بحر المذهب للرويانيصفحات 384-390

قال في الحاوي: وهذا كما قال: الميسم عندنا مستحب في مواشي الزكاة والجزية وحكي عن أبي حنيفة كراهيته لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تعذيب الحيوان ودليلنا رواية أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسم إبل الصدقة 1. وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى العباس وهو يسم إبله في وجوهها فقال: يا عباس لا تسم في الوجه فقال: العباس والله لا وسمتها بعد هذا إلا في الجاعرتين.
وروى ابن عيينة عن عاصم بن مسعد بن نقادة عن أبيه عن جده نقادة الأسدي، أنه قال: يا رسول الله إني رجل مغفل فأين أسم قال: في موضع الجرم من السالفة، فقال: يا رسول الله أطلب لي طلبة، قال: أبغني حلبانه ركبانة غير أن لا تولد ذات ولد عن ولدها.
المغفل صاحب الإبل الغفل التي لا سمة عليها والجرم: الزمام.
والسالفة: مقدم صفحة العتق، والحلبانة: ذات لبن يحلب والركبانة ذات ظهر يركب، وروى زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال لعمر بن الخطاب: إن في الظهر ناقة عمياء، فقال عمر ادفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها يقطرونها بالإبل قلت: فكيف تأكل من الأرض، قال عمر: من نعم الجزية أو من نعم الصدقة؟ فقلت: الإبل هي من نعم الجزية، فقال عمر: أردتم والله أكلها فقلت: إن عليه وسم الجزية، قال: فأمر بها فنحرت.
الحديث فدل على أن الميسم فعل الأئمة وإجماع الصحابة، ولأن به تمتاز الأموال مع تميز مستحقها وليكون إذا ضلت سبباً لردها فإذا ثبت جواز الوسم، فالكلام فيه يشتمل على فصلين: أحدهما: أن يكون الميسم منها.
والثاني: فالذي يكتب عليه.
فأما مكانه فهو كل موضع صلب من البدن وقل شعره، فإن كان في الإبل والبقر فعلى أفخاذها وإن كان في الغنم فعلى أصول آذانها، ويكون ميسم الغنم ألطف لأنها ضعيفة لا تصبر من الألم على ما يصبر عليه غيرها، فأما ما يكتب فإن كانت من نعم الصدقة كان بالخيار بين ثلاثة أسماء، إما أن يكتب عليها صدقة أو طهرة أو لله، وهذا أحبها إلى الشافعي تبركاً بذكر الله تعالى واقتداء بالسلف، وإن كانت من الجزية كان بالخيار بين أمرين: إما أن يكتب جزية أو يكتب صغاراً، وهذا اجتهاد الشافعي إتباعاً لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:29] فأما تمييزها بجدع الأنوف وقع الآذان فمكروه، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن المثلة 2، والله أعلم.

باب الاختلاف في المؤلفة

مسألة 1 قال الشافعي رحمه الله: "قال بعض الناس لا مؤلفة فيجعل سهمهم وسهم سبيل الله في الكراع والسلاح في ثغور المسلمين".
قال في الحاوي: قد مضت مسائل هذا الباب مشروحة بدلائلها وإنما أورده الشافعي مقصوراً على ذكر الاختلاف فيها والاحتجاج عليها فاقتصرنا منه على الإشارة إلى تفصيل ما أورده، فمن ذلك مسألتان قدمهما في هذا الفصل: إحداهما: في سهم المؤلفة.
والثانية: في سهم سبيل الله.
فأما سهم المؤلفة فإن أبا حنيفة أسقطه وزعم أن لا مؤلفة للاستغناء عنهم بقوة الدين وإعزاز المسلمين، وهو عند الشافعي ثابت على الشرح الذي قدمناه؛ لأن الله تعالى أثبت لهم في آية الصدقات سهماً فلم يجز نسخه بعد انقطاع الوحي؛ ولأن ما بقي للإسلام أعداء يلزم جهادهم بقي مؤلفة يتآلف قلوبهم كالعصر الأول.
وأما سهم سبيل الله تعالى، فإن أبا حنيفة زعم أنه مصروف مع سهم المؤلفة في الكراع والسلاح في ثغر المسلمين وعند الشافعي أنه مصروف على ما قدمناه في الغزاة والمجاهدين، ولا يجوز أن يشتري به كراعاً ولا سلاحاً لمن لم يتعين منهم، لأن الله تعالى جعل مال الصدقات مصروفاً إلى مالكين فإن تعين الغزاة الذين يعطون تلك الصدقات واحتاجوا إلى كراع وسلاح فإن كان قاسم الصدقة رب المال لم يجز أن يشتري لهم بسهمهم كراعاً وسلاحاً ودفع إليهم عين ماله ليتولوا لأنفسهم شراء ما احتاجوا إليه من كراع وسلاح لئلا يصير رب المال دافعها قيمة زكاة إذ يمنع الشافعي منها وإن كان قاسم الصدقة والياً ففي جواز إتباعه ذلك لهم وجهان مضيا.
مسألة 2 قال الشافعي: "وقال بعضهم ابن السبيل من مر يقاسم في البلد الذي به الصدقات".
قال في الحاوي: وهذه مسألة ثالثة أراد بها أبا حنيفة حيث يقول: إن ابن السبيل الذي يستحق سهمه من الصدقات هو المجتاز ببلد الصدقة دون المنشئ لسفره منه ليكون مصروفاً إلى من تناوله حقيقة الاسم، وعند الشافعي أنه مصروف إلى المجتاز والمنشئ اعتباراً بالعموم، ولأن المنشئ جاز للمال فكان أولى من المجتاز الغريب، ولأنه لما جاز أن يعان المجتاز على بعض سفره فأولى أن يعان المنشئ على جميع سفره.

مسألة 1 قال الشافعي: "وقال أيضاً حيث كانت الحاجة أكثر فهي واسعة كأنه يذهب إلى أنه فوضى بينهم يقسمونه على العدد والحاجة لأن لكل أهل صنف منهم سهماً".
قال في الحاوي: وهذه مسألة رابعة أراد بها أبا حنيفة حيث يقول: إن مال الصدقات لا يلزم صرفه في جميع الأصناف ولكن يصرف في أمسهم حاجة ويعدل عن الباقين، وعند الشافعي: أنه يصرف في جميع الأصناف الثمانية المسماة في آية الصدقات؛ لأن الله تعالى سمى لكل صنف منهم حقاً، فلم يجز العدول عن بعضهم كما لم يجز العدول عن جميعهم، ولأنه لما كان عطايا الآدميين من الوصايا إذا سمى فيها أصناف لم يجز الاقتصار على بعضها كانت عطايا الله تعالى أولى؛ ولأنه لو كانت الحاجة معتبرة لبطل حكم التصريف والتسمية، والله أعلم.
مسألة 2 قال الشافعي: "ومن أصحابنا من قال: إذا تماسك أهل الصدقة وأجدب آخرون نقلت إلى المجدبين إذا كانوا يخاف عليهم الموت كأنه يذهب إلى أن هذا مال من مال الله عز وجل قسمة لأهل السهمان لمعنى صلاح عباد الله على اجتهاد الإمام".
قال في الحاوي: وهذه مسألة خامة أراد بها أبا حنيفة، فإنه يجوز نقل الصدقة عن بلد المال إلى غيره بحسب ما يؤدي اجتهاد الإمام إليه في شدة الحاجة، وعند الشافعي أنه لا يجوز نقل الصدقة عن بلد المال إلى غيره لأحل الحاجة لما قدمناه من الدليل.
فإن قيل: فقد نقل عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر صدقات قومهما إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالمدينة قيل أجاب الشافعي عنه بأربعة أجوبة.
أحدها: أنه يحتمل أن يكون نقل إلى المدينة ما فضل من جيران المال.
والثاني: أنه كان من بالمدينة أقرب الناس بهم نسباً وداراً فكانوا أحق بها.
والثالث: أنه يحتمل أن يكون من حولهم ارتدوا؛ لأنه كان وقت الردة فلم يستحقونها مع الردة فنقلت إلى المدينة.
والرابع: أنه يحتمل أن يكون قد حملت إلى أبي بكر إظهارا لطاعته؛ لأن الناس قد كانوا منعوا الزكاة في ذلك الوقت، فلما أظهروا الطاعة بنقل الزكاة ردها عليهم ليتولوا قسمها في جيرانهم.
مسألة 3 قال الشافعي: " وأحسبه يقول وتنقل سهمان أهل الصدقات إلى أهل الفيء بأن

جهدوا وضاق الفيء وينقل الفيء إلى أهل الصدقات إن جهدوا وضاقت الصدقات على معنى إرادة صلاح عباد الله.
وقال الشافعي: وإنما قلت بخلاف هذا القول لأن الله جل وعز جعل المال قسمين أحدهما في قسم الصدقات التي هي طهرة فسماها الله لثمانية أصناف ووكدها وجاءت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يؤخذ من أغنيائكم فترد على فقرائهم لا فقراء غيرهم ولغيرهم فقراء فلا يجوز فيها عندي والله أعلم أن يكون فيها غير ما قلت من أن لا تنقل عن قوم وفيهم من يستحقها ولا يخرج سهم ذي سهم منهم إلى غيره وهو يستحقه وكيف يجوز أن يسمي الله تعالى أصنافاً فيكونون موجودين معاً فيعطي أحد سهمه وسهم غيره ولو جاز هذا عندي جاز أن يجعل في سهم واحد جميع سهام سبعة ما فرض لهم ويعطى واحد ما لم يفرض له والذي يخالفنا يقول: لو أوصى بثلثه لفقراء بني فلان وغارمي بني فلان رجل آخر وبني سبيل بني فلان رجل آخر إن كل صنف من هؤلاء يعطون من ثلثه وأن ليس لوصي ولا والي أن يعطى الثلث صنفاً دون صنف وإن كان أحوج وأفقر من صنف لأن كلا ذو حق سمي له وإذا كان هذا عندنا وعند قائل هذا القول فيما أعطي الآدميون أن لا يجوز أن يمض إلا على ما أعطوه فعطاء الله أولى أن لا يجوز أن يمض إلا على ما أعطى.
قال: وإذا قسم الله الفيء وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أربعة أخماسه لمن أوجف على الغنيمة للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم ولم نعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فضل ذا غناء على من دونه ولم يفضل المسلمون الفارس أعظة الناس غناء على جبان في القسم وكيف جاز لمخالفنا في قسم الصدقات وقد قسمها الله تعالى أمين القسم بعضاً دون بعض وينقلها عن أهلها المحتاجين إليها إلى غيرهم لأن كانوا أحوج منهم أو يشركهم معهم أو ينقلها عن صنف منهم إلى صنف غيره.
أرأيت لو قال قائل لقوم أهل غزو كثيراً وجفوا على عدو أنتم أغنياء فآخذ ما أوجفتم عليه فأقسمه على أهل الصدقات المحتاجين إذا كان عام سنة لأنهم من عيال الله تعالى هل الحجة عليه إلا من قسم الله له بحق فهو أولى به وإن كان من لم يقسم له أحوج منه وهكذا ينبغي أن يقال في أهل الصدقات وهكذا لأهل المواريث لا يعطى أحد منهم سهم غيره ولا يمنع من سهمه لفقر ولا لغنى ومضى معاذ بن جبل رضي الله عنه أيما رجل انتقل من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته ففي هذا معنيان: أحدهما: أنه جعل صدقته وعشرة لأهل مخلاف عشيرته لم يقل لقرابته دون أهل المخلاف والأخر أنه رأى أن الصدقة إذا ثبتت لأهل مخلاف عشيرته لم تحول عنهم صدقته وعشره بتحوله عنهم وكانت كما ينبت بدأ فإن قيل فقد جاء عدي بن حاتم أبا بكر رضي الله عنه بصدقات والزبرقان بن بدر فهما وإن جاءا بها فقد تكون فضلاً عن أهلها ويحتمل أن يكون بالمدينة أقرب الناس بهم نسباً وداراً ممن يحتاج إلى سعة من مضر وطيئ من اليمن ويحتمل أن يكون من حولهم ارتدوا فلم يكن لهم فيها حق ويحتمل أن يؤتى بها أبو بكر رضي الله عنه ثم يردها إلى غير أهل المدينة وليس في

ذلك خبر عن أبي بكر نصير إليه فإن قيل: فإنه بلغنا أن عمر رضي الله عنه كان يؤتى بنعم من الصدقة فبالمدينة صدقات النخل والزرع والناض والماشية وللمدينة ساكن من المهاجرين والأنصار وحلفاً لهم وأشجع وجهينة ومزينة بها وبأطرافها وغيرهم من قبائل العرب فعيال ساكني المدينة بالمدينة وعيال عشائرهم وجيرانهم وقد يكون عيال ساكني أطرافها بها وعيال جيرانهم وعشائرهم فيؤتون بها وتكون مجمعاً لأهل السهمان كما تكون المياه والقرى مجمعاً لأهل السهمان من العرب ولعلهم استغنوا فنقلها إلى أقرب الناس بهم وكانوا بالمدينة.
فإن قيل: فان عمر رضي الله عنه كان يحمل على أبل كثيرة إلى الشام والعراق فإنما هي والله أعلم من نعم الجزية لأنه إنما يجعل على ما يحتمل من الإبل وأكثر فرائض الإبل لا تحمل أحداً وقد كان يبعث إلى عمر بنعم الجزية فيبعث فيبتاع بها إبلاً جلة فيحمل عليها.
وقال بعض والناس: مثل قولنا في أن ما أخذا من مسلم فسبيله سبيل الصدقات".
قال في الحاوي: وهذه مسألة سادسة أراد بها أهل العراق، ولعل أبا حنيفة معهم فإنهم جوزوا نقل الصدقات إلى أهل الفيء، ونقل الفيء أهل الصدقات اعتباراً بشدة الحاجة ثم اختلفوا بعد النقل، وهل يقضي من نقل عنه سهمه إذا اتبع مال المنقول إليه؟ فمنهم من أوجب القضاء، ومنهم من أسقطه وعند الشافعي لا يجوز نقل الصدقة إلى أهل الفيء وإن جهدوا ولا نقل الفيء إلى أهل الصدقات وإن جهدوا، ويقسم كل واحد من الحالين في أهله؛ لأن الله تعالى سمى لكل مال مالكاً فلم يجز أن يعدل به عنه لما فيه من إبطال النص، ولأنه لما لم يجز أن يعدل بالغنيمة عمن سماه الله تعالى فيها انقيادا لحكم النص، وإن كان غيرهم أشد ضرورة وأمس حاجة لم يجز في مال الفيء والصدقات أن يعال به عن حكم النص، ولأنه لما كانت عطايا الآدميين من الوصايا لا يجوز أن يعدل بها عمن سميت له فعطايا الله تعالى أولى؛ ولأنه لما لم يجز أن يعدل بالمواريث عمن سماه الله تعالى إلى من هو آثر وأحوج، فكذلك مال الفيء والصدقات؛ ولأن عمر رضي الله عنه كان يسم إبل الصدقة ميسم وإبل الجزية ميسم فلولا تميز المستحق لكل واحد من المثالين لما ميز بالميسم.
فإن قيل: فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يحمل على إبل كثيرة من إبل الصدقة إلى الشام والعراق، فدل على جواز دفع الصدقة إلى أهل الفيء.
قال الشافعي جواباً عن هذا: إن عمر إنما كان يحمل على إبل الجزية لا على إبل الصدقة، لأن أكثر فرائض الإبل في الصدقات لا يحمل عليه، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان ليبعث إليه بنعم الجزية فيبعث بها فيبتاع بها إبلاً يحمل عليها.
مسالة 1 قال الشافعي: "وقالوا والركاز سبيل الصدقات ورووا ما روينا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

قال: "وفي الركاز الخمس" وقال: "المعادن من الركاز وكل ما أصيب من دفن الجاهلية من شيء فهو ركاز" ثم عادا لما شدد فيه فأبطله فزعم أنه إذا وجد ركازاً فواسع له فيما بينه وبين الله تعالى أن يكتمه وللوالي أن يرده عليه بعدما يأخذه منه أو يدعه له فقد أبطل بهذا القول السنة في أخذه وحق الله في قسمه لمن جعله الله له ولو جاز ذلك جاز في جميع ما أوجبه لله لمن جعله له.
قال: فإنا روينا عن الشعبي أن رجلاً وجد أربعة أو خمسة آلاف درهم فقال علي رضي الله عنه لأقضين فيها قضاء بيناً أما أربعة أخماس فلك، وخمس للمسلمين.
ثم قال والخمس مردود عليك.
قال الشافعي رحمه الله: فهذا الحديث ينقض بعضه بعضاً إذا زعم أن علياً قال: والخمس للمسلمين فكيف يجوز أن يرى للمسلمين في مال رجل شيئاً ثم يرده عليه أو يدعه له وهذا عن علي مستنكر، وقد رووا عن علي رضي الله عنه بإسناد موصول أنه قال: أربعة أخماسه لك واقسم الخمس في فقراء أهلك فهذا الحديث أشبه بحديث علي رضي الله عنه لعل علياً علمه أميناً وعلم في أهله فقراء من أهل السهمان فأمره أن يقسمه فيهم.
قال الشافعي رحمه الله: "وهم يخالفون ما رووا عن الشعبي من وجهين أحدهما أنهم يزعمون أن من كانت له مائتا درهم فليس للوالي أن يعطيه ولا له أن يأخذ شيئاً من السهمان المقسومة بين من سمى الله تعالى ولا من الصدقات تطوعاً والذي يزعمون أن علياً ترك له خمس ركازه رجل له أربعة آلاف درهم ولعله أن يكون له مال سواها ويزعمون أنأ إذا أخذ الوالي منه واجباً في ماله لم يكن له أن يعود عليه ولا على أحد يعوله ويزعمون أن لو وليها هو لم يكن له حبسها ولا دفعها إلى أحد يعوله".
قال الشافعي رحمه الله: "إذا كان له أن يكتمها وللوالي أن يردها إليه فليست بواجبة عليه وتركها وأخذها سواء وقد أبطلوا بهذا القول السنة في أن في الركاز الخمس وأبطلوا حق من قسم الله من أهل السهمان الثمانية فإن قال: لا يصلح هذا إلا في الركاز.
قيل: فإن قيل لك: لا يصلح في الركاز ويصلح فيما سوى ذلك من صدقة وماشية وعشر زرع وورق فما الحجة عليه إلا كهي عليك؟ والله سبحانه وتعالى أعلم".
قال في الحاوي: وهذه مسألة سابقة أراد بها أبا حنيفة، فإنه جعل في الركاز الخمس للخبر المروي فيه ثم ناقض في قوله بعد وجوب الخمس فيه، فجعل واجد الركاز مخيراً بين إظهاره للإمام وبين كتمه ثم جعل للإمام إذا ظهر له الركاز، مخيراً بين أخذ خمسه منه وبين رده عليه وعول فيه على أنه ضعيف رواه الشعبي منقطعاً: أن رجلاً وجد أربعة أو خمسة آلاف درهماً فقال علي لأقضين فيها قضاء بيناً، أما أربعة أخماسه فلك وخمس للمسلمين ثم قال: والخمس مردود عليك، وهذا خطأ بل الخمس مستحق لأهل الصدقات لا يجوز تركه عليه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "في الركاز الخمس" 1 ولأنه لا يخلو أن يكون

واجباً فلا يجوز تركه أو غير واجب فلا يجوز أخذه، ولأنه لو كان غنياً لم يكن له حبس الخمس على نفسه بوفاق أبي حنيفة فكذلك إذا كان فقيراً كالعشر.
فأما حديث الشعبي فقد قال الشافعي بعضه ينقض بعضاً إذا زعم أن علياً قال: إن الخمس للمسلمين، فكيف يجوز أن يرى للمسلمين في مال رجل شيئاً ثم يرده عليه، وهذا عن علي مستنكر، وقد روي عن علي رضي الله عنه بإسناد موصول أنه قال: أربعة أخماسه لك واقسم الخمس في فقراء أهلك وهل الحديث أشبه بعلي عليه السلام مما رواه الشعبي، ولأن رد الصدقة على الفيء لا يجوز عنده، ومن وجد أربعة آلاف درهم كان غنياً عنده ببعضها ولعله قد كان يملك غيرها فكيف يجوز أن يرد عليه صدقة هو عنده غير مستحق لها ولو جاز مثل هذا في الركاز لجاز في غيره من الصدقات، فدل على فساد ما ذهب إليه وتناقض ما عول عليه وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق.
تم كتاب الصدقات والحمد لله كثيراً وصلواته على سيدنا محمد وآله يتلوه بحول الله وعونه كتاب النكاح وحسبنا الله ونعم الوكيل.

جارٍ التحميل