا لأن ذلك أستر لها.
وقال في "المختصر": ولكنها تطوف على هيئتها وفي نسخةً على هنتها أي: على سكينتها، ولأن الزحام يقل في الليل ويمكنها أن تقرب من البيت، فإن القرب من البيت أفضل للطائف ثوابًا، فلهذا انسب لها ذلك ليلًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا في طواف القدوم، فأما طواف الإفاضةَ لا يكون إلا يوم النحر فلا تؤخره.
وقيل: أراد طواف الإفاضة تصير إلى الليل، فأما طواف القدوم فإنه تحية، فلا تؤخره لأنه يبطل التحيةَ بالتأخير.
مسألة: قال 1: وأحب إلي أن يخضب للإحرام قبل أن يحرم.
ويستحب للمرأةً أن تختضب بالحناء قبل الإحرام خلافًا لأبي حنيفةَ لما روي عن عبد الله بن عبيدة وعبد الله بن دينار أنهما قالا: من السّنة أن تمسح المرأة بيديها شيئًا من حناء ولا تحرم وهي غير مخضبةً 2، ومثله عن ابن عمر رضي الله عنهما وأما إذا أحرمت لا يستحب لها ذلك بل يكره، لأنه يزيل الشعث، فإن اخضبت فلا فدية عليها لأنه ليس بطيب.
وحكي عن آبى حنيفة أنه قال: تلزمها الفدية، ولا فرق بين أن تكون شابة أو شيخه [74/ أ] لأن الخروج إلى الحج واجب بخلاف الجمعةً ولا فرق بين أن تكون ذات زوج أو لم تكن، وقد قال عكرمة: كانت عائشةَ وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - تخضبن وهن محرمات 3 وذلك بعلم النبي - صلى الله عليه وسلم -، واحتج بقوله لأم سلمه: "لا تمس الحناء وأنت محرمةٍ فإنه طيب 4 " قلنا: راويه ابن لهيعة، وهو ضعيف.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل هو

طيب؟، قولان، وليس بشيء، ولو اختصت بعد الإحرام ولفت على اليد خرقةً فقد ذكرنا قولين وقال أبو حامد: إن لم تشد الخرقةَ لم تجب الفديةَ، وإن شدت فهي على القولين كالقفازين.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن جوزنا لبس القفازين فهذا أولى، وإلا فيه وجهان، وذكروا أيضًا أنه لو خضب لحيته بالحناء، قال الشافعي في موضع: لا شيء عليه وإن لفّ عليها خرقةً أو جعلها في كيس خاطه لها، وقال في موضع: وعليه، ومعنى القولين إن خضاب الشعر بالحناء هل يحصل ترحيلًا له كالترحيل بالدهن، أم لا؟ ذكروا أيضًا أنه يستحب للمرأة أيضًا إذا أرادت الإحرام أن تمسح بوجهها شيئًا من الحناء ليستر حسن بشرتها، فإن قيل: إذا لم يكن الحناء طيبًا فما معنى تقييد الشافعي ذلك بما قبل الإحرام؟، قلنا: قد علم الشافعي اختلاف الماس والأخبار في ذلك، فاحتاط أو علم أن عادتهن لفّ الخرقة عليها، وهو ممنوع لتحريم القفازين، والله أعلم.
وأما إذا لم ترد الإحرام فإن كان لها زوج لا يكره لها الاختضاب، وإن لم يكن لها زوج كره.
وكذا قال أصحابنا بالعراق.
وقال القفال: يستحب لها الخضاب بالحناء بكل حال، فتختضب في يديها إلى الكوعين، وذلك في جملةُ ما أقرت به من الستر؛ لأن ذلك يخفي لون بشرتها ولا تطرف، [75/ب] فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التطريف (1) وهو أن تخضب أطراف الأصابع، وروي أن امرأةً أرادت أن تبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخرجت يدها، فقال: "أريد رجل أم يد امرأة"؟ فقيل: يد امرأةً، فقال: "فأين الحناء (2) " قال: واستحباب ذلك عند الإحرام أكثر ولا يزيد على الكوعين لأن ذلك القدر يجب عليها كشفه في الصلاة في قول.
قال: ولا تتخذ من الحناء نقوشًا بل تلطخ يدها بالحناء لطخًا.
فرع يستحب لها أن تتطيب للإحرام كما قلنا في حق الرجل لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنا نخرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فلا ينهانا" (3) وروي: فلا ينكر علينا، وغلط بعض أصحابنا حيث قالوا: لا يجوز لها ولا للرجال أن يتطيبا قبل الإحرام بطيبٍ له أثر، والكبيرةَ والشابةً في هذا سواء، فإن قيل: أليس قلتم إذا أرادت حضور الجمعةَ تجتنب الطيب وإن استحي للرجل؟ قلنا: إن الفرق أن الحكم هناك أضيق لأنه يكره للشابةً حضور الجمعةَ ولا يكره لها الخروج للإحرام، ولأن هناك يضيق المكان بالازدحام، وفي الحج لا يضيق المكان ويتسع الانفراد فافترقا.

باب ما يجتنبه المحرم من الطيب ولبس الثياب

مسألةً: قال 4: ولا يلبس المحرم قميصا ولا عمامةً.123

الفصل المحرم ممنوع من ستر رأسه بالمحيط كالقلنسوة والبرنس أو غير المحيط كالعمامةَ والمنديل، وممنوع من لبس المحيط في بدنه وغير ممنوع من لبس غير المخيط من الرداء والإزار والنعلين، ولا فرق بين أن يكون مخيطًا على قدر بدنه كالقميص والجبةُ [76/ أ] آو مخيطًا على قدر عضو من أعضائه كالسراويل والخفين ونحو ذلك.
ولا فرق بين أن يكون معمولًا بالخياطة أو منسوجًا على هيئته، أو ملزقًا بلزاق.
والدليل على هذا حديث ابن عمر الذي ذكرنا والنص على تحريم القميص ينبه على الجبةَ والدراعةً والنص على تحريم السراويل تنبيه على تحريم الثياب والبرانس، والنص على تحريم البرنس دليل على تحريم القلنسوة، ويريد به اللبس على الوجه الذي يلبس في العادةً فلو اتزر بالقميص، أو ارتدى به، آو اتزر بالسراويل لم يضره ذلك، ولا شيء عليه، لأنه في معنى الرداء والإزار نص عليه في "الأم" 1. فرع لا يلبس القباء ولو لبه بأن أدخل كفيه سواء أخرج يديه من كميه أو لم يخرج يديه من كميه.
نحز عليه في "الأم" 2، وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة: لا تجب الفدية، كما لو توشح بالقميص، وهذا غلط لأنه مخيط لبسه المحرم على العادةً في لبسه، فيلزمه الفديةَ كما لو لبس القميص، ولا يشبه هذا التوشح بالقميص، لأن ذلك يخالف لبس القميص فهو كما لو توشح بالقباء ولم يدخله في كفيه، لا يلزمه الفدية.
وقال في "الحاوي 3 ": إن كان من أقبيةَ خراسان قصير الذيل ضيق الأكمام يلزمه الفديةَ لأنه يلبس هكذا، وإن كان من أقبية العراق طويل الذيل واسع الأكمام لا فديةَ إذا لم يدخل يديه في الكمين لأنه لم تجر العادةَ بهذا اللبس ولا يتحفظ به.
فرع أخر قال: ولا بأس بأن يعقد إزاره لأن ذلك صلاحه، وبه يثبت.
قال: ولا يعقد رداءه ويجوز له أن يغرز في إزاره، وروي نحو هذا عن ابن عمر رضي الله عنهما، ولو عقد رداءه من ورائه افتدى لأنه إذا عقده صار كالقميص يحفظ نفسه، وهذا لأن ما لا يحفظ نفسه تبعثه نفسه [(86) /ب] على مراعاته، فيتذكر بذلك على ما هو عليه من إحرامه فيتجنب عن المحظورات، فاختص التحريم بهذا، ولو كان حاجًا له أن يتطلس به غير أنه لا يعقد طرفيه على نفسه ولا يزره ولا يحلله ولا يعلقه بشوكة ولا مخيط؛ فإنه يصير في معنى المحيط، فإن فعل ذلك افتدى، وله أن يشتمل ذلك على نفسه طاقين وثلاثةً وأكثر.
فرع أخر قال أصحابنا: له أن يشد فوق الإزار عمامة أو تكة، ولو أصلح للإزار حجزه

وأدخل فيها تكة واتزر به جاز، وكذلك لو اتزر ثم شذ فوقه تكة جاز.
وقال في "الأم" 1: ولو زره أو خاطه أو شاكه لم يجز لأنه يصير كالمخيط.
فرع آخر قال في "الأم 2 " ولا يجوز أن يأترز ذيلين، ثم يعقد الذيلين من ورائه لأنه يصير كالسراويل، فإن انعقد افتدى، وقال بعض أصحابنا: معناه أن يشق إحدى حاشيتي الإزار ويشذ الحاشية من الطرف الذي لم يشقه في وسطه، فيكون للإزار ذيلان يعقد أحد الذيلين على أحد ساقيه أو فخذيه، ويعقد الآخر على مائه الآخر فيصير بمنزلة البابكتين وهو فارسية بغداد.
وقال بعض أصحابنا: إذا شق إزاره إلى النصف ثم لف كل شق من الإزار على إحدى فخذيه كره ذلك لأنه يشبه السراويل ولا فديةً لأنه لا يقصد عادةً الارتفاق.
فرع أخر لو زر السلاح على نفسه لزمته الفدية، لأنه في معنى القميص، ولهذا اتخذ الناس لبس المزرة.
وروي أن ابن عمر رضي الله عنهما رأى قوما في الحج في هيئة أنكرها، فقال: هؤلاء الداج فأين الحاج، وفي هذا وجهان: احدهما: الحاج إذا أقبلوا، والداج إذا رجعوا.
والثاني: الحاج القاصدون للحج من أصحاب الشأن والداج [77/ أ] الأتباع من تاجر ومكار.
وقال ثعلب: والثالث، الزاج وهم المراؤون.
فرع آخر إذا لم يجد النعلين لبس الخفين بعد أن يقطعهما ويجعلهما مثل النعلين، ولا يجوز أن يلبهما قل القطع، وبه قال جماعةُ العلماء، وقال: يجوز أن يلبسهما غير مقطوعين عند عدم النعلين.
وبه قال عطاء بن رباح وسعيد بن سالم القداح، واحتج بما روى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "السراويل لمن لم يجد إزارا والخف لمن لم يجد نعلين" 3، ولأنه لا يلزمه فتق السراويل فكذلك قطع الخفين، وهذا غلط لما روي في خبر ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من لم يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين " 4، ومعناه فليقطعهما أولا ثم يلبسهما، لأنه لو لبسهما غير مقطوعين ثم قطع الساقين ونزعهما لزمته الفدية باللبس والعرب تقدم الكلام مؤخرًا، وتؤخر مقدمًا.
قال الله تعالى "إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورَافِعُكَ إلَيَّ" [آل عمران: (55)] معناه إني رافعك إلي ومتوفيك لأن رفع عيسى عليه السلام قد كان، ووفاته ستكون في المستقبل،

لأن ما جاوز الكعبين داخل في حدٌ الخف، ألا ترى أن المسح عليه جائز حينئذ؟ فلهذا قدرنا القطع بهذا التقدير، وأما خبرههم مطلق وخبرنا مقيد، والمقيد أولى، وأما السراويل فلا يمكن لبسه بعد فتقه بخلاف الخفين فافترقا قالوا: فيه تضيع المال، قلنا: هذا من باب المصلحةَ لا من صاحب الشمع، فلا يعن تضييعًا.
فرع أخر لو لم يجد المحرم النعل فلبس المكعب، فلا فديةَ عليه لأنه ما بقي من الخفين المقطوعين أسفل الكعبين مكعب أباح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبسه [77/ ب] في حال الضرورةً، ولو لبسه مع وجود النعل افتدى، وإنما ورد الخبر بلفظ: الخف المقطوع، ويرد بلفظ المكعب والشمشك، وإن كان هو ذاك في الحقيقة لأنه لم يكن للعرب ذلك، ولا يعرفون إلا بهذا اللفظ.
وروي عن عبد الرحمن بن عوف أنه أجاز لبس الخفين مع وجود النعلين.
فرع أخر إذا قطع الخفين وجعلهما كالشمشكين ولبسهما ثم وجد النعلين، قال في "الأم" 1: يلزمه نزعهما فإن استدام لبسهما لزمته الفديةَ، ومن أصحابنا من قال: هو بالخيار بين أن يلبس نعلين وبين أن يستديم ذلك، ولا شيء عليه لأنهما صارا بمنزلةُ النعلين، ولهذا لا يجوز المسح عليهما، وقال هذا القائل: لو كان له نعلان وشمشك يخير بينهما، وهذا غلط؛ لأن في الخبر شرط فيه عدم النعلين، ولأنه مأذون في لبسه لعدم غيره، فإذا وجد الأصل لم يجز له استدامته ويلزمه نزعه كالسراويل، إذا لبسه لعدم الإزار ثم وجده فاستدم لسه يلزمه الفديةَ، وما قالوا يبطل بالخف المخرق القدم لا يجوز المسح عليه، ولا يجوز للمحرم لبسه.
مسألة: قال 2: فإن لم يجد إزارًا لبس سراويل.
الفصل إذا لم يجد المحرم إزارًا لبس سراويلًا، ولا فديةَ عليه، ولا يجوز له لبس القميص مع عدم الرداء والإزار، فإن لبسه وجبت الفديةَ، لأنه يمكنه أن يتزر بالقميص، أو يطرحه على كتفه كالرداء ويمكنه فتقه والانتفاع به، فلم يكن بحاجةَ إلى لبه قميصًا بخلاف السراويل.
وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز له أن يلبس السراويل بحال، فإن لبسه تلزمه الفديةً ويلزمه أن يفتقه ويتزر به.
وقال أبو بكر الرازي؛ لا يلزمه الفتق، ويباح له لبسه بشرط الفدية وهذا غلط للخبر الذي ذكرنا [78/ أ] ولم يذكر الفتق ولا الفدية، وإنما فرقنا بين السراويل والخف في وجوب القطع هناك دون الفتق ههنا لأن فتق السراويل تمنع ستر العورةً بخلاف قطع الخف.
وقال القفال: لو كان سروال واسعًا يمكن اتخاذ الإزار منه ويجد آلة الخياطة ولا يخاف التخلف عن الرفقة لو اشتغل به يلزمه ذلك.

مسألة: قال 1: ولا يلبس ثوبًا منه ورس أو زعفران.
الفصل لا يجوز للمحرم والمحرمة لبس ثوب منه ورس أو زعفران، وقد ورد الخبر بذلك.
قال الشافعي 2 قياسًا عليه؛ ولا شيء من الطيب وإذا حرم ذلك، فإن الثوب الممسك والمعتبر والمكفر والمورد والمبخر بالند أولى بالتحريم لأن هذا كله أطيب ورائحته أذكى وأعجب.
فرع لو صبغ الثوب بما عصر من النبات فإن كان مما يعد طيبًا ويحرم على المحرم شمه لم يجز له لبسه، وإن كان مما لا يعد طيبًا ولا يحرم عليه شمه لم يحرم عليه لبسه، كالعنبر والعصفر، وإن كان مما في تحريم شمه قولان، كالريحان كان في تحريم لبسه قولان، نص عليه في "الأم" 3 فرع أخر لو كان الطيب على بعض الثوب، وان قل حرم عليه لبسه.
فرع أخر لو ذهب ريح الطيب لطول الزمان لا يحرم لبسه وإن بقي لونه لأن القصد من الطيب الريح، فإذا ذهبت ريحه خرج من أن يكون طيبًا وعلامة زوال رائحته أن لا توجد له ريح في حال جفافه، وإذا رشّ عليه الماء، فإن كان بحيث إذا رشّ عليه الماء ظهر ريحه، وإن شيء لم يجز لبسه.
فرع آخر لو صبغ موضع الزعفران أو الورس بالسدر أو السواد فانقطعت رائحته ولم تظهر في حال الجفاف [78/ ب]، والرطوبةً لم يحرم لبسه.
فرع أخر لو نام على ثوب مطيب أو جلس عليه تلزمه الفديةَ، ولو مدّ عليه ثوبًا ونام عليه، فإن كان الثوب صفيقًا لا يشف لا يكره له ولا فديةَ عليه، وإن كان رقيقًا يشف كره لما يصعد من رائحته، ولا فديةَ عليه للحائل الذي بينهما فيكون وجوده لرائحته بالمجاورةَ لا بالمباشرةً، فهو كما لو شمه من حانوت العطار، نص عليه في "الإملاء".
وحكي عن أبي حنيفة: إن كان الطيب رطبًا على بدنه أو يابسًا ينقض تلزمه الفديةَ، وإن كان لا يلي بدنه بل هو على ظاهر ثوبه لم تلزمه الفدية رطبًا كان أو يابسًا، وكذلك إذا بخر نفسه أو ثوبه، لا تلزمه الفديةَ وهذا غلط؛ لأنه محرم استعمل ثوبًا مطيبًا عامدًا فلزمته الفديةَ، كما لو نفض عليه، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لبس ما منه زعفران، ولم يفرق بين ما

ينفض وبين ما لا ينفض فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان؛ لو لبس ثوبًا مخيطًا مطيبًا أو ستر رأسه بثوب مطيب فيه وجهان: أحدهما: تلزمه فديةً واحدةً لأنه فعل واحد.
والثاني: وهو الأصح تلزمه فديتان، وقال أصحابنا بالعراق: المذهب أنه تلزمه فديةَ، وكذلك لم طلي, رأسه هل بطيب ثخين تلزمه فديتان للطيب وستر الرأس، بلا إشكال.
مسألة: قال 1: ولا يغطي الرأس الفصل حرم الرجل في رأسه على ما ذكرنا ولا يعصب رأسه من علةٍ ولا غيرها فإن فعل افتدى هذا لأن كشف جمع الرأس واجب عليه، فلا يجوز له ستر بعضه.
فرع آخر لو حمل المكتل على رأسه هل تلزمه الفدية؟ حكي الشافعي في "الأم" 2 عن ابن جريج أنه قال: سألت عطاء عن المحرم يجعل [79/ أ] المكتل على رأسه، فقال: لا بأس بذلك، ولم يصوبه الشافعي ولا أنكره، والظاهر من روايته وترك اعتراضه عليه، أنه مذهبه، وحكي ابن المنذر في "الإشراف" عن الشافعي أنه قال: عليه الفدية وقال أبو حامد نص في بعض كتبه، أنه تلزمه الفديةً، وحكاه عن أبى حنيفة.
وقال سائر أصحابنا: هذا لا نعرفه في شيء من كتبه، والصحيح أن لا فديةَ عليه، وهو اختيار القاضي الطبري والصحيح عن أبي حنيفة هذا القول أيضًا ووجهه؛ أنه لا يقصد به ستر الرأس، وإنما يقصد حملةً وهو كالمحدث لا يحمل المصحف ولو حمله الحمال في جملةَ الكتب أو المتاع جاز لأنه لم يقصد حمله لذلك؛ هذا ولا لأنه لا يترفه حامل المكتل تغطية رأسه به وقال: القفال: فيه قولان، ووجه القول الآخر أنه تلزمه الفديةَ بستره بالبرنس، وإن كان يقصد به ستر الوجه لا الرأس، وهذا اختيار أبى سليمان الخطابي وجماعة.
وقال في "الحاوي"، 3، إن قصد تغطيةُ رأسي به تلزمه الفدية وإن لم يقصد ذلك فيه وجهان، وهذا أسن عندي، وهكذا الخلاف لو وضع على رأسه طبقًا أو كارة ثياب.
فرغ آخر يجوز للمحرم أن يضع يده على رأسه ويتركها عليه ولا شيء عليه لأن ذلك لا يراد للتغطيةً، ولهذا لا يجوز أن يستر عورته بيده، ولأن المحرم مأمور بمسح الرأس مندوب إلى إمرار يده عليه ثلاث مرات.

فرْعٌ آخرُ لو غطّي رأسه بكف غيرهِ وجهان: أحدهما: لا تلزمه الفدية كما في نفسه.
والثاني: تلزمه الفدية لأن كفه بعض من أبعاضه بخلاف كف غيره وهو كما لو سجد على كفّ نفسه لا يجوز، ولو سجد على كفّ غيره جاز ذكره في "الحاوي" 1. فَرْعٌ آخرُ قال في "الإملاء": لو خضّب [79/ ب] رأسه افتدى.
وقال أصحابنا: هذا إذا كان الخضاب ثخينًا يمنع النظر إلى الرأس.
قال: فإن كان رقيقًا لا يمنع النظر فلا فدية عليه لأن الشافعي جوز للمحرم أن يغسل رأسه بماء وسدر.
وقد وردت السنة بذلك أيضًا، وكذلك إذا وضع على رأسه دواًء ثخينًا كالمرهم الثخينة، فهو كالحناء، وإن كان المرهم رقيقًا فلا فدية، ولو كان معه قرطاس وجبت الفدية بلا إشكال.
وقال في "الأم" 2: لو طلاه بغسل أو لبن لا تلزمه الفدية لأنه يجري مجرى السّدر، ولا يجري مجرى الحناء لأن الحناء جرم قوي يجف ويكون ساترًا بخلاف الدواء، ولو طلاه بالطين أو النورة، فهو كالحناء.
فَرْعٌ آخرُ لو تعصّب عريضة كما جرت العادة يلزمه الفدية، ولو تعصّب بخيط، فلا بأس لأنه لا يقصد به ستر الرأس، ولا يحصل به الستر.
فَرْعٌ آخرُ تلزمه الفدية بتغطية جزء من الرأس، وإن قلّ، وكذلك لو غطّى البياض الذي حول الأذن، أو لبس أحد الخفّين.
وقال أبو حنيفة لا فدية ما لم يغطِ ربع الرأس ولكن تلزمه الصدقة، وهذا غلط، لأنه لم يرد التوقيف بهذا التقدير ولا يدل عليه القياس، فلا يجوز القول به.
فَرْعٌ آخرُ إذا غطّى الخنثي المشكل رأسه لا فدية لا حتمال أن يكون امرأة، وكذلك لو غطّى وجهه لا فدية لا حتمال أن يكون رجلًا.
فَرْعٌ آخرُ وعلى هذا لو أولج الخنثي ذكره في فرج لم يفسده حجّه ولم تجب الفدية لا حتمال أن يكون امرأة، ولو أولج رجل في قبله لا يفسد حجّه أيضًا [80/ أ] لا حتمال أن يكون رجلًا فإن أولج هو وأولج فيه فسد حجه.
وكذلك إذا غطى رأسه ووجهه تلزمه الفدية.

مسألة: قال 1: "وإن احتاج إلى تغطية رأسه ولُبْسِ ثوبٍ مخيطٍ أو خفين ففعل ذلك من شدة حرِّ او بردٍ".
الفصل إذا احتاج المحرم إلى شيء من محظورات الإحرام من اللباس أو الطيب أو الحلق أو قتل الصيد حل له فعله وتلزمه الفدية، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] الآية والأذى: القمل، وفي المرض تأويلان، قال ابن عباس: البثور.
وقال عطاء: هو الصداع.
وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به زمن الحديبية فقال: "قد آذاك هوام رأسك؟ " قال: نعم.
قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "احلق ثم اذبح شاة نسكًا، أو صم ثلاثة أيام أو اطعم ثلاثة آصع من تمرٍ على ستة مساكين" أورده أبو داود وروي: "أو أطعم ستة مساكين فرقًا من زبيب، أو انسك شاة" قال: فحلقت رأسي ثم نسكت 2. والفرق: ستة عشر رطلًا وهو ثلاثة آصع، وهذا نص في الزبيب، وذلك نص في التمر.
وعند أبي حنيفة وسفيان يلزمه إطعام رجل واحد من التمر أو الزبيب صاعًا وهذا خلاف النص الظاهر.
فإن قيل: هلا قلتم في لبس السراويل عند عدم الإزار تلزمه الفدية أيضًا لأنه أبيح بعذر.
قلنا: لأن الرخصة وردت فيه مطلقًا.
بخلاف هذا ولأن هذا يراد للدين فإن ستر العورة واجب بخلاف هذا.
فإن تقرر هذا ففعل شيئًا بعد شيء وتكرر ذلك منه، فإن كان من أجناس مختلفٍة [80/ ب] مثل أن يلبس ويحلق ويقلّم الأظفار ويتطيب ويستمتع ويقتل الصيد فإن عليه لكل فعل فدية ولا يتداخل حكمها قولًا واحدًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كانت من جنس واحد يتداخل لأن المكان واحد، وليس بشيء وإن كانت من جنسٍ واحدٍ مثل أن يلبس القميص والجبّة والسراويل والعمامة والخفين أو يحلق رأسه وشعر شاربه وغيره أو يقلم أظفار يديه ورجليه، أو يتطيب بالبخور والغالية والمسك والكافور، وغير ذلك أو يقبّل ويضاجع ويطأ دون الفرج، وفي الفرج أو يقتل صيود كثيرة فإن كان قد قتل الصيود، فعليه لكل صيد جزاء كامل ولا يتداخل سواء كان في وقتٍ متصل، أو في أوقات مختلفة.
وقال داود: لا يجب والثاني جزاء، وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم في الضبع كبش 3 ولم يفصل وإن كان غير القتل فإن كان في وقتٍ متصل من غير تقطيع فإنها تتداخل ويلزمه في الجميع فدية واحد، وإن كان في أوقاتٍ مختلفة، فإن كان فعل الثاني بعدما كفر عن الأول فإن عليه للثاني كفارة أخرى قولًا واحدًا، وإن لم يكن كفّر، ففيه قولان: أحدهما: يتداخل ويلزمه للجميع فدية واحدة.
قال في "القديم": ووجهه أنه جنس

استمتاع متكرر منع المحرم منه ولم يتخلله التفكير فيوجب أن يتداخل كما لو توالى في مكانٍ واحدٍ.
والثاني: قاله في "الجديد" أنه لا يتداخل ويلزمه لكل واحدٍ فدية، وهو الصحيح لأنها أفعال تفرقت في أوقاتٍ لو انفرد كل واحدٍ منها لزمته الفدية، فإذا اجتمعت وجبت الفدية لكل واحدٍ كما لو كفّر عن الأول.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن كانت في مجلس واحدٍ وجبت فدية واحدة، [81/ أ] وإن كانت في مجالس وجبت لكل واحدة كفارة سواء كفر عن الأول أو لم يكفر إلا أن يكون تكراره لأمر واحدٍ، وهو أن يكون تكراره لأمر واحدٍ، وهو أن يكون لرفض الإحرام، أو لمرض واحد أو لحاجة واحدة حتى قال: لو قتل صيودًا بنية رفض الإحرام يكفيه جزاء واحد وهذا غلط لما ذكرناه، ومن أصحابنا من قال: هذا إذا كان سبب الحاجة واحدًا فإن كان أسبابًا مختلفة، فكل موضع، قلنا: في السبب الواحد تلزم فدية واحدة، ففي الأسباب وجهان: أحدهما: تجب فديات لأن اختلاف الأسباب يجري مجرى اختلاف الأجناس والأسباب المتفقة أن يلبس مرات لشدّة حر أو برد والأسباب المختلفة أن يلبس لشدّة حرّ ثم أصابته حمى ورعدة فاحتاج أن يلبس للبرد رأسه جراحة، فاحتاج إلى ستر رأسه للمعالجة ونحو ذلك وهذا غير صحيح.
وليس للشافعي ما يدلّ على هذا.
وقال بعض أصحابنا: هذا على ثلاثة أضرب: أحدهما: ما هو إتلاف يضمن بمثله وهو قتل الصيد فحكمه ما ذكرنا.
والثاني: ما ليس بإتلاف كالاستماع واللبس فحكمها ما ذكرنا.
والثالث: ما هو إتلاف لا يضمن بالمثل كحلق الشعر وتقليم الأظفار، وإن كان في مجالس تجب كفارات قولًا واحدًا سواء كفّر عن الأول أو لم يكفّر ذكره أبو حامد لأن هذا إتلاف، فلا يتداخل حكمه لقتل الصيد ولا يلزمه إذا كان في مجلس واحد لأنه لا يتداخل، ولكنه واحدٌ فيجب فدية واحدة، ولهذا لو حلف فقال: والله، لا حلقت رأسي اليوم إلا مرة فحلق من أول النهار [81/ ب] إلى آخره متواليًا لا يحنث، وأيضًا الحلاق وتقليم الأظفار أخذ شبهًا من قتل الصيد في أنه إتلاف وأخذا شبهًا من الاستمتاع لأن ما يجب به لا يجب عن طريق البدل فألحقنا بهما، فقلنا: إنه إذا كان متواليًا في مجلس لا تجب إلا فدية واحدة، وإذا تفرق يلزم فديات.
فَرْعٌ اللباس والطيب جنسان نص عليه الشافعي، فلا يتداخل حكمهما بحال، وقال ابن أبي هريرة: يتداخل لأنهما من جنس الاستمتاع، وهذا غلط لأنه يقصد بهما أمران مختلفان، ولو جاز أن يقال هذا لجاز أن يقال: الحلق وتقليم الأظفار جنس واحد لأنهما إتلاف، وأجمعنا على أنهما جنسان وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه قولان وهو غلط.
فَرْعٌ آخرُ لو أبيح جنسان لحاجة واحدة مثل أن يمرض، فاحتاج إلى المداواة باللبس والطيب تجب فديتان قولًا واحدًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان:

أحدهما: تجب فدية واحدة لأن السبب واحد، ذكره الاصطخري، وفيه نظر.
فَرْعٌ آخرُ شعر الرأس والبدن جنس واحد قولًا واحدًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، وهذا غلط لأن القول بأنهما جنسان ذكره الأنماطي وحده، واحتج بأن النسك يتعلق بحلق شعر الرأس دون شعر البدن، وهذا لا يصحّ لأن حكم اللباس في الرأس يخالف حكمه في البدن، ولا يقال: هما جنسان.
فَرْعٌ آخرُ لو جامع مرارًا فبالمرة الأولى فسد حجّه ووجبت فدية، ثم إن كانت المرة الأخرى [82/ أ] في هذا المكان لا يجب شيء آخر وإن كانت في أماكن فحكمه ما ذكرنا في ارتكاب المحظورات من جنسٍ واحدٍ في أماكن، فإن قلنا: تجب الفدية في كل جماع، هل تجب شاة أو بدنة؟ فيه قولان: أحدهما: تجب بدنة واحدة كما في الأول.
والثاني: يكفيه دم شاة لأنه لم يتعلق بالجماع الثاني فساد الحجّ بخلاف الأول وقال القاضي الطبري: إن كان كفر عن الأول تجب للثاني فدية، وإن لم يكفر فالأصحّ أن عليه فدية آخر وقال في اللقديم: يتداخل، ولا فرق بين أن يكون في مكان واحد أو في أماكن، وهذا أصح مما تقدم.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا: تجب فدية واحدة للكل لو نوى بالفداء عن المحظورة الأول أن يفدي عنه وعن محظور آخر من جنسه سيرتكبه مرة أخرى، فحكم هذا حكم ما لو قدم الفدية على ارتكاب المحظور، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن في ذلك تسببًا إلى ارتكاب المحظورات، فصار كتقديم كفارة الجماع في رمضان على الجماع لا يجوز بالإجماع.
والثاني: يجوز هذا في الحجّ والفرق بينه وبين كفّارة الجماع في رمضان، أن الجماع الموجب للكفارة قطّ لا يباح وقد يباح الحلق في الإحرام للأذى واللبس للبرد والحر، فيباح أيضًا تقديم الفدية على الوجوب إذا وجد سبب وجوبه، وهو الإحرام، وهذا غير صحيح، بل المذهب المنصوص أنه لا يجوز ذلك بحال.
مَسْأَلَةٌ: قالَ 1: وإن تطيب ناسيًا فلا شيء عليه.
لا يجوز للمحرم أن يبتدئ استعمال الطيب بحال، فإن استعمله ذاكرًا لإحرامه مع العلم بتحريمه، تلزمه الفدية سواء استعمله [82/ ب] أو مسه بشيء من بدنه، قال في "الأم" 2:فإن سعط به أو حقن تلزمه الفدية، فمنع منع في ظاهر البدن وباطنه، وذلك لأن هذا أكثر من استعماله في ظاهر بدنه ومن أصحابنا من قال: قال في "الأم": إذا

احتقن به، تلزمه الفدية لأنه أكثر من الأكل ولو استعط تلزمه أيضًا، لا يمكن إلا بأن يمسه، فيلزمه الفدية بالمسّ لا بالأكل، وهذا يقتضي أنه استعط لا فدية، وهذا غير صحيح عندي، لأنه وإن استعط فقد استعمل الطيب باطن بدنه ولا فرق بين أن يطيب كل عضو أو بعضه ولا بين أن يكون عضوًا جرت العادة بتطييبه كالرأس والبدن أو لم تجر العادة به كالرجل والعقب، ولا فرق بين أن تكون مدة قليلة أو كثيرة، وكذلك في حكم اللباس، لا فرق بين أن يكون قليلًا أو كثيرًا.
وقال أبو حنيفة: إن طيب عضوًا كاملًا تجب فدية كاملة، وإن طيب أقل من ذلك تجب صدقة وأراد بالصدقة إطعام مسكينٍ واحدٍ إما صاعًا من تمرٍ أو نصف صاع من برّ، وقال في اللباس: إن استدام يومًا كاملًا تلزمه الفدية، وإن كان أقل من ذلك تلزمه صدقة، وقال محمد: إن لبس جميع النهار تلزمه فدية كاملة، وإن كان أقل فبحسبانه من اليوم، وكذلك، قال في ستر الرأس وإن تطيب ناسيًا لإحرامه، أو لبس ناسيًا فلا فدية، وكذلك إن كان جاهلًا بتحريمه لا فدية، وبه قال عطاء وسفيان وأحمد وإسحاق، وقال المزني: تلزمه الفدية، إذا كان جاهلًا بالتحريم، وقال مالك وأبو حنيفة: تلزمه الفدية ناسيًا كان أو جاهلًا، وعن أحمد روايتان، وقيل: مذهب [83/ أ] المزني كمذهب أبي حنيفة في الناسي أيضًا.
واحتجوا بالقياس على قتل الصيد والحلق وتقليم الأظافر، وهذا غلط لما قال الشافعي: الفرق بين العامد والجاهل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابي وقد أحرم وعليه خلوق بنزع الجبة وغسل الصفرة ولم يأمره بفدية، وتمام هذا الخبر قد ذكرناه.
وروي فيه زيادات وهو أن يعلي بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني أحب أن أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوحى إليه، فلما كنا بالجعرانة جاء أعرابي وعليه مقطعات وهو متضمخ بالخلوق، فقال: يا رسول الله، أحرمت بالعمرة وأنا هكذا فماذا تأمرني؟ فأخذه ما كان يأخذه في حال الوحي فتغطى بكساءٍ.
قال يعلى: فدعاني عمر وقال لي: أتحب أن ترى رسول الله وهو يوحى إليه؟ فقلت: نعم، فرفع لي طرف الكساء فنظرت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أربد وهو يغط غطيط الفحل فلما سري عنه قال: "أين السائل عن عمرته"؟ فقال الأعرابي: ها أنا ذا يا رسول الله، فقال ما ما قال ولم يأمره بالفدية إذ كان جاهلًا بما صنع.
فكذلك الناسي في حكم الجاهل.
فَرْعٌ قال في "الأم": لو فعله ناسيًا أو جاهلًا ثم علمه فتركه ساعة عليه، وقد أمكنه إزالته عنه نزع أو غسل طيب افتدى، فإن قيل قلتم: إذا تطيب قبل إحرامه ثم أحرم واستدامة لا فدية واستدامة هذا الطيب ليست كابتدائه فكيف تقولون ههنا: هذا الطيب ليست كابتدائه فكيف تقولون ههنا: تلزمه الفدية باستدامته واستدامة كابتداء؟ قيل: الطيب قبل الإحرام كان مباحًا فأبحنا الاستدامة أيضًا، وههنا الابتداء لم يكن مباحًا، وكان محرمًا، وإنما أسقطنا الفدية للعذر فإذا زال العذر [83/ ب] وتمكن من إزالته جعل بمنزلة الابتداء به وهو كما لو وطئ امرأة بشبهة لا يلزمه الحد، فإذا علم لزمته مفارقتها والنزول عنها كذلك ههنا.

فَرعٌ آخرُ لو لم يمكن نزع نوع الثوب لعلة أو مرض أو غصب في يده وانتظر من ينزعه فهذا عذر فمتى أمكن نزعه نزعة وإن لم ينزع مع الإمكان افتدى، وهذا لأنه إذا لم يمكنه نزعه فهو مضطر ولا فدية على المضطر كما لو أكرهه إنسان على لبس المخيط، أو مسّ الطيب لا تلزمه الفدية.
فَرْعٌ آخرُ لو لم يجد ما يغسل به الطيب عن بدنه أزاله بما يقطع رائحته لأن المقصود من الطيب الرائحة فبأي شيء قطعها أجزأه.
فَرْعٌ آخرُ لو وجد ما يكفيه لإزالة الطيب عن جسده أو لوضوئه من حدثه، قال في "الأم" 1: أزال به الطيب لأن للوضوء بديلًا وهو التيمم، فعلى هذا يستحبّ أن يبدأ باستعمال الماء في إزالة الطيب ثم يتيمم ليكون تيممه بعد عدم الماء، فإن قدّم التيمم قبل استعمال الماء في إزالة الطيب جاز لأن ما معه من الماء لا يلزمه استعماله في حدثه كما لو احتاج إلى شربه وإن أمكنه قطع رائحة الطيب بشيء غير الماء فعل ذلك وتوضأ بالماء.
فَرْعٌ آخرُ إذا أراد أن يغسل الطيب في يده أو ثوبه، فالمستحب له أن يستعين بغيره حتى لا يباشر الطيب بنفسه في حال إحرامه، فإن غسله بنفسه وباشر الطيب بيده لم تلزمه الفدية لأنه إنما يباشره ليتركه لا ليتطيب به.
نصّ عليه في "الأم" 2: وهذا كما لو دخل دار رجل بغير إذنه، كان عليه الخروج منها، ولا يقال: يخرج بالخروج، وإن كان يمشي فيها لأن المشي للخروج لا للزيادة فيه وكذلك، لو انتقل في حال غسله من يدٍ إلى يدٍ، وكان ابن المرزبان يقول: في الطيب حيلة لم يذكرها الشافعي [84/ أ] وهي أن يأخذ خرقة فيبلها بريقه ثم يزيله، فإن قال قائل: أليس قلتم في حلق الشعر وتقليم الأظافر بين القليل والكثير ففرقوا بينهما في اللباس والطيب أيضًا، قلنا: التحريم تناول حلق الشعور بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: 196] بمعنى شعوركم، وأقلّ الجمع ثلاثة فيتعلق به ما يقع عليه اسم الدم في الطيب واللباس التحريم مطلق غير مقيد فيتعلق وجوب القدر بإطلاق الاسم من غير تقدير.
فَرْعٌ آخرُ قال: لو داس الطيب بنعله عامدًا فعلق بنعله تلزمه الفدية لأنه صار لابسًا للطيب كما لو كان على بدنه فإن لم يقصد ذلك، لم يلزمه شيء إلا أن يستديم بعد الذكر.

فَرعٌ آخرُ قال أصحابنا: إذا أراد الرجل الإحرام يجوز له أن يحلق شعر رأسه، والأولى أن يلبده ويعقصه كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجّه.
قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يهلّ ملبدًا، وتلبيد الشعر قد يكون بالصمغ وقد يكون بالعسل، وإنما يفعل ذلك ليجتمع الشعر ويتلبد، فلا يتخلله الغبار ولا يصيبه الشعث، ولا يقع فيه الدبيب فإن حلق قبل إحرامه، ولم يلبد كان له إذا حل أن يحلق أو يقصر، وإن لبده وعقصه فيه قولان: أحدهما: قاله في (القديم": عليه أن يحلقه ولا يقصره، وذلك فائدة التلبيد والإطالة.
وروى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لبد رأسه فقد وجب عليه الحلق" 1. والثاني: قاله في "الجديد" وهو الأصح إن شاء حلق وإن شاء قصر لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27].
مَسْألَةٌ: قالَ 2: وما شم من نبات الأرض مما لا يتخذ طيبًا.
الفَصْلُ أصناف الطيب معروفة والمسك طيب [84/ ب] وما عداه فأكثره نبات الأرض، وكل نبات له رائحة طيبة فعلى ثلاثة أضرب: أحدهما يقصد شمه ويتخذ منه الطيب مثل الورد والياسمين والخيري ونحو ذلك فلا يجوز للمحرم شمه، فإن شمه تلزمه الفدية، ومن جملته الورس والزعفران والعنبر والكافور فإنه يخرج من الشجر مثل الصمغ.
والنصّ في الخبر على الورس والزعفران تنبيه على غيرهما، والثاني، يقصد شمّه ولا يتخذ منه الطيب كالريحان والمرزنجوش قال الشافعي في كتبه الجديدة له لا يجوز شمه وعليه الفدية كالضرب الأول، وقال في "القديم": اختلف أصحابنا في الريحان، فقال بعضُهم: هو طيب، وروي ذلك عن عمر رضي الله عنهما، وفيه احتياط.
وبه أخذ، وقال بعضهم: ليس بطيب، وهو قول عطاء ففي المسألة طريقان: أحدهما: المسألة على قول واحد، أنه تلزمه الفدية، لأنه قال: وبه آخذ واعترض على قول عطاء، فقال من قال بهذا: إذا دهن الشقاق كالزئبق لا فدية عليه ولا خلاف في وجوبها به عند الشافعي.
والثاني: في المسألة قولان، لأن أحدهما ليس بطيب، ولا فدية.
وبه قال عثمان وابن عباس رضي الله عنهما.
أبان بن عثمان عن عثمان رضي الله عنه أنه سئل عن المحرم أيدخل البستان؟ فقال؟ نعم ويشمّ الريحان، وبه قال مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما، والثاني: أنه طيب، وفيه الفدية.
وبه قال جابر، وهو الصحيح لأنه يعدّ طيبًا في

العادة وينبت للطيب، وأما ما رووا عن عثمان روى الشافعي بإسناده عن ابن الزبير عن جابر رضي الله عنه أنه سئل يشمّ المحرم الريحان؟، فقال: لا، فتعارضا.
والثالث: ما لا يقصد شمه، ولا يتخذ منه الطيب، فهو على ضربين [85/ أ]: أحدهما: ما ينبته الآدميون كالدارصيني والقرنفل، وفي معنى ذلك التفاح والسفرجل والخوخ والأترج، والنارنج ونحو ذلك.
والثاني: ما ينبت بنفسه كالشيح والقيصوم والعليق، ونحو ذلك.
ولا يحرم على المحرم شمّها، ولا فدية عليه بها، وكذلك ورد هذا كله لأنه لا يتطيب بشمه في العادة، ولا يتخذ لأجله وليس كذلك الضرب الأول والثاني فإنه ينبت ويتخذ للطيب دون غيره، فافترقا.
فَرْعٌ قال في "الأم" 1: وليس البنفسج بطيب وإنما يربب للمنفعة لا للطيب، وأراد به البنفسج، واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة مذاهب، فمنهم من حمل كلام الشافعي على ظاهره، فقال: لا يحرم عليه شمّه، ولا فدية فيه قولًا واحدًا لأن المقصود من شمّه المنفعة للتداوي دون التطيب.
وبه قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه، ومنهم من قال: هو بمنزلة الورد قولًا واحدًا، لأنه يتخذ طيباً ويتخذ منه الطيب، وتأول قول الشافعي على أنه أراد البنفسج إذا جفّ فإنه يكون دواء، أو أراد به المربب بالسكر الذي ذهبت رائحته، وهذا اختيار القفال، وقيل: أراد به أن دهنه ليس بطيب، وهذا ليس بشيء لأنه إن كان طيبًا، فدهنه مثله، وقيل: ذكره الشافعي على عادة أهل الحجاز لأنهم لا يقصدون به الطيب، فلو جرت عادة أهل بلدٍة بالتطيب به كان طيبًا يلزم به الفدية، وهذا غير الصحيح أيضًا، ومنهم من قال: فيه قولان، كالريحان، وهذا والذي قبل خلاف مذهب الشافعي، والصحيح الأول.
فَرْعٌ آخرُ قال بعض أصحابنا النيلوفر في معنى الورد، وقال بعضهم هو كالريحان، وهذا أظهر عندي، وقال بعضهم: فيه ثلاثة أوجه [85/ ب] كالبنفسج سواء.
فَرْعٌ آخرُ الجلنجبين المربى بالورد إن كانت رائحة الورد فيه ظاهرة يمنع منه المحرم وتلزمه الفدية، وإن كانت الرائحة استهلكت فيه، لا يمنع منه ولا فدية.
مَسْألَةٌ: قالَ 2: وإن دهن رأسه ولحيته بدهن غير طيب، فعليه الفدية.
قال في "الأم" 3: الادهان على ضربين: دهن هو طيب، فإذا ادهن به من جسده شيئًا قل أو كثر تلزمه الفدية، وهو مثل ألبان المنشوش بالطيب والزنبق ودهن الورد وغيره،

ودهن ليس بطيب مثل البان غير المنشوش والزيت والشيرج والسمن والزبد، فإن دهن به جسده غير رأسه ولحيته أو أكله أو شربه، فلا فدية عليه، وإن دهن به رأسه أو لحيته افتدى لأنهما موضع الدهن وهما يترجلان فيذهب شعثهما، وقال أبو حنيفة ومالك: تلزمه به الفدية، وإن استعمله في جسده إلا أن يداوي به جرحه، أو شقوق رجليه لأنه استعمله للتداوي لا للطيب، ويفارق الطيب إذا استعمله في جرحه لأنه طيب في نفسه، وبالدهن تجب الفدية لأنه استعمله استعمال الطيب لا أنه طيب في نفسه، وعن أحمد روايتان: إحداهما: مثل قول أبي حنيفة.
والثانية: أنه لا تجب الفدية، وإن استعمله في رأسه ولحيته.
وبه قال الحسن بن صالح بن حي، وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الحاجّ أشعث أغبر" 1، وتدهين الرأس يزيل ذلك، وروى ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أدهن في إحرامه بزيت غير مقتت"، قال أبو عبيد أراد غير مطيب، وهذا محمول على التدهين في الجسد، ولأن هذا الدهن لا يستطاب، ولهذا [86/ أ] لو حلف لا يستعمل طيبًا، فاستعمل هذا الدهن لم يحنث، فإذا استعمله في غير شعره لم تجب الفدية كالسمن في الرأس واللحية المعنى ما ذكرنا في وجوب الفدية لا أنه طيب.
فَرْعٌ آخرُ لو دهن رأسه بالدهن الذي ليس بطيب وهو أقرع أو أصلح لا تلزمه فدية، لأن هذا الموضوع منه كسائر بدنه، وليس فيه ترجيل الشعر، وكذلك الأمر إذا لم يكن على وجهه شعر لا شيء عليه لأنه لم يلق الشعر، ولا أصوله، وكذلك إذا دهن وجنتيه به لا فدية.
فَرْعٌ آخرُ قال المزني: يدهن المحرم الشجاج في الرأس بالزيت، ولا فدية.
قال أصحابنا: أراد به إذا ادهن داخل الشجّة.
فَرْعٌ آخرُ لو حلق رأسه ودهن وجبت الفدية، ويخالف الأقرع والأصلع، لأن هذا يوجب تحسين شعره وترجيله، فإنه ينبت مرجلًا، وإن لم يكن في الحال شعر بخلاف ذاك، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا فرق، لأن الرأس محل استعمال الدهن سواء كان عليه شعر أو كان الشعر منحسرًا عنه بالصلع والقرع، والمفرق مذهب المزني اختياره لنفسه.
وقال بعضهم في المحلوق: لا شيء عليه في أصحّ الوجهين أيضًا، وهو اختيار المزني، وهذا ليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ الشحم والشمع إذا أذينا كالدهن يمنع المحرم من ترجيل الشعر بهما ذكره

في "الحاوي" 1. فَرْعٌ آخرُ دهن البنفسج والريحان على اختلاف المذهب في منع المحرم من أصله.
فَرْعٌ آخرُ في دهن الأترج وجهان: أحدهما: لا يمنع لأن الأترج ليس بطيب، بل هو مأكول.
والثاني: هو طيب، وإن كان أصله مأكولًا لأن قشره يربي به الدهن كالورد.
مَسْألَةٌ: قالَ 2: وما أكل من خبيص فيه زعفران فصبغ اللسان، فعليه الفدية.
الفَضلُ إذا جعل الطيب [86/ ب] في مأكول أو مشروب نظر فإن كانت أوصافه بحالها لونه وريحه وطعمه، فهو طيب كما لو لم يطبخ وتجب به الفدية بأكله أو شربه، وإن ذهبت أوصافه كلها لونه وريحه وطعمه فلا شيء فيه وإن ذهب بعضها وبقي البعض نظر فإن بقي ريحه فهو طيب قولًا واحدًا وإن لم يبق إلا لونه، قال في "الأوسط" من الحجّ هو طيب، وكذلك رواه المزني، وقال في "المناسك الكبير": ليس اللون معنى، وإنما الفدية من قبل الريح والطعم، وكذلك قال في "الإملاء" و "القديم"، فقال أبو العباس: المسألة على قولين: أحدهما: لا تلزمه الفدية لأن المقصود من الطيب الرائحة، وإذا جعل في الطبيخ صار الطعم مع الرائحة مقصودًا واللون المجرد، فليس بمقصود، وقال الشافعي: إذا لبس ثوبًا مسّه الطيب وذهبت رائحته حتى إذا رشّ الماء عليه لم تظهر لا تلزمه الفدية للطيب كذلك ههنا، وحكي القاضي الطبري أن الشافعي قال: لو لبس ثوبًا مصبوغًا بزعفران ذهب ريحه لا فدية عليه لأجل الزعفران، والثاني: تلزمه الفدية، لأن اللون إذا بقى، فالظاهر بقاء الرائحة ولا يخلو من الرائحة وإن قلت، ولم تظهر، ومن أصحابنا من قال: وهو اختيار أبي إسحاق، لا فدية فيه قولًا واحدًا وتأول ما رواه المزني على بقاء اللون مع الرائحة.
وهذا هو الصحيح لما ذكرنا، وهو اختيار القفال.
فَرْعٌ آخرُ لو لم يبق إلا الطعم، قال القاضي الطبري: تلزمه الفدية قولًا واحدًا لما ذكرنا من العلة، وقال سائر أصحابنا: فيه ثلاثة طرق: أحدهما: هذا، والثاني: لا تلزم الفدية قولًا واحدًا، والثالث: فيه قولان.
فَرْعٌ آخرُ لو أكل طيبًا من المسك، [87/ أ] أو غيره تلزمه الفدية وقال أبو حنيفة: لا فدية فيه، ولكنه يكره لبقاء ريحه، وهكذا قال في الخبيص إذا أكله وفيه زعفران لأنه استحال بالطبخ من أن يكون طيبًا، وهذا غلط لأن الاستمتاع به حصل في يده مباشرة فتلزمه الفدية.

فرع آخر لو أكل العود لا تلزمه القديمة لأنه لا يكون متطيباً به إلا بأن يتبخر به بخلاف المسك ذكه في "الحاوي" 1. مسألة: قالَ 2: والعصف ليس من الطَّيب.
قد ذكنا أن العصف ليس بطيب ويجوز للمحرم لبس العصف, ولا فدية, وإن كان المستحب البياض, ويه قال احمد, وقد وروى في خبر ابن عم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب من العصف أو الخز", وقال القاسم بن محمد: كانت عائشة رضي الله عنها تلبس الأحمرين وهى محرمة: الذهب والمعصفر، وقال أبو حنيفة: إذا لبس ثوباً معصفراً، فإن كان مفض لزمته الفدية, وإلا فلا فدية, وهذا غلط لأنه كونه لم يفض، فلا تلزمه الفدية, فكذلك إذا نفض كالنيل فإذا تقرر هذا, قال الشافعي: يكره لبسه في إحرامه, لأنه ربما يغتر به الجاهل, ولا يرى الفرق بينه وبين الزعفران, وروى عن عمر رضي الله عنه أنه رأى على طلحة ثوبين مصبوغين, وهو محرم, فقال: أيها الرهط أنتم أئمة يقتدي بكم, ولو أن رجلاً رأى عليك ثوبك لقال: قد كان يلبس الثياب المصبغة وهو محرم, فلا يلبس أحدكم هذه الثياب المصبغة في أحلام شيئا.
مسألة: قال 3: وإن مسّ طيباً يابساً لا يبقى له أثر.
الفصل المحرم إذا مس طيباً يابساً مثل المسك والكافور, ونحو ذلك فإن لم يعلق بيده ريحه, ولا أثره, فلا فديه, وان علق به أثره وريحه تلزمه الفدية, لأن الطيب يستعمل هكذا, وإن علق [87/ب] بيده ريحه ولم يعلق أثره, فظاهر ما نقله المزني أنه لا فدية.
وقال في كتاب "المناسك الكبير": وإن مس منه شيئاً يابساً لا يبقى له أثر في يده, ولا ريح كرهته ولم أر عليه الفدية, ظاهر هذا أنه بقى ريحه وجبت الفدية, فالمسألة على قولين: احدهما: تلزمه الفدية, وهو الصحيح لأن الاعتبار بالرائحة, وهى المقصود من الطيب ألا ترى أن ماء الورد والدهن إذا انقطعت رائحتهما جاز استعمالهما وههنا علقت به الرائحة.
والثاني: لا تلزمه الفدية لأن الرائحة إنما تعلق بالمجاورة, فهو كما لو شم الطيب من دكان العطار, وهذا لا يصح لأن هناك لم يباشر الطيب, وههنا باشر الطيب وحصل مقصوده من الرائحة في بدنه فافترقا, وقال أبو بكر المحمودى من أصحابنا: صحف المزني, وإنما هو مس طيبا ناسيا, فلا شئ عليه, فأما إذا كان عامداً وعلق بيده ريحه تلزمه الفدية قولاً واحداً.
فرع آخر قال في "الأم" 4: لو عقد طيباً فحمله في خرقة أو غيرها وله رائحة تظهر منها لم

يكن عليه فدية وكرهت له ذلك.
قال بعض أصحابنا: أراد إذا لم يقصد شمه, فأما إذا قصد شمه تلزمه الفدية لأنه يكون بمنزلة الورد والريحان.
ومن أصحابنا من قال: وان شمه لا فدية أيضاً, لا بالمجاورة ولا بالمباشرة, والصحيح عندي الأول, ولو شمه من غير حائل تلزمه الفدية بلا إشكال, ومن أصحابنا من قال: لا فدية فيه أيضا لأنه لا يستعمل هكذا إرادة التطيب به, ويخالف التبخر بالعود لأنه هكذا يتطيب به, وهذا غلط عندي, ولو شم عوداً, قيل: فيه وجهان, والأصح أنه تلزمه الفدية.
مسألة: قال 1: وله أن يجلس عند العطار, لا بأس أن يجلس المحرم والمحرمة عند العطارين ويدخلا [88/أ] حانوته ويشتريا الطيب ما لم يمساه نشئ من أجسادها، ولا يكره ولهما أن يجلسا عند الكعبة وهى تجمر أي: تبخر بالعود لأنه لا يمكن الاحتراز من هذه الأشياء فعفا عنه وهل يستحب له الاجتناب عن هذه الأشياء؟ قال: ههنا له أن يجلس عند العطارين وقال في موضع من " الأم" 2، وأحب أن يجتنب العطارين, وكل موضع فيه طيب إلا في موضع من الكعبة والطواف ويجتنب أن يستنشقه, فإن فعل فلا شئ عليه فحصل من هذا أنه يستحب له التوقي في غير موضع البر, ولا يستحب له ترك موضع البر كذلك لأنه مباح وقال بعض أصحابنا: إن جلس عند العطار لغير شم الطيب لا يكره قولا واحداً, وإن كان يشم الطيب فيه قولان, قال في "مختصر الحج": لا يكره، وقال في "الأم": يكره ذلك.
ذكره أبو حامد لأنه يوصل إلى تحصيل المقصود من محظور عبادته.
وقال القاضي الحسين: إذا قصد القعود للرائحة يكره, والخلاف في وجوب الفدية, ونظيره لو غربل الدقيق في الصوم وفتح فاه عمدا حتى وصل غبار الدقيق الى جوفه, هل يفطره؟ قلنا: وكذلك لو جلس جماعة من المحرمين ووضع المجمر فيما بينهم من غير أن يتخذ أحدهم تحت ثوبه متطيباً به، فلا شئ عليهم, فإن قيل: قلتم المحرم لا يعقد النكاح ويشرى الطيب, فما الفرق قلنا: الفرق أن المقصود من النكاح الاستمتاع, فإذا حرم المقصود به حرم في نفسه, ولا يقصد بشراء الطيب التطيب, فإنه يقصد به التجارة كما يشترى الثياب المخيطة والجواري, وإن كان الاستمتاع بها محرماً, فإن قيل: أليس لا يجوز له شرى الصيد وليس المقصود به الأكل؟ قلنا: لم يحرم أكل الصيد وحده, وإنما ورد الشرع بتحريم الاصطياد, وهو [88/ب] يملك الصيد, والشراء ضرب من تملكه, فلم يجز بخلاف هذا.
فرع آخر لو مسّ الطيب لا للتطيب لكن لحمله أو نقله لم يضرّه, قاله أكثر أصحابنا, وقال بعضهم: إذا مسّ شئ من بشرته عين الطيب تلزمه القديمة, وإنما تلزمه إذا تلزمه إذا مسّه بطرفه.
فرع آخر لو حمل نافحة فيها المسك, قال أبو حامد: على قياس ما ذكرنا في "الأم" من أنه لا فدية عليه لأن بينه وبين الطيب حائلاً, وكذلك لو ترك طيباً في قارورة وشد رأسها

وحملها لا فدية.
وقال القفال: تلزمه الفدية لأنه يطيب به, والأول أقيس عندي.
مسألة: قال 1: وإن مسها, وهو لا يعلم أنها رطبة.
الفصل إذا مس طيباً رطباً فعلق بيده منه شيء, فإن كان عالما برطوبته ذاكراً لإحرامه فعليه الفدية, وإن كان ناسياً لإحرامه, فلا شيء عليه, وكذلك إذا لم يعلم أن الكعبة مطيبة فمسها فعلق بيده منها طيب غسله ولا شيء عليه, وإن كان عالماً بأنها مطيبة, ولم يعلم أن الطيب رطب فمسَه, فكان رطباً, فيه قولان: احدهما: لا فدية عليه.
رواه المزني ونص عليه في "مختصر الحج": أنه علق من غير اختياره, فهو كما لو ترشش عليه الطيب, وقال في "القديم": تلزمه الفدية لأنه قصد مس الطيب ومباشرته, فإذا علق به تلزمه الفدية, ومثل هذه المسألة إذا تمضمض الصائم, فسبق الماء إلى جوفه هل يفطره؟ قولان, ثم قال الشافعي 2 في "المختصر": وإن حلق وتطيب عامداً, فعليه فديتان, وقد ذكرنا هذه المسألة, وقوله: عامداً راجع إلى الطيب لا إلى الحِلاق, فإن في الحلاق يستوي العمد والخطأ.
مَسْألَةٌ: قال 3: وإن حلق شعره فعليه مُد.
الفصل لا يجوز للمحرم أن يأخذ من شعر جسده شيئاً, ولا من أظفاره لغير حاجة, فإن دعته الحاجة إليه مثل إن كثرت هوام رأسه, أو كان به مرض [89/أ] أو جراحة أحوجه إلى حلقه كان له حلقه بشرطي الفدية على ما ذكرنا والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] الآية, فإذا تقرر هذا لو حلق شعر رأسه تلزمه الفدية, وكذلك لو حلق شعر بدنه تلزمه الفدية أيضاً، وقال داود: وهو رواية عن مالك: لا شيء في شعر البدن, ولا فيما عدا شعر الرأس لأن الله تعالى خص الرأس بقوله: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾، وهذا لا يصح لأنه يحصل له التنظيف والترفه بحلق شعر البدن فأشبه شعر الرأس, ولو جمع بين حلق شعر الرأس وحلق شعر البدن في وقت واحد تلزمه الفدية الواحدة, وقال الأنماطى: تلزمه فديتان، وهذا غلط لأن الكل في اسم الشعر والحلق سواء فإذا تقرر هذا فأقل ما يجب فيه فدية كاملة ثلاث شعرات لأنها أقل حد الكثرة فيتعلق بها تمام الفدية, وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الدم إلا في حلق النصف, وقال مالك: إذا حلق قدراً أماط به الأذى عن نفسه وجب الدم قل أو كثر, وعن أحمد روايتان: إحداهما, مثل قولنا, والثانية, يتعلق الدم بأربع شعرات, واحتج مالك بأن بثلاث شعرات لا تحصل إماطة الأذى فأشبهت الشعرة والشعرتين, واحتج أبو حنيفة بأن الربع يقوم مقام الكل, ولهذا إذا رأى رجلاً يقول: رأيت فلاناً, وإنما رأى إحدى جهاته الأربع, وهذا غلط لأن بحلق الربع والثلث لا يحصل إماطة الأذى على التمام أيضاً, ولا يكون الأذى مربعاً حتى يكون كما قال أبو حنيفة, وإنما يقول: رأيت رجلاً

إذا رأى رجلاً ما عرفه به لأنه يقول ذلك, وإن رأى صفحة وجهه, فلا يصح ما ذكروا, وأما إذا حلق أقلّ من ثلاث شعرات يلزمه الضمان, وإن لم يلزمه الدم [89/ب].
وقال مجاهد: لا شيء عليه, وحكاه ابن المنذر عن عطاء, وحكي عن عطاء مثل مذهبنا لأن كل جملة كانت مضمونة فأبعاضها مضمونة فأبعاضها مضمونة كالعبد, فإذا تقرر أنه مضمون اختلف قول الشافعي في تضمينه, فقال: ههنا في شعرة مد وفي شعرتين مدان, وفي ثلاث شعرات دم, وحكي الحميدى عن الشافعي أنه قال: إذا ترك حصاة يلزمه ثلث دم, وفي حصاتين ثلثا دم, وفي ثلاث حصيات دم.
وقال الشافعي في موضع أخر: إذا ترك ليلة من ليالي منى يلزمه درهم, وان ترك ليلتين فدرهمان وان ترك ثلاث ليال فدم, ولا فرق بين الحلق وترك الحصاة وترك ليالي منى, فإذا حلق شعرة واحدة أو قلم ظفراً واحداً, أو ترك ليلة أو ترك حصاة فيه ثلاثة أقوال: أحدها: يلزمه مد من طعام, وهو المذهب المشهور لأن في إيجاب ثلث الدم مشقة, والأصل ذلك فعدلنا إلى ما هو أقرب إليه, وهو الطعام والمد أقل ما يجب فدية, والثاني: يلزمه ثلث دم, وهو الأقيس, لأن كل جملة ضمنت بجنس فأبعاضها تضمن بذلك الجنس كسائر المتلفات, والثالث: وهو قول عطاء: يلزمه درهم لأنه إذا عدل عن الأصل, فالأصل في التقويم الدراهم.
فرع آخر لو قطع نصف شعرة فيه وجهان: أحدهما: عليه نصف مدّ بالقسط, وهذا أصحّ, وهو المذهب, وعليه عامة أصحابنا.
والثاني: يلزمه مد كامل, لأن الإخلال يقع بتقصير بعض الشعر, وإن لم يستأصله, ذكره في "الحاوي" 1. فرع آخر إذا قلنا: لو حلق شعره يلزمه ثلث شاة في أحد الأقوال مقتضى المذهب أنه يتخير بين ثلث شاة وبين التصدق بصاع وبين يوم كامل, كما لو حلق ثلاث شعرات تخير بين شاة وثلاثة آصع وبين صيام ثلاثة أيام إلا أن من جهة المذهب في هذا القول إشكال لأنه نص فيمن جرح ظبيه فانتقص عشر قيمتها عليه ثمن عشر شاة, وما أوجب عليه مثله, فالقياس [90/أ] أن يلزمه صاع أو صوم يوم.
فرع آخر لو حلق ثلاث شعرات في ثلاثة أوقات في مجلس نص الشافعي أن لكل شعرة حكم نفسها لا يتدخل ولا ينقلب داماً, وقال صاحب "الإفصاح": يمكن أن يقال يبنى على قولين في اللباس إذا فرق فإن قلنا بقوله القديم: إنه بتداخل, ويكون المفرق من اللباس بمنزلة المجتمع ينقلب ههنا دماً.
وإن قلنا: هناك ينفرد كل بحكمة, فكذلك ههنا تنفرد

كل شعرة بحكمها وهذا أصح وعلى هذا إذا حلق ثلاث شعرات ثم ثلاث شعرات يبنى القولين, وقد ذكرنا ما قال أبو حامد والمذهب هذا وإن أتلف شعرة وفدى ثم أتلف أخرى, وفدى لا يتداخل بحال, كما قلنا في اللباس, وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو حلق شعرات من ثلاثة مواضع, فيه وجهان, لأن المواضع كالأماكن, وليس نشئ.
فرع آخر قال: لو قطع المحرم عضواً عليه شعر أو قشط جلدة عليها شعر لم يلزمه للشعر شيء ويكون تابعاً للعضو, ولا يلزمه للعضو فدية, فكذلك للتابع, ولو افتدى كان أحب إلى.
قال القاضي الطبري, ولهذا قال أصحابنا: إذا لبس ثوبا مطيباً لا يلزمه للطيب فدية ويصير تابعا للثوب, ولم يذكر خلافاً.
وقد ذكر أصحابنا بخراسان في هذه المسألة, ولم يذكروا هذه العلة, وظاهر المذهب هذا.
فرع آخر لو نبت في عينه شعرة فقلعها أو أسبلت علينه بمعنى طرته أو عزر حاجبيه, فقصه لم يلزمه شيء, وكذلك لو انكسر ظفره, فقلم للتكسر لم يلزمه شيء لأنه اضطر إليه من جهة الشعر, فأشبه إذا قتل الصيد دفاعاً عن نفسه, وبفارق هذا إذا حلق شعر رأسه للهوام لأنه حلقه لمعنى في غيره, وهو الهوام, فتلزمه الفدية كما لو قتل صيداً للأكل عند المجاعة تلزمه الفدية, لأن الضرورة من جهة الجوع دون الصيد, فإن قتل فقد يمثر الشعر فيؤذيه ويحميه, فينبغي أن لا [90/ب] تلزمه الفدية بحلقه, قبل ما يحصل بذلك من الحمى مضاف إلى الزمان دون الشعر وإن كان الشعر سبباً, ألا ترى أنه في زمان الشتاء لا يؤذيه ذلك.
فرع آخر فدية الحلق على التخيير وإن لم يكن معذوراً, وقال أبو حنيفة: هي على الترتيب في حق غير المعذور, لأن النص بالتخير ورد في المعذور, وهذا غلط لأن كل كفارة ثبت فيها التخير عند العذر كذا عن عدم العذر كجزاء الصيد وكفارة اليمين.
مَسْألَةٌ: قالَ 1: وكذلك الأظفار.
حكم الأظفار حكم الشعر, لأنه قطع جزء من البدن يترفه به كالشعر فإن قلك ظفراً, ففيه الأقوال التي ذكرناها في الشعر, وإن قلّم ثلاثة أظفار في مجلس واحدٍ يلزمه دمّ.
وقال أبو حنيفة: الاستحسان هذا ثم رجع فقال: إن قلّم خمسة أظافر من يد واحدة, يلزمه دمّ, وإن قلّم دون خمسة من يد واحدة, أو أكثر من خمسة من يديه يلزمه صدقة, ويه قال أبو يوسف, وقال محمد: إذا قلّم خمسة أظافر يلزمه دمّ سواء كانت من يد واحدة أو من يدين, واحتجّ أبو حنيفة بأنه لا يستكمل الترفه ومنفعة اليد بدون ذلك, وهذا غلط لأن بحلق ربع الرأس لا يملك الترفه ويجب به دم عنده.

فرع آخر لو قلم بعض الظفر تجب بقسطه الفدية, ولو انكسر ظفره, فقلّم المنكسر لم يلزمه شيء لأنه اضطر إليه بمعنى من جهة الظفر, ولو قلّم المنكسر مع قطعه من الصحيح تلزمه بذلك صدقة, نصّ عليه في "الأم" 1 و"الإملاء", لأن قلم الصحيح لو انفرد تجب به صدقة, فكذلك إذا قلّمه مع غيره, وذكر في "الشامل": أن الشافعي قال: لو قلّم بعض ظفره بأن لم يستوفه بل خففه أو أخذ بعضه تلزمه القديمة, لأن هذا بعض عن جملة مضمونة, وضمنه بالمدّ لأن المدّ لا ينتقص في الشرع.
وقال أبو حامد: إذا أخذ بعض شعره ينبغي أن يكون حكمه حكم الظفر.
فرع آخر لو [91/أ] قلم جانباً من جوانبه تلزمه الفدية, فإن قلنا فيه ثلث شاة تجب شاة بقدر ما قلم, وإن قلنا يجب مد, قال أصحابنا: يجب في بعض الظفر مد, لأن طريق إيجابه المد أنه أقل ما وجب لمسكين واحد فلا يمكن تبعيضه, والفدية في الحج معناها على التغلب فغلبنا الإيجاب.
مسألة: قال 2: "والعمد والخطأ فيهما سواء".
الصحيح المشهور من المذهب الشافعي أن في حلق الشعر وتقليم الأظافر وقتل الصيد يستوي العند والخطأ والذكر والنسيان, لأنه لم يحرم منه جهة الترفه وإنما حرم من جهة الإتلاف, وفي الإتلاف يستوي العمد والخطأ كالأكل في الصوم.
وقال ابن أبى هريرة: في الكل قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: يفرق فيها بين السهو والعمد أيضاً وقال أبو حامد, قال الشافعي: لو زال عقله بجنون أو إغماء, فحلق أو قتل الصيد, فيه قولان, فعلى هذا في مسألتنا, طريقان: أحدهما: فيها قولان أيضاً, لأن النسيان كالجنون في عد العضد الثاني: ههنا قول واحد تلزمه الفدية، ويفارق الجنون لأنه لو حلف لا يدخل داراً, فدخلها ناسياً فيه قولان, ولو دخلها مجنوناً لا يحنث قولا واحداً, وهذا لأن الجنون يزيل التكليف بخلاف النسيان.
مسألة: قالَ 3: ويحلق المحرم شعر المحلّ.
المحرم غير ممنوع من حلق شعر المحل، وإذا حلق لا شيء عليه, ويه قال مالك وأحمد, وروى ذلك عن مجاهد, وقال أبو حنيفة: لا يجوز له أن يحلقه, فإن حلقه تلزمه صدقة, ولا يلزمه فدية كاملة, وهذا غلط لأنه لم يتعلق بمنبته حرمة الإحرام, فجاز للمحرم حلقه كشعر البهيمة.
فرع آخر لو حلق حلال رأس محرم ميت لا فدية, وفيه وجه أخر تلزمه الفدية.

مسألة: قالَ 1: وليس للمحلّ أن يحلق [91/ب] شعر المحرم.
الفصل لا يجوز للمحرم أن يحلق شعر المحرم ولا للمحلّ أن يحلق شعر المحرم لقوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة:196], والمراد منه أن لا يحلق بنفسه ولا بغيره وانصراف هذا إلى حلقه بغيره أظهر, ولأن العرف جرى بذلك, فإن الإنسان لا يمكنه أن يحلق رأس نفسه إلا نادراً, ولأن حرمة الإحرام تعلقت بهذا الشعر, فلا يجوز حلقه لا لمحرم ولا لمحلّ لا بإذنه ولا بغير إذنه فإن حلقه الحلال نظر فإن كان بأجرة فالفدية على المحلوق رأسه, ولا شيء على الحالق لأنهما, وإن اشتركا في المحظور فقد انفرد المحرم بالترفيه به فليزمه الفدية وحده وقال أبو حنيفة يجب على الحالق أيضاً صدقة, وإن حلقه بغير أمره إلا أنه علم به فسكت ولم يمنعه منه اختلف أصحابنا فيه على طريقين: أحدهما: فيه قولان كما حلقه وهو نائم أو مكره لأن ما طريقه الإتلاف لا فرق بين أن يتلفه بغير علم صاحبه وبين أن يتلفه بعمله, ولكن لم يأذن فيه كما لو أتلف على رجل ثوبه بغير علمه يلزمه الضمان كما لو أتلفه وهو ساكت يلزمه الضمان, ومنهم من قال: يلزم الضمان على المحلوق قولاً واحداً، ويكون سكوته اختياراً منه, وهذا هو الصحيح, لأن شعره لا يخلو إما أن يكون بمنزلة الوديعة عنده أو بمنزلة العارية, وأيهما كان فإذا أتلفه متلف, وهو قادر على منعه, ولم يمنع ضمن.
فإن قيل: أليس لو أمر غيره بقتل الصيد فقتله لم يضمن الأمر, وكذلك لو قتله مع عمله, وهو ساكت لا يضمن الساكت, وان قدر على منعه؟ قلنا: لأن الصيد ليس في يده, والشعر في يده, ولو كان الصيد في يده يضمن أيضاً بهذا, وأما إذا حلقه نائماً أو مكرهاً, فالفدية تجب على الحالق دون المحلوق رأسه, قال أصحابنا: ولكن له أن يطالب الحالق بإخراج الفدية لأنه كان في حفظه, ولأنه يتعلق بمصلحة نفسه, وفدية رأسه فكانت [92/أ] له المطالبة به وإن لم يصل إليه فلا شيء عليه, لأنه وجد بغير اختياره كما لو تمعط شعره وهذا هو الصحيح ويه قال أحمد ومالك.
وقال بعض أصحابنا: هذا صحيح إلا قوله: للمحلوق مطالبة الحالق بإخراجها" لأن هذا الوجوب على الحالق لحق الله تعالى دون حق المحلوق, فكيف نطالبه بإخراجها؟ قال المزني: فيه قول أخر: تلزم الفدية على المحلوق رأسه, قال المزني: أصبت ذلك في سماعي عليه ثم حط, وهذا أشبه بمعناه عندي.
وقال القاضي الطبري رأيت الشافعي ذكره في المناسك الأوسط 2 في أخر الباب الذي ترجمه ب: "باب ما ليس للمحرم فعله" فقال: افتدى المحرم ورجع بالفدية على الحالق.
ولم يخط عليه.
وذكره في "البويطى" غير مخطوط عليه, فالمسألة على قولين, قال أبو حامد: وأصل القول أن المحرم مأمور بحفظ شعره وهل يجرى ذلك مجرى حفظ الوديعة, أو مجرى حفظ العارية؟ قولان فإن قلنا: يجرى مجرى حفظ الوديعة, فالفدية

على الحالق وحده كما لو أتلف الوديعة في يد المودع, وإذا قلنا: يجرى مجرى حفظ العارية يلزمه الضمان على أيّ وجه أتلف, فإن قيل: فينبغي على هذا إذا أتلف شعره بنار أو تمعط شعره ضمن أيضا كالعارية قلنا: العارية مضمونة على المستعير بكل حال إلا إذا كان التلف من الجهة التي ينصرف الضمان إليها, إلا ترى أن صاحبها لو أتلفها, لا ضمان على المستعير لأن الإتلاف حصل من الجهة التي ينصرف الضمان إليها, وههنا ضمان شعر المحرم ينصرف إلى الله تعالى, فإذا حصل الإتلاف من جهته بإحراق شعره وإتلافه لم يجب الضمان, وقال القاضي الطبري: هذا خطأ عندي, وينبغي أن يكون شعره كالوديعة عنده, لأن العارية ما أمسكه لمنفعة نفسه, وههنا منفعته في إزالته.
واختلف أصحابنا في ترتيب المذهب, فقال أبو إسحاق في أصل وجوب الفدية قولين [92/ب]: أحدهما: تجب على الحالق دون المحلوق.
والثاني: تجب على المحرم ويجع بها على المحل الحالق.
وقال ابن أبى هريرة: لا يختلف المذهب أن الوجوب في الأصل على المحل الحالق, فإن كان حاضراً عاد عليه أمره بإخراجها, وإن غاب أو عجز فهل يجب على المحرم إخراجها, قولان وهذا لأنه حصل له الترفيه بحلقة والصحيح ما قال أبو إسحاق, وقال أبو حنيفة تجب على المحلوق وهل يرجع بها على الحالق, قال أكثر أصحابه: لا يرجع, وقال أو حازم: من أصحابه يرجع فإذا قلنا: يرجع على الحالق فقط, فهو كما لو حلق شعر نفسه تلزمه القديمة, فإن عجز فحتى يقدر ولا يعترض عليه إلا أن يكون ممتنعاً من الإخراج مع القدرة فيطالبه على ما ذكرنا, فإن أراد المحرم المحلوق إخراج الفدية عنه لم يجز إلا بإذنه, وإذا أذن فيه جاز له أن يفدى بشاة, أو بطعام, ولا يجوز بالصيام, وإذا قلنا: تجب على المحرم المحلوق، فظاهر المذهب أن له أن يطالب الحالق بإخراجها لأنه السبب في وجوبها عليه, قال أبو حامد: فإن كان قادراً على الفدية بالمال افتدى, ولا يجوز له أن يصوم لأن يؤدى ذلك على وجه التحمل في الصوم, فإن لم يصل إليه لزمه إخراجها, ثم إذا وصل إليه يرجع بها عليه إلا انه يرجع بأقل الشاة أو الإطعام لأنه إذا اختار أكثرهما قيمة كان هو بالزيادة متبرعاً, ولا يرجع بها على غيره وإن صام اختلف أصحابنا فيه, فمنهم من قال: لا يرجع عليه شيء لأنه لا قيمة للصوم في حق الآدمي, ومنهم من قال: يرجع عليه ببدله لأنه افتدى بأحد أنواع الفدية, فيرجع على من أوقعه فيها كما لو ذبح أو أطعم فمن قال بهذا, قال: فيه وجهان: أحدهما: يرجع بأقلّهما قيمة من الإطعام والذبح والثاني: يرجع كل يوم بمدّ من طعام, لأن هذا بدل الصوم في الشرع [93/أ], والصحيح أنه لا يرجع نشئ.
ومن أصحابنا من قال: سواء كان الحالق حاضراً أو غائباً على المحرم إخراجها, ثم يرجع على الحالق على ما ذكرنا والأول أصح.
ولو حلق المحرم شعر المحرم فالحكم كما لو حلقه على ما ذكرنا, وقال المزني: الذي خط عليه أشبه يمعناه عندي, لأنه المنتفع

بحلقه, فعليه الفدية عن نفسه, ثم يرجع على من أوقعه إن وصل إليه.
فرع لو أمر حلال حلالاً أن يحلق شعر محرم كانت الفدية على الأمر دون الحالق لأن الحلق منسوب إلى الأمر, والحالق كالآلة ألا ترى أنه لو كان المحرم هو الأمر كانت الفدية عليه دون الحالق, فكذلك إذا كان الأمر أجنبيا, ذكره في "الحاوي" 1. وعندي هذا إذا كان المحلوق نائماً والحالق لا يعرف الحال.
فرع آخر إذا وجبت عليه فدية الأذى, فمات قبل الأداء, فقالت الورثة: إن شئت أديت بدل الصيام ثلاثة أمداد لأكون مخيراً بين ثلاثة أشياء, كما كان المورث مخيراً بين ثلاثة أشياء ليس له ذلك, وعليه أن يذبح شاة, أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع, لأن المورث كان مخيراً بين ما ذكرنا, وصوم ثلاثة أيام فإذا عجز أحدهما تعين أحد الشيئين الأخريين كما لو عجز من عليه كفارة اليمين عن الإطعام تعين عليه الإعتاق والكسوة ذكره والدي.
فرع آخر لو طارت شرره إلى رأسه فأحرقت شعره, فإن لم يمكنه تطفئة النار فلا شيء عليه كحلال حلق رأسه قهراً، وإن قدر على التطفئة, فهو كما لو حلق رجل رأسه, وهو ساكت مسألة: قالَ 2: ولا بأس بالكحل ما لم يكن فيه طيب.
الكحل ضربان: ضرب فيه طيب, فيحرم على المحرم استعماله, فإن استعمله تلزمه الفدية للطيب لا للكحل, وضرب لا طيب فيه, فإن كانت بالمحرم حاجة إليه كان له أن يكتحل به [93/ب].
وان لم يكن له حاجة, فالأفضل له تركه.
قال في "الأم": " والاستحباب للمرأة أشد" هكذا ذكره القاضي الطبري, وقال غيره: إن كان ما يحسن العين, وهو الإثمد, نقل المزني: لا بأس به ونص في الإملاء على أنه يكره, وهو ظاهر قوله في "الأم" 3، قال الشافعي: والكحل في المرأة أشد يعنى في الكراهية فإن صح ما نقله المزني, فالمسألة على قولين, وإلا فالمعروف في كتبه أنه مكروه ولا فدية بحال, لأن أكثر ما فيه حصول الزينة, فهو كلبس اللباس الحسن, والاغتسال وليس كالمفسدة, ينهى عن الكحل كما ينهى عن الثياب المشتهرة من المصبوغ وغيره, وروى عن عطاء أنه سئل: أنكتحل فقال: لا نكتحل لأنه زينة, وقال الشافعي في "الأم" 4: أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج أن إنساناً سأله عن كحل الإثمد للمرأة المحرمة, فقال: أكرهه لأنه زينة, وإنما هي أيام تخشع وعبادة, وقال الثوري وأحمد وإسحاق: يكره الإثمد للمحرمة, ولا بأس به للرجل.
وروى عن ابن عمر أنه قال: يكتحل المحرم بأي كحل شاء ما لم يكتحل طيباً, وإن كان كحلا

لا يحسن العين, وهو التوتيا ونحوه لا يكره, فإن اشتكت عينه كان له علاجها بالصبر ونحوه لأنه ليس بطيب, وإن احتاج إلى مداواتها بطيب فعل, وافتدى, وروى عن نبيه بن وهب قال: اشتكت عين عمر بن عبد الله بن معمر وهو محرم, فسأل أبان بن عثمان عن ذلك, فقال: أضمدها بالصبر, فإني سمعت عثمان رضي الله عنه يحدث ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 1، أورده أبو داود, وروى: فأراد أن يكحلها فنهاه أبان بن عثمان رضي الله عنه, وقال 2: هذا أورده مسلم.
مسألة: قال 3: ولا بأس بالاغتسال ودخول الحمام.
للمحرم أن يغتسل من غير جنابة, ولا ضرورة, ولا فرق إن يصب على رأسه أو بغوص في الماء حتى يغمر رأسه لما روى أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفنا بالأبواء, فقال ابن عباس: [94/أ] يغسل المحرم رأسه, وقال المسور: لا يغسل, قال عبد الله بن حنين راوي الحديث فأرسلني عبد الله بن العباس إلى أبى أيوب الأنصاري أسأله فوجدته يغتسل بين القرنين, وهو يستتر بثوب قال: فسلمت عليه.
فقال: من هذا؟ فقلت: أبا عبد الله أرسلني إليك ابن عباس ليسألك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه، وهو محرم قال: فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطاطا حتى بدا لي رأسه ثم قال لإنسان يصبّ عليه الماء: أصيب"، قال: فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه, فأقبل يهما وأدبر ثم قال: هكذا رأيته يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم 4، وأراد بالقرنين العمودين اللذين تشد فيهما الخشية التي تعلق عليها البكرة.
وروى الشافعي بإسناده: أن النبي صلى الله عليه وسلم " اغتسل وهو محرم" 5. وروى عن يعلى بن أمية أن عمر رضي الله عنه أغتسل إلى بعير وهو محرم، وقال: ما يزيد الماء الشعر إلا شعثاً 6، وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه دخل حمام الجحفة, وهو محرم, وقال ما يعبأ الله تعالى بأوساخكم شيئاً 7، أي: لا بأس بإزالته, وروى أن قوماً من المحرمين كانوا يتماقلون في الماء وعمر بن الخطاب رضي الله عنه ينظر إليهم 8، وقال مالك: إن أزال الوسخ عن نفسه في الحمام تلزمه الفدية, وروى عنه: تلزمه صدقة, واحتج عليه الشافعي, فقال: وليس في الوسخ نسك ولا أمرٌ ولا نهي عنه.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلكم قال: "المؤمن نظيف", وروى عن الزبير رضي الله عنه أنه كان

على صلبه وسخ وهو محرم، فاغتسل وأمر بقلع الوسخ عنه 1، فإذا تقرر هذا، قال الشافعي رضي الله عنه في "الأم" 2: إن كان يريد الاغتسال لتبرد أو تنظيف لم يحرك شعره بيده ويدلّك جسده بالماء [94/ب] لينقيه ويذهب بغيره لأن شعر بدنه لا ينتف بالدلك، وإذا غسل رأسه أفرغ الماء عليه إفراغًا، فإن حرك شعره بيده رجوت أن لا يكون عليه فيه ضيف وإن كان يريد غسله من جنابة أن يغسله ببطون أنامل يديه ويشرب الماء عليه إفراغًا، فإن حرك شعره بيده رجوت أن لا يكون عليه فيه ضيق وإن كان يريد غسله من جنابة أن يغسله ببطون أنامل يديه ويشرب الماء أصول شعره ولا يحكه بأظفاره، ويتوفي أن يقطع منه شيئًا فإن حركه تحريكًا خفيفًا أو شديدًا، فخرج في يده من الشعر شيء، فالاحتياط أن يفديه، ولا يجب عليه حتى يستيقن أنه قطعه أو نتفه بفعله لأن الشعر قد ينتف ويتعلق بين الشعر فإن غسل وحك خرج المنتف، وكذلك هذا في لحيته، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا أنه تلزمه الفدية، لأنه وجد منه سبب في الظاهر والأصل بقاء الشعر في منبته وإن زال بسبب غسله.
وحكي عن مالك أنه كره تغييب الرأس في الماء لأنه يشبه تغطيته بالثياب، وهو غلط لما ذكرنا.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لابن عباس رضي الله عنهما: تعال حتى أباقيك في الماء أيّنا أطول نفسًا وهما محرمان 3. فرع يجوز أن يغسل رأسه بالسدر والخطمي وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك، ولو غسله بالخطمي يلزمه الفدية، واحتج بأن الخطمي تستلذّ رائحته، ويزيل الشعث ويقتل الهوام فتجب به الفدية كالحناء، وهذا غلط لأنه ليس بطيب، ولا يحصل به ترجيل الشعر، فلا يمنع منه المحرم كالاغتسال بالماء.
وقولهم: يستلذّ رائحته يبطل بالفواكه ولا تستلذّ رائحته غالبًا، وقولهم: يزيل الشعث باطل بالماء وقتل الهوام به لا يعلم، والأصل غير مسلم.
فرع آخر قال في "الأم" 4: ولا يغسل رأسه بسدر ولا خطمي لأن ذلك يرجله، فإن فعل أحببت أن يفتدي، ولا أوجبه عليهِ وظاهر هذا أنه يكره له ذلك.
فرع آخر قال الشافعي 5 رضي الله عنه: [95/أ] لا أكره له دخول الحمام لأنه غسل، والغسل مباح للطهارة والتنظيف، وقال في "القديم": أكره له دخول الحمام لأنه يذهب القشف، وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع آخر لا بأس للمحرم والمحرمة أن ينظرا في المرآة.
وقال في سنن حرملة: يكره لها

ذلك، وقال عطاء الخراساني: يكره ذلك بكل حال، وقال مالك: يكره إلا لحاجة، وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينظر في المرآة وهو محرم 1. مسألة: قالَ 2: ولا بأس أن يقطع العرق ويحتجم ما لم يقطع شعرًا أراد بقطع عرق الافتصاد، وهو مباح كالحجامة.
وقال مالك: يمنع المحرم من الحجامة لأنه يقطع شعرًا، وبه قال ابن عمر والحسن، وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم بلحى جمل وهو محرم في وسط رأسه 3، وهذا تنبيه على الفصد وبسط الجرح وقطع السلم من جسده والإحسان، ونحو ذلك، فإن حجّ أقلف أجزأه نصّ عليه، ولو قطع فيما ذكرنا شعرًا يلزمه، وقال محمد: لا شيء عليه إذا حلق موضع الحجامة، وهذا غلط لظاهر الآية التي ذكرناها له أن يغسل ثيابه وثياب غيره.
مسألة: قالَ 4: ولا يُنكح المحرم ولا يَنكح.
الفصل الإحرام يمنع النكاح، فلا يجوز للمحرم أن ينكح، ولا للمحرمة أن تتزوج، ولا يجوز للمحرم أن يزوج الغير لا بالولاية ولا بالوكالة، فإن نكح أو أنكح كان باطلًا، وفرق بينهما، فإن كان قبل الدخول بها، فلا شيء عليه، وإن كان بعد الدخول بها، فلها مهر مثلها، وعليها العدة، فإن تحلل من إحرامه قبل انقضاء عدتها، قال الشافعي: كرهت له أن يتزوج بها في هذه العدة لأنها عدة من وطء محرم، فإن تزوج بها كان النكاح صحيحًا لأنها معتدة [95/ب] من مائه.
وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة والثوري والحكم: الإحرام لا يمنع النكاح بحال، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وحكي عن مالك أنه يحرم عليه النكاح، ولكن لو نكح انعقد، فيجبر على المفارقة، ولا يحلّ بذلك للزوج الأول، وهذا غلط لما روي أن عمر بن عبيد الله أرسل إلى أبان بن عثمان بن عفان، وأبان يومئذٍ أمير الحاجّ وهما محرمان إني أردت أن أنكح طلحة بن عمر بن شيبة بن جبير وأردت أن تحضر ذلك، فأنكر ذلك عليه أبان، وقال: سمعتُ عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ينكح المحرم، ولا يُنكح" 5، وروى الدارقطني بإسناده عن

النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتزوج المحرم، ولا يزوج" 1، ولأن ما قاله مالك محال، لأنه إن كان النكاح صحيحًا وجب أن تحلّ للزوج الأول، وإن كان فاسدًا، فلا معنى للإخبار على المفارقة والطلاق، واحتج أبو حنيفة بما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة، وهو محرم، قلنا: قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس في تزوج ميمونة، وهو محرم 2، وروي يزيد بن الأصم عن ميمونة رضي الله عنها أنها قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسرف" 3، وروت ونحن حلالان بما يقال له سرف وروت: ونحن حلالان بعدما رجعنا، قال الحضرمي: يعني رجعنا من مكة، وميمونة أعلم بشأنها من غيرها وأخبر بحالها، فكان أولى، وقال يزيد بن الأصم: تزوجها، وهو حلال وبني بنها وهو حلال وخطبها وهو حلال بسرف [96/أ] وماتت بسرف، ودفناها في الظلّة التي بنى بها فيها، ويزيد هذا ابن أخت ميمونة وقالت صفية بنت شيبة مثل ذلك، ثم يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان مخصوصًا بذلك.
فرع قال الشافعي: يجوز له أن يشهد النكاح وينعقد النكاح بشهادته لأن الشاهد لا صنع له في العقد، وإنما الصنع للولي، والقائل، وقال الإصطخري: لا ينعقد بشهادته النكاح لما رُوي في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينكح المرحم ولا ينكح ولا يخطب ولا يشهد"، ولأنه ركن في النكاح كالزوج، وهذا غلط لما ذكرناه وهذه من الزيادة في الخبر غير مشهورة، وليس كالزوج، لأنه يتعين فيه فيؤكد حكمه، وله صنع في العقد بخلاف الشاهد.
فرع آخر هل يجوز للمحرم الخطبة؟ قال الشافعي: لو توقى المحل أن يخطب محرمة كان أحبّ إلى، فإن خطبها في الإحرام وتزوجها بعد الإحرام صحّ النكاح، وظاهر هذا يدلّ على الكراهة، وكذلك يحرم للمحرم أن يخطب لنفسه ولغيره أيضًا، ولفظ الشافعي: يستحبّ له أن لا يخطب لغيره كما لا يزوج غيره، فإن فعل وعقد الغير بتلك الخطبة، وهو حلال انعقد النكاح وخطبة المحرمة ليست بمحرمة، وإن كرهنا بخلاف خطبة المعتدة، فإنها محرمة والفرق أنها مؤتمنة على قضاء عدّتها، فإذا خطبها لم يأمن أن يكذب في انقضاء عدّتها استعجالًا للنكاح، وليست كذلك المحرمة، فإن قضاء الإحرام بأفعال ظاهرة لا يحتمل فيها الكذب، والاستعجال، فلهذا لا تحرم خطبتها فيه.
وقال صاحب "التقريب": فيه وجه آخر تحرم خطبتها في الإحرام حتى لو خطب المحرم امرأة حلالًا له، فرضيت به، يجوز [96/ب] كحلال آخر خطبها، لأن الخطبة

الأولى لم تقع الموقع، وقد ورد في الخبر، ولا يخطب ولا يخطب عليه، وهذا غلط والخبر محمول على الكراهة.
فرع آخر الإحرام الفاسد كالصحيح في تحريم النكاح سواء لأن الفاسد منعقد كالصحيح، وإنما الفساد يمنع من جوازه عن حجّة الإسلام.
فرع آخر الأمام إذا أحرم لا يجوز أن يزوّج أحدًا بالولاية الخاصة، وهي الولاية بالنسب أو الولاء أو الملك، وهل له أن يزوج بالولاية العامة فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لظاهر الخبر، وقياسًا على الولاية الخاصة.
والثاني: يجوز للضرورة، ولأن الولاية العامة أوسع تصرفًا بدليل أنه تزوج بها المشركات دون الولاية الخاصة.
فرع آخر الحاكم إذا أحرم من أصحابنا من قال: حكمه حكم الإمام ومن أصحابنا من فرق بينه وبين الإمام بأنا لو منعنا الإمام منها لوجب منع خلفائه فيؤدي إلى الضرر بالمسلمين، وفي الحاكم لا يوجد هذا المعنى، وهذا غلط، لأن الإمام إذا منع لا يجب منع خلفائه، لأنهم ليسوا بمنصوبين من قبله وإنما نصبهم لمصالح المسلمين، ولهذا لو مات لا ينعزل الحاكم بموته.
فرع آخر لو وكّل محلّ وكيلًا ليزوجه محله فأحرم الموكل ثم قبل له الوكيل النكاح كان باطلًا سواء كان حاضرًا أو غائبًا علم به الوكيل، أولم يعلم لأن المحرم لا يجوز أن يعقد النكاح له، وهذا إذا قامت البيّنة له بذلك، أو تصادق الزوجان على ذلك.
فرع آخر لو اختلفا، ولم تكن بينة، فقال الزوج: كان العقد قبل أن أحرمت فالنكاح صحيح، وقالت المرأة: كان بعد الإحرام، فهو باطل، فالقول قول الزوج مع يمينه، لأن [97/أ] الظاهر من العقود الصحّة، وإن قال الزوج: عقد النكاح بعد أن أحرمت، قالت المرأة: قبله، فالنكاح صحيح، فإن قول الزوج مقبول في تحريمها وعدم العقد بينهما، ولكن عليها نصف مهرها المسمّى، لأن الظاهر صحّة النكاح، فلم تقبل دعواه في إسقاط ما عليه في الظاهر.
فرع آخر لو قال الزوج: لا أدري عقد النكاح قبل الإحرام أم بعده، كان النكاح صحيحًا لأن العقد قد ظهر، والإحرام طار يجوز أن يكون حدث بعده ويجوز أن يكون قبله، فلا يرجع ما صحّ في الظاهر بالشكّ، ويستحبّ أن لا يقيم على هذا النكاح مخافة أن يكون بعد الإحرام ويبينها بطلقة حتى إن كان العقد فاسدًا لم يضر الطلاق وإن كان صحيحًا تبين فتحلّ للغير.

فرع آخر لو اختلف الزوجان، فقال الزوج: تزوجت بك وأنت حلالٌ، وأنا كذلك، وقالت المرأة: تزوجت بي، وأنا محرمة، فالقول قول الزوج نص عليه كما لو قالت: أنا أختك من الرضاعة، وأنكر الزوج، كان القول قوله مع يمينه، وكذلك إذا تزوج بأمٍة، فقالت الأمة: ومولاها تزوجت بها، وهي محرمة، وأنكر الزوج، كان القول قوله مع يمينه، لأن النكاح قد صحّ في الظاهر.
فرع آخر قال في "الأم": لو وكّل المحرم حلالًا في تزويجه، فالوكالة فاسدة، لأنه لا يجوز له ذلك في حال إحرامه، فإن زوجه الوكيل بعد تحلله من الإحرام صحّ النكاح، لأن الاعتبار بحال العقد لا بحال التوكل، ولأن إذنه قد حصل، فإذا عقد عقدًا بإذنه، يصحّ، فإن قيل: أليس قلتم: لو وكل صبيًا في النكاح، فبلغ وزوج لا يصحّ حين كانت الوكالة فاسدة، فما الفرق، قيل: الفرق أن الصّبي ليس من أهل الإذن والعقد في الجملة بخلاف المحرم [97/ب].
مسألة: قالَ 1: ولا بأس أن يراجع امرأته إذا طلّقها تطليقة.
للمحرم أن يرق زوجته ويراجعها سواء طلقها، ثم أحرم، أو أحرم ثم طلّقها.
وبه قال جماعة العلماء، وقال إسحاق وأحمد في رواية: لا تجوز رجعته، وهذا غلط، لأن الرجعة تجري مجرى استدامة النكاح، والإحرام لا يمنع من استدامته، ألا ترى أن المولى كما لا يمنع عبده من استدامة النكاح لا يمنعه الرجعة، لأنها عقد لا تفتقر صحّته إلى الشهود، فلا يمنع منه المحرم كالبيع، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، وهذا ليس بشيء، فإن قيل: ما الفائدة في تقييده بالطلقة الواحدة عند قوله: ولا بأس أن يراجع، قيل: أراد تعميم الحرّ والعبد في ذلك إذ العبد كالحرّ في الرّجعة بعد الطلقة الواحدة، ولا يشبهه بعد الطلقتين، وكذلك ذكر العدة ليستقيم حدّ الرجعة في الأحرار والعبيد.
مسألة: قالَ 2: ويلبس المحرم المنطقة للنفقة.
المحرم يلبس المنطقة ويشدّ الهميان في وسطه احتاج إليه للنفقة أو لم يحتج إليه، ولو جعل في طرفي المنطقة سيورًا، فعقد بعضها إلى بعض لم يضره، نصّ عليه في "الأم" 3، وقال بعض أصحابنا: الأولى، تركها لما فيها من الإحاطة بالبدن، وقال مالك: إذا عقدها بشرائحها فهي كالمخيط يلزمه الفدية، وحكي أصحابنا عنه مطلقًا أنه لا يجوز له ذلك، وحكي بعض أصحابه عنه: أنه يجوز نحو مذهبنا، ويجوز أن يشدّ في وسطه حبلًا، أو يحتزم بعمامة.
وقال مالك: لا يجوز ذلك من حاجةٍ ماسةٍ، وهذا غلط لما روي عن عمر رضي الله عنه، أنه كان يحتزم لإحرامه 4، والدليل على ما

ذكرنا في المنطقة ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: [98/أ] رخّص للمحرم أن يشدّ المنطقة في وسطه، وإطلاق الرخصة يقتضي رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يفرق، وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن المحرم يشدّ الهميان على وسطه، قالت: نعم، ويستوثق من النفقة 1 ومثله عن ابن عباس 2، ولأنه محتاج إلى ذلك، ولا يستمسك إلا بعقد فجاز له عقده كالمئزر، قال: ويتقلّد السيف ويتكتف بالمصحف لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم "صالح مع الكفار عام الحديبية أن يعود إليهم في السنة الثانية معتمرًا ويقيم بمكة ثلاثًا، وأن يدخل، وهو ومن معه إلا وعليهم جلبان السلاح، قال البراء بن عازب راوي الخبر: الجلبان: القراب بما فيه، وإنما سُمي جلبانًا لخفائه، وهذا الشرط، لأنهم لم يأمنوا أن يخفروا الأمان.
مسألة: قالَ 3: ويستظلّ المحرم في المحمل.
له أن يستظّل بما لا يباشر رأسه كالخيمة والمحمل والعمارية، ولو أمسك شاشًا فوق رأسه بحيث لا يمارس رأسه، يجوز ولا فدية عليه مثل الخبرن وحكي عن مالك أنه يجوز أن يستظل نازلًا، ولا يجوز أن يستظلّ سائرًا، لأن ذلك الظل منسوب إليه كالعمامة، وتلزمه الفدية بذلك، وعن أحمد روايتان، واحتج بأن محرم ستر رأسه بما يقصد به الترفه كما لو غطّاه، وهذا لما روت أم الحصين، قالت: حججت مع النبي صلى لله عليه وسلم حجّة الوادع، فرأيت أسامة وبلالًا، أحدهما آخذًا بخطام ناقته، والآخر، رافعًا عليه ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة 4، وروي أن الآخذ بالخطام كان بلالًا والرافع للثوب أسامة، ولأنه تظلّل بما لا يماس رأسه، فأشبه إذا تظلّل بالسقف، وروي جابر في خبر [98/ب] حجّة الوداع "أن النبي صلى الله أمر بقبة من شعر فضربت له فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة وقد ضربت له بنمرة فنزل بها".
فإذا تقرر هذا، فالمستحب للرجل البروز للشمس، وإن كانت امرأة فالسراويل أولى وروي أحمد بن حنبل عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه رأى رجلًا قد جعل على محمله عمودًا له شعبتان وجعل عليه ثوبًا يستظلّ به، وهو محرم، فقال له ابن عمر: أضح للذي أحرمت له 5 أي: أبرز للشمس، وقال الرياشي: رأيت أحمد بن المعذل في الموقف في يوم شديد الحرّ، وقد ضحى الشمس، فقلت له: يا أبا الفضل هذا أمر قد اختلف فيه، فلو أخذت بالتوسعة فأنشد يقول: ضَحيتُ لهُ كي أستَظلّ بظلّهِ إذا الظلّ أمسى في القيمة قالصا

فوا أسفا إن كان سعيك باطلًا ويا حسرتا إن كان حجّك ناقصا وأحمد هذا بصري، مالكي المذهب بعدّ من زهّاد البصرة وعلمائها.

بَابُ دُخول مكّة

مسألة: قالَ 1: وأحب للمحرم أن يغتسل.
يستحبّ للمحرم إذا أراد دخول مكة أن يغتسل بذي طوى، وهو من سواد مكة قريب منها، ولا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك لما روى ابن عمر رضي الله عنه، قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة أحرم من ذي الحليفة، ثم أتى طوى فبات بها، فلما أصبح اغتسل ثم دخل من كداء من أعلى مكّة وخرج من كداء من أسفل" مكة 2 [99/أ]، وروي نافع عن ابن عمر: أنه إذا كان خرج حاجًّا أو معتمرًا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ثم يدخل مكّة نهارًا، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم 3 فعله وقال في "الأوسط" 4: أحبُّ للمحرم إذا أراد دُخول مكة أن يغتسل في طرفها وأراد ما ذكرنا، وهذا لأنه موضع جمع وزينةٍ، فالمستحبّ أن يكون على أكمل أحواله من التنظيف والغسل، ولا يجب ذلك لأنه غسل لأمرٍ مستقبلٍ، وهو دخول مكة فأشبه غسل العيدين، ويستحبُّ ذلك للحائض، والنفساء كما يستحب للطاهرة والصغير والكبير لحديث أسماء وعائشة رضي الله عنهما حين حاضت، وقال عليه السلام لعائشة رضي الله عنها حين حاضت: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت"، ويختار للغسل ذو طوى لأن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل مسألة: قالَ 5: ويدخل من ثنية كداء.
المستحبّ أن يدخل مكة من ثنية كداء من أعلى مكّة ويخرج من ثنية كداء من أسفل مكة والأعلى عند طريق منى، والأسفل عند طريق العمرة "لما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل مكة من أعلاها، ويخرج من أسفلها" 6، وروي عنها أنها قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح من كداء أعلى مكّة ودخل في العمرة من كداء 7. وكداء ممدود وكداء ثنيتان، ثم النزول بذي طوى والدخول من ثنية كداء لمن جاء من طريق المدينة، فأمّا من سائر الأقطار يحتاج إلى أن يدور حول مكة حتى يدخل من هذا الطريق ويشقّ عليه ذلك، فلا يستحب ذلك وبمثله [99/ب] يستحبّ لجميعهم الدخول في المسجد من باب بني شيبة، والفرق من وجهين: أحدهما: أن ذلك القدر لا يشقّ، وهو أن يدور حول بعض المسجد إلى أن يصل إلى باب بني شيبة وهناك يشقّ.

والثاني: أن ثنية كداء كان على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخوله منه كان اتفاقًا لا قصدًا، وباب بني شيبة لم يكن على سمت دخوله فإن الداخل من طريق المدينة أول ما يصل يصل إلى باب إبراهيم، فدل أن الفصل في باب بني شيبة أشد حيث تكلّف النبي صلى الله عليه وسلم ذكره الفقال.
فرع لا فرق بين الليل والنهر، فإن شاء دخل ليلًا، وإن شاء دخل نهارًا، ولا فرق لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها ليلًا حين اعتمر من الجعرانة ودخلها في عمرة القضاء، وعام الفتح نهارًا، وقال جابر: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة حين ارتفعت الضحى، وقال أبو إسحاق: دخولها نهارًا أولى.
وبه قال ابن عمر والنخعي وإسحاق، وقالت عائشة وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير: دخولها ليلًا أولى.
فرع آخر لا فرق بين أن يدخلها راكبًا أو ماشيًا أو حافيًا في الإباحة والمشي أفضل، وقال بعض العلماء: المستحبّ أن يَدخلها راكبًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم راكبًا.
وقال بعضهم: المستحبّ أن يدخلها ماشيًا حافيًا لقوله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: 12]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد حجّ هذا البيت سبعون نبيًا كلهم خلعوا نعالهم من ذي طوى تعظيمًا للحرم" 1، قال أصحابنا: ويستحبّ أن يدخلها بخشوع قلب وخضوع جسد داعيًا بالمعونة والتيسير [100/أ]، ومكّة وبكّة واحدة، وقيل مكّة الحرم كله وبكّة اسم البيت، وقيل: مكة الحرم وبكة المسجد كله.
مسألة: قالّ 2 وإذا رأى البيت.
الفصل إذا دخل مكة يبدأ بالقصد نحو البيت لا يشتغل بشيء آخر.
وقال إذ رأى البيت: اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة وزد في شرفه وعظمة ممن حجّة أو اعتمر تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا وبرًا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت قال ذلك 3، ونقل المزني: لمن عظم البيت تكريمًا ومهابةً كما ذكر البيت، وهو غلط، ولفظ الشافعي في "الأم": وبرًا على ما ذكرنا، وهذا لفظ الخبر، وهو الأليق لأن المهابة للبيت لا لمن عظمه والبر به أليق، وقيل: ما ذكر المزني مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم مرسلًا، رواه ابن جريج، وهذا الدعاء لما روي أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تفتح أبواب السماء وتستجاب دعوة المسلمين عند رؤية الكعبة".
قال الشافعي 4: ونقول بعد هذا الدعاء: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا

بالسلام، وهذا لما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول ذلك 1، وروي مثله عن سعيد بن المسيب 2 ويليق بهذا المكان، وقوله: أنت السلام اسم من أسماء الله تعالى، ومنك السلام يعني من الآفات، فحينا ربنا بالسلام، يعني أجعل تحيتنا في وفودنا عليك السلام من الآفات.
وقال سعيد بن المسيب: سمعت عمر يقول كلمة ما سمعها منه غيري، سمعته يقول هذا حين رأى البيت، وروي ابن جريج [100/ب] عن بعض السلف أنه كان إذا رأى البيت يقول: اللهم إنا نحلّ عقدة ونشدّ أخرى ونهبط واديًا ونعلو آخر حتى آتيناك غير محجوب أنت أعنا إليك خرجنا - وقيل حججنا - فارحم ملقى رحلنا بفناء بيتك، قال الشافعي: وأحبّ أن يقول هذا ذكره القفال ويستحب أن يرفع يديه إذا رأى البيت، ثم يقول هذا الدعاء، نصّ عليه في "الجامع الكبير"، وذكره القاضي أبو حامد في "جامعه".
وقال في "الإملاء": ليس في رفع اليدين شيء أكرهه ولا أستحبه ولكنه حسن للخبر في ذلك، والمراد بالخبر ما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ترفع الأيدي في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت وعلى الصفا والمروة، والموقفين، والجمرتين" 3. وروى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ترفع الأيدي في استقبال البيت" 4. وروي عن ابن عمر أنه كان يرفع اليد عند رؤية البيت، ومثله عن مالك أنه كان لا يرى ذلك، واحتجّ بما روي عن المهاجر المكّي قال: سئل جابر رضي الله عنه عن الرجل يرى البيت يرفع يديه، فقال: ما كنت أرى أحدًا يفعل هذا إلا اليهود، وقد حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن يفعله" 5، وهذا غلط لما ذكرنا، لأنه زائد ومثبت وهو أولى، وقد قيل المهاجر المكي مجهول، وأما التكبير عند رؤية البيت لا يعرف للشافعي أصلًا، وقال بعض أصحابنا: إذا رآه كبّر وليس بشيء.
مسألة: قالَ 6: ويبتدئ الطواف باستلام الحجر.
إذا دخل مكة يدخل المسجد ولا يعرج على شيء غير الطواف بالبيت، ويؤخر تغيير ثيابه واكتراء منزل [101/أ] ينزلهُ حتى يفرغ من الطواف لأنه تحية البيت فيبدأ به كما يبدأ إذا دخل المسجد بركعتين تحية، وهذا لأن البيت أفضل من سائر المساجد، فكانت تحيته أفضل من تحية سائر المساجد، والطواف أفضل من الصلاة،

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ينزل الله تعالى على هذا البيت عشرين ومائة رحمة، ستون منها للطائفتين وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين" 1. وروى أبو هريرة بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أكرم سكان أهل السماء الذين يطوفون حول عرشه، وأكرم سكان أهل الأرض الذين يطوفون حول بيته" وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من طاف بهذا البيت أسبوعًا فأحصاه كان كعتق رقبته" 2. وقال أيضًا: "لا يرفع قدمًا، ولا يضع أخرى إلا حطّ الله عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة"، وروي ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من طاف بالبيت خمسين مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" 3. وروي جابر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عند ارتفاع الضحى، فأناخ راحلته عند باب بني شيبة ودخل المسجد، فاستلم الحجر، ثم طاف" ويسمى هذا الطواف طواف القدوم، وطواف الورود، وطواف التحية.
فإن قيل: فهلا قلتم: إنه يركع ركعتين تحية لدخول المسجد؟ قلنا: لأن المقصود من دخول هذا المسجد الكعبة، فأمرنا بالطواف الذي هو تحية الكعبة، فإن قيل: إذا طاف ينبغي أن يركع ركعتين تحية المسجد؟ قلنا: إذا فرغ من الطواف ركع خلف المقام ركعتين وتسقط تحية المسجد بها ألا ترى أنه إذا دخل المسجد والإمام في المكتوبة يصلى المكتوبة معه وتسقط تحية المسجد؟ ولأن المقصود من تحية المسجد ألا يدخل المسجد لاهيًا، [101/ب] فإذا طاف فقد زال هذا المعنى، فإذا تقررّ هذا، فاعلم أنه لا يختص هذا الحكم بالحاج بل هول يستحب لكلّ من دخل مكّة، وإن كان تاجرًا، ويستحبّ أن يدخل من باب بني شيبة لما روى عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل من باب بني شيبة، وخرج من باب نبي مخزوم 4، ولو دخل والإمام في الفريضة.
قال الشافعي 5: يبدأ بالصلاة لأن الجماعة في المكتوبة سنة مؤكدة وفي بدايته بالطواف فوات الجماعة، وليس في بدايته بالجماعة فوات الطواف، فكان الأولى البداية بالصلاة، قال 6: وإن دخل، وقد تقاربت إقامة الصلاة، بدأ بالصلاة، فإن بدأ بالطواف ثم أقيمت الصلاة، قطع الطواف وصلى ثم بني على طوافه وأتمه ويختار أن يقطعه على وتر فإن قطعه على شفع جاز ويخرج من الطوفة عند الحجر الأسود ليكون قد أكملها.
وروي عن ابن عمر أنه كان يطوف، فإذا أقيمت الصلاة صلى مع الإمام ثم بني على طوافه، وإن دخل، وقد ضاق وقت المكتوبة بدأ بها لأن إخراج المكتوبة عن وقتها لا يجوز وهكذا إذا خاف فوت الوتر بطلوع الفجر بدأ بالوتر، وكذلك إذا خاف فوت ركعتي الفجر بدأ بهما لأنهما نافلتان مؤكدتان، وقد قال الشافعي: ومن تركها كان

أسوأ حالًا ممن ترك جميع النوافل فيبدأ بهما لقوتهما، وفضّل تأكدهما وكل موضع، قلنا: يبدأ بالصلاة، فإذا فرع منها طاف، فإن قيل: هلا أسقطتم الطواف كما إذا دخل المسجد، والإمام في المكتوبة فصلاها معه سقطت ركعتا التحية؟ قيل: لأن الصلاة والطواف جنسان مختلفان، فلم يتداخلا وركعتي التحية والصلاة المكتوبة جنس واحد فيتداخلان، ثم قال في "الأم" 1: ولا فرق بين الرجال والنساء في ذلك إلا امرأة لها [102/أ] شباب ومنظر، فأحبّ لها أن تؤخر الطواف حتى الليل ليستر الليل منها وهذا الطواف غير واجب، فإن تركه لا شيء عليه.
وقال أبو ثور هو نسك ويجب بتركه دم، وقال مالك: إن تركه مرهقًا مستعجلًا فلا شيء عليه وإن تركه مطيقًا يلزمه دم، وهذا غلط، لأنه لا يلزمه إعادته، فلا يكون نسكًا وإنما هو تحية على ما ذكرنا، فلا يجب الدم بتركه.
فرع إذا أراد الطواف يستحبّ أن يبتدئ من الركن الذي فيه الحجر الأسود ثم يصنع خمسة أشياء أن يحاذيه ببدنه، والثاني أن يستلمه بيده، والثالث أن يقبّل بفيه، والرابع، أن يسجد عليه إن أمكنه، والخامس، أن يقول عند استلامه: بسم الله، والله أكبر إيمانًا بك، أي: أطوف إيمانًا بك وأراد بالتصديق بكتابه قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، وأراد بالعهد قوله تعالى: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123]، فإتباع ملّة إبراهيم من عهد الله تعالى إلينا ويريد بإتباع سنّة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه قد ثبت عنه أنه طاف بالبيت، كما بينا، وإنّما يستحبّ ذلك لما روى عبد الله بن السائب ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: كلها هيئة لا محاذاة الحجر الأسود.
ورُوي أن عمر رضي الله عنه جاء إلى الحجر الأسود، فقبّله، ثم سجد عليه، ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله ما فعلته 2. فرع آخر البداية بالحجر عند الطواف لشرفه.
وروي جابر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عينه من البكاء 3. وروي نحو ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما 4. وروي ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم [102/ب] قال: "الحجر الأسود من الجنة، وهو أشد بياضًا من اللبن فسودته خطايا بني آدم" 5. روي عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس

نورهما لأضاءتا بين المشرق والمغرب" 1. وروي ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحجر: "والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق" 2، واعلم أن متابعة السنّة واجبة ولو لم يوقف على علّتها، وقد فضل الله تعالى بعض الأحجار على بعض كما فضّل بعض البقاع والبلدان والأيام على بعض.
فرع آخر الاستلام افتعال في التقدير مأخوذ من السلام، وهي الحجر، فالسلام الحجارة السود والبصرة الحجارة البيض وبها سميت البصرة لما في أرضها من عروق الحجارة البيض، فقوله: استلم، أي: مسّ السلم، وقيل: إنه مأخوذ من السّلم أي إنه يحي نفسه عن الحجر، فإن الحجر لا يحييه كما يقال: اختدم إذا لم يكن له خادم فخدم بنفسه، وقيل: مأخوذ من السلم كأنه يسلّم عليه ويحييه به، والكمال في الاستحباب أن يستقبل الحجر فيضمه إلى الصدر مع تقبيله، وقد روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الحجر يمين الله في الأرض يصافح به عباده" 3، والمعنى أن من صافحه في الأرض كان له عند الله عهد، فكان كالعهد تعقده الملوك بالمصافحة لمن يريد موالاته، وكما يصفق على أيدي الملوك للبيعة، وكذلك تقبيل اليد من الخدم للسادة والكبراء، فهذا كالتمثيل بذلك والتشبيه به.
فرع آخر قال الشافعي: يقبل الحجر بلا تصويت ولا تطنين.
هكذا السّنة فيه، وقال مالك: يكره [103/أ] ذلك، بل يستلمه ثم يقبل يده وهذا غلط لما روى ابن عباس أن عمر رضي الله عنه مال على الحجر، قال: أما أني لأعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك لما قبّلتك.
وقرأ: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ" [الأحزاب:21].
وروي أنه لما قال هذا قال له أبي بن كعب: أما سمعت رسول الله يقول: "إن الحجر الأسود يأتي يوم القيامة، وله لسان ذلق يشهد لمن قبَله واستلمه"، قال: نعم، قال: وبهذا منفعته.
فرع آخر قال: لو لم يتمكن من التقبيل استلم، وقبل اليد، فإن لم يتمكن من الاستلام والتقبيل.
قال الشافعي: أشار ولا يشير إلى القبلة بالفم لما روي عن طارق، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف حول البيت، فإذا ازدحم الناس على الطواف استلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحجن بيده"، وقال في الحاوي 4: إذا ازدحم الناس أومأ بيده، ثم يقبلها.

وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف في حجّة الوداع يستلم الركن بمحجن" 1 المحجن: عود معقف الرأس يكون مع الراكب يحرّك به راحلته، ومعنى طوافه على البعير ليراه الناس، ويشاهدوه فيسألونه عن أمر دينهم، ويأخذوا عنه مناسكهم، فاحتاج إلى أن يشرف عليهم.
وقد روي هذا المعنى عن جابر 2، أدرجه في الخبر، وروي: أشار إليه بشيء في يده وكبّر وقبّله.
فرع آخر الزحام عليه مكروه، وقالت طائفة من العلماء الزحام عليه أفضل لأن سالم بن عبد الله، قال: كنا نزاحم عبد الله بن عمر على الركن، وكان عبد الله لو زاحم الإبل لزحمها، وقال طلحة بن يحيي بن طلحة: سألت القاسم بن محمد عن استلام الركن، فقال: استلمه يا ابن أخي وزاحم عليه، فإني رأيت ابن عمر [103/ب] يزاحم عليه حتى يُلقى، وقيل لابن عمر: إنك تزاحم على الركنين زحامًا، فقال: لأني سمعتُ رسوله الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن مسحهما كفّارة للخطايا" 3 وهذا غلط لما روي عن عمر رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك رجل قوي تؤذي الضعيف، فإذا أردت أن تستلم الحجر، فإن كان خاليًا، فاستلمه وإلا فاستقبله وكّبر" 4، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تزاحم على الحجر لا تؤذي ولا تؤذي لودَدت أن الذي يزاحم على الحجر نجا منه كفافًا.
فرع آخر إذا أرادت المرأة تقبيل الحجر، فعلت ذلك في الليل عند خلو الطواف وليس لها ذلك عند زحمة الناس.
فرع آخر الكمال أن يستقبل الحجر بكل جزء من بدنه، وهو أن يأتي البيت، ويجعل الحجر عن يمين نفسه، ثم يمرّ به مستقبلًا له، فإذا جاوزه صار البيت عن يساره، فأما الإجزأ فأن يحاذي بكل بدنه كل الحجر، أو بكلّ بدنه بعض الحجر إن أمكن كما لو استقبل بجميع بدنه بعض البيت في الصلاة يجوز ولو حاذى ببعض بدنه كل الحجر، أو بعض الحجر فيه قولان.
قال في "القديم": يجزئه لأن محاذاته بجميع بدنه، ومعرفة ذلك مما يشقّ فسومح له فيه، ولأنه حكم يتعلق بالبدن، فاستوي فيه حكم جميع البدن وبعضه كالحد، وقال في

جارٍ التحميل